Полный текст (401 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
...إن ابن عباس ﵁ كان قد نقل أن الرسول ﷺ نوى أن يصوم اليوم التاسع، وأنه توفي قبل تحقيق هذه النية، فصار عند ابن عباس مفهومٌ هو أن صيام عاشوراء يبدأ في اليوم التاسع، وأنه صار هو المشروع الذي شرعه رسول الله ﷺ ، فصار ابن عباس منذئذٍ يفتي بهذا، وفي حديثنا هذا إفتاءُ ابن عباس بهذا الحكم فقال (إذا رأيت هلال المحرَّم فاعْدُدْ، وأَصبِحْ يومَ التاسع صائماً) ولا شيء في هذه الفتيا فنحن جميعاً نقول بها، ولكن السائل أحب أن يتثبَّتَ من هذه الفتيا هل هي اجتهاد من ابن عباس أم هي تشريع نبوي؟ فسأل: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ وهو يعني: قد شرع صيامه؟ فجاء الجواب من ابن عباس بنعم. فالإشكال آتٍ من قول السائل (يصومه) ولو أنه قال (أمر بصيامه) أو (شرع صيامه) لزال الإشكال. وبهذا التأويل نكون قد أعملنا النصوص كلَّها، وأزلنا ما يبدو بينها من تعارضٍ وخلاف.
стр. 177
...وكما جاء تشريع صيام اليوم التاسع احتياطاً – أي مخافة أن يفوته عاشوراء – كما ورد في رواية ابن ماجة، فقد جاء التشريع بعلة أخرى ربما كانت هي الأصلَ، وهي الأَوْلى، هي أن اليهود كانوا يصومون عاشوراء كما سيأتي بيان ذلك بعد قليل، وحيث أن الرسول ﷺ كان يحثُّ المسلمين دائماً على مخالفة اليهود والنصارى، فإنه أراد أن يُصام قبل عاشوراء يومٌ، أو يُصام بعده يومٌ فتتم المخالفة، فقد روى أحمد (٢١٥٤) والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً﴾ فالتشريع بصيام تاسوعاء إنما جاء لمخالفة اليهود ولم يأت لذاته، ولم يأت على أنه عاشوراء، وإلا فإن المخالفة لا تحصل. وهذا الحديث يقوِّي فهمَنا بأن اليوم العاشر هو المتعين، وأن اليوم التاسع يُضَمُّ في الصوم إليه. والخروج بالجمع بين الأحاديث التي تبدو متعارضة، تهنأ به النفوس، وتنشرح له الصدور، والحمد لله رب العالمين.
...أما السبب في مشروعية صيام يوم عاشوراء، فقد ورد فيه عدد من الأحاديث نختار منها ما يفي بالغرض:
١- عن ابن عباس ﵁ قال ﴿قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: أنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه﴾ رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي وأحمد والدارمي.
стр. 178
٢- عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتَّخذونه عيداً ويُلِبسون نساءَ هم فيه حُلِيَّهم وشارَتَهم، فقال رسول الله ﷺ : فصوموه أنتم﴾ رواه مسلم (٢٦٦١) . ورواه البخاري (٢٠٠٥) بلفظ ﴿كان يوم عاشوراء تعدُّه اليهود عيداً قال النبي ﷺ : فصوموه أنتم﴾ قوله شارتهم: أي هيأتهم الحسنة. فالرسول ﵊ قد شرع لنا صيام عاشوراء لأن الله سبحانه نجَّى في هذا اليوم نبيَّه موسى ﵇ من فرعون، فصامه موسى شكراً، فأمرنا رسولنا ﷺ بصيامه.
صومُ شعبان:
...لم يُعرف عن رسول الله ﷺ أنه صام في شهر من أشهر السنة عدا رمضان أكثرَ مما صام في شهر شعبان، بل إنه ﵊ كان يصوم شعبان كله إلا القليل منه فيندب للمسلمين أن يتطوعوا بالصيام في هذا الشهر. وهذه طائفة من الأحاديث تتناول هذه المسألةَ:
١- عن أم سلمة ﵂ قالت ﴿ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يَصِلُ شعبان برمضان﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٤٩٦) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- عن أبي سلمة قال ﴿سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائماً من شهرٍ قطُّ أكثرَ من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كلَّه، كان يصوم شعبان إلا قليلاً﴾ رواه مسلم (٢٧٢٢) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان أحبَّ الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبانُ، ثم يصله برمضان﴾ رواه النَّسائي (٢٦٦٦) وأحمد والطبراني في المعجم الكبير.
стр. 179
٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم الأيامَ يَسْرُدُ حتى يقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم إلا يومين من الجمعة، إن كانا في صيامه وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله: إنك تصوم لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتَهما، قال: أي يومين؟ قال: قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ذانِكَ يومان تُعرَض فيهما الأعمال على رب العالمين وأُحب أن يُعرَض عملي وأنا صائم قال: قلت: ولَمْ أَرَكَ تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر يُرفع فيه الأعمالُ إلى رب العالمين فأحبَّ أن يُرفع عملي وأنا صائم﴾ رواه أحمد (٢٢٠٩٦) وروى ابن أبي شيبة (٢/٥١٤) قسمه الأخير فقط بلفظ ﴿قلت يا رسول الله رأيتك تصوم في شعبان صوماً لا تصوم في شيء من الشهور إلا في شهر رمضان قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب وشهر رمضان، ترفع فيه أعمال الناس، فأحب أن لا يُرفع لي عمل إلا وأنا صائم﴾ .
...وقد اختلف الفقهاء في حكم الصيام في النصف الثاني من شهر شعبان، فذهب جمهور العلماء إلى جواز الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان ولو لم يَعْتَدْهُ، ولو لم يصله بالنصف الأول، ولا يكره إلا صوم يوم الشك. وذهب كثير من الشافعية إلى منع الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان، وأن ابتداء المنع يكون من أول اليوم السادس عشر من الشهر.
