٢- بين الشيء وأقسامه: اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال.
٣- قبل الأمثلة التي توضح قاعدة، بعد كلمة مثل أو مثال ذلك كما أسلفناه.
٤- قبل الكلام المنقول أو المحكي، وقد مثلنا للكلام بنصه بعد القول أو شبهه مثل "سأل:" أما المحكي بما معناه كقولنا: سمعت المدرس يقول ما معناه: إياكم والغش.
٥- قبل التفصيل، وبعد الإجمال كقولنا: اشتريت لوازم السفر: حقائب، وهدايا ... الخ.
هـ- الوصلة أو الشرطة"-":
وهي تفيد اتصال الكلام إذا طال أحد ركنيه، وهي من أدوات الربط، وتستلزم وقفة يسيرة قبل استئناف الكلام، وتوضع في المواضع التالية:
١- بين ركني الجملة إذا طال الركن الأول مثل:
إذا أصبح المرء سره كعلانيته، وباطنه كظاهره، يخشى الله ويخافه - فإنه من أهل الصلاح إن شاء الله.
فقد طالت جملة الشرط، وجاءت الوصلة لتنبه إلى اتصال جملة الجواب بجملة الشرط.
٢- بين العدد والمعدود لتصل بينها ولتحدد ضرورة الوقفة قليلا مثل: أولا- ثانيا - ثالثا - ... الخ.
٣- في أول السطر للدلالة على بداية فقرة الحوار ونستغني بها عن ذكر المتحاور:
- من ربك؟
- الله ربي.
стр. 142
ثانيا- علامات التوضيح وتحديد وضع العبارة في السياق:
أ- علامة التنصيص "" "" وتفيد حصر الكلام المنقول بنصه على النحو التالي:
١- الكلام المقتبس حرفيا سواء كان كلام الله ، أو من الأحاديث الشريفة، أو من العبارات المستشهد بها من أي مصدر كان.
٢- عند الإشارة لعناوين الكتب أو القصائد أو المقالات أو الموضوعات، أو ذكر علم من الأعلام لأي غرض من الأغراض بقصد الحديث عنه، أو الاستشهاد به، مثل قرأت ذلك في قصيدة "نهج البردة".
٣- عند الإشارة إلى مرجع في سياق الكلام، كأن نقول بعد حديثنا عن موضوع بعينه: "انظر كتاب سيبويه ج٤ ص ٣٢٠".
٤- عند الحوار حول قضية معينة أو لفظة لمناقشة بناءها الصرفي، أو دلالتها المعنوية وتكررت الإشارة إليها. مثل: إن "ولود" على وزن فعول.
ب- علامتا الحصر: "القوسان" أو المعقوفان:
والقوسان يراد بهما الحصر والتحديد ويستخدمان في المواضع التالية:
١- عند التحديد والحصر لمعنى سابق مثال ذلك: المصطلحات النقدية "العلمية على وجه الخصوص" لها معاجمها الخاصة، لقد استخدم القوسان هنا لتحديد المقصود بالمصطلحات النقدية ومنها العلمي وغير العلمي، فجاءت العبارة بين القوسين لتحدد نوع المصطلحات النقدية المقصودة.
٢- يوضع بينهما الدعاء القصير مثل: الصحابة الأجلاء "﵃ أجمعين".
٣- يوضع بينهما العبارات المفسرة: الاستطيقا "أي علم الجمال" من العلوم الإنسانية التي شغلت أذهان العلماء والفلاسفة.
стр. 143
٤- التمثيل الذي يحدد جوانب من عبارة أو لفظة عامة دون أن يستغرق كل ما يندرج في إطارها، مثل: دول العالم الثالث "دول المشرق العربي وجنوب شرق آسيا مثلا" ما زالت تعيش في مستوى أقل من دول العالم المتقدمة.
أما المعقوفان فيحصر فيها الإضافات أو العبارات الساقطة في نص محقق، ويكتبان هكذا [] ويسميان القوسان الركنيان، ويوضع بينها الزيادات التي تضاف إلى كلام مقتبس.
جـ- علامات الاعتراض: [-] :
وهما وصلتان تحصر بينهما الجمل الاعتراضية والتفسير، وما إلى ذلك مما يفصل بين أركان الجملة الأساسية، ويمكن استخدام القوسين أيضا () بدلا من الوصلتين. ومن الجمل الاعتراضية الدعاء، والتفسير وما إلى ذلك.
والأمة العربية - وقاها الله شر أعدائها - ذات تاريخ عريق.
ابن خلدون - بفتح وسكون- من علماء الاجتماع المسلمين البارزين.
تُوفِّىَّ الرسول ﷺ عن عمر يناهز ثلاثا وستين سنة.
د- علامة الحذف:
وهي ثلاث نقاط متوالية على السطر " ... " وتستخدم في المواضع التالية:
١- ذكر المهم من المقتبس مع إسقاط غير المهم ووضع نقط ... بدلا منه فمثلا حين تقتبس من كتاب الدكتور محمد يوسف نجم "فن المقالة" قوله "أهم ألوان المقالة ... الصورة الشخصية ... مقالة النقد الاجتماعي ... المقالة الوصفية ... إلخ".
النقاط الدالة على الحذف وضعت لتشير إلى أن كلاما أسقط من هذه الفقرة المقتبسة لا يعنينا إثباته.
стр. 144
٢- للدلالة على استقباح ذكر المحذوف.
٣- للدلالة على أن هناك أمثلة كثيرة لم تذكر اكتفاء بما ذكر مثل: من أفعال الخير: إعانة الضعيف ومساعدة الفقير والتلطف مع الآخرين ...
ثالثا- علامات تدل على الانفعال:
أ- علامة التأثر وترسم هكذا"! ": وتوضع في آخر الجمل التي يعبر بها عن:
١- فرح: يا بشراي فزت بالجائزة!
٢- حزن: واأسفاه مات صديقي!
٣- تعجب: ما أجمل الكون!
٤- استغاثة: الغوث العون!
٥- دعاء: اللهم اغفر لنا واهدنا!
ب- علامة الاستفهام وترسم هكذا"؟ ":
وتوضع في نهاية كل سؤال أو استفسار أو تساؤل، وتقتضي أداء معينا يختلف فيه.
١- السؤال: من أول من ارتاد الفضاء؟
٢- الاستفسار: سافر أخوك؟
٣- التساؤل: أحقا نجحت؟
ج- علامة الاستفهام الإنكاري:
علامة استفهام بعدها علامة تعجب "؟! " وتستعمل عندما نجمع في الجملة بين الاستفهام والتعجب أو الإنكار:
أحزينا وقد تكللت مساعيك بالنجاح؟!
أتلومني وقد أرشدتك إلى الصواب؟!
стр. 145
مثال لعلامات الترقيم:
قال السخاوي في مقدمة "الوسيلة إلى كشف العقيلة" المخطوط بدار الكتب ما نصه: "إن الله جعل الكتابة من أجلِّ صنائع البشر وأعلاها؛ ومن أكبر منافع الأمم وأسناها. وهي حرز لا يضيع ما استودع فيه؛ وكنز لا يتغير لديه ما توعيه مما تصطفيه؛ وحافظ لا يخاف عليه النسيان؛ وناطق بالصواب من القول إذا حرَّفه اللسان، ولذلك قال " ﷺ ": "قيدوا العلم بالكتابة" وكان عمر بن عبد العزيز "﵀" يصلي بالليل فإذا مرت به آية فهم منها شيئا، سلم من صلاته، وكتب في لوح أعده ليعمل به في غده.
стр. 146
المختصرات ورموزها الكتابية
ش الشرح ص المصنف الش الشارح
ض ضعيف أيض أيضا لا يخ لا يخفى
الظ الظاهر مم ممنوع مم معتمد
الخ إلى آخره اهـ انتهى ثنا حدثنا
ثني حدثني أنا أنبأنا ح تحويل السنة
في كتب الحديث
رض ﵁ وللدلالة على ما لامه واوا.
م معروف ع موضع ج جمع
ق قرية د بلد س سيبويه
ح أبو حنيفة
وهناك مختصرات كثيرة تدل على الأعلام المشهورين مثل:
حج: ابن حجر الهيثمي م ر: محمد الرملي زي: الزيادي ... الخ.
