الكتابة الإبداعية
فنون النثر
فن كتابة القصة
مدخل إلى فهم المصطلح:
من المعروف أن المعنى اللغوي طريق إلى فهم المعنى الاصطلاحي؛ ولهذا لا بد من التعرف على أصل الكلمة في المعاجم اللغوية، كمنطلق ضروري لفهم مدلول هذا الفن، ثم بعد ذلك نعرض للمفهوم الاصطلاحي لدى منظري فن القصة.
أولًا- المعنى اللغوي:
من تتبع معنى كلمة "قصَّ" في لسان العرب يتضح لنا أن الأصل في القص هو القطع، وهو المعنى الحسي، ومعروف أن الدلالة الحسية تسبق الدلالة المعنوية، ولكنها تنبثق منها، فالقص والقصة بمعنى الخبر، والخبر يقتطع من سياق الأحداث المتصلة في الحياة لأهميته، والقص تتبع الأثر أيضًا١، وهذه المحاور الثلاثة التي أشار إليها لسان العرب تصلح منطلقًا لفهم المصطلح، فالقصة تقوم على القطع، أي: اختيار الحدث الصالح، وفصله عن سياق الأحداث الأخرى، والاختيار هو مناط الفن، ثم تتبع الأثر أي: استقصاء تفاصيله وهذه خطوة تالية ضرورية لتصوير الحدث، ثم الإخبار هو الإبلاغ، أي: عقد الصلة مع المتلقي، فالركائز الثلاث السابقة ضرورية لفن القصة.
ثانيًا- المعنى الاصطلاحي:
أما مصطلح القصة بالمفهوم الفني فقد ظل عائمًا، وظل الخلط بين القصة بمفهومها العام والقصة بفنونها المختلفة قائمًا، واختلطت مفاهيم القصة بالحكاية بالرواية لدى العديد من الباحثين والنقاد٢، وليس من المفيد تتبع هذه
стр. 177
المفاهيم، ولكن حسبنا أن نشير إلى الشائع منها والذي تكاد تجمع الآراء حوله إذا استقر في أذهان النقاد والأدباء، وسنقف عند مصطلحين اثنين هما: القصة القصيرة والرواية.
تعريف القصة القصيرة:
هناك طريقان في تعريف القصة القصيرة:
- أحدهما كمي أي: ينظر إلى عدد الكلمات، والمدة التي تستغرقها قراءة القصة: فهي تقرأ في مدة تتراوح بين ربع ساعة وخمسين دقيقة كما يقول الكاتب الإنجليزي هـ. ج ويلز١. وتتراوح بين نصف ساعة وساعتين كما يقول إدجار إلان بو أحد روادها ومنظريها٢، وهناك من يرى أنها تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف كلمة، وهذا التعريف الكمي لا يعتمد به؛ لأنه من الممكن أن يتوفر في القصة، ولا ينطبق عليها المطصلح، فمن المستطاع تلخيص أي رواية بحيث تصبح كلماتها قليلة، ولا تحتاج إلى وقت طويل في القراءة، ولكن المعول على الخصائص الفنية.
- الثاني كيفي يشترط أن تحقق القصة القصيرة وحدة الأثر أو الانطباع، لذا لا ينبغي أن تتعدد الشخصيات والأمكنة، وألا تتفرع الحوادث وتتشعب، ومعظم التعريفات التي تحتويها كتب النقد والأدب عامة غير محددة، ولكنها تُجمِع في نهاية المطاف على وحدة الانطباع كخاصية أساسية للقصة القصيرة، وقد حاول الدكتور الطاهر أحمد مكي أن يلخص معظم هذه التعريفات في تعريف شامل، ولكنه لا ينطبق على كل أنواع القصة القصيرة فهو يقول: إنها "حكاية أدبية تدرك لتقص، قصيرة نسبيًا، ذات خطة بسيطة وحدث محوري يدور حول جانب من الحياة لا في واقعها العادي والمنطقي
стр. 178
وإنما طبقًا لنظرية رمزية لا تنمي أحداثًا وبيئات وشخوصًا؛ وإنما توجز في لحظة واحدة حدثًا ذا معنى كبير"، ولكن القصة قد لا تتضمن حكاية بالمفهوم الدقيق، ولهذا لا بد من التمييز بين القصة التقليدية التي تحدَّث عنها رواد القصة القصيرة الأولى، كما هي عند "مويسان وتشيكوف" والقصة الحديثة المعاصرة التي تداخلت فيها الأنواع الأدبية المختلفة والتي ترتكز على الجانب الدرامي "الصراع"، فالقصة التي تنتمي إلى النوع الأول تتوفر فيها عناصر الحكاية والزمان والمكان، ويجاب فيها على الأسئلة التقليدية: من؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا؟ أما القصة الدرامية فتركز على اللحظة، وتستبطنها وتحفر رأسيًا في معطياتها، فالإيقاع بمفهومه الأشمل نفسيًا واجتماعيًا ولغويًا هو الأساس فيها.
الخصائص البنائية للقصة القصيرة:
لا بد أن نميز بين النوعين السابقين حين نتعرض لذكر الخصائص٢ الفنية للقصة القصيرة:
أولًا- القصة القصيرة التقليدية:
الحدث: يجب أن تتصل تفاصيل الحدث وأجزائه في القصة بحيث تفضي إلى معنى أو أثر كلي، وأن يكون له بداية ووسط ونهاية، فالبداية تمثل الموقف الذي ينشأ عنه الحدث وهو أقرب إلى التمهيد الذي تتمثل فيه عناصر الزمان والمكان، أما الوسط فهو يتطور من الموقف، ويترتب عليه ويمثل تعقيدًا له، أما النهاية أو نقطة التنوير فتتجمع فيها كل القوى التي احتواها الموقف وفيها يكتسب الحدث معنى.
стр. 179
الشخصية: لكي تتضح الدوافع التي أدت إلى وقوع الحدث لا بد من التعرف على الأشخاص الذين قاموا بالحدث، والحدث في حد ذاته هو تصوير الشخصية وهي تعمل، فلا يمكن الفصل بين الشخصية والحدث.
المغزى: إن أي حدث لا يمكن أن يكون خلوًا من المعنى، ولكن المعنى إذا انفصل عن الحدث وقُدم بشكل مجرد يسلب القصة أهميتها، ويحولها إلى شيء آخر لا يمت إلى هذا الفن بصلة؛ لذا لا بد من أن ينحل المعنى في مفاصل الحديث بحيث توحي به القصة إحياء، فهو ركن من الأركان الثلاثة التي يتكون منها الحدث: لهذا لا بد أن يكتمل المعنى باكتمال الحدث نفسه عندما تتجمع كل عناصر الحدث في نقطة واحدة هي نقطة التنوير.
لحظة التنوير: قد تنتهي القصة دون أن تفضي إلى معنى، ولكنها في هذه الحالة لا تكون قصة قصيرة، لذلك لا بد من وجود لحظة التنوير، فالقصة بمفهومها الفني تضيء وقفًا معينًا، فهي تصور موقفًا في حياة فرد أو أكثر، لا الحياة بأكملها، تمثل إحدى دوامات النهر، وليس النهر بأكمله على حد تعبير أحد منظري القصة القصيرة.
اللغة والأسلوب: يتمثل نسيج القصة في اللغة والوصف والحوار والسرد وهو الذي يبرز الحدث، فلا بد من تنوع اللغة وفقًا لمستوياتها المختلفة، وليس المقصود بذلك التفاضل بين الفصحى والعامية بل هي مسألة أبعد من ذلك بكثير، والتقرير من الأمور التي تخل بنسيج القصة فهو يخبر بالحدث بدلا من أن يصوره، والنسيج والبناء وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، فالحدث والشخصيات والمعنى ولحظة التنوير والنسيج كلها تشكل قوام القصة القصيرة.
الحقيقة الفنية: والقصة القصيرة بمفهومها لدى الرواد تقوم على الإيهام بالواقع، فهي تعنى بالتتبع الطبيعي المنطقي للحدث، ولهذا فهم يؤمنون بضرورة التمسك بالحقيقة، ولكن الحقيقة الفنية غير الحقيقة المجردة؛ لأن الأولى تقوم على الاختيار وفقًا لرؤية الكاتب، إذ ينتقي من تفاصيل هذا الواقع
стр. 180
ما يخدم هذه الرؤية، والقصة القصيرة طبقا لهذا المفهوم تُعنى بالوصف الخارجي، فالكاتب يأكل العالم بعينيه على حد تعبير أحد النقاد، إذ يقوم بعزل الحدث أولًا، ثم ينكب على وصفه وتشريحه، نرى فيها الشخصيات بكل ماضيها وتكوينها وبيئتها، وتقوم كل كلمة بدورها المحدد في الوصف والإيحاء، وغالبًا ما يكون الهدف من النهاية فيها إحداث صدمة للقارئ، والقصة القصيرة التقليدية تختار موضوعاتها من الواقع، فالحكاية عنصر أساسي فيها، وذلك بعكس القصة القصيرة الحديثة١.
