Полный текст (401 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إنه لمن المعلوم أن الشرع الحنيف شرع اليُسْر والتيسير على العباد رحمةً بهم، وفضلاً من الله سبحانه، فيُستحب للمسلم أن يعمد إلى الأسهل والأيسر من الأمور إلا أن يكون إثمٌ فيتوقف عنده، فعن عائشة ﵂ أنها قالت ﴿ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه ... ﴾ رواه البخاري (٣٥٦٠) ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك وأحمد
...وعليه فإن المسلم إذا أراد أن يتطوَّع فلْيختر الأيام الباردة والأيام القصيرة، أي فليختر الصوم في فصل الشتاء، ولا يُجشِّم نفسه المشقة باختيار الأيام الحارة والأيام الطويلة في فصل الصيف، تحت ذريعة أن الأجر على قدر المشقة كما يفعل المتنطِّعون المتعمِّقون في مسائل الدين. فعن عامر بن مسعود الجُمَحي قال: قال رسول الله ﷺ ﴿الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة﴾ رواه أحمد (١٩١٦٧) والترمذي والطبراني وابن خُزيمة. قال الترمذي [هذا حديث مرسل] وقد اختُلِف في عامر بن مسعود هل هو صحابي أم تابعي، فالبخاري والترمذي وابن معين اعتبراه تابعياً، وابن منده وابن عبد البر وابن حِبَّان أوردوه في أسماء الصحابة فهو مختلَفٌ فيه، وما اختلف فيه المُحدِّثون يصحُّ الاستدلال به.
الصومُ في الجهاد:
إن الجهاد ذِروةُ سنام الإسلام، وإن ثوابه عظيم وخيره عميم، فإذا ضُمَّ إليه الصيام مع ما فيه من مشقة، فإن الثواب يصبح من الوفرة بحيث أن الله سبحانه يبعِّد صاحبه عن النار سبعين سنة، وإن من الجهاد الرباطَ في سبيل الله فالصوم فيه كالصوم في الجهاد. وقد وردت في فضل الصيام في الجهاد الأحاديث التالية:
стр. 142
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول ﴿من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾ رواه البخاري (٢٨٤٠) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد. وروى ابن ماجة (١٧١٨) والنَّسائي والترمذي وأحمد الحديث أيضاً من طريق أبي هريرة ﵁ ورواه ابن أبي شيبة (٤/٥٧٢) من طريق أنس رضي الله تعالى عنه. ورواه النَّسائي أيضاً (٢٢٥٢) من طريق عقبة بن عامر ﵁.
٢- عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿مَن صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض﴾ رواه الطبراني في المعجم الصغير (٤٤٩) والمعجم الأوسط، بإسنادٍ حسَّنه الهيثمي والمنذري، ورواه الترمذي (١٦٧٤) من طريق أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه وقال [هذا حديث غريب] .
وأُلفت النظر هنا إلى أن الحديث إن قيل عنه إنه غريب فلا يعني أنه ضعيف كما قد يتوهَّم البعض، فالغريب اسم مشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فقد يقال صحيح غريب، وقد يقال حسن غريب، وقد يقال ضعيف غريب. والغريب هو الحديث الذي انفرد بروايته راوٍ واحد في سنده، وهذا الراوي إن كان عدلاً ضابطاً ثقة فالحديث صحيح، وإن كان الراوي صدوقاً لا بأس به فالحديث حسن مثلاً، أما إن كان الراوي مجروح العدالة ومتَّهماً فالحديث ضعيف أو متروك، وهكذا.
стр. 143
٣- عن عُقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنَّم مسيرةَ مائةِ عام﴾ رواه النَّسائي (٢٢٥٤) . ورواه عبد الرزاق (٩٦٨٤) والطبراني في المعجم الكبير وفي المعجم الأوسط من طريق عمرو بن عبسة ﵁. قال الهيثمي [رجاله موثَّقون] . وقال المنذري: بإسنادٍ لا بأس به. ورواه عبد الرزاق أيضاً (٩٦٨٣) من طريق أبي أُمامة ﵁ بلفظ ﴿من صام يوماً في سبيل الله بَعَّد الله وجهَه عن النار مسيرةَ مائةِ عام، ركضَ الفرسِ الجوادِ المُضْمَرِ﴾ والمضمر: هو الحصان الخفيفُ اللحم، وهو ما تمدحه العرب لخفته وسرعة جريه.
وقد جاءت النصوص عامة في الصوم، فتشمل صوم الفريضة كما تشمل صوم التطوع. أما صوم التطوع فظاهر، وأما صوم الفريضة، فإنه في حالة السفر كما في حالة الجهاد في سبيل الله لا يتعيَّن أداؤُه ويصح للصائم أن يفطر فجاءت هذه النصوص تحث على الصيام بنوعيه في حالة الجهاد في سبيل الله، وليس صحيحاً قصرُ النصوص هذه على صيام الفريضة.
...أما قول الأحاديث (في سبيل الله) فإن هذه اللفظة حيثما وردت فيها، فإنها تعني الجهاد، أي قتال الكفار، ولا تُصرف عنه إلا بقرينة، وهنا في مسألتنا لا توجد قرينة، فتبقى على أصل معناها، وهو الجهاد.
يصحُّ قطعُ صيام التطوع:
يصح للصائم تطوُّعاً أن يقطع صيامه متى شاء، لعذرٍ أو لغيرِ عذر، وقد مرت الأحاديث التي تذكر ذلك في بحث [قضاء صوم التطوع] في الفصل [قضاء الصوم] وقد جاء في ذلك البحث قولنا [وإذن فإن جواز قطع صيام التطوُّع جاءت أحاديثُ كثيرةٌ به، وجاءت به دون إيراد أي عذر، فلا يحلُّ لأحد وَقَف على هذه الأحاديث أن يُحرِّم قطع صيام التطوع، أو أن يقيِّده بعذر] فيراجِع البحثَ مَن يشاء.
الصيامُ في أيام الأسبوع:
стр. 144
يصح صيام التطوع في أي يوم من أيام الأسبوع، وقد ورد الصوم في يومي الاثنين والخميس كما مرَّ سابقاً، كما ورد في سائر الأيام الأخرى باستثناء إِفراد يومي الجمعة والسبت بالصوم بمعنى أن من أراد صوم يوم الجمعة أو صوم يوم السبت فلْيُضِف إليهما يوماً قبلهما أو يوماً بعدهما، فيصوم الجمعة والسبت، أو الخميس والجمعة، أو السبت والأحد، إلا أن يأتي يومُ عرفةَ مثلاً أو يومُ عاشوراءَ في أحد هذين اليومين فلا بأس عندئذٍ بإِفرادهما بالصوم، لأن الصوم فيهما جاء لمعنى آخر. وهذه طائفة من الأحاديث تذكر ذلك:
١- عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: إِنهما عيدا المشركين، فأنا أُحبُّ أن أُخالفهم﴾ رواه أحمد (٢٦٧٥٠) والبيهقي ورواه الطبراني في المعجم الأوسط. ورواه ابن خُزيمة وابن حِبَّان والحاكم وصححوه، كما صححه ابن حجر والذهبي.
٢- عن عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال ﴿سألتُ أو سُئِل النبي ﷺ عن صيام الدهر؟ فقال: إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه وكلَّ أربعاء وخميس فإذا أنت قد صُمت الدهر﴾ رواه أبو داود (٢٤٣٢) والنَّسائي في السنن الكبرى والبخاري في كتاب التاريخ الكبير. ورواه الترمذي وقال [غريب]
٣- عن خيثمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس﴾ رواه الترمذي (٧٤٣) وقال [هذا حديث حسن] .
