Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
القسم الثاني فيما أخرج من الإجماع وهو منه المسألة الأولى كل مسألة فالحكم فيها إما أن يكون بالإيجاب الكلي أو بالسلب الكلي أوبالإيجاب في البعض والسلب في البعض فهذه احتمالات ثلاثة لا مزيد عليها فإذا اختلف أهل العصر الأول على قولين من هذه الثلاثة فهل لمن
بعدهم أن يذكروا الثالث الأكثرون منعوه وأهل الظاهر جوزوه
стр. 1227
والحق أن إحداث القول الثالث إما أن يلزم منه الخروج عما أجمعوا عليه أو لا يلزم فإن كان الأول لم يجز إحداث القول الثالث مثاله الأمة اختلفت في الجد مع الأخ على قولين منهم من جعل المال كله للحد ومنهم من قال إنه يقاسم الأخ فالقول الثالث وهو صرف المال كله إلى الأخ غير جائز لأن أهل العصر الأول القائلين بالقولين الأولين اتفقوا على أن للجد قسطا من المال فالقول بصرف المال كله إلى الأخ يبطل ذلك
стр. 1228
وأما الثاني فإن إحداث القول الثالث فيه جائز لأن المحذور مخالفة الإجماع أو القول بما يلزم منه مخالفته فأما إذا لم يكن إحداث القول كذلك وجب جوازه واحتج المانعون بأمرين أحدهما أن الأمة لما اختلفت على قولين فقد أوجب كل واحد من الفريقين الأخذ إما بقوله أو بقول صاحبه وتجويز القول الثالث يبطل ذلك فإن قلت إنهم إنما أوجبوا ذلك بشرط أن لا يظهر وجه ثالث فإذا ظهر
فقد زال شرط ذلك الإجماع قلت لو جوزنا هذا الاحتمال لجوزنا أن يقال إنما أوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر وجه القول الثاني فإذا ظهر فقد زال شرط ذلك الإجماع فيجوز الخلاف وثانيهما أن الذهاب إلى القول الثالث إنما يجوز لو أمكن كونه حقا ولا يمكن كونه حقا إلا عند كون الأولين باطلين ضرورة أن الحق واحد وحينئذ يلزم إجماع الأمة على الباطل
стр. 1229
والجواب عن الأول أن ايجاب الأخذ بأحد ذينك القولين مشروط بأن لا يظهر الثالث قوله لو جاز ذلك لجاز مثله في القول الواحد قلنا إنه جائز لكنهم منعوا من اعتباره فليس لنا أن نتحكم عليهم بوجوب التسوية وعن الثاني أن هذا الإشكال غير وارد على القول بأن كل مجتهد مصيب فإنه لا يلزم من حقية أحد الأقسام فساد الباقي وأما على القول بأن المصيب واحد فلا يلزم من التمكن من إظهار القول الثالث كونه حقا لأن المجتهد قد تمكن من العمل بالإجتهاد الخطأ والله أعلم المسألة الثانية الأمة إذا لم تفصل بين مسألتين فهل لمن بعدهم أن يفصل بينهما
واعلم أن هذا يقع على وجهين أحدهما أن يقولوا لا فصل بين هاتين المسألتين في كل الأحكام أو في
стр. 1230
الحكم الفلاني والآخر أن لا ينصوا على ذلك لكن ما كان فيهم من فرق بينهما أما القسم الأول فإنه لا يجوز الفصل بينهما ثم إنه على ثلاثة أقسام أحدها أن تحكم الأمة في المسألتين بحكم واحد إما ب التحليل أو بالتحريم وثانيها أن يحكم بعض الأمة فيهما بالتحريم والبعض الآخر بالتحليل وثالثها أن لا ينقل الينا عنهم حكم فيهما ففي هذه الصورة الثالثة متى دل الدليل في إحدى المسألتين على تحليل أو تحريم وجب أن يكون الحال في الأخرى كذلك وأما القسم الثاني فقيل فيه إن علم أن طريقة الحكم في المسألتين واحدة فذلك جار مجرى أن يقولوا لا فصل بينهما فمن فصل بينهما فقد خالف ما اعتقدوه
стр. 1231
مثاله من ورث العمة ورث الخالة ومن منع إحداهما منع الأخرى وإنما جمعوا بينهما من حيث انتظمهما حكم ذوي الأرحام فهذا مما لا يسوغ خلافهم فيه بتفريق ما جمعوا بينهما إلا أن هذا الاجماع متأخر عن سائر الإجماعات في القوة وأما إن لم يكن كذلك فالحق جواز الفرق لمن بعدهم لأنه لا يكون بذلك مخالفا لما أجمعوا عليه لا في حكم ولا في علة حكم ولأنه لو امتنع الفرق لكان من وافق الشافعي ﵁ في مسألة لدليل وجب عليه أن يوافقه في كل المسائل احتج المانعون من الفصل مطلقا بوجهين
