أولًا- الترجمة الغيرية:
أ- لا بد من البحث عن هيكل بنائي مناسب يتحقق فيه الترابط العضوي ويفضي إلى هدف محدد من كتابة الترجمة؛ لذا من الضروري التركيز على الشخصية وعدم الانسياق وراء أحداث وأشخاص آخرين وعرض أجزاء من حياتهم إلا بما يخدم هذا الغرض الأساسي من بناء الترجمة.
وتحقيق الهيكل المعماري العضوي الذي هو جوهر الأعمال الفنية بوجه عام لا يتم إلا بعد جمع الحقائق والوثائق والقرائن وتحقيقها وعدم الاستجابة لمغريات الخيال.
ب- إن قوام الفن هو الاختيار والنفي، وإذا كان هذا المبدأ هو القاعدة الأساسية في مختلف الفنون فهو في السيرة ألزم؛ لأنه ينبني على أسس مختلفة، فالنفي أو الإثبات يخضع لمحك الصدق والحقيقة التاريخة، بينما في الفنون الأخرى يخضع لمبدأ آخر يتعلق برؤيا الكاتب، وأصول الفن، وعمل المخيلة، ويعمل الوجدان والنزوع الذاتي كمحركين أساسييين في هذه العملية، وليس من شك في أن الترجمة تقع في منطقة وسط بين جاذبية التحقيق العلمي الذي هو قوام عمل المؤرخ، والاصطفاء الفني وهو أصل العمل الأدبي، ولهذا تتحقق القيمة الفنية للترجمة الذاتية التي هي قوام عمل الفنان، فإذا استطاع أن يحقق ذاته من خلال حساسيته اليقظة لمعنى الأحداث ودلالتها وقدرته على استنطاقها واستخلاص رؤى جديدة في تفسيرها، وفي بناء نسق فكري من خلالها يفضي إلى رؤية جديدة يكون قد اقترب من أصول الفن، فقد يبني الكاتب من الحوادث الصغيرة والشواهد الهامشية رؤية جديدة ذات بعد نفسي أو فكري يتخطى التفاصيل الخارجية وظواهرها الخادعة، ويسلط الضوء على البنية النفسية للشخصية، لذا لا بد لكاتب الترجمة من تتبع التفاصل ذات الدلالالة الموحية.
стр. 212
ج- أن أهم ما ينبغي أن يتنبه إليه كاتب الترجمة ثم يعمل على إبرازه وتعميق الإحساس به هو ما ينتاب الشخصية من تطور ونمو، وما يلم بها من عوامل التبديل والتغيير، ولهذا كان لا بد من رصد أثر الحدث، وخصوصًا ذلك التي يحدث تغييرًا جذريًا في حياة الشخصية، كتجربة العقاد بعد أن دخل السجن مثلًا، أو تجربة ابن تومرت بعد أن لقي الغزالي وما إلى ذلك.
د- أن عدة كاتب الترجمة هي المعلومات الغزيرة، وإن لم تكن كلها صالحة للاستغلال، فقد يصدف كاتب الترجمة عن كتابة بعض الحقائق على الرغم من طرافتها لسبب أو لآخر، وقد يعمد إلى استغلال جزئية من الجزئيات المتعلقة بالعادة في المأكل أو الملبس أو المشرب، لذلك فإن للذوق دوره المتميز في بناء السيرة وللذهن الحساس اليقظ فعله في عملية الاختيار والبناء والتطوير، إن التماس المعلومات مهما بدت تافهة من مظانها المختلفة أمر بالغ الضرورة لا بد له من عقلية قادرة على الفرز والترجيح.
هـ- وأسلوب العرض الذي ينبغي أن يحشد له كاتب الترجمة مختلف الطرق الشائعة التي تغري بالمتابعة مناط النجاح في التشكيل والبناء؛ لأنها تغني عن الخيال وتعوض الحرية التي تتوفر عند كاتب الرواية.
وهناك نقطة مهمة لفت إليها الانتباه بعض الباحثين وهي ضرورة الحذر في الاستعانة بالآثار الأدبية أو الفنية في تشكيل الترجمة، ذلك أن الترجمة تتكئ -عادة- على الحقائق، بينما يعتمد العمل الفني على الخيال ويمزج بينه وبين الواقع على نحو خاص.
وقد أشار "توماس هاردي" إلى كاتب سيرته هاتشكوك ووصفه بمجانبة الحقيقة؛ بل بالخطأ وفساد الذوق؛ لأنه اعتمد في ترجمة حياته على قصصه١.
стр. 213
و لكاتب الترجمة الحرية في أن يختار الأسلوب المناسب لعرضها، فقد يختار الطريقة المسرحية الدرامية، وقد مرت بنا الأصول المتبعة في كتابة المسرحية، وقد يختار طريقة القصة التي تعتمد على السرد والحكاية أو طريقة التفسير والشرح والتحليل على نحو ما فعل نعيمة في سيرة جبران خليل جبران، وقد يستعين بهذه الطرق مجتمعة، وقد يعمد كاتب الترجمة إلى التناول التاريخي وفقًا للتسلسل الزماني، وقد يلجأ إلى التقديم والتأخير وفقًا للهدف أو الغاية التي ينشدها.
ثانيًا-الترجمة الذاتية:
يمكن أن نتبين مفهوم الترجمة من زاويتين:
الأولى: النفي:
فالترجمة الذاتية ليست هي اليوميات أو المذكرات، فاليوميات تبدو منفصلة لا يجمعها إلا السياق الزمني، والمذكرات تهتم بالشئون الخارجية العامة؛ لأن كاتبها يدونها تحت إلحاح الرغبة في الكشف عن الحقائق والمواقف التاريخية، وتحت ضغط ظروف معينة، وليست هي تلك التداعيات التي يعنى فيها الكاتب بتصوير البيئة الاجتماعية أو الوقائع الكبرى كشاهد عليها أو فاعل فيها، وليست هي الاعترافات التي يظهر فيها الكاتب بمظهر البطل والضحية في آن واحد، وليست هي الرواية التي تستلهم الحياة الخاصة للشخصية؛ لأنها بتحولها إلى رواية تفقد هويتها كترجمة ذاتية، فالترجمة الذاتية لون آخر يعتمد على البناء العضوي المرسوم والشخصية النامية بفعل العوامل الموضوعية التي تصطدم بتحديات تدفعها إلى الأمام وتعمل على تصويرها.
стр. 214
الثانية: الإثبات:
حيث يعرف البعض الترجمة الذاتية بأنها ما يكتبه المرء بنفسه عن تاريخ حياته، مسجلًا لأخباره وعارضًا لأعماله وآثاره ذاكرًا أيام طفولته وشبابه وكهولته وما يجري فيها، وقد تقود صاحبها إلى المبالغة وتزييف البطولة وادعائها والزهو بالنفس وإعلاء قيمتها، ولكنها إذا توخت الاعتدال والصدق كانت ذات فائدة عظمى في جلاء الحقائق وتبديد الشكوك١.
كيف تكتب الترجمة الذاتية؟
أ- قبل كتابة الترجمة الذاتية لا بد من إدراك الغاية المنشودة والوعي بالهدف المقصود من الترجمة الذاتية، ومن ثم إعداد العدة لتحقيق ذلك.
هناك دوافع متعددة لكتابة تاريخ الحياة أبرزها:
الدفاع أو الاعتذار كما فعل حنين بن إسحاق، والرغبة في الكشف عن رؤية الكاتب للحياة والوجود بعد طول تأمل ومعاناة كما فعل الرازي في "السيرة السلفية"، والتنفيس عما ألم بالنفس من توتر وكدر كما هو الحال في "الأيام" لطه حسين، والوعظ والإرشاد كما في "الطائف المنن" للشعراني، وتصوير الجانب الفكري وما انتابه من تحول وتطور كما فعل العقاد في "حياة قلم"، وما إلى ذلك من أهداف.
ب- استرجاع المنعطفات الهامة في حياة الشخصية وماتستدعيه من تفاصيل، ثم العودة إلى ما دونه الكاتب من مذكرات، وما احتفظ به من وثائق ومقتنيات، وترتيب ذلك في نقاط رئيسية تشكل الهيكل البنائي للسيرة الذاتية.
ج- اختيار القالب المناسب لكتابة السيرة الذاتية، فقد أحصى بعض الباحثين ثلاثة قوالب لكتابة الترجمة الذاتية:
стр. 215
١- القالب الروائي حيث يصور الكاتب حياته في شكل روائي مباشر دون إلغاز أو إخفاء مبينًا السبب الذي حدا به إلى اختيار هذا القالب، وذلك دون انسياق وراء مقتضيات الفن الروائي، وما يستلزمه من تحوير وتعديل.
٢- منهج المقالة: يعنى بتقرير الحقائق الخاصة بحياته وشرحها وتفسيرها وتحليلها، وقد يلجأ الكاتب إلى هذا المنهج تحت ضغط الضرورة التي لا تفسح له المجال لاختيار سبيل آخر كرغبته للدفاع عن نفسه وتبرئتها مما نسب إليها.
٣- المنهج المزدوج الذي يجمع بين التصوير والتقرير، حيث يلجأ الكاتب إلى أحدهما حين يرى أنه من الأنسب اختيار هذا الأسلوب دون غيره، ومعظم كتاب الترجمة الذاتية يلجؤون إلى هذه الطريقة١.