стр. 147
مكتبة الإملاء
من الكتب المفيدة في مجال الإملاء:
أولا: المفرد العلم في رسم القلم للسيد أحمد الهاشمي١ وقد تناول الكاتب في هذا الكتاب في المقدمة مبادئ علم الرسم. وتحدث عن تعريف الكتابة لغة واصطلاحا، ثم قسم الكتاب إلى ثمانية مباحث رئيسية عالج فيها؛ الهمزة بأنواها، وطرق كتابتها والألف اللينة، وما يجب فصله ووصله، والحروف الزائدة والحروف التي تحذف وحكم تاء التأنيث ونقط الياء وإهمالها، وتناول في الخاتمة الكلمات التي تحذف إشكالًا على فهم السامع. ثم أورد طائفة من الأسئلة على قواعد الإملاء المختلفة مع جملة من النصائح والإرشادات، ويتميز هذا الكتاب بكثرة الأمثلة التطبيقية.
ثانيا: كتاب أصول الإملاء للدكتور عبد اللطيف محمد الخطيب٢، يعتبر أوفى الكتب وأجمعها لهذا الفن. وقد نهج مؤلفه نهجا علميا قويما، وتتبع المسائل والخلافات فيها تتبعا دقيقا، وقد عكف على كتب اللغة والنحو والصرف يستشيرها في مختلف المسائل، وركز على كتب النحو إيمانا منه بأن كثيرا من قواعد الكتابة مبني على أصول نحوية، ومنهجه يقوم على ذكر القاعدة، ثم إيراد النصوص الموجودة في كتب المتقدمين مع توضيحها بالأمثلة،
стр. 148
ويحرص على الإشارة إلى المراجع وفق طريقة البحث العلمي المعتمدة، ويذكر الخلاف في المسائل الإملائية والرأي الراجح منها، وقد قسم المؤلف كتابه إلى مدخل وستة فصول استوعبت قضايا الإملاء الأساسية، ثم أتبع ذلك بمجموعة من الشواهد والنصوص المختارة:
ثالثا: كتاب الإملاء لمؤلفه حسين والي أحد علماء الأزهر، وقد قام بضبطه وتحقيقه الأستاذ محمد الشامي، فصدره بمقدمة طويلة تتبع فيها تاريخ الكتابة والإملاء عند العرب، وتاريخ تعليم الإملاء، والاختلاف بين المشارقة والمغاربة في ترتيب الحروف، وسبب ترتيب الحروف على النسق المعروف، وتحدث عن النقط والشكل وأنواع الخط العربي، ثم عالج موضوعات الإملاء المختلفة بإسهاب ودقة، ويتميز عن كتب الإملاء المختلفة باهتمامه الواضح بالجانب التاريخي، وعنايته بموضوع الشكل "ضبط الكلمات بالحركات".
راعبا: الإملاء والترقيم في الكتابة العربية للأستاذ/ عبد العليم إبراهيم، صاحب كتاب الموجه الفني لمدرس اللغة العربية، وهو كتاب متميز في حسن عرضه وأمثلته، صدر عن مكتبة غريب بالقاهرة سنة ١٩٧٥م.
خامسا: قواعد الإملاء للدكتور/ عبد السلام هارون المحقق المعروف، ويتميز ببساطته وإيجازه، فهو كتاب صغير الحجم، ولكنه عالج أهم مشكلات الإملاء مع أمثلة عصرية، وهو موجز ومختصر ومفيد، صدر عن مكتبة الأمل "ط٢" سنة ١٩٦٧م. وصدر أيضا عن مكتبة الخانجي بمصر.
سادسا: نتيجة الإملاء وقواعد الترقيم/ لمصطفى عناني، وهو من الكتب المبكرة في هذا الميدان، صدر عن مطبعة حجازي بالقاهرة سنة ١٩٣٧م.
سابعا: الإملاء الفريد/ لنعوم جرجيس زرازير، صدر عن مطابع النجف "الطبعة الخامسة" سنة ١٩٧٣م.
стр. 149
ثامنا: سراج الكتبة وشرح تحفة الأحبة في رسم الحروف العربية/ للشيخ مصطفى طحوم، نشرته دار البصائر بدمشق، الطبعة الثانية سنة ١٩٨٠م.
تاسعا: ومن الكتب الحديثة المتميزة كتاب: المرشد في الإملاء للدكتور/ محمود شاكر سعيد، صدر عن مكتبة الأديب بالرياض سنة ١٩٨٧م، وقد عالج المؤلف في هذا الكتاب قضايا الإملاء بأسلوب سهل موجز، أورد جداول ورسومات يسهل مراجعتها، افتتح كتابه ببحث علامات الترقيم مع أمثلة مُجَدْوَلةٍ، وأتبع مباحث الكتاب المختلفة بفوائد إضافية، ففي حديثه عن علامات الترقيم أورد في الفائدة التي ذيل بها البحث تنبيها إلى ضرورة ترك فراغ في أول الفقرة، وأوضح طريقة التمييز بين همزة القطع وهمزة الوصل بوضع واو قبل نطق الكلمة المبدوءة بالهمزة، وقد انفرد هذا الكتاب ببحث مشكلة الضاد والظاء، ووضح كيفية نطق الضاد، وقد أورد قائمة بالكلمات التي تحتوي على حرف الظاء في القرآن الكريم، ودوَّن منظومة محمد الجزري الشافعي التي تتضمن هذه الكلمات في عشرة أبيات، وسرد عددا كبيرا من الكلمات التي تحتوي على حرف الضاد.
وخلا هذا الكتاب من التدريبات، وقد علل المؤلف ذلك بأنه أفرد كتابا كاملا لهذه التدريبات تحت عنوان "القضايا الإملائية وطرائق تدريبها في المرحلة الابتدائية" ويعتبر كتاب المرشد من أفضل الكتب التي ألفت في هذا المجال.
ومن كتب الإملاء الحديثة أيضا:
عاشرا: تعلم الإملاء بنفسك للدكتور/ محمد علي الخولي، صدر عن دار العلوم بالرياض، سنة ١٤٠٣هـ وقد حفل بالأمثلة والتمرينات، وعالج مسائل الإملاء، ببساطة وسهولة.
стр. 150
الحادي عشر: تعلم الإملاء وتعليمه للدكتور/ نايف معروف، صدر عن دار النفائس ببيروت سنة ١٩٨٤م.
الثاني عشر: دليل الإعراب والإملاء لأحمد أبو سعد وحسين شرارة، صدر عن دار العلوم للملايين، بيروت "في طبعته الثامنة ١٩٨٥".
الثالث عشر: دليل الإملاء/ فتحي الخولي، ط٥، جدة سنة ١٤٠٢هـ.
الرابع عشر: علم الإملاء/ أحمد عبد الجواد، دار الفكر، دمشق سنة ١٩٨٢م.
الخامس عشر: الهداية إلى ضوابط الكتابة/ إبراهيم عبد المطلب: الطبعة السابعة شركة مركز كتب الشرق الأوسط، القاهرة سنة ١٩٧٢م.
المرجع الأساس في علامات الترقيم:
الترقيم وعلاماته في اللغة العربية - أحمد زكي باشا.
قدم له عبد الرحمن بن إبراهيم بن فوده، صدر عن دار الأندلس للنشر والتوزيع بجدة، طبع للمرة الأولى بالمطابع الأميرية بمصر ١٣٣٠هـ الموافق ١٩١٢م، وطبع في مكتبة التوعية مصر ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م.
استعرض محقق الكتاب في المقدمة تاريخ علامات الترقيم بشكل واف، ثم تحدث عن مؤلف الكتاب، أما المؤلف فقد قسم الكتاب إلى قسمين: في الأول تحدث عن القواعد اللازم مراعاتها في استعمال علامات الترقيم، فأشار إلى قواعد الفصل مبيِّنا أن الكلام العربي من حيث الترقيم ينقسم إلى قسمين كبيرين: القطع، والوقف. فأما القطع فهو فصل العبارات التي يتألف من مجموعها غرض خاص عن عبارات غرض آخر مثله تاما مميزا في فقرات، وأما الوقف فهو ثلاثة أقسام هي: الوقف الناقص والوقف الكافي والوقف التام "عند الشولة والشولة المنقوطة والنقطة بالترتيب".
стр. 151
ثم تحدث عن الوصل بين أجزاء الكلام، وعن العلامات التي تحدد النبرات الصوتية وتميز بين الأغراض الكلامية وتحدث عن مزايا الترقيم، وأتى بأمثلة جامعة من أمهات الكتب.