стр. 1232
الأول أن الأمة إذا قال نصفها بالحرمة في المسألتين وقال النصف الآخر بالحل فيهما فقد اتفقوا على أنه لا فصل بين المسألتين فيكون الفصل بينهما رد للإجماع الثاني أن الأمة إذا اختلفت على قولين في مسألتين فقد أوجبت كل واحدة من الطائفتين على الأخرى أن تقول بقولها أو بقول الطائفة الأخرى وحظرت ما سوى ذلك وذلك يمنع من الفرق بين المسألتين والجواب عن الأول إنكم إن عنيتم بقولكم اتفقوا على أنه لا فصل بينهما أنهم نصوا على استوائهما في الحكم أو هما مستويان في علة الحكم فليس كذلك لأن النزاع ليس ها هنا
وإن عنيتم به أن كل من قال بأحدى المسألتين فقد قال أيضا بالأخرى فلم قلتم أن ذلك يمنع من الفصل فإن هذا أول المسألة وعن الثاني أنهم إنما أوجبوا ذلك بشرط أن لا يفرق بعض المجتهدين بين
стр. 1233
المسألتين فإن أدعوا أنه لا التفات إلى هذا الشرط فهذا عين المتازع ولم فيه ومن الناس من جوز الفصل مطلقا استدلالا بعمل ابن سيرين في زوج وأبوين أن للام ثلث ما يبقى وقال في امرأة وأبوين للام ثلث المال فقال في إحداهما بقول ابن عباس وفي الأخرى بقول عامة الصحابة والثوري قال الجماع ناسيا يفطر والأكل ناسيا لا يفطر وفرق بين المسألتين مع أنه جمعتهما طريقة واحدة والله أعلم
стр. 1234
المسألة الثالثة يجوز حصول الاتفاق بعد الخلاف وقال الصيرفي لا يجوز لنا إجماع الصحابة على إمامة ابي بكر ﵁ بعد اختلافهم فيها
стр. 1235
واتفاق التابعين على المنع من بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة
فيه احتج الخصم بأن أهل العصر الأول اتفقوا على جواز الأخذ بأي
стр. 1236
القولين كان إذا أدى الاجتهاد إليه فلو أجمعوا على أحد القولين وجب أن يكون الإجماعان صوابا ويكون المتأخر ناسخا للمتقدم لكن ذلك باطل على ما مر في باب النسخ ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن يتفق أهل عصر على قول ويتفق أهل عصر ثان على خلافه والجواب أن الإجماع على الأخذ بأي القولين شاء مشروط بعدم الاتفاق فإذا حصل الاتفاق زال شرط الإجماع فزال لزوال شرطه قوله لو جاز ذلك لجاز مثله عند الاتفاق قلنا مر الجواب عنه في المسألة الأولى والله أعلم
стр. 1237
المسألة الرابعة إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول كان ذلك اجماعا لا تجوز مخالفته خلافا لكثير من المتكلمين وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية لنا أن ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين فيجب اتباعه لقوله ويتبع غير سبيل المؤمنين ولأنه إجماع حدث بعد ما لم يكن فيكون حجة كما إذا حدث بعد تردد
стр. 1238
أهل الإجماع فيه حال التفكر واعلم أن هذا المقيس عليه ينقض على المخالف أكثر أدلته احتجوا بأمور أحدها قوله فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول أوجب الرد إلى كتاب الله تعالى عند التنازع وهو حاصل لأن حصول الأتفاق في الحال لا ينافي ما تقدم من الاختلاف فوجب فيه الرد إلى كتاب الله تعالى وثانيها قوله ﷺ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ظاهره يقتضي جواز الأخذ بقول كل واحد من الصحابة ولم يفصل بين ما يكون بعده إجماع أو لا يكون وثالثها أن في ضمن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاق على جواز الأخذ بأيهما أريد فلو انعقد إجماع في العصر الثاني لتدافع الإجماعان
