← Фикх общий

Фикх общий · id 2050

الجامع لأحكام الصيام

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (401 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٦- عن أنس بن مالك – الكَعْبي – قال ﴿أتيتُ رسول الله ﷺ في إِبِلٍ كانت لي أُخِذتْ، فوافقتُه وهو يأكل، فدعاني إلى طعامه، فقلت: إني صائم فقال: أُدن أُخْبِرْكَ عن ذلك، إن الله وضع عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاة﴾ رواه النَّسائي (٢٢٧٦) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والترمذي وحسَّنه. وانظر رقم ١٥ المار قبل قليل. عن الآية الكريمة قالوا: معنى عِدَّة: الواجب عليه عدَّة. والآية تدل على أن المسافر يفطر ويعتد من أيام أُخر، ولم يأت فيها ذكرٌ للصيام. فأقول: إن التقدير هو (فأفطر فعدَّة) وقد خرجت الآية الكريمة مخرج الأعمِّ الأغلب، ولم تأت لنفي الصيام والاقتصار على الإفطار، فلا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه. وأما الحديث رقم ٢ فإنه قسمان: القسم الأول من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه (خرج رسول الله ﷺ عامَ الفتح، فصام وصام الناس حتى بلغ الكَديد ثم أفطر فأفطر الناس) فهذا النص لا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه، وهو متفقٌ مع ما أوردنا من أدلة كثيرة سابقة، وخاصة ما ورد في البند ٩ المار قبل قليل.

стр. 107

...وأما القسم الثاني (فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعل رسول الله ﷺ فإنه قولٌ مُدْرَجٌ من قول ابن شهاب الزُّهري كما جزم البخاري في الجهاد (قوله وكان ذلك آخر الأمرين) وكذلك وقعت هذه الزيادة عند مسلمٍ مُدْرَجةً. ثم إن النبي ﷺ صام بعد هذه القصة، كما جاء في الحديث رقم ١٢ المار قبل قليل (ثم رأيتُنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر) فهذه الزيادة هي من قول الزُّهري أولاً، وقول الزُّهري ليس دليلاً، وجاء عند ابن خُزيمة (٢٠٣٥) عقب روايته للحديث (قال سفيان: لا أدري هذا من قول ابن عباس، أو من قول عُبيد الله، أو من قول الزُّهري) فهو على الشك، إضافةً إلى أن هذه الزيادة معارَضةٌ بالحديث رقم ١٢ من طريق أبي سعيد الخُدري ﵁ عند مسلم وغيره، فلا يُلتفت إليها. ...وأما الحديث الثالث (أولئك العصاة، أولئك العصاة) فإنه جاء في حالة مشقَّة الصيام عليهم وعند المشقة تؤخذ الرخصة، فلما رفضوا الأخذ بالرخصة وامتنعوا عن التأسي بالرسول ﷺ عندما دعا بقدح من ماء أَمامَهم ثم شرب، فإنهم يكونون بذلك قد عصَوْا بالتمسك بالصيام في هذه الحالة وانطبق عليهم الحديث رقم ١٠ (من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة) . ...وأما الحديث الرابع (ليس من البر الصومُ في السفر) فقد بيَّنَّا قبل قليل دلالته ومعناه، فلا نعيد. ...وأما الحديث الخامس (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) سواء منه ما كان مرفوعاً أو موقوفاً، فهو حديث منقطع، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، قاله يحيى بن معين والبخاري. وسند ابن ماجة إضافةً إلى الانقطاع فيه راوٍ اسمه أسامة بن زيد، متَّفَقٌ على تضعيفه. وقال أبو إسحق: هذا الحديث ليس بشيء. فالحديث ضعيف جداً فيترك.

стр. 108

...وأما الحديث السادس (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطَر الصلاة) فقد بيّنَّا قبل قليل دلالته ومعناه، فلا نعيد. وبذلك يتضح أن هذه التي سمَّوها أدلة هي في حقيقتها شبهات لا تدل على ما ذهبوا إليه. وأما ما ذهب إليه الكثيرون من تفضيل الصيام على الإفطار، وما ذهب إليه الآخَرون من تفضيل الإفطار على الصيام، فإن كل فريق منهما قد أخذ من الأحاديث المارة ما يراه دالاً على رأيه، دون أن يُجهد نفسه بالنظر في الأحاديث كلِّها، فمثلاً: قال قائلون إن الفطر أفضل عملاً بالرخصة الواردة في الأحاديث، وبالقول ليس من البر الصوم في السفر. وقال آخرون إن الصيام أفضل، أخذاً بآخر الحديث رقم ٧ المار قبل قليل (وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رَوَاحة) . وبالحديث رقم ١٢ المار قبل قليل أيضاً (ثم رأيتُنا نصوم مع سول الله ﷺ بعدَ ذلك في السفر) وبالحديث الذي كنا بصدده قبل قليل (فكانوا يأخذون بالأَحدث فالأَحدث من فعل رسول الله ﷺ ولا يصح الاجتهاد، بل ولا يجوز، دون أن ينظر المجتهد في جميع النصوص الواردة ويضعها كلها على صعيد البحث، لا أن يأخذ منها القسم الذي يراه دالاً على رأيه ويدع القسم الآخر. قدرُ مسيرةِ ما يفطر فيه: ذهب أصحاب الرأي ومالك والشافعي والأوزاعي ويحيى الأنصاري وإبراهيم النخعي والزُّهري ومكحول إلى أن المقيم إذا نوى الصيام ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر بل يستمر صائماً، أما المسافر فإنه، وإن نوى الصيام من الليل ثم أراد أن يفطر، فإن له ذلك، وأجاز ذلك أحمد وإسحق بن راهُويه والحسن البصري والمُزَني وداود بن علي وعامر الشعبي وابن المنذر والشوكاني وعطاء.

стр. 109

وقال أحمد وإسحاق وعطاء والحسن: يجوز له أن يفطر وهو في بيته في بلده قبل أن يخرج منه، ونُقل ذلك عن أنس ﵁. وذهب ابن حزم والظاهرية إلى جواز الفطر لمن سافر ميلاً واحداً. ورُوي عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس ﵄ جوازُ الإِفطار في أكثر من أربعة بُرُد، أي في أكثر من ثمانية وأربعين ميلاً. ونحن ننظر الآن في النصوص التي تعالج هذه المسألة: ١- عن كُلَيب بن ذُهلٍ الحضرمي، عن عُبيد بن جُبير قال ﴿ركبتُ مع أبي بَصْرةَ الغِفاري سفينةً من الفُسطاط في رمضان، فدفع، فقرَّب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال أبو بَصْرة: أرغبتَ عن سُنَّة رسول الله ﷺ ؟﴾ رواه الدارمي (١٧١٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه ابن خُزيمة (٢٠٤٠) وقال [لست أعرف كُلَيب بن ذُهلٍ ولا عُبيد بن جُبير، ولا أقبل دِين من لا أعرفه بعدالة] . ٢- عن محمد بن كعب قال ﴿أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلتْ له راحلتُه ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنَّة؟ فقال: سُنَّة، ثم ركب﴾ رواه الترمذي (٧٩٦) وقال [هذا حديث حسن] وفي إسناده عبد الله بن جعفر ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم وقال: منكر الحديث جداً. كما ضعَّفه ابنه علي بن المَديني. وضعَّفه الجوزجاني وقال: إِنه واهي الحديث. وقال النَّسائي: متروك الحديث. فالحديث ضعيف جداً رغم تحسين الترمذي له.

стр. 110

٣- عن منصور الكلبي قال ﴿إن دِحْية بنَ خليفة خرج من قريته من دمشق إلى قدر قرية عُقْبة من الفسطاط وذلك ثلاثة أميال من رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيتُ اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هَدْي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك﴾ رواه أبو داود (٢٤١٣) وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي. ومنصور الكلبي مجهول قاله علي بن المَديني والخطابي وابن خُزيمة، فالحديث ضعيف الإسناد. ٤- عن اللجلاج قال ﴿كنا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال، فيتجوَّز في الصلاة ويفطر﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٣٦) . وفيه الجريري واسمه سعيد بن إياس اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ولذا تركه المحدِّثون عندئذٍ. ٥- عن نافع ﴿أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يَقْصُر﴾ رواه أبو داود (٢٤١٤) والبيهقي. وسكت عنه المنذري. والغابة موضع يبعد عن المدينة من ناحية الشام بريداً واحداً. والبريد أربعة فراسخ، أي حوالي ١٢ ميلاً. الآثار الأربعة الأولى كلُّها ضعيفة فتترك، وقد حاول بعضهم تصحيح هذه الآثار مدَّعياً أن الواحد منها يشهد له الآخر فيتقوى به، وهذا التصحيح غير صحيح، ذلك أن الضعيف لا يقوِّيه ضعيف آخر وإنما يزيده ضعفاً فلا يُلتفت إلى هذه القاعدة. ويبقى عندنا أثر ابن عمر أنه كان يخرج إلى الغابة وهي تبعد عن المدينة اثني عشر ميلاً فلا يفطر ولا يقصر، فأقول: أولاً: هذا الفعل من ابن عمر ﵁ ليس دليلاً شرعياً وإنما هو حكم شرعي في حقِّ من قلَّد ابن عمر فيه، ونحن هنا لسنا بصدد تقليد أحد.