стр. 145
الحديث الثالث فيه ضعف، ولكن الترمذي وقد حسَّنه فإنه يجوز أخذه، لا سيما في موضوع كهذا، ولأنه لم يعارضه حديث صحيح. أما ما رواه عبد الله بن بُسر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا عودَ عنب أو لِحاءَ شجرة فلْيَمُصَّه﴾ رواه ابن ماجة (١٧٢٦) والنَّسائي وأحمد. ورواه ابن حِبَّان والحاكم وصححاه كما صححه ابن السكن، وحسَّنه الترمذي. ولكن الطحاوي قال [هذا حديث شاذ] وضعَّفه أحمد ومالك. ورواه أبو داود (٢٤٢١) من طريق أخت عبد الله، وقال في آخره [هذا حديثٌ منسوخ] فهذا الحديث لا شك في أن فيه ضعفاً، ولا أقول إنه حديث ضعيف. وننظرُ، فإن كان هذا الحديث يخالف الحديث الصحيح الأول، ولا يمكن التوفيق بينهما فإنه يُرَدُّ ولا بد، وأما إن كان لا يخالف الحديث الصحيح الأول ويمكن التوفيق بينهما فإنه يجوز أخذه والاستدلال به.
وبالنظر في هذه المسألة أمكننا القول إن الجمع بينهما ممكنٌ بل وسهلٌ، فيُعمَل بالحديثين. فأقول إن النهي عن صيام السبت في هذا الحديث متوجِّه إلى إِفراده بالصوم أما صيامه مع ما قبله أو مع ما بعده فلا يدخل في النهي هذا، ويؤيد هذا طلبُه ﵊ ممَّن صام يوم الجمعة أن يصوم السبت بعده أو الخميس قبله كما سيأتي مباشرة، والجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من القول بالنسخ أو بالرد.
بقي صيام يوم الجمعة، وقد ورد فيه ما يلي:
٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يَصُمْ أحدُكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده﴾ رواه مسلم (٢٦٨٣) والبخاري وأبو داود وأحمد وابن حِبَّان. كما رواه مسلم (٢٦٨٤) والنَّسائي بلفظ ﴿لا تختَصُّوا ليلَة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدُكم﴾ .
стр. 146
٥- عن محمد بن عباد قال ﴿سألت جابراً ﵁: أَنَهى النبيُّ ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم – زاد غير أبي عاصم – يعني: أن ينفرد بصومه﴾ رواه البخاري (١٩٨٤) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٦- عن جويرية بنت الحارث ﵂ ﴿أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمسِ؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأَفطري﴾ رواه البخاري (١٩٨٦) والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والطحاوي.
٧- عن بشير بن الخصاصية ﵁ ﴿أنه سأل النبي ﷺ : أَصومُ يومَ الجمعة، ولا أُكلِّم ذلك اليوم أحداً؟ فقال النبي ﷺ : لا تصم يوم الجمعة إلا في أيامٍ هو أحدُها، أو في شهر ... ﴾ رواه أحمد (٢٢٣٠٠) وإسناده صحيح.
٨- عن ابن مسعود ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غُرَّةِ كلِّ شهر، وقَلَّما يُفطر يوم الجمعة﴾ رواه النَّسائي (٢٣٦٨) والترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي. قال الترمذي [حسن غريب] وصححه ابن حزم.
٩- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿ما أنا نَهَيتُ عن صيام يوم الجمعة، محمدٌ ﷺ وربِّ الكعبةِ نهى عنه﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٦٠٩) وأحمد وابن خُزيمة وعبد الرزاق، وسنده صحيح.
١٠- عن عامر بن لُدَين الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿إن يوم الجمعة عيدُكم فلا تصوموه، إلا أن تصوموا قبله أو بعده﴾ رواه البزَّار (١٠٦٩) بسندٍ حسَّنه الهيثمي. وروى أحمد والحاكم هذا اللفظ من طريق أبي هريرة ﵁.
стр. 147
قلنا إن النهي قد وقع على إِفراد يوم الجمعة بالصوم، وقلنا إن من أراد صوم هذا اليوم فلْيصم معه يوماً قبله، أو يوماً بعده، والحديث الرابع والحديث الخامس والحديث السابع والحديث العاشر هي أدلة على هذا الحكم، وهي واضحة الدلالة. ونقول أيضاً إن الحديث السادس يدل على الحكم هذا، فجُوَيرِية ﵂ كانت صائمة يوم الجمعة، فأراد الرسول ﵊ أن يَعْلم إِن كانت قد أفردت الجمعة بالصوم أو أنها صامت الخميس قبله بقوله (أَصُمتِ أمسِ؟) فلما علم أنها لم تكن صامت الخميس، سألها إن كانت تنوي صيام السبت بعد الجمعة بقوله (تريدين أن تصومي غداً؟) فلما علم أنها لا تريد صوم السبت، وأنها بالتالي تكون قد أفردت الجمعة بالصوم أمرها أن تفطر، بمعنى أنه نهاها عن إِفراد الجمعة بالصوم. أما حديث ابن مسعود الثامن فيُحمل على أنَّ الرسول ﷺ كان يصوم الجمعة مع ما قبله أو مع ما بعده، وحيث أن الرسول ﷺ كان كثير الصيام، فإن صيام الجمعة كان يدخل في صيامه ولا يدل الحديث على أنه ﵊ كان يُفْرِد الجمعة بالصيام. وأما الحديث التاسع، فلا شك في أن النهي الوارد فيه ينسحب على إِفراد الجمعة بالصوم، ونكون بهذا الفهم قد أَعْمَلنا جميع الأحاديث، وأزلنا ما يبدو عليها من تعارض في الظاهر.
وعليه فإني أقول إن صيام التطوع يصح في أي يوم من أيام الأسبوع دون شروط، باستثناء يومي الجمعة والسبت، فإن صيامهما مشروط بعدم إِفرادهما بالصوم وينتفي الإِفراد بصوم يومٍ قبلهما أو يومٍ بعدهما معهما.
стр. 148
...ثم مالنا نذهب بعيداً في البحث والاستدلال وعندنا الحديث الذي رواه علقمة ﴿قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: هل كان رسول الله ﷺ يختصُّ من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان عمله دِيْمَةً، وأيُّكم يُطيق ما كان رسول الله ﷺ يُطيق؟﴾ رواه البخاري (١٩٨٧) ومسلم وأبو داود وأحمد. قوله: كان عمله ديمة: أي كان صومه دائماً متواصلاً.
...وممن ذهب إلى منع إِفراد الجمعة بالصيام أحمد بن حنبل، وقسمٌ من الشافعية، وابن حزم، ورُوي ذلك عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر ﵃. وقال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفاً من الصحابة.
...وذهب أبو حنيفة ومالك وأصحابهما، والقسم الثاني من الشافعية، إلى عدم كراهة إِفراده بالصوم. وقد استدل الأحناف بحديث ابن مسعود الثامن. ونقل المُزَني عن الشافعي قوله إنه لا يُكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة. وقال الداودي: لعل النهي ما بلغ مالكاً.
وذهب الجمهور إلى النهي، وإلى أن النهي للتنزيه، أي للكراهة. والصحيح هو قول الجمهور في هذه المسألة كما بيَّنَّا.
ثانياً: أنواعُ صيام التطوع:
صيامُ ما تيسَّر من كل شهر:
стр. 149
وهو ما كان يفعله رسول الله ﷺ ، فقد كان ﵊ لا يمرُّ عليه شهر دون أن يصوم أياماً منه، ولم يُعرف عنه ﷺ أنه صام شهراً كاملاً غير شهر رمضان، فعن عبد الله بن شقيق قال ﴿قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم شهراً كلَّه؟ قالت: ما علمتُه صام شهراً كلَّه إلا رمضان، ولا أفطره كلَّه حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله ﷺ ﴾ رواه مسلم (٢٧١٨) والنَّسائي وأحمد. وعن أبي سلمة قال ﴿سألتُ عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائماً من شهرٍ قط أكثرَ من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً﴾ رواه مسلم (٢٧٢٢) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿ما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً قط غيرَ رمضان، وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم﴾ رواه مسلم (٢٧٢٤) والدارمي. ورواه الترمذي (٧٦٥) من طريق عائشة ﵂.
صيامُ يوم بعد يوم:
إنَّ أفضل صيام التطوع صوم يوم وإفطار يوم، وهو ما كان يفعله نبي الله داود ﵇، فلا صوم أفضل منه إلا صوم الفريضة، فلا ينبغي لمسلم أن يزيد عليه بل يقف عنده ولا يتجاوزه بحال من الأحوال. وقد وردت نصوص كثيرة تذكره وتبين فضله وتنهى عن الزيادة عليه، أذكر جملة منها تفي بالغرض:
стр. 150
١- عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ ﴿أَحَبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأَحَبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه﴾ رواه البخاري (٣٤٢٠) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد والدارمي وابن ماجة.