ثانيًا: القصة القصيرة الحديثة:
ظهر-نتيجة للتغيرات السريعة والمفاجئة في الواقع -جيل من الكتاب الجدد يرفض البناء التقليدي الذي يقوم على التسلسل الزمني وتطور أزمة الشخصية حتى انفراجها أو موتها، ورأوا أن التشابك والتداخل والتعقيد الذي أصبح سمة مميزة لعصرنا لابد أن يكون من صلب التشكيل الفني للقصة فتداخلت أجزاؤها وتشابكت أزمانها: الماضي والحاضر والمستقبل، واختفت الشخصية الواضحة المعالم، والحدث النامي المتطور، والعالم الخارجي بملامحه المكشوفة تحت مجهر الوصف، واتجه الكتاب إلى العوالم الداخلية يرصدون آثار التسارع والانعطاف والتحول الهائل في بواطن النفس، وأصبحت اللغة إما تقريرية جافة خالية من الانفعال، أو شعرية محلقة حسب الموقف النفسي أو الاجتماعي الذي تعرض له، وظهر في القصة القصيرة الحديثة منزع عبثي انعكس على الواقع تشويهًا وتدميرًا، فوظف الكوابيس والأحلام والأساطير والأوهام "الفانتازيا"، وبدا من الصعب فهم رؤية الكتاب، وحل محل الفهم التأثر بالمناخ العام الذي توحي به القصة، ولكن - على الرغم من ذلك - ظلت المقومات التالية الأساسية مناط البناء، في القصة القصيرة، وهي المرتكزات الكيانية لكل قصة، فيكاد يتفق معظم الدارسين على أن وحدة الانطباع ولحظة
стр. 181
الاكتشاف واتساق التصميم هي الخصائص الأساسية للقصة القصيرة، وهي خصائص يجب أن تتوفر في القصة التقليدية أيضًا، ولكنها في القصة الحديثة أبرز:
أولًا- وحدة الانطباع:
وحدة الانطباع وهي الخصيصة البنائية الأولى في القصة القصيرة تنجم عن التكثيف وتآزر العناصر المختلفة، والتخلص من الزوائد والتكرار والاستطراد، وتعدد المسارات الأمر الذي يفضي في النهاية إلى وحدة الأثر النفسي لدى القارئ.
ثانيًا- لحظة الاكتشاف:
وهي اللحظة التي تتعرض فيها الشخصية أو الحدث للتحولات الحاسمة، وإدراكها، وقد تستغرق حيزًا كبيرًا في القصة لأنها؛ تنجم عن تفاعل حي بين الأزمة والشخصية يؤدي إلى إدراك جوهرها.
ثالثًا- اتساق التصميم:
ويعني وفقًا للمصطلح القديم "الحبكة" والمقصود به ترتيب الأحداث بالأسلوب الذي يبرز الموقف أو الانطباع، فالقصة تتضمن أحداثًا، وأزمات متعددة، والأحداث أو الوقائع هي المادة الخام التي يعيد كاتب القصة التعامل معها وترتيبها بما يتلائم مع رؤيته الخاصة، وتتابعها يمكن أن يتم بأساليب مختلفة فيثير توقعات واحتمالات متعددة، وهناك أنماط من التتابع على النحو التالي:
- التتابع السببي أو المنطقي، ويتم في مسار أفقي تدريجي من المقدمات إلى النتائج، من هنا كان بإمكان القارئ، أن يتنبأ بما سيحدث.
- التتابع النوعي أو الكيفي، وهو لا يعتمد على التوقعات المحكومة بالمنطق بل بالحدس والتخمين لأنه؛ يتكئ على الإيماءات والإشارات.
стр. 182
- التتابع التكراري، تنمية القص بإعادته بصورة جديدة دون إخلال بجوهره، ولكن بتوسيع أفقه والإضافة إليه.
رابعًا: لغة القصة:
تقوم على الجانب الإدراكي التعبيري الذي يُعنى بالتصوير والكشف، والجانب الإيحائي الانفعالي والإيقاع، فالخصائص الصوتية مقوم أساسي من موقمات لغة القصة١.
والآن كيف تكتب القصة القصيرة؟
من المعروف أن القصة فن إبداعي، والإبداع الأدبي ينهض على موهبة فطرية، ولكن الموهبة لا بد لها من صقل، وصقلها وتربيتها يكون بمداومة الاطلاع والتمرس بالأساليب والجماليات من خلال قراءة النصوص والنماذج المعروفة والمشهورة لكبار الكتاب والأدباء، ولا بد قبل هذا وذاك من توفر ملكة أساسية هي قوة الملاحظة، وشدة الحساسية لالتقاط ما هو جوهري، والانفعال به، ثم القدرة اللغوية المتمكنة والمخيلة الفسيحة الأفق.
وهناك العديد من الكتب التي ألفت، والمقالات التي نشرت عن كيفة كتابة القصة، وما من كاتب قط تعلم الإبداع عن طريق هذه الكتب، ولكن الاسترشاد بها ممكن، فلكل أديب منحاه الخاص وطريقته التي تختلف عن غيره في إنشاء القصة، غير أن ثمة خطوطًا عريضة وقواعد عامة يمكن أن تُعين على كتابة القصة:
١- وأول هذه القواعد: الانفعال بالتجربة أو البحث عن الموضوع، وقد تكون التجربة التي ينفعل بها الكاتب عادية كحادث مأساوي أو تجربة حياتية معينة، أو فكرة رائجة، ولكن لا بد للكاتب من أن يتمثل هذه التجربة
стр. 183
فتتفاعل في نفسه، وتستقطب تداعيات عديدية بحيث تتجمع حولها وتشكل ما يسمى بالمتن الحكائي أي: العناصر الرئيسية التي تبنى عليها القصة، ونضرب لذلك مثلًا قصة "الرغيف" التي اتخذنا منها نموذجًا للقصة القصيرة في هذا المجال، فكاتبها كان قد مر بميدان العتبة الخضراء بالقاهرة فرأى شيخًا عجوزًا يتخبط في دمائه بعد أن داسته عجلات الترام، فانفعل الكاتب بهذا المنظر وتفاعلت في نفسه أصداؤه، وبدأت التداعيات تتوالى فتخيل أن هذا الرجل العجوز من الفقراء المدقعين، وأن له زوجة مقعدة لا تقوى على العمل، وأنهما يسكنان في بيت متواضع، وهكذا بدأت تتوالى عناصر القصة، وتتجمع حول بؤرة شعورية معينة، ومر على هذه التجربة فترة من الزمن تخمرت فيها، وأصبحت مهيأة لأن تخرج إلى حيز الوجود، وأثناء الكتابة تبلورت في صورتها النهائية وفق رؤية الكاتب الذي رأى في مصير هذا الرجل العجوز لونًا من ألوان الاضطهاد الاجتماعي وفقدان التكافل.
٢- وأما القاعدة الثانية التي تنهض عليها القصة هي تطوير التجربة بحيث تحتوي على بؤرة مركزية، هذه البؤرة تولد ضربًا من ضروب الصراع سواء أكان هذا الصراع داخليًا ذاتيًا أم خارجيًا موضوعيًا، ففي القصة السابقة كانت المشكلة الأساسية التي قادت إليها عناصر الموقف هي الفقر والعجز عن العمل، وقد جهد الكاتب في تقليب الموقف على وجوهه المتعددة وصولًا إلى تطوير هذا الموقف، حيث افترض أن هذا الشيخ الذي خرج مع أذان الفجر إلى الصلاة، ثم شق طريقه إلى محطة الأتوبيس مدفوعًا بالحاجة إلى العمل بعد أن استدان خمسة قروش هي أجرة المواصلات، وقد قاده ذلك إلى ركوب الدرجة الثانية وسط الزحام، وهنا اغتنم الكاتب الفرصة فعمد إلى وصف هذا المكان وصفًا يخدم الموقف ويسهم في تطويره، وقد صور الكاتب الصراع الذي عانى منه "العم صابر" بطل القصة من أجل الحصول على عمل، وأدار في وجدانه حوارًا داخليًا أفضى من خلاله إلينا
стр. 184
بمزيد من المعلومات التي أسهمت في تطوير الصراع انتهاء به إلى الحل أو لحظة الكشف والتنوير إذ وجد العم صابر نفسه أمام خيار صعب هل يشتري رغيفًا له ولزوجته، ويخاطر بحياته؛ لأنه لن يبقى معه بعد ذلك ما يمكنه من دفع أجرة الأتوبيس، أم يبقى هو وزوجته جائعين ويعود سالمًا؟، ولم يكن أمامه خيار، وهنا كان على الكاتب أن يلجأ إلى الخيار الذي يخدم رؤيته الخاصة فاختار النهاية المأساوية، وبعد أن اختار المشكلة أو المأزق تحرك باتجاه النهاية في عملية تنمية مقصودة صوب النهاية، وعلى الكاتب أن يتنبه إلى أهمية البداية فلا بد أن يختار من جمل الاستهلال ما يشد اهتمام القارئ ويثيره، كذلك فإنه ينبغي أن توفر في القصة عناصر التشويق والمفاجأة.
٣- والقاعدة الثالثة التي ينبغي أن يدركها كاتب القصة: هي ضرورة ألا تتحكم المصادفات في تطوير الحدث وتنميته، والبعد عن التهويل، ولذلك نجد كاتب قصة الرغيف ينتبه إلى أهمية التتابع المنطقي؛ فالأمور لا تترك للمصادفة، ولو أعدنا ترتيب الأحداث في أذهاننا لوجدنا أن انطلاق عم صابر إلى العمل وحرصه ناجم عن فقره، وأن ثقة صاحب العمل فيه سبب في بقائه لحراسة "الورشة"، وأن جوعه كان سببًا في تضحيته بما تبقى معه من مال، وأن تسلقه لسطح الترام كان سبب ذلك، ثم إن سقوطه نتيجة لتعبه، وهكذا يبدو السياق المنطقي هو الذي يحكم تطور الحدث وتنميته.
ولا بد أن نشير إلى أن الحياة حافلة بالخبرات والتجارب المثيرة القابلة للتطوير والتنمية، وأن هذه الخبرات والتجارب لا تحتاج إلى قوة الملاحظة فقط، فلا بد أن يكون الكاتب ممتلكا للقدرة على التطوير واستغلال التداعيات في قصته.
٤- أما القاعدة الرابعة: فهي العمل على رسم الشخصية بحيث لا تكون متناقضة في أقوالها وأعمالها، وألا يعتمد الكاتب في رسمها على التقرير بل على التصوير والحوار.
стр. 185
نصائح موجهة إلى كتَّاب القصة القصيرة من المتبدئين
من النصائح التي يوجهها كبار كتاب القصة في العالم للناشئين:
أولًا: أن يدركوا أن الكتابة غوص في أعماق الواقع، وأن الكاتب إنما يقدم صورة مختصرة ومترابطة الحياة، وأن الحياة ذات معان متعددة، ومهمة الكاتب البحث عن هذه المعاني واكتشافها، وأن مكمن الطاقة الفنية يتمثل في الاعتقاد بأن ثمة شيئًا فريدًا يريد الكاتب أن يقوله، وأنه وحده المؤهل لقوله، فالأصل في الكتابة الإرادة والحلم، أو قد تكون عملية الكتابة مهيبة، لذا ينصح المبتدئ بأن يكتب أي شيء: يدون مذكراته في كل شيء، وبشكل يومي، فإن الملاحظة التي تسمع صدفة، أو الانفعال العاطفي المفاجئ، أو الشعور بالغضب هي مادة خام صالحة للكتابة.