стр. 111

وثانياً: إن عدم إفطار ابن عمر لا يعني أنه كان يحرِّم الإفطار ولا يجيزه وذلك أن المسافر يُرخَّص له في الإفطار، ويجوز له الصيام كما بيّنَّا قبل قليل، فأَخْذُ الشخصِ بالإفطار أو أخذُه بالصيام كلاهما جائز، ولا يدل الواحد منهما على منع الآخر. ...وبذلك يظهر أنه ليس لدينا نصٌّ صحيحٌ ولا حسنٌ في تحديد المسافة التي لا بد من قطعها حتى يصح الإفطار. ولا يبقى عندنا بعد ذلك سوى قوله في الآية ١٨٤ من سورة البقرة ﴿ ... فمنْ كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ ... ﴾ وهذا السفر مطلق لم يُقيَّد بمسافة قصيرة ولا طويلة، فما يطلق عليه اسم السفر فهو عُذر يجيز للصائم أن يفطر. ...أما ما ورد من أحاديث من أن رسول الله ﷺ أفطر عام الفتح عندما سافر من المدينة إلى مكة ووصل إلى الكَدِيد – والكِدَيد عينُ ماء تبعد عن مكة ثمانية وأربعين ميلاً - أو عندما وصل إلى كُراع الغَمِيم – وهو وادٍ أمام عُسفان يبعد عنها ثمانية أميال فيكون بعيداً عن مكة أكثر من خمسين ميلاً – كما ورد في البند الثاني وفي البند الثالث من البحث [أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر] فلا دلالة فيها على مسألتنا مطلقاً، وذلك: أولاً: إن هذه المسافات قد وقعت اتفاقاً أي هي وقائع أعيان، ووقائع الأعيان لا يُحتجُّ بها على العموم كما هو مقرر في علم الأصول. وثانياً: إن هذه المسافات جاءت تبين بُعدَ مكان الإفطار عن مكة لا بعده عن المدينة التي خرجوا منها، أي أنها لم تأت لبيان المسافات التي قطعها الرسول ﷺ في سفره حتى يقال إنها ذات دلالة على الموضوع. ...ومن ذلك يتبين أن من قال بجواز الفطر للصائم إن هو قطع مسافة كذا، أو مسافة كذا، قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن ذلك لم يَرِدْ في الشرع لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية.

стр. 112

...نخلص مما سبق إلى القول التالي: إن المسافر يحق له أن يفطر إذا سافر يومه ذاك ولا حائل يحول دون إفطاره، وإن الشرع لم يحدِّد مسافة معينة كعذرٍ لإفطار الصائم، وإنما أطلق القول بأن السفر عذر للإفطار، فيظل المطلق مطلقاً لا يصح تقييده لا بفعل صحابي ولا تابعي ولا فقيه، ولا بأقوالهم، فكل ما يطلق عليه اسم السفر فهو عُذر يبيح الإفطار، وما لم يكن سفرٌ فلا إفطار. وعليه فإن من ذهبوا إلى جواز الإِفطار قبل الخروج من البيوت قد أخطأوا أيضاً بما ذهبوا إليه، لأن نيةَ السفر غيرُ السفر، والسفرُ هو العذر وليست نيتُه. كما أن من حدَّدوا لبدء الإِفطار مسافة معينة كأن تكون ميلاً أو أربعة بُرُدٍ قد أخطأوا أيضاً في تحديدهم هذا لأنه لا دليل لهم من النصوص الصحيحة أو الحسنة، ويبقى لنا أن نقول إن السفر عذر، وإن من سافر جاز له الإفطار. بقي أن نعرف متى يكون الخروج سفراً ومتى لا يكون؟ فأقول ما يلي: إن الخروج حتى يكون سفراً يُباح معه الفطرُ، هو أن يغادر الشخص بلده والأراضي التابعة له، ويدخل في أراضي بلد آخر، مهما كان طول أراضي بلده أو قصرها، فالشخص في بلده غير مسافر، والفلاح في أرضه التابعة لبلده غير مسافر ولو كانت أرضه تبعد عن بلده عدة أميال، ولا يكون مسافراً إلا إذا غادر بلده وأراضي بلده، وعندها فقط يجوز له أن يفطر، سواء كان بالأكل أو بالشرب أو بالجماع. ...أما أصحاب الرأي ومالك والشافعي وغيرهم القائلون إِنَّ المقيم إذا نوى الصيام ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر، بل يستمر صائماً، محتجين بأن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، وقول الشافعي: من أصبح في حضرٍ مسافراً فليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي ﷺ أنه أفطر يوم الكِدَيد. فالرد على هؤلاء كما يلي:

стр. 113

أولاً: إنَّ الحديث عن رسول الله ﷺ أنه أفطر يوم الكَدِيد، قد ثبت، فقد رواه الدارمي ومسلم وغيرهما وقد مرَّ في بحث [أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر] في البند ٢. كما روى مسلم وغيره أنه ﵊ قد أفطر في كُراع الغَميم كما مرَّ في البند ٣ من البحث نفسه. وروى مسلم (٢٦٠٨) عن ابن عباس ﵁ قال ﴿سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عُسْفانَ، ثم دعا بإناءٍ فيه شراب فشربه نهاراً ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة ... ﴾ فهذه ثلاثة أحاديث ثابتة وليست حديثاً واحداً فقط، فوجب على أتباع الشافعي الرجوعُ عن قولهم. ثانياً: وأما أنَّ الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإن اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، فإني لأعجبُ من هذا القول وأستغربه، وهو لا يحتاج لرده إلى أكثر من أن أقول إنَّ حكمَ أيِّ أمرٍ مستمرٌ وماضٍ حتى يوجد عذرٌ مبيحٌ لترك ذلك الحكم، فيتوقف الحكم والعمل به عندئذٍ، دون نظرٍ في تقدُّم العذر، أو تأخُّره، أو مصارعتِه لحكم الأصلِ وفوزِ أحدِهما بالمصارعةِ!! والأصل في هذه القاعدة أن تكون من البديهيات. وعليه فإني أقول إن المقيم إذا نوى الصيام فقد وجب عليه الصيام، فإذا دخل عليه عذر السفر توقف عن القول بالوجوب وأخذَ بالعذر، وإلا فلا قيمة لهذا العذر، بل ولا قيمة للأعذار كلها!! وغفر الله لنا جميعاً. الفصل الرابع: قضاء الصوم الفصل الرابع قضاء الصوم أ ولاً: قضاءُ الصوم عن النفس: قضاءُ الصوم المفروض: ويشمل المريض، والمسافر، والمرأة الحائض، والمرأةَ النُّفَساء، والمتقيء عمداً والمفطر قبل الغروب ظاناً أن الشمس قد غربت، والمجنون، والمغمى عليه يصحوان في نهار رمضان، والحامل، والمرضع إذا خافتا على نفسيهما، أو على ولديهما فأفطرتا، والصبي، والكافر إذا دخلا في دائرة التكاليف في نهار رمضان.

стр. 114

١- قضاء الصوم على المريض وعلى المسافر: يجب على كلٍّ من المريض والمسافر أن يقضي ما فاته من صيامٍ مفروض، وهذا الحكم متفق عليه لم يخالفه فقيه، ودليله قوله سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذين مِنْ قَبْلِكم لعلَّكُم تتَّقون ? أَياماً معْدوداتٍ فمنْ كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أَيامٍ أُخَرَ وعلى الذين يُطيقُونه فِديةٌ طعامُ مسْكين فمنْ تطوَّعَ خيراً فهو خيرٌ له وأَنْ تصوموا خيرٌ لكم إنْ كنتم تعلمون﴾ الآيتان ١٨٣، ١٨٤ من سورة البقرة. فقوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أَيامٍ أُخَرَ﴾ يدل على أن على المريض والمسافر أن يقضيا ما فاتهما من صيام في أيام أخرى. وقد أشرنا إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء في تفسير هذا الجزء من الآية في بحث [أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر] في الفصل [الصيام في السفر] . ٢ - قضاء الصوم على المرأة الحائض وعلى النُّفَساء: يجب على المرأة الحائض والمرأة النُّفَساء أن يقضيا ما فاتهما من صيام في فترتي الحيض والنفاس، وهذا الحكم أيضاً متفقٌ عليه لم يخالفه فقيه. قال ابن قدامة في المغني [أجمع أهل العلم على أن الحائض والنُّفَساء لا يحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يُجْزِئْهما الصوم] . والأدلة عليه ما يلي: أ- عن معاذة قالت ﴿سألتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَروريةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَروريةٍ ولكني أسأل؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة﴾ رواه مسلم (٧٦٣) والبخاري وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وقد مرَّ في بحث [صوم الحائض والنفساء] في الفصل [صيام رمضان – أحكام عامة] .