ويستحسن أن يبتعد كاتب الترجمة الذاتية عن امتداح نفسه وتنزيهها والسمو بها على غيرها، كما أن عليه العمل على اجتذاب اهتمام القارئ للتعاطف معه باستخدام أسلوب المصارحة والبوح وتصوير المشاعر الداخلية والتزام الصدق.
ولا بد لكاتب الترجمة الذاتية من تخير الوقت المناسب لكتابة الترجمة الذاتية، وذلك حين يحس أن تجربته الحياتية قد نضجت، وأن في التعبير عنها ما يفيد القارئ أو يحق الحق في قضايا معلقة، فبعد أن يكتمل تصور الإنسان لتجربته ويعيد تقييمها يمكنه أن يلجأ إلى التعبير عنها كتابة، وحبذا لو توخى الجانب الروحي النفسي وانصرف إلى بلورته لأن؛ ذلك أوقع في النفس، وأدعى إلى التجاوب والتعاطف والتأثير، وتعتبر ترجمة الغزالي لنفسه في "المنقذ من الضلال" تصويرًا مؤثرًا لتجربته الروحية الثرية.
стр. 216
والسؤال الذي يبرز الآن هو هل ثمة فرق بين الترجمة الذاتية والغيرية؟
اختلف الباحثون حول الإجابة على هذا السؤال، فبعضهم قال: بتشابه الفنين من حيث الغاية والمنهج، والبعض الآخر قال: بأن ثمة تشابهًا في بعض الجوانب وتغايرًا في الجوانب الأخرى، فالترجمة الذاتية تعبير مباشر فيه قدر كبير من الذاتية، والترجمة الغيرية توثيق وتحقيق وضبط واستنتاج فيه قدر كبير من الموضوعية دون غياب للجانب الذاتي، والحقيقة تظل نسبية في كليهما، ولكنها تختلف من عمل لآخر وفقًا لما يتوفر من معلومات وما يتميز به الكاتب من بناء نفسي وعقلي ووجداني، فبعض كتاب الترجمة الذاتية لا يتورعون عن ذكر بعض المعايب والنقائض بل والفضائح أيضًا، والبعض الآخر يلجم قلمه الحياء فلا يقترب من هذه التخوم.
стр. 217
مكتبة التراجم والسير
أولًا- الدكتور إحسان عباس، فن السيرة، دار الثقافة، بيروت، سنة١٩٥٦م.
يقع هذا الكتاب في حوالي مائة وست وسبعين صفحة، وقد ذكر المؤلف في المقدمة أنه يبني دراسته على الاختيار، إذ اقتصر على أمثلة يسهل الحصول عليها، ولم يثقل على القارئ بتصنيف المعاجم الخاصة بالسير وكتب الطبقات، ويشير إلى أنه مزج بين العرض التاريخي والتحليل غير المستقصي لبعض النماذج، مقسمًا نظريته في السير بين الأدب العربي والغربي، ويشير إلى أن خط التطور في الأدب العربي أوضح منه في الأدب الغربي، ويرى أن الاتجاه في الحياة المعاصرة أخذ يتشكل نحو الجماعة بخطى سريعة، وهذا يقلل من تقديس الأبطال، ويقر بدور الفرد في الحياة، ويغير مفهومات الناس عن قيمة ذلك الدور، وقد استعرض الكاتب في هذا الكتاب تاريخ السير عند المسلمين وتطوره نحو السيرة الفنية، ويعرض لمقومات السيرة الفنية، ثم يتحدث عن السير الذاتية عند الغرب وعند العرب.
ثانيًا- د. يحيى إبراهيم عبد الدايم: الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث، دار النهضة العربية، بيروت سنة ١٩٧٤م، ويتحدث المؤلف في مقدمته عن الدراسات السابقة على دراسته، ويتناول في الباب مدلول الترجمة الذاتية وتطورها في الأدب العربي والغربي في فصول ثلاثة، ويتحدث في الباب الثاني عن معالم الترجمة الذاتية في الأدب العربي الحديث في فصلين، أما الباب الثالث فيتناول الترجمة الذاتية في إطارها السياسي في فصول ثلاثة، وفي الباب الرابع يعرض للترجمة الذاتية في إطارها الفكري، ويتحدث عن العقاد وأحمد أمين وميخائيل نعيمة وطه حسين.
стр. 218
ثالثًا- د. شوقي ضيف: الترجمة الشخصية، دار المعارف سنة ١٩٥٦م، يعرض فيه الكاتب لصور الترجمة الذاتية عند العرب في عصورهم المختلفة، من العصر العباسي إلى العصر الحديث، ويرى أن التراجم القديمة عند الفلاسفة والعلماء كانت مقيدة من حيث المادة النفسية والاجتماعية، ويعرض للترجمة الشخصية عند المتصوفة، فيرى أنهم عنوا بالحديث عن تجاربهم الروحية وكأنهم يريدون بها جذب الناس إلى طريقهم، وتحدث بعد ذلك عن تراجم الساسة ورجال الحرب، ثم عرض للترجمة الشخصية في العصر الحديث وتطورها بتأثير الترجمات عن الآداب الغربية، حيث مال الكتاب إلى التحدث بصراحة، وأشار إلى كتاب الأيام للدكتور طه حسين، ثم عرض لسيرة أحمد أمين كما كتبها صاحبها.
стр. 219
الخطابة
الخطبة لُغويًا - عند العرب - الكلام المنثور المسجع ونحوه، وله أول وآخر كما جاء في لسان العرب، والخطبة اسم وضع موضع المصدر فهو الخطابة١، والخطابة اصطلاحًا فن من فنون الكلام غايته إقناع السامعين واستمالتهم والتأثير فيهم، بصواب قضية أو بخطأ أخرى، وبلوغ موضع الاهتمام من عقولهم٢ وموضع التأثير في وجدانهم.
ما الفرق بين الخطبة والمحاضرة:
الخطبة تتوخى الجانب الوجداني في الدرجة الأولى، فهي تقوم على التأثير، وإن كان عنصر الإقناع أساسيًا فيها، ولكن الخطيب يعمد إلى مختلف المؤثرات العاطفية فيستخدمها ليثير مكامن الاستجابة في السامعين، أما المحاضرة فالمعول فيها على الجانب المعرفي في الدرجة الأولى، والمحاضر يخاطب العقل ويلتمس أيسر السبل لإيصال المعلومات دون أن يلجأ إلى الإثارة، وقد تأثرت الخطبة الحديثة بالمحاضرة فبدأت تنزع إلى العقلانية وتحتشد بأسباب الإقناع، وانحسر-إلى حد ما-ذلك الجانب الأدائي الذي يعول على الإثارة، ولم يكن أمر الإقناع يغيب عن بال القدماء لذلك، نجد المناطقة يعرِّفون الخطبة "بأنها مؤلف من مقدمات مقبولة لصدورها ممن يعتقد فيه لاختصاصه بمزيد من عقل أو تديُّن"٣، ولكن قيمة الخطبة الحقيقة تظل كامنة في قدرة الخطيب على "تحويل الأفكار إلى عواطف، فهي في جوهرها تعمد إلى بث حالة نفسية أو يقين وجداني حاسم راغم لا يتمكن المرء من التحرر منه"٤، ولهذا تزدهر
стр. 220
الخطابة في فترات الانعطاف، وفي إبَّان الأزمات الكبرى، ويكون تأثيرها على العامة أكبر من تأثيرها على ذوي الرأي والمفكرين، من هنا بلغت ذروتها في عصور البداوة كما يرى العديد من الباحثين، والخطابة هي أقرب الفنون النثرية لطبيعة الشعر الغنائي.
الطريق إلى إتقان فن الخطابة:
الخطابة - شأنها في ذلك شأن أغلب فنون القول - ملكة فطرية تُنمَّى بالتحصيل وتطور بالتجربة وتتبلور بالمعاودة والمراجعة والفهم، وقد ينضج الخطيب على نحو مفاجئ تصنعه الأحداث، وتبرزه الحاجة، ويصهره الموقف دون طول إعداد، فالملكات الفطرية في الفن تشرق في النفس دون مقدمات، ومع هذا فإن أصول هذا الفن فيما يرى الباحثون والمنظرون أربعة:
١- الاستعداد الفطري.
٢- الإلمام بالأصول والقواعد التي تقوم عليها الخطابة.
٣- الاطلاع على النماذج المتميزة من الخطب ودراستها والتعرف على مكامن الإجادة منها.
٤- التجربة والمران، فلا بد من التدرب والتمرس، يقول خالد بن صفوان: إنما اللسان عضو؛ إن مرنته مَرن، فهو كاليد تخشنها بالممارسة، وكالبدن تقويه برفع الحجر، والرِّجل إذا عودت المشي مشت، والنسج على منوال الأقدمين له مزالقه، فقد يتمكن الإعجاب بأسلوب المحتذى حتى يصبح الفكاك منه عسيرًا، لذا لا بد من الحذر قدر الإمكان، وإن كان بعض الباحثين يرون الاحتذاء مرحلة لا بد منها قبل أن يصلب عود الخطيب ويشحذ لسانه.
стр. 221
مقومات الخطابة:
أولًا- اللغة:
امتلاك الأسلوب وإتقان اللغة والقدرة على التصرف في أوجه القول، كل ذلك يعتبر الركيزة الأولى في الخطابة، فلا يمكن أن يكون الخطيب خطيبًا إلا إذا سيطر على زمام القول وأحسن توجيهه وفقًا للموقف.
