ثالثًا: البعد -ما أمكن- عن الإكثار من أدوات الربط، وإذا كان لا بد منها فمن الضروري أن تكون في موضعها الصحيح، وأن تتوفر فيها دقة المعنى.
رابعًا: البعد عن الأنساق العامية في بناء الجملة، كالتراكيب المألوفة في لهجة الحديث اليومي مثل: الجمل المبتورة أو المترهلة، أو الناقصة فكثيرًا ما يحدد الموقف طبيعة الكلام الشفاهي، ويؤثر على طريقة الصياغة، فالنقص تكمله الإشارات أو قسمات الوجه وانفعالاته.
خامسًا: أن تتوفر فيها شروط الفصاحة التي أسهبت في الحديث عنها الكتب القديمة، وقد عقد ابن سنان الخفاجي١ لها فصلين كاملين استغرقا نحوًا من مائتي صفحة وقسمها إلى ما ينبغي أن يتوفر في اللفظة الواحدة، وما ينبغي أن يتوفر في التراكيب. وأهم الشروط التي أشار إلى وجوب توفرها في التراكيب: اجتناب تكرار الحروف المتقاربة في تأليف الكلام، وحسن التأليف في السمع بترادف الكلمات المختارة وتواترها، وهذا الشرط مرهون بذوق العصر الذي ألف فيه الكتاب، فلم يعد الترادف هدفًا في حد ذاته فيما يختص بالكتابة المعاصرة، ثم وضع الألفاظ مواضعها حقيقة أو مجازًا لاينكره الاستعمال ولا يبعد فهمه، فلا يكون هناك تقديم أو تأخير يفسد المعنى ويصرفه عن وجهه وإلا تقع الكلمة حشوًا، وهذا يتفق مع المزاج العصري في الإبداع حيث ينكر على الكاتب الترهل في لغته، وألا يكون الكلام شديد المداخلة يركب بعضه بعضًا -على حد تعبير ابن سنان الخفاجي- وهذه هي المعاظلة التي أشار إليه عمر بن الخطاب ﵁ حين وصف زهير بن أبي سلمى بتجنبها فقال: "كان لا يعاظل بين الكلام" ومن المعاظلة قول أوس بن حجر:
وذات هدم عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا
стр. 72
والهدم: الثوب البالي، والنواشر: عروق باطن الذراع، والجدع سيء الغذاء وقد سمى الشاعر الصبي تولبًا، والتولب ولد الحمار وهذا من قبيل المداخلة وهناك غلط آخر أكثر وضوحًا، حث تتشبث الألفاظ بعضها ببعض، كما في قول أبي تمام:
خان الصفاء أخُ خان الزمان أخًا ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد
لم يتخون: لم ينقص
فالكلمة تدخل في تركيب متواتر مع كلمات أخرى تجانسها وتشابهها خان وخان ويتخون وأخ وأخا. والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومن شروط الفصاحة أيضًا البعد عن الاستطراد غير المبرر، وعدم استخدام ألفاظ المتكلمين والنحو بين العلماء في الشعر والرسائل والخطب، ومن ذلك المناسبة بين الألفاظ في الصياغة كقول المتنبي:
وقد صارت الأجفان قرحًا من البكا ... وصار بهارًا في الخدود الشقائق
وحين اعترض عليه أبو الفتح ابن جني العالم الغوي الشهير واقترح استبدال كلمة "قرحى" بـ "قرحا" رد عليه المتنبي: إنما قلت قرحًا لأني قلت بهارًا "والبهار زهر أصفر". فهذا مثال على المناسبة من طريق الصياغة فقرحًا تشاكل بهارًا في حين "قرحى" لا تشاكلها وقد أضاف ابن سنان إلى ذلك ضرورة الوضوح واستشهد بقول بشر بن المعتمر في وصيته المشهورة للكاتب: إياك والتوعر في الكلام فإنه يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويمنعك مراميك١، وقد أضاف ضياء الدين ابن الأثير إلى ذلك التعقيد اللفظي والمعنوي وهو متضمن في حديثه عن الغموض٢.
стр. 73
الفقرة
تعريف الفقرة:
مجموعة من الجمل المترابطة تدور حول فكرة واحدة وتعالجها تفصيلًا وتطويرًا والأصل اللغوي يفيد شيئًا من هذا المعنى، فالفِقْرَة بكسر الفاء عبارة عن حِلية مصاغة على شكل فقرة من فقرت الظهر١، وكما هو مَعْرُوفٌ فَإِنَّ كل فقرة ترتبط مع غيرها من الفقرات لتؤدي معًا وظائفها المنوطة بها، وتتفاوت الفقرات في الطول وفقًا للفكرة المطروحة لكن من المستحسن أن تتناسق فقرات النص من حيث الطول "تفصيلًا أو إجمالًا".
الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الفقرة الجيدة:
أولًا: تناسق الفقرة وانسجامها مع الفكرة التي تعالجها والانضباط داخل سياق محدد خالٍ من الاستطراد والتشعب الذي يفضي إلى التشتت والفوضى والتشويش، لذا ينبغي أن تكون كل جملة داخل الفقرة موظفة لخدمة الفكرة الأساسية، وأي جملة زائدة لا تخدم الهدف تهدد وحدة الفقر وتخرج بها عن محورها الأصلي.
ثانيًا: أن يكون الهدف من توالي الجمل داخل الفقرة تطوير الفكرة وتنميتها وبلورتها، وليست مجرد تراكم إنشائي أو تداعيات لغوية تؤدي إلى تَرَهُّل الفقرة ومن ثم هلهلتها فكثيرًا ما تكون الجمل داخل الفقرة مجرد إضافات كمية لا تطور الفكرة فتصبح مملة وغير مستساغة.
стр. 74
ثالثًا: الترابط العضوي داخل الفقرة على مستوى الصياغة اللغوية كمقابل للترابط المعنوي، لأن هذين الشكلين من أشكال الترابط متعاضدان، لا يتم أحدهما إلا بالآخر، ويتوفر هذا النوع من الترابط بواسطة أدوات الربط اللفظية والمعنوية على النحو الذي أشرنا إليه.
رابعًا: الانتظام الحركي داخل الفقرة بشكل منطقي وطبيعي، مما يوفر نوعًا من السلامة والانسيابية داخل الفقرة، وبذلك بتنظيم الانتقالات الزمانية والمكانية والمعنوية. فعلى المستوى الزماني لا بد من تصور مسبق لسياقه، وتتبدى هذه القضية على نحو شديد الوضوح عند التعرض لكتابة القصة، فليس من الضروري أن تكون النقلات وفقًا للتسلسل الزمني، ولكن وفقًا لتصور الكاتب لرؤيته، أما في الكتابة الإجرائية والموضوعية فلا بد من التسلسل وتنظيمه والسيطرة عليه، وقس على ذلك أيضًا -الترتيب المكاني- وخصوصًا ما يتعلق بالوصف، فإذا كان هذا الوصف في إطار تصور إبداعي معتمد على اختيار الموصوف لتأدية غرض معين فلا قيد عليه على أن يتم ضمن تصور معين، أما إذا كان ضمن موضوع إجرائي، فينبغي المحافظة على التسلسل والترتيب في الانتقال من جزئية إلى أخرى.
وفي الكتابة الموضوعة ينبغي مراعاة الانتقال من الخاص إلى العام أو من العام إلى الخاص وفقًا للمنهج الذي يرتضيه الكاتب، فإذا كان المنهج استقرائيًّا يبدأ الكاتب بالخاص متمثلًا بالتتبع للتفصيلات الجزئية وصولًا إلى النتيجة العامة، أما إذا كان المنهج استدلاليًّا بمعنى أنه يعتد على إقرار القاعدة -أولًا- ثم سرد الشواهد والأدلة، فإن الانتقال يكون من العام إلى الخاص.