стр. 1239
ورابعها لو كان قولهم إذا اتفقوا بعد الاختلاف حجة لكان قول إحدى الطائفتين إذا ماتت الأخرى حجة وفيه كون قولهم حجة بالموت وخامسها
لو كان اتفاق أهل العصر الثاني حجة لكانوا قد صاروا إليه لدليل وذلك باطل لأنه لو وجد ذلك الدليل لما خفى على أهل العصر الأول وسادسها أن أهل العصر الثاني بعض الأمة فلا يكون اتفاقفهم بين وحدهم إجماعا وسابعها أنه قد ثبت أن أهل العصر الأول إذا اختلفوا على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث وأهل العصر الأول لما اختلفوا لم يكن القطع بذلك الحكم قولا لواحد منهم فيكون القطع بذلك إحداثا لقول ثالث وإنه غير جائز وثامنها أن الصحابة في الحادثة التي اختلفوا فيها كالأحياء ألا ترى أنه تحفظ في ذلك أقوالهم ويحتج لها وعليها وإذا لم ينعقد الإجماع مع تلك الأقوال حال حياة القائلين بها وجب أيضا أن لا ينعقد حال وفاتهم
стр. 1240
وتاسعها أن هذا الإجماع لو كان حجة لوجب ترك القول الآخر ولكان إذا حكم به حاكم ثم انعقد الإجماع على خلافه وجب نقضه لكونه واقعا على مضادة دليل قاطع لكن ذلك باطل لأن أهل العصر الأول اتفقوا على نفوذ هذا القضاء فنقضه يكون على خلاف الإجماع الجواب عن الأول أن التعلق بالإجماع رد إلى الله والرسول ولأن أهل العصر الثاني إذا اتفقوا فهم ليسوا بمتنازعين أهل فلم يجب
عليهم الرد إلى كتاب الله لأن المعلق بالشرط عدم عند عدم شرطه وعن الثاني أنه مخصوص بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال مع أنه لا يجوز الاقتداء به في ذلك بعد انعقاد الإجماع فوجب تخصيص محل النزاع عنه والجامع ما تقدم وعن الثالث ما مر غير مرة أن ذلك الإجماع مشروط
стр. 1241
ثم إنه منقوض باتفاقهم حال الاستدلال على التوقف وتجويز الأخذ بأي قول ساق الدليل إليه ولأنكم اذا جوزتم أن لا يكون اتفاق أهل العصر الثاني حجة فلم لا يجوز أن لا يكون اتفاق أهل العصر الأول حجة إذ ليس أحد الاتفاقين حديث اولى من الآخر واذا لم يكن الاتفاق الأول حجة لم يلزم من حصول الاتفاق الثاني ما ذكرتموه من المحذور فثبت أن هذه الحجة متناقضة وعن الرابع أنا نتبين بموت إحدى الطائفتين أن قول الطائفة الأخرى حجة لاندراج قولهم تحت أدلة الإجماع لا ان الموت نفسه هو الحجة وعن الخامس أنه لا يجوز أن يخفى ذلك الدليل على كلهم لكن يجوز خفاوه عند على بعضهم
عن السادس أنه لو كان أهل العصر الثاني بعض الأمة لوجب أن لا يكون اتفاقهم
стр. 1242
الذي لا يكون مسبوقا بالخلاف حجة وهذا يقتضي أن لا يكون الحجة إجماع الصحابة فقط بل إجماع الذين كانوا موجودين عند ظهور أدلة الإجماع وهذا القائل لا يقول بهذه المذاهب وعن السابع أنه لا يجوز إحداث قول ثالث إذا كان الإجماع منعقدا على عدم جوازه مطلقا أما إذا كان مشروطا بشرط جاز ذلك عند عدم ذلك الشرط كما ذكرنا أنهم حال الاستدلال مطبقون على جواز التوقف وعدم القطع مع أن ذلك لا ينافي اتفاقهم على القطع بعده وعن الثامن قوله أقوال الصحابة باقية بعد وفاتهم إن عنى بذلك كونها مانعة من انعقاد الإجماع فهذا عين النزاع وإن عنى به علمنا بأنهم ذكروا هذه الأقول فلم قلت إن ذلك ينفي انعقاد الإجماع وان عنيتم ثالثا فبينوه
стр. 1243
وعن التاسع أنا لا ننقض ذلك الحكم لأنه صار مقطوعا به في زمان عدم هذا الإجماع ونحن إنما ننقض الحكم الذي حكم به القاضي إذا وقع ذلك