أما القسم الثاني فقد تحدث فيه عن الاصطلاحات الشائعة في كيفية رسم بعض الحروف، ووضع الحركات واختزال بعض الكلمات والجمل الدعائية الشائعة الاستعمال.
стр. 152
أنماط التحرير
الكتابة الوظيفية (الإجرائية)
التلخيص*
ما المقصود بالتلخيص:
التلخيص يعني التعبير عن الأفكار الأساسية للموضوع في كلمات قليلة دون إخلال بالمضمون أو إبهام في الصياغة، وتتفاوت نسبة طول الملخص إلى الموضوع الأصلي وفقًا لدرجة تكثيف هذا الموضوع، فقد يكون الأصل مركزًا موجزًا لا تستطيع أن تختصره كثيرًا، وقد يكون حافلًا بالتكرار مستفيضًا بالأمثلة والشروح يمكن تلخيصه في سطور قليلة.
أهمية التلخيص: تتمثل أهمية التلخيص في عدة مجالات:
أولًا- تعويد القارئ على الاستيعاب والتركيز، وترويض ملكته الذهنية على التقاط العناصر المهمة للموضوع في عصر تعددت فيه مجالات المعرفة، وغزرت مصادرها، وتعويد الطالب على المتابعة الدؤوب لما يستمع إليه من محاضرات، وبلورة الأفكار الرئيسية للاستفادة منها.
ثانيًا- التلخيص تدريب عملي على الكتابة، وصياغة المفاهيم، واستكشاف الأسلوب الخاص المتميز، كما أن التلخيص استرجاع منظم للمعلومات التي اختزنها القارئ واختبار لمقدرته الاستيعابية، وتنمية لخبراته الكتابية.
ثالثًا- التلخيص ضررة حياتية لاستثمار الوقت وادخار الطاقة، ووسيلة عملية مهمة في مجالات التحرير المختلفة، سواء في الكتابة الرسمية التي تقتضي أقصى قدرة على الاقتضاب والوصول إلى لب الموضوع أو التحرير الإبداعي الذي يستلزم قدرًا من العمق والتركيز.
стр. 153
خطوات التلخيص:-
أولًا- القراءة الاستكشافية للموضوع الأصلي، ونعني بها القراءة التي تعمل على تبيُّن الأفكار الرئيسية، لذا ينبغي أن يقوم القارئ بوضع خط بالقلم الرصاص تحت السطور المهمة.
ثانيًا- القراءة الاستيضاحية، وفيها يقوم الكاتب بمراجعة لما قرأ، وبتسجيل المضامين الأساسية على شكل نقاط في ورقة جانبية.
ثالثًا- يعيد القارئ صياغة هذه النقاط في شكل فقرات بأسلوبه الخاص محافظًا على التسلسل الطبيعي لها في الأصل، وفق تصميم ذهني أولي يقوم بإعداد صورته قبل الشروع في الكتابة، ويمكن لكاتب التلخيص الاستغناء عن الاستعانة بما كتبه من ملاحظات وإرشادات إذا أيقن أنه استطاع تمثل الموضوع المراد تلخيصه على نحو جيد.
مبادئ أساسية يجب أن تراعى في التلخيص:
أولًا- البعد عن التعديل والتحريف في المادة الملخصة بما يشوه الأصل، أو يغير المعنى، أو يحمله ما لا يحتمل من استنتاجات وتأويلات.
ثانيًا- القدرة على التمييز بين الرئيسي والثانوي، حيث ينبغي أن يكون وضع الأفكار وفقًا لمراتب ثلاث: الأهم فالمهم فالأقل أهمية.
ثالثًا- يجب التخلُّص من الاستطرادات والهوامش والأمثلة المتعددة، ولا يعني هذا حذف جميع الأمثلة لأن؛ بعضها لا يمكن فهم النص بدونه، وكذلك الهوامش التي يمكن اختصارها، وإدماجها في النص الملخص.
رابعًا- لا يعني التلخيص تجاهل الإشارات إلى المراجع والأصول التي استعان بها النص الأصلي، وأثبتها في متن النص، ولكن ذلك في حدود الضرورة القصوى.
стр. 154
تلخيص الفقرة:
يمكن تلخيص الفقرة عن طريق الاكتفاء بالجملة الرئيسية إذا كان هذا التلخيص يتم في إطار الموضوع ككل؛ أما إذا كان التلخيص مقتصرًا على الفقرة ذاتها، وكانت طويلة فيمكن الاستعانة ببعض الجمل الداعمة كالآتي:
مثال تطبيقي:
الفقرة المراد تلخيصها "من مقالة للدكتور إبراهيم مدكور" تحت عنوان "الفكر واللغة": "إذا تأملنا الفكر واللغة، وجدنا أن كل واحد منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به؛ فاللغة في نشأتها تخضع إلى مدى بعيد للنشاط الذهني، والميول، والاتجاهات النفسية. وما لغة الأطفال إلا حركات وإشارات، تبعث عليها غرائز واستعدادات، فيدفع الطفل يده إلى الأمام مشيرًا إلى التقدم أو إلى الخلف مشيرًا إلى التراجع، وكل تلك حركات تعبر عن انفعالات وأخيلته، ولا تلبث هذه الحركات أن تتحول إلى إشارات، والإشارات إلى أصوات، والأصوات إلى ألفاظ، وهكذا نشأت اللغة في تدرجها الطبيعي، وتقوم على أساس سيكولوجي".
لتلخيص هذه الفقرة لا بد أن نبحث أولًا عن الجملة الرئيسية التي تعتبر محورًا، والتي يمكن أن تصلح عنوانًا لها. والجملة الرئيسية هي: الفكر واللغة، كل واحد منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به. ومن الواضح أننا قمنا بتأليف أجزائها؛ فليس شرطًا أن تكون موجودة في الفقرة نصًا. بعد ذلك نلتقط من الجمل قدرًا يعين على فهمها، ويهمنا هنا تحول الحركات إلى إشارات ثم أصوات وفقًا لدوافع نفسية، ونعيد صياغة الفقرة على النحو التالي:
التأثير بين الفكر واللغة متبادل بينهما؛ فمن تَتَبُّعِنا لحركة الأطفال المحكومة بأفكارهم واتجاهاتهم يتضح لنا أن الحركة تتحول إلى إشارة ثم صوت ثم لفظة، ثم جملة، فتنشأ اللغة على أساس نفسي وتدرج ملحوظ.
стр. 155
تلخيص المقالة:
أولًا: تحذف الفقرات التي لا تتضمن أفكارًا ذات قيمة.
ثانيًا: تلخص الفقرات الباقية وفقًا لما سبق أن تحدثنا عنه في تلخيص الفقرة.
ثالثًا: تدمج بعض الفقرات معًا إذا أمكن ذلك.
رابعًا: تعاد الصياغة وفقًا للصورة الجديدة مع المحافظة على التسلسل الأصلي.
стр. 156
الرأي والعقيدة نموذج لتلخيص المقال:
أولًا- المقال:
فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده، إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل إلى أعماق قلبك.
وذو الرأي فيلسوف، يقول إني أرى الرأي صوابًا، وقد يكون في الواقع باطلًا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدًا، وقد أكون مخطئًا فيه وقد أكون مصيبًا، أما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن، عقديته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غدًا، خرجت عن أن تكون مجالًا للدليل وسمت عن معترك الشكوك والظنون.
ذو الرأي فاتر أو بارد، إن تحقق من رأي؛ ابتسم ابتسامة هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى؛ فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته كيف يعمل لها ويدعو إليها، وهو طلق المحيا، مشرق الجبين، إذا أدرك غايته أو قارب بغيته.
ذو الرأي سهل أن يتحول ويتحور، هو عبد الدليل أو عبد المصلحة تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر، له ما قاله رسول الله " ﷺ ": "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته". وكما يتجلى في دعاء: "اللهم إيمانًا كإيمان العجائز".