ويدخل في هذا الإطار الانتقال من السؤال إلى الجواب، أو من الفرض إلى السؤال ثم إلى الجواب، فقد يطرح الكاتب سؤالًا لإثارة ذهن القارئ ثم يشرع في الإجابة على السؤال، وقد يكون الغرض سابقًا على السؤال إذ يفترض
стр. 75
الكاتب عدة فروض ثم يثير مجموعة من الأسئلة تكون الإجابة عليها بالموازنة بين هذه الفروض، فتكون حركة الفقرة دائرية محكمة، وكل ذلك يكون في الكتابة الإجرائية عادة.
خامسًا: خلو الفقرة من التكرار اللفظي والمعنوي، وقد سبق أن أومأنا إلى ضرورة أن تكون الفقرة محددة، ومتناسقة، والتحديد والتناسق لا يتمان إلا بانتفاء التكرار من الفقرة، لأن التكرار يخل بتوازن الفقرة ويقود إلى الركاكة والضعف، ونستثني من ذلك التكرار البلاغي الذي يخدم غرضًا معينًا.
سادسًا: تنظيم حركة الضمائر وفقًا للسياق النحوي والمعنوي بحيث يكون الاقتصاد في ذكر الضمائر من الأمور التي تؤخذ بعين الاعتبار، كما أن الانتقال من ضمير إلى آخر ينبغي أن يتم من خلال تصور يخدم الغرض من الفقرة.
стр. 76
بناء الفقرة
تتكون الفقرة من عدة جمل، وهذه الجمل تتفاوت في أهميتها وقدرتها على الإفضاء بالمعنى المحوري في الفقرة، ولهذا رأى بعض الباحثين أن الفقرة تتكون عادة من جملة رئيسية تؤازرها عدة جمل: بعضها أولي يتلوها في الأهمية، والبعض الآخر ثانوي يفصل ما جاء فيها ويوضحه١، ومن أمثلة ذلك قولنا:
الخلق عماد الرجولة وهو أنواع متعددة: عملي يتبدى في السلوك والأفعال ونظري قارٌّ في النفس، وهو مناط التقويم، فإذا كان سيئًا يدل على خِسَّةٍ في الطبع وحقارة في التعامل كان صاحبه مجردًا من صفات الرجولة، أما إذاكان دمثًا يدل على النخوة والشهامة اعتبر صاحبه ممن اكتملت فيهم عناصر الرجولة.
الجملة الرئيسية في الفقرة هي: الخلق عماد الرجولة:
الجملة الداعمة الأولية الأولى: وهو أنواع متعددة، وما بعدها يعتبر من الجمل الداعمة الثانوية.
الجملة الداعمة الأولية الثانية: وهي مناط التقويم، وما بعدها جمل داعمة ثانوية.
وهكذا فإن هذه الفقرة القصيرة تحتوي على جملة رئيسة هي محور الفكرة التي تدول حولها الفقرة بكاملها، وجملتين داعمتين أوليتين يتفرع إليهما المعنى الرئيسي، وجمل أخرى ثانوية تفصل هذه المعاني وتوضحها.
وقد تكون الجملة الرئيسية في أول الفقرة، أو وسطها وفقا للنسق الفكري "المعنوي في الفقرة"وقد تتعدد الجمل الداعمة الأولية، والجمل الداعمة الثانوية حسبما يقتضيه الموقف.
стр. 77
الأسلوب
الأسلوب في أبسط تعريف له هو المنحى الخاص الذي ينتهجه الكاتب في التعبير عما يريد الإفصاح عنه، ولا يصبح الكاتب أديبًا إلا إذا كان له أسلوبه الخاص، ولكي نلقي مزيدًا من الضوء على معنى الأسلوب لا بد من استعراض مختلف الاتجاهات في تعريفه:
يرى فريق من العلماء أن الأسلوب اختيار يقوم به المنشيء لسمات لغوية معينة بغرض التعبير عن موقف، ومجموعة الاختيارات الخاصة بالكاتب هي التي تشكل أسلوبه الذي يمتاز به عن غيره من المنشئين، وليس المقصود بالاختيار هنا الاختيار النفعي الذي يدفع بكاتب معين إلى انتقاء كلمات معينة بهدف الوصول إلى غرض خاص، وإنما المقصود بالاختيار هنا الاختيار النحوي الذي يتعلق بقواعد اللغة بمفهومها الشامل صوتيًّا وصرفيًّا ودلاليًّا ونظميًّا، فالأسلوب خاصة لغوية فردية تمثل نمطًا شخصيًّا من أنماط التشكيل اللغوي كما يقول بعض النقاد١.
ويرى فريق آخر أن الأسلوب قوة ضاغطة تتسلط على حساسية القارئ بواسطة إبراز بعض عناصر الكلام، وحمل القارئ على الانتباه إليها٢.
ويرى فريق ثالث أن الأسلوب هو الاستعمال الأدبي الخاص للغة٣.
وقد عمد بعض المؤلفين من البلاغيين والنقاد العرب القدامى إلى تعريف الأسلوب فكانت لهم نظراتهم العميقة الصائبة في هذا المجال.
стр. 78
يعرِّف ابن خلدون الأسلوب بأنه "صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص، تلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصها فيه رصًّا كما يفعل في القالب أو النساج في المنوال".
أما حازم القرطاجني -وهو من أبرز البلاغيين والنقاد العرب القدامى- فيرى أن الأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية.
ويرى سيد قطب ﵀ أن الصورة اللفظية الموحية المثيرة للانفعال الوجداني في نفوس الآخرين هي قوام العمل الأدبي، ويعني بالصورة اللفظية الأسلوب الذي يميز العمل الأدبي ويتحدث عما يسميه القيم الشعورية والقيم التعبيرية، وهو ما يقابل التأليفات المعنوية والتأليفات اللفظية عند القرطاجني١.
ولعل من المفيد أن نتتبع الجذر اللغوي لمعنى الأسلوب، حيث يقول ابن منظور في "لسان العرب": يقال للسطر من التخيل، وكل طريق ممتد فهو أسلوب، فالأسلوب الطريق والوجه والمذهب، يقال أنتم في أسلوب سوء ... والأسلوب الطريق تأخذ منه، والأسلوب الفنن يقال أخذ فلان في أساليب من القول، أي في أفانين منه٢.
أما في اللغات الأوروبية فقد اشتقت كلمة أسلوب من الأصل اللاتيني "Stillus" وهويعني "ريشة" ثم انتقل عن طريق المجاز إلى مدلولات تتعلق بالكتابة فدل على المخطوطات، ثم أصبح يشير إلى صفات اللغة المستعملة من
стр. 79
قبل الخطباء والبلغاء، وأخذت كلمة "Style" التي هي بمعنى أسلوب تنصرف إلى الخواص البلاغية المتعلقة بالكلام المنطوق، وتشير إلى بعض الخواص الكلامية١.
وقد أوجز علماء الأسلوب وهو "جيراد", المقصود بالأسلوب فقال: الأسلوب هو مظهر القول الذي ينجم عن اختيار وسائل التعبير، هذه الوسائل التي تحددها طبيعة ومقاصد الشخص المتكلم أو الكاتب.
وقد شحه في خمسة حدود وهي:
١- أ- حدود التعبير، فالتعريفات المتعلقة بالأسلوب تتنوع لتشمل فن الكتابة بالمعنى التقليدي.
ب- طبيعة الكاتب، أي الاختيار المعنوي اللاشعوري الذي يعبر عن مزاج الكاتب وتجربته.
ج- الموقف الإنساني الكلي ورؤية العالم متجاوزة بذلك الصيغ اللغوية.
د- وسائل التعبير بما في ذلك الأبنية النحوية والصوتية والصرفية والمعجمية والتركيبية، وإجراءات التركيب من شعورية وقصصية ومسرحية ووصف وما إلى ذلك، والفكر بشكل شامل من موضوعات ورؤى ومواقف فلسلفية من العالم.