الحكم في زمان قيام الدلالة القاطعة على فساده والله أعلم المسألة الخامسة أهل العصر إذا انقسموا إلى قسمين ثم مات أحد القسمين صار قول الباقين إجماعا لأن بالموت ظهر اندراج قول ذلك القسم وحده تحت أدلة الإجماع وكذا القول إذا انقسموا إلى قسمين ثم كفر أحدهما فإنه يصير القول
стр. 1244
الثاني حجة والله أعلم المسألة السادسة أهل العصر إذا اختلفوا على قولين ثم رجعوا إلى أحد ذينك القولين هل يكون ذلك إجماعا أما من قال بانعقاد الإجماع في المسألتين السابقتين فقوله به ها هنا أولى ونثبت هذه الأولوية من وجهين أحدهما أن في المسألتين السابقتين لقائل أن يقول المجمعون ليسوا كل الأمة فلا يكون اتفاقهم قولا لكل الأمة فلا يكون حجة وأما ها هنا فهذه الشبهة زائلة لأن الذين اتفقوا هم بعينهم الذين اختلفوا فكان المجمعون كل الأمة وثانيهما أن في المسألتين السابقتين ما صار القول الثاني مرجوعا عنه أصلا
стр. 1245
وها هنا صار كذلك
وأما المنكرون لانعقاد الإجماع هناك فقد اختلفوا ها هنا فأما من اعتبر انقراض العصر فإنه جوز ذلك قال لأن الانقراض لما كان شرطا في الإجماع وهم لم ينقرضوا على ذلك الخلاف فلم يحصل الإجماع على جواز الخلاف فلم يكن الاتفاق حاصلا بعد الإجماع على جواز الخلاف وأما من لم يعتبر الانقراض فقد اختلفوا فمنهم من أحال وقوعه ومنهم من جوزه وزعم أنه لا يكون حجة ومنهم من جعله إجماعا يحرم خلافه وهو المختار لنا ما تقدم من أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في الإمامة ثم اتفقوا بعد ذلك عليها وإذا ثبت وقوعه وجب أن يكون حجة لقوله ويتبع غير سبيل المؤمنين والشبه التي يذكرونها ها هنا هي التي مرت والله أعلم
стр. 1246
المسألة السابعة انقراض العصر غير معتبر عندنا في الإجماع خلافا لبعض الفقهاء والمتكلمين منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك لنا قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وصفهم بالخيرية وإجماعهم لا على الصواب يقدح في وصفهم بالخيرية
وأيضا فقوله ﷺ لا تجتمع أمتي على الخطأ ينافي إجماعهم على الخطأ ولو في لحظة واحدة ومما تمسكوا به في المسألة أنا لو اعتبرنا الانقراض لم ينعقد إجماع لأنه قد حدث من التابعين في زمن الصحابة قوم من أهل الاجتهاد فيجوز لهم مخالفة الصحابة لأن العصر لم ينقرض ثم الكلام في هذا العصر كالكلام في العصر الأول فوجب أن لا يستقر إجماع أبدا فإن قلت لم لا يجوز أن يكون المعتبر انقراض عصر من كان مجتهدا
стр. 1247
عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إذا حدث فيهم مجتهد بعد حد وث الحادثة قلت بتقدير أن يحدث في التابعين واحد من أهل الاجتهاد قبل انقراض عصر من كان مجتهدا عند حدوث الحادثة من الصحابة ففي ذلك الوقت إجماع الصحابة غير منعقد فوجب أن يجوز للتابعي مخالفتهم وكذلك يحدث في تابعي التابعين قبل انقراض عصر من كان مجتهدا من التابعين وهلم جرا إلى زماننا فيلزم ان لا ينعقد الإجماع على ذلك التقدير ثم إنا نجوز هذا الاحتمال في كل الإجماعات ولا نعلم عدمه فوجب أن لا ينعقد شئ من الإجماعات واحتج المخالف بأمور أحدها أن عليا ﵁ سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال قد كان
стр. 1248
رأيي ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن فقال له عبيدة السلماني رأيك في الجماعة أحب الينا من رأيك وحدك فدل قول عبيدة عن أن الإجماع كان حاصلا مع أن عليا ﵁ خالفه وثانيها أن الصديق كان يرى التسوية في القسم ولم يخالفه أحد في زمانه ثم خالفه عمر بعد ذلك
стр. 1249