стр. 180
...وقد استدل القائلون بالمنع بما رواه العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا كان النصف من شعبان فلا صومَ حتى يجيء رمضان﴾ رواه ابن ماجة (١٦٥١) والنَّسائي وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان وأحمد والدارمي. وصححه ابن حزم والترمذي وابن عبد البر. والرد على هؤلاء بما يلي:
١- إن هذا الحديث مدارُه على العلاء بن عبد الرحمن فلم يَرْوِهِ غيرُه والعلاء هذا ضعَّفه ابن معين بقوله مرة: ليس حديثه بحجة وبقوله أخرى: إنه ضعيف وبقوله ثالثة: ليس بذاك لم يزل الناس يتوقَّوْن حديثه. وقال أبو حاتم: صالح روى عنه الثقات، ولكنه أنكر من حديثه أشياء. وقال أبو زُرعة: ليس هو بالقوي. وقال أبو داود: أنكروا على العلاء صيامَ شعبان. ووثقه في المقابل ابن حِبَّان والنَّسائي وأحمد، فهو مختلَف فيه
٢- إن هذا الحديث قد ضعَّفه أحمد ويحيى بن معين بقولهما إنه حديث منكر، كما ضعَّفه البيهقي والطحاوي وعبد الرحمن بن مهدي.
٣- إن هذا الحديث يعارض الأحاديث الكثيرة الصحيحة القائلة بأن الرسول ﷺ كان يصوم معظم شعبان، وأنه كان يصل شعبان برمضان، وقد مرَّ كثير منها، ولا يُستطاع الجمع بينها وبين هذا الحديث.
...فمثل هذا الحديث الذي رواه راوٍ لم يتفقوا على توثيقه، وجاء مخالفاً ومعارضاً الأحاديث الكثيرة الصحيحة فإن حكمَه الردُّ وعدمُ الاحتجاج به. وبذلك يثبت حكم جواز الصيام تطوُّعاً في النصف الثاني من شعبان، كنصفه الأول سواء بسواء، وهو قول الجمهور.
...أما قول الجمهور [ولا يُكره إلا صوم يوم الشك] فإن المقصود منه اليوم الذي يُشك فيه، هل هو آخر يوم من شعبان، أم هو أول يوم من رمضان؟ وسيأتي مزيد بحث في [صوم يوم الشك] من الفصل [الصيام المحرم الذي لا يجوز] .
صومُ يوم ويومين وأربعة وخمسة وسبعة وتسعة وعشرة وأحد عشر في الشهر
стр. 181
...قد مرَّ معنا صوم ثلاثة أيام، وصوم الاثنين والخميس وهما يشكلان في الشهر ثمانية أيام، كما مرَّ صوم يوم بعد يوم ويُشكِّل خمسة عشر يوماً في الشهر، ونستعرض الآن ما ورد في النصوص من صيام أعدادٍ أخرى من كل شهر:
١- عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له ﴿صُم يوماً ولك أجر ما بقي، قال: إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين ولك أجر ما بقي، قال: إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أُطيق أكثر من ذلك قال: صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصيام عند الله صوم داود ﵇ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً﴾ رواه مسلم (٢٧٤٢) والنَّسائي.
٢- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي فدخل عليَّ، فأَلقيتُ له وسادة من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال: أَمَا يكفيك من كل شهر ثلاثةُ أيام؟ قلت: يا رسول الله قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله، قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة؟ ثم قال النبي ﷺ : لا صوم فوق صوم داود ﵇ شطْرُ الدهر صم يوماً وأفطر يوماً﴾ رواه البخاري (١٩٨٠) ومسلم وابن حِبَّان والنَّسائي. وقد جاءت الأَعداد في هذا الحديث على إرادة الليالي، والعرب كانوا يذكرون الليالي مراتٍ بدل الأيام، وإلا وجب لغةً أن يقال: خمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر يوماً، وقد جاءت في رواية الكشميهني على مقتضى ظاهر اللغة: خمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر.
стр. 182
٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿أُخبر رسول الله ﷺ أنه يقول: لأقومنَّ الليل ولأصومنَّ النهارَ ما عشتُ، فقال رسول الله ﷺ : أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: قد قلتُه يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأَفطر، ونم وقم، صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك قال: صم يوماً وأَفطر يومين، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك يا رسول الله، قال: صم يوماً وأَفطر يوماً، وذلك صيام داود ﵇ وهو أعدل الصيام، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك، قال عبد الله بن عمرو ﵄: لأَن أكون قبلتُ الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي﴾ رواه مسلم (٢٧٢٩) والبخاري. ورواه النَّسائي (٢٣٩٧) بلفظ ﴿قال رسول الله ﷺ : إنه بلغني أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: يا رسول الله ما أردتُ بذلك إلا الخير قال: لا صام من صام الأبد، ولكن أدُلُّك على صوم الدهر: ثلاثة أيام من الشهر، قلت: يا رسول الله إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم خمسة أيام، قلت: إني أُطيق أكثر من ذلك، قال: فصم عشراً، فقلت: إني أُطيق أكثر من ذلك قال: صم صوم داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً﴾ .
стр. 183
...في الحديث الأول جاء الأمر بصيام يوم واحد وبصيام يومين، وثلاثة وأربعة، وبصوم داود وهو خمسة عشر يوماً نصف الشهر. وفي الحديث الثاني جاء الأمر بصيام ثلاثة أيام وخمسة، وسبعة وتسعة، وأحد عشر يوماً. وفي الحديث الثالث جاء الأمر بصيام ثلاثة أيام، وبصيام عشرة أيام (صم يوماً وأفطر يومين) ، وبصيام خمسة عشر يوماً (صم يوماً وأفطر يوماً (. وفي رواية النَّسائي جاء الأمر بصيام ثلاثة أيام وخمسة وعشرة، وقد جاءت في الحديث صريحة. وجاءت بصيام خمسة عشر يوماً، بدلالة القول (كان يصوم يوماً ويفطر يوماً (.