стр. 157
لقد رووا عن سقراط أنه قال: "إن الفضيلة هي المعرفة". وناقشوه في رأيه وأبانوا خطأه، واستدلوا بأن العلم قد يكون في ناحية والعمل في ناحية، وكثيرًا ما رأينا أعرف الناس بمضار الخمر شاربها، وبمضار القمار لاعبه، ولكن لو قال سقراط أن الفضيلة هي العقيدة، لم أعرف وجهًا للرد عليه، فالعقيدة تستتبع العمل على دفعها لا محالة - قد ترى أن الكرم فضيلة ثم تبخل، والشجاعة خير ثم تجبن، ولكن محال أن تؤمن بالشجاعة والكرم، ثم تجبن أو تبخل.
العقيدة حق مشاع بين الناس على السواء، تجدها في السذج وفي الأوساط وفي الفلاسفة، وما الرأي إلا للخاصة الذين يعرفون الدليل وأنواعه والقياس وأشكاله، والناس يسيرون في الحياة بعقيدتهم، أكثر مما يسيرون بآرائهم، والمؤمن يرى بعقيدته ما لا يرى الباحث برأيه، قد منح المؤمن من الحواس الباطنة والذوق ما قصر عن إدراكه القياس والدليل.
لقد ضل من طلب الإيمان بعلم الكلام وحججه وبراهينه؛ فنتيجة ذلك كله عواصف في الدماغ أقصى أن تنتج رأيًا، أما الإيمان والعقيدة فموطنها القلب، ورسائلها مد خيوط بين الأشجار والأزهار والبحار والأنهار وبين قلب الإنسان، ومن أجل هذا كانت: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٩،١٨،١٧] . أفعل في الإيمان من قولهم "العلم متغير وكل متغير حادث" فالأول عقيدة، والثاني رأي.
الناس إنما يخضعون لذي العقيدة، وليس ذوو الرأي إلا ثرثارين، عنوا بظواهر الحجج أكثر مما عنوا بالواقع، لا يزالون يتجادلون في آرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيكتسحهم.
قد يجود الرأي، وقد ينفع، وقد ينير الظلام، وقد يظهر الصواب؛ ولكن لا قيمة لذلك كله ما لم تدعمه العقيدة، وقلَّ أن تؤتي أمة من نقص الرأي ولكن
стр. 158
أكثر ما تؤتي من ضعف في العقيدة، بل قد تؤتي من قبل كثرة الآراء أكثر ما تؤتي من قلتها.
الرأي جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقي عليه العقيدة من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض، والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة أن تتولد على سطحه، والرأي سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق، ذو الرأي يخضع للظالم وللقوي لأنه؛ يرى أن للظالم والقوي رأيًا كرأيه، ولكن ذا العقيدة يأبى الضيم ويمقت الظلم لأنه؛ يؤمن أن ما يعتقده من عدل وإباء هو الحق ولا حق غيره.
من العقيدة ينبثق نور باطني يضيء جوانب النفس، ويبعث فيها القوة والحياة، يستعذب صاحبها العذاب، ويستصغر العظائم، ويستخف بالأهوال، وما المصلحون الصادقون في كل أمة إلا أصحاب العقائد فيها.
الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات، ويبعث التردد، والعقيدة تقتحم الأخطار وتزلزل الجبال وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ، وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح.
ليس ينقص الشرق لنهوضه رأي، ولكن تنقصه العقيدة؟
فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال حاله وأصبح شيئًا آخر.
وبعد، فهل حرم الإيمان مهبط الوحي؟
стр. 159
خطوات
ثانيًا- تلخيص المقال السابق:
في المقال المنشور في الصفحات السابقة للدكتور أحمد أمين تحت عنوان "الرأي والعقيدة" مقدمة في فقرة واحدة عن حقيقة هامة وتقرر وجود فرق بين الرأي والعقيدة يمكن تلخيصها في جملة واحدة، ثم تتوالى فقرات العرض حيث تقوم على التوازن بين الرأي والعقيدة على النحو التالي:
الفقرة الأولى: ذو العقيدة جازم أما صاحب الرأي فمتردد.
الفقرة الثانية: ذو العقيدة حار متحمس وصاحب الرأي فاتر.
الفقرة الثالثة: ذو العقيدة لا يتغير فهو ثابت. أما صاحب الرأي فمتغير.
الفقرة الرابعة: مناقشة آراء سقراط.
الفقرة الخامسة: العقيدة عامة شاملة والرأي خاص بالصفوة من الفلاسفة والمفكرين.
الفقرة السادسة: لا قيمة للرأي دون عقيدة.
الفقرة السابعة: الإيمان لا يطلب بعلم الكلام والحجج بل بالتأمل والاستغراق.
الفقرة الثامنة: العقيدة حيوية متحفزة والرأي ساكن هامد.
الفقرة التاسعة: العقيدة تنير النفس، والرأي ذو طابع حسي عقلي.
الخاتمة: حاجة الشرق إلى عقيدة تنقذه مما هو فيه.
стр. 160
ثالثًا- الملخص:
هناك فرق بين الرأي والعقيدة، فصاحب الرأي متردد من فاتر متغير، أما ذو العقيدة فجازم حار متحمس ثابت لا يتغير، والعقيدة عامة شاملة، أما الرأي فخاص بالصفوة من الفلاسفة والمفكرين ولا قيمة للرأي دون عقيدة.
الإيمان لا يطلب بعلم الكلام وبالحجج المنطقية بل بالتأمل والشفافية الروحية بعكس الرأي، والعقيدة حيوية متحفزة تنير النفس، وحاجة الشرق إليها عظيمة، وما أتي الشرق إلا لكثرة الآراء وتشعبها.
стр. 161
تلخيص الكتاب
نموذج تطبيقي: المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها١ للدكتور عبد الرحمن عميرة.
نبدأ أولًا بقراءة الكتاب قراءة مستوعبة، ثم نتبين المحاور الرئيسية والفرعية مع إحكام الربط بينهما على النحو التالي:
المقدمة:
وتتضمن تحديدًا للخطة العامة للكتاب، تتركز حول الموضوعات التالية: الماسونية والوجودية والبهائية والقاديانية ودورها في تخريب العقيدة الإسلامية، والكيد للمسلمين.
الأبواب الرئيسية:
أولًا-الماوسنية: الماسونية تعني البنَّائين الأحرار، وقد تحدث الكاتب عنها تحت اثني عشر عنوانًا فوضح معناها، وكشف حقيقتها والتناقض بين ظاهرها وباطنها، وسبب تسميتها بالقوة الخفية معتمدًا على عدة مراجع أساسية للدكتور محمد علي الزغبي "حقيقة الماسونية"، ولوليام كار "أحجار على رقعة الشطرنج"، ولأحمد عبد الغفور عطار "المساونية". ويستشهد بأقوال العديد من الكتاب والمؤرخين وينتهي إلى شهادة الدكتور الحاخام "لاكوايز" التي يؤكد فيها أن الماسونية مؤسسة يهودية في تاريخها ودرجاتها وتعاليمها وكلمات
стр. 162
السر فيها وفي إيضاحاتها.
يتحدث بعد ذلك عن نشأة الماسونية مرجحًا أنها نشأت في بداية القرن الأول الميلادي عندما كان حاخامات اليهودية يتنبؤون بقرب ظهور نبي جديد، ويرى أن الماسونية القديمة وراء شتات المسلمين وفرقتهم، فكعب الأحبار اليهودي وراء الفتنة التي تفجر فيها الخلاف حول الظاهر والباطن، والجبر والاختيار.
أما الماسونية الحديثة فقد نشأت عام ١٧٧٠م، وهو التاريخ الذي قام فيه كبار رجال الماسونية بالاتصال بآدم وآيزهاويت المرتد عن الدين المسيحي، وكلفوه بمراجعة بروتوكلات حكماء صهيون القديمة، وإعادة تنظيمها على أسس حديثة، فوضع مخططًا قائما على المرتكزات التالية:
١- تدمير الحكومات الشرعية وتقويض الأديان السماوية.
٢- إثارة المشكلات التي من شأنها بذر الفتنة بين صفوف غير اليهود "الجوييم".
٣- إثارة الفتن الطائفية والعرقية، وتقويض الدعائم الأخلاقية والدينية والمادية في بلدان العالم، وقام إثر ذلك بتنظيم المحفل النوراني نسبة إلى الشيطان، ووضع مخططًا لتحقيق الأهداف سالفة الذكر تتمثل في استعمال الرشوة بالمال والجنس، واقتناص المتفوقين عقليًا، والسيطرة على أجهزة الدعاية، والصحافة ثم تأسيس عشرين مجلسًا يختص كل مركز بمنطقة معينة تغطي الكرة الأرضية بكاملها.