ولكي نكتب لا بد من أن نتعرف على أنفسنا، إن الكتابة محاولة للسيطرة على العالم أو قطعة منه فكيف لا نسيطر على ذواتنا باكتشافها أولًا، اكتشاف المعاني الخافية تحت المظهر الخارجي، ولكن المعنى لا يقدم منفصلًا عن القصة، فالقصة هي المعنى الذي يتسرب في كل تفاصيلها.
ثانيًا: القاعدة الذهبية التي ينطلق فيها الأديب هي "لا تكن مضجرًا" وهذا الهدف لا يتحقق بسهولة وإنما يقتضي شيئًا من المعاناة؛ فليس ثمة قواعد ثابتة لكتابة القصة تحدد طبيعتها، فقد تقوم على المبالغات المفرطة والتصغيرات الخيالية والمناظر القصيرة جدًا، والمناظر الطويلة واللمحات السنيمائية والانطباعات والفقرات الاستبطانية، على الكاتب أن يشعر بحريته في الكتابة، تقول إحدى المختصات بالقصة القصيرة "إني أوجه تلاميذي إلى أن يكتبوا عن موضوعاتهم الحقيقية بالبساطة التي يكتبون بها، وبإحساسهم المغمور بالفرحة
стр. 186
والصراع، وبأن يتوقفوا عن الكتابة عندما تكون صعبة عليهم، فالموضوع الحقيقي يكتب نفسه١".
ثالثا: أن مهمة كاتب القصة القصيرة الأساسية هي الوصف لا إصدار الأحكام، وعلى الكاتب المبتدئ ألا يلهث وراء تقليد الكبار؛ لأنه سيفشل فروائعهم هي خلاصة لخبرتهم الطويلة، وعلى المبتدئ ألا يجفل في التعبير عن أفكاره الخاصة، فالثقة بالنفس هي الأساس، ولا بد من القراءة، وقراءة أولئك الذين يثيرون العقل والوجدان.
رابعًا: كيف يحصل الكاتب المبتدئ على أفكار لقصصه، لا بد من الاتجاه إلى الذات الأحلام والطموحات، نقاط التحول في الحياة، الأزمات الخاصة ووصفها، قضايا الأقارب والأصدقاء، المشكلات الاجتماعية، وعلى الكاتب أن يدرك أنه لا يستطيع أن يدرك المشاكل الكبرى إلا بعد محاولة التعبير عنها وبتفصيل تام لا بد من ملاحظة سلوك الشخصيات وباختصار فإنك لا تستطيع أن تعمل أفضل من أن تكتب ما تعرفه٢.
стр. 187
نموذج تطبيقي على القصة القصيرة
"الرغيف"١
خرج عم صابر في الصباح الباكر ... ولم تزل صفرة الفجر الباهتة ... تعكس أضواءها الخافتة على وجهه الأصفر النحيل ... وصدى خطواته المتعبة من أثر نعاس الليل والسنين ترن متقطعة في أزقة سيدنا الحسين فتردد صداها الزوايا المعتمة، فتبعث في أوصاله رعشة خوف وبرودة.
- يا فتاح يا عليم ... يا رزاق يا كريم.
هتف عم صابر بصوت مرتفع، وهو يتمتم بآية الكرسي، أحس بالراحة والأمان لقد زالت من نفسه رعشة الخوف، ولكن رعشة البرودة لم تفارقه ... ضم أسماله حول رقبته وهو يقوس أكتافه المتهدلة، ويجر خطاه نحو العتبة، وفي ذهنه ترن كلمات زوجته.
"الله يخلي ولادك أبو المعاطي، ها قد وجدت عملًا بعد طول انتظار" ...
نعم فلولا أبو المعاطي لما وجد إلى العمل سبيلًا ... لقد رجته زوجته حين ذهبت لتغسل لهم قبل أيام، ووعدوها بأن يشتغل عنده بالعمارة التي يبنيها بمصر الجديدة.. وها هو الآن يأخذ طريقه إليها بعد أن استدان من أبي محسن البقال خمسة قروش ثمنًا للغداء وأجرة للطريق.
- تذاكر ... تذاكر ...
ناوله ورقة الخمسة قروش، وأخذ منه تذكرة بقرشين وهو يفتح يده ينتظر الباقي.
стр. 188
- انتظر لما يصير معي فكة.
وغاب الكمساري بين الركاب، وعم صابر يمد جسده النحيل بين الركاب يتابعه بنظرات زائغة ... مر به الكمساري من جديد بدون اكتراث.
تمتم عم صابر:
- لو سمحت الباقي والله؟ لم يسمعه ووالى شق طريقه بين الركاب.
رفع عم صابر صوته فخرج حادا على غير إرادته:
لو سمحت الباقي والله؟
رد عليه الكمساري بغضب:
قلنا حاضر هي الدنيا طارت؟!
وغاب الكمساري بعيدا بين الركاب واشتبك مع امرأة في صراخ حاد:
- ياستي خمسين مرة قلنا السلال ممنوعة، كيف سيمر الناس الآن؟
- طيب على مهلك، اتكلم بالذوق، شوف لها مكان أنت؟
وتركها وسار منتصرا يقطع التذاكر لراكبين جدد ...
قال رجل للمرأة:
- الكمساري لا ذنب عليه هو ينفذ التعليمات.
تدخل رجل آخر ...
- طيب والناس كيف يشترون حاجياتهم، وبماذا يحملونها؟
تدخل كثير من الركاب في المناقشة، وانقسموا إلى قسمين: بعضهم مع الكمساري والبعض الآخر مع المرأة ... وارتفع صوت الكمساري من جانب السائق:
- القانون هو القانون والذي عنده كلام يوفره.
стр. 189
تمتم عم صابر لنفسه:
- لا شك أنه نسي الباقي..
تابعه بنظر ملهوف وهو على سلم الدرجة الأولى، ومر ألف عام قبل أن يقترب الكمساري منه من جديد.
تمتم بصوت خجل ومرتعش:
لو ... سمحت.. الباقي.. والله..
رمقه الكمساري بغضب وتأفف:
- تفضل يا سيدي ... واحد..اثنين..ثلاثة ... خدمة تانية؟!
وصل إلى مكان العمل مرهقًا، وظل حتى الظهيرة منحنيًا فوق "المجرفة" يخلط أكوام الرمل بالأسمنت مع الماء.. أحس بفقرات ظهره تتصلب، لم يكن باستطاعته أن ينتصب قليلًا ليستريح فمراقب العمال يجلس على كرسي قريب يلاحظ سير العمل، وإذا ظهر منه أي ضعف فلن يدعه يعمل في اليوم الثاني....
وصل أبو المعاطي إلى مكان العمل، ونزل من سيارته الصغيرة، ووقف مع ملاحظ العمال يكلمه عن سير العمل ... رآه عم صابر فازداد سرعة ونشاطًا، عليه أن يثبت لأبي المعاطي قدرته على العمل حتى يشغله معه دائمًا ... رمقه أبو المعاطي وهو يعمل بقوة.
- مستريح في الشغل يا عم صابر؟.. شد حيلك.
- الشدة على الله يا معلم ... الله يخلي أولادك.
وأدار أبو المعاطي وجهه، وأكمل حديثه مع الملاحظ، وعم صابر يبذل جهدًا هائلًا وهو يعتقد أن المعلم يراقبه كيف يعمل.. أحس بتصلب في ظهره وفي عضلات ذراعه حتى أحس أن الذي يعمل رجل آخر وليس هو ... وعندما طلب الملاحظ
стр. 190
من العمال أن يستريحوا للغذاء.. حاول عم صابر بكل طاقته أن يرفع قامته وهو يحس بألم هائل بجسمه، وزحف إلى جدار ليستريح.. وبعد أن استراح قليلًا نهض ليشتري غذاء له رغيفًا بنصف قرش ونصف القرش الآخر اشترى به طعمية، وأكمل ملء معدته بالماء وهو يمسح شفتيه ويحمد الله ويعاود العمل من جديد حتى المساء.. مضيفًا إلى عمره شهورًا بعد السنين.
وقف عم صابر بعد انتهاء العمل يغسل يديه في أحد البراميل حين ارتفع صوت أبو المعاطي ... يا عم صابر.. لا تذهب الآن.. ابق هنا لتحرس أدوات الشغل حتى يحضر حارس الليل.
وأكمل وهو يركب سيارته ... وكلها قعدة.
ولاحقه صوت عم صابر وهو ينطلق بعيدًا..
حاضر يا معلم..حاضر..
وانصرف الجميع وجلس على الأرض وهو يسند ظهره على الجدار، ببرودته الرطبة فيحس ببرودة لذيذة تريح مفاصله المرهقة، ومرت الساعات طويلة وهو ينتظر حارس الليل وقاوم النعاس بالجوع الذي يقرص أمعاءه.
أحس بالرضى؛ لأن أبا المعاطي اختاره ليحرس العمارة ... لولا أمانتي لما اختارني من بين جميع العمال.. إنه رجل طيب، لقد قال لي اليوم: شد حيلك يا عم صابر، إنه يذكر اسمي.. رجل أمير حقًا ... أظن أنه سيمنحني غدًا خمسة قروش زيادة سأقبض خمسة وعشرين قرشًا مرة واحدة سأضعها في يد زوجتي، كم ستفرح غدًا.. هل تناولت طعامًا اليوم إنها نادرًا ما تجد غسيلًا هذه الأيام، لقد دبت الشيخوخة فيها هي أيضًا، ولم يعد غسيلها نظيفًا كما كان؛ على الرغم من أنها تنكر ذلك وتقول: إنه يخرج من تحت يديها أنظف غسيل، هي صادقة كذلك لقد ضعف نظرها فما عادت ترى الأشياء كما هي.. أعطاها الله القوة لقد تعبت معي كثيرًا.. .وأنا تعبت كذلك.. وما عاد أحد يطلبني للعمل كالسابق ...