...وبجمع هذه الأحاديث نخلص إلى أن الرسول ﷺ قد أمر بصوم يوم واحد في الشهر، وبصوم يومين، وبصوم ثلاثة، وبصوم أربعة، وبصوم خمسة، وبصوم سبعة، وبصوم تسعة، وبصوم عشرة، وبصوم أحد عشر، وبصوم خمسة عشر يوماً، ومرَّ معنا أمرُه ﵊ بصوم الاثنين والخميس وتعدادُه ثمانيةُ أيام. ولك يا أخي بعد كل هذه الخيارات أن تختار لنفسك ما تجمع به بين الخير والقدرة، والله سبحانه يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
الفصل السادس: الصيام المحرَّم الذي لا يجوز
الفصل السادس
الصيامُ المحرَّم الذي لا يجوز
صومُ يوم الشَّك:
стр. 184
...ونعني به اليومَ المشكوكَ فيه هل هو آخر أيام شعبان، أم أول أيام رمضان؟ فنقول ما يلي: إذا هلَّت الليلة التي تتلو نهار التاسع والعشرين من شهر شعبان على غيوم أو ضباب أو غبار، من شأنها أن تحجب رؤية الهلال فإن الواجب على المسلمين آنذاك أن يُتمُّوا شعبان ثلاثين يوماً، ولا يصوموا ذلك اليوم المشكوك فيه احتياطاً لرمضان، ولا يصوموا رمضان إلا بعد رؤية هلاله، أما من كان صائماً قبله، وأراد الاستمرار في الصوم فصامه على أنه من شعبان، فلا بأس به. قال الترمذي [والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجَّل الرجلُ بصيامٍ قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان ... ] وقد عالجت النصوص الآتية هذه المسألة علاجاً واضحاً جلياً:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ – أو قال أبو القاسم ﷺ – ﴿صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي. وفي رواية لمسلم (٢٥١٦) بلفظ ﴿ ... فإن غُمَّ عليكم، فاقدروا ثلاثين﴾ وفي رواية أخرى للبخاري (١٩٠٦) بلفظ ﴿ ... فإن غُمَّ عليكم فأَكملوا العدة ثلاثين﴾ من طريق ابن عمر ﵄. قول الحديث غُبِّيَ عليكم، وفي قراءةٍ غَبِيَ عليكم: يعني خفي عليكم، وهو مأخوذ من الغباء، وهو شبه الغبار في السماء. قاله صاحب لسان العرب.
стр. 185
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم ﴿لا تَقَدَّموا الشهر بصيام يومٍ ولا يومين إلا أن يكون شيءٌ يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا والشهر تسع وعشرون﴾ رواه أبو داود (٢٣٢٧) والبيهقي. ورواه النَّسائي (٢١٢٩) وأحمد بن حنبل بلفظ ﴿صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأَكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً﴾ ورواه أبو داود الطيالسي (٢٦٧١) بلفظ ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضَبابة فأَكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصومِ يومٍ من شعبان﴾ .
٣- عن محمد بن كعب القُرَظي ﵁ قال ﴿دخلتُ على أنس بن مالك عند العصر يومَ يَشُكُّون فيه رمضانَ، وأنا أريد أن أُسَلِّم عليه، فدعا بطعام فأكل فقلت: هذا الذي تصنع سُنَّةٌ؟ قال: نعم﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٠٣٩) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٤- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تَقَدَّموا رمضانَ بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فلْيصمه﴾ رواه مسلم (٢٥١٨) والبخاري والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي.
стр. 186
٥- عن صِلة بن زفر قال ﴿كنا عند عمَّار بن ياسر ﵁، فأمر بشاةٍ مَصْلِيَّةٍ فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال إني صائم، فقال عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﵌﴾ رواه الحاكم (١/٤٢٤) وصححه هو والذهبي. ورواه الترمذي وقال [حديث حسن صحيح] ورواه النَّسائي وأبو داود وابن ماجة والدارمي وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الدارَقُطني وقال [إسناده حسن صحيح] قال ابن عبد البر: هذا مُسْنَدٌ عندهم مرفوع لا يختلفون في ذلك. وهو يعني أنه يأخذ حكم الرفع إلى رسول الله ﷺ بسبب قوله (فقد عصى أبا القاسم ﵌ وليس هو فهماً لعمَّار ولا اجتهاداً منه.
...الحديث الأول واضح الدلالة. والحديثان الثاني والرابع يدلاَّن إضافةً إلى ما يدل عليه الحديث الأول على أن الرجل إن كان يصوم من شعبان أياماً واستمر صومه حتى أتى على آخره فلا بأس، لأنه يكون بصيامه هذا إنما صام أياماً من شعبان، ولا يكون بذلك الصيام قد خالف معنى ومطلوبَ الأحاديث، فالأحاديث قد نهت عن صيام آخر شعبان استقبالاً لرمضان، بمعنى أنها نهت عن إلحاق آخر يوم من شعبان بشهر رمضان واحتسابه من رمضان احتياطاً، أما صيام أيام شعبان على أنها منه وكجزء من صيامه فلا شيء فيه. وأما الحديث الخامس فقد ذكر أن صوم يوم الشك - وهو آخر شعبان عند وجود ما يحول دون رؤية الهلال - حرامٌ لا يجوز، وبهذا القول ينتفي القول بالكراهة فقط. وعليه فإن صيام آخر شعبان وإِدخالَه في رمضان احتياطاً هو حرام، وليس مكروهاً فقط. وجاء الحديث الثالث يقرر أن الإفطار في يوم الشك هو السُنَّة المشروعة في الإسلام، بمعنى الطريقة والنهج.
стр. 187
...أما ما رُوي عن عبد الله بن أبي موسى – وقيل عن عبد الله بن أبي قيس على الأصح – قال ﴿ ... وسألتها – أي عائشة ﵂ – عن اليوم الذي يُختلَفُ فيه من رمضان؟ فقالت: لأَن أصوم يوماً من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يوماً من رمضان قال: فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة، فكلُّ واحد منهما قال: أزواج النبي ﷺ أعلم بذاك منا﴾ رواه أحمد (٢٥٤٥٨) وسعيد بن منصور والبيهقي. فهو اجتهاد منها ﵂ في مقابلة النصوص فلا يُؤخذ، ولا يصمد أمام أحاديثنا الزاجرة عن صوم آخر شعبان وإلحاقه برمضان.
...وقد ذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم صوم يوم الشك على أنه من رمضان، وإلى جوازه عما سوى ذلك. وهو الصحيح، وهو ما تدل عليه النصوص. وذهب جمهور العلماء والشافعي إلى المنع من صومه. وقال ابن عبد البَر: وممن رُوِي عنهم كراهةُ صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمَّار بن ياسر وعبد الله ابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك ﵃.
...وقد رأينا أن عمَّار بن ياسر قد ذكر في الحديث الخامس ما يدل على التحريم، وليس على الكراهة فحسب. وأقول هنا إن عبارة [كره فلان] إذا وردت على ألسنة بعض الفقهاء فإنهم يعنون بها التحريم، وليس الكراهة بمعناها الاصطلاحي الدارج، فلينتبه القراء لهذه الملاحظة، وكمثال على ذلك أن الترمذي بعد أن روى حديث عمَّار (فقد عصى أبا القاسم) قال [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين. وبه يقول سفيان الثوري ومالك ابن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه ... ] فقال كرهوا، وهو يعني كراهة تحريم.