ثانيًا: التسلسل والتنظيم وحسن المعالجة للأفكار:
فلا بد أن تكون الأفكار منظمة في ذهن الخطيب، واضحة يسلم بعضها إلى بعض، ومن الضروري أن يحسن الخطيب التعريف بالفكرة من جوانبها المختلفة بما هو حري بالاهتمام، وما هو مناسب للموقف دون إيغال في الاستقصاء، وانسياق وراء التفاصيل.
ثالثًا- اختيار الأدلة:
العقلية والنقلية المناسبة للأفكار دون غلو في التأويل والتخريج والتطويع، فالأساس في الأدلة أن تكون ظاهرة الدلالة على الفكرة دون اجتراء على الحقيقة أو انحراف بها، وأن تكون أقرب إلى أذهان السامعين وأفهامهم وأن تبدو تلقائية غير متكلفة ولا متعسفة، وأن تقدم في إطار مشوق محبب.
رابعًا- المقابلة والتمثيل والتنويع:
في التقرير والإنشاء من الأساليب التي تعين على طرد الملل، وتأكيد الأفكار في أذهان السامعين، فمقابلة الأشياء بعضها ببعض في مقارنات وامضة أمر مستحب؛ لأنه ينقل الذهن نقلات مفاجئة منشطة من النقيض إلى النقيض، كذلك فإن التمثيل يربط بين الخطبة والواقع المعاش فيستأنس النفوس ويدجنها، أما التنويع فهو موقظ للحواس وطارد للسأم.
стр. 222
الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الخطيب:
أولًا: شروط خلقية كبراءة اللسان من العيوب، وقد تناول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين هذه العيوب بتفصيل وإطناب كاللثغة والتمتمة والفأفأة، وبعض هذه العيوب يمكن التغلب عليها بتجنب الحروف التي يتعتع فيها الخطيب ما أمكن كما فعل واصل ابن عطاء حينما تجنب حرف الراء.
ثانيًا: شروط ذهنية كسداد الرأي وصحة القول وحضور البديهة وشدة الملاحظة ومراعاة أحوال السامعين وغزارة الفكر.
ثالثًا: شروط فنية كالمهارة في إثارة العواطف وتحريك النفوس وحسن الأداء وجهارة الصوت وانطلاقه وتدفقه والتجمل في الشارة والإشارة والملابس والهيئة كما يقال.
رابعًا: شروط خلقية، ومنها حسن السيرة حتى يثق الناس به فيستمعون إليه، وخلوص النية؛ لأن خلوص النية تظهر آثاره في الوجه وفي نبرات القول يصاحبه عن التكلف، والتودد إلى الناس والتحلي بالوقار وعزة النفس وعدم التبذل والنفاق وحب الخير ورباطة الجأش وقوة الشخصية لأن؛ الخطيب إذا افتقد الجرأة وهنت عزيمته فلا يقوى على الوقف أمام جمهوره.
بناء الخطبة:
لا يختلف بناء الخطبة كثيرًا عن بناء المحاضرة والمقالة وما إلى ذلك من فنون التعبير؛ فالمقدمة والعرض والخاتمة هي المكونات الرئيسية للخطبة، ولكن هذه المكونات تحتاج إلى شيء من الدراية ومعرفة الهدف منها وكيفية الانتقال من جزء إلى آخر.
أولًا: المقدمة:
لا بد للخطيب من استئناس السامعين وشد انتباههم لما يقول من أفكار وإثارة شوقهم لها، لذلك كانت المقدمة أمرًا ضروريًا لأنها؛ تضطلع بهذا العبء،
стр. 223
ولسنا مع ذلك الرأي الذي يقول: إنه لا بد للخطيب من بث الغفلة والذهول في القوى المدركة لجمهور السامعين حتى يتقبلوا ما يريد أن يقول١، فهذا أمر نفعي فيه انتهاز غير مشروع، لا ينسجم مع الغاية النبيلة من الخطابة؛ فليس من شأن المقدمة أن تقوم بهذه المهمة، ولكن وظيفتها الأساسية أن تهيء أذهان الحضور، وتوقظ قواهم المدركة لاستيعاب الأفكار والمعاني.
والمقدمة يحددها الموضوع فهي تخضع لطروحاته، ويكون ذلك إما بافتتاح الخطبة بنص بليغ أو بإثارة مجموعة من الأسئلة، وينبغي أن تكون ذات صلة بالموضوع، وإذا كانت الخطبة ذات موضوع عام فمن المستحسن أن تستهل بذكر آية كريمة ذات علاقة بالقضية التي تثيرها أو بحديث شريف، وينصح بعدم إطالة المقدمة والاكتفاء بالتلميح.
وقد يستغني الخطيب عن المقدمة تمامًا وخصوصًا إذا كان الموضوع مثيرًا أو إذا كان الخطيب مضطرًا إلى الدخول في صلب الموضوع دون مقدمات.
ثانيًا: العرض:
يتناول صلب الخطبة فيعالج موضوعها الرئيسي، ويشترط أن يكون العرض حيًا بعيدًا عن الجمود مثيرًا للدهشة والإعجاب وقادرًا على استقطاب أذهان السامعين، وينبغي أن يتوسل الخطيب بما يتناسب مع الموقف من صور وأخيلة وأسلوب فصيح لا يصعب فهمه، ولا يكون ركيكًا مبتذلًا مع الحرص على التلوين والتنويع في الأداء كما أسلفنا، وكلما كانت الأفكار مترابطة ومسلسة كلما كان ذلك أدعى إلى النجاح في عرض الموضوع عرضًا متكاملًا، ولا بأس من الاتكاء على أسلوب القصة أو التمثيل، ولا بأس من الإتيان بالآراء المضادة وتفنيدها، ولا بد أن يتدرج الخطيب في العرض من الأهم فالمهم، ومن العام إلى الخاص.
стр. 224
ثالثًا: الخاتمة:
تشكل خلاصة الخطبة فهي التي تستقر في أذهان السامعين بعد انتهاء الخطبة؛ لذا وجب أن تتضمن الأفكار الرئيسية موجزة مركزة في فكرة شاملة كافية. من هنا كان من الضروري أن تكون عباراتها قوية مثيرة للعاطفة مؤثرة في الوجدان.
стр. 225
فن الشعر
محاولة للتعريف - نظريات في فهم الشعر - كيف تكتب قصيدة الشعر - عناصر الإبداع الشعري
ليس من السهل تعريف الشعر، فقد كثرت المحاولات ولكنها لم تفض إلى نتيجة ملموسة، ذلك أن الشعر لغة العواطف والمشاعر والرؤى الممتزجة بالمواقف والأفكار، وهذه اللغة تركيبية تتمازج فيها الألوان والظلال، فهي ليست مجرد أوزان وقواف ولا صور وإيقاعات وألفاظ موحية ذات ظلال، بل هي كل ذلك في تشكيل ذي طابع خاص مؤشر يعيد صياغة التجربة ولا ينقلها.
وقد حاول كثير من الباحثين أن يلتمسوا السبل إلى منابع العبقرية الشعرية ولكنهم لم يبلغوا اليقين فوجدنا بعضهم يعزوها إلى الذكاء الفطري، والآخر يرجعها إلى حالة عصابية مرضية، وفريقًا ثالثًا يمزج بينها وبين أحلام اليقظة.
ولكنهم جميعًا يعزونها إلى طاقة فطرية كامنة يبلورها الاطلاع، ويفصح عنها المران والدربة ويفتقها الوعي والإدراك.
وقد أرجع أرسطو -صاحب أول فكر تنظيري منظم- الدافع الأساسي للشعر إلى علتين أساسيتين هما: غريزة المحاكاة أو التقليد، والثانية غريزة الموسيقى أو الإحساس بالنغم، وينفذ القاضي الجرجاني في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" إلى جوهر الملكة الشعرية وطبيعتها حين يقول: "إن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه"١.
стр. 226
وتظل هذه الإشارات في تحليل الموهبة الشعرية والاستعدادت الفطرية والمكتسبة قاصرة عن الغوص إلى مكامن الإبداع الشعري، ولكنها تخلص إلى حقيقة هامة وهي أن الشعر يستلزم وجود الموهبة أساسًا، ثم تنميتها بالقراءة والدربة.
وإذا كان النقاد والباحثون قد اختلفوا في تحديد المنابع الأساسية للشعر فقد شجر بينهم الخلاف أيضًا حول مهمة الشعر وغايته وفقًا لاختلاف المدارس والاتجاهات، ولعل أول من أدلى بدلوه في هذا الميدان على نحو واضح من الشعراء العرب المحدثين أحد رموز مدرسة الديوان وهو المازني في كتاب له صدرت الطبعة الأولى منه عام ١٩١٥م حيث يقول عن الشعر: "
إنه مرآة الحقائق العصرية لأن؛ الشاعر لا قبل له بالخلاص من عصره والفكاك من زمنه، ولا قدرة له على النظر إلى أبعد مما وراء ذلك بكثير فحكمته حكمة عصره، وروحه روح عصره"١.
ولا بد من أجل فهم أعمق لتطور النظر إلى فن الشعر من حيث طبيعته وغاياته من تتبع المدارس المختلفة وتعاقبها منذ أرسطو حتى الآن، وهذا أمر يصعب استيعابه ولكننا سنعمد إلى إيجاز القول فيه.