ووضح الكاتب علاقة الماسونية بالأديان عامة، واليهودية على نحو خاص، وخلص إلى أن الماسونية عملت على تجريد أعضائها من دياناتهم قبل الانضمام إلى المحافل الماسونية.
ثم يتحدث عن الماسونية والمرأة واستغلالها بإشهار سلاح الجنس في وجه الآخرين حيث قام "ليون بلوم" أحد زعماء الماسونية بتأليف كتاب أسماه
стр. 163
"الزواج" فطبع منه ملايين النسخ ونشره في أنحاء المعمورة، وهو يعتبر من أقذر كتب الجنس، حيث يقوم على دعوة الشباب لإشباع غرائزهم الجنسية دون قيود، وعلى تهوين أمر العلاقات الزوجية، والسخرية من الأديان والرسل، والتنفير من الحمل والولادة والتربية.
يتحدث الكاتب بعد ذلك عن مصادر الفكر الماسوني؛ فيقرر أن التلمود هو أهم مصادر الفكر الماسوني، فالتلمود هو الكتاب الذي يحتوي على التعاليم اليهودية.
ثم يستعرض دور الماسونية في إسقاط الحكومات الشرعية، وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية من البلاد المختلفة، كما حصل في فرنسا؛ حيث استطاعت الماسونية تدبير أمر الثورة على لويس السادس عشر عن طريق الشباك التي أوقعوا فيها ميرابو وأورليان ابن عم الملك ثم تخلصت منهما معًا، وكذلك فعلت بحكومة اسكويت الذي رفض التعاون مع اليهود، ومهدت الطريق أمام تشرشل للاستيلاء على الحكم.
وهكذا يمكن السير في تلخيص سائر أبوب الكتاب، فمن خلال السطور السابقة الذكر التي تناولت أهم الأفكار في باب الماسونية أمكن تلخيص ما يزيد على مائة صفحة..
стр. 164
التقرير
ما هو التقرير؟
ضرب من ضروب الكتابة الوظيفية يتضمن قدرًا من الحقائق والمعلومات حول موضوع معين، أو شخص معين، أو حالة معينة، بناء على طلب محدد، أو وفقًا لغرض مقصود.
والتقرير لغة: يعني السكينة، قررت بمعنى سكنت، وقرارة القدر ما استقر في القدر بعد إفراغه من محتوياته، ومن معنى الإفراغ، قر الكلام بمعنى فرغه وصبه في أذن السامع، ومن معنى الإيضاح والتبين، تقول أقررت الكلام لفلان بمعنى بينته حتى عرفه كما ورد في لسان العرب لابن منظور١.
وهذه المعاني اللغوية الثلاثة ترتبط بالمعنى الاصطلاحي، فمن شأن التقرير أن يفرغ الحقائق والمعلومات بهدوء، وسكينة ويوضحها توضيحًا.
مجالات التقرير:
والتقرير يتسع ليشمل مناحي مختلفة من الحياة -كما أسلفنا في التعريف السابق- فهو إما أن يتحدث عن موضوع، وهذا الموضوع قد يكون علميًا أو إداريًا أو تاريخيًا أو اجتماعيًا ... إلخ، أو يتناول حالة معينة، وهي إما أن تكون حالة مرضية أو قانونية أو ظاهرة علمية فلسفية......إلخ، أو شخص معين قد يكون موظفًا أو عالمًا أو زعيمًا أو قائدًا؛ فالتقرير يغطي أوجه الحياة المختلفة.
الغرض من التقرير:
وقد يكتب التقرير بناء على طلب لجهة مسئولة، وهنا ينبغي أن تكون
стр. 165
المعلومات بقدر الطلب، وإجابات لأسئلة محددة، وقد يقصد بالتقرير إثبات وضعية معينة درءًا لشهبة أو تأكيدًا لواقعة، أو بيانًا لإنجاز، أو توثيقًا لحادثة معينة.
كيف يكتب التقرير؟
أولًا: ينبغي أن يحدد كاتب التقرير المحاور الأساسية له وفقًا للغرض المقصود من هذا التقرير، وبناء على الطلب المقدم من الجهة التي تطلب التقرير.
ثانيًا: لا بد من ترتيب المعلومات بعد جمعها وإحصائها والتحقق من صحتها وتصنيفها تصنيفًا موضوعيًا ثم تحليلها إذا كان هذا التحليل وما يبنى عليه من نتائج مطلوبًا.
ثالثًا: عند الشروع في كتابة التقرير لا بد من مدخل أو تمهيد يحدد المنطلقات والمبادئ والمصادر التي اعتمد عليها كاتب التقرير طبقًا لأهميتها وتوثيقها.
رابعًا: التقرير عبارة عن عرض لحقائق الموقف، ولذلك لا بد من توخي الدقة والموضوعية، ولا بد من التحقق من صحة وسلامة هذه الحقائق.
نموذج تطبيقي: تقرير عن سير الدراسة في مدرسة ثانوية:
أولًا: تحدد المحاور الأساسية للتقرير على النحو التالي:
أ- الإدارة ودورها في ضبط النظام في داخل المدرسة.
ب- هيئة التدريس ودرجة كفاءتها.
ج- الطرق التربوية المتبعة في المدرسة.
د- الطلاب ومستوى تحصيلهم العلمي.
و الأنشطة المدرسية ونوعها ومدى خدمتها للمنهج.
стр. 166
ثانيًا: ترتيب المعلومات بعد جمعها وتصنيفها:
أ- فيما يتعلق بالإدارة يتحدث التقرير عن الجهاز الإداري وعدد أفراده، والمهام المنوطة بهم، وقيامهم بهذه المهام كإعداد الجدول الدراسي وفقًا للنظام، والإشراف الطلابي والتربوي، وتنفيذ التعليمات الإدارية الخاصة بالغياب والحضور والإجازات، وترتيب الأرشيف وما إلى ذلك.
ب- يتناول الحقائق المتعلقة بالأساتذة وفقًا للمواد التى يدرسونها وكفاءتهم العلمية، شهاداتهم وخبراتهم وتقارير الموجهين عنهم ومدى قدرة كل منهم على إدارة الفصل، والمشاكل، التى يواجهونها.
ج- مدى استخدام المناهج التربوية الحديثة، والاستعانة بوسائل الإيضاح وإعدادها، والمختبرات المدرسية وكيفية استخدامها، ثم مدى التزام المدرسين بالطريقة الاستنتاجية أو الإلقائية، والواجبات المنزلية وما إلى ذلك.
د- المعلومات المتعلقة بتحصيل الطلاب العلمي من خلال الاطلاع المباشر بمناقشتهم في مختلف المواد، والاطلاع على كراساتهم، وتدوين الحقائق المتعلقة بذلك، وتصنيف هذه المستويات حسب سلم مدروس.
هـ- فحص النتائج الفصلية والنهائية، ورصد درجة التقدم، واعتماد الرسم القياسي لقياس النسبة.
و الاطلاع على أوجه النشاط المختلفة في المدرسة، وتصنيفها إلى أنشطة ثقافية وفنية ورياضية واجتماعية، واستعراض المنجزات التي تحققت في هذه المجالات.
ثالثًا: في المدخل تحدد المنطلقات الأساسية على النحو التالي:
стр. 167
١- رصد الإيجابيات والسلبيات لتنمية الجانب الإيجابي وتلافي الثغرات.
٢- الاستفادة من الخبرات والإنجازات التي تحققت لتعميمها على بقية المدارس.
٣- التحقق من مدى استفادة المدرسة من الإمكانات المتاحة لديها.
٤- تأكيد الحرص على استقاء المعلومات مباشرة من مصادرها الأساسية، وعن طريق السجلات والوثائق، والاتصال الشخصي، والمنهج الإحصائي.
стр. 168
الرسالة
مدخل:
الرسالة فن عربي قديم ما زال له دوره وأهميته، والرسائل نوعان: شخصية أو إخوانية كما كانت تسمى، ورسمية أو ديوانية، وقد كان للرسائل الديوانية تقليدها ورسومها، وقد عبرت الرسالة الديوانية عند ظهورها عن انعاطفة هامة في تاريخ النثر العربي، ليس هذا فحسب بل أدت إلى ظهور طبقة من الكتاب، نهضت بهذا الفن مثل: عبد الحميد الكاتب الذي يعد بحق صاحب نهج جديد في الكتابة النثرية العربية، إذ يقال بدأت الكتابة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد.