صومُ الدهر:
стр. 188
...ونعني بصوم الدهر صيامَ جميعِ أيام السنة باستثناء الأيام الخمسة التي يحرم فيها الصوم، وهي يوما الفطر والأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، وستأتي لاحقاً.
...وقد ذهب جمهور العلماء إلى جواز صوم الدهر لمن قوي عليه ولم يفوِّت فيه حقاً، فإن تضرَّر أو فوَّت حقاً فمكروه. وقد ذكر النووي في المجموع أسماء بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صاموا الدهر، منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو طلحة الأنصاري وأبو أُمامة وامرأته وعائشة، وسعيد بن المسيِّب والأسود بن يزيد وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وقال أحمد: رجوت أن لا يكون بذلك بأس. ورُوي نحوه عن مالك. ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصوم، أي صوم الدهر، لا كراهةَ فيه بل هو مستحبٌّ، بشرط أن لا يلحقه به ضررٌ ولا يفوِّت حقاً. وذهب أهل الظاهر وابن العربي من المالكية وإسحق بن راهُويه وأحمد في الرواية الثانية إلى كراهة صوم الدهر. وانفرد ابن حزم بالقول بالتحريم. وحتى نقف على الحكم الصحيح لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
١- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: قال لي النبي ﷺ ﴿إنك لتصومُ الدهرَ وتقومُ الليلَ؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له العينُ ونَفِهَت له النفس لا صام من صام الدهر﴾ رواه البخاري (١٩٧٩) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن أبي شيبة والبيهقي. وهجمت له العين: أي غارت ودخلت في مكانها من الضعف. ونفهت له النفس: أي أعيت وسئمت قاله ابن الأثير وفي لفظ ثان للبخاري (١٩٧٧) ﴿ ... لا صام من صام الأبد، مرتين﴾ .
стр. 189
٢- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ ذُكر له صومي، فدخل عليَّ، فألقيتُ له وسادة من أَدَم حَشْوُها ليف، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه فقال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثةُ أيام؟ قلت: يا رسول الله، قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله، قال إحدى عشرة؟ قلت: يا رسول الله، ثم قال النبي ﷺ : لا صوم فوق صوم داود، شطرُ الدهر، صُمْ يوماً وأَفطر يوماً﴾ رواه البخاري (١٩٨٠) ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. وقد مرَّ الحديث في البند الثاني في بحث [صوم يوم ويومين ... ] من الفصل [صيام التطوع] وروى البخاري حديثاً آخر (١٩٧٥) من طريق عبد الله بن عمر، وجاء فيه ﴿ ... قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: فصم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد عليه، قلت: وما كان صيام نبي الله داود ﵇؟ قال: نصف الدهر، وكان عبد الله يقول بعدما كبر يا ليتني قبلتُ رخصة النبي ﷺ ﴾ وقد مرَّ. وروى مسلم (٢٧٢٩) الحديث بلفظ ﴿ ... صم يوماً وأفطر يوماً، وذلك صيام داود ﵇ وهو أعدل الصيام قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك ... ﴾ .
٣- عن عبد الله بن الشِّخَّير قال: قال النبي ﷺ ﴿من صام الأبد فلا صام ولا أفطر﴾ رواه ابن ماجة (١٧٠٥) والنَّسائي وأحمد والدارمي وابن حِبَّان وابن خُزيمة والحاكم وابن أبي شيبة، وإسناده صحيح.
٤- عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنمُ هكذا، وقبض كفَّه﴾ رواه أحمد (١٩٩٥١) وابن حِبَّان والنَّسائي وابن خُزيمة. وسنده جيد.
стр. 190
٥- عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ قيل له: إن فلاناً لا يفطر نهاراً الدهرَ إلا ليلاً، فقال ﷺ : لا صام ولا أفطر﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٨٢) والنَّسائي وأحمد وابن خُزيمة والحاكم. وصححه الحاكم، ووافقه الذَهبي.
٦- عن أبي عمرو الشيباني قال ﴿بلغ عمرَ أن رجلاً يصوم الدهر فعلاه بالدِّرَّة وجعل يقول: كُلْ يا دهر، كُلْ يا دهر﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٩٢) . ورواه ابن حزم وصححه، كما صحح ابن حجر إِسناده.
٧- عن نافع ﴿أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان يَسْرُد الصيام قبل أن يموت، قال نافع: وسرد عبد الله بن عمر في آخر زمانه﴾ رواه البيهقي (٤/٣٠١)
٨- عن زرعة بن ثوب يقول ﴿سألت عبد الله بن عمر عن صيام الدهر؟ قال: كنا نَعُدُّ أولئك فينا من السابقين ... ﴾ رواه البيهقي (٤/٣٠١) . وفيه معاوية بن صالح، وثَّقه ناسٌ وضعَّفه يحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو إسحق الفَزاري. وفيه زُرعة بن ثوب، قال الذهبي في ذيل الضعفاء: مجهول. فيترك هذا الحديث.