стр. 115

ب - عن عائشة ﵂ قالت ﴿كنا نحيض عند النبي ﷺ ، فيأمرنا بقضاء الصوم﴾ رواه ابن ماجة (١٦٧٠) . ورواه النَّسائي (٢٣١٨) بلفظ ﴿ ... كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نطهر، فيأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة﴾ وقد مرَّ هو الآخر في بحث [صوم الحائض والنفساء] في الفصل [صيام رمضان – أحكام عامة] . ٣ - قضاء الصوم على المتقيء عمداً: قال ابن المنذر: وقع الإِجماع على بطلان الصوم بتعمُّد القيء، لكن نقل ابن بطَّال عن ابن عباس وابن مسعود: لا يفطر مطلقاً وهي إحدى الروايتين عن أصحاب مالك. ونقل ابن المنذر أيضاً الإجماع – وهو يعني إِجماع العلماء – على ترك القضاء على من ذرعه القيء – أي تقيأ رغماً عنه - ولم يتعمَّدْه، إلا في إحدى الروايتين عن الحسن البصري. وقال: قال علي وابن عمر وزيد بن أرقم وعلقمة والزُّهري ومالك وأحمد وإسحق وأصحاب الرأي: لا كفارة عليه وإنما عليه القضاء، ورُوي ذلك أيضاً عن أبي حنيفة والشافعي. فعن الشافعي قال [ومن تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وبهذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر] ذكره البيهقي (٤/٢١٩) ثم ذكر حديث ابن عمر بإسناده بلفظ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) وقال عطاء وأبو ثور: من تعمَّد القيء فعليه القضاء والكفارة. والصحيح هو أنَّ مَن غلبه القيءُ فقاء رغماً عنه فصيامه صحيح، وبالتالي فلا قضاء عليه، ولكن من استقاء، أي قاء بإرادته فقد أفطر، وبالتالي عليه القضاء. وما نُقل عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: أَنَّ من قاء بإرادته أو من غلبه القيء لا يفطر، فهو خطأ تدحضه النصوص الآتية، كما أن النصوص الآتية لم ترتِّب على من استقاء إلا القضاء، وبالتالي فإن ما نُقل عن عطاء وأبي ثور من إيجاب الكفَّارة مع القضاء هو خطأ. وهذه هي النصوص:

стр. 116

أ - عن معدان بن طلحة ﴿أن أبا الدرداء حدَّثه أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فلقيتُ ثَوْبانَ مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق فقلت: إِن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وَضوءَ هُ ﷺ ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨١) وأحمد والنَّسائي والدارمي والترمذي وابن حِبَّان. قال ابن منده: إسناده صحيح متصل. وقال الترمذي وأحمد: هذا أصح شيء في هذا الباب. ب - عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ﵁ قال ﴿استقاء رسول الله ﷺ فأفطر وأُتي بماءٍ فتوضأ﴾ رواه عبد الرزاق (٧٥٤٨) والنَّسائي وأحمد وإسناده صحيح. ج - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ﴿من ذَرَعَهُ قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضِ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨٠) والدارمي والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والبيهقي والحاكم وصحَّحه وأقرَّه الذهبي. وقال الترمذي [حسن غريب] وضعَّفه البخاري وأحمد. قال الترمذي [ ... والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمداً فلْيقضِ، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحق] .

стр. 117

...الحديث الأول (قاء فأفطر) فسَّره الحديث الثاني (استقاء رسول الله ﷺ فأفطر) وليس أصح من تفسير الحديث بالحديث. فيكون معنى قاء في الحديث الأول: استقاء، أي قاء بإرادته، وكون هذين الحديثين يذكران أن من قاء بإرادته أفطر، فإنهما يعنيان بالضرورة المؤكدة أن عليه القضاء، وجاء الحديث الثالث يؤكد هذا الحكم (وإن استقاء فليقضِ) ومِن قبله حديث ابن عمر عند البيهقي المار قبل قليل (ومن استقاء فعليه القضاء) ولا يمنع تضعيف البخاري وأحمد لحديث أبي هريرة من الاستدلال به، لأن غيرهما قد صحَّحوه أو حسَّنوه أولاً، ولأن معناه ولفظه لم يعارضهما معنى ولفظُ حديث أصحَّ منه ثانياً، ولأن هذا الحديث قد عضده ودعمه حديث آخر هو حديث ابن عمر ثالثاً، ولهذا فإن الاحتجاج به صحيح وسليم لا غبار عليه. فالمتقيء عمداً يجب عليه القضاء، والقضاء فقط دون الكفَّارة، لأن النصوص قد رتبت على المتقيء عمداً القضاء، ولم يَرِدْ للكفَّارة ذِكرٌ هنا. ٤ - قضاءُ الصوم على من أفطر قبل الغروب ظاناً أن الشمس قد غربت: ذهب مجاهد بن جبر والحسن البصري وإسحق بن راهُويه، وأحمد بن حنبل في رواية، وابن خُزيمة إلى عدم القضاء على من أفطر قبل الغروب، وهو يظن أن الشمس قد غربت، مُسْتدلِّين بما روى زيد بن وهب قال ﴿أُخرِجتْ عِساسٌ من بيت حفصة، وعلى السماء سحابٌ، فظنوا أن الشمس قد غابت، فأفطروا، فلم يلبثوا أن تجلَّى السحابُ، فإذا الشمس طالعة، فقال عمر: ما تجانفنا من إثم﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٤٠-٤٤١) والبيهقي. ورواه عبد الرزاق (٧٣٩٥) ولفظه ﴿... وقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: ولِمَ؟ فوالله ما تجنَّفنا لإثم﴾ والعِساس: جمع عُسٍّ، وهو القدح والإِناء الضخم.

стр. 118

...وذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء ورجَّحه ابن حجر بقوله [إنه لو غُمَّ هلالُ رمضان فأصبحوا مفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا] وقد استدلوا على رأيهم بالأدلة التالية: أ - عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت ﴿أفطرنا على عهد النبي ﷺ يومَ غيمٍ، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأُمروا بالقضاء؟ قال: بُدٌّ من قضاء وقال مَعْمَر: سمعت هشاماً يقول: لا أدري أَقَضَوْا أم لا؟﴾ رواه البخاري (١٩٥٩) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه ابن ماجة (١٦٧٤) بلفظ: ﴿ ... فلا بد من ذلك﴾ . ب - عن بِشر بن قيس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ﴿كنت عنده عشيَّةً في رمضان وكان يومَ غيمٍ، فظن أن الشمس قد غابت، فشرب عمر وسقاني، ثم نظروا إليها على سفح الجبل، فقال عمر: لا نبالي، والله نقضي يوماً مكانه﴾ رواه البيهقي (٤/٢١٧) ورواه الإمام الشافعي في كتاب الأم (٢/٩٦) من طريق خالد بن أسلم بلفظ ﴿فقال عمر: الخطبُ يسير﴾ ورواه مالك (١/٢٥٦) وزاد ﴿وقد اجتهدنا﴾ ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٧٣٩٢) وزاد ﴿نقضي يوماً﴾ وفي رواية ثانية له (٧٣٩٤) من طريق بِشْر بن قيس بلفظ ﴿قال عمر: أتموا يومكم هذا، ثم اقضوا يوماً﴾ .

стр. 119

...والصواب هو رأي الجمهور لأَنَّ الأثر في البند أيقول (بُدٌّ من قضاء) و (فلا بدَّ من ذلك) . فهو نص واضح الدلالة على أنهم قد أُمروا بالقضاء. أما قول معمر (سمعت هشاماً يقول: لا أدري أَقضوا أم لا؟) فلا يبطل القول الأول ولا يلغيه، لأن الأول إثبات، والثاني شك، والإثبات مقدَّم على الشك، ثم إن هشاماً روى أنهم أُمروا بالقضاء، وهذا هو الحكم وهو ما نبحث عنه، فإن جاء قوله بعد ذلك إنه لا يعلم إِنْ هم قضَوْا أو لا فإنه لا يُبطل هذا الحكم، لأن فعل الناس لحكمٍ أو عدم فعلهم له لا يقدم ولا يؤخر في ثبوته، فثبوت الحكم شيء، والتزام الناس به شيء آخر. ولمن بقي متشكِّكاً نقدِّم الأثر في البند ب وهو شرح وبيان لما غمض في البند أ، فهو يقول (لا نبالي، والله نقضي يوماً مكانه) ويقول (أتموا يومكم هذا ثم اقضوا يوماً) وهذا منطوق قطعي الدلالة. وعليه فإن الثابت من قول عمر هو القضاء، وقد قاله أمام الصحابة ولم يُعرف له مخالِف. ...أما أثر زيد بن وهب عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي الذي يُفهم منه عدم القضاء، فإن البيهقي راوي الحديث يقول عقب روايته له [وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة ويعدها مما خولف فيه، وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون] فلا تصلح هذه الروايةُ لمعارضة الأثرين الثابتين المثبِتين للقضاء. ٥ - قضاءُ الصوم على المجنون وعلى المغمى عليه يصحوان في نهار رمضان المجنون، ومثله المغمى عليه، إذا مضى عليه الليل فلم يَصْحُ، ولم يتسنَّ له عقدُ نيةِ الصوم فيه، ثم دخل النهار فصحا، فإن عليه أن يمسك بقية يومه ويقضي يوماً بدله وقد تمَّ بحثُ هذه المسألة في بحث [لا صوم على المجنون والمغمى عليه] في الفصل [صيام رمضان – أحكام عامة] فلا نعيد. ٦ - قضاءُ الصوم على الحامل وعلى المرضع إن أفطرتا:

стр. 120

وقد تم بحث هذه المسألة في بحث [صوم الحامل والمرضع] في الفصل [صيام رمضان – أحكام عامة] . ٧ - قضاءُ الصوم على الصبي وعلى الكافر إذا وقع عليهما التكليف في نهار رمضان: الصبي إذا بلغ في نهار رمضان، والكافر إذا أسلم في نهار رمضان، فقد دخلا في دائرة المكلَّفِين، فوجب عليهما عندئذٍ الإمساكُ بقيةَ النهار وقضاءُ يوم بدله. وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح والعنبري. وليس في هذه المسألة نصٌّ خاص ولذلك نلجأ إلى النصوص العامة، وهذه النصوص العامة تفرض التكاليف الشرعية على الصبي إذا بلغ، وعلى الكافر إذا أسلم، وكون الصيام من هذه التكاليف فإن الصبي والكافر يتوجب عليهما الصيام لحظة البلوغ والإسلام. وحيث أن التكاليف بدأت في جزء من نهار رمضان، وأن الصبي والمجنون لم ينويا الصيام من الليل، والنيةُ شرط لا بد منه لقبول الصيام، فقد صار من المتوجَّبِ عليهما أن يصوما يوماً بدله. هؤلاء الأحد عشر شخصاً هم من يتوجب عليهم قضاء الصوم المفروض. ب - قضاءُ صوم التطوُّع: ذهب أبو حنيفة إلى أن الصائم تطوُّعاً يلزمه إِتمام صومه وعدم قطعه إلا لعذر، فإن قَطَع صيامَه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه، وإن قطعه لغير عذر لزمه أيضاً القضاء وعليه الإثم. وقد حكى الترمذي عن ناسٍ من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم رأوا وجوب القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس. ورُويت عن مالك روايةٌ أخرى: أن لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر. ...وذهب سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه والجمهور إلى جواز الإفطار، لا سيما إذا كان قد دُعي إلى طعام، وإلى استحباب القضاء، وقد رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد ﵃ وعن الصحابة أجمعين. وقد استدل القائلون بوجوب القضاء بما يلي:

стр. 121

أ - عن عائشة ﵂ قالت ﴿كنت أنا وحفصة صائمتين، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي ﷺ ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنةَ أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً آخر﴾ رواه أحمد (٢٦٧٩٧) وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك والطحاوي. ورواه ابن حِبَّان (٣٥١٧) بلفظ ﴿ ... أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهدي لنا طعامٌ فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : صوما مكانه يوماً آخر﴾ وفي رواية ثانية لأحمد (٢٥٦٠٧) بلفظ ﴿ ... فقال: أَبدلا يوماً مكانه﴾ . ب - عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿صنعتُ لرسول الله ﷺ طعاماً، فأتاني هو وأصحابُه، فلما وُضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلَّف لكم، ثم قال له: أَفطرْ، وصُم مكانه يوماً إن شئت﴾ رواه البيهقي (٤/٢٧٩) والطبراني في المعجم الأوسط والدارَقُطني وأبو داود الطيالسي بسند حسَّنه ابن حجر. ج - قال ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطيعوا اللهَ وأَطيعوا الرَّسولَ ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم﴾ الآية ٣٣ من سورة محمد. أما القائلون باستحباب القضاء وعدم وجوبه فقد استدلوا بما يلي:

стр. 122

أ - عن أم هانئ ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ شرب شراباً، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كرهتُ أن أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فقال، يعني إن كان قضاءً من رمضان فاقضي يوماً مكانه، وإن كان تطوُّعاً فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي﴾ رواه أحمد (٢٧٤٤٩) والدارمي والنَّسائي والترمذي والبيهقي والدارَقُطني. قال الترمذي [حديث أم هانئ في إسناده مقال] وفي رواية ثانية للترمذي (٧٢٨) بلفظ ﴿ ... فقال رسول الله ﷺ : الصائمُ المتطوِّع أمينُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر﴾ . ب - حديث أبي سعيد الوارد في بند ب من أدلة القائلين بوجوب القضاء وفيه (أَفْطِر وصُمْ مكانه يوماً إن شئت) . بالنظر في هذه النصوص نجد ما يلي: إن حديث عائشة الذي رواه الإمامُ أحمد وغيره وفيه (اقضيا يوماً آخر) ضعَّفه البخاري والنَّسائي وأحمد وضعَّفه الخلاَّل وقال: توارَد الحُفَّاظُ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقال الترمذي [ ... رُوي عن ابن جُرَيج قال: سألتُ الزُّهري فقلت: أَحدَّثك عروةُ عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة شيئاً، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناسٍ عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث] فالحديث منقطعٌ فلا يصلح للاحتجاج فيترك. ...وأما حديث أم هانئ الذي رواه أحمد وغيره وفيه (وإن كان تطوعاً فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي) فضعيفٌ هو الآخر ولا يصلح للاحتجاج، وذلك أنَّ فيه سِماكَ بن حرب، وهو ضعيف عنه المحدِّثين، إِضافةً إلى أن فيه مجهولاً هو الراوي عن أم هانئ، فمرة يقال هرون بن ابن أم هانئ، ومرة يقال هرون بن بنت أم هانئ، وهرون مجهول. قال يحيى بن القطان: لا يُعرَف. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول. فيُطرح هذا الحديث.

стр. 123

...وأما الآية الكريمة ﴿ ... ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم﴾ فهي عامة لم تَرِد في موضوع الصوم، والعام يُعمل به ما لم يرد ما يخصِّصه فيُحْمَل العام على الخاص، وفي مسألتنا هذه جاء الإذن للصائم المتطوع أن يفطركما ورد في حديث أبي سعيد، بل وفي العديد من الأحاديث الصحيحة، وهي خاصة بالصوم فيُعمل بها وتُحمَل الآيةُ عليها. ولست في حاجة لإِيراد هذه الأحاديث كلها وحسبي أن أذكر حديثاً صحيحاً واحداً، هو ما رُوي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت ﴿دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقال أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل﴾ رواه مسلم (٢٧١٥) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس هو طعام من سمن ولبن جامد وتمر. ...وإذن فإن جواز قطع صيام التطوع جاءت أحادث كثيرة به، وجاءت به دون إيراد أي عذر، فلا يحلُّ لأحدٍ وَقَف على هذه الأحاديث أن يحرِّم قطع صيام التطوع، أو أن يقيِّده بعذر. فقول أبي حنيفة [الصائم تطوُّعاً يلزمه إِتمام صومه وعدمُ قطعه إلا لعذر] هو قول خطأ تدحضه النصوص الصحيحة.

стр. 124

...أما قضاء ما قُطع من صوم التطوع فهو غير واجب ولا يوجد نصٌّ صحيح أو حسن يأمر به على سبيل الإِلزام، فيبقى حكمه حكم صيام التطوُّع ابتداءً، دون أي فارق بينهما. فكما أن صيام التطوع مندوب، فإِنَّ قضاءَ هذا الصيام يأخذ حكمَه، وهو الندب، فقول رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد (أَفطر وصُم مكانه يوماً إن شئت) يدل على جواز الإفطار وعلى القضاء المعلَّق بالمشيئة، ولا يدل كلاهما على الفرض والإِلزام. وعليه فإن قول مالك في الرواية الأخرى [أنْ لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر] لا مسوِّغ له ولا دليل عليه. وبذلك يبقى قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد ومن قال بقولهم، مِن أن قطع صيامِ التطوع جائزٌ ومِن استحباب القضاء، هو القول الصحيح الذي تدل عليه النصوص. ثانياً: قضاء الصوم عن الميت: ذهب طاووس والحسن البصري والزُّهري وقتادة وأبو ثور وابن حزم والنووي إلى استحباب صيام ولي الميت عن الميت. وحصره الليث بن سعد وإسحق وأبو عبيد في صوم النذر دون غيره. وذهب أبو حنيفة ومالك والجمهور إلى أنه لا يُصام عن ميت لا نذراً ولا غيره، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، ورواية عن الحسن والزُّهري. ...قال النووي: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صومٌ واجب من رمضان، أو قضاءٌ أو نذرٌ أو غيرُه هل يُقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يُصام عنه، ولا يصح من ميت صومٌ أصلاً. والثاني يُستحَبُّ لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إِطعام عنه. وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث ... إلخ.