٢- وعنه ﵁ قال ﴿أُخْبِر رسولُ الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأَفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام فقلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ﷺ : لا أفضل من ذلك﴾ رواه البخاري (١٩٧٦) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وفي روايةٍ ثانيةٍ للبخاري (١٩٨٠) ومسلم والنَّسائي من طريقه بلفظ ﴿ ... لا صومَ فوق صوم داود ﵇ شطرُ الدهر، صم يوماً وأفطر يوماً﴾ وفي رواية لأحمد (٦٨٦٧) من طريقه بلفظ ﴿ ... قال: صم صومَ نبي الله داود ولا تَزِدْ عليه، قلت: يا رسول الله: وما كان صيام داود؟ قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً﴾ .
стр. 151
٣- وعنه ﵁ قال ﴿أَنكحني أبي امرأةً ذات حَسَب، فكان يتعاهد كَنَّتَهُ فيسألها عن بعلها، فتقول: نِعْمَ الرجلُ من رجلٍ لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتِّش لنا كَنَفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذَكَرَ للنبي ﷺ ، فقال: القَني به، فلقيته بعدُ، فقال: كيف تصوم؟ قلت: أصوم كلَّ يوم، قال: وكيف تختم؟ قال: كلَّ ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يوماً، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم صومَ داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرة، فليتني قبلتُ رخصةَ رسول الله ﷺ وذاك أني كبرتُ وضعفتُ ... ﴾ رواه البخاري (٥٠٥٢) والنَّسائي والطحاوي وابن حِبَّان. ورواه أحمد (٦٤٧٧) بلفظ ﴿ ... فلما دخلتْ عليَّ جعلتُ لا أَنْحاشُ لها، مما بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة ... ﴾ قوله: ولم يُفَتِّش لنا كَنَفاً، الكَنَف: الستر والجانب. وهذا القول منها هو كناية عن عدم جماع زوجها لها، يفسِّره ما جاء في رواية أحمد (جعلتُ لا أَنحاشُ لها) أما قوله (فليتني قبلتُ رخصةَ رسول الله ﷺ فهو يعني أن عبد الله عندما كبر وضعف صار يجد صعوبة بالغة ومشقة في صيام يوم وإفطار يوم فتمنى لو أنه قَبِلَ ما عرضه عليه النبي ﷺ من عروض أخفَّ منه، يفسر ذلك ما وقع عند مسلم (٢٧٢٩) من طريقه بلفظ ﴿ ... قال: صم يوماً وأفطر يوماً وذلك صيام داود – ﵇ – وهو أعدل الصيام، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك، قال عبد الله بن عمرو – ﵄ – لأَنْ أكونُ قبلتُ الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله
стр. 152
عليه وسلم أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي﴾ .
...ومع هذه النصوص البالغة الوضوح في وصف صيام داود بأنه أفضل الصيام، وأنه أحب الصيام إلى الله، وأنه لا أفضل منه، وأنه لا صومَ فوقه، ومع الأمر النبوي الكريم بعدم الزيادة عليه، يذهب أبو حامد الغزالي وغيره إلى القول إن صوم الدهر – أي صوم كل الأيام – أفضل من صيام داود، لأنه على حدِّ ادعائه أكثرُ عملاً فيكون أكثرَ أجراً. وهذا القول ساقط، وإلا لقلنا إن الطواف في الحج حول الكعبة عشرة أشواطٍ أو عشرين شوطاً أفضل من الطواف سبعة أشواطٍ، ولقلنا إنَّ المبيت بمنى أكثر من ثلاثة أيام أفضل، ولقلنا إنَّ السعي بين الصفا والمروة عشرين شوطاً أفضل، وهكذا نفتح على أنفسنا باباً من أبواب الشيطان، فنغرق في اللَّجاج والغُلو، ونبتعد كليةً عن الهَدْي النبوي الكريم، بل ونبتعد كليةً عما شرعه الله سبحانه من عبادات وأحكام. وفي المقابل قال ابن حزم [وإذا أخبَر ﵇ أنه لا أفضل من ذلك فقد صح أن من صام أكثر من ذلك فقد انحطَّ فضلُه، وإذا انحطَّ فضلُه فقد حبطت تلك الزيادة بلا شك، وصار عملاً لا أجر له فيه، بل هو ناقص من أجره، فصح أنه لا يحلُّ أصلاً] .
صيامُ ثلاثة أيام من الشهر:
стр. 153
إن مما شُرِع للناس من صيام التطوع صيامَ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر، وقد جاءت النصوص بذِكْرِها والحثِّ عليها وأنَّ مَن صامها فكأنما صام الدهر كله، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فصيام ثلاثة أيام من الشهر يعدل صيام ثلاثين يوماً، أي الشهر كله، فمن داوم عليها كل شهر فكأنه صام الأشهرَ كلَّها والسنة كلها، وهي صيام الدهر. وإن من فضل صيام هذه الأيام الثلاثة، إضافةً إلى الحسنات والثواب في الآخرة أنها تغسل الصدور والقلوب من أدرانها وأمراضها، من مثل الوساوس والضغائن والأحقاد والعداوات وما إلى ذلك، فليحرص المسلم على صيامها ليجني خيرها في الدنيا قبل خيرها في الآخرة. وهذه طائفة من النصوص تذكر كل ذلك:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حتى أموت: صومُ ثلاثة أيام من كل شهر وصلاةُ الضحى ونومٌ على وتر﴾ رواه البخاري (١١٧٨) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي.
٢- وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿شهرُ الصبر وثلاثةُ أيام من كل شهر صومُ الدهر﴾ رواه النَّسائي (٢٤٠٨) وأحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. قوله شهر الصبر: هو شهر رمضان.
٣- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال لي رسول الله ﷺ ﴿ ... وإنَّ بِحَسْبِك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإنَّ لك بكل حسنة عشرَ أمثالها، فإِذنْ ذلك صيامُ الدهر كلِّه ... ﴾ رواه البخاري (١٩٧٥) ورواه الطحاوي وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ.
стр. 154
٤- وعنه ﵁ قال ﴿أُخْبِر رسولُ الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر ... ﴾ رواه البخاري (١٩٧٦) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وقد مرَّ في البند الثاني من البحث السابق [صيام يوم بعد يوم] .
٥- عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿صيامٌ حسنٌ ثلاثةُ أيامٍ من الشهر﴾ رواه النَّسائي (٢٤١١) وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة وابن أبي شَيْبة.
٦- عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من صام ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صومُ الدهر فأنزل الله تصديقَ ذلك في كتابه: من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها، فاليوم بعشرة أيام﴾ رواه ابن ماجة (١٧٠٨) . ورواه الترمذي وحسَّنه هو والسيوطي. ورواه أحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي باختلاف في الألفاظ.
٧- عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه – قُرة بن إِياس – عن النبي ﷺ ﴿قال في صيام ثلاثة أيام من الشهر: صوم الدهر وإِفطاره﴾ رواه أحمد (١٦٣٥٧) والبزَّار والطبراني في كتاب المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجال أحمد رجال الصحيح] ومعنى قوله (صوم الدهر وإِفطاره) أن المسلم رغم أنه يفطر الأيام كلها إلا ثلاثةً من كل شهر فقط، فإنه يُكتب له صيامُ أيامِ الدهر كلِّها.
стр. 155
٨- عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخَّير عن الأعرابي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر﴾ . رواه أحمد (٢٣٤٥٨) وابن حِبَّان والبيهقي والطبراني في المعجم الكبير. ورواه البزَّار (١٠٥٧) بلفظه من طريق ابن عباس ﵁. ورواه النَّسائي (٢٣٨٥) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ بلفظ ﴿ ... ألا أُخبركم بما يُذْهِبُ وَحَرَ الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر﴾ وجهالة الصحابي لا تضر لأنهم جميعاً عدول قوله: وَحَرَ الصدر: يعني غِشَّه ووساوسَه وحقدَه وما إلى ذلك.