أولًا: نظرية المحاكاة:
وأول من لفت الأنظار إليها فلاسفة اليونان القدامى خصوصًا أفلاطون الذي يرى أن العالم الحقيقي موجود في ما أسماه عالم المثل، أما العالم المحسوس فهو انعكاس له، والشعر محاكاة للعالم المحسوس فهو يبعد عن الحقيقة مرتين، ولكن أرسطو أشار إلى أن المحاكاة تصوير الشيء كما ينبغي أن يكون، وظلت نظرية المحاكاة هذه أساسية حتى القرن التاسع عشر مع اختلاف في فهم المحاكاة
стр. 227
فهي تارة تُعنى بالأفكار والنماذج، وهي نقل عن الطبيعة تارة أخرى، وهي علاقة بين الفنان وجمهوره تارة ثالثة، وقد تطورت هذه النظرية عند الناقد الألماني "لسنج" الذي يصرح بأن الشعر رسم ناطق.
ثانيًا: نظرية التعبير:
كانت المحاكاة في طورها الأساسي تعني الصياغة الكلية للقيم الثابتة، فكانت القاعدة النظرية للمذهب الكلاسيكي الذي يعلي من شأن هذه القيم والآثار التي عكفت على تمثلها، حيث أصبحت الكلاسيكية تعني تقليد الأدب الإغريقي والروماني القديم، وقد انتهت نظرية المحاكاة إلى شيء من العقم والجفاف، فحدثت الثورة الرومانتيكية في محاولة للتغلب على الموات الذي انتهت إليه، وظهر المفكر الألماني "هردر" الذي ألح على معاني الولادة والنمو والفناء والبحث عن الأغنية البدائية مبينًا أن الشعر الأصيل هو الذي يعبر عن الشعور، فكانت نظرية التعبير هي الأساس الفلسفي للمدرسة الرومانتيكية.
من هنا كان التركيز على العاطفية، واختفى الغرض الوعظي والتعليمي الذي دعت إليه الكلاسيكية، وكان "لفيكو" العالم الاجتماعي دور في التمهيد للرومانتيكية حين اعتبر الشعور والعاطفة اللغة الأولى للعالم، ومن هنا عرَّف "وردزوورث" الشعر بأنه "فيض تلقائي لعاطفة قوية".
ثالثًا: نظرية الواقعية:
التي وجدت تمثيلًا قويًا لها في الفنون النثرية كالقصة والمسرحية، أما في الشعر فكانت نسبية تتمثل في بعض المظاهر غير الواضحة، وهي ترى أن الشعر، انعكاس للواقع.
رابعًا: نظرية الفن للفن:
ووجدت هذه النظرية التعبير عنها لدى البرناسيين الذين يعتمدون على
стр. 228
الترابط اللفظي ووقع الكلمات، وكانوا يرون أن الشعر دقة في التصوير، وقوة في الإيقاع، وهم يقتربون به من فن النحت.
خامسًا: النظرية الرمزية:
وقد مهد لها الشاعر والروائي الأمريكي "إدجار إلان بو" الذي أوضح أن الإنسان منقسم إلى ثلاث قوى: العقل والضمير والنفس، مبينًا أن العقل معني بالحقيقة والضمير بالأخلاق والنفس بالجمال، وهي مسئولة عن الشعر؛ فغاية الشعر الكشف عن الجمال، ولا علاقة به بالحقيقة والأخلاق، واعتبر "بو" آخر منظري الرومانتيكية حيث وصل بها إلى مرحلتها الأخيرة ممهدًا للرمزية، أما الرمزيون فقد ركزوا على الجانب الموسيقي، فقال أحد شعرائهم ومفكريهم: إن مهمة الشعر أن يسترد من الموسيقى ما سلبته منه.
كيث تكتب قصيدة الشعر؟ ١
هل يصح أن يوجه هذا السؤال بالفعل؟ وهل يمكن أن نقدم وصفة جاهزة لكتابة القصيدة؟ لا أظن ذلك ممكنًا، لأن؛ الشعر ضرب من ضروب الإبداع، والإبداع ينبثق عن ملكة قارة في النفس، وعن موهبة هي من عطاء الله وفضله، قد تكون هذه الموهبة مخبوءة أو مذخورة كالكنز؛ فهي بحاجة إلى من ينقب عنها ليزيل الركام، ويصقلها، ويبرزها للعيان، وكيفية البحث عن هذا الكنز تكون بجلاء القريحة، وشحذ الملكة هو الذي يمكن أن نلتمس الطريق إليه، ولكن قبل ذلك دعنا نبحث وننقب عن كيفية الإبداع.. كيف تنبثق القصيدة وتولد؟.
هل نسلم بالإلهام كتفسير لعملية الإبداع لدى الشعراء؟ إن القول بالإلهام هو أقدم النظريات التي تعلل الإبداع منذ أفلاطون، وإن كان الحدس "وهو
стр. 229
تعبير حديث وأهم من الإلهام" قد حل محله ... فهناك من يرى أن الإلهام صدمة كالانفعال، إذ يصبح الملهم كمن يجذب انتباهه فجأة فيختل توازنه حيث ينقطع سير العمليات الذهنية وينهمر فيض فجائي من الأفكار والصور، من هنا كان الإلهام مصطلحًا يطلق على لحظات الإبداع الفجائية، وهي لحظات تكون مصحوبة بأزمات انفعالية بعيدة عن العقل والشعور.
والحدس بشكل عام يشير إلى معنى المعرفة الفجائية، ومهما يكن من أمر فإن التفسير الإلهامي لا يضيء أمامنا الطريق إلى الإبداع خصوصًا، وأنه يعزو هذه العملية برمتها إلى عوامل لا مرئية لا يمكن التحكم فيها أو الوصول إلى منابعها.
وحتى في أحسن الأحوال حينما يفسر الحدس بأنه نوع من الاستدلال اللاشعوري الذي يخفي وراءه معارف وخبرات غير مرئية، فإن سبل التحكم فيه أمر خارج عن السيطرة؛ غير أن الأمر يصبح أقرب إلى الضبط والسيطرة حين نسلم مع أولئك الذين يرون أن الإبداع الشعوري ليس إلهامًا أو حدسًا على إطلاقه، ولكن الحدس فيه لحظة معينة من الإبداع من ضمن لحظات متشابكة ومعقدة، إذ تظل الأهمية معلقة على الجانب الواعي الذي يشير إليه بعض المبدعين فيقول: قد تدهش إذا قلت لك: "إني صححت وعدلت وبدلت في كل مخطوطة قمت بتبييضها ونسخها بنفسي أكثر من أربع مرات....أجل ... لكل مخطوطة عندي كبرت أو صغرت، أربع نسخ ... مختلفة بخط يدي"١.
إن ثمة جهدًا يبذل أثناء كتابة القصيدة، يؤكد ذلك ما يخلفه الشعراء من مسودات لأعمالهم الإبداعية فهي تكشف عن معاناة مضنية أثناء الكتابة، أما ما يروى عن الشاعر الإنجليزي كولريدج من قصص تتحدث عن قصائد متكاملة ولدت أثناء النوم على شكل أحلام، فينقضه ما هو معروف عن طبيعة الأحلام التي تأتي في نسق غير مترابط، وقد شكك الباحثون في صحة هذه المرويات، فإن الشاعر قد خدع عن الجهد الذي بذله في تنسيق هذا الحلم المضطرب الذي
стр. 230
جاء على شكل قصيدة؛ فالحلم بما فيه من شطحات وتحولات -كما يقول بعض الدارسين- لا يمكن أن يقود إلى العمل الفني من ألفه إلى يائه؛ فالأداء اليقظ المتمثل في كتابة القصيدة جوهر عملية الإبداع الشعري.
وقد كان الفيصل في تتبع عملية الإبداع الشعري هو الاستخبار الذي قام به الدكتور مصطفى سويف حيث وجه مجموعة من الأسئلة لعدد من الشعراء منهم شعراء معروفون مثل: خليل مردم بك، ومحمد بهجت الأثري، ومحمد المجذوب، ومحمد الأسمر، وعادل الغضبان، وأحمد رامي، فكانت النتيجة اتفاق عدد من الإجابات على أن معظم القصائد لا تبزغ فجأة دفعة واحدة دون أن يكون لها مقدمات، وبعضهم أشار إلى نوعين من الإبداع: أحدهما ابن ساعته وهو ما تفيض به النفس إثر حادث يهز النفس، وآخر تعيش فكرته في النفس فترة طويلة قد تبلغ عدة سنوات، والأول أقرب إلى صورة الإلهام، أما الثاني ففيه مجاهدة، وتتفق الإجابات كلها على أن أصحابها لا يكتبون وفقًا لخطة يضعونها ويبدعون أساسها، فمعظم تجاربهم الإبداعية لا تنطلق بطريقة إرادية وإنما بفعل قدرة خفية، وإن بعض المعاني والتراكيب والألفاظ تتوارد على الخاطر أثناء الكتابة.
كما يتفق الشعراء على أن خلو المكان يسهم في تدفق العملية الإبداعية، فلا بد من وجود جو خاص يساعد على الاستغراق في هذه العملية الإبداعية، كذلك فإن الاستسلام للهواجس وخطرات النفس يفسح للخيال مجالًا واسعًا، من هنا يبتدئ دور الإلهام في الكتابة الشعرية، ولكنه مرحلة من مراحل متعددة، وقد أفاد الشعراء أيضًا بأن التوتر يشكل عاملًا حيويًا في وحدة القصيدة، وفي لحظة انتهاء التوتر تنتهي القصيدة إلى حدودها المعلومة١.
стр. 231
وهناك شبه اتفاق على أن العمل الإبداعي الشعري يمر بمراحل ثلاثة:
أولًا: الحافز أو المثير الذي قد يكون على شكل تجربة أو موقف اجتماعي أو نفسي حيث تتفاعل في نفس الشاعر أمشاج متباينة.