стр. 125

...وقال الترمذي: [اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم يُصام عن الميت وبه يقول أحمد وإسحق، قالا: إذا كان على الميت نذرُ صيامٍ يُصام عنه، وإذا كان عليه قضاء رمضان أُطْعِمَ عنه، وقال مالك وسفيان والشافعي: لا يصوم أحد عن أحد] . وحتى نقف على الرأي الصحيح، فإنَّا نذكر الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة، ثم نقوم بعملية الاستنباط: ١- عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﵌ قال ﴿من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه﴾ رواه البخاري (١٩٥٢) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ورواه البزَّار (١٠٢٣) بزيادة ﴿إن شاء﴾ . ٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صومُ شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدينُ الله أحق أن يُقضَى ... ﴾ رواه البخاري (١٩٥٣) ومسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي. وروى البخاري هذا الحديث بروايات متعددة، وجاء في إحداها ﴿قالت امرأة للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ... ﴾ . ٣- عن بُرَيدة ﵁ قال ﴿بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدَّقتُ على أمي بجارية وإنها ماتت، قال: فقال: وجب أجرُكَ وردَّها عليك الميراثُ، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحجَّ قط أفأحجُّ عنها؟ قال حُجِّي عنها﴾ رواه مسلم (٢٦٩٧) وأبو داود والترمذي وأحمد. ٤- عن ابن عباس ﵄ ﴿أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إِنْ نجَّاها الله أن تصوم شهراً، فنجَّاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تصوم عنها﴾ رواه أبو داود (٣٣٠٨) والنَّسائي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن خُزيمة باختلاف في الألفاظ.

стр. 126

٥- عن جابر بن عبد الله ﵁ ﴿أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي تُوُفِّيت وعليها نذر صيام فتُوُفِّيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله ﷺ : لِيَصُمْ عنها الولي﴾ رواه ابن ماجة (٢١٣٣) بسند فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، قاله صاحب الزوائد. إِلا أنَّ غيره من المحدِّثين أدخلوا حديثه في دائرة الحسن. ٦- عن ابن عباس ﵄ قال ﴿جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال: أرأيتِ لو كان على أختكِ دينٌ أكنتِ تقضينه؟ قالت نعم، قال: فحقُّ الله أحقُّ﴾ رواه الترمذي (٧١٢) . وقال [حديث ابن عباس حديث حسن صحيح] ورواه النَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والدارَقُطني وابن خُزيمة. الحديث في البند الخامس ضعيف عند ناسٍ، وحسن عند آخرين، وعلى أية حال فإن سائر الأحاديث تغني عنه. الحديث الأول عن عائشة هو في قمة الأحاديث الصحيحة، وكذلك الحديث الثاني عن ابن عباس، فقد اتفق عليهما البخاري ومسلم وما اتفق عليه الشيخان فهو صحيح بلا شك. الأول يقول (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) والثاني يقول (نعم، فدين الله أحق أن يُقضَى) .

стр. 127

الحديث الأول عامٌّ في كل صيام، والحديث الثاني جاء عاماً في رواية، وجاء في النذر في رواية ثانية ولنقل إن هذا الحديث جاء في النذر. والحديث الثالث الصحيح جاء الأمر فيه بالصوم عن الميت (قال: صومي عنها) وقد جاء عامَّاً في الصيام، وليس صحيحاً تخصيصُه بالنذر، فقد تتبَّعتُ روايات هذا الحديث في كتب الحديث المعتبرة كلِّها، فلم أجد في أيٍّ منها أيةَ إشارةٍ إلى النذر، فيبقى الحديث عاماً في الصيام كالحديث الأول. والحديث الرابع كالحديث الثاني جاء في صوم النذر بلفظ صريح. وأما الحديث السادس فقد جاء خاصاً في الكفَّارات بدليل قوله (وعليها صوم شهرين متتابعين) فقوله (متتابعين) هو قرينة على أن الصوم صوم كفَّارة، ولكن هناك احتمالٌ ضعيفٌ جداً أن يكون الصوم هذا في النذر.

стр. 128

...الأول والثالث جاءا عامَّين في الصيام، والثاني والرابع جاءا خاصَّين في صيام النذر، والسادس جاء خاصاً في صوم الكفَّارات، ويحتمل أن يكون خاصاً بالنذر. الأول والثالث جاء لفظهما عاماً في قضاء الصوم، ومنه بل وأشهره وأبرزه صومُ رمضان، ولم يَرِدْ أيُّ نسخٍ لهما ولا أي تخصيص، فيبقى فيهما العام عاماً. والثاني والرابع جاء لفظهما خاصاً في النذر، أي في قضاء صوم النذر، ولا يوجد نصٌّ ينسخه أو يصرفه عن وجهه، فيبقى فيهما اللفظ خاصاً، ويصح إلحاق الحديث السادس به. فنقول إن الشخص إذا مات وعليه صومٌ مفروض كصوم رمضان، أو كصوم النذر أو كصوم الكفَّارات صام عنه وليه، وقد جاء الأمر بهذا في قمة الأحاديث الصحيحة،لم يخالفها أي حديث صحيح أو حسن، فيُعمل بها ويُؤخذ بها، ومن وقف عليها لم يَجُزْ له القول بخلافها تحت أية ذريعة من الذرائع فلا الأحاديث الضعيفة ولا أقوال الصحابة ولا اجتهادات الفقهاء تستطيع أن تنسخ هذا الحكم الشرعي الثابت بحال من الأحوال. وعليه فإن ما اعتمد عليه بعض الفقهاء من النصوص والآثار التالية من القول بخلاف ذلك هو اعتماد باطل، واجتهاد في مورد النص غير جائز. وإليكم ما استندوا إليه: أ - عن ابن عباس ﵁ قال ﴿إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أُطْعِم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه﴾ رواه أبو داود (٢٤٠١) والدارَقُطني والبيهقي وعبد الرزاق. وعلَّقه البخاري. قال عبد الحق وابن حجر: لا يقع في الإِطعام شيء يصحُّ، يعني مرفوعاً. ب - عن ابن عباس ﵄ قال ﴿لا يصوم أحد عن أحد ويُطعَم عنه﴾ رواه البيهقي (٤/٢٥٧) . ورواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٩٣٠) بلفظ ﴿لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدَّاً من حنطة﴾ قال الزيلعي [غريبٌ مرفوعاً] .

стр. 129

ج - عن عُبادة بن نُسَيٍّ قال: قال النبي ﷺ ﴿من مرض في رمضان فلم يزل مريضاً حتى مات لم يُطعَم عنه، وإن صحَّ فلم يقضه حتى مات أُطعم عنه﴾ رواه عبد الرزاق (٧٦٣٥) . وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، وفيه الأسلمي وهو كذاب، قاله ابن حزم. د - عن مالك أنه بلغه ﴿أن عبد الله بن عمر كان يُسأل: هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد﴾ رواه الإمام مالك (١/٢٥٦) . هـ – عن ابن عباس ﵄ ﴿إنْ مات الذي عليه صوم ولم يَصحَّ قبل موته ليس عليه شيء، فإن صحَّ أُطعِم عنه عن كل يوم نصف صاع حنطة﴾ رواه ابن حزم (٧/٧) وصححه. ورواه عبد الرزاق والدارَقُطني. و عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ﴿إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان آخر أُطعِم عنه عن كل يوم نصف صاعٍ من بُر﴾ رواه عبد الرزاق (٧٦٤٤) وابن حزم. ز - عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵁ ﴿سُئل عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر؟ فقال: يُطْعَم عنه لرمضان ويُصام عن النذر﴾ رواه ابن حزم وصححه (٧/٧) . ح – عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من مات وعليه صيام شهر، فليُطعَم عنه مكانَ كل يوم مسكينٌ﴾ رواه ابن ماجة (١٧٥٧) والترمذي وقال [لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر موقوف]

стр. 130

أما الحديث ج فهو ضعيف جدا فيترك. وأما الحديث ح فلم يصحَّ رفعُه، والصحيح أنه من قول ابن عمر. فلم يبق من هذه السلسلة أي حديث نبوي، وإنما بقيت آثار، أي أقوال صحابة. والمعلوم بداهة أن أقوال الصحابة ليست أدلة فضلاً عن أن تَنْسَخَ أو تعارِض الأحاديث النبوية. وعليه أقول ما يلي: إن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة ما ذكرناه من أحاديث نبوية شريفة، فتترك لهذا السبب. ثم إن هذه الآثار لم يَرْوِها الشيخان لا مجتمعَين ولا منفردَين، فهي دون أحاديثنا في درجة الإِسناد بكثير. قال البيهقي [والأحاديث المرفوعة أصحُّ إسناداً وأشهر رجالاً، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي ﵀ على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى] وأضاف البيهقي، وهو الذي روى أثر ابن عباس [وقد رأيت بعض أصحابنا يضعِّف حديث ابن عباس ... ] فمثل هذا الأثر لا يصمد أمام أحاديثنا الصحيحة الناطقة بالصوم عن الميت. ثم إن ابن عباس نفسه روى الأحاديث الصحيحة القائلة بالقضاء (٢، ٤، ٦) فكيف يُنسب إليه القول المخالف في الآثار (١، ٢، ٥، ٧) ؟ وهل يصدِّق مُنصِفٌ بأن ابن عباس يفتي بما يعارض أقوال الرسول ﷺ التي رواها؟ وأما أثر مالك البند د فهو منقطع أو معضل فهو يقول (بلغه أن عبد الله بن عمر كان يُسأل ... ) ولم يذكر الشخص، أو الأشخاص الذين نقلوا إليه قول ابن عمر، فالحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.