...الحديث الأول يقول (لا صام من صام الدهر) وفي لفظ ثان (لا صام من صام الأبد) والحديث الثاني يقول (لا صوم فوق صوم داود) وفي لفظ ثان (فصم صيام نبي الله داود ﵇، ولا تَزِدْ عليه) وفي لفظ ثالث (لا أفضل من ذلك) والحديث الثالث يقول (من صام الأبد فلا صام ولا أفطر) والحديث الرابع يقول (من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم) والحديث الخامس يقول (لا صام ولا أفطر) والأثر ٦ يقول (فعلاه بالدِّرَّة، وجعل يقول: كل يا دهر) والأثر ٧ يقول (أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان يسرد الصيام ... وسرد عبد الله بن عمر ... ) فعلى ماذا تدل هذه النصوص؟
стр. 191
...إن الناظر فيها لا يجد عناء في استنباط حكم تحريم صيام الدهر، فالحديث الأول بلفظه يحتمل الدعاء من الرسول ﷺ على من صام الدهر، كما يحتمل النفي فهو محتمل، فإذا قرنَّاه بالحديث الثالث والحديث الخامس رجَّحنا أنه أي الحديث الأول يفيد النفي، كما أن الثالث والخامس يفيدان النفي أيضاً، ومعنى النفي أن الرسول ﷺ وصف من يصوم الدهر بأنه لم يصم، وهذا يعني أن الصوم هذا غير واقع وغير مقبول، وحيث أنه عبادة والعبادات توقيفية لا دخل للعقل فيها، فإنا نحكم على أية عبادة منفيَّةٍ شرعاً، أي لا وجود لها في الشرع وغير مقبولة، بأنها حرام وتشريعٌ خارجٌ عن شرع الله، فهذه الأحاديث الثلاثة تكفي للدلالة على حرمة صوم الدهر. فإذا أضفنا إليها الحديث الثاني (لا صوم فوق صوم داود) تأكد لدينا بشكل لا يحتمل الخطأ أن صوم الدهر قد نفاه الشرع ولم يُقِرَّه، فإذا أضفنا إلى ما سبق الروايةَ (فصم صيام نبي الله داود ولا تزد عليه) ، فإِنَّا نكون قد أضفنا إلى النفي المكرر النهي عن هذا الصيام، فتعاضد النفي مع النهي، ليشكل كل منهما قرينةً للآخر دالةً على الجزم، فيكون صيام الدهر حراماً بلا شك. وبذلك يتضح لنا معنى الحديث الرابع، وهو أن من صام الدهر، الذي نفاه الشرع ونهى عنه، فإنه يكون قد خرج عن طاعة الله ودخل في معصيته، فليس له عندئذٍ من جزاءٍ إلا جهنم.
...إن هذه النصوص لتدلُّ دلالة لا لبس فيها ولا غموض على أن صيام الدهر غير مشروع، وغير مقبول، وغير صحيح، وأنه بالتالي حرام لا يجوز. وما كان لعمر بن الخطاب ﵁ أن يضرب الناس ويعاقبهم على فعلٍ لو لم يكن محرَّماً كما جاء في الأثر ٦.
стр. 192
...أما الأثر ٧ القائل إن عمر وابنه كانا يسردان الصوم، فلا يصح أن يُفهم منه صومُ الدهر، وإنما يفسر بالإكثار من الصوم وتتابعه وتواصله، وهو جائز ولا حُرْمَةَ فيه، وتتابع الصوم وتواصله لا يعني صوم أيام السنة كلها، وإنَّ من لغة العرب استعمالَ تعابير ظاهرُها الديمومة، لتدلَّ على الأعمِّ الأغلب فقط، وهذا موجود بكثرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهو من الكثرة والشيوع بحيث لا يحتاج إلى سوق الأمثلة عليه
...ومع كل هذه النصوص التي لا ناسخ لها ولا معارِض يذهب جمهور العلماء إلى القول بجواز صوم الدهر، مستدلين بحديث عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل النبي ﷺ فقال ﴿يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت﴾ رواه مسلم (٢٦٢٦) والبخاري. وقد مرَّ هذا الحديث في بحث [حكم الصيام في السفر] في الفصل [الصيام في السفر] وبالآثار عن الصحابة أنهم كانوا يسردون الصوم، وقد رواها البيهقي في الجزء الرابع في الصفحة (٣٠١) والخطأ الذي وقعوا فيه أنهم فسَّروا سرد الصوم بصوم الدهر ولم يفسِّروه بالمواصلة والتتابع، ولو كانوا فسَّروه بالمواصلة والتتابع لما وقعوا في هذا الخطأ.
...أما آثار الصحابة فهي ليست أدلة أصلاً حتى تعارِض، أو تخصِّص الأحاديث النبوية الدالة على التحريم، وحتى لو فسَّرناها بصوم الدهر فإنها تُرَدُّ ولا يُلتَفتُ إليها، وهي لا تعدو كونها اجتهاداتِ صحابةٍ نحن غير ملزمين بها، لا سيما إن تعارضت مع النصوص من الكتاب والسنة.
стр. 193
...وأما حديث عائشة عن حمزة بن عمرو فليس دالاً أيضاً على ما ذهبوا إليه، بل هو دالٌّ على عكس ما ذهبوا إليه، فحمزة يقول: إني رجل أسرد الصوم، فيجيبه الرسول ﷺ : صم إن شئت وأفطر إن شئت. وهذا السياق بقليل من إنعام نظر يدل على أن السرد هنا لم يكن صوم الدهر، إذ لو كان حمزة يصوم الدهر كله لما سأل الرسولَ ﷺ هذا السؤال (أفأصوم في السفر؟) لأنه في هذه الحالة ليس بحاجة إلى هذا السؤال، ثم لو أنَّ حمزةَ كان يصوم الدهر وعلم الرسول ﷺ ذلك وأقرَّه عليه لما أجابه بقوله (صم إن شئت وأفطر إن شئت) وإنما كان يجيبه بقوله مثلاً: لا بد لك من الصوم في السفر، أو أن السفر لا يقطع صيامك، أو أن السفر لا ينافي صوم الدهر، أمَّا وأنه قال له: صم إن شئت وأفطر إن شئت، فإنه يدل على أن السؤال لم يكن عن صوم الدهر، وإنما هو عن الإكثار من الصوم وتتابعه لا أكثر.
стр. 194
...ومما يدلُّ دلالةً مؤكدةً على أن سرد الصيام لا يعني صوم الدهر، وإنما يعني الإِكثارَ من الصيام وتتابعَه فحسب، هو ما جاء في الحديث المروي من طريق أُسامة بن زيد ﵁ عند أحمد (٢٢٠٩٦) بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسردُ، حتى يُقال لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم ... ﴾ المار في الفصل [صيام التطوع] في بحث [صوم شعبان] فقد جاء فيه (يسردُ حتى يُقال لا يفطر، ويفطر الأيام ... ) فقد جمع هذا اللفظ بين السردَ والإِفطار، ولو كان السرد يعني الصوم الدائمَ لما جاز هذا الجمعُ. وبارك الله في الترمذي، فقد أدرك أن سرد الصوم يعني التتابع ولا يعني صوم الدهر، ولذا وجدناه عقد باباً سماه [باب ما جاء في سرد الصوم] وأورد تحته الحديث التالي: عن عبد الله بن شقيق قال ﴿سألت عائشة عن صيام النبي ﷺ ؟ قالت: كان يصوم حتى نقول قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر وما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً إلا رمضان﴾ كما أورد بعده حديثين ليس فيهما ذكرٌ لصوم الدهر، مما يدل على أنه فهم من سرد الصوم الإكثارَ منه فحسب. وحيث أن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً، فإن أحاديثنا السابقة كلها تصلح لتفسير حديث حمزة بأنه يدل على التتابع، لكون صوم الدهر فيها منهيَّاً عنه.