стр. 191
يقولون أنني كبرت ولا أنتج عملًا ... وقد يكون هذا صحيحًا ولكن ماذا أستطيع أن أفعل.. وكيف نعيش. لولا جيراننا فيعلم الله ماذا كان سيحل بنا.
في أغلب الأيام يبعثون لنا بقايا طعام نظيف يزيد بعد الفطور أو الغذاء، ويقولون: إنه للفراخ.. لا يريدون أن يجرحونا فيتحججون بالفراخ.. وهي فرخة واحدة هزيلة لا تسمن أبدًا.. جيران طيبون حقًا.. ولكنهم فقراء مثلنا، وفي أيام كثيرة نظل ننتظر طعام الفراخ دون جدوى، وننام كالفراخ بلا طعام.. لقد أكلت اليوم رغيفًا كاملًا وطعمية وقطعة بصل من أحد العمال، قد تكون زوجتي بلا طعام منذ الصباح.. أحس بجوع مضاعف وهو يتحسس القرشين في جيبه ... أجرة الطريق ... وصل حارس الليل متأخرًا ... فنهض عم صابر بتثاقل وجر أقدامه إلى المحطة ومن كشك هناك ارتفع نداء ...
فول ... طعمية..كبدة.
تسربت الرائحة إلى صدره قوية لا تقاوم.
دون أن يفكر كان البائع يقدم له رغيفًا من الفول.. رفعه إلى شفتيه ... رأى امرأة تقطع الجانب الآخر من الطريق..تذكر زوجته..تناول الورقة من البائع ولف بها الرغيف بإحكام وهو يتمتم.
سأقتسم الرغيف مع زوجتي في البيت، قد لا تكون أكلت شيئًا منذ الصباح.
لقد ضاعت أجرة الطريق، لم يبق معه إلا نصف قرش، مر مترو قريب مزدحم بالركاب ما أسعد هؤلاء الناس سيصلون بيوتهم قريبًا وينامون.
في آخر المترو رأى رجلًا يتسلق من الخلف.
إنه يركب مجانًا.
وقف على المحطة وانتظر مترو آخر، وقبل أن ينطلق كان عم صابر يتعلق به من الخلف وهو يحتضن الرغيف بين ذراعيه.
стр. 192
وسار المترو طويلًا وهو يهتز برتابة، ومرت اللحظات كإبر المورفين تنغرز في جسمه المرهق، ودب الخدر بأعضائه، وتسلل إليه نعاس لا يقاوم ونام، فتراخت يداه وسقط فوق القضبان ... ومر مترو جديد وعلى أضواء الفجر الباهتة تجمع بعض المارة حول الشريط الحديدي وهم ينظرون بذهول: كان رغيف الفول قد شطر إلى قسمين.
مكتبة القصة القصيرة:
من المراجع الهامة للقصة القصيرة:
أولًا- فن القصة القصيرة للدكتور رشاد رشدي، ويتضمن هذا الكتاب دراسة تحليلية لفن كتابة القصة مع أمثلة كاملة مدروسة، وقد تناول فيه بناء القصة القصيرة ونسيجها، من منشورات مكتبة الأنجلو المصرية الطبعة الأولى ١٩٥٩م.
ثانيًا- القصة القصيرة: دراسة ومختارات للدكتور الطاهر أحمد مكي، ويتضمن جزءًا تاريخيًا ودراسة عن أعلام القصة القصيرة وتحديد خصائصها الفنية، وأمثلة ومختارات لأشهر كتاب القصة في العالم العربي، صدرت الطبعة الأولى عن دار المعارف ١٩٧٧م.
ثالثًا- فن القصة للدكتور محمد يوسف نجم، وقد تناول البناء الفني للقصة بأنواعها، صدر عن دار الثقافة بلبنان "د. ت".
رابعًا- القصة القصيرة نظريا وتطبيقيا ليوسف الشاروني، دار الهلال.
خامسًا- فن كتابة القصة لحسين القباني، المؤسسة المصرية العامة بالقاهرة سنة ١٩٦٥م.
стр. 193
كيف تكتب الرواية
يبدو هذا السؤال غريبًا بعض الشيء؛ لأن الرواية عمل إبداعي لا تنفع معه الوصفات الجاهزة، ولكنها قد ترشد الموهوبين وتدلهم على بعض المبادئ الأولية التي يجب استيعابها من قبل الراغبين في كتابه الرواية.
إن معظم كتاب الرواية يؤكدون أن كل رواية جديدة هي في الحقيقة تجربة جديدة، لها طريقتها الخاصة وظروفها التي أملت كتابتها بطريقة مختلفة عن سابقتها، ثمة كاتب يعرف كيف يكتب. غير أنه من المفيد أن نتعرف على بعض المحاولات التي قام بها عدد من الكتاب لإرشاد الروائيين المحتملين من الشباب إلى كيفية كتاب الرواية، ومنها اتباع هذه الخطوات:
أولًا- إعداد بطاقات لكل شخصية من شخصيات الرواية بحيث تخصص واحدة للشكل الخارجي للشخصية، وأخرى لصفاته الخلقية، وأخرى لعاداته ... إلخ.
ثانيًا- إعداد بطاقات للمشاهد حيث يكون لكل مشهد ملف من هذه البطاقات.
ثالثًا- تصنيف هذه البطاقات والاستعانة بها عند الشروع في كتابة الرواية.
وكثير من كتاب الرواية يؤكدون أن على كاتب الرواية أن يصارع وقتًا طويلًا سطرًا بعد سطر وصفحة بعد أخرى من أجل استحضار العقدة والشخصيات ذات العمق والتعقيد١.
وليس من شك في أن قوة الملاحظة، والقدرة على التقاط أدق الأشياء
стр. 194
والصفات والمواقف من العقبات التي تعيق كاتب الرواية؛ لهذا نجد كاتبًا روائيًا كيحيى حقي ينصح الكتاب الشباب بأن يجعلوا من أنفسهم آلة تصوير مفتوحة، تسجل كل شيء، وأن يبدؤوا بتجاربهم الذاتية ثم يطلقوا العنان لخيالاتهم في مرحلة متقدمة، وذلك عندما يمتلكون أدواتهم وتستقيم لهم لغتهم، ويؤكد أنه من غير المفيد الالتزام بقواعد الرواية أو التفكير بها أثناء الكتابة. في حين نجد كاتبًا مشهورا كنجيب محفوظ يقول: إنني ما أمسكت القلم لأكتب رواية إلا وكانت متبلورة في ذهني: الشخصيات والأحداث والبداية والنهاية، كل ذلك مسجل في فهرست.
ويؤكد يوسف إدريس أنه لا يلجأ إلى التخطيط، ولكنه يبدأ بخلفيه فكرية يتمثلها جيدًا.
وهكذا يتضح لنا أنه ليس ثمة خطوات محددة يمكن أن يسلكها المبدع في كتابة الرواية، فلكل كاتب طريقته الخاصة به، ومن استعراضنا لشهادات العديد من كتاب الرواية - سواء من ألف منهم كتبًا في هذا المجال مثل حنا مينا، أو من أدلى بشهادته مكتوبة في المؤتمرات والندوات الخاصة بالرواية - يتبين لنا أن لكل منهجه المتميز عن غيره١.
ولعل من المفيد أن نشير إلى تجربة أحد الأساتذة المعروفين في هذا المجال ممن عهد إليهم تدريس منهج الكتابة الإبداعية في الجامعات، حيث يقول: قمت قبل ثماني سنوات بتدريس مادة الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فرجينيا، وتوصلت إلى نتيجة مفادها: أنه لا يمكن تدريس المادة ... ولم يقتصر الأمر على ذلك ... بل يتحتم عدم القياس بتدريسها.. إذ أن الكتابة الإبداعية عملية شاقة كالصعود إلى أعلى التل حيث يتساقط الضعفاء بينما يواصل الأقوياء بتؤدة كي يصبحوا كتابًا جيدين، ثم يخلص من ذلك كله إلى القول:
стр. 195
لقد تبين لي أن المشكلة هي أن أعلم الكاتب أن يسأل نفسه الأسئلة المناسبة، ومن ثم أقدم له تلميحات تساعده على كيفية إيجاد الجواب؛ فالكتابة الإبداعية ليست سرًا مقدسًا بل إنها أساسًا موهبة حل المشكلات، فعلى الكاتب أن يجد الحلول لعدد من المشكلات الفنية البحتة: من أين يبدأ وماذا عليه أن يذكر وماذا عليه أن يترك؟ إن معظم مناهج الكتابة الإبداعية تكرس جزءًا كبيرًا من الوقت لهذه المشكلات الفنية، غير أن ذلك يترك المشكلة الحقيقة: ألا وهي المشكلة الكائنة في صلب الرواية دون حل، ولا بد أن تبدأ الكتابة الإبداعية بهذا النمط الآخر من المشكلة.
ولا بد لكاتب الرواية من أن يعي أن الهدف من الرواية تقديم وعي مستوعب للواقع -والحياة، وأن الرواية- كما يقول العديد من المنظرين لها - معادلة للتجربة، وهي شكل من أشكال التجربة الفكرية التي تدرك التعقيد الهائل المثير للعالم١، ولهذا لا بد من الاستعداد الدوؤب لكتابة الرواية، من هنا كان كتاب الرواية يبدؤون عادة بالقصة القصيرة.
نصائح إلى كتاب الرواية:
من أهم الكتب التي تناولت موضوع الكتابة الروائية كتاب: "فن كتابة الرواية"٢ لديان دوات فاير، وهي كاتبة روائية معروفة تدرس فنون الكتابة في الجامعات والمعاهد، وفيما يلي أهم النصائح التي وردت في هذا الكتاب لمؤلفي الروايات:
أولًا- فيما يتعلق بالفكرة الأساسية فإنها تبدأ بمشهد بسيط عليك أن تطوره، فالإحساس العميق بجوهر الفكرة يؤدي إلى بناء رواية متميزة، يقول الكاتب الروائي تولستوي: "على المرء أن يكتب فقط حينما يترك قطعة من
стр. 196
لحمه في المحبرة في كل مرة يغطس قلمه فيها" أي: حينما يشعر بعمق شعورًا حقيقيًا.