وثالثها أن الناس ما داموا في الحياة يكونون في التفحص والتأمل فلا يستقر الاجماع ورابعها قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس ومذهبكم! يقتضي أن يكونوا شهداء على أنفسهم أيضا وخامسها أن قول المجمعين لا يزيد على قول النبي ﷺ فإذا كانت وفاة النبي صلى الله عليه وأله وسلم شرطا في استقرار الحجة من قوله فلأن يعتبر ذلك في قول أهل الاجماع أولى والجواب عن الأول أن قول السلماني رأيك في الجماعة دل على أن المنع من بيعهن كان رأي جماعة ولم يدل على أنه كان رأي كل الأمة وإنما أراد أن ينضم قول علي الى قول عمر ﵄ لأنه رجح قول الأكثر على
قول الأقل وعن الثاني أنا لا نسلم انعقاد الإجماع على فعل أبي بكر ﵁ بل نقل
стр. 1250
أن عمر ﵁ نازعه فيه وعن الثالث أنهم إن أرادوا بنفي الاستقرار أنه لا يحصل الاتفاق فهو باطل لأن كلامنا في أنه لو حصل لكان حجة وإن أرادوا به أنه بعد حصوله لا يكون حجة فهو عين النزاع وعن الرابع أن كونهم شهداء على الناس لا ينافي شهادتهم على أنفسهم وعن الخامس أنه جمع بين الموضعين من غير دليل وبالله التوفيق المسألة الثامنة اختلفوا في أنا لو جوزنا انعقاد الإجماع عن السكوت فهل يعتبر فيه الإنقراض ذهب كثير ممن لم يعتبر الانقراض في الإجماع القولي إلى اعتباره ها هنا لأن سكوته يمكن أن يكون للتفكر في حكم تلك الحادثة فأما إذا مات عليه علمنا حينئذ أن سكوته كان رضى وهذا ضعيف لأن السكوت إن دل على الرضا وجب أن يحصل ذلك قبل الموت وإن لم يدل عليه لم يحصل ذلك أيضا بالموت لاحتمال أنه مات
على ما كان عليه قبل الموت والله أعلم
стр. 1251
المسألة التاسعة الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة خلافا لأكثر الناس لنا أن ظن وجوب العمل به حاصل فوجب العمل به دفعا للضرر المظنون ولأن الإجماع نوع من الحجة فيجوز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه قياسا على السنة ولأنا بينا أن أصل الإجماع قاعدة ظنية فكيف القول في تفاصيله
стр. 1252
القسم الثالث فيما أدخل في الإجماع وليس منه المسألة الأولى إذا قال بعض أهل العصر قولا وكان الباقون حاضرين لكنهم سكتوا وما انكروه فمذهب الشافعي ﵁ وهو الحق أنه ليس بإجماع ولا حجة وقال الجبائي إنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر وقال أبو هاشم ليس بإجماع ولكنة حجة وقال أبو علي بن أبي هريرة إن كان هذا القول من حاكم لم يكن إجماعا ولا حجة وإن لم يكن من حاكم كان إجماعا وحجة
لنا أن السكوت يحتمل وجوها أخر سوى الرضى وهي ثمانية أحدها أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول وقد تظهر عليه قرائن السخط
стр. 1253
وثانيها ربما رآه قولا سائغا أدى اجتهاده إليه وإن لم يكن موافقا عليه وثالثها أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار فرضا أصلا ورابعها ربما أراد الإنكار ولكنه ينتهز فرصة التمكن منه ولا يرى المبادرة إليه مصلحة وخامسها أنه لو أنكر لم يلتفت إليه ولحقه بسبب ذلك ذل كما قال ابن عباس في سكوته عن العول هبته وكان والله مهيبا
стр. 1254
وسادسها ربما كان في مهلة النظر وسابعها ربما سكت لظنه أن غيره يقوم مقامه في ذلك الإنكار وإن كان قد غلط فيه
وثامنها ربما رأى ذلك الخطأ من الصغائر فلم ينكره وإذا احتمل السكوت هذه الجهات كما احتمل الرضى علمنا أنه لا يدل على الرضا لا قطعا ولا ظاهرا وهذا معنى قول الشافعي ﵀ لا ينسب الى ساكت قول واحتج الجبائي بأن العادة جارية بأن الناس إذا تفكروا في مسألة زمانا طويلا
стр. 1255