стр. 195
...أما قول جمهور العلماء والشافعي إن صوم الدهر جائز أو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوِّت حقاً فالرد عليه هو أن هذا الشرط لا يُتصوَّر تحقُّقه، فالضرر وتفويت الحقوق أمران حاصلان في صوم الدهر ولا بدَّ، فالحديث الأول يقول (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفِهت له النفس) فقد قرَّر هذا الحديث حصول ضرر من صيام الدهر اللهم إلا أن يقول الجمهور والشافعي وأصحابه إن هجوم العين ونفوه النفس ليسا ضرراً؟! فإذا أضفنا إلى ما نقول الحديثَ التالي الذي يقرِّر أن صيام ثلثي الدهر لا يطيقه أحد، ولا يستطيعه إنسان فضلاً عن صيام الدهر كله، أدركنا الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء، فعن أبي قَتَادة رضي الله تعالى عنه ﴿أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صومه؟ فغضب، فقال عمر: رضيتُ – أو قال – رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً (قال: ولا أعلمه إلا قد قال) وبمحمد رسولاً وببيعتنا بيعة، قال: فقام عمر أو رجل آخر فقال: يا رسول الله رجل صام الأبد؟ قال: لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر، قال: صوم يومين وإفطار يوم؟ قال: ومن يطيق ذلك؟ ... ﴾ رواه أحمد (٢٢٩٠٤) . ورواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة والبيهقي باختلاف في الألفاظ. فقوله عن صوم يومين وإفطار يوم، أي عن صوم ثلثي الدهر (ومن يطيق ذلك؟) كسؤالٍ استنكاريٍّ، يدل دلالة لا تُدحَض على أن صوم الدهر لا يطيقه أحد.
стр. 196
...بل إنَّ عندنا ما هو أبلغ في الحجة وأوضح في الدلالة على أنَّ صوم الدهر غير مستطاع هو الحديث التالي الذي مرَّ في بحث [صيام يوم بعد يوم] من الفصل [صيام التطوع] عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال ﴿أُخبِر رسولُ الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك ... ﴾ رواه البخاري (١٩٧٦) ومسلم وغيرهما. ثم بعد كلِّ ذلك يأتي مَن يقول بجواز صيام الدهر إن كان لا يُلحِقُ ضرراً بصاحبه!!
...ويحضرني في هذا المقام الحديث الذي رواه الإمام البخاري (٥٠٦٣) ومسلم والنَّسائي والدارمي وأحمد عن أنس بن مالك ﵁ يقول ﴿جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فقال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني﴾ قوله كأنهم تقالُّوها: أي رأَوْها قليلة. أليس في هذا الحديث ما يمنع من القول بجواز صوم الدهر فضلاً عن القول باستحبابه؟! أما سمعوا قول رسول الله ﷺ لمن يقوم الدهر ولمن يصوم الدهر ولمن يترك الزواجَ الدهرَ (من رغب عن سنتي فليس مني؟) .
...وأما القائلون بالكراهة فإنهم أقل خطأ، إلا أن يعنوا بها كراهةَ تحريمٍ لا كراهة تنزيه. فالحق الذي لا مراء فيه هو أن صوم الدهر حرام لا يجوز، وهو ما ذهب إليه ابن حزم ﵀.
стр. 197
صومُ يومي الفطر والأضحى:
...اتفقت كلمة الفقهاء والأئمة من السلف والخلف على أن صوم يومي الفطر والأضحى حرام لا يجوز لا يُعلم لهم مخالِف، وهذه طائفة من الأدلة على هذه المسألة:
١- عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال ﴿شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نُسُكِكم﴾ رواه البخاري (١٩٩٠) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك وأحمد وابن ماجة.
٢- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿نهى رسول الله ﷺ عن صومين: يوم الفطر ويوم الأضحى﴾ رواه مسلم (٢٦٧٦) وابن أبي شيبة.
٣- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر﴾ رواه مسلم (٢٦٧٢) والبخاري ومالك وأحمد والبيهقي.
٤- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال ﴿نهى النبي ﷺ عن صوم الفطر والنحر ... ﴾ رواه البخاري (١٩٩١) ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة.
٥- وعنه رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿ ... ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى ... ﴾ رواه البخاري (١٩٩٥) ومسلم والدارمي. ورواه أحمد (١١٣٦٨) بلفظ ﴿ ... ولا صيام يوم الفطر ولا يوم الأضحى﴾ ورواه ابن حِبَّان (٣٥٩٩) بلفظ ﴿لا صوم في يوم عيد﴾ .
٦- وعنه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول ﴿لا يصلح الصيام في يومين: يومِ الأضحى، ويومِ الفطر من رمضان﴾ رواه مسلم (٢٦٧٣) والبخاري وأبو داود والترمذي.
стр. 198
...الأحاديث الخمسة الأولى ورد فيها نهيٌ عن صيام العيدين، مراتٍ بلفظ (نهى) ومراتٍ أُخرى بلفظ (لا صوم، ولا صيام) والحق أن النهي بهذه الألفاظ هو مجرد نهي، لا يُعلَم إِن كان نهياً جازماً يفيد التحريم، أو كان نهياً غير جازم يفيد الكراهة، فلنبحثْ عن القرينة التي تحدِّد وتعيِّن أيَّ الحُكْمين هو المقصود، وقد وجدنا هذه القرينة في الحديث السادس في كلمة (لا يصلح) التي تدل على أن النهي هنا هو نهيٌ جازم وأنه للتحريم، وهذا الحديث مثل الحديث الذي رواه مسلم (١١٩٩) والنَّسائي وأحمد والدارمي من طريق معاوية بن الحكم السلمي، ﵁ بلفظ ﴿ ... إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ... ﴾ وجاءت رواية أبي داود (٩٣٠) تفسِّر هذا الحديث ﴿ ... إن هذه الصلاة لا يحلُّ فيها شيء من كلام الناس هذا ... ﴾ فقد فسَّرت روايةُ أبي داود اللفظةَ الواردة عند مسلم (لا يصلح) بلفظة (لا يحل) وإذن فإن لفظة (لا يصلح الصيام) الواردةَ في الحديث السادس تُفسَّر بـ (لا يحل الصيام) وقد مرَّ حديث مسلم بتمامه ورواية أبي داود في بحث [القنوت] في الفصل السابع في القسم الثاني من الكتاب [الجامع لأحكام الصلاة] .