وقد احتوى كتاب جمهرة رسائل العرب١ على طائفة من الرسائل في مختلف العصور. وتبدو فيه التقاليد الفنية التي تَرَسَّمها المنشئون في هذا الميدان.
والرسائل الشخصية تعالج موضعات متعددة كالتهنئة والتعزية والدعوة، ويختلف الأسلوب في هذا النوع من الرسائل من مناسبة إلى أخرى، ففي رسائل التهنئة يعمد الكاتب إلى شيء من الإطناب لأنه؛ مقام الحديث فيه مستحب، أما رسائل التعزية، فالإيجاز فيها مطلوب لأنه موقف يقتضي الاقتضاب والبعد عن الإسهاب.
التعريف:
ويطلق على فن الرسالة المكاتبات، وتعرف المكاتبة بأنها مخاطبة الغائب
стр. 169
بلسان القلم، ويجب أن يراعى فيها أحوال الكاتب والمكتوب إليه، ونوع العلاقة بينهما، وقد تنبه إلى ذلك القدماء وأوصوا به.
مقومات الرسالة:
يقول إبراهيم بن محمد الشيباني: إذا احتجت إلى مخاطبة أعيان الناس وأوساطهم أو سوقتهم فخاطب على قدر أبهته وجلالته، وعلو مكانته وانتباهه، وفطنته ولكل طبقة من هذه الطبقات معدن ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك، فلا تكتب لمن أصيب في ماله أو في عياله كما تكتب لمن فرغ ووفر ماله١.
وقد اشترط في الرسالة الخاصة أن تحتوي على خمس خواص وهي:
- السذاجة: التي تجعل الكلام بعيدًا عن التكلف والزخرفة والبهرجة المفتعلة.
- الجلاء: "الوضوح" حيث يخلو الكلام من الغموض والتعقيد فيتصف بالوضوح.
- الإيجاز: ويعني خلو الكلام من الحشو والتطويل.
- الملاءمة: أي التناسب بين الكلام ومنزلة المرسل إليه.
- الطلاوة: والمقصود بها العذوبة وجودة العبارة وسلامة المعنى وسلاسة القول.
أنواع الرسائل:
١- الرسائل الخاصة٢: منها ما هو متبادل بين الأقارب والأصدقاء
стр. 170
وتسمى بالرسائل الأهلية، ومنها ينطلق الكاتب بحرية تامة معبرًا عما في نفسه، فيبسط الكلام دون قيود أو تكلف، ومن أنواعها: رسائل الشوق، والتعرف قبل اللقاء، الهدايا، والاستعطاف.
٢- الرسائل الأدبية١: أما النوع الثاني فهو الرسائل الأدبية، وهو الذي عمدنا إلى إيراد نموذج له، وهذ النوع من الرسائل يكون عادة متبادلًا بين الأدباء، ولا يخلو من بحث قضية أدبية أو الإشارة إلى مسألة نقدية أو علمية، وقد يكون هذا النوع مقصورًا على تبادل المشاعر الودية.
٣- الرسائل الرسمية٢: أما الرسائل الرسمية فهي أنواع مختلفة، منها ما يسمى بالرسالة الإدارية، ومنها رسائل المناسبات، وكان لها في القديم رسوم وقواعد أتى على ذكرها القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى"٣ ومنها: براعة الاستهلال أي: الإيحاء في بداية الرسالة بموضوعها، فإذا كانت في التهنئة أتى في المقدمة بما يدل على أنها في هذا الموضوع.
ومنها مراعاة مواقع آيات القرآن الكريم، وأبيات الشعر وغيرها من الاستشهادات، وقد أرشد إلى ضرورة وجود مقدمة تخدم الموضوع، إذا كانت الرسالة في المقاصد الجليلة أي: ذات الخطر، أما الموضوعات العادية فلا ضرورة للمقدمات فيها، وقد عني الأدباء والموظفون من أسلافنا بالإشارة إلى ما يجوز فيه٤ الكتابة وما لا يجوز.
كيف تكتب الرسالة؟
فيما يتعلق بالرسائل الخاصة فإنه ليس ثمة قواعد وأصول يجب اتباعها
стр. 171
سوى ما أصبح متعارفًا عليه من استهلال الرسالة بالتحية وإبراز المشاعر الخالصة بعبارة رقيقة مصقولة، ثم تناول الموضوع بعرض بسيط ولغة سهلة مهذبة، وحسن التخلص بين أجزاء الرسالة وصولًا إلى الخاتمة، التي يجب أن تكون مؤثرة، ويشترط أن يكون الأسلوب في الرسالة الخاصة بعيدًا عن التكلف، يهدف إلى عقد أواصر الثقة بين الكاتب والمكتوب إليه، وأن يقترب الكاتب من مطلوبه بتلطف ومودة بعيدًا عن اصطناع الحيلة الممقوتة.
أما الرسالة الرسمية فتختلف في طريقة كتابتها باختلاف نوعها، فهناك ما يسمى بالرسالة الإدارية أو المعروض، وهناك الرسائل المتبادلة بين الدوائر الحكومية أو بين المسئولين، وهناك الرسائل التي يتبادلها رؤساء الدول والوزراء والزعماء، وسنتوقف عند الرسالة الإدارية؛ لأن هذا النوع من الرسائل هو ما نحتاجه أكثر في حياتنا العملية، كذلك سنتناول -إن شاء الله- الرسائل الرسمية المتبادلة بين الدوائر الحكومية.
والرسالة الإدارية أنماط مختلفة، فقد تكون طلبًا لعمل، أو شكوى، أو خطابًا موجهًا إلى قاض لرفع دعوى ضد شخص معين أو إبلاغًا عن حادثة، أو تقرير واقعة معينة، أو استعطاف لتخفيف الحكم وما إلى ذلك، وقد تكون الرسائل الإدارية متضمنة أشكالًا متعددة من المعاملات التجارية، ومما لاشك فيه أن الرسائل ذات الطابع الإجارئي المحض لا تدخل في باب هذا الفن لأن؛ لها صيغها وقوالبها المعمول بها، ولها نماذجها الخاصة بها التي لا مجال فيها للابتكار أو الإبداع.
لهذا كان الوقوف عند الجانب الشكلي منها هو المطلوب في هذه الحالة، أما الرسالة الإدارية الموجهة من الأشخاص أصحاب الحالات الخاصة فهي أحق بالتناول والدرس، وكلما نجح الكاتب في صياغتها صياغة موفية بالغرض كان ذلك أدعى إلى تحقيق غرضه، والوصول إلى مبتغاه.
وليس من شك في أن الأصول والقواعد المتبعة في الكتابة عمومًا من ضرورة
стр. 172
المناسبة بين المقام بما يعنيه من أطراف وظروف "أي: المرسل إليه والغرض الذي من أجله كتبت الرسالة" وبين الأسلوب وطريقة التناول هو المطلوب مراعاته في مثل هذا النوع في المكاتبات إذ يجب:
أولًا: تخير اللقب المناسب الذي يخاطب به المسئول، أو الجهة ذات الاختصاص.
ثانيًا: مراعاة الجانب الشكلي المتعلق بالعنوان والتحية والابتداء، والختام، وهو في الواقع ليس شكليًا على إطلاقه، فالافتتاح بالبسملة أمر يتعلق بالسنة، وكذلك التحية الإسلامية "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، أما العنوان فيجب أن يكتب على الجهة مقابلًا للتوقيع الذي يكون على الجهة اليسرى في نهاية الخطاب.
ثالثًا: مراعاة الترتيب المعتمد لأجزاء الرسالة: المقدمة والعروض والخاتمة، ويجب أن تكون المقدمة موحية بالمقصود من الرسالة في إشارات لماحة، والحرص على تهيئة المتلقي ذهنيًا ونفسيًا، بمد جسور من المودة والثقة بينه وبين الكاتب، ولا ينبغي أن تزيد المقدمة عن فقرة قصيرة.
أما العرض فيفترض فيه أن يكون مركزًا بلا تطويل وإملال، بعيدًا عن التفصيل الممجوج، والتوسل المكشوف بعبارات مبتذلة، مع التركيز على الجوانب المهمة، واستبعاد الثانوي منها.