ثانيًا: المرحلة الثانية تتمثل في تأمل التجربة واستيعابها وجدانيًا ونفسيًا وعقليًا، إذ تصبح الشغل الشاغل للشاعر، وهذه ما يطلق عليه مرحلة "الاختمار" وهي تتم بطريقة تلقائية.
ثالثًا: المرحلة الثالثة، وهي مرحلة المخاض حيث يعاني الشاعر انبثاق القصيدة، وتحققها أثناء الكتابة.
رابعًا: مرحلة التنقيح حيث تخضع القصيدة للمراجعة.
وقد حفلت كتب النقد القديم بوصايا متعددة للشادين في هذا المضمار الذين يهيئون أنفسهم ليكونوا شعراء، وهم إذ يقرون بأن الشعر طبع وموهبة، يؤكدون أن الشاعر ينبغي أن يلم بمجموعة من القوانين الأساسية، فالشعر له جانبان متداخلان: جانب فطري مرتبط بالحساسية التي يتميز بها الشاعر والتي تمكنه من إدراك ما لا يدركه الآخرون، وجانب آخر مرتبط بالتعليم والأصول المتعارف عليها، وبدون هذين الجانبين يغدو العلم بالشعر مستحيلًا، وتداخل هذين الجانبين يعني أن جانب التعليم يمكن أن يصحح جانب الطبع، كما أن جانب الطبع يمكن أن يرشد خطى التعليم١. وقد كان القدماء يقرون بضرورة التعليم والتلمذة كسبيل إلى إتقان الصنعة الشعرية، فقد كان كثيرعَزَّة قد تتلمذ على جميل بثينة، وأخذه جميل عن هدبة بن خشرم، وهدبة عن بشر بن أبي خازم، وكان الحطيئة قد أخذ علم الشعر عن زهير، وأخذه زهير عن أوس بن حجر، وكذلك جميع الشعراء العرب المجيدين المشهورين، وقد علق على ذلك حازم القرطاجني وهو من كبار نقادنا القدامى، قال: "فإذا كان أهل ذلك الزمان قد
стр. 232
احتاجوا إلى التعليم الطويل فما ظنك بأهل الزمان، بل أي نسبة بين الفريقين في ذلك"٢.
وقد حدد بعض نقادنا القدامى كيفية نظم الشعر على النحو التالي:
"فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ الذي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه.... ثم يتأمل ما قد أداه إليه طبعه، ونتجته فكرته فيستقصي انتقاده ويرم ما وهى منه، ويبدل بكل لفظة مستكرهة لفظة سهلة لينة.
وهذا الفهم للشعر يخالف ما تواضع عليه المحدثون من أن القصيدة في جوهرها تجربة لغوية، فهي في أبسط تصور لها لا تعدو أن تكون مجموعة من الألفاظ مرتبطة ومنسقة على نحو معين، ولكنها حين تكونت على هذا النحو تكون قد اكتسبت شخصية خاصة لها حيويتها وفعاليتها، وهذا الارتباط الخاص للألفاظ هو الذي يشيد العلاقات الجديدة التي تتمثل في صور التعبير المختلفة التي تظهر دائمًا في الكتابة الشعرية، وأعني بصفة خاصة تكوين "الصورة" فالألفلاظ في ارتباطها تكون في القصيدة مجموعة من الصور التي تنقل الشعور أو الفكر.
وحتى تبدو عملية إبداع الشعر أكثر وضوحًا لا بد من التعرف على عناصر الإبداع هذه٢.
أولًا: التجربة الشعرية:
على الشاعر أن يتمثل تجربته الشعرية، وعليه أن يقف على إجرائها قبل أن
стр. 233
يشرع في الكتابة، والتجربة قد تكون ذات طابع نفسي أو اجتماعي أو إنساني، والبعد الفكري عنصر أساسي من عناصر التجربة الشعرية، ولكن للفكر طبيعة مختلفة في الشعر عن الحقائق الموضوعية المجردة؛ فالشعر يحول الحقائق الفكرية إلى حقائق نفسية، ولكن ينبغي أن لا يكون إبراز الفكرة هدفًا أساسيًا في الشعر، يقول ابن رشيق: "والفلسفة وجر الأخبار باب آخر غير الشعر فإن وقع فيه شيء منهما فبقدر، ولا يجب أن يجعلا نصب العين فيكونا متكئًا واستراحة؛ وإنما الشعر ما أطرب وهز النفوس، وحرك الطباع، فهذا هو باب الشعر الذي وضع له، وبني عليه، لا ما سواه"١، والصدق أساس في التجربة الشعرية، ولكن مفهوم الصدق هنا مختلف عما هو معروف خلقيًا، فالمقصود به صدق الشعور والإحساس بالموقف سواء عاناه الشاعر بنفسه أو لاحظه أو تخيله كما في قصيدة العمالقة للشاعر الرمزي "بودلير"، وقد يعبر الشعر عن الشوق إلى المثل العليا، فيكون غارقًا في واقع آسن منحرف، ثم يعبر عن حياة مثالية، فالشعر يعبر عن التطلع المثالي، وقد يكون موضوع الشعر قليل القيمة والأهمية، ومع ذلك يضفي عليه الشاعر من وجدانه وخياله ما يثريه ويبرز مذخوره الإنساني. ولابن الرومي أبيات رائعة في المشاهد العادية كوصفه للخباز مثلًا، وقد تأخذ التجربة الشعرية طابعًا جديًا وهزليًا، فإن ثمة فرقًا بين الجمال الطبيعي والجمال الفني، فقد يستخرج الشاعر مما قبح منظره من معان موحية بأجمل المشاعر فليس هناك موضوعات محددة للشعر، ولا بد أن تكون التجربة الشعورية استجابة لدوافع نفسية ووجدانية قوية، ولا يمكن الفصل بين التجارب الذاتية وإيحاءاتها الإنسانية، فقد ينفذ الشاعر من خلال المعاناة الذاتية إلى ما هو إنساني وواقعي، وقد تقوم التجربة على معاناة فكرة جوهرية ذات قيمة، ولكن الشاعر يقصر في صياغتها وإبرازها لتقوقعه داخل إطارها المجرد، كما نرى في كثير من أشعار العقاد، ويرى بعض علماء الجمال أن على
стр. 234
الشعراء أن يتزودوا بالاستسلام وقوة الروح كي يتقبلوا ويتحملوا اللحظات السامية.
والمطلوب من الشاعر أن يوجد في قصائده قدرًا من الوحدة العضوية "الفنية" ويمكن الوصول إلى ذلك بالتفكير في منهج القصيدة وفي الأثر الذي يراد إحداثه في سامعيه، وفي الأجزاء التي تتدرج في إحداث هذا الأثر بحيث تتمشى مع بنية القصيدة بوصفها وحدة حية، ثم في الأفكار والصور التي يشتمل عليها كل جزء بحيث تتحرك به القصيدة إلى الأمام لإحداث الأثر المقصود منها، فوحدة التجربة في أبعادها الوجدانية والعاطفية ووحدة الأثر يفضيان بالضرورة إلى وحدة القصيدة، وهذه الوحدة تقتضي ضربًا من التنامي الحيوي وليس التراكم الكمي، لذا ينبغي أن تنمو داخليًا لا أن تكون مجرد سمة خارجية أو رابطة شكلية.
ثانيًا: الصياغة والتشكيل:
اللغة الشعرية ذات خصائص متميزة، فهي تقوم على مبدأ المغايرة للنمط المعتاد في الكتابة النثرية، وكلما استطاع الشاعر الخروج على المألوف والمعتاد واستثمار خصائص اللغة بوصفها مادة التشكيل حقق التأثير المطلوب، فالجانب اللفظي هو لب العملية الإبداعية في الشعر؛ من هنا كان التفكير في عملية التشكيل والصيغة الميدان الحقيقي لعمل الشاعر، ويدخل في إطار ذلك الصورة التي يعبر عنه بعض النقاد بقولهم: إنها تشبه سلسلة من المرايا الموضوعة في زوايا مختلفة بحيث تعكس الموضوع، وهو يتطور في أوجه مختلفة، وهي لا تعكس الموضوع فقط بل تعطيه الحياة والنبض١.
والصورة في الشعر لا تقوم على علاقات عقلية برهانية، لأن؛ البرهان تقرير
стр. 235
وتصريح وليس إيحاء، والصورة المجردة تقوم على التوليدات العقلية الجافة غير أن هناك بعض أنماط من الصور ذات الطابع الاحتجاجي تشف عن منازع نفسية عميقة، ووظيفة الصورة في الشعر أنها تحول المشاعر والأحاسيس إلى مرئيات ومحسوسات، غير أنه لا يجوز التوقف عند مظاهر التشابه الشكلي الظاهري بين الأشياء، من هنا كانت الطرافة والمفارقة في الصورة أمرًا مستحبًا.
واستخدام الصورة في الشعر يستلزم وضعها في سياق الحركة الفنية والنفسية للتجربة الشعرية في القصيدة بحيث تسهم في تنمية هذه الحركة وتصاعدها، وحتى إذا كانت تعبر عن الانتقالات النفسية المفاجئة فإن هذه الانتقالات تتماشى مع السياق المتصاعد للقصيدة، لذا كان لا بد أن يكون هناك انسجام بين أجزاء القصيدة بحيث لا تبدو مضطربة أو متناقضة، وحينما تتعقد الصورة وتتكاثف، وتغمض - عند بعض الاتجاهات الحديثة - فإنها تكون موظفة في خدمة هذا التشكل المضطرد في اتجاه التطور والتسامي وفق ما يقولون.