٢- طبيعة التعبير كالقيم العقلية والتعبيرية والانطباعية.
٣- مصادر التعبير: المصدر الحسي والنفسي طبقًا للأمزجة والحالات النفسية والمصدر الوظيفي أيضًا.
٤- مظهر التعبير كشكل التعبير سواء كان موجزًا أو تصويريًّا أو استطراديًّا.
стр. 80
وجوهر التعبير سواء كان رقيقًا أو حزينًا أو نشطًا، وشكل المتكلم وموقفه، فهناك أسلوب قديم، وآخر شعري، وثالث حديث، غلى غير ذلك من التصنيفات المختلفة١.
صفات الأسلوب الجيد:
ليس هناك صفات محددة للأسلوب الجيد فكل تجربة أدبية تستلزم بالضروة نوعًا من الأساليب التي تلائمها، كما أن التجربة الفنية هي التي تحدد نوع الأسلوب المطلوب، فضلًا عن أن المزاج الأدبي السائد في مرحلة من المراحل يقتضي خصائص أسلوبية معينة لها تراكيبها ومنحاها النظمي والصياغي، كما أن الدرس النقدي المعاصر يرى أن القوالب التعبيرية المسبقة لا تلائم ذوق العصر؛ ويذهب إلى أنه بقدر ما يخرج الكاتب في تشكيله للغته على القوالب النمطية السائدة والجاهزة، وينحرف عنها بقدر ما يكون ذلك دالًّا على تميزه بل، وعلى تفوقه أيضًا.
وقد حاول بعض الكتاب والدارسين وضع معايير خاصة بالأسلوب الجيد، فذهبوا إلى أن الوضوح هو أول شرط من شروط الأسلوب المتميز، فالأسلوب يجب أن يكون واضحًا مفهومًا، والمصدر الأول للوضوح هو عقل الكاتب فإذا كان متمثلًا لما يريد أداءه تمثلًا جيدًا كان أسلوبه جيدًا، لأن الوضوح صفة عقلية في الدرجة الأولى، والتعبير اللغوي يتطلب من المنشيء ثروة لغوية وقدرة على التصرف في التراكيب والعبارات، وإذا كانت الفكرة غامضة فإن ذلك يرجع إلى قصور الكاتب عن تمثلها وفهمها. وقد يكون المتلقون في مستوى ضعيف من حيث الثقافة والوعي، وهنا تبرز قيمة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، لذلك ينبغي على الكاتب أن يراعي مستوى المتلقي، وهذا موضع خلاف بين الدارسين
стр. 81
والنقاد، فالكثير منهم يرى أن المتلقي لا يوضع في اعتبار الكاتب أثناء العملية الإبداعية، وأن الغموض الشفيف من الضروري أن يكون سمة من سمات الأسلوب، والوضوح التام ضار بالعمل الأدبي لأنه يسلبه القدرة على إحداث الدهشة والإثارة والتفاعل.
وهناك خطوتان لازمتان لتحقيق الوضوح في الأسلوب:
الخطوة الأولى: تتعلق بالأفكار وهي الدقة في اختيار الكلمات المؤدية للغرض، والاستعانة بالعناصر النحوية والبلاغية الموضحة للمعنى، واستخدام الكلمات المتضادة في المعنى إذا كانت تساعد على ذلك.
أما الخطوة الثانية: فهي التلاؤم والتناسب وتتمثل في مطابقة الأسلوب لمستوى إدراك القارئ أو التلقين من هنا يجب أن تكون التراكيب بسيطة شفافهة بعيدة عن التعقيد والتعويص ومراعاة الفصل والفصل، ومواقع حروف الربط، ومواطن الإيجاز الإطناب.
واعتبر النقاد أن القوة خصيصة هامة ينبغي أن تتوفر في الأسلوب، بالإضافة إلى الوضوحن والقوة - فيما يرون- صفة نفسية يراد بها إثارة العواطف والتغلغل في النفوس ولا تتأتى إلا بصحة الفهم وصدق المعتقد، وتتمثل القوة في الصورة الفنية، فهي تطلق طاقة الإيحاء والإشعاع وتنتشر الظلال النفسية، وتكون القوة كذلك في التراكيب عن طريق التقديم والتأخير الذي يخدم غرضا فنيا وقد خاض البلاغيون القدامى والمحدثون في هذا الأمر، وتحدثوا عن الحذف والذكر، والتنكير والتعريف، وأثر ذلك في قوة الأسلوب واستدلوا بنصوص من القرآن الكريم والشعر العربي القديم، وأشاروا إلى أن السباق قوة تحريك التركيب فتبعث من إشعاعاته ما يلائم، فالتركيب تختبيء في خصائصه وأحواله إشارت ودلالت مختلفة وأن السياق هو الذي يستخرج من هذه الخصائص مقضياته، وكأن التركيب النفيس أشبه بقطعة من معدن
стр. 82
نفيس يشعُّ ألوانًا متكاثرة كلما أدرتها إدارة جديدة، والسياق هو القوة التي تحرك هذه القطعة لتشيع من ألوانه ما يراد إشعاعه١.
أما فيما يتعلق بالإيجاز فقد أوشك أن يجمع النقاد والبلاغيون على أن الأسلوب الموجز المقتضب من أكثر مظاهر القوة وضوحًا.
وتظل القوة مصطلحًا عائمًا ليس له صفة التحديد العلمي ما لم يتجسد بتحقيقه في النص من خلال خصائص أسلوبية واضحة، ولا يصلح معيارًا تتحقق به سلامة الأسلوب من حث الجودة أو الرداءة.
أما صفة الجمال التي يشترطها البعض كبعد ثالث من أبعاد الجودة في الأسلوب فإن تحديدها أمر غير ممكن، فهناك علم بأكمله يبحث في الجمال هو علم المال "الإستطيقا" وله أصول فلسفية تختلف من مدرسة لأخرى، ومن مرحلة لمرحلة، ومن فن لفن، ومن نوع أدبي لآخر، وليس المقصود بالجمال تلك الزينة اللفظية التي تتحدث عنها كتب البلاغة في باب البديع، أو التي يتناولها البلاغيون في كتبهم، فالجمال يكون بالكشف عن أسرر النفس والتحليق في سماء الخيال عبر وسائل وتقنيات تختلف باختلاف الأنواع الأدبية١.
كيف يكون للكاتب أسلوبه الخاص؟؟
ليس هناك خطة جاهزة يمكن بواسطتها الوصول إلى تحقيق هذا المطلب، لأن خصوصية الأسلوب تعني التفردَّ والتميز، وهو ما لم يحظَ به إلا فئة من الكتاب
стр. 83
الموهوبين الذين حَبَاهم الله بسطة في العلم، وسعة في الاطلاع، وقيل هذا وذاك موهبة فطرية وملكة إبداعية، ولكن هناك ما يمكن أن يتلمسه المرء من أجل الوصول إلى هذا المقصد. وأول الطريق تكمن فيما يلي:
أولًا: تربية ملكة الفهم والتذوق والاستيعاب والتمثل أثناء الاطلاع والقراءة، بحيث لا يقتصر القارئ على مجرد الحفظ والترداد.
ثانيًا: يبدأ الكاتب مقلدًا لغيره-عادة- ثم ينفرد بأسلوبه الخاص، فعليه أن يختصر فترة التقليد وأن يبحث عن شخصيته الخاصة، ولا يتم ذلك إلا بالانفعال الصادق بالتجربة والتعبير عنها.
ثالثًا: في مرحلة تالية لابد للكاتب من الابتعاد عن اللوازم التعبيرية الشائعة على الألسن، أو الخاصة بكاتب أو أديب معين، بل لابد له من أن يطيل التأهُّل والمعاناة فيختار ما يلمح فيه الجدة والابتكار، ويأتي ذلك بطول التأمل وبالاختيار المتمرس، وبإطلاق العنان للخيال ومداومة النظر في كتب اللغويين والأدباء والقدماء والمحدثين.