تدل هذه الأحاديث على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو ما اتفق عليه الفقهاء كلهم، ولكنهم اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة، فذهب أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحق بن راهُويه وابن حبيب من المالكية إلى أنها أيامُ ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو ذر، وكثيرٌ من التابعين. وذهب مالك إلى كراهة تعيينها، وأن السُّنَّة هي صوم ثلاثة أيام غير معيَّنة. وذهب الحسن البصري إلى استحباب الثلاثة من أول الشهر. وذهب إبراهيم النخعي إلى استحبابها من آخر الشهر. وذهب ابن شعبان من المالكية إلى استحباب أول يوم من الشهر، واليوم الحادي عشر، واليوم العشرين. وذهب قوم إلى استحبابها في يومي الاثنين والخميس. قال ذلك العراقي.
والحق الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن أفضل ما تصام هذه الأيام الثلاثة إنما يكون في إحدى حالتين: فإِما أن تُصام في الأيام البيضِ الغُرِّ، وهي الأيام ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وإِما أن تصام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس. وقد وردت النصوص بهاتين الحالتين، فيستحب تَحرِّي صيامِ هذه الأيام الثلاثة فيهما، دون تفضيلٍ لإِحداهما على الأخرى.
стр. 156
ولقد أخطأ من حصر الاستحباب في واحدة منهما، كما أخطأ خطأً أكبرَ من كره تعيينها ومن قال بغير هاتين الحالتين. ولم أجد فيما قرأت فقيهاً قال باستحباب الحالتين على صعيد واحد. وأذكر الآن النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البيضِ الغُرِّ، ثم أذكر بعدها النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
أولاً: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البِيضِ الغُرِّ:
- عن جرير بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿صيامُ ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر، وأيام البِيض صبيحة ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢٠) بإسناد صحيح. ورواه الطبراني في المعجم الصغير والبيهقي في الشُّعَب وأبو يعلى.
- عن ملحان القيسي ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البِيضَ: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ، قال: وقال: هنَّ كهيئة الدهر﴾ رواه أبو داود (٢٤٤٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي.
- عن أبي ذر ﵁ قال ﴿أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثةَ أيام البِيض: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢٣) والترمذي وحسَّنه. ورواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي وأبو داود الطيالسي.
стр. 157
- عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنبٍ قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : ما يمنعك أن تأكل؟ قال: إني صائم ثلاثة أيام من الشهر، قال: إن كنت صائماً فصم الغُرَّ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢١) وابن حِبَّان وأحمد بسند صحيح. ووقع عند النَّسائي (٢٤٢٨) من طريق موسى بن طلحة بلفظ ﴿... فقال النبي ﷺ : مالك؟ قال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : فهلا ثلاثَ البِيض ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرةَ، وخمسَ عشْرةَ﴾ وهو تفسير لقوله في الرواية السابقة (فصم الغُرَّ) بل قد أورد النَّسائي عدة روايات مماثلة للرواية هذه.
ثانياً: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يوم الاثنين من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه﴾ رواه النَّسائي (٢٤١٤) بسند جيد. ورواه أحمد (٥٦٤٣) بلفظ ﴿كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس من أول الشهر، والاثنين الذي يليه، والاثنين الذي يليه﴾ .
٢- عن أم سلمة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين﴾ رواه النَّسائي (٢٤١٩) وأحمد.
٣- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة﴾ رواه النَّسائي (٢٣٦٥) . قوله الجمعة: يعني الأسبوع هنا فالجمعة تطلق أحياناً ويراد بها الأسبوع
стр. 158
٤- عن هُنَيْدَةَ الخُزاعي عن أُمِّه قالت ﴿دخلتُ على أم سلمة فسألتُها عن الصيام؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس﴾ رواه أبو داود (٢٤٥٢) والبيهقي. ورواه الإمام أحمد (٢٧٠١٣) بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والجمعة والخميس﴾ .
٥- عن حفصة ﵂، زوجِ النبي ﷺ ﴿أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى﴾ رواه أحمد (٢٦٩٩) وأبو داود والبيهقي.
فمن اختار أن يصوم الأيام الثلاثة في وسط الشهر: ثلاثَ عشْرة وأربعَ عشْرة وخمسَ عشْرة، فقد أحسن، ومن اختار أن يصومها في يومي الاثنين والخميس فقد أحسن أيضاً. وهذه النصوص والتي قبلها ردٌّ على مالك القائل بكراهة تعيينها، ولا أرى له من شبهة دليل إلا ما رواه مسلم (٢٧٤٤) وابن ماجة والترمذي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي عن معاذة العدوية أنها سألت عائشةَ ﵂، زوجَ النبي ﷺ ﴿أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم﴾ .
стр. 159
فهذا الحديث والقول الأخير من عائشة يُحمَل على وصف صيام الرسول ﷺ فيما اعتاده واشتُهر عنه، والذي اعتاده واشتُهر عنه أنه كان يصوم أكثر من ثلاثة أيام في الشهر، فكان قول عائشة هذا يصف هذا الصوم المعتاد والمشتهر عنه ﵊ ولم يكن القول هذا وصفاً مقصوراً على صيام ثلاثة أيام فحسب فمن كثر صيامه كأَنْ يصوم عشرة أيام في الشهر فإنه لا يتسنَّى له الاقتصار على الأيام البيض، ولا على الاثنين والخميس، وعندئذٍ يصوم أي يوم شاء وبأية كيفية، ولا يقوى هذا الحديث على معارضة أحاديثنا السابقة، بل هو لا يعارضها وإنما جاء عاماً في صيام التطوع، وجاءت أحاديثنا خاصة في صيام ثلاثة أيام.
صيامُ الاثنين والخميس:
وهذا نوع ثالث من أنواع صيام التطوع، فمن قام بهذا الصيام فإنما يكون قد صام ثمانية أيام من الشهر، يومين كل أسبوع من أسابيع الشهر الأربعة. وقد ندب الرسول ﷺ للصيام في هذين اليومين لأن أعمال العباد تُعرض فيهما، ولأنَّ أبواب الجنة تفتح فيهما، فيُغفر لكل مسلم إلا لمتخاصِمَيْن متهاجِرَيْن، وفي يوم الاثنين خاصةً وُلد المصطفى ﷺ وأُنْزِل عليه القرآنُ الكريم، فلْيحرص المسلم على أن تُعرَض أعمالُه على ربه وهو صائم في هذين اليومين كي يحظى بمغفرة الله له. وهذه طائفة من الأحاديث الشريفة تذكر ذلك:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يتحرى صوم الاثنين والخميس﴾ رواه الترمذي (٧٤٥) وابن ماجة وابن خُزيمة. وفي روايةٍ للنَّسائي (٢١٨٦) وأحمد وابن حِبَّان من طريقها بلفظ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان كله، ويتحرى صيام الاثنين والخميس﴾ .
стр. 160
٢- عن أسامة بن زيد ﵄ قال ﴿إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسُئل عن ذلك؟ فقال: إن أعمال العباد تُعرضُ يوم الاثنين والخميس﴾ رواه أبو داود (٢٤٣٦) وأحمد والدارمي وابن خُزيمة والبيهقي. وقد ذكر البيهقي أن أسامة هو السائل. كما رواه الدارمي (١٧٥٢) من طريق أبي هريرة ﵁.
٣- عن أبي قَتَادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم الاثنين؟ فقال: فيه ولدتُ وفيه أُنْزِل عليَّ﴾ رواه مسلم (٢٧٥٠) والبيهقي. ورواه ابن حِبَّان (٣٦٤٢) أطول من هذا. ورواه ابن خُزيمة (٢١١٧) بلفظ ﴿بينما نحن عند رسول الله ﷺ أقبل عليه عمر، فقال: يا نبي الله صومُ يومِ الاثنين؟ قال: يومٌ ولدتُ فيه، ويومٌ أموت فيه﴾ .