واعتقدوا خلاف ما انتشر من القول أظهروه إذا لم تكن هناك تقية ولو كانت هناك تقية لظهرت واشتهرت فيما بين الناس فلما لم يظهر سبب التقية ولم يظهر الخلاف علمنا حصول الموافقة وجوابه ما بينا أن وراء الرضى احتمالات أخرى واحتج أبو هاشم بأن الناس في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يعرف له مخالف وجوابه أن ذلك ممنوع واحتج أبو علي بن أبي هريرة بأن هذا القول أن كان من حاكم لم يدل سكوت الباقين على الإجماع لأن الواحد منا قد يحضر مجالس الحكام فيجدهم يحكمون بخلاف مذهبه وما يعتقده ثم لا ينكر عليهم
وإن كان من غير الحاكم كان إجماعا وهو ضعيف لأن عدم الإنكار إنما يكون بعد استقرار المذهب وأما حال الطلب فالخصم لا يسلم جواز السكوت إلا عن الرضى سواء كان
стр. 1256
مع الحاكم أو مع غيره والله أعلم
стр. 1257
المسألة الثانية اختلفوا فيما إذا قال بعض الصحابة قولا ولم يعرف له مخالف والحق أن هذا القول إما أن يكون مما تعم به البلوى أولا يكون فإن كان الأول ولم ينتشر ذلك القول فيهم فلا بد وأن يكون لهم في تلك المسألة قول إما موافق أو مخالف ولكنه لم يظهر ف يجرى ذلك مجرى قول البعض بحضرة الباقين وسكوت الباقين عنه وإن كان الثاني لم يكن إجماعا ولا حجة لاحتمال ذهول البعض عنه وبهذا التقدير لا يكون للذاهلين فيه قول فلا يكون الإجماع حاصلا المسألة الثالثة إذا استدل أهل العصر بدليل أو ذكروا تأويلا ثم استدل أهل العصر الثاني بدليل آخر أو ذكروا تأويلا آخر فقد اتفقوا على أنه لا يجوز إبطال التأويل القديم لأنه لو كان ذلك باطلا وكانوا ذاهلين عن التأويل الجديد الذي هو الحق لكانوا مطبقين على الخطأ وهو غير جائز
стр. 1258
وأما التأويل الجديد فإن لزم من ثبوته القدح في التأويل القديم لم
يصح كما إذا اتفقوا على تفسير اللفظ المشترك بأحد معنييه ثم جاء من بعدهم وفسره بمعناه الثاني لم يجز ذلك لأنا قد دللنا على أن اللفظ الواحد لا يجوز استعماله لإفادة معنييه جميعا فصحة هذا التأويل الجديد تقتضي فساد القديم وإنه غير جائز أو يقال إنه تعالى تكلم بتلك اللفظه مرتين وهو باطل لانعقاد الإجماع على ضده وإما اذا لم يلزم من صحة التأويل الجديد فساد التأويل القديم جاز ذلك والدليل عليه أن الناس يستخرجون في كل عصر أدلة وتأويلات جديدة ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعا وللمانع أن يحتج بأمور أولها أن الدليل الجديد مغاير لسبيل المؤمنين فوجب أن يكون محظورا لقوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين وثاينها أن قوله تعالى كنتم خير أمة خطاب مشافهة فلا يتناول إلا أهل العصر الأول
стр. 1259
ثم قوله تأمرون بالمعروف يقتضي كونهم آمرين بكل معروف فكل ما لم يأمروا به ولم يذكروه وجب أن لا يكون معروفا فكان منكرا وثالثها أن الدليل الثاني والتأويل الثاني لو كان صحيحا لما جاز
ذهول الصحابة مع تقدمهم في العلم عنه والجواب عن الأول أن قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين خرج مخرج الذم فيختص بمن اتبع ما نفاه المؤمنون لأن ما لم يتكلم فيه المؤمنون بنفي ولا بإثبات لا يقال فيه إنه اتباع لغير سبيل المؤمنين وأيضا فالحكم بفساد ذلك الدليل ما كان سبيلا للمؤمين فوجب كونه باطلا وعن الثاني أن قوله وتنهون عن المنكر يقتضي نهيهم عن كل المنكرات فكل ما لم ينهوا عنه وجب أن لا يكون منكرا لكنهم ما نهوا عن هذا الدليل الجديد فوجب أن لا يكون منكرا وعن الثالث أنه لا استبعاد في أنهم اكتفوا بالدليل الواحد والتأويل الواحد وتركوا
стр. 1260