رابعًا: على الكاتب ألا يتسرع في نشر محاولااته الأولى، بل لا يتعَّجل إذاعة ما يكتب في الناس، وإنما يلتمس المشورة لدى الأدباء والمختصين، وألا يأنف من النقد مهما كان قاسيًا ولا يزورُّ عنه، وتجارب كِبَارِ الْكتاب والأداء تفيد أنهما تعرضوا لانتقادات قاسية في بداياتهم الأولى، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ مزق مئات الصفحات مما كتب قبل أن ينشر حرفًا على الناس١.
стр. 84
خامسًا: ممارسة النقد الذاتي، وعدم الرضا عن النفس أو الاستسلام لبريق الشهرة، أو للثناء المجامل، فالإنسان أدرى بنفسه وبمستواه، والكاتب يستطيع من خلال المراجعة والتمحيص أن يكتشف مكامن التقليد والثغرات في أسلوبه ويعمل على التخلص منها.
стр. 85
وسائل الربط
الربط الجزئي
الربط بين أجزاء الكلام
مدخل:
الربط بين أجزاء الكلام من المباحث المهمة التي تضع أيدينا على أسرار الكتابة وطرق التجويد فيها، وقد اهتم النقاد والبلاغيون والنحويون بدراسة أدوات الربط ووسائله، فكان مبحث "الفصل والوصل" الذي يعني بمواضع استخدام "الواو" وحذفها بين الجمل، كذلك مباحث حروف العطف وأدوات الربط الأخرى من أهم المباحث في البلاغة العربية والنحو العربي ومبحث الفصل والوصل صعب المسلك، لطيف المغزى، كثير الفائدة غامض السر، لا يوفق للصواب فيه إلا من أوتي خطًّا من حسن الذوق وطبع على البلاغة، فإن سبك الكلام ودقة أسره وشدة تلاحم أجزائه تحتاج إلى صنع صانع، وحذق حاذق ماهر يميز بين أقسام الجمل١.
وقد رأيت أن أتناول هذا الموضوع من زاويتين:
الأولى: الربط بين الكلمات والجمل والعبارات.
والربط بين الكلمات محوره أدوات العطف، أما الربط بين الجمل فقد يكون بأدوات العطف أو بواسطة العبارات وبحروف المعاني المختلفة. ومن المعروف أن كثر استخدام أدوات الربط يوهن العلاقة بين أجزاء الكلام ويخل بتماسكها. لذلك كان لا بد من التنبيه إلى ضرورة الاقتصاد في استخدام هذه الأدوات، وإلى أن خلو الكلام من الحروف الرابطة إنما ينم عن شدة التلاحم بين أجزائه وقوة نظمه.
وقد أولى الباحثون من النقاد والمفكرين أهمية كبرى لمسألة النظم هذه، فهي
стр. 86
تتناول علاقة الكلمات بعضها ببعض وموقعها في السياق، وكانت نظرية النظم التي صاغها أحد نقادنا وبلاغيينا القدامى الأفذاذ "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه (دلائل الإعجاز) من أبرز منجزات الفكر النقدي العربي على مدى العصور.
ثانيًا: الربط الكلي: وهو يتجاوز الكلمات والجمل إلى تلاحم الفقرات وتماسكها في نسق كل شامل على مستوى النص، وتحقيق ذلك ليس بالأمر الهين ولا اليسير، والربط الكلي يعالج على مستوت متعددة، فهو مناط الوحدة الفنية في الأجناس الأدبية المختلفة وفقًا للقواعد والأصول لكل فن.
الربط بين الكلمات:
من الأمور التي شَغَلَتْ أذهان النقاد والأدباء منذ وقت مبكر قضية الربط بين الكلمة وما جاورها في السياق، فكان مما أشاروا إليه الكلمة المتمكنة، والكلمة القلقة النابية، وعابوا على الكلام وهن العلاقة بين مفرداته، ومن أوائل من عالج هذه القضية "الجاحظ" في (البيان والتبيين) حيث قال: "وكذلك حروف الكلام وأَجْزَاءُ البيت من الشعر تَرَاهَا مُتَّفِقَةً ملساء، ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة"١. وقد عرض عبد القاهر الجرجاني أحد أئمة البلاغة لهذه المسألة عرضًا مفصلًا فاستحدث نظرية النظم التي أكد فيها أهمية مُلَاءمة معنى المفردة لجاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها٢ على حد تعبيره.
ولكن إدراك ذلك ليس بالأمر السهل على غير الذين ر اضوا صياغة الكلام وتمرسوا بأساليبه، لذلك وقع في المحاذير بعض الشعراء من الفحول، وقد أشار بعض الباحثين إلى أن مرجع ذلك إلى ما يعتري النفس من فتور عند معالجة
стр. 87
القول: أمَّا إِذَا كَانَ الْكَاتِب مسيطرًا على خلجاته وخيالاته وهواجسه لا تتنافر ألفاظه، فوصف الكلام بالتماسك والإحكام، والملائمة والسلاسة والتحدر* دلالة على أن الكاتب محتشد مسيطر فلا تتواثب فى خاطره أخلاط* المعاني١، وقد اشترط البلاغيون والنقاد أن تكون المفردات متناسبة ملائمة، سواء عطفت على بعضها البعض أم لم تعطف، فلا يصح أن يقول فلان جسيم وبليغ، إذ لا ملائمة بين الجسامة ضخامة الجسم وبين البلاغة سواء عطف بين الصفتين أم لم يعطف، غير أن ما ورد في بعض أنساق الكلام البليغ مما يوهم التنافر أو التشتت بين الألفاظ إنما هو لغرض يضفي على الأسلوب ظلالًا لا يدرك أسرارها إلا من علا كعبه في فن القول. من أمثلة ذلك قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] العطف هنا للدلالة على مكانة الأرحام عند الله . من هنا جاء عطفها على الضمير العائد على اسم الجلالة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فليس النهي هنا عن أن يتقدموا بين يدي الرسول فحسب وإنما جاء العطف على اسم الجلالة للإيحاء بجسامة الموقف، الأمر الذي يوحي بأن من يتقدم بين يدي الرسول ﷺ إنما هو تقدم بين يدي الله، من هنا كان العطف بالواو ذا إيحاءات تتجاوز مجرد اشتراك المتعاطفين في الحكم الإعرابي، إذ تتبادل الكلمات والظلال ويقوم حوار بين دلالاتها ومضامينها.
ومن الأمور التي أثيرت عند معالجة قضية الربط بين الكلمات النهي عن دخول الواو بين الصفة والموصوف لاستحالة عطف الشيء على نفسه، والصفة يمكن أن تحل محل الموصوف، لذا لا يجوز أن نقول شاهدت سعيدًا.
стр. 88
والمجتهد، باعتبار أن المجتهد صفة لسعيد، غير أن بعض البلاغيين أشاروا إلى إمكانية وقوع الواو بين الصفة والموصوف لإفادة تمكن الصفة من الموصوف، وبالذات عندما تكون الصفة جملة، كما في قول الله : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] فالواو دخلت على ﴿ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ لتفيد لصوقها بالموصوف ويطلق البلاغيون على هذه الواو "واو الثمانية"، وقد جاءت بعد تردد وحيرة وشك اعترى الصفات السابقة لها، فحين جاءت الواو أكدت الثبات والرسوخ واليقين.