والخاتمة يشترط فيها أن تترك انبطاعًا حسنًا في نفس المتلقي، إذ يخلص فيها إلى توثيق الصلة التي مهد لها في المقدمة بعبارة مختصرة مؤكدًا من طَرْف خفي أهمية الرد على الرسالة، وانشغال الكاتب بالموضوع دون استعطاف أو تذلل.
ويجب أن يكون الأسلوب سهلًا سلسًا لا يخلو من نبرة وجدانية، ولكن دون تكلف، كذلك ينبغي أن يحسن الكاتب التأتي، فينفذ إلى وجدان المتلقي من المدخل المناسب الذي يروقه.
стр. 173
نموذج للرسالة الإدارية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سعادة مدير إدارة البعثات بوزارة المعارف: المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: "والتحية"
فإنه ليسعدني أن أحيطكم علما بأنني من أبنائكم المتفوقين في دراستهم، الذين يطمحون إلى خدمة وطنهم، وتلبية نداء الواجب الذي عودتمونا سعادتكم على احترامه وتوقيره، فقد حصلت على تقدير عام ممتاز في امتحان الشهادة الثانوية العامة لهذا العام..
لقد أسعفني الحظ فاطلعت على تعميمكم رقم ٤/٩١/٥٢٢ بتاريخ ٨٩/٥/٤ "العرض"
الذي تدعون فيه الطلبة الممتازين إلى التقدم بطلبات مشفوعة بالمؤهل العلمي لإدارة البعثات بالوزارة، واستجابة لما ورد في التعميم سالف الذكر أتقدم لسعادتكم بهذا الطلب، وقد أرفقت به صورة عن كشف الدرجات التي حصلت عليها. "الفقرة الأولى"
آمل التفضل بالنظر في طلبي هذا، وإلحاقي بالت خصص الذي ترونه مناسبًا، علمًا بأن رغبتي في دراسة هندسة الكمبيوتر قوية. "الفقرة الثانية من العرض"
وإنني على يقين تام بأن سعادتكم لن تدخروا وسعًا في إشعاري بما يتقرر بشأن هذا الموضوع في الوقت المناسب حتى لا تضيع علي فرصة الالتحاق بالجامعة في الموعد المحدد. "الختام"
لكم خالص تحياتي واحترامي، والله يحفظكم ويرعاكم "التحية"
الاسم والتوقيع: محمد عبد الله سعد
العنوان: حي المنتزه/ حائل
стр. 174
نموذج للرسالة الأدبية:
١- الرسالة الثانية عشرة:*
عزيزتي يا فدوى
أنا واثق من أنك لم تنسي هذا الإنسان، الذي يكتب إليك لأنه؛ هو نفسه لم يستطع أن ينساك منذ أن قال لك ذات يوم وداعًا، وأنا واثق من أنك قد تساءلت بينك وبين نفسك عن سر انقطاعه عن القراء منذ أربعة أشهر، حيث كان يلقاهم ويلقاك على صفحات "الآداب".. ألا ما أطولها فترة مرت عليه لأنها؛ كانت حافلة بالألم والعذاب ... وما كان أقسى نهايتها بالنسبة إلى الفكر والشعور ... ؛ لأن هناك عملية جراحية خطيرة تنتظره بعد أيام.. ولم يكن هناك مفر لأنها؛ الأمل الوحيد في الخلاص من عذابه، عذاب الجسم والنفس الذي استمر أربعة أشهر وكأنها أربعة قرون طوال.. وعلى الرغم من هذا كله فإنه مايزال يحتفظ بابتسامته التي تعرفينها عنه، ولولا هذه الابتسامة لانهار كل شيء، وفقد الإيمان بكل شيء ... إن من الأشياء العزيزة عليه والتي ظل مؤمنًا بها حتى هذه اللحظة، ما كان بينك وبينه من صلات الروح.. ولهذا فقد آثر أن يكتب إليك قبل أن يضع مصيره بين يدي الجراح! لقد كتب إليك من قبل، يوم تعرض لمثل هذه المحنة، ولكن بعد أن قدرت له النجاة.. وكم كان يود أن يرجئ هذه الرسالة كما أرجأ تلك حتى لا يزعجك.
ولكنه خشى أن يكون في الغيب المجهول ما لا ينتظره ويتوقعه فيحرم من لقائك ولو بين السطور والكلمات.. إنه يعتقد أن دعواتك له لن تذهب هباء؛ لأنها دعوات قلب حزين تركه منذ عام في نابلس، كما ترك دعوات قلب حزين آخر في الريف منذ أيام إنهما قلب أمه وقلبك. والقلوب الحزينة دائمًا هي أقرب ما تكون إلى الله!!
стр. 175
أنا في انتظار رسالة منك تطمئنني عليك ... تشرحين لي فيها كل شيء عن حياتك منذ أن خرجت يومًا من حياتك.. أتذكرين قصيدتك "دوامة الغبار"؟ لقد بللتها اليوم بدموعي،أنا الذي لم أبك يوم أن كتبت "من الأعماق" سأحدثك عن وقعها الآن على نفسي في رسالة مقبلة، وسأحدثك كثيرًا عن أشياء كثيرة يوم أن أعود إلى الحياة وسأعود بإذن الله.. سأعود إليك مرة أخرى يا فدوى العزيزة.. ولا يهمني أن أعود إلى الأدب وإلى القراء!.
أنا يا فدوى مازلت أبتسم.. وسوف أشعر أنك بجانبي، وأنا تحت مبضع الجراح.. ويكفي هذا الشعور لتزداد ابتسامتي إشراقًا، وستكونين وحدك بجانبي؛ لأنني أخفيت الخبر عن أمي وأخواتي ... وكفاهن ما لقين من أجلي.. لقد قلت لك بالأمس: وداعًا، وأقول لك اليوم: إلى اللقاء.
من المخلص
أنور المعداوي
١٩٥٣/١٠/٢٤م.
стр. 176
الكتابة الإبداعية
فنون النثر
فن كتابة القصة
مدخل إلى فهم المصطلح:
من المعروف أن المعنى اللغوي طريق إلى فهم المعنى الاصطلاحي؛ ولهذا لا بد من التعرف على أصل الكلمة في المعاجم اللغوية، كمنطلق ضروري لفهم مدلول هذا الفن، ثم بعد ذلك نعرض للمفهوم الاصطلاحي لدى منظري فن القصة.
أولًا- المعنى اللغوي:
من تتبع معنى كلمة "قصَّ" في لسان العرب يتضح لنا أن الأصل في القص هو القطع، وهو المعنى الحسي، ومعروف أن الدلالة الحسية تسبق الدلالة المعنوية، ولكنها تنبثق منها، فالقص والقصة بمعنى الخبر، والخبر يقتطع من سياق الأحداث المتصلة في الحياة لأهميته، والقص تتبع الأثر أيضًا١، وهذه المحاور الثلاثة التي أشار إليها لسان العرب تصلح منطلقًا لفهم المصطلح، فالقصة تقوم على القطع، أي: اختيار الحدث الصالح، وفصله عن سياق الأحداث الأخرى، والاختيار هو مناط الفن، ثم تتبع الأثر أي: استقصاء تفاصيله وهذه خطوة تالية ضرورية لتصوير الحدث، ثم الإخبار هو الإبلاغ، أي: عقد الصلة مع المتلقي، فالركائز الثلاث السابقة ضرورية لفن القصة.
ثانيًا- المعنى الاصطلاحي:
أما مصطلح القصة بالمفهوم الفني فقد ظل عائمًا، وظل الخلط بين القصة بمفهومها العام والقصة بفنونها المختلفة قائمًا، واختلطت مفاهيم القصة بالحكاية بالرواية لدى العديد من الباحثين والنقاد٢، وليس من المفيد تتبع هذه
стр. 177
المفاهيم، ولكن حسبنا أن نشير إلى الشائع منها والذي تكاد تجمع الآراء حوله إذا استقر في أذهان النقاد والأدباء، وسنقف عند مصطلحين اثنين هما: القصة القصيرة والرواية.