стр. 131

...بقي ما ورد في هذه الآثار من القول بالإِطعام، فعمر بن الخطاب وابنه وابن عباس ﵃ قد نُقل عنهم القول بالإِطعام، فظن بعض الفقهاء أن هذا القول يلغي وينفي القول بالقضاء وليس ذلك بصحيحٍ على الإطلاق، فالقول بالإطعام وارد كالقول بالقضاء، فهما على التخيير، فكما أن من مات وعليه صيام جاز لولِيِّه أن يصوم عنه، فكذلك يجوز لولِيِّه أن يطعم عنه بدل الصيام، فالصيام والإِطعام جائزان لا يعارض أحدهما الآخر، وهو ما نقول به، فنحن نقول إن الولي يصوم عن الميت بل ويُستحب منه ذلك، أو يطعِم عن الميت بدل القضاء. فهو مخير بين القضاء والإِطعام، فليس فيما رُوي عن عمر وابنه وابن عباس من القول بالإِطعام ما يخالف ما جاء في الأحاديث النبوية الثابتة من الأمر بالقضاء. ...لكل ما سبق نقول إن الشخص إذا مات وعليه صيام رمضان أو غيره من نذر أو كفَّارة جاز لوليه أن يصوم عنه، كما جاز لوليه أن يُطعِم عنه. وعليه فإن رأي أبي حنيفة ومالك والجمهور [أنه لا يصام عن ميت نذراً ولا غيره] هو رأي غير صحيح ومنقوضٌ بالأحاديث النبوية الصحيحة الناطقة بالجواز. ...ولست في حاجة إلى وقفة طويلةٍ عند قول الذين نظروا في الأحاديث الآمرة بالقضاء، فأوَّلوها بقولهم: إن المراد من ذلك أن وليه يُطعِم عنه. فهذا تأويل بالغ الضعف، بل هو تأويل باطل لا يصح القول به. ...وأما دعوى المالكية بأن أحاديث الصوم عن الميت فيها اضطراب، فقولٌ غير صحيح إذ ليس في هذه الأحاديث اضطراب، وكلُّ ما فيها اختلافاتٌ قد أمكن الجمع بينها، فالاضطراب شيء والاختلافات شيء آخر مغاير.

стр. 132

...بقي قول الليث وأحمد وإسحق وأبي عبيد بحصر القضاء في صوم النذر. فأقول ما يلي: إن جواز القضاء في صوم النذر ورد في الأحاديث الصحيحة فهو قول صحيح ولكنَّ حصرَ القضاء به هو الخطأ والخطأ عندهم آتٍ من حمل الأحاديث القائلة بالقضاء بشكل عام على الأحاديث القائلة بالنذر، فخرجوا بقولهم هذا. والصحيح أن الأحاديث القائلة بالقضاء على العموم لا تخصِّصها ولا تقيِّدها الأحاديثُ القائلة بالقضاء في النذر، إذ لم تأت الأحاديث الآمرة بالقضاء في النذر مخصِّصة للأحاديث القائلة بعموم القضاء، وإنما جاءت تذكر حالة من حالات القضاء أي هي جاءت تذكر فرداً من أفراد العموم ولم تأت مخصِّصةً. فالصوم عن الميت جائز وهذا قول عام، ومن هذا العام الصوم في النذر، ومن هذا العام الصوم في الكفَّارات، وهناك فارق بين ذِكر فردٍ من أفراد العموم وبين تخصيص هذا العموم. قال ابن حجر [وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو عبيد: لا يُصام عنه إلا النذر، حَمْلاً للعموم في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجمَع بينهما فحديث ابن عباس صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدةٍ عامةٍ وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم، حيث قال في آخره (فدَينُ الله أحقُّ أن يُقضَى) ] ومن ذلك يتبين أن القول بحصر القضاء عن الميت في النذر هو خطأ، وأن الصواب هو تعميمُه وإطلاقُه في كل صوم. كيف ومتى يُقضى الصوم ؟ يصح قضاء الصوم متتابعاً كما يصح مفرَّقاً دون تفضيلٍ لأحدِهما على الآخر، ويصح أن يُقضَى الصومُ عقبَ رمضان بعد العيد مباشرة كما يصح أن يؤخَّر إلى شهر شعبان قُبَيلَ رمضان التالي، فكل ذلك جائز ومُجْزِيءٌ ولا إثم فيه، والدليل على كل

стр. 133

ذلك قوله سبحانه ﴿ ... فمن كان منكم مريضاً أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أَيامٍ أُخَرَ ... ﴾ من الآية ١٨٤ من سورة البقرة. فهذه الآية الكريمة أطلقت قضاء الصوم ﴿فعِدَّة من أيام أُخَر﴾ فلم تقيِّد ولم تخصِّص، فيكون القضاء عاماً غير مخصَّصٍ، ومطلقاً غير مقيَّد كيفما تمَّ فقد أجزأَ. قال الإمام أبو حنيفة: وجوب القضاء موسَّع دون تقييدٍ، ولو دخل رمضان الثاني. وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء. وقال الجمهور: يجوز القضاء في جميع السنة سوى يومي العيد وأيام التشريق. وهذا يعني جواز تأخيره إلى شعبان. وقال الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري وإسحق وأبو ثور بجواز التفريق، واستحبُّوا تتابعه، ورُوي ذلك عن عليٍّ ومعاذ وابن عباس وأنس وأبي هريرة ﵃. وكل هذه الأقوال صحيحة باستثناء قول أبي حنيفة: ولو دخل رمضان الثاني. ...وفي المقابل ذهب عبد الله بن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وداود بن علي الظاهري إلى وجوب التتابع، أي لا يفصل بين أيام القضاء فاصل. كما رُوي عن داود القول بوجوب القضاء على الفور مطلقاً. وقال محمد بن المنذر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه كره قضاءَ هُ في ذي الحجة، وبه قال الحسن البصري وابن شهاب الزُّهري. وكل هذه الأقوال غير صحيحة، ذلك أن الآية الكريمة قد أطلقت القول بالقضاء دون تقييده بالتتابع، ودون تقييده بالفورية، ودون تقييده بالمنع في ذي الحجة، ولم يرد شيء من ذلك في الأحاديث النبوية، وعلى من قيَّد أن يأتينا بالدليل، وكل ما ورد في الآثار من اختلافات بين الصحابة والفقهاء فإنما هو اجتهادات منهم، والصحابةُ والفقهاءُ لا يملكون تقييدَ مطلقٍ ولا تخصيصَ عامٍّ، لأن التقييد والتخصيص تشريع لا يكون إلا من الشرع نفسه.

стр. 134

...فمثلاً روى البيهقي (٤/٢٥٨) عن كلٍّ من عائشة وابن عباس وأبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وأنس بن مالك ورافع بن خَدِيج ﵃ رواياتٍ بجواز تفريق قضاء صوم رمضان (أَحْصِ العِدَّة وصُم كيف شئت) (لا يرى بقضائه بأساً أن يقضيه مفرَّقاً) (من كان عليه شيء منه فليفرِّق بينه) . كما روى ابن أبي شيبة (٢/٤٤٧-٤٢٨) القول بجواز التفريق عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس ومعاذ بن جبل ورافع بن خَدِيج، وعن عُبيد بن عُمير وأبي مُحيريز، وعن كثير من التابعين. كما روى عبد الرزاق (٤/٢٤٣-٢٤٤) القول نفسه عن ابن عباس وأبي هريرة وابن محيريز. وروى الدارَقُطني (٢/١٩٢- ١٩٣) القول نفسه عن أبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وابن عباس ورافعٍ ﵃ ...وفي المقابل روى البيهقي (٤/٢٥٩) روايتين عن علي ﵁ ﴿قال متتابعاً﴾ ورواها عبد الرزاق ﴿كان لا يرى به متفرِّقاً بأساً﴾ ورَوَى عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان لا يفرِّق قضاء رمضان. ورواه أيضاً عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى الدارَقُطني (٢/١٩٢) عن عائشة القول بالتتابع، وصحَّح إسناده.

стр. 135

...والصحيح هو القول الأول، والدليل عليه الآية الكريمة التي جاءت مطلقة. وأما الرد الحاسم على القائلين بالفورية، فهو ما رواه ابن خُزيمة (٢٠٥١) والترمذي وأحمد عن عائشة ﵂ قالت ﴿ما قضيتُ شيئاً مما يكون عليَّ من رمضان إلا في شعبان، حتى قُبض رسول الله ﷺ ﴾ وبعيد جداً أن يحصل من عائشة ذلك وهي في بيت النبوة، دون اطِّلاع الرسول ﷺ وإِقرارِه. وهذا النص يصلح للاستدلال به على أن آخر موعدٍ لقضاء الصوم هو شهر شعبان، أي أن القضاء ينبغي أن يكون قبل حلول رمضان جديد، وإلا كان مفرِّطاً، ولو كان القضاء يصح تأخيره إلى ما بعد حلول رمضان جديد لما كان لقول عائشة هذا فائدةٌ. وإِنَّ القولَ بوجوب القضاء قبل حلول رمضان جديد قد اتفق عليه الفقهاء إلا ما رُوي عن أبي حنيفة ﵀. ...وكما يصحُّ التتابع والتفريق في القضاء عن النفس فإنهما يصِحَّان في القضاء عن الميت، فلولي الميت أن يصوم عن الميت بالتتابع أو بالتفريق دون أي فارق بينهما، إذ لم يرد في النصوص ما يفرق بين القضاء عن النفس والقضاء عن الميت في هذه النقطة. وأما تأخير القضاء عن الميت إلى أكثر من عام فجائز، وهو خلاف القضاء عن النفس، وذلك أن القضاء عن النفس واجب في حق الشخص، بينما قضاء الولي عن ميِّته جائز وليس واجباً عليه، وما دام ذلك جائزاً فإن له أن يبادر إلى فعله، وله أن يقوم به متأخراً ومتى أراد، بل وله أن لا يقوم به مطلقاً، فانتفى في حق الولي وجوب القضاء في خلال عام.