٤- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن النبي ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس؟ فقال: إن يوم الاثنين والخميس يَغفِر الله فيهما لكل مسلم إلا متهاجِرَين، يقول: دعهما حتى يصطلحا﴾ . رواه ابن ماجة (١٧٤٠) وأحمد. ورواه الترمذي (٢٠٩٢) بلفظ ﴿تُفتح أبوابُ الجنة يومَ الاثنين والخميس فيُغفَر فيهما لمن لا يشرك بالله إلا المتهاجِرَيْن، يقول: رُدُّوا هذين حتى يصطلحا﴾ وقال [هذا حديث حسن صحيح] ورواه مسلم (٦٥٤٤) بلفظٍ قريب. ورواه ابن حِبَّان (٣٦٤٤) بلفظ ﴿تُفتح أبوابُ الجنة كلَّ اثنين وخميس وتُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس﴾ ورواه مسلم (٦٥٤٧) بلفظ ﴿تُعرَض أعمالُ الناس في كل جمعة مرتين: يوم الاثنين ويوم الخميس فيُغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شَحْناء، فيقال: اترُكوا، أو اركُوا هذين حتى يَفيئا﴾ قوله: اركُوا: أي أَخِّروا.
صيامُ ستة أيام من شوال:
стр. 161
يُندب للمسلم بعد أن يفرغ من صيام رمضان، ويفطر يوم عيد الفطر أن يستأنف الصيام في شوال، فيصوم ستةَ أيام منه، فمن فعل ذلك كلَّ عامٍ فكأنما صام الدهر، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، واليوم بعشرة أيام، فرمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يوماً، أي بشهرين، فيكون بصيامه ستةً من شوال بعد صيامه رمضان كأنما صام عشرة أشهر، ثم صام شهرين، وهي عدد أشهر السنة.
ولا يجب صوم هذه الأيامِ الستِّة عقب العيد مباشرة، كما لا يجب صومها مجتمعة متصلة، وإنما يتحقق المطلوب بصوم ستةٍ من شوال، أيَّةِ ستةٍ منه. وهذه طائفة من الأحاديث تذكر ذلك:
١- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿من صام رمضان، ثم أَتْبَعَه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾ رواه مسلم (٢٧٥٨) وأبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن حِبَّان والدارمي. ورواه البزَّار (١٠٦٠) من طريق أبي هريرة ﵁.
٢- عن ثوبان أن رسول الله ﵌ قال ﴿صيامُ شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستةِ أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام سنة﴾ رواه النَّسائي (٢٨٧٣) في السنن الكبرى. ورواه ابن ماجة وأحمد والدارمي وابن حِبَّان والبيهقي ولفظ ابن ماجة (١٧١٥) ﴿من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ وسنده صحيح. ووجه الاستدلال بهذه الروايات واضح تماماً. وقد ذهب إلى استحباب صيام ستة أيام من شهر شوال الشافعي وأحمد وداود، ورُوي ذلك عن الشعبي وميمون بن مهران.
стр. 162
...وفي المقابل ذهب أبو حنيفة ومالك إلى كراهة صيام هذه الأيام الستة. وقد جاء في الموطأ ما يلي [إنه – أي مالك - لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم، ورأَوْهم يعملون ذلك] .
...وإني لأعجب حقاً مما ذهب إليه الإِمامان أبو حنيفة ومالك من كراهة صيام هذه الأيام الستة رغم النصوص الصريحة القطعية الدلالة على استحباب صيامها. وما قاله مالك في الموطأ من أنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، وما قاله من أن أهل الجهالة ربما ألحقوا برمضان ما ليس منه، وما قاله أبو حنيفة ومالك من كراهة صومها بدعوى أنه ربما ظن الناس وجوبها عليهم، هي أقوالٌ في مقابلة النصوص فلا يُلتفت إليها، وهي من الضعف وسهولة الرد بحيث لا تحتاج إلى وقفة أطول، وغفر الله لهذين الإِمامين الجليلين.
الصيامُ في الأشهر الحُرُم:
стр. 163
والأشهر الحُرُم هي المحرَّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة. وقد جاء الأمر النبوي الكريم بالحث على الصيام في هذه الأشهر، فعن أبي مُجيبةَ الباهلي عن أبيه، أو عن عمه قال ﴿أتيتُ النبي ﷺ ، فقلت: يا نبي الله، أنا الرجل الذي أتيتُك عامَ الأول، قال: فمالي أرى جسمك ناحلاً؟ قال: يا رسول الله، ما أكلتُ طعاماً بالنهار ما أكلته إلا بليل، قال: مَن أمرك أن تعذِّب نفسك؟ قلت: يا رسول الله إني أقوى، قال: صم شهر الصبر ويوماً بعده، قلت: إني أقوى، قال: صم شهر الصبر ويومين بعده، قلت: إني أقوى، قال: صم شهر الصبر، وثلاثة أيام بعده، وصم أشهر الحُرُم﴾ رواه ابن ماجة (١٧٤١) . ورواه أبو داود (٢٤٢٨) بلفظ ﴿ ... صم من الحُرُم واترك، صم من الحُرُم واترك، صم من الحُرُم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمَّها ثم أرسلها﴾ ورواه أحمد (٢٠٥٨٩) بمعناه بلفظ ﴿ ... قال: قلت: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني، قال: فمن الحُرُم وأفْطِر﴾ .
الصومُ في شهر الله المحرَّم:
من أحب أن يصوم أفضل الصيام بعد شهر رمضان، فعليه أن يصوم في شهر الله المحرم، فصوم يوم من هذا الشهر أفضل من صوم أي يوم من أيام العام، ولا يُفهم من هذا القول أنه يُلغي أو يُبطل أفضلية صيام ما ورد الشرع بذكره والتنويه به وبيان فضله، من مثل صيام الأيام الغُرِّ، أي صيام الأيام البِيض، أو صيام يومي الاثنين والخميس، أو صيام يوم عرفة التاسع من ذي الحجة كما سنذكره بعد قليل، فالتنويه بشيء ليس بالضرورة آتياً على حساب غيره. ثم إن قولنا إن الصيام في المحرَّم أفضل الصيام، يعني تفضيل شهر المحرم في الصوم على غيره من الأشهر على العموم، ويبقى التنويه بأنواعٍ من الصيام على حاله من الفضل. وفي العاشر من هذا الشهر خاصةً يومُ عاشوراء وصيامُه يكفِّر السنة التي قبله. وهذه طائفة من النصوص تذكر فضل الصوم في هذا الشهر:
стр. 164
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم ... ﴾ رواه مسلم (٢٧٥٥) وأبو داود والنَّسائي والدارمي والترمذي وابن ماجة وأحمد. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/١٦٩٥) من طريق جُنْدُب بن سفيان.
٢- وعنه ﵁ يرفعه ﴿قال: سُئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم﴾ رواه مسلم (٢٧٥٦) والنَّسائي وأحمد.
٣- عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال ﴿سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال له: ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعتُه يسأل رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده فقال: يا رسول الله: أيَّ شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: إن كنتَ صائماً بعد شهر رمضان، فصم المحرَّم فإنه شهر الله فيه يومٌ تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على قومٍ آخرين﴾ رواه الترمذي (٧٣٨) وقال [هذا حديث حسن غريب] وأقرَّ المنذري تحسين الترمذي له. ورواه أحمد (١٣٣٥) بلفظ ﴿عن علي قال: أتى النبَّي ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله أخبرني بشهرٍ أصومُه بعد رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ : إن كنتَ صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرَّم، فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم، ويُتاب فيه على آخرين﴾ ورواه الدارمي باختلاف في الألفاظ.
стр. 165
٤- عن أبي قَتَادة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿صوم عاشوراء يكفِّر السنة الماضية، وصومُ عرفةَ يكفِّر سنتين: الماضيةَ والمستقبَلةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٨٠٩) في السنن الكبرى وابن أبي شَيْبة وأبو داود وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان. وسيأتي مزيد بيانٍ وبحثٍ للصوم في عاشوراء في بند منفصلٍ لاحقاً بإذن الله.