تعريف القصة القصيرة:
هناك طريقان في تعريف القصة القصيرة:
- أحدهما كمي أي: ينظر إلى عدد الكلمات، والمدة التي تستغرقها قراءة القصة: فهي تقرأ في مدة تتراوح بين ربع ساعة وخمسين دقيقة كما يقول الكاتب الإنجليزي هـ. ج ويلز١. وتتراوح بين نصف ساعة وساعتين كما يقول إدجار إلان بو أحد روادها ومنظريها٢، وهناك من يرى أنها تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف كلمة، وهذا التعريف الكمي لا يعتمد به؛ لأنه من الممكن أن يتوفر في القصة، ولا ينطبق عليها المطصلح، فمن المستطاع تلخيص أي رواية بحيث تصبح كلماتها قليلة، ولا تحتاج إلى وقت طويل في القراءة، ولكن المعول على الخصائص الفنية.
- الثاني كيفي يشترط أن تحقق القصة القصيرة وحدة الأثر أو الانطباع، لذا لا ينبغي أن تتعدد الشخصيات والأمكنة، وألا تتفرع الحوادث وتتشعب، ومعظم التعريفات التي تحتويها كتب النقد والأدب عامة غير محددة، ولكنها تُجمِع في نهاية المطاف على وحدة الانطباع كخاصية أساسية للقصة القصيرة، وقد حاول الدكتور الطاهر أحمد مكي أن يلخص معظم هذه التعريفات في تعريف شامل، ولكنه لا ينطبق على كل أنواع القصة القصيرة فهو يقول: إنها "حكاية أدبية تدرك لتقص، قصيرة نسبيًا، ذات خطة بسيطة وحدث محوري يدور حول جانب من الحياة لا في واقعها العادي والمنطقي
стр. 178
وإنما طبقًا لنظرية رمزية لا تنمي أحداثًا وبيئات وشخوصًا؛ وإنما توجز في لحظة واحدة حدثًا ذا معنى كبير"، ولكن القصة قد لا تتضمن حكاية بالمفهوم الدقيق، ولهذا لا بد من التمييز بين القصة التقليدية التي تحدَّث عنها رواد القصة القصيرة الأولى، كما هي عند "مويسان وتشيكوف" والقصة الحديثة المعاصرة التي تداخلت فيها الأنواع الأدبية المختلفة والتي ترتكز على الجانب الدرامي "الصراع"، فالقصة التي تنتمي إلى النوع الأول تتوفر فيها عناصر الحكاية والزمان والمكان، ويجاب فيها على الأسئلة التقليدية: من؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا؟ أما القصة الدرامية فتركز على اللحظة، وتستبطنها وتحفر رأسيًا في معطياتها، فالإيقاع بمفهومه الأشمل نفسيًا واجتماعيًا ولغويًا هو الأساس فيها.
الخصائص البنائية للقصة القصيرة:
لا بد أن نميز بين النوعين السابقين حين نتعرض لذكر الخصائص٢ الفنية للقصة القصيرة:
أولًا- القصة القصيرة التقليدية:
الحدث: يجب أن تتصل تفاصيل الحدث وأجزائه في القصة بحيث تفضي إلى معنى أو أثر كلي، وأن يكون له بداية ووسط ونهاية، فالبداية تمثل الموقف الذي ينشأ عنه الحدث وهو أقرب إلى التمهيد الذي تتمثل فيه عناصر الزمان والمكان، أما الوسط فهو يتطور من الموقف، ويترتب عليه ويمثل تعقيدًا له، أما النهاية أو نقطة التنوير فتتجمع فيها كل القوى التي احتواها الموقف وفيها يكتسب الحدث معنى.
стр. 179
الشخصية: لكي تتضح الدوافع التي أدت إلى وقوع الحدث لا بد من التعرف على الأشخاص الذين قاموا بالحدث، والحدث في حد ذاته هو تصوير الشخصية وهي تعمل، فلا يمكن الفصل بين الشخصية والحدث.
المغزى: إن أي حدث لا يمكن أن يكون خلوًا من المعنى، ولكن المعنى إذا انفصل عن الحدث وقُدم بشكل مجرد يسلب القصة أهميتها، ويحولها إلى شيء آخر لا يمت إلى هذا الفن بصلة؛ لذا لا بد من أن ينحل المعنى في مفاصل الحديث بحيث توحي به القصة إحياء، فهو ركن من الأركان الثلاثة التي يتكون منها الحدث: لهذا لا بد أن يكتمل المعنى باكتمال الحدث نفسه عندما تتجمع كل عناصر الحدث في نقطة واحدة هي نقطة التنوير.
لحظة التنوير: قد تنتهي القصة دون أن تفضي إلى معنى، ولكنها في هذه الحالة لا تكون قصة قصيرة، لذلك لا بد من وجود لحظة التنوير، فالقصة بمفهومها الفني تضيء وقفًا معينًا، فهي تصور موقفًا في حياة فرد أو أكثر، لا الحياة بأكملها، تمثل إحدى دوامات النهر، وليس النهر بأكمله على حد تعبير أحد منظري القصة القصيرة.
اللغة والأسلوب: يتمثل نسيج القصة في اللغة والوصف والحوار والسرد وهو الذي يبرز الحدث، فلا بد من تنوع اللغة وفقًا لمستوياتها المختلفة، وليس المقصود بذلك التفاضل بين الفصحى والعامية بل هي مسألة أبعد من ذلك بكثير، والتقرير من الأمور التي تخل بنسيج القصة فهو يخبر بالحدث بدلا من أن يصوره، والنسيج والبناء وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، فالحدث والشخصيات والمعنى ولحظة التنوير والنسيج كلها تشكل قوام القصة القصيرة.
الحقيقة الفنية: والقصة القصيرة بمفهومها لدى الرواد تقوم على الإيهام بالواقع، فهي تعنى بالتتبع الطبيعي المنطقي للحدث، ولهذا فهم يؤمنون بضرورة التمسك بالحقيقة، ولكن الحقيقة الفنية غير الحقيقة المجردة؛ لأن الأولى تقوم على الاختيار وفقًا لرؤية الكاتب، إذ ينتقي من تفاصيل هذا الواقع
стр. 180
ما يخدم هذه الرؤية، والقصة القصيرة طبقا لهذا المفهوم تُعنى بالوصف الخارجي، فالكاتب يأكل العالم بعينيه على حد تعبير أحد النقاد، إذ يقوم بعزل الحدث أولًا، ثم ينكب على وصفه وتشريحه، نرى فيها الشخصيات بكل ماضيها وتكوينها وبيئتها، وتقوم كل كلمة بدورها المحدد في الوصف والإيحاء، وغالبًا ما يكون الهدف من النهاية فيها إحداث صدمة للقارئ، والقصة القصيرة التقليدية تختار موضوعاتها من الواقع، فالحكاية عنصر أساسي فيها، وذلك بعكس القصة القصيرة الحديثة١.
ثانيًا: القصة القصيرة الحديثة:
ظهر-نتيجة للتغيرات السريعة والمفاجئة في الواقع -جيل من الكتاب الجدد يرفض البناء التقليدي الذي يقوم على التسلسل الزمني وتطور أزمة الشخصية حتى انفراجها أو موتها، ورأوا أن التشابك والتداخل والتعقيد الذي أصبح سمة مميزة لعصرنا لابد أن يكون من صلب التشكيل الفني للقصة فتداخلت أجزاؤها وتشابكت أزمانها: الماضي والحاضر والمستقبل، واختفت الشخصية الواضحة المعالم، والحدث النامي المتطور، والعالم الخارجي بملامحه المكشوفة تحت مجهر الوصف، واتجه الكتاب إلى العوالم الداخلية يرصدون آثار التسارع والانعطاف والتحول الهائل في بواطن النفس، وأصبحت اللغة إما تقريرية جافة خالية من الانفعال، أو شعرية محلقة حسب الموقف النفسي أو الاجتماعي الذي تعرض له، وظهر في القصة القصيرة الحديثة منزع عبثي انعكس على الواقع تشويهًا وتدميرًا، فوظف الكوابيس والأحلام والأساطير والأوهام "الفانتازيا"، وبدا من الصعب فهم رؤية الكتاب، وحل محل الفهم التأثر بالمناخ العام الذي توحي به القصة، ولكن - على الرغم من ذلك - ظلت المقومات التالية الأساسية مناط البناء، في القصة القصيرة، وهي المرتكزات الكيانية لكل قصة، فيكاد يتفق معظم الدارسين على أن وحدة الانطباع ولحظة