ثانيًا- فيما يتعلق بوجهة النظر فإن هناك؛ عدة أساليب يمكن سرد الأحداث من خلالها، ولكل أسلوب مزاياه الخاصة، فهناك الرواية بضمير الغائب، ومزية هذا الأسلوب القدرة على ملاحظة الشخصيات ملاحظة موضوعية، وهناك الرواية بمضير المتكلم، وهي مناسبة للبوح والاعتراف، وهناك أسلوب الراوي الذي يسرد القصة من قبل الشخص الأول بواسطة شخص لا يرتبط بالحدث بشكل وثيق، فمثلا قد يصف رجل هادئ حياة ابن أخيه العاصفة.
ثالثًا- أما التصميم فيختلف من شخص لآخر، إذ قد يعتمد البعض في تخطيط رواياته على أكداس من الملاحظات، وهناك من يعتمد على الذهن، وهناك من يعتمد على العقل الباطن بواسطة التأمل، فعلى الروائي أن يختار الطريقة التي تناسبه. أما عن الحجم فتقول الكاتبة: إن ٧٠-٨٠ ألف كلمة هو المعدل الجيد للرواية.
وتصميم كل فصل على حدة غاية في الأهمية حتى لا تختلط الأمور في ذهن الكاتب، وترى الكاتبة أن الرواية يجب أن تكون منسابة منذ البداية مثل رحلة من الاكتشافات مليئة بالمفاجآت. وهي تقول: "اشرع بالكتابة ولا تتخوف منها، فإذا لبثت عند مرحلة التصميم أكثر مما ينبغي فإنك قد لا تبدأ كتابتك على الإطلاق".
رابعًا- إن اختيار الأماكن يعتمد على نوعية الشخوص، فالمشهد يجب أن يصمم بحيث يثير مشاعر معينة كالرعب أو الغموض أو الوحدة أو السلام أو العنف أو الحزن، فالمكان يثير الانطباعات، وهذه الانطباعات ينبغي أن تكون بصرية، فيجب أن يطور الروائي طاقة التصوير لديه، ليس هناك قواعد ثابتة تتعلق بأنواع الأمكنة، فقد تقع جميع الحوادث في غرفة واحدة، وتقول الكاتبة
стр. 197
أنصحك بألا تقلق حول ذلك، وما عليك إلا أن تدع قصتك تأخذ مكانها الطبيعي، وتركز على الكتابة بمهارة ودقة".
خامسًا- أما فيما يتعلق بالشخوص فإنها تنقل قول الكاتب جون ماستر: "إن مهمة الكاتب الروائي أن يصف الناس على حقيقتهم" فأفضل طريقة -وفقًا لهذه المقولة- هو ابتكار شخصية روائية كاملة بكل كيانها بحيث تكون معروفة لديك معرفة تامة، ويكون كل فعل من أفعاله قائمًا على الصيغة أو الأساس الذي رسمته بنفسك، "امسك شخصيتك بعنان رخو وامنحها الحرية إلى حد، وعليك أن تمسك بالزمام في الوقت الذي تسمح فيه لشخوصك الروائية بالسلوك وفق ما كنت رسمت لهم".
سادسًا- فيما يتعلق بالحوار، عليك أن تشذب وتحرر أحاديث شخوصك وتوجهها نحو ما هو أساس في حركة القصة، إن كل سطر من الحوار يجب أن يُفصَّل بدقة على قدر الشخص المقصود.
سابعًا- تحتاج الكتابة الروائية المنظمة إلى ساعة واحدة في اليوم على الأقل، وثلاث ساعات قد تكون أفضل، وعليك أن تحدد مقدار الوقت الذي نستطيع توفيره كل يوم، على أن تلتزم بأقصى درجات الانضباط، وحين تشعر بالنشاط؛ اكتب مادة جديدة ودع المراجعة إلى وقت آخر، وعليك حين تترك الكتابة معرفة النقطة التي ستعقب ما وصلت إليه، وحينما تفرغ من كتابة أحد الفصول استطلع الآراء الصادقة لزملائك من الكتاب، ولكن إياك أن تسمح لنفسك باليأس أو التشجيع بسبب ملاحظات أصدقائك غير المختصين، واختر المكان المناسب وزوده باحتياجاتك.
ثامنًا- ابدأ روايتك تمامًا عند مشهد كبير فربما لا تصل ذروتها إلا في الفصل الثاني، ولكن يجب أن تجتذب القارئ بسرعة إلى المجرى الرئيسي للقصة لكي يتحسس التطورات الهامة المتوقعة، حاول أن ترتب نوعًا من
стр. 198
الصدام في الفصل الأول على أن تكون هذه المواجهة الصدامية بين الشخصيات وثيقة الارتباط بالفكرة والحبكة الروائية، وإياك أن تبدأ بمشهد لا يرتبط ارتباطًا عميقًا بالرواية بكاملها، وقد تضطر إلى إعادة كتابة الفصل الأول حين يكمل الكتاب فلا بأس من ذلك.
تاسعًا- تنشأ الحكبة من الشخوص والصراع، فإذا كانت الشخصية الرئيسية تواجه مشكلة كبيرة في البداية فإنها ستؤسس بناءً للتعرف على طبيعة تكوينها، فالتوترات الناجمة عن ذلك ستؤدي إلى تطور قصة جيدة، وحاول أن تجعل شخوصك في موقف محير بحيث ينتقلون إلى موقف أكثر حيرة، وهذا هو التطور الدرامي الذي يصنع الحبكة، إن الحبكة بالنسبة للعديد من الكتاب المبتدئين تعتبر مشكلة عويصة، ولكن إذا فكرت مليًا بفكرتك الرئيسية، وعرفت شخوصك، وعملت من مشهد لآخر فإنك ستجد الحدث يتطور بسهولة.
عاشرًا- تشبه الكاتبة الرواية بشجرة فيكون الجذع بمثابة العمود الفقري للقصة التي تبلغ ذروتها عند أعلى الأغصان، أما الأغصان الجانبية فهي الحبكات الثانوية، ولذلك فإن الشكل يفقد تناسقه إذا ما أصبح أحدها طويلًا أو كثيفًا، الأوراق والثمار هي التفصيلات التي تعطي الضوء والظل واللون، وإذا نما أحد الأغصان أكثر مما يجب؛ عليك أن تشذبه، من هنا كانت عناصر البناء الأساسية في الرواية:
أ- التناسق: إذ يجب أن تزال الأشياء الزائدة، وتنقل الكاتبة عن هتشكوك قوله "الدراما تشبه الحياة الواقعية التي أزيلت منها الأجزاء المعتمة" فحاذر أن يغريك الوصف أو الوقائع التي لا لزوم لها.
ب- الموازنة بين فترات الهدوء والمواقف الدرامية: فلحظات الهدوء الكبرى يجب أن تعد بتطورات مهمة غير معروفة، أعط القارئ أكثر ما يتوقع.
стр. 199
ج- مسرحة الموقف: فقد يكون الموقف غير متوقع تماما، ولكنه سيكون مقنعا إذا كنت قد مهدت السبيل إليه، والمسرحة تعني تحويل المشهد إلى شيء حي مرئي:
د- التشويق: وهذا يتحقق إذا كانت القصة تتكشف تدريجيا بحيث تنشأ كل فقرة من التي سبقتها، تجنب القفزات الكبيرة في الزمان والمكان، وتجنب الإفراط في التوضيح، وحاول قدر الإمكان تقديم الوصف مع السرد، وحين تقدم شخوصك اكشف عن سماتهم الواضحة في البداية.
هـ- الختام: إذا قلت ما أردت أن تقوله وحكيت قصتك وأحكمت نهايتها وأوجدت الحل للمشكلة التي أربكت شخصيتك الرئيسية يكون الوقت قد حان لإنهاء الرواية، تجنب النهايات التقليدية، ويمكنك أن تعيد قراءة روايتك قبل أن تنهيها لشد مفصلها الرئيسي وإحكام بنائها وإنهائها بقوة.
حادي عشر- أن أهم شيء في الأسلوب هو التلقائية، والمشكلة كيف يشذب المرء عمله ويصوغه دون أن يفقد تلك الحيوية الأولى التي هي غالية جدًا، وتبعث السرور في النفس، وتقول المؤلفة: نصيحتي هي أن تكتب بكل طاقتك أول ما يسنح لك ذلك ثم تعود فيما بعد لتشذيب المادة الفضفاضة بعزيمة لا تكل، وهناك شعار مشهور "لا تستعمل أبدًا كلمة طويلة حين تكون هناك كلمة صغيرة تؤدي دورها" وإياك أن تستعمل كلمة قصيرة تكون الكلمة الطويلة أفضل منها، وتأكد من أن كتابتك منسجمة في جميع الرواية، وأنك اخترت أسلوبك الخاص بك، ولا تقلد مؤلفًا آخر، تجنب التعميمات قدر الإمكان.
ثاني عشر- نقح مسودتك بإسقاط المادة الفضفاضة، وتوسع في الكتابة إذا كان ذلك ضروريًا لإعطاء المزيد من الوضوح، أعد ترتيب المشاهد والفصول إذا كان ذلك ضروريًا، تأكد من جميع الحقائق، وتأكد من علامات الوقف والترقيم، أعد المسودة عدة مرات ولا تتردد.
стр. 200
ثالث عشر- العنوان: يعبر العنوان عادة عن الفكرة الرئيسية لذلك اكتب قائمة بكل الكلمات الرئيسية التي تراود ذهنك ثم قلبها إلى أن تجد المجموعة الصحيحة، وقد يكون العنوان اسم الشخصية الرئيسية وقد يكون اسم المكان وقد يكون عبارة دارجة.
مكتبة الرواية:
من أهم المراجع النظرية التي تفيد في كتابة الرواية:
١- بناء الرواية لإدوين موير ترجمة إبراهيم الصيرفي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة،١٩٧١م.