ب - صيامُ تسعٍ من ذي الحجة:
أي صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة، والعملُ الصالح، ومنه الصوم، في هذه الأيام التسعة أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، إلا المجاهدَ يجود بنفسه وماله فيه. وقد أقسم الله سبحانه بالليالي العشر من ذي الحجة في الآيات الأربع الأولى من سورة الفجر بقوله ﴿والفَجْرِ ? وليالٍ عَشْرٍ ? والشَّفعِ والوَتْرِ ? والليلِ إذا يَسْرِ ?﴾ وقد روى الإمام أحمد (١٤٥٦٥) والنَّسائي والبزَّار والطبري وابن المنذر والبيهقي والحاكم وصححه عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر﴾ وهذه طائفة من الأحاديث تحثُّ على العمل الصالح فيها ومنه الصيام:
١- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام يعني العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء﴾ رواه ابن ماجة (١٧٢٧) وأبو داود وأحمد والدارمي والبيهقي. ورواه الترمذي وقال [حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح] ورواه الطبراني في كتاب المعجم الأوسط (١٧٧٧) من طريق ابن مسعود، و (٤٣٩٨) من طريق أبي قَتَادة ﵄.
стр. 166
٢- عن هُنَيْدَةَ بنِ خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسعاً من ذي الحجة ويومَ عاشوراء وثلاثةَ أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر وخميسين﴾ رواه النَّسائي (٢٤١٧) . ورواه الإمام أحمد (٢٦٩٩١) بلفظ ﴿عن حفصة قالت: أربعٌ لم يكن يَدَعُهنَّ النبي ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة﴾ ورواه أبو داود (٢٤٣٧) بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر، والخميس﴾ .
أما ما رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنه قالت ﴿ما رأيتُ رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط﴾ رواه مسلم (٢٧٨٩) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد. فإنه يدل على مبلغ علم عائشة، ثم إن هذا القول نفي، وأحاديثنا إثبات، والإثبات أقوى من النفي، فمن رأى وعلم حجةٌ على من لم ير ولم يعلم، فلا يصلح هذا الحديث لنسخ الأحاديث القائلة بالصوم.
ج - الصيامُ في رجب:
стр. 167
رجب أحد الأشهر الحُرُم، فالصيام فيه مندوب لذلك، وقد مرَّت النصوص الحاثة على الصيام في الأشهر الحُرُم قبل قليل ورجبٌ منها. أما ما رُوي من أحاديث تندب إلى الصيام في رجب أو تنهى عنه على الخصوص، فكلها ضعيفة أو واهية لا يُلتَفت إليها، فمثلاً: روي عن ابن عباس ﵄ ﴿أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب﴾ رواه ابن ماجة (١٧٤٣) ففي إسناده داود بن عطاء متفقٌ على ضعفه. ومثلاً رُوي عن خَرَشة بن الحُرِّ، قال ﴿رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكفَّ الرجال في صوم رجب، حتى يضعوها في الطعام، ويقول: رجب وما رجب؟ إنما رجب شهرٌ كان يُعظِّمه أهل الجاهلية، فلما جاء الإسلام تُرك﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٧٦٣٢) . قال الهيثمي [وفيه الحسن بن جبلة ولم أجد من ذكره] ففيه إذن مجهول. ومثلاً رُوي عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ لم يُتِمَّ صومَ شهر بعد رمضان إلا رجب وشعبان﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٤١٨) قال الهيثمي [وفيه يوسف بن عطية الصفَّار وهو ضعيف] وكثير غيرها، وكلها ضعيفة أو واهية لا تصلح للاحتجاج.
د – الصيامُ في ذي القعدة:
... الصيام في ذي القعدة مندوب، للأحاديث الحاثة على الصيام في الأشهر الحُرُم ومنها ذو القعدة، ولم أجد من روى حديثاً واحداً يحث على الصيام في ذي القعدة على الخصوص، لا صحيحاً ولا حسناً ولا ضعيفاً.
صيامُ يوم عرفة:
стр. 168
عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وصيام هذا اليوم أفضل من صيام أي يوم آخر من أيام السنة على الإطلاق، باستثناء صيام رمضان طبعاً، فهو يكفِّر سنةً قبله وسنةً بعده وهذا بلا شك فضل عظيم وخير عميم. وقد ذهب العلماء والفقهاء كلهم إلى القول باستحبابه،لم يخالف ذلك منهم أحد فيما أعلم، وهذا الاتفاق منهم على استحباب صيام يوم عرفة إنما هو متعلق بغير الحُجَّاج، أما مَن كان بعرفة حاجاً، فقد اختلفوا في صيامه على مذهبين: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وسفيان الثوري إلى القول باستحباب الفطر لمن كان بعرفة، ورُوي مثلُه عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر ﵃. فيما ذهب أحمد والحسن البصري وقَتَادة، ومن الشافعية الخطابي والمتولي، إلى القول باستحباب الصوم إن قدر الحاج عليه، ولم يضعف عن الدعاء والذِّكْر المطلوب. ورُوي أن عائشة وأسامة بن زيد وعبد الله بن الزبير ﵃ كانوا يصومون يوم عرفة وهم حُجاج. قال الطبري [إنما أفطر رسول الله ﷺ بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة] وهذه طائفة من النصوص المتعلقة بصوم عرفة:
١- عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال ﴿رجلٌ أتى النبي ﷺ ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله ... – وذكر الحديث إلى أن قال – ثم قال رسول الله ﷺ : ثلاثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيامُ يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيامُ يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ رواه مسلم (٢٧٤٦) وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ورواه أحمد (٢٢٩٥٨) بلفظ ﴿ ... صوم يوم عرفة كفارة سنتين: سنة ماضية، وسنة مستقبلة، وصوم يوم عاشوراء كفَّارة سنة﴾ .
стр. 169
٢- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من صام يوم عرفة غُفر له ذنبُ سنتين متتابعتين﴾ رواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير (٦/٥٩٢٣) وابن أبي شيبة وأبو يعلى. قال الهيثمي [رجال أبي يعلى رجال الصحيح] .
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٤٣) وأبو داود وابن حِبَّان وابن ماجة وأحمد. ورواه ابن خُزيمة والحاكم وصححاه. وفيه مهدي العبدي قال ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حِبَّان في الثقات. وصحَّح ابن خُزيمة حديثه. فمثل هذا الحديث يصح الاحتجاج به.
٤- عن أم الفضل ﵂ قالت ﴿شك ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ في صيام يوم عرفة ونحن بها مع رسول الله ﷺ ، فأرسلتُ إليه بقَعْبٍ فيه لبنٌ وهو بعرفة فشربه﴾ رواه مسلم (٢٦٣٥) وابن حِبَّان وأبو داود وأحمد. وفي لفظٍ ثان لمسلم (٢٦٣٢) والبخاري (١٩٨٨) ﴿ ... فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه﴾ والقَعْب: هو إناء من خشب.
стр. 170
٥- عن ميمونة رضي الله تعالى عنها ﴿أن الناس شكُّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحِلابٍ وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون﴾ رواه البخاري (١٩٨٩) ومسلم وابن حِبَّان والبيهقي. وميمونة هي بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ وخالة ابن عباس وأخت أمِّه، أمِّ الفضل التي روت الحديث السابق. قوله: فأرسلتُ إليه بحِلاب: الحِلاب هو الإناء يُحْلَبُ فيه قال ابن حِبَّان تعقيباً على حديثي أم الفضل وميمونة [في حجة الوداع كان نساءُ النبي ﷺ معه، وكذلك جماعة من قرابته، فيشبه أن تكون أم الفضل وميمونة كانتا بعرفات في موضع واحد، حيث حُمل القدح من اللبن من عندهما إلى النبي ﷺ فنُسِب القدح وبعثتُه إلى أم الفضل في خبر، وإلى ميمونة في آخر] .
٦- عن عبيد بن عمير قال ﴿كان عمر ينهى عن صوم يوم عرفة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٤٥) .
٧- عن نافع قال ﴿سُئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة؟ فقال: لم يصمه النبي ﷺ ، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يوم عرفة﴾ رواه أحمد (٥٠٨٠) والنَّسائي في السنن الكبرى.
٨- عن أبي نَجِيح قال ﴿سُئل ابن عمر عن صوم عرفة؟ قال: حججتُ مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمُرُ به ولا أنهى عنه﴾ رواه الترمذي (٧٤٨) وقال [هذا حديث حسن] ورواه ابن حِبَّان والدارمي والنَّسائي في السنن الكبرى وعبد الرزاق والطحاوي. وأبو نَجِيح اسمه يسار المكي مولى ثقيف.