стр. 136

...وهذا الوليُّ مَن هو؟ إن كلمة الولي هي من الألفاظ المشتركة في اللغة، فتَرِدُ ويُراد بها الصديق، وترد ويراد بها الحليف، وتأتي بمعنى الصِّهر والجار والتابع والمطيع، وتأتي ويراد بها صاحب الأمر، وتأتي بمعان أُخَر، ولم يأت في النصوص تعيين معنى من معاني الولي عند ذكر الصوم عن الميت، ولذا اختلف الفقهاء في معناها، فقيل القريب مطلقاً، وقيل الوارث، وقيل العَصَبة. وأنا أرى أن المراد بالولي هنا أقربُ الأحياء إلى الميت، كالابن والأب والأخ. فهذا الولي يجوز أن يصوم عن ميِّته ما فاته من صيام، ويثاب الاثنان على فعله، ويسقط الإثمُ عن الميت بعفو الله العفوِّ الغفورِ. ...وأخيراً أقول إن الشخص إذا فاته رمضانان فأكثر قضى جميع ما فاته، ولا يكفي أن يقضي رمضان الأخير فقط، ذلك أن وجوب القضاء عليه لا يسقط بمرور أكثر من عام على ما فاته من صيام، وإنما يأثم بالتأخير ويبقى الوجوب عليه في الذمة، لا بد من أدائه. الفصل الخامس: صيام التطوع الفصل الخامس صيامُ التطوع أولاً: أحكامٌ عامة صوم المرأة بإذن زوجها: المقصود بالصوم هنا صوم التطوع، أما صوم الفرض فلا خلاف بين المسلمين في أنه لا يحتاج إلى إذن الزوج، ولا يملك الزوج منع زوجته منه.

стр. 137

...قال الجمهور: إنه يحرم على المرأة أن تصوم تطوُّعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه. وقال بعض الشافعية: بل يُكره كراهةً ولا يَحْرُم. قال النووي: والصحيح الأول، أي قول الجمهور. وأضاف: فلو صامت بغير إذن زوجها صحَّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حراماً، لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دارٍ مغصوبة. وقال ابن حجر العسقلاني [فلو صامت وقَدِم زوجُها في أثناء الصيام فله إِفسادُ صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغَيْبة أن يكون مريضاً بحيث لا يستطيع الجماع] وقال الإمام مالك في المرأة تصوم من غير أن تستأذن زوجها: ذلك يختلف، من الرجال مَن يحتاج إلى أهله وتعلم المرأة أن ذلك شأنه، فلا أُحبُّ لها أن تصوم إلا أن تستأذنه، ومنهن من تعلم أنه لا حاجة له فيها فلا بأس بأن تصوم. ...وقد وردت النصوص التالية في هذا الموضوع: ١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﵌ قال ﴿لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجُها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه﴾ رواه البخاري (٥١٩٥) والنَّسائي والترمذي. ووقع أيضاً عند البخاري (٥١٩٢) ومسلم بلفظ ﴿لا تصوم المرأة وبعلُها شاهدٌ إلا بإذنه﴾ ورواه ابن ماجة (١٧٦١) والترمذي وابن حبَّان وأحمد وابن خُزيمة بلفظ ﴿لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه﴾ قال الترمذي [حسن صحيح] وقد رواه الدارمي (١٧٢١) وعبد الرزاق بلفظ ﴿لا تصوم المرأة تطوُّعاً في غير رمضان وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه﴾ .

стр. 138

٢- عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال ﴿نهى رسول الله ﷺ النساء أن يصُمن إلا بإذن أزواجهن﴾ رواه ابن ماجة (١٧٦٢) بسند صحيح. وعنه ﵁ قال ﴿ ... قال رسول الله ﷺ : لا تصوم المرأة إلا بإذن زوجها﴾ رواه أبو داود (٢٤٥٩) من حديث طويل. ورواه أحمد والطحاوي وابن حِبَّان والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، كما صححه ابن حجر العسقلاني. ولو لم يكن لدينا إلا الرواية الأولى في البند الأول وهي رواية صحيحة، لكفتنا فقد جاء فيها (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) وكلمة (لا يحل) تعني يحرم. وكلمة (وزوجها شاهد إلا بإذنه (جاءت عامة في إِذن الأزواج فلا يقال إن الإذن يُحتاج إليه عندما يحتاج الزوج إلى أهله، فهذا تخصيص دون مخصِّص، وهو لا يجوز. نعم جاء التخصيص بغير شهر رمضان، أي بصيام التطوع (وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان) (لا تصوم المرأة تطوُّعاً في غير رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه) فنقول إن المرأة لا يحلُّ لها أن تصوم تطوُّعاً إلا بإذن زوجها، وأما صيام الفريضة فلا يحتاج إلى إذن الزوج. الصائم المتطوع إذا دُعي: ...إذا دُعي الصائم المتطوع إلى طعام شُرع له أن يجيب الدعوة، ولا يمتنع عن الإجابة لكونه صائماً، بل يذهب، ثم إن شاء أفطر وأكل من الطعام، وإن شاء بقي صائماً وأَعلمَ صاحبَ الدعوة بصيامه، ودعا له دعواتٍ صالحاتٍ. وهذه طائفة من النصوص المتعلقة بهذه المسألة:

стр. 139

١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا دُعي أحدُكم فلْيجب فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليَطْعَم﴾ رواه مسلم (٣٥٢٠) وأبو داود والترمذي. قوله فلْيُصَلِّ: وردت هذه اللفظة بمعناها اللغوي وهو الدعاء، يؤكد ذلك ما جاء في روايةِ النَّسائي في السنن الكبرى (١٠٠٥٩) من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ ﴿إذا دعي أحدكم فلْيُجِبْ، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً دعا بالبركة﴾ . ٢- وعنه ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم﴾ رواه مسلم (٢٧٠٢) والنَّسائي والترمذي والدارمي وأبو داود وابن ماجة. ٣- عن أنس رضي الله تعالى عنه ﴿دخل النبي ﷺ على أم سُلَيم، فأتته بتمرٍ وسمنٍ، قال: أعيدوا سمنكم في سِقائه وتمرَكم في وِعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غيرَ المكتوبة فدعا لأم سُلَيْم وأهلِ بيتها ... ﴾ رواه البخاري (١٩٨٢) وأحمد وابن سعد في الطبقات الكبرى. ودلالة هذه الأحاديث واضحة.

стр. 140

وننظر في الحديث التالي: عن أبي جُحَيفة قال ﴿آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال: كل، قال: فإني صائم قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إنَّ لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأَعطِ كلَّ ذي حق حقَّه فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان﴾ رواه البخاري (١٩٦٨) والترمذي وابن خُزيمة والطبراني. ورواه الدارَقُطني (٢/١٧٦) والبيهقي بلفظ ﴿... إن أخاك يقوم الليل ويصوم النهار وليس له حاجة في نساء الدنيا فجاء أبو الدرداء، فرحَّب به سلمان وقرَّب إليه طعاماً فقال له سلمان: اطْعَم، فقال: إني صائم، فقال: أقسمت عليك لتُفْطِرنَّه، قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل، فأكل معه ... ﴾ قوله متبذِّلة: أي لابسة لباس البَذْلةِ، وهي المهنة والشغل، والمعنى أنها تاركةٌ ثيابَ الزينةِ. فهذا الحديث يدلُّ على عدة أحكام: منها أن الصائم المتطوِّع يجوز له قطع صيامه، وقد مرَّ مزيد بحث في هذه المسألة في [قضاء صوم التطوع] في الفصل [قضاء الصوم] ومنها أن الاعتدال في العبادة مشروع، ومن العبادةِ الصيامُ وقيامُ الليل، ومنها أن أداء حق الزوجة مقدَّم على صيام التطوع وقيام الليل، ومنها أن الداعي يجوز له أن يحث الصائم المدعو على الإفطار. الصوم في الشتاء:

стр. 141

إنه لمن المعلوم أن الشرع الحنيف شرع اليُسْر والتيسير على العباد رحمةً بهم، وفضلاً من الله سبحانه، فيُستحب للمسلم أن يعمد إلى الأسهل والأيسر من الأمور إلا أن يكون إثمٌ فيتوقف عنده، فعن عائشة ﵂ أنها قالت ﴿ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه ... ﴾ رواه البخاري (٣٥٦٠) ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك وأحمد ...وعليه فإن المسلم إذا أراد أن يتطوَّع فلْيختر الأيام الباردة والأيام القصيرة، أي فليختر الصوم في فصل الشتاء، ولا يُجشِّم نفسه المشقة باختيار الأيام الحارة والأيام الطويلة في فصل الصيف، تحت ذريعة أن الأجر على قدر المشقة كما يفعل المتنطِّعون المتعمِّقون في مسائل الدين. فعن عامر بن مسعود الجُمَحي قال: قال رسول الله ﷺ ﴿الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة﴾ رواه أحمد (١٩١٦٧) والترمذي والطبراني وابن خُزيمة. قال الترمذي [هذا حديث مرسل] وقد اختُلِف في عامر بن مسعود هل هو صحابي أم تابعي، فالبخاري والترمذي وابن معين اعتبراه تابعياً، وابن منده وابن عبد البر وابن حِبَّان أوردوه في أسماء الصحابة فهو مختلَفٌ فيه، وما اختلف فيه المُحدِّثون يصحُّ الاستدلال به. الصومُ في الجهاد: إن الجهاد ذِروةُ سنام الإسلام، وإن ثوابه عظيم وخيره عميم، فإذا ضُمَّ إليه الصيام مع ما فيه من مشقة، فإن الثواب يصبح من الوفرة بحيث أن الله سبحانه يبعِّد صاحبه عن النار سبعين سنة، وإن من الجهاد الرباطَ في سبيل الله فالصوم فيه كالصوم في الجهاد. وقد وردت في فضل الصيام في الجهاد الأحاديث التالية:

стр. 142

عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول ﴿من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾ رواه البخاري (٢٨٤٠) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد. وروى ابن ماجة (١٧١٨) والنَّسائي والترمذي وأحمد الحديث أيضاً من طريق أبي هريرة ﵁ ورواه ابن أبي شيبة (٤/٥٧٢) من طريق أنس رضي الله تعالى عنه. ورواه النَّسائي أيضاً (٢٢٥٢) من طريق عقبة بن عامر ﵁. ٢- عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿مَن صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض﴾ رواه الطبراني في المعجم الصغير (٤٤٩) والمعجم الأوسط، بإسنادٍ حسَّنه الهيثمي والمنذري، ورواه الترمذي (١٦٧٤) من طريق أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه وقال [هذا حديث غريب] . وأُلفت النظر هنا إلى أن الحديث إن قيل عنه إنه غريب فلا يعني أنه ضعيف كما قد يتوهَّم البعض، فالغريب اسم مشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فقد يقال صحيح غريب، وقد يقال حسن غريب، وقد يقال ضعيف غريب. والغريب هو الحديث الذي انفرد بروايته راوٍ واحد في سنده، وهذا الراوي إن كان عدلاً ضابطاً ثقة فالحديث صحيح، وإن كان الراوي صدوقاً لا بأس به فالحديث حسن مثلاً، أما إن كان الراوي مجروح العدالة ومتَّهماً فالحديث ضعيف أو متروك، وهكذا.

стр. 143

٣- عن عُقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنَّم مسيرةَ مائةِ عام﴾ رواه النَّسائي (٢٢٥٤) . ورواه عبد الرزاق (٩٦٨٤) والطبراني في المعجم الكبير وفي المعجم الأوسط من طريق عمرو بن عبسة ﵁. قال الهيثمي [رجاله موثَّقون] . وقال المنذري: بإسنادٍ لا بأس به. ورواه عبد الرزاق أيضاً (٩٦٨٣) من طريق أبي أُمامة ﵁ بلفظ ﴿من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد الله وجهَه عن النار مسيرةَ مائةِ عام، ركضَ الفرسِ الجوادِ المُضْمَرِ﴾ والمضمر: هو الحصان الخفيفُ اللحم، وهو ما تمدحه العرب لخفته وسرعة جريه. وقد جاءت النصوص عامة في الصوم، فتشمل صوم الفريضة كما تشمل صوم التطوع. أما صوم التطوع فظاهر، وأما صوم الفريضة، فإنه في حالة السفر كما في حالة الجهاد في سبيل الله لا يتعيَّن أداؤُه ويصح للصائم أن يفطر فجاءت هذه النصوص تحث على الصيام بنوعيه في حالة الجهاد في سبيل الله، وليس صحيحاً قصرُ النصوص هذه على صيام الفريضة. ...أما قول الأحاديث (في سبيل الله) فإن هذه اللفظة حيثما وردت فيها، فإنها تعني الجهاد، أي قتال الكفار، ولا تُصرف عنه إلا بقرينة، وهنا في مسألتنا لا توجد قرينة، فتبقى على أصل معناها، وهو الجهاد. يصحُّ قطعُ صيام التطوع: يصح للصائم تطوُّعاً أن يقطع صيامه متى شاء، لعذرٍ أو لغيرِ عذر، وقد مرت الأحاديث التي تذكر ذلك في بحث [قضاء صوم التطوع] في الفصل [قضاء الصوم] وقد جاء في ذلك البحث قولنا [وإذن فإن جواز قطع صيام التطوُّع جاءت أحاديثُ كثيرةٌ به، وجاءت به دون إيراد أي عذر، فلا يحلُّ لأحد وَقَف على هذه الأحاديث أن يُحرِّم قطع صيام التطوع، أو أن يقيِّده بعذر] فيراجِع البحثَ مَن يشاء. الصيامُ في أيام الأسبوع:

стр. 144

يصح صيام التطوع في أي يوم من أيام الأسبوع، وقد ورد الصوم في يومي الاثنين والخميس كما مرَّ سابقاً، كما ورد في سائر الأيام الأخرى باستثناء إِفراد يومي الجمعة والسبت بالصوم بمعنى أن من أراد صوم يوم الجمعة أو صوم يوم السبت فلْيُضِف إليهما يوماً قبلهما أو يوماً بعدهما، فيصوم الجمعة والسبت، أو الخميس والجمعة، أو السبت والأحد، إلا أن يأتي يومُ عرفةَ مثلاً أو يومُ عاشوراءَ في أحد هذين اليومين فلا بأس عندئذٍ بإِفرادهما بالصوم، لأن الصوم فيهما جاء لمعنى آخر. وهذه طائفة من الأحاديث تذكر ذلك: ١- عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: إِنهما عيدا المشركين، فأنا أُحبُّ أن أُخالفهم﴾ رواه أحمد (٢٦٧٥٠) والبيهقي ورواه الطبراني في المعجم الأوسط. ورواه ابن خُزيمة وابن حِبَّان والحاكم وصححوه، كما صححه ابن حجر والذهبي. ٢- عن عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال ﴿سألتُ أو سُئِل النبي ﷺ عن صيام الدهر؟ فقال: إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه وكلَّ أربعاء وخميس فإذا أنت قد صُمت الدهر﴾ رواه أبو داود (٢٤٣٢) والنَّسائي في السنن الكبرى والبخاري في كتاب التاريخ الكبير. ورواه الترمذي وقال [غريب] ٣- عن خيثمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس﴾ رواه الترمذي (٧٤٣) وقال [هذا حديث حسن] .

стр. 145

الحديث الثالث فيه ضعف، ولكن الترمذي وقد حسَّنه فإنه يجوز أخذه، لا سيما في موضوع كهذا، ولأنه لم يعارضه حديث صحيح. أما ما رواه عبد الله بن بُسر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا عودَ عنب أو لِحاءَ شجرة فلْيَمُصَّه﴾ رواه ابن ماجة (١٧٢٦) والنَّسائي وأحمد. ورواه ابن حِبَّان والحاكم وصححاه كما صححه ابن السكن، وحسَّنه الترمذي. ولكن الطحاوي قال [هذا حديث شاذ] وضعَّفه أحمد ومالك. ورواه أبو داود (٢٤٢١) من طريق أخت عبد الله، وقال في آخره [هذا حديثٌ منسوخ] فهذا الحديث لا شك في أن فيه ضعفاً، ولا أقول إنه حديث ضعيف. وننظرُ، فإن كان هذا الحديث يخالف الحديث الصحيح الأول، ولا يمكن التوفيق بينهما فإنه يُرَدُّ ولا بد، وأما إن كان لا يخالف الحديث الصحيح الأول ويمكن التوفيق بينهما فإنه يجوز أخذه والاستدلال به. وبالنظر في هذه المسألة أمكننا القول إن الجمع بينهما ممكنٌ بل وسهلٌ، فيُعمَل بالحديثين. فأقول إن النهي عن صيام السبت في هذا الحديث متوجِّه إلى إِفراده بالصوم أما صيامه مع ما قبله أو مع ما بعده فلا يدخل في النهي هذا، ويؤيد هذا طلبُه ﵊ ممَّن صام يوم الجمعة أن يصوم السبت بعده أو الخميس قبله كما سيأتي مباشرة، والجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من القول بالنسخ أو بالرد. بقي صيام يوم الجمعة، وقد ورد فيه ما يلي: ٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يَصُمْ أحدُكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده﴾ رواه مسلم (٢٦٨٣) والبخاري وأبو داود وأحمد وابن حِبَّان. كما رواه مسلم (٢٦٨٤) والنَّسائي بلفظ ﴿لا تختَصُّوا ليلَة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدُكم﴾ .
следующие страницы →