٢- عالم القصة لبرناردي فوتو، ترجمة محمد مصطفى هدارة مؤسسة فرانكلين القاهرة.
٣- أركان القصة، م. أ. فورسر، ترجمة عياد جاد، الكرنك سنة١٩٦٠م.
٤- نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي ترجمة إنجيل بطرس سمعان الهيئة المصرية العامة، القاهرة، سنة ١٩٧١م.
٥- نحو رواية جديدة، آلان روب جرييه، ترجمة مصطفى إبراهيم مصطفى، دار المعارف، القاهرة التنوير، بيروت.
٦- سيزا قاسم، بناء الرواية، التنوير، بيروت.
٧- صنعة الرواية، بيرس لوبوك، ترجمة عبد الستار جواد، دار الرشيد بغداد سنة ١٩٨١م.
стр. 201
فن المسرحية
المسرحية قصة حوارية تقوم على الصراع، وتتجسد من خلال التمثيل، ولهذا فإن أكبر منظري الفن المسرحي وهو أرسطو يشير إلى أن المسرحية "المأساة" هي محاكاة لفعل، فالتشخيص والتمثيل والفعل هي المقومات الأساسية للمسرحية١.
ولا نريد أن نخوض في أنواع المسرحية وتطورها، ولكن حسبنا أن نشير إلى عناصرها الأساسية التي ترشدنا إلى كيفية كتابتها كفن أدبي، وأهم هذه العناصر هي الشخصيات والحبكة والحوار والمناظر والبناء.
الشخصيات:
لا بد من التمييز بين أنواع الشخصيات المختلفة في المسرحية وفقًا لنوع الموضوع الذي تعالجه، ولون الصراع الذي يحتدم حوله، فهناك شخصيات نموذجية بمعنى أنها تمثل فئة أو طبقة اجتماعية، وتمتاز عن الشخصية ذات الطابع الفردي في أنها تلخص جوهر الفئة التي تعبر عنها: همومها ومشاكلها وسماتها وملامحها، ولهذا فهي تختلف عن أي فرد من الأفراد العاديين بخصائصها المتميزة، وهناك ما يسمى بالشخصية النوعية التي تمثل أفراد النوع كله سواء كان المقصود بالنوع الحرفة كالتاجر والمحامي والجندي.... إلخ، أو الطبيعة الإنسانية والخلقية العامة كالمخادع والغيور والنمام وما إلى ذلك - ويسمى هذا النوع من الشخصيات بالأنماط، وهناك فارق كبير بين النمط والنموذج، فالنمط له طبيعة ثابتة مكررة؛ أما النموذج فذو طبيعة متغيرة، وهو أكثر ثراء وعمقًا من النمط، وفي كثير من الأحيان يختلط مفهوم النموذج
стр. 202
بالنمط اختلاطًا يصعب معه التمييز بين النوعين، وتكثر الأنماط في المسرحيات الهزلية بكثرة، أما وقد اشار العديد من منظري المسرح إلى ما يسمى بالحديث الجانبي الذي تتفوه به الشخصية على هامش الحوار الرئيسي فتكشف المفارقة بين ما تقوله في العلن وما تضمره في الحقيقة، ولكن هذا النوع من الحديث غير محبذ عند الكثيرين إلا في المسرحيات الهزلية.
وتقوم المفاجأة الذاتية بدور مهم في استبطان الشخصية والكشف عن دخائلها، وهي تُعين على التنبؤ بمجريات الحديث، وتمهد له أحيانًا، وقد تستخدم في مستهل المسرحية لاستمالة الجمهور وإيقاظ مشاعره، ويتصل هذا الأسلوب بالكشف عن الجانب النفسي للشخصية.
وبناء الشخصية من خلال الفعل هو أهم عنصر في رسمها، فلا بد من تقديمها وهي تعمل، والكشف عن تكوينها عبر الحركة الفاعلة، كما ينبغي أن يكون الفعل الذي تقوم به الشخصية مفهومًا على أساس من الدوافع المعقولة التي تحدو بها إلى القيام بهذا العمل، ويتوقف نجاح الشخصية على إبراز الدافع وتعليله، وهناك تعليل نوعي أي: يكون نمطًا من أنماط السلوك المعروفة للنوع الذي تنتمي إليه الشخصية، ويعتبر من أبسط ألوان الدوافع، أما النماذج والشخصيات المركبة فتحتاج من كاتب المسرحية إلى عناية خاصة في إبراز دوافع سلوكها، وينبغي أن يختار الكاتب المآزق والأزمات التي تدفع الشخصية إل الفعل وتميط اللثام عن مكوناتها الداخلية.
ولما كانت المسرحية تقوم على أساس الصراع فلا بد من رسم الشخصية عبر علاقاتها بالآخرين، وليس عبر علاقتها بالواقع فقط، وينبغي أن يكون أساس هذه العلاقات دراميًا يقوم على التقابل والتماثل والمفارقة أي: التضاد والتشابه والتمايز.
وإذا كانت الشخصيات المتقابلة غير متكافئة فإن ذلك يفسد عملية التشخيص ويضعف الدوافع الدرامية التي هي أساس الحركة في المسرحية، والعمل على تطوير الشخصية في المواقف المختلفة أمر بالغ الضرورة، ولكن هذا التطور لا بد أن يكون تلقائيًا وطبيعيًا.
стр. 203
ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك اتجاهات مسرحية لم تعد تُعنى برسم الشخصيات، فجاءت فكرة اللاشخصية في المسرح المعاصر التي حطمت النماذج التقليدية كما في المسرح الملحمي للكاتب الألماني الشهير بريخت، كما أن هناك شخصيات تجريدية لا ملامح لها كما في المسرح التعبيري، ولهذا تطلق عليها أسماء عامة بالرجل والسيدة والسيد صفر وهي تجسيد لأفكار ومُثُل معينة١.
الحوار٢:
المسرحية في أساسها فن حواري أي: يقوم على الحوار، فهي في بعدها الأدبي حوار أساسًا؛ لذا فإن عناية الكاتب لا بد أن تتركز حوله، وقبل الحديث عن وظائف الحوار ومهمته يحسن بنا أن نميز بين الحوار والمحادثة وفقًا لوظيفة كل منهما، فالمحادثة لها وظيفة نفعية وأخرى غير نفعية أما النفعية فتتمثل في تصريف الأمور والمعاملات، وغير النفعية في الثرثرة والتسلية والتعبير عن الذات، وهي جميعًا أمور تختلف عن وظائف الحوار المسرحي الذي تكمن وظيفته الأساسية في تطوير الحدث والكشف عن أفكار الشخصيات وعواطفها وطبائعها الأساسية، وفيه جانب المتعة والشاعرية والفكاهة والتندر في بعض المواقف، فالحوار في المسرحية نفعيته تكمن في جمالياته وخدمته للبناء الفني.
ومن الطرق التي تطور بها الحبكة عن طريق الحوار: مصاحبة الفعل الذي يدور على المسرح ورواية الفعل الذي لا يمكن تمثيله وعرضه على خشبة المسرح لضيق المجال أو لعدم مناسبته أو لأن؛ هذا الفعل المروي حدث قبل البداية الفعلية
стр. 204
للمسرحية، وهناك أفعال عنيفة لا تمثل على خشبة المسرح يلجأ كاتب المسرحية إلى روايتها عن طريق الحوار، ولكن هذه الرواية تكون مملة إذا لم يهيء لها بالتشويق وإثارة الاهتمام واختيار المواقف المتوترة.
ومن الوظائف الحيوية للحوار الكشف عن جوانب الشخصية كما أسلفنا، أضف إلى ذلك وصف المنظر، والحوار المسرحي لا تقاس جودته بمدى واقعيته لأنه؛ صناعة وحرفة، ولهذا نجد أن جودته ترتبط بعناصر منها قدرته على إبراز المقومات الجوهرية للشخصية؛ فالفن تحويل وليس نقلًا، من هنا تسقط جميع الحجج الواهية حول ازدواجية الحوار؛ لأن من المفترض أن يعتمد الكاتب على سمات أخرى غير عامية اللغة أو فصاحتها، ويستحسن أن تكون الفقرات الحوارية قصيرة مكثفة، وألا تطول بحيث تُفقِد السامع قدرته على المتابعة والتركيز، وقد يكون من الضروري تضمين الحوار المسرحي بعض خصائص الحديث الفعلي للإيهام بواقعيته مثل التفكك والاستطراد والتوقف المفاجئ....إلخ.
ومن الأهمية بمكان تنوع مستويات الحديث وفقًا لمستويات الشخصيات وتباين مواقفها وانتماءاتها.
وبعد هذا وذاك لا بد للكاتب المسرحي من العناية بالإيقاع، والإيقاع مرتبط بمعدل السرعة في الكلام، وهذه السرعة تخضع لعوامل مختلفة مردها إلى نوعية الكلمات المستخدمة وانسجامها وتآلفها وكيفية الانتقال بين الفقرات المسرحية، ولهذا يحسن بالكاتب أن يقرأ بصوت مسموع أجزاء من مسرحيته ليدرك هذه الخاصية، ويتأكد من انسجام الإيقاع في الحوار المسرحي١.
وينبغي الانتباه إلى أهمية تلوين الإيقاع في المواقف المتأزمة والمتوترة، وقد ترق لغته حتى تقترب من لغة الشعر في بعض المواقف، وقد تكون الإفاضة في
стр. 205
الحوار ذات وظيفة تكشف عن طبيعة الشخصية، في حين يبدو الاقتضاب والإيجاز ضروريًا في المواقف المتأزمة.
وقد يلجأ الكاتب إلى استغلال نجوى النفوس بدلًا من الحوار حيث تفكر الشخصية بصوت مسموع في الأزمات النفسية والمواقف الحادة فتكشف عن مشاعرها وأحاسيسها الداخلية، من هنا كان لا بد لكاتب المسرحية من الاقتصاد في استخدام نجوى النفس، والاقتصار فقط على المواقف شديدة التأزم.