стр. 171
٩- عن ابن عباس ﵁ ﴿دعا أخاه عبيدَ الله يوم عرفة إلى طعام، قال: إني صائم، قال: إنكم أئمةٌ يُقتَدى بكم، قد رأيت رسول الله ﷺ دعا بحِلابٍ في هذا اليوم، فشرب – وقال يحيى مرة – أهلُ بيتٍ يُقتَدى بكم﴾ رواه أحمد (٣٢٣٩) بسند جيد. ورواه الطبراني في كتاب المعجم الأوسط (٩١٨٢) ولفظه ﴿ ... دعا الفضل يوم عرفة ... وأن الناس يستنُّون بكم﴾ .
...الحديثان الأول والثاني ذكرا فضل صيام عرفة وأنه يكفِّر صيام سنتين اثنتين، وهذا المعنى متفق عليه لا خلاف عليه، والمقصود به صيام عرفة لغير الحاج. أما ما اختلف الفقهاء فيه فهو صيام عرفةَ بعرفةَ للحاج، والصحيح الذي تدل عليه النصوص في البنود السبعة التالية، هو أن الفطر للحاج هو المستحب وليس الصوم، ومن الخطأ القول باستحباب صوم عرفةَ بعرفةَ للحاج، فرسول الله ﷺ نهى عن الصيام هذا (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) ولم يَرِدْ نسخٌ لهذا الحديث بل ولا معارضةٌ له ولا خلافٌ، فيثبت حكم النهي ولا يصح القول بخلافه. وجاءت النصوص في البنود الباقية كلها تُثَبِّت هذا الحكم، وأن النبي ﷺ قد أتبع القولَ العملَ، فقد أفطر في عرفة، فتعاضد القول والفعل منه ﵊، فلم تبق حجة للقائلين باستحباب الصيام.
стр. 172
...فإذا استحضرنا في الأذهان أن صوم عرفة يكفِّر سنتين ومع ذلك أفطر الرسول ﷺ وأفطر صحابته: أبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وآخرون، فإن ذلك يدعونا إلى القول إن الإفطار هو المتعيِّنُ للحاج، وهو المستحَبُّ، وما كان للرسول ﷺ أن يَحْرِم المسلمين من خير هذا الصيام لو كان الأمر على التخيير كما يقول الطبري، إذ مَن من المسلمين وخاصة الصحابةَ من يختار الفطر ويدع ثواب الصيام المكفِّر لسنتين لو كان الفطر فعلاً على الخيار، ولم يكن هو المستحب وهو الأفضل؟! ومنذ متى يدع الرسول ﵌ وصحابته المندوب، بل ربما كان المندوب الأكبر؟! إنه ما كان لرسول الله ﷺ وصحابته أن يفطروا في عرفة بعرفة إلا لأن الفطر هو المندوب وليس الصوم.
...أما قولهم إن الصوم أفضل إلا لمن ضعف عن الدعاء والذكر فالفطرُ له أفضل، فهو قول لا دليل عليه، وهو تأويل وتعليل لم يرد في النصوص فلا يُلتفت إليه. وعليه فإني أقول: إن الصوم في عرفة لغير الحاج مندوب، وإن الفطر في عرفة للحاج هو المندوب.
صومُ عاشوراء:
...ويأتي هذا الصوم في منزلةٍ تلي منزلة صوم عرفة، ذلك أنَّ صيام يوم عرفة يكفِّر سنتين، أما صيام عاشوراء فيكفِّر سنة واحدة، وإن تكفير سنةٍ كاملةٍ لا شك في أنه خير كبير وفضل عظيم أيضاً، فليحرص المسلم على صيامه ليمحو آثامه وذنوبه التي اقترفها في عام كامل وما أكثرها، خاصة في زماننا هذا الذي هُجر فيه الدين فصار غريباً، وفشت فيه جميع المعاصي والمنكرات والقبائح والرذائل، حتى بات المتدين لا يكاد يجد بقعة من الأرض يطمئن فيها إلى الحفاظ على دينه، والسلامة من الشرور والآثام، وقد جاء ذكر صوم عاشوراء فيما يلي:
стр. 173
١- عن أبي قَتَادة رضي الله تعالى عنه عن الرسول ﷺ قال ﴿صوم عاشوراء يكفِّر السنة الماضية، وصوم عرفة يكفِّر سنتين: الماضية والمستقبَلة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٠٩) وأحمد والبيهقي وأبو داود وابن حِبَّان. ورواه ابن ماجة (١٧٣٨) وعبد الرزاق بلفظ ﴿صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ ورواه الترمذي (٧٤٩) وقال [ ... وبحديث أبي قتادة يقول أحمد وإسحق] وقد سبق حديثٌ لأبي قتادة رواه مسلم وغيره تجدونه في البند الأول من صيام يوم عرفة، وجاء فيه ﴿ ... وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ .
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يومٍ فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان﴾ رواه البخاري (٢٠٠٦) ومسلم والنَّسائي وأحمد.
стр. 174
...وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم على الصحيح، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء وليس اليوم التاسع كما يقول قلَّة منهم، وذلك أن كلمة عاشوراء بمعنى اليوم العاشر هي مقتضى الاشتقاق والتسمية، وأنَّ اليوم التاسع يسمى تاسوعاء. ثم إن الأحاديث تدل على هذا، فعن عبد الله بن عباس ﵁ قال ﴿أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر﴾ رواه الترمذي (٧٥٢) وقال [حديث ابن عباس حديث حسن صحيح] وعن عائشة ﵂ ﴿أن النبي ﷺ أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر﴾ رواه البزَّار (١٠٥١) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وهما حديثان يدلان على أن عاشوراء هو اليوم العاشر منطوقاً. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع – وفي رواية أبي بكر قال: يعني يوم عاشوراء -﴾ رواه مسلم (٢٦٦٧) وأحمد بن حنبل والبيهقي. وفي رواية ثانية لمسلم (٢٦٦٦) وأبي داود من طريقه ﵁ بلفظ ﴿ ... قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظِّمُه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : فإذا كان العام المقبل – إن شاء الله – صمنا اليوم التاسع قال: فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى توفي رسول الله ﷺ ﴾ وهذا الحديث يدل أيضاً على أن عاشوراء هو اليوم العاشر وليس التاسع كما توهم عدد من الفقهاء، وذلك أن الرسول ﷺ كان يصوم عاشوراء كما هو ثابت في النصوص ويقول هذا الحديث إن الرسول ﷺ نوى أن يصوم اليوم التاسع إلا أنه توفي قبل أن يصومه فلم يصمه مما يدل دلالة بالغة القوة والوضوح على أن العاشر هو ما كان رسول الله ﷺ يصومه، وأن اليوم التاسع لم يصمه الرسول ﵊ مطلقاً، وقد جاء اللفظ عند ابن ماجة (١٧٣٦) مبيِّناً علة صيام اليوم
стр. 175
التاسع في العام المقبل، هكذا ﴿لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ اليوم التاسع، قال أبو علي: رواه أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب، زاد فيه: مخافةَ أن يفوته عاشوراء﴾ فهو ﵊ نوى أن يصوم التاسع احتياطاً فحسب. أما ما رواه الحكَم بن الأعرج عن ابن عباس ﵁ قال ﴿إذا رأيت هلال المحرم فاعدُدْ، وأَصبحْ يوم التاسع صائماً، قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم﴾ رواه مسلم (٢٦٦٤) والنَّسائي وأبو داود والترمذي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. فإن نحن أخذناه على ظاهره دون تأويل، فإنا نقول إنه يعارض الأحاديث الكثيرة – ومنها ما رواه ابن عباس نفسه – القائلة بالعاشر، وعند التعارض لا بد من رد أحدها، فنضطر لردِّ هذا الحديث لمخالفته الأحاديث الكثيرة القائلة بالعاشر. ولكن التأويل في مثل هذه الحال أولى إن كان يؤدي إلى عدم رد أحدها، فبالتأويل نقول ما يلي:
стр. 176
...إن ابن عباس ﵁ كان قد نقل أن الرسول ﷺ نوى أن يصوم اليوم التاسع، وأنه توفي قبل تحقيق هذه النية، فصار عند ابن عباس مفهومٌ هو أن صيام عاشوراء يبدأ في اليوم التاسع، وأنه صار هو المشروع الذي شرعه رسول الله ﷺ ، فصار ابن عباس منذئذٍ يفتي بهذا، وفي حديثنا هذا إفتاءُ ابن عباس بهذا الحكم فقال (إذا رأيت هلال المحرَّم فاعْدُدْ، وأَصبِحْ يومَ التاسع صائماً) ولا شيء في هذه الفتيا فنحن جميعاً نقول بها، ولكن السائل أحب أن يتثبَّتَ من هذه الفتيا هل هي اجتهاد من ابن عباس أم هي تشريع نبوي؟ فسأل: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ وهو يعني: قد شرع صيامه؟ فجاء الجواب من ابن عباس بنعم. فالإشكال آتٍ من قول السائل (يصومه) ولو أنه قال (أمر بصيامه) أو (شرع صيامه) لزال الإشكال. وبهذا التأويل نكون قد أعملنا النصوص كلَّها، وأزلنا ما يبدو بينها من تعارضٍ وخلاف.