وحينما يعطف بين الصفة والموصوف يقصد إلى إبراز معنى "التغاير" والتعدد، إظهارًا لشأن الموصوف وإشارة إلى احتوائه على ما هو ثري ومتعدد، من ذلك قول الله : ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء:٤٨] فالفرقان صفة للكتاب وكذلك الضياء، وذكر للمتقين، ولكن الله أراد أن يشير إلى ثراء هذا الكتاب وعظمته بما اتصف به من صفات كل واحدة منها، قائمة بذاتها، مغايرة لما قبلها أو بعدها، وقد ركز البلاغيون وخصوصًا "الزمخشري" و"عبد القاهر" على معنى التغاير، وقد بدا سر إعجاز النظم في حذف الواو بين الصفات المترادفات، وذكرها بين المتغايرات في قول الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] فالعطف بين الثيبات والأبكار لتغاير هاتين الصفتين، والصفات المتضادة لا بد من الفصل بينهما كما يرى "العلوي" في "الطراز" -وهو أحد البلاغيين المشهورين- غير أن هذا مردود عليه لقول الله : ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ
стр. 89
الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٢] فقد جاءت الواو بين صفتين مترادفتين، بينما حذفت بين ﴿قَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وفي هذا سر معجز من أسرار التعبير القرآني، لا يخضع لقاعدة معينة.
الربط بين الجمل بالكلمات أو العبارات:
يكون هذا النوع من الربط على شكل كلمات وعبارات تصل بين الجملة وما يليها أو ما يسبقها من جمل، ويساعد على فهم المعاني والوعي بتسلسل الأفكار وإدراك الروابط بينها. ويتمثل في عدة أنواع من العبارات على النحو التالي:
أولًا-عبارات التعدد: "أولًا، ثانيًا، في المقام الأول، أخيرًا، السبب الأول، العامل الأول" وهذه العبارات تتعلق بترتيب الأفكار وتنظيمها وتسلسلها وبإحكام الصلة بين المقدمات والنتائج.
ثانيًا-عبارات الاستنتاج: "ولهذا، ولذلك، ونتيجة لذلك وهكذا نستنتج أما يلي، والاسنتناج الحاصل هو، والنتيجة هي" ويجب عدم المغالاة في استخدام هذ العبارات، وتكرارها بكثرة وغالبًا ما تستخدم في الكتابة الإجرائية والموضوعية.
ثالثًا- عبارات الاستطراد: "فضلًا عما سبق، بالإضافة إلى هذا، يضاف إلى ذلك، كما أن ... إلخ" غالبًا ما تأتي هذه العبارات لإضافة معنى جديد أو تدوين ما تجود به الذاكرة بعد أن استنفد ما بحوزته من معلومات، وهي تقترب من معنى الاستدارك.
стр. 90
خامسًا- عبارات الاستدراك: قد تقتصر على حرف واحد يحمل معنى الاستدراك مثل "لكن" أو على تعبير مركب مثل: "وبالرغم من ذلك، وعلى أي حال، ومهما يكن من أمر"، والاستدراك يكون - في الغالب - دفعًا لمظنَّة توهم أشياء غير مقصودة أو تأكيد حقيقة يخشى أن تكون منسية.
سادسًا- السببية: وتأتي للتعليل وبيان الأسباب، وتكون هذه العبارت - في بعض الأحيان- مشتقة من المادة اللغوية لكلمة سبب مثل: وسبب هذا، ويعود السبب إلى، ويعزى الأمر إلى، والسبب هو.
سابعًا- العبارات الجوابية: حيث يطرح الكاتب سؤالًا لتوضيح قضية ما، فيكون الربط بين هذا السؤال والجملة التي تليه بعبارة تشير إل الجوانب كقولنا: والجواب على ذلك ... من هنا تسمى هذه الرابطة بالرابطة الجوابية.
ثامنًا- عبارات التمثيل: وهي العبارات التي يقصد بها الاستدلال على صحة مسألة من المسائل أو توضيحها، فتكون الجملة مثالًا لما ورد في جملة سابقة على نحو قولنا: ومثال ذلك، وعلى سبيل المثال ... إلخ.
تاسعًا- عبارات الاستفهام: حيث تبدو العلاقة هنا عكس العلاقة الجوابية فالجملة موضوع الربط تكون سؤالًا عن الجمل السابقة فتكون عبارة الربط على النحو التالي: والسؤال هو، ولكنا نسأل فنقول ... إلخ.
стр. 91
الربط بين الجمل بالحروف
الفصل والوصل
الجمل من حيث الموقع الإعرابي نوعان: الأول له محل من الإعراب ولذلك تجري عليه أحكام اللفظة المفردة من حيث العطف فإن جاءت نعتًا أو توكيدًا، أو بدلًا كان الاتصال بينها وبين متبوعها داخليًّا دون أداة عطف، فالتوكيد هو عين المؤكد، وكذلك الصفة هي عين الموصوف فلا داعي للعطف بينهما، فالواو- كما أسلفنا- لا تقع إلا بين المتغايرين وحينما نقول - مثلًا- أَحَبَّ قَيْسٌ لَيْلَى حُبًّا شَدِيًا، لم يجد مع النصح ولا التأنيب تكون الجملة الثانية توكيدًا للأولى، لذا لا وجود لرابط بينهما كالواو على غرار قولنا: جاء محمد نفسه. أما النوع الثاني فهو ما لا محل له من الإعراب، وجمله تخضع في ربطها لأصول وقواعد قررها البلاغيون وعلى رأسهم عبد القاهر الجرجاني.
وقد شبه المعاني بالأشخاص، فالواو في المعاني كالوسيط في الرجال فإذا قوت الصلة بين الرجلين لم يحتاجا إلى من يربط بينهما، وإذا اختلفا وتنافرا تنافرًا يبعد الثقة بحيث يصبح الجمع بينهما مستحيلًا أصبح وجود الوسيط بلا طائل، فالوسيط لا يكون إلا في الحالات غير الميؤوس منها حيث يمكن أن يكون وجود الوسيط مجديًا، وهذا-كما يقول أحد الباحثين المحدثين: "واضح في أحوال الناس، وهو كذلك في كلامهم، لأن الكلام في حقيقته تشكيل للسلوك والأمزجة، والعادات والطبائع، وإذا ذهبت تبحث في المشابهات بين تقاليد اللسان، وتقاليد السلوك وجدت متشابهات كثيرة١".
стр. 92
الفصل:
وقد أشار النحويون الأقدمون إلى ذلك، فإذا قويت العلاقة بين الجملتين اتصلتا من ذات نفسيهما، وتداخلتا وصارتا كالشيء الواحد، وهذا يحتاج إلى مزيد من التأمل، لهذا لا داعي لوجود الواو إذا كانت الجملتان متصلتين تمام الاتصال وهو ما يعرف في المصطلح البلاغي بكمال الاتصال، ويكون ذلك في المواضع التالية:
أولا- إذا كانت الجملة الأولى مؤكَّدةً مِنْ قِبَلِ الجملة الثانية، وإدراك ذلك لا يتأتى إلا بعد طول تأمل لمن صفا ذهنه وسما ذوقه، ومن أمثلة ذلك قول الله : ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] فالجملتان التاليتان مؤكدتان للأولى ولهذا لم يكن ثمة داع للواو.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ [لقمان:٧] .
﴿فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٧] وهذا توكيد لفظي.
﴿مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] .
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠] .
ومن أبرز الأمثلة على ذلك آية الكرسي فجملها تجري على هذا النحو من التوكيد ومن أمثلة ذلك قول الشاعر:
يهوى الثناء مبرِّز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
فقد جاء الشطر الثاني من البيت بمثابة تعليق يحتوي على حقيقة عامة تؤكد المعنى السابق ومن أمثلة ذلك:
стр. 93
١- إذا هبط الحجَّاج أرضًا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
٢- إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
٣- قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدبُ
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشبُ
فجملة "شفاها من الداء" تأكيد لسابقتها وكذلك جملة "سقاها فرواها" وجملة "ليس للدنيا ثبوت" في المثال الثاني مؤكدة للجملة السابقة عليها وفي المثال الثالث فإن الجملة في الشطر الثاني من كل بيت مؤكدة للجملة في الشطر الأول.