ثمة خصيصة مهمة للصورة الشعرية وهي كلما كانت الصورة توحي وتنشر ظلالها النفسية؛ كانت أكثر وظيفية في الشعر من الصورة التي تقوم على الجانب الوصفي المحض، والعنصر القصصي مثلًا يوفر ظلالًا إيحائية، ويسهم في أحكام الوحدة الفنية ولا بد - حتى تتضح الصورة فيما يختص بالإبداع الشعري - من الإشارة إلى أن ثمة تيارين سادا في فهم نظرية الشعر، فهناك من يرى أن وظيفة الشعر هي إحداث أبلغ الأثر في نفس المتلقي، وكلما كان وقع هذا الأثر شديدًا كانت القصيدة ناجحة، ثم ما لبثت الحساسية الجمالية أن تغيرت في هذا العصر تبعًا لسنة الله في خلقه فاعتمد الشعراء لونًا جديدًا من ألوان البناء في القصيدة، والفرق بين البناء المألوف في القصيدة القديمة والقصيدة الحديثة أن الأولى تتكئ على تضاريس ثابتة لها نموذج مستقر بإطار مسبق، وهذ ما عمد بعض المحدثين إلى تسميته بالإطار المغلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان، أما
стр. 236
القصيدة الحديثة فهي مشرعة الأبواب أمام الاجتهادات التقنية والجمالية، فلكل قصيدة أسلوبها وطرائقها في التعبير، فهي أشبه بالمغامرة اللغوية كما يقول أصحاب هذا الاتجاه في بناء القصيدة.
ويرى بعض الباحثين أن الفرق بين الاتجاه القديم والاتجاه الحديث في بناء القصيدة يكمن في أن القصيدة القديمة ما إن تشرع في بنائها حتى تتضح لك معالمها الجمالية ونموذجها المتحقق في عدد من القصائد السابقة من حيث البحر والقافية والروي، بينما تشرع في بناء قصيدة من النمط الجديد فلا تتضح معالمها وإطارها وإنما تتشكل وفقًا للتجربة، وتستدعي نهجها الخاص حتى إذا اكتملت؛ برزت تضاريسه وتكاملت، فالقصيدة القديمة لها تصور مسبق جاهز، وأما الجديدة فتسعى إلى الكشف وارتياد المجهول والتغلغل المتصل في باطن الأشياء، ويتلخص هذا النهج فيما سمي بجماليات التوقع في القصيدة القديمة، أي: أنك تستطيع أن تتنبأ بما سيأتي في مراحلها المتعددة، أما جماليات الإدهاش في القصيدة الجديدة فتقوم على مبدأ المفاجأة، فليس ثمة ما يساعد على توقع مراحلها القادمة، فأنت دائم التنبه واليقظة لاستقبال ما هو مفاجئ ومدهش، لهذا كان التطور المتلاحق في المنجزات الفنية في القصيدة الجديدة خلال حقبة زمنية قصيرة فكانت المرحلة الأولى تتسم بالتهيج العاطفي "الميلودراما"، والمرحلة الثانية قفزت إلى آفاق أوسع تمثلت في "الدراما"، وتعدد١ الصوت داخل القصيدة الواحدة، ثم قفزت إلى مرحلة ثالثة في أعقاب نكسة حزيران، ودخلت في عتمة الغموض فانكفأ الشعراء على ذواتهم يستنبطون دواخلهم ويتقوقعون في أقبيتها الكابوسية، ثم انتهت إلى جماليات التجريد حيث كادت تتحول القصيدة إلى مجرد تشكيل فني مقصود لذاته يبرأ من المفاهيم وينشغل بالصنعة في ذاتها ولذاتها.
стр. 237
بين الإبداعي والوظيفي
فن كتابة المقالة
تعريف المقالة
اختلف الباحثون والكتاب في تعريف المقالة، فمنهم من يرى أنها عبارة عن مجموعة من الخواطر والتأملات لا تجري على نسق معين، وليس لها نظام خاص بل يمارس الكاتب حريته كاملة في الطريقة التي يصوغ فيها أفكاره وتأملاته، حيث يعرفها الدكتور جونسون أحد كتاب المقالة في أطوارها المبكرة بأنها نزوة عقلية لا ينبغي أن يكو لها ضابط من نظام، وهي قطعة لا تجري على نسق معلوم، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها١.
وهذا التعريف ربما يصدق على المقالة في بدايتها الأولى، ولكنه - في ذات الوقت - مؤشر مهم على طبيعة المقالة، ففي اشتقاقها اللغوي الأجنبي والعربي ما يوحي بمثل هذا المعنى، فالدلالات التي تشير إليها المفردات اللغوية المستخدمة للدلالة على المقالة تقترب بالمقالة من هذا المفهوم، إذ تعني في مجملها محاولة أو خبرة أو تطبيقًا مبدئيًا أو تجربة أولية؛ فهي وفقًا لذلك تُبقي الباب مفتوحًا أمام المصطلح ليومئ إلى أشكال متباينة وغير محددة من التعبير، وكذلك الكلمة في اللغة العربية فهي مصدر ميمي بمعنى القول، والقول قد يتشكل في أنماط متعددة وغير محددة.
لهذا نجد كاتبًا عربيًا متخصصًا في هذا الميدان يعرف المقالة بأنها "وثبة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام"٢ على غرار تعريف جونسون، على الرغم من مرور عشرات السنين على هذا التعريف.
стр. 238
ويقترب تعريف الدكتور محمد يوسف نجم من مضمون التعريف الذي أوردته الموسوعة البريطانية، ويبدو أكثر شمولًا حيث يقول:
"المقالة نص نثري محدود الطول يدور حول موضوع معين تظهر فيه شخصية الكاتب، وله مقومات فنية تتمثل في المقدمة والعرض والخاتمة، وشرطها الأساسي أن تكون صياغتها أدبية سلسة تستهوي القارئ"١.
وعلى العموم، فإن ثمة إجماعًا بين الباحثين على أن المقالة فيها شيء من العفوية وقلة التعمق أو الإحاطة والشمول والتنظيم، وخصوصًا ما اصطلح على تسميته بالمقال الصحفي، وإن كان البعض قد أصر على الشبه بين المقالة والبحث.
وقد دأب الباحثون على تقسيم المقالة إلى ذاتية وموضوعية، وهي في اعتقادنا عملية غير دقيقة لأنه؛ يفترض أن يكون في المقالة جانب ذاتي بارز، بل هو شرط أساسي؛ كذلك فإن التزام حدود موضوعية معينة يعتبر أصلًا في المقالة مهما كان نوعها؛ لهذا نفضل أن يكون التمييز بين أنواع المقالة قائمًا على أساس آخر، ووفقًا لهذا الأساس يمكن التعرف على طريقة كتابة المقالة، ونرى من الأسلم أن تقسم المقالة إلى نوعين أساسيين هما المقالة الصحفية والمقالة غير الصحفية "المقالة البحثية".
أولًا: المقالة الصحفية:
وهي عدة أقسام وفقًا للغرض والمنهج ووفقًا للموضوع.
أما التقسيم وفقًا للغرض والمنهج فيقضي بأن نميز بين:
أ- المقالة الافتتاحية.
стр. 239
ب- العمود الصحفي "الخاطرة".
ج- مقال الرأي.
والمقالة غير الصحفية هي تلك التي تتخذ طابعا بحثيا وتنشر في كتاب أو دوريات متخصصة، وهو نمط خاص يقترب من البحث.
أما المقالة الافتتاحية فيكون كاتبها ذا خط فكري واضح يلتزم بسياسة الجريدة، ويكتبه أصحاب الشأن من المحررين، وقد يكون مقصورا على رئيس التحرير، ويستعين بالوثائق والأرشيف ويلتمس الفكرة المثيرة والحقائق والشواهد المؤكدة للفكرة ويلتزم بالخصائص التالية:
١- الحذر والتحفظ في إبداء الرأي والعمل على بلورته بحيطة ودقة.
٢- العمل على إقناع القارئ وتشويقه إلى متابعة القراءة.
٣- التماس الموضوعات الطازجة والمسايرة للحدث.
٤- النزوع إلى الاستمالة والتوجيه ومخاطبة الرأي العام.
ولابد أن يكون كاتب المقال الافتتاحي يقظا شديد الحساسية ملما ذا ذاكرة قوية، قادرة على الربط بين الأحداث والمواقف.
أما العمود الصحفي أو الخاطرة فيلتقط كاتبه فكرة أو واقعة، أو ظاهرة يتحدث فيها من وجهة نظره الخاصة انتقادا أو استحسانا أو تحليلا بسيطا، وفي الغالب يكون العنوان ثابتا والكتابة دورية أسبوعية أو يومية، وغالبا ما يتسم أسلوب كاتب العمود الصحفي بخصوصية متميزة، وبإيجاز غير مخل، وربما تكمن خصوصية الأسلوب في السخرية أو في خفة العبارة ورشاقتها.
وهناك من يرى أن أهم عناصر الخاطرة أو العمود الصحفي: الفكرة الجوهرية أو الواقعة ثم الشواهد ثم النتيجة، وهذا ليس أمرا مفروضا بالضرورة.