صومُ أيام التشريق:
стр. 199
...ذهب مالك والأوزاعي، وأحمد وإسحق بن راهُويه في رواية عنهما، إلى تحريم الصوم في أيام التشريق إلا للحاج المتمتِّع الذي لا يجد الهَدْيَ، ورُوي ذلك عن عائشة وابن عمر وعروة بن الزبير وعبيد بن عمير. وذهب أبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في المشهور عنه، وداود بن علي وابن حزم وابن المنذر والليث بن سعد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح إلى التحريم مطلقاً، ورُوي ذلك عن علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما. إلا أن أصحاب الشافعي قالوا بجواز الصيام في أيام التشريق إن كان لسببٍ: من نذرٍ أو كفَّارةٍ أو قضاءٍ فقط، أما ما لا سبب له فلا يجوز بلا خلاف. فيما ذهب الزبير بن العوام وأبو طلحة وعبد الله بن عمر والأسود بن يزيد وابن سيرين فيما رُوي عنهم، إلى الجواز مطلقاً. وحتى نقف على الحكم الصائب في هذه المسألة بإذن الله، دعونا نستعرض النصوص التالية:
١- عن نُبَيْشَةَ الهُذَلي قال قال رسول الله ﷺ ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب﴾ رواه مسلم (٢٦٧٧) والبيهقي والطحاوي. ورواه أحمد (٢٠٩٩٧) ولفظه ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب وذِكْرِ الله ﴾ وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تَعْقب يوم الأضحى
٢- عن كعب بن مالك ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ بعثه وأوسَ بنَ الحَدَثان أيام التشريق، فنادى: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام مِنى أيام أكل وشرب﴾ رواه مسلم (٢٦٧٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن أم مسعود بن الحكم رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كأني أنظر إلى علي بن أبي طالب على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء يقول: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ يقول: إن أيام التشريق أيام أكل وشرب ليس بأيام صيام﴾ رواه النَّسائي (٢٩٠١) في السنن الكبرى وأحمد وابن خُزيمة والحاكم وأبو يعلى.
стр. 200
٤- عن عاصم بن سليمان عن المطلب قال ﴿دعا أعرابياً إلى طعامه، وذلك بعد يوم النحر، فقال الأعرابي: إني صائم، فقال: إني سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يعني، ينهى عن صيام هذه الأيام﴾ رواه ابن خُزيمة (٢١٤٨) والنَّسائي وعبد الرزاق. وللنَّسائي أيضاً (٢٩١٤) في السنن الكبرى بلفظ ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومنَّها أحد﴾ .
٥- عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال ﴿أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام مِنى: إنها أيام أكل وشرب فلا صومَ فيها، يعني أيام التشريق﴾ رواه أحمد (١٤٥٦) . وروى البزَّار هذا الحديث (١٠٦٧) دون قوله (فلا صوم فيها) قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٦- عن أُم عمرو بن سليم الزرقي ﵂ أنها قالت ﴿بينما نحن بمنى إذا علي ابن أبي طالب على جمل، وهو يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: إن هذه أيامُ طُعْمٍ وشُربٍ فلا يصومنَّ أحدٌ، فاتَّبعَ الناسُ﴾ رواه أحمد (٨٢٤) والشافعي
٧- عن حبيبة بنت شريق ﵂ ﴿أنها كانت مع ابنتها، ابنةِ العجماء في أيام الحج بمنى، قال: فجاءهم بديل بن ورقاء على راحلة رسول الله ﵌ برَحْلِهِ فنادى: إن رسول الله ﵌ يقول: من كان صائماً فليفطر، فإنها أيام أكل وشرب﴾ رواه الحاكم (٢/٢٥٠) والطبراني في المعجم الأوسط.
٨- عن أبي مُرَّة مولى أم هانيء ﴿أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فقرَّب إليهما طعاماً، فقال: كل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق﴾ رواه أبو داود (٢٤١٨) وابن خُزيمة والدارمي وأحمد والحاكم والبيهقي وابن المنذر. وصححه الحاكم وابن خُزيمة.
стр. 201
٩- عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿يومُ عرفةَ ويومُ النحر وأيامُ التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أكل وشرب﴾ رواه أبو داود (٢٤١٩) والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
١٠- عن أبي الشعثاء قال ﴿أتينا ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، قال: فأُتي بطعام، فدنا القوم وتنحَّى ابنٌ له، قال: فقال له: ادن فاطْعَمْ، قال: فقال: إني صائم، قال: فقال: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: إنها أيام طُعْمٍ وذِكْرٍ؟﴾ رواه أحمد (٤٩٧٠) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
...باستعراض هذه الأحاديث، نجد أنَّ الأول والثاني والسابع قد ذكرت أن أيام التشريق هي أيام أكل وشرب، وجاء الرابع في رواية النَّسائي بزيادة (الصلاة) وجاء العاشر بزيادة (الذِّكْر) وإذن فإن هذه الأحاديث قد وصفت أيام التشريق بأنها أيام أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ وذِكْرٍ.