طلب الزيادة والله أعلم المسألة الرابعة قال مالك إجماع أهل المدينة وحدها حجة وقال الباقون ليس كذلك حجة مالك قوله ﷺ إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ خبث فكان منفيا عنهم فإن قيل وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودا لأن ظاهره أن كل
стр. 1261
من خرج عنها فإنه من الخبث الذي تنفيه المدينة وذلك باطل لأنه قد خرج منها الطيبون كعلي وعبد الله ﵄ بل ذكروا ثلاثمائة ونيفا من الصحابة الذين انتقلوا إلى العراق وهم أمثل من الذين بقوا فيها كأبي هريرة وأمثاله سلمنا سلامته عن هذا الطعن لكنه من أخبار الآحاد فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية سلمنا صحة متنه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك محمولا على من خرج منها لكراهية المقام بها مع أن في المقام بها بركة عظيمة بسبب جوار الرسول وجوار مسجده ﵌ ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين ومن كان كذلك فهو خبث
стр. 1262
سلمنا أن المراد كونها نافية للقول الباطل لكن قوله لتنفي خبثها ليس فيه صيغة عموم سلمناه لكن لم لا يجوز تخصيص هذا القول بزمانه ويكون المراد بالخبث الكفار ثم إنه معارض بأمور ثلاثه الأول أن الذي دل على كون الإجماع حجة وارد بلفظين لفظ المؤمنين في آية المشاقة ولفظ الأمة في غيرها وهاتان اللفظتان غير مخصوصتين ببلدة دون بلدة فوجب اعتبار الكل
الثاني أن الأماكن لا تؤثر في كون الأقول حجة الثالث أن القول به يودي إلى المحال لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة ومن كان قوله حجة في مكان كان قوله حجة في كل مكان كالرسول ﷺ والجواب قوله يقتضي أن كل من خرج من المدينة فهو خبث
стр. 1263
قلنا لا نسلم لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثا فإن المدينة تخرجه وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة فهو خبث قوله إنه خبر واحد فلا يجوز التمسك به في العلميات قلنا لا نسلم أن هذه المسألة علمية بل لما ثبت بهذا الخبر ظن أن اجماع أهل المدينة حجة والعمل بالظن واجب وجب العمل به قوله نحمله على من كره المقام بالمدينة قلنا تقييد المطلق خلاف الأصل ولو جاز ذلك لجاز في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين وفي قوله ﵊ لا تجتمع أمتي على خطأ حمله على بعض الصور ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة فكذا ها هنا قوله ليس في قوله لتنفى خبثها صيغة عموم
قلنا لا نسلم فإن الحقيقة لا تنتفي إلا عند انتفاء جميع أفرادها فلولا انتفاء جميع أفراد الخبث عن المدينة وإلا لما صح القول بأنها تنفى الخبث قوله لم لا يجوز تخصيصه بزمانه
стр. 1264
قلنا لأن التخصيص خلاف الأصل قوله الأدلة على أن الإجماع حجة غير مختصة بقوم دون قوم قلنا تلك الأدلة لا تقتضي أن إجماع أهل المدينة حجة ولكنها لا تبطل ذلك فإذا أثبتناه بدليل منفصل لم يلزمنا محذور قوله لا أثر للمكان قلنا لا استبعاد في أن يخص الله تعالى أهل بلدة معينة بالعصمة كما أنه لا استبعاد في أن يخص تعالى أهل زمان معين بالعصمة فإنه تعالى خص أمتنا بالعصمة من بين سائر الأمم بلى العقل لا يدل على ذلك وإنما الرجوع فيه إلى السمع قوله من كان قوله حجة في مكان كان حجة في كل مكان كالنبي ﷺ قلنا هذا قياس طردي في مقابلة النص فكان باطلا والله أعلم فهذا تقرير قول مالك ﵀ وليس بمستبعد كما اعتقد هو وجمهور أهل الأصول والله أعلم
стр. 1265
المسألة الخامسة إجماع العترة وحدها ليس بحجة خلافا للزيدية والإمامية
следующие страницы →