стр. 240
أما النوع الثالث من المقالة الصحفية فهو مقالة الرأي، التي تقترب من المقالة الافتتاحية، ولكنها لا تعبر بالضرورة عن رأي الجريدة أو المجلة، وخطها الثابت، كما أنها ليست كالمقالة الافتتاحية مقصورة على جوانب سياسية، أو اجتماعية مثار الاهتمام من قبل الرأي العام بل تتناول موضوعات مختلفة، يبدي كاتبها رأيه مدعمًا بالأدلة وفق تسلسل مدروس يفضي إلى نتيجة، وقد يكون تحليلًا مستفيضًا لموقف أو دراسة مستقصية لظاهرة.
وفيما يتعلق بالتقسيم الموضوعي فإن طريقة المعالجة هي التي تحدد المجال التصنيفي، فالموضوع في حد ذاته قد يتناوله كاتب صحفي أو باحث متخصص.
ما المقصود بالتحقيق الصحفي؟
التحقيق يتناول ظاهرة معينة من جوانب متعددة ووجهات نظر مختلفة أو متباينة، ويتم بأساليب متعددة منها:
أولًا: عرض الآراء المختلفة للمختصين أو المهتمين بالظاهرة، أو شهود الواقعة وأطرافها وفقًا لطبيعة الموضوع مع التعقيب أو التحليل والاستنتاج، وأسلوب العرض الموسع المستقصي هو أنسب الأساليب لهذ النمط من التحقيقات.
ثانيًا: رواية الحدث من زاوية المتابعة الشخصية مع الرصد الدقيق، ومحاولة النفاذ إلى الخبايا والأسرار، وأسلوب السرد والقصة هو أكثر الأساليب ملاءمة لمثل هذا النوع من التحقيقات، ويعتمد على ذكاء الكاتب وفطنته وإلمامه بالتفاصيل وبنائه للحدث من خلال الجزئيات المتعددة تبعًا لدرجة الإثارة والتشويق فيها.
ثالثًا: الاعتماد على الوصف والاستقراء للواقعة أو المشهد، وهذا يناسب استطلاع المشاهد والمواقع والأماكن الأثرية، ويعتمد على موهبة الكاتب في استنطاق التضاريس المكانية أو المشهدية، وتشكيل صورة وصفية حية لها.
стр. 241
رابعًا: أسلوب الاعتراف، ومن خلاله تتبدى حنكة الكاتب في التمهيد لاستدراج الشخص أو المسئول والحصول منه على اعترافات كاملة، ويناسب هذا الأسلوب التحقيقات التي تجرى داخل السجون ومع المتهمين والمعتقلين، ومع المسئولين عن المراكز الحساسة والمؤثرة أحيانًا الذين يكشف النقاب عن تورطهم في أخطاء أو فضائح وما إلى ذلك، ويعتمد على قدرة الكاتب في نقل هذه الاعترافات وصياغتها صياغة دقيقة ومؤثرة ومشوقة.
خامسًا: المقابلة أو الحوار الصحفي، ويفترض في الكاتب أن يعد أسئلته بعناية فائقة وفقًا لخلفية متمكنة، تلم بمعلومات وافية عن الشخصية المراد إعداد الحوار معها، وقراءة ما كتب عنها وما كتبته من مؤلفات وما اضطلعت به من أعمال، وما اشتهرت به من مواقف، ويفترض أن يكون الكاتب قادرًا على اشتقاق أسئلة جديدة من الإجابات، وإثارة الشخصية لدفعها إلى الإفضاء بما لديه من أفكار ومعلومات.
وعند إعداد الحوار لا بد من حسن اختيار العنوان الذي من شأنه أن يجذب اهتمام القارئ وإبراز المعلومات الجديدة التي يطرحها التحقيق بشيء من العناية والتركيز، مع إثبات الأدلة والشواهد والمصادر بموضوعية، وإثارة غريزة حب الاستطلاع لدى القارئ لمتابعة قراءة التحقيق.
خطوات كتابة التحقيق:
لا تختلف خطوات التحقيق كثيرًا عن خطوات كتابة المقالة بشكل عام، ولكن صاحبها يتميز بشيء من يقظة الحاسة الصحفية، ويعتمد على جمع الحقائق اللازمة بدلًا من جمع المعلومات النظرية؛ لأن الحقائق في التحقيق الصحفي تختلف نوعيًا عن المعلومات في المقالة، فمصادرها متعددة، وتحتاج إلى سعي دؤوب يتخطى المراجع والكتب.
стр. 242
وإعداد خطة التحقيق يختلف أيضًا عن الإعداد المعروف للكتابة إذ تتنوع أشكال الخطة، فهناك وجهات نظر، وهناك ملاحظات مختلفة المصادر، وهناك استفتاء وأحاديث تُجرى، ورصد خاص، وما إلى ذلك، وكل هذا الخليط لا بد أن يرتب وفقًا لمحاور معينة تأخذ بعين الاعتبار العديد من المبادئ المهنية للصحافة، إذ لا بد أن يخدم التحقيق أهداف معينة تتعلق بالصحيفة وبالفكرة التي يهدف إلى جلائها التحقيق، وما إلى ذلك.
كيف تكتب المقال؟
أولًا-اختيار موضوع المقال: يخضع اختيار الموضوع لأسس متعددة منها ما يتصل بالكاتب ومنها ما ليس له دخل فيه؛ فالظروف هي التي تملي هذه الأسس، فإذا كان الكاتب صحفيًا فهو مضطر إلى اختيار موضع يتناسب مع الظرف الراهن ما يتمشى واهتمامات القراء وسياسة الصحيفة التي يكتب فيها، وأما إذا كان الكاتب حرًا في اختيار موضوعه فحالته العقلية والنفسية وتوجهه الفكري يفرض عليه هذا الاختيار، وقد يكون كاتب المقال مكلفًا بكتابة مقال محدد له علاقة بالمادة العملية التي يدرسها، أو في إطار ما يسمى بالنشاط اللاصفي، من هنا كانت عملية التحكم في اختيار الموضوع تخضع لظروف خاصة.
ثانيًا- تحديد الهدف من المقال: وهذا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالظروف التي أملت على الكاتب اختيار موضوعه، وتحديد الهدف يدفع إلى اختيار المنهج الملائم لكتابة المقال، فقد يكون الهدف توضيح مقولة ما، أو تزويد القارئ بمعلومات معينة حول مكان أو فكرة أو مسألة خلافية، أو كشفًا عن حقيقة غائبة.
ثالثًا- اختيار العنوان أمر بالغ الأهمية؛ لأنه يوجه مسار الكتابة، وكلما كان العنوان دقيقًا دالًا كان المقال واضح المعالم، وأفكاره مرتبة منتظمة، أو إذا
стр. 243
كان العنوان عامًا عائمًا؛ فإن الكتابة تسير في منعطفات لا تفضي إلا إلى مزيد من الاضطراب والتخبط.
رابعًا- التصور النظري: ويعني ذلك رسم المعالم الرئيسية وترتيبها في الذهن قبل المباشرة في الكتابة وفق خطة مدروسة تساعد الكاتب على تكثيف جهده وتركيزه في طرح منظم ومؤثر.
خامسًا-خطوات التنفيذ: تقسيم الخطة إلى مقدمة تهيِّئ الأذهان، وتكون موجزة مركزة وتشكل مدخلًا له صلة وثيقة بموضوع المقالة، وإلى عرض في عدة فقرات، كل فقرة تتناول فكرة معينة، وتكون الأفكار متسلسلة ومترابطة بحيث يستدل عليها بالأدلة النقلية والعقلية المناسبة، على أن يغلفها الكاتب بانطباعاته الشخصية ووجهة نظره الخاصة، وتفضي في نهاية المطاف إلى الخاتمة.
وقد أوردنا في نهاية هذا البحث نماذج تطبيقية يمكن الرجوع إليها.
مناهج كتابة المقالة١:
أولًا: المنهج التحليلي ... ويقوم على تناول قضية من القضايا أو موضوع من الموضوعات بالدراسة من خلال النظر في عناصره المختلفة بعد فرزها واكتشاف ما بينها من علائق، وفحصها فحصًا دقيقًا تمهيدًا لفهمها أو الحكم عليها وتقييمها، وغالبًا ما يكون في معالجة النظريات والمذاهب الفكرية والنصوص والقضايا الاجتماعية والصفة التحليلية منهجًا وليس موضوعًا.
خطوات الكتابة وفقًا لهذا المنهج:
١- الإلمام بالنظرية أو المذهب أو النص أو القضية وجمع المعلومات الكافية عنها.
стр. 244
٢- تصنيف المعلومات وترتيبها.
٣- اكتشاف عناصر الموضوع وتدوينها تمهيدًا لدراستها.
٤- مباشرة الكتابة على النحو التالي:
أ- المقدمة حيث يتحدد الهدف من خلالها.
ب- العرض: تناول فيه كاتب المقال عناصر الموضوع عنصرًا عنصرًا لتسليط الضوء عليه وبيان صلته بالعناصر الأخرى، وبيان وجهة النظر حوله مدعمة بالأدلة والبراهين.
ج- استخلاص الموقف العام من الموضوع في نهاية المقالة.
стр. 245
نموذج تطبيقي الفلسفة الوجودية
الطريقة والمنهج:
١- دراسة النظرية من مصادرها عند أشهر الفلاسفة الذين نادوا بها مثل سارتر وكامي وكير كيجارد.
٢- من خلال الدراسة والتأمل نستكشف تضاريس المذهب عل النحو التالي:
أ- الوجودية تعني قيمة الوجود الفردي، وتؤكد أولوية الوجود على الماهية.
ب- الإنسان مجموعة من المتناقضات، والوجوديون يقفون ضد أي محاولة لالتماس مبدأ كلي تندرج تحته الأفعال الأخلاقية.