وشبيه بذلك الحديث الجانبي؛ بمعنى أن تتحدث الشخصية إلى نفسها، أو إلى شخصية ثانية في حضور شخصيات أخرى يفترض أنها لا تسمع الحديث مع أنه يتم على مسمع منها، وينزع الكاتب إلى استخدام هذه التقنية حين يريد أن يطلع المشاهد على ما تنوي الشخصية أن تتخذه من تدبير في حين يظل ذلك خافيًا على الشخصيات الأخرى، لذلك تنتحي الشخصية جانبًا أو تنفرد بشخصية أخرى فتدلي بهذه المعلومات من خلال حديثها معها، والفرق بين نجوى النفس والحديث الجانبي أن حديث النفس يكشف عن المشاعر؛ بينما الحديث الجانبي يفصح عن نوايا وأفكار١، أما فيما يتعلق بالعامية والفصحى فهي قضية فنية في المقام الأول، والمسرحيات ذات الموضوعات الفكرية لا يناسبها الحوار العامي مطلقًا، ويستحسن تطويع المسرحيات الاجتماعية للفصحى، وتجنب العامية ما أمكن أو تطويرها بحيث تقترب من الفصحى في نهاية الأمر.
إن للصمت دورًا في الحوار، فالوقفة المليئة بالمعنى لها قوة درامية كبيرة.
الصراع:
الصراع هو قوام البناء الدرامي للمسرحية، ولهذا نجد مُنَظِّرا معروفًا من
стр. 206
مُنَظِّري الفن المسرحي وهو ويليام آرجر يقول: إن جزءًا عظيمًا من سر العمارة الدرامية يكمن في كلمة واحدة هي "التوتر"، إن إيجاد حالة من التوتر وصيانتها ورفعها وتعميقها وحلها هو الهدف الرئيسي لصنعة كاتب المسرحية١، والمقصود بالتوتر كما هو واضح الصراع.
والصراع لونان رئيسيان: صراع تبدو تجلياته في الحوار وفي الحركة والفعل، وصراع داخلي نفسي يكشف عنه الكاتب في لحظات التأزم والانفعال العميق.
وهناك -أيضًا- الصراع الساكن الذي لا يحسم ويظل معلقًا لأن؛ أطرافه لا تقوى على ذلك حيث ينتهي المشهد بما بدأ، والصراع الواثب، وهو الذي يتطور بشكل مفاجئ مثال الانقلاب من موقف إلى آخر كأن تتقلب الصداقة إلى عداوة وهكذا، والتوتر حالة مصاحبة للصراع لذلك يجري الحديث عنها كثيرًا عند الحديث عن الصراع، فالعلاقات بين الأجزاء في المسرحية تقوم على التوتر، والوضع المتوتر ينجم عن الصراع، فالتوتر ينجم عن الوضع والفعل بمعنى أن تكون هناك حالة صراع معينة أي: وضعية تحتاج إلى حسم، هنا لا بد من بروز الفعل أو التصرف إزاء هذه الوضعية، وترقب حدوث الفعل هو الذي يحدث حالة التوتر.
قد يكون الصراع بين ما يمليه الواجب وتستدعيه الرغبة، فيظل التوتر قائمًا حتى تتحرك الشخصية للخروج من هذه الحالة القلقة المحيرة.
الحدث:
يقوم الحدث المسرحي على الاختيار والعزل، ونعني بذلك اختيار موقف معين فيه إمكانات الصراع التي يمكن تطويرها لتفضي إلى ذروة معينة، ثم الإيحاء برؤية ذات بال ومن ثم عزل هذا الموقف عما يمكن أن يفسد هذه الإمكانات.
стр. 207
الدرامية، ولا يعني ذلك قطع الموقف عن محيطه الحيوي وخلفيته الواقعية، على أن يتم ذلك من خلال اللسمات والإشارات الدالة، وليس شرطًا أن يكون الحدث من وقائع الحياة الكبرى الهامة، فأهيمته تتمثل فيما قد يفضي إليه من دلالات، ولا بد أن يهتم الكاتب بالوقائع المادية في أيسر جوانبها دون الانسياق وراء تفاصيلها، فالمهم أن تتحول الوقائع المادية إلى وقائع نفسية للكشف عن دخائل النفس، وينبغي البعد عن الإثارة العصبية المقصودة والعنيفة، والمسرحية عادة تشتمل على حدث رئيسي تتفرع منه أحداث ثانوية ترفده دون أن تطغى عليها ...
البناء:
المقصود به المعمار الفني الذي به يتحدد خط الصراع في المسرحية، وقد تتألف المسرحية من ثلاثة فصول أو خمسة، وقد تكون من فصل واحد، وفي حالة تعدد الفصول فإن الكاتب المسرحي يحرص على تقديم شخصياته في الفصل الأول، والتمهيد للصراع ثم يبلغ ذروته في الثاني إذا كانت المسرحية من ثلاثة فصول وإذا تكونت من خمسة فإن ذروته عادة ما تكون في الثالث ثم ينحدر خط الصراع نحو النهاية، وكل فصل يتكون من عدة مشاهد عادة.
مكتبة المسرحية
أولًا: عبد القادر القط: من فنون الأدب "المسرحية" دار النهضة العربية، يعتبر هذا الكتاب من أحسن الكتب التي ألفت في هذا المجال إذا عالج الكاتب القيم الفنية للمسرحية وتتبع اتجاهات الكتابة المسرحية مع نماذج مدروسة.
ثانيًا: ستوارت كريفش، ترجمة د. عبد الله معتصم الدباغ، دار المأمون، بغداد ١٩٨٧ وقد عالج فيه الكاتب الفعل المسرحي والتوتر الدرامي، وعنصر التشويق ثم التعقيد وخلق الشخصيات والحوار ودور الصمت، ومهمة المشهد "السيناريو" وما إلى ذلك من قضايا فنية.
стр. 208
ثالثًا: المرشد إلى فن المسرح "الدراما" تأليف لويس فارجاس وترجمة أحمد سلام محمد الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٦ ويعالج في الفصل الأول الكتابة المسرحية، ثم يتتبع تاريخ المسرح.
رابعًا: مدخل إلى فن المسرحية، مطبعة مرامر، الرياض، ١٩٨٣.
ومراجع أخرى سبق الإشارة إليها في الهوامش.
стр. 209
فن كتابة التراجم والسير
ما المقصود بالترجمة؟
الترجمة في اللغة التفسير والبيان، والمعنى الاصطلاحي وثيق الصلة بالمعنى اللغوي لأن؛ كاتب الترجمة يوضح ما يتصل بشخصية المترجم له، وينقلها من وضع إلى آخر، حيث يجلو ما علق بها من افتراء أو زيف ويزيل ما ران على بعض جوانبها من غموض، ولكن كلمة التفسير كلمة واسعة الدلالة لا تتصل بأحداث الحياة فحسب بل تتعداها إلى جوانب متعددة ذاتية وموضوعية، بعضها يتصل بشخص المترجم له وبعضها الآخر يتعلق بعصره وواقعه الإنساني والاجتماعي.
ما الفرق بين الترجمة والسيرة:
يعرف الباحثون الترجمة بأنها ذلك النوع من الأنواع الأدبية الذي يتناول التعريف بحياة رجل أو أكثر، تعريفًا يطول أو يقصر، وتختلف طبيعة الترجمة باختلاف العصر والرجل الذي تدور حوله الترجمة.
أما السيرة فهي ضرب من ضرور الترجمة، تنفسح آمادها وتزخر بالحديث الموسع، فالترجمة إذا طالت تسمى سيرة، وكانت كلمة سيرة وثيقة الصلة بما كتب عن الرسول " ﷺ "، لكنها خرجت عن هذا الحيز المخصوص إلى آفاق واسعة حينما ألف أحمد بن يوسف في أواخر القرن الثالث الهجري كتابًا أسماه
стр. 210
"سيرة أحمد بن طولون"١، وقد كان الحس التاريخي هو الأصل في كتابة السيرة، حيث كانت السير جزءًا من التاريخ، وكانت حياة الفرد تمثل جانبًا هامًا من تصور الناس للتاريخ وإيمانهم بأن الفرد هو الذي يصنع التاريخ، ففي أحضان التاريخ كما يقول الدكتور إحسان عباس - نشأت السير وترعرعت-٢.
ويتسع المصطلح عند العديد من الكتاب فيصبح دالًا على الترجمة بأنواعها، فلا فرق عندهم بين السرة والترجمة، وكلمة ترجمة دخلت إلى العربية من الآرامية، واستخدمها ياقوت الحموي في القرن السابع بمعنى حياة الشخص.
"الفرق بين الترجمة وقصة الحياة".
إن الذي يهم كاتب الترجمة هو تأمل الأحداث والمواقف واستنطاقها، والكشف عن دلالاتها الخاصة والعامة، ووضعها في سياق فكري فلسفي يُمِيط اللثام عن حقائق الشخصية وعالمها، ويسلط الضوء على المرحلة التاريخية التي عاشت فيها، والمحيط الاجتماعي الذي نشأت فيه بمختلف الوسائل والأساليب، وليس الهدف من الترجمة مجرد الرصد والتسجيل وجمع المعلومات وتأليفها؛ وإنما ذلك من شأن قصة الحياة التي تعنى بالتسلسل الخطي لحياة الشخصية منذ ولادتها حتى وفاتها.
كيف تكتب الترجمة؟
الترجمة نوعان: غيرية أدخل في باب السيرة، وذاتية يكتبها المؤلف عن نفسه، لذا فهي أكثر خصوصية من الغيرية التي تبدو باحثة عن الحقائق الموضوعية، أما الغيرية فهي أكثر موضوعية، وإن لم تغفل الجانب الذاتي الذي يتمثل من خلال وجهة النظر الخاصة بالكاتب.
стр. 211
أولًا- الترجمة الغيرية:
أ- لا بد من البحث عن هيكل بنائي مناسب يتحقق فيه الترابط العضوي ويفضي إلى هدف محدد من كتابة الترجمة؛ لذا من الضروري التركيز على الشخصية وعدم الانسياق وراء أحداث وأشخاص آخرين وعرض أجزاء من حياتهم إلا بما يخدم هذا الغرض الأساسي من بناء الترجمة.