стр. 177
...وكما جاء تشريع صيام اليوم التاسع احتياطاً – أي مخافة أن يفوته عاشوراء – كما ورد في رواية ابن ماجة، فقد جاء التشريع بعلة أخرى ربما كانت هي الأصلَ، وهي الأَوْلى، هي أن اليهود كانوا يصومون عاشوراء كما سيأتي بيان ذلك بعد قليل، وحيث أن الرسول ﷺ كان يحثُّ المسلمين دائماً على مخالفة اليهود والنصارى، فإنه أراد أن يُصام قبل عاشوراء يومٌ، أو يُصام بعده يومٌ فتتم المخالفة، فقد روى أحمد (٢١٥٤) والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً﴾ فالتشريع بصيام تاسوعاء إنما جاء لمخالفة اليهود ولم يأت لذاته، ولم يأت على أنه عاشوراء، وإلا فإن المخالفة لا تحصل. وهذا الحديث يقوِّي فهمَنا بأن اليوم العاشر هو المتعين، وأن اليوم التاسع يُضَمُّ في الصوم إليه. والخروج بالجمع بين الأحاديث التي تبدو متعارضة، تهنأ به النفوس، وتنشرح له الصدور، والحمد لله رب العالمين.
...أما السبب في مشروعية صيام يوم عاشوراء، فقد ورد فيه عدد من الأحاديث نختار منها ما يفي بالغرض:
١- عن ابن عباس ﵁ قال ﴿قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: أنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه﴾ رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي وأحمد والدارمي.
стр. 178
٢- عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتَّخذونه عيداً ويُلِبسون نساءَ هم فيه حُلِيَّهم وشارَتَهم، فقال رسول الله ﷺ : فصوموه أنتم﴾ رواه مسلم (٢٦٦١) . ورواه البخاري (٢٠٠٥) بلفظ ﴿كان يوم عاشوراء تعدُّه اليهود عيداً قال النبي ﷺ : فصوموه أنتم﴾ قوله شارتهم: أي هيأتهم الحسنة. فالرسول ﵊ قد شرع لنا صيام عاشوراء لأن الله سبحانه نجَّى في هذا اليوم نبيَّه موسى ﵇ من فرعون، فصامه موسى شكراً، فأمرنا رسولنا ﷺ بصيامه.
صومُ شعبان:
...لم يُعرف عن رسول الله ﷺ أنه صام في شهر من أشهر السنة عدا رمضان أكثرَ مما صام في شهر شعبان، بل إنه ﵊ كان يصوم شعبان كله إلا القليل منه فيندب للمسلمين أن يتطوعوا بالصيام في هذا الشهر. وهذه طائفة من الأحاديث تتناول هذه المسألةَ:
١- عن أم سلمة ﵂ قالت ﴿ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يَصِلُ شعبان برمضان﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٤٩٦) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- عن أبي سلمة قال ﴿سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائماً من شهرٍ قطُّ أكثرَ من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كلَّه، كان يصوم شعبان إلا قليلاً﴾ رواه مسلم (٢٧٢٢) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان أحبَّ الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبانُ، ثم يصله برمضان﴾ رواه النَّسائي (٢٦٦٦) وأحمد والطبراني في المعجم الكبير.
стр. 179
٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم الأيامَ يَسْرُدُ حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله: إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتَهما، قال: أي يومين؟ قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ذانِكَ يومان تُعرَض فيهما الأعمال على رب العالمين وأُحب أن يُعرَض عملي وأنا صائم قال: قلت: ولَمْ أَرَكَ تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر يُرفع فيه الأعمالُ إلى رب العالمين فأحبَّ أن يُرفع عملي وأنا صائم﴾ رواه أحمد (٢٢٠٩٦) وروى ابن أبي شيبة (٢/٥١٤) قسمه الأخير فقط بلفظ ﴿قلت يا رسول الله رأيتك تصوم في شعبان صوماً لا تصوم في شيء من الشهور إلا في شهر رمضان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب وشهر رمضان، ترفع فيه أعمال الناس، فأحب أن لا يُرفع لي عمل إلا وأنا صائم﴾ .
...وقد اختلف الفقهاء في حكم الصيام في النصف الثاني من شهر شعبان، فذهب جمهور العلماء إلى جواز الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان ولو لم يَعْتَدْهُ، ولو لم يصله بالنصف الأول، ولا يكره إلا صوم يوم الشك. وذهب كثير من الشافعية إلى منع الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان، وأن ابتداء المنع يكون من أول اليوم السادس عشر من الشهر.
стр. 180
...وقد استدل القائلون بالمنع بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا كان النصف من شعبان فلا صومَ حتى يجيء رمضان﴾ رواه ابن ماجة (١٦٥١) والنَّسائي وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان وأحمد والدارمي. وصححه ابن حزم والترمذي وابن عبد البر. والرد على هؤلاء بما يلي:
١- إن هذا الحديث مدارُه على العلاء بن عبد الرحمن فلم يَرْوِهِ غيرُه والعلاء هذا ضعَّفه ابن معين بقوله مرة: ليس حديثه بحجة وبقوله أخرى: إنه ضعيف وبقوله ثالثة: ليس بذاك لم يزل الناس يتوقَّوْن حديثه. وقال أبو حاتم: صالح روى عنه الثقات، ولكنه أنكر من حديثه أشياء. وقال أبو زُرعة: ليس هو بالقوي. وقال أبو داود: أنكروا على العلاء صيامَ شعبان. ووثقه في المقابل ابن حِبَّان والنَّسائي وأحمد، فهو مختلَف فيه
٢- إن هذا الحديث قد ضعَّفه أحمد ويحيى بن معين بقولهما إنه حديث منكر، كما ضعَّفه البيهقي والطحاوي وعبد الرحمن بن مهدي.
٣- إن هذا الحديث يعارض الأحاديث الكثيرة الصحيحة القائلة بأن الرسول ﷺ كان يصوم معظم شعبان، وأنه كان يصل شعبان برمضان، وقد مرَّ كثير منها، ولا يُستطاع الجمع بينها وبين هذا الحديث.
...فمثل هذا الحديث الذي رواه راوٍ لم يتفقوا على توثيقه، وجاء مخالفاً ومعارضاً الأحاديث الكثيرة الصحيحة فإن حكمَه الردُّ وعدمُ الاحتجاج به. وبذلك يثبت حكم جواز الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان، كنصفه الأول سواء بسواء، وهو قول الجمهور.
...أما قول الجمهور [ولا يُكره إلا صوم يوم الشك] فإن المقصود منه اليوم الذي يُشك فيه، هل هو آخر يوم من شعبان، أم هو أول يوم من رمضان؟ وسيأتي مزيد بحث في [صوم يوم الشك] من الفصل [الصيام المحرم الذي لا يجوز] .
صومُ يوم ويومين وأربعة وخمسة وسبعة وتسعة وعشرة وأحد عشر في الشهر
следующие страницы →