ج- للسيطرة على هذا التناقض لا بد من استجماعه في وحدة شاملة تمضي به إلى اتجاه متناسق.
د- تختلف السبل عند الوجوديين في تحقيق هذه السيطرة.
هـ- الزعم بوجود ضربين من الوجودية: وجودية عميقة التدين، ووجودية ملحدة.
стр. 246
الكتابة:
في المقدمة نحدد الهدف من تحليل الفلسفة الوجودية على النحو التالي:
غاية هذه المقالة توعية القراء بحقيقة النظرة الخاطئة إلى الكون والوجود، وتبصير الطليعة المثقفة من الشباب بأهم الاتجاهات التي سادت الفكر الأوروبي الغربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية نتيجة لخيبة الأمل الصاعقة التي أصابت المجتمعات الأوروبية في المبادئ الليبرالية.
إن انتقال هذه الاتجاهات إلى المجتمعات العربية والإسلامية قد أحدث شروخًا عميقة في نفوس الشباب، وأحدث نوعًا من البلبلة الفكرية خصوصًا في حقبة الستينيات، وانعكس أثرها عميقًا في الأعمال الإبداعية سواء كانت شعرًا أو نثرًا.
العرض:
ونتناول فيه العناصر التي تم فرزها "بعد التعرف عليها" في الفلسفة الوجودية.
الفقرة الأولى: "العنصر الأول":
تؤكد الوجودية قيمة الوجود الفردي، وهذه القيمة تعترف بها الأديان جميعًا، غير أن الوجوديين ينفون وجود جوهر كلي ينظم هذا الوجود، فلا يقرون إلا بالحسي والعياني، في حين أن الجوهر أساس هذا التحقق العياني، فإن الإنسانية كفكرة جوهرية تبرز النظرة الشاملة التي تتخطى الجزئيات وتتجاوز العياني المحدود للأشخاص، وتنتظم في تصور متكامل يفضي إلى استخلاص المبادئ والقيم التي ترتكز عليها الحياة الإنسانية، وإذا كانت الأديان السماوية ودينًا الإسلامي على وجه الخصوص يقر بوجود مظاهر الضعف والخلل في البشر كآحاد، لهم وجودهم المتعين فإنه يكشف عن الجوهر الإنساني الخير ويبرز
стр. 247
القيم والمثل التي من شأنها إصلاح حال الإنسان والارتقاء به وضمان حريته وكرامته، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ .
الفقرة الثانية: "العنصر الثاني":
أما فيما يتعلق بالنظر إلى الإنسان كمجموعة من المتناقضات وإنكار مبدأ كلي تندرج تحته الأفعال الأخلاقية فإن ذلك ينتهي بالوجودية إلى رصيف العبث والتشاؤم والسوداوية التي سادت إنتاج الأدباء الوجوديين من أمثال سارتر وكامي، والحقيقة أن المبادئ الأخلاقية الكلية لا يمكن إنكارها بدليل أنها كانت قوام وجود المجتمعات عبر التاريخ، وأن نضال الإنسان المستمر من أجل إرسائها أعطى لوجوده معنى، وقد أثمر هذه المنجزات الرائعة في الحياة وفي الفلسفة والفكر على حد سواء، ومن شأن شيوع هذه الأفكار العبثية أن تبذر بذور الفساد والعدمية وتفقد الحياة معناها.
الفقرة الثالثة "العنصر الثالث":
السيطرة على التناقض من وجهة نظر سارتر تكون بإطلاق العنان للحرية الفردية بلا ضابط وفقًا لمبدأ الحرية والمسئولية، وهذه الحرية تتمثل في إشباع الرغبات والشهوات دون مبالاة بشيء، وهذا الأمر يقود بالضرورة إلى تفجير التناقضات وتدمير الإنسان، وتحلله من أي انتماء، ولا يسهم ذلك في إعادة التوازن بل يؤدي إلى الانهيار المأساوي؛ لأن التكامل الذي يتم بالتوافق بين عنصري المادة والروح يختل تحت وطأة الرغبات الحسية ويجمح بالإنسان إلى الهلاك.
الفقرة الرابعة "العنصر الرابع":
وإذا كان سارتر يمثل توجهًا معينًا في إطار الفلسفة الوجودية فإن كامي يمثل الطرف الآخر النقيض، فوجود الفرد عنده يتحقق بمواجهة المخاوف والأخطار
стр. 248
وإبراز الطاقة الكامنة عند الإنسان بمعاناة أقصى درجات القلق والخوف، ويذهب آخرون إلى أن إمكانية تحقق الذات عند الإنسان يمكن أن تتم بمزيد من التعلق بالله ، والتأمل في الكون والوجود.
وهكذا يمكن السير في معالجة لهذا الموضوع وفقا للنهج التحليلي في كتابة المقال وصولا إلى الخاتمة.
الخاتمة:
استخلاص الموقف العام
مما سبق يتضح لنا أن الوجودية ليست فلسفة شاملة أو نظرية متكاملة بل هي نزعات متباينة لا ينتظمها إطار كلي، تتشظى في مواقف جزئية متعددة، وأنها جاءت كردة فعل لما ساد الحياة الغربية من انهيار في القيم والمثل، وهي إحدى مظاهر الهزيمة الشاملة التي حاقت بالتطلعات والأماني المرجوه بعد سقوط ملايين البشر في حرب عبثية، وتناحر دموي على موارد الثروة ومناطق النفوذ؛ من هنا كان ينبغي أن يتنبه شبابنا لما في هذه الفلسفات من خطورة تهدد حياتهم ووجودهم.
المنهج البياني:
يدخل في إطار هذ المنهج كل مقال يعمد كاتبه إلى إيراد المعلومات في شكل مترابط يفضي إلى صورة واضحة عن أي موضوع من الموضوعات، ويدخل في إطار هذا المنهج الأسلوب القائم على التوضيح والعرض أو الوصف والقص، ومثال ذلك المقال التالي:
"القرآن الكريم ومناهج التفسير".
فيما يتعلق بالاستعداد للكتابة في هذا الموضوع نعمد إلى اتباع الخطوات السابقة الذكر:
стр. 249
أولًا: المقدمة تشير إلى أهمية هذا الموضوع وضرورة الإحاطة به:
إن المعارف المتعلقة بالقرآن الكريم تعين على فهم كتاب الله ، والحذر مطلوب من المسلم في تلقيه لكل ما كتب حوله من تفسير أو بيان حتى ينشأ سليم العقيدة نقي الفكرة، من هنا كان لا بد من تناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل.
العرض: ويقوم على التركيب بإثبات المعلومات مترابطة متسلسلة حتى تتكامل الصورة.
الفقرة الأولى:
نزل القرآن على رسول الله ﷺ منجمًا في نحو عشرين سنة، وقد جمع عهد أبي بكر الصديق "﵁" من الصحف والألواح وصدور الحفاظ، تم تدوينه وجمعه في مصحف واحد في عهد عثمان بن عفان "﵁" وكان صحابة رسول الله " ﷺ " يتحرجون في تفسيره، ولم يكونوا على مستوى واحد من الفهم، ذلك أن في القرآن الكريم آيات محكمات وأخر متشابهات، والمتشابهات لا يفهمها إلا من أوتي قدرا من العلم.
الفقرة الثانية:
هناك مناهج متعددة في تفسير القرآن ظهرت في القرنين الأول والثاني للهجرة، منها: التفسير بالنقل، أي: بما ورد عن رسول الله ﷺ ، وصحابته الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين وتابعيهم من الصفوة الثقات؛ فقد روت كتب الصحاح طائفة لا بأس بها من هذه الروايات عن علي وابن مسعود وابن عباس "﵃" وعن مجاهد وابن جريج ووهب بن منبه، وقد تحرج العديد من الصحابة والتابعين فلم يدلوا بدلوهم في هذا المجال، وخصوصًا سعيد بن المسيب.
стр. 250
الفقرة الثالثة:
وأما التفسير بالاجتهاد فقد أخذ أصحابه بأسباب العالم فوثَّقوا معارفهم اللغوية وألموا بأسباب التنزيل وتحروا الفهم الدقيق واستعانوا بما كانوا يحفظونه من شواهد اللغة والتمسوا طرائق العلم الصحيح واستعانوا بالثقات من الصحابة والتابعين فجاءت جهودهم في هذا المجال مثيرة للإعجاب، دالة على قرائح خصبة، وذوق لغوي متميز.
الفقرة الرابعة:
أما المتأخرون فقد استحدثوا مناهج جديدة في تفسير القرآن الكريم إلى جانب ما سبق ذكره كتفسير القرآن بالقرآن، وإلا بعضهم فاستحدث ما يسمى التفسير العلمي في عصرنا كتفسير طنطاوي جوهري، والتمس البعض الآخر سبل البيان وأوغل في التخريج والتأويل.
وهكذا يمكن أن يسير كاتب المقال على هذا النحو فيضيف المزيد من المعلومات حتى يصل إلى الخاتمة التي يستخلص منها صورة واضحة لذلك كله على النحو التالي:
الخاتمة:
مما سلف يتبين لنا أن الدراسات حول القرآن الكريم نمت وازدهرت في مختلف العصور الإسلامية فكانت حصيلة ذلك ثروة هائلة في هذا المجال، ولكنها تحتاج إلى تمحيص وتحقيق وتوثيق، فلا يؤخذ منها إلا ما برئ من الدس والتزييف، وما خلا من التعارض والتناقض والمطاعن.