ومن الواضح أن كل ما عرف بالتذييل في علم المعاني أو التشبيه الضمني في علم البيان يمكن أن يدخل في هذا الباب.
ثانيًا- إذا كانت الجملة الثانية بيانًا للأولى أوتفسيرًا لها كما في قول الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ﴾ [طه:١٢٠] فجملة "قال يا آدم" بيان للجملة الأولى وتفسير للمقصود بالوسوسة.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى
стр. 94
عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٨] فجملة "قالوا ... " توضح للنداء ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] فما جاء بعد "يسومونكم" توضيح لجملة ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ .
ومما جاء في الشعر:
كفى زاجرًا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتفتدي
الناس للناس من بدو وحاضرةٍ ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ
ذهب الذين يعاش في أكنافهمُ ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشجبِ
قال زياد بن أبيه: "إني رأيت خلالًا ثلاثًا، نبذت إليكم فيهن النصيحة، رأيت إعظام ذوي الشرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأحلام، ويتدرج في هذا الباب ما عرف في علم المعاني في باب الإطناب بالتفصيل بعد الإجمال والتوضيح بعد الإبهام.
ثالثًا- إذا كانت الجملة الثانية بدلًا من الجملة الأولى كما في قول الله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء:١٣٣] ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠] ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ الآيتان [المؤمنون:٨٢،٨١] .
стр. 95
ومن الشعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسْلِمَا
فائدة: وقد نجد من يصل بين مثل هذه الجمل لغرض في نفس المتكلم ذلك ما جاء شعرًا مثل:
أبني إن أهلك فإني ... قد بنيت لكم بنيه١
وجعلتكم أبناء سادا ... ـتٍ زنادكم ورِيَّة٢
فجملة "وجعلتكم أبناء سادات" هي في حقيقة الأمر بيان للبني التي بناها، ولو حذفت الواو لجاء الكلام متصلًا، ولكن الشاعر أراد أن يميز هذ المعنى فأدخل الواو لتفيد المغايرة.
نصحت لعارضٍ وأصحاب عارض ... ورهط بني السواد والقوم شدي٣
فقلت لهم ظنوا بألفي مدَجِّجٍ ... سرتهم في الفارس المسرد٤
فجلمة "فقلت لهم" ... لبيان للنصيحة ولكنه أراد أن يبرز مضمون النصيحة وبميزه فجاء بالواو.
وجاء في القرن الكريم شواهد عظيمة الدلالة كقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ
стр. 96
أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب:٧] فجملة وأخذنا مهم ميثاقًا غليظًا توكيد للجملة الأولى، ولكن الله ربطهما بالواو لكي يبرز شأن الميثاق ويفهمه كما لو كان مغايرًا لما سبقه، وكذلك قول الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ .
ولا تذكر الواو بين الجملتين حينما يكون بينهما تغاير تام وهو ما اصطلح على تمسته كمال الانقطاع، وذلك في الأحوال التالية:
أ- إذا اختلفت الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنى، نحو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] فالجملة الأولى إنشائية والثانية خبرية، وفي قول الشاعر:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
وفي قول الشاعر أيضًا:
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
ب- إذا لم تكن بينهما مناسبة في المعنى، ولا ارتباط بين المسند إليه يهما، وبين المسند كقول الشاعر:
وإنما المرء بأصغريه ... كل امرئ رهن لما لديه
ومن الشواهد على كمال الانقطاع ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام:١٠١] .
стр. 97
فائدة: وأما ما جاء من هذا الباب معطوفًا فالغالب فيه أن الواو للاستئناف لا للعطف كقول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ و"حسبي الله ونعم الوكيل" ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ الآيتان [٢١،٢٠] .
يجب الفصل بين الجملتين "أي عدم ذكر الواو" حينما لا يكون الاتصال بين الجملتين تامًا، وهو ما يسمى بشبه كمال الاتصال وذلك حينما تبي الجملة الثانية عن معنى تثير الجملة الأولى:
قال لي كيف أنت، قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
فكأن المخاطب حين سمع قول الشاعر أنه عليل سأل: وما سبب علتك؟
فكان الجواب:
سهر دائم وحزن طويل.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] .
وفي قول الشاعر:
يرى البخيلُ سبيل المال واحدة ... إن الكريم يرى في ماله سُبُلا
стр. 98
وقول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة١. ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي٢.
فكأنَّ المتلقي يسأل بعد الجمل الأولى: فما رأيك؟
وفي قول الشاعر:
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذبِ
وقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى ما تثير هذه الأساليب في النفس
إن الجملة الأولى تبعث الخواطر والهواتف فتأتي الثانية لتجيب عنها، وكأن بذرة الجملة الثانية مضمرة في الأولى، وهكذا يتوالد الكلام وتتناسل الجمل.
وقد استشرف البلاغيون العلل والأسباب التي تثيرها الأسئلة في الجملة الأولى فوجدوا أن التساؤل قد يكون عن العلة المطلقة، أي السبب العام كقول المعري:
وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معطٍ حياتي لِغرٍ بعد ما غرضا٣
جربتْ دهري وأهليه فما ترَكَتْ ... ليَ الحوادثُ في ود امرئ غرضًا
ففي البيت الأول شكوى من الحياة وخصوصًا لمن أوتي حظًا من الحكمة والتعقل، الشاعر يتمنى أن يكون ما تبقى من حياته من نصيب غافل غير مشتاقٍ إلى الدنيا
стр. 99
وهذه الشكوى تثير في النفس هواجس وأسئلة لمعرفة السبب فيأتي الجواب في الجملة الثانية.
وقد يكون السؤال الذي تثيره الجملة الثانية من علة معينة" سبب خاص" إذ يكون بينها غموض شفيف كما رأينا في الآية الكريمة "وما أبرئ نفسي" فكأن هناك اتهامًا غامضًا للنفس، وهنا يأ تي السؤال عن هذا الاتهام الذي يرجع لسبب خاص: إن النفس لأمارة بالسوء. وقد يكون السؤال الضمني عن وجه من وجوه الدلالة حيث يثير شوق النفس، إلى المزيد كقول الشاعر:
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج اهواءك المكنونة الطلل
ربع فؤاد أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خَضِلُ
فحينما تحدث الشاعر عن الطلل الذي اعتاد قلبه وأهاج كوامن نفسه استثير المتلقي وكأنه يطلب مزيدًا من المعلومات عن هذا الطلل في غير سؤال محدد..
فائدة: ويسمى شبه كمال الاتصال "الاستئناف البياني" ولكنه ليس ابتداء كلام منقطع عن سابقه، وإنما متولد منه وناشيء عنه إذ تتحرك النفس نحو مواقف جديدة تثيره الجملة الأولى، فالمعاني يستدعى بعضها بعضًا حيث تتناسل الأغراض وقد يطول بها الكلام، فالمعاني في الكلام الحي الحافل تتواليد وتطويل وتشتجر، وتلتف، حتى تلتبس وتختلط إلا على بصير بطرائقها، كثير المراجعة١.
ويمتنع دخول الواو إذا سبقت جملة بجملتين يصح عظفها على إحداهما ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى فيترك العطف دفعًا لهذا الوهم
стр. 100
ويسمى هذا "شبه كمال الانقطاع" كقول الشاعر:
تظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم
فبين الجملتين مناسبة واضحة، ولكن عطف جمل "أراها" علي وتظن سلمى قد يوهم بأن العطف جاء على جملة "أبغي بها بدلًا" وذلك يؤدي إلى فساد المعنى لذا ترك العطف.
الوصل:
وقد ذكر الأقدمون المواقع التي يكون فيها الوصل "أي ذكر الواو" بين الجمل على سبيل العطف بينها فقالوا بوجوب المناسبة بين الجملتين المتعاطفتين، وقد عمدوا إلى شرح المناسبة وتحليلها، واستفادوا بعلوم عصرهم في تحليل قوى النفس، وبحث التداعيات العقلية والخالية والوهمية ومعطيات البيئة العامة ومردودات ذات الاهتمامات الفردية على النفس١.