وتحقيق الهيكل المعماري العضوي الذي هو جوهر الأعمال الفنية بوجه عام لا يتم إلا بعد جمع الحقائق والوثائق والقرائن وتحقيقها وعدم الاستجابة لمغريات الخيال.
ب- إن قوام الفن هو الاختيار والنفي، وإذا كان هذا المبدأ هو القاعدة الأساسية في مختلف الفنون فهو في السيرة ألزم؛ لأنه ينبني على أسس مختلفة، فالنفي أو الإثبات يخضع لمحك الصدق والحقيقة التاريخة، بينما في الفنون الأخرى يخضع لمبدأ آخر يتعلق برؤيا الكاتب، وأصول الفن، وعمل المخيلة، ويعمل الوجدان والنزوع الذاتي كمحركين أساسييين في هذه العملية، وليس من شك في أن الترجمة تقع في منطقة وسط بين جاذبية التحقيق العلمي الذي هو قوام عمل المؤرخ، والاصطفاء الفني وهو أصل العمل الأدبي، ولهذا تتحقق القيمة الفنية للترجمة الذاتية التي هي قوام عمل الفنان، فإذا استطاع أن يحقق ذاته من خلال حساسيته اليقظة لمعنى الأحداث ودلالتها وقدرته على استنطاقها واستخلاص رؤى جديدة في تفسيرها، وفي بناء نسق فكري من خلالها يفضي إلى رؤية جديدة يكون قد اقترب من أصول الفن، فقد يبني الكاتب من الحوادث الصغيرة والشواهد الهامشية رؤية جديدة ذات بعد نفسي أو فكري يتخطى التفاصيل الخارجية وظواهرها الخادعة، ويسلط الضوء على البنية النفسية للشخصية، لذا لا بد لكاتب الترجمة من تتبع التفاصل ذات الدلالالة الموحية.
стр. 212
ج- أن أهم ما ينبغي أن يتنبه إليه كاتب الترجمة ثم يعمل على إبرازه وتعميق الإحساس به هو ما ينتاب الشخصية من تطور ونمو، وما يلم بها من عوامل التبديل والتغيير، ولهذا كان لا بد من رصد أثر الحدث، وخصوصًا ذلك التي يحدث تغييرًا جذريًا في حياة الشخصية، كتجربة العقاد بعد أن دخل السجن مثلًا، أو تجربة ابن تومرت بعد أن لقي الغزالي وما إلى ذلك.
د- أن عدة كاتب الترجمة هي المعلومات الغزيرة، وإن لم تكن كلها صالحة للاستغلال، فقد يصدف كاتب الترجمة عن كتابة بعض الحقائق على الرغم من طرافتها لسبب أو لآخر، وقد يعمد إلى استغلال جزئية من الجزئيات المتعلقة بالعادة في المأكل أو الملبس أو المشرب، لذلك فإن للذوق دوره المتميز في بناء السيرة وللذهن الحساس اليقظ فعله في عملية الاختيار والبناء والتطوير، إن التماس المعلومات مهما بدت تافهة من مظانها المختلفة أمر بالغ الضرورة لا بد له من عقلية قادرة على الفرز والترجيح.
هـ- وأسلوب العرض الذي ينبغي أن يحشد له كاتب الترجمة مختلف الطرق الشائعة التي تغري بالمتابعة مناط النجاح في التشكيل والبناء؛ لأنها تغني عن الخيال وتعوض الحرية التي تتوفر عند كاتب الرواية.
وهناك نقطة مهمة لفت إليها الانتباه بعض الباحثين وهي ضرورة الحذر في الاستعانة بالآثار الأدبية أو الفنية في تشكيل الترجمة، ذلك أن الترجمة تتكئ -عادة- على الحقائق، بينما يعتمد العمل الفني على الخيال ويمزج بينه وبين الواقع على نحو خاص.
وقد أشار "توماس هاردي" إلى كاتب سيرته هاتشكوك ووصفه بمجانبة الحقيقة؛ بل بالخطأ وفساد الذوق؛ لأنه اعتمد في ترجمة حياته على قصصه١.
стр. 213
و لكاتب الترجمة الحرية في أن يختار الأسلوب المناسب لعرضها، فقد يختار الطريقة المسرحية الدرامية، وقد مرت بنا الأصول المتبعة في كتابة المسرحية، وقد يختار طريقة القصة التي تعتمد على السرد والحكاية أو طريقة التفسير والشرح والتحليل على نحو ما فعل نعيمة في سيرة جبران خليل جبران، وقد يستعين بهذه الطرق مجتمعة، وقد يعمد كاتب الترجمة إلى التناول التاريخي وفقًا للتسلسل الزماني، وقد يلجأ إلى التقديم والتأخير وفقًا للهدف أو الغاية التي ينشدها.
ثانيًا-الترجمة الذاتية:
يمكن أن نتبين مفهوم الترجمة من زاويتين:
الأولى: النفي:
فالترجمة الذاتية ليست هي اليوميات أو المذكرات، فاليوميات تبدو منفصلة لا يجمعها إلا السياق الزمني، والمذكرات تهتم بالشئون الخارجية العامة؛ لأن كاتبها يدونها تحت إلحاح الرغبة في الكشف عن الحقائق والمواقف التاريخية، وتحت ضغط ظروف معينة، وليست هي تلك التداعيات التي يعنى فيها الكاتب بتصوير البيئة الاجتماعية أو الوقائع الكبرى كشاهد عليها أو فاعل فيها، وليست هي الاعترافات التي يظهر فيها الكاتب بمظهر البطل والضحية في آن واحد، وليست هي الرواية التي تستلهم الحياة الخاصة للشخصية؛ لأنها بتحولها إلى رواية تفقد هويتها كترجمة ذاتية، فالترجمة الذاتية لون آخر يعتمد على البناء العضوي المرسوم والشخصية النامية بفعل العوامل الموضوعية التي تصطدم بتحديات تدفعها إلى الأمام وتعمل على تصويرها.
стр. 214
الثانية: الإثبات:
حيث يعرف البعض الترجمة الذاتية بأنها ما يكتبه المرء بنفسه عن تاريخ حياته، مسجلًا لأخباره وعارضًا لأعماله وآثاره ذاكرًا أيام طفولته وشبابه وكهولته وما يجري فيها، وقد تقود صاحبها إلى المبالغة وتزييف البطولة وادعائها والزهو بالنفس وإعلاء قيمتها، ولكنها إذا توخت الاعتدال والصدق كانت ذات فائدة عظمى في جلاء الحقائق وتبديد الشكوك١.
كيف تكتب الترجمة الذاتية؟
أ- قبل كتابة الترجمة الذاتية لا بد من إدراك الغاية المنشودة والوعي بالهدف المقصود من الترجمة الذاتية، ومن ثم إعداد العدة لتحقيق ذلك.
هناك دوافع متعددة لكتابة تاريخ الحياة أبرزها:
الدفاع أو الاعتذار كما فعل حنين بن إسحاق، والرغبة في الكشف عن رؤية الكاتب للحياة والوجود بعد طول تأمل ومعاناة كما فعل الرازي في "السيرة السلفية"، والتنفيس عما ألم بالنفس من توتر وكدر كما هو الحال في "الأيام" لطه حسين، والوعظ والإرشاد كما في "الطائف المنن" للشعراني، وتصوير الجانب الفكري وما انتابه من تحول وتطور كما فعل العقاد في "حياة قلم"، وما إلى ذلك من أهداف.
ب- استرجاع المنعطفات الهامة في حياة الشخصية وماتستدعيه من تفاصيل، ثم العودة إلى ما دونه الكاتب من مذكرات، وما احتفظ به من وثائق ومقتنيات، وترتيب ذلك في نقاط رئيسية تشكل الهيكل البنائي للسيرة الذاتية.
ج- اختيار القالب المناسب لكتابة السيرة الذاتية، فقد أحصى بعض الباحثين ثلاثة قوالب لكتابة الترجمة الذاتية:
стр. 215
١- القالب الروائي حيث يصور الكاتب حياته في شكل روائي مباشر دون إلغاز أو إخفاء مبينًا السبب الذي حدا به إلى اختيار هذا القالب، وذلك دون انسياق وراء مقتضيات الفن الروائي، وما يستلزمه من تحوير وتعديل.
٢- منهج المقالة: يعنى بتقرير الحقائق الخاصة بحياته وشرحها وتفسيرها وتحليلها، وقد يلجأ الكاتب إلى هذا المنهج تحت ضغط الضرورة التي لا تفسح له المجال لاختيار سبيل آخر كرغبته للدفاع عن نفسه وتبرئتها مما نسب إليها.
٣- المنهج المزدوج الذي يجمع بين التصوير والتقرير، حيث يلجأ الكاتب إلى أحدهما حين يرى أنه من الأنسب اختيار هذا الأسلوب دون غيره، ومعظم كتاب الترجمة الذاتية يلجؤون إلى هذه الطريقة١.
ويستحسن أن يبتعد كاتب الترجمة الذاتية عن امتداح نفسه وتنزيهها والسمو بها على غيرها، كما أن عليه العمل على اجتذاب اهتمام القارئ للتعاطف معه باستخدام أسلوب المصارحة والبوح وتصوير المشاعر الداخلية والتزام الصدق.
ولا بد لكاتب الترجمة الذاتية من تخير الوقت المناسب لكتابة الترجمة الذاتية، وذلك حين يحس أن تجربته الحياتية قد نضجت، وأن في التعبير عنها ما يفيد القارئ أو يحق الحق في قضايا معلقة، فبعد أن يكتمل تصور الإنسان لتجربته ويعيد تقييمها يمكنه أن يلجأ إلى التعبير عنها كتابة، وحبذا لو توخى الجانب الروحي النفسي وانصرف إلى بلورته لأن؛ ذلك أوقع في النفس، وأدعى إلى التجاوب والتعاطف والتأثير، وتعتبر ترجمة الغزالي لنفسه في "المنقذ من الضلال" تصويرًا مؤثرًا لتجربته الروحية الثرية.