ومما يجدر الوقوف عنده - في هذ المجال - هو التركيز على أن المناسبة يجب أن تتوفر في ركني الجملة "دلائل الإعجاز" حين اشترط أن يكون المسند في الجملة الثانية، وأن الخبر في الثانية ينغى أن يشاكل الخبر في الأولى كأن يجري جر التشبيه أو النظر أو النقيض للخبر عن الأولى، وضرب مثالًا بعدم جواز العطف بين زيد طويل القامة، وعمر شاعر، لعدم المناسبة بين طول القامة والشعر، وأشار إلى أن الواجب أن يقال: زيد كاتب وعمر شاعر، وأومأ إلى أن المعاني كالأشخاص٢.
ويستحسن أن تكون الجملتان المتعاطفتان متشاكلتين في الإسمية والفعلية، ومن أمثلة ذلك النماذج الرائعة التي أوردها القرآن الكريم في قول الله تعالى:
стр. 101
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد:٦] "فعليتان".
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤،١٣] "اسميتان".
وقد تنتفي هذه المشاكلة فلا تكون الجملتان المتعاطفتان كذلك لغرض تقضيه الدلالة كقول الله : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] .
فهنا جاءت الجملة الأولى فعلية للدلالة على معنى الحدوث والتغير، وجاءت الجملة الثانية اسمية للدلالة على معنى الثبوت والدوام.
ومن الأمثلة الرائعة على التلاؤم والتناسب بين الجمل المتعاطفة:
قول علي بن أبي طالب "﵁" كفى بالعلم شرفًا أو يدعيه من لا يحنسه، ويفرح به إذا نسب إليه وكفى بالجهل خمولًا أنه يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب منه إذا نسب إليه.
وقد ركز البلاغيون على ما أسموه بالجامع بين طرفي الكلام المتعاطف، وبذلوا جهدًا كبيرًا لإدراك ما غمض منه مستعينين بألوان شتى من المعارف، ومن أمثلة ذلك ما أشار إليه الزمخشري حين عكف على توضيح المناسبة الخافية بين طرفي الجملتين في قول الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٦] فأشار إلى أن الشمس والقمر سماويان، النجم والشجر أرضيان، بين القبيلين تناسب من حيث التقابل وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر فالرابطة المعنية هنا قوية.
والواو تبرز حين تتقارب الجملتان، وتسقط حين تتباعد.
стр. 102
وإذا كان هناك كمال انقطاع بين الجملتين، وأوهم الفصل بينهما معنى المقصود ذكرت الواو كالإجابة على سؤال من يسأل: هل أنت مريض؟
وقولنا "لا وعافاك الله" فلو حذفت الواو هنا لأوهم ذلك الدعاء على السائل.
وخلاصة القول:
١- يجب الفصل عدم ذكر الواو في ثلاثة مواضع: حينما يكون بين الجملتين اتحاد تام كأن تكون الجملة الثانية توكيدًا للأولى أو بيانًا لها أو بدلًا لها وحينما يكون بين الجمل انفصال تام بأن تختلفا خبرًا وإنشاء أو بألا تكون بينهما مناسبة ما هوما يسمى بكمال الانقطاع وحينما تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال يفهم من الأولى وهو ما يسمى بشبه كمال الاتصال.
وقد يقتضي المقام مخالفة هذه القواعد.
٢- يجب الوصل بالواو إذا قصد إشرك الجملتين في الحكم الإعرابي، وإذا اتفقت الجملتان خبرًا أو إنشاء، وكانت بينهما مناسبة تامة، وإذا اختلفت الجملتان خبرًا وإنشاء وأوهم الفصل خلاف المقصود.
وقد يُفْصلُ في موقع الوصل لعلة ما يقتضيها المقام.
стр. 103
الربط بواسطة الحروف بشكل عام
تتعدد أنواع الحروف في اللغة العربية، وتتغاير وظائفها وفقًا لموقعها من الكلام، ولسوف نلجأ إلى دراسة حروف الربط وفقًا لمعانيها، لأن ذلك هو المدخل الملائم لهذا البحث المهم من مباحث الكتابة والتحرير:
أولًا: حروف التفسير:
وهي "أنْ" و"أيْ"، أمّا "أنْ" فشرطها أن تأتي بعد جملة متضمنة معنى القول، فهي تربط بين ما قبلها وما بعدها ربطًا تفسيريًّا توضيحيًّا، تكشف عما أُجْمِلَ في الجملة السابقة نحو قولنا: ناديته أن احذر النار.
أما "أي"، فهي أشمل وأعمُّ لأنها تأتي تفسيرًا للجملة وتفسيرًا للمفرد نحو قولنا: زارني القائد "أي سعيد"، ما بعدها يأتي مطابقًا لما قبلها في حركته، وقد ذهب البعض إلى أنها من حروف العطف، ومن أمثلة تفسيرها للجملة قولنا: "قام محمد بواجبه" أي "أتم كتابة ما طلب منه".
ثانيًا: حروف التفصيل:
أمَّا: حرف فيه معنى الشرط والتوكيد دائمًا والتفصيل غالبًا الشرط نوع من أنواع الربط بين الجمل، فهو يربط بين جملتين ربطًا معنويًّا قد يستلزم أداة ربط أخرى كالفاء وفقًا للشروط النحوية الخاصة بذلك. وبالنسبة "لأما" فلابد من وجود الفاء في جوابها كقول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاًْ﴾ الآية [البقرة:٢٦]
стр. 104
ويتضح معنى التفصيل في الآيات القرآنية الكريمة:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ ... وأما الغلام....وأما الجدار ... [الكهف ٨٠،٧٩،٧٨] .
وقد يستغنى عن تكرارها كقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء:١٧٥] أو يذكر كلام الله بعدها كقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم.
ويجب دخول الفاء على جواب أما، ولا تحذف هذه الفاء إلا إذا دخلت على قول حذف اكتفاء بمقول القول عندئذ يجب حذفها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران:١٠٦] فالمحذوف عبارة فيقال لهم: أكفرتهم ولا تحذف في غير ذلك إلا لضرورة شعرية، وتأتي أو للتقسيم أو التفصيل كقول الله : ﴿قَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:٣٥] أي إما هودًا أو نصارى.
ثالثًا: حروف الاستئناف:
والمقصود بالاستئناف متابعة الكلام من منطلق جديد لا يربط في الحكم الإعرابي بين ما قبل الحرف وما بعده، ومن حروف الاستئناف الواو كقول الله : ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج:٥] .
كقول الشاعر:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى ... قضيته أن لايجورَ ويقصدُ
стр. 105
فالواو هنا ليست عاطفة، لأنه لو عطف لجعل جملة يقصد شريكًا في النفي الأمر الذي يؤدي إلى التناقض.
وتأتي الفاء للاستئناف على قلة، كما في قول الله : ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بالرفع ما ذكر السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن ص "١٦٧".
رابعًا: حروف العطف:
الواو: وهي أكثر حروف الربط أهمية ولذلك اعتبرت مدار الحديث عن الفصل والوصل كما أسلفنا.
والواو هي أصل حروف العطف ومعناها "إشراك الثاني فيما دخل فيه الأول" وليس فيها دليل على أيهما كان أولًا، وتأتي بمعنى الفاء أي تفيد الترتيب وذلك في الخبر كقولنا أنت تأتي وتسلم على، وفي الاستفهام إذا استفهمت عن أمرين جميعًا نحو هل يأتي أخي وأراه قد تحدثنا عنها في بحث الفصل والوصل.
والفاء: تفيد الترتيب المعنوي كأن نقول دخل محمد فعلي والترتيب الذكري هو عطف مفصل على مجمل كقول الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة:٣٦] .
وكقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣] .
وتفيد التعقيب وهو في كل شيء بحسبه فقد يكون التعقيب بعد فترة حيث يتراخى الزمن كقولنا: تزوج محمد فوُلِدَ له، أو يكون مباشرة دون فاصل زمني يذكر مثل دخل محمد فسعيد.
وتفيد السببيه وذلك في الجملة أو الصفة.
стр. 106
أما الجملة فمثل قول الله : ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] .
وفي الصفة: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٥٤،٥٣] .
وحتى نتبين دقة استعمال حروف العطف، وهي أهم أدوات الربط يمكننا أن نتسعرض بعض مواقعها في القرآن الكريم مجلى البلاغة وذروتها:
قال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ يخاطب قومه قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٥-٨١] .
فيما يتعلق بالواو نجدها في الآيات الكريمة السابقة جاءت عاطفة للسقى علي الطعام لتنفيذ مطلق الجمع، حيث يمكن تقديم الطعام على الشراب أو الشراب على الطعام دون أن يؤثر ذلك في المعنى، أو في دائرته الدلالية، ولكن الفاء جاءت عاطفة للشفاء على المرض لأن الشفاء يعقب المرض مباشرة فأفادت هنا الترتيب والتعقيب وإشارة إلى فضل الله على المريض.
أما ثم فقد استخدمت لعطف الإحياء على الإماتة لأن البعث تالٍ للموت مع مرور وقت بينهما من هنا كانت "ثم" دالة على الترتيب والتراخي، ولو عطفت جميعها بالواو لما كان في ذلك ضير، ولكن هذا النظم الدقيق أليق ببلاغة القرآن الكريم كما يقول ضياء الدين بن الأثير في "المثل السائر".
ومنه قول الله :
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] .
стр. 107
ويتضح في هذه الآية الكريمة الترتيب الدقيق لمراحل خلق الإنسان من خلال النظم المعجز بواسطة الفاء وثم، فجاء استخدام كل حرف منهما دالًا على المعنى المقصود بدقة، فالتراخي بين خلق الإنسان من الطين وتكوينه على شكل نطفة اقتضى استخدام "ثم" كذلك فإن تحويل العلقة إلى مضغة، فعظام إلى آخر ما جاء في الآية متعلقًا بتكوين الجنين اقتضى استخدام الفاء التي تفيد التعقيب، والدليل على هذه الأحكام واقتضاء بعضه لبعض في حتمية مقدرة من رب العالمين توقع "معاذ بن جبل" لما جاء من تذييل في آخر الآيات حين قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ حيث ضحك رسول الله ﷺ بعد أن سمع هذه العبارة من معاذ، ولما سأله معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال ﵊: بها ختمت.
من ذلك أيضًا قول الله في قصة مريم وعيسى ﵉ ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٢-٢٣] .
فقد استدل المفسروهن بموقع الفاء بين الحمل والانتباذ والمخاض على أن حملها بعيسى علي السلام ووضعها إياه كانا متقاربين.
ومن الأمثلة قول الله تعالى:
﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:٢٠] .
وهناك بعض المواقع التي يلتبس فيها مكان الفاء والواو، لأن ما اصطلح على تسميته بفعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء، دون الواو تقول: كسرته فانكسر، حيث يكون الفعل الأول متعديًّا والثاني لازمًا- يحدث كاستجابة للفعل الأول، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قول الله من سورة الكهف: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨] .
стр. 108
فقول الله : ﴿أغفلنا قلبه﴾ في الآية الكريمة أتى بمعنى "صادفناه غافلًا" ولو كان من غفل لكن معطوفًا عليه بالفاء، لذاجاءت الواو لتميز بشكل حاسم بين المعنيين.
ومن المواقف اللافتة في استخدام الواو والفاء في القرآن الكريم ما جاء في سورة البقرة [آية٣٥] : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ .
وقوله في سورة الأعراف [آية:٨] ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ .
فالمقصود بالسكنى في الآية الكريمة الأولى مطلق الإقامة، ولهذا كان الجمع بين الإقامة والأكل غير مرتبط بترتيب معين، أما في الآية الكريمة الثانية فإن السكنى تدل على معنى اتخاذ مكان السكن، الأكل بعد السكن والاستقرار اقتضى استخدام الفاء للترتيب والتعقيب والإقامة ذات زمن ممتد أما اتخاذ المسكن فلا يستلزم وقتًا طويلًا.
ومن أمثلة ذلك أيضًا قول الله تعالى في قصة بني إسرائيل:
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٨٥] .
وقد تأتي في الجملة والصفة لمجرد الترتيب ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات:٧،٦] ونحو قول الله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [الصافات:٣٢،٢٢] .
ثم: تفيد التشريك في الحكم، والترتيب، والتراخي مثل قول الله : ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:٢٢،٢١،٢٠] .
стр. 109
وقد توضع موضع الفاء كقول الشاعر:
كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
فهناك تفيد التعقيب والتريب كالفاء١.
وقصة الكسائي مع أبي يوسف الرشيد من الأمثلة الواضحة على دلالة كل حرف من حروف العطف السالفة الذكر، فقد سأل الرشيد أبا يوسف في رجل قال لامرأته أنت طالق طالق قال: واحدة، قال: فإن قال لها: أنت طالق وطالق، قال واحدة، قال: فإن قال له أنت طالق ثم طالق، قال واحدة، قال: فإن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق، قال واحدة، قال الكسائي: يا أمير المؤمنين أخطأ يعقوب في اثنتين، وأصاب في اثنيتن، أما قوله: أنت طالق طالق طالق فواحدة، لأن الثنتين الباقيتين توكيد، وأما قوله أن طالق أو طالق أو طالق، فهذا شك؛ فوقعت الأولى التي تتيقن، وأم قوله أنت طالق ثم طالق ثم طالق، فثلاث لأنه نسَّق، وكذلك قوله أنت طالق وطالق وطالق٢.
وقد رأيت أن أكتفي بهذه الحروف؛ لأهميتها إذ لا داعي للحديث عن الحروف الباقية.
стр. 110
الربط الكلي بين أجزاء النص
"الوحدة الفنية"
إن جوهر العمل الأدبي يتمثل في تماسك أجزائه وترابطها بحيث يكون قائمًا على وحدة عضوية فنية، وهذه الوحدة هي مناط الإبداع والجودة، ولهذا لا يمكن الاعتداد بالنص المفكك غير المترابط، ووسائل تحقيق الوحدة تختلف باختلاف النوع الأدبي، وسواء كان العمل إبداعيًّا أو إجرائيًّا وظيفيًّا فإن الترابط شرط أساسي فيه.
والوحدة الفنية تقوم على التنامي والتطور، ولا تبني على التراكم والتكاثر وهي ذات صلة بروح النص الداخلية، وتتجاوز الشكل الخارجي، فالعمل الذي نحس بأن فيه معنى داخليًا متناميًا ندرك للوهلة الأولى مكامن الوحدة والتماسك بين أجزائه.
كيف تتحقق الوحدة الفنية:
أولًا: إذا كان العمل إبداعيًّا فإن التجربة النفسية والوجدانية تحدد مسار التطور والتنامي في النص إن كان الكاتب موهوبًا متمثلًا لتجربته، فكاتب القصة مثلًا لابد أن يدرك العلاقة الوطيدة بين الحدث والشخصية والموقف فيصوغ الحبكة من هذه الخيوط الثلاثة المجدولة بإحكام، والحبكة هي المحور الذي يستقطب العناصر المختلفة للنص، فإذا كان الكاتب متمثلًا للتجربة صادقًا في التعبير عنها مؤهلًا لكتابة القصة عارفًا بأصولها جاءت قصته متماسكة قادرة على الإفضاء بانطباع كلي موحد، وكذلك الحال بالنسبة للمقالة التي تتنامى فيها الفكرة منذ المقدمة وحتى الخاتمة في تلسلسل منطقي محكم.