стр. 202
...وقد استنبط عدد من العلماء من كون الأحاديث تذكر أن أيام التشريق هي أيام أكل وشرب أن الصيام فيها حرام لا يجوز. والحق أن هذا الاستنباط غير صحيح، لأن مجرد وصف أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب لا يكفي دليلاً على التحريم. ولكن الأحاديث لم تقتصر على هذا الوصف وإنما أضافت إليه نفي الصوم فيها والنهي عنه، ففي الحديث الثالث جاء (ليس بأيام صيام) وفي الحديث الرابع في رواية النَّسائي وفي الحديث السادس جاء (فلا يصومنَّها أحد) وفي الحديث الخامس جاء القول (فلا صوم فيها) ثم جاء النهي منطوقاً في الحديثين الرابع والثامن (ينهى عن صيام هذه الأيام) ، (وينهانا عن صيامها) فصار للقول بالتحريم حجة إذ أن قول الحديث الرابع (فلا يصومنَّها أحد) وقول الحديث السادس (فلا يصومنَّ أحد) قد جاءا بصيغة التوكيد، وهذه الصيغة تدل على العزم والتصميم والإلزام، فصح الاستنباط من هذه النصوص بأن النهي عن الصوم في أيام التشريق هو نهي جازم يفيد التحريم. فإذا وجدنا في الحديث السابع (من كان صائماً فلْيفطر) أدركنا وتأكد لنا فعلاً أن النهي عن الصيام هو نهي جازم يفيد التحريم، ذلك أن أمر الصائم بالإفطار ما كان يصح ويجوز لو كان الصوم جائزاً مقبولاً، ولا يصح فعلاً إلا أن يكون الصيام غير جائز، ووجب قطعه بالإفطار. ومثله الحديث الثامن، فعمرو بن العاص أمر ابنه الصائم في تلك الأيام بالأكل وقطْعِ صيامِه، فلما امتنع ابنه عن قطع الصيام لم يتردد عمرو في توجيه الأمر مرة ثانية لابنه بالإفطار، مستدلاً بأن الرسول الكريم ﷺ كان يأمر الصائمين آنذاك بالإفطار وينهاهم عن الصوم، ومثله في الدلالة الحديث العاشر. فهذه الأحاديث الثلاثة – السابع والثامن والعاشر – تصلح قرائن بل وأدلة على أن النهي عن صيام أيام التشريق إنما هو نهي جازم دالٌّ على التحريم.
стр. 203
...بقيت مسألة الحاج المتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ أي لا يجد شاةً يذبحها، أو يجدها ولكنه لا يملك ثمنها، هل يجوز له أن يصوم الأيام الثلاثة في الحج في أيام التشريق؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
١- قال تعالى ﴿ ... فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمنْ لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسَبْعةٍ إذا رَجَعْتُمْ تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ... ﴾ من الآية ١٩٦ من سورة البقرة. والهَدْي هنا: الشاة تُذبَح.
٢- عن عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما قالا ﴿لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهَدْي﴾ رواه البخاري (١٩٩٧-١٩٩٨) والدارَقُطني والبيهقي وابن أبي شيبة والطبري.
٣- عن علي ﵁ في قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج، قال: قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة﴾ رواه البيهقي (٥/٢٥) والطبري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
٤- عن ابن عمر ﵄ في قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج، قال: يومٌ قبل التروية، ويومُ التَّرْوِية، ويومُ عرفة، وإذا فاته صامها أيام منى﴾ رواه ابن جرير الطبري (٢/٢٤٧) ومحمد بن المنذر والدارَقُطني والبيهقي وابن أبي شيبة.
٥- وعنه ﵁ قال ﴿الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هَدْياً ولم يصم، صام أيام منى﴾ رواه البخاري (١٩٩٩) ومالك والشافعي والبيهقي.
٦- عن ابن عباس ﵁ ﴿قوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) إلى (وسبعةٍ إذا رجعتم) وهذا على المتمتِّع بالعمرة إذا لم يجد هدياً، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله﴾ رواه ابن جرير الطبري (٢/٢٤٨) .
стр. 204
...قوله في الآية الكريمة ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ فسَّرها علي وابن عمر وابن عباس في الآثار ٣، ٤، ٦ بأن الصيام يُؤدَّى قبل عرفة، أو يُؤدَّى آخِرُه يومَ عرفة، وهذا يعني عدم تأديتها في أيام التشريق، وذلك لورود النهي عن صيام أيام التشريق. ولكن وحيث أن صيام هذه الأيام الثلاثة واجب شرعاً، وحيث أن أيام التشريق هي آخر أيام الحج، فإنَّ من لم يصم هذه الأيام الثلاثة في وقتها أجاز له الشرع أن يصومها في أيام النهي، أي في أيام التشريق.
...وإذن فإن الصيام في أيام التشريق لمن فاته صيام الأيام الثلاثة هو رخصة، وهو ما جاء في الحديث الثاني (لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهَدْي) وحتى هذه الرخصة قد قُيِّدت بمن لم يتمكن من الصيام وليس على إطلاقها لأن الأصل كما قلنا هو أن تُصام الأيام الثلاثة قبل أيام التشريق وهذا المعنى مذكور في الأثر الرابع (وإذا فاته صامها أيام منى) ومذكور في الأثر الخامس (فإن لم يجد هدياً ولم يصم، صام أيام منى) والآثار وهي أقوالُ الصحابة، وإن كانت غير أدلة، إلا أنها أحكام شرعية يصح تقليدها واتِّباعها، وهنا جاءت أقوال الصحابة تشرح وتفسِّر الآية الكريمة فيصح قبول هذا الشرح والتفسير لا سيما وأنهم أقدر المسلمين على فهم الآيات وبيان مدلولاتها.
стр. 205
...وعليه فإنَّا نقول إن الفريق الأول قد أصابوا فيما ذهبوا إليه من تحريم الصوم في أيام التشريق إلا للحاج المتمتِّع الذي لا يجد الهَدْيَ. وأضيف إلى قولهم [وقد فاته الصيام] وهي إضافة لا بد منها. أما أصحاب الشافعي فإنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه لو كانوا قد حصروا السبب في فوات صيام الأيام الثلاثة قبل أيام التشريق، ومخطئون فيما ذهبوا إليه من تعدُّد الأسباب كالنذر والكفَّارة والقضاء، لأن النصوص لا تدلُّ إلا على سبب واحد، وهو فوات الصيام قبل أيام منى فحسب، وليس النذر ولا الكفَّارة ولا القضاء مما رخَّص فيه الشرع هنا، والأصل في المسلم التقيد بالنصوص ولا سيما في العبادات.
صومُ الوِصال:
...الوِصال هو مواصلة الصوم يوماً وليلة أو أكثر دون إفطار. وقد ذهب أحمد وإسحق، ومن الشافعية محمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حجر، وجماعة من المالكية إلى جواز الوِصال إلى السَّحر، أي صيام نهارٍ وليلٍ بعده إلى آخره. وحكى محمد بن المنذر كراهة الوصال عن مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، وهو قول ابن قدامة. وقال ابن حجر: ذهب الأكثرون إلى تحريم الوِصال وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي. وقد نصَّ الشافعي في الأم على أن الوصال محظور. وحرَّمه ابن حزم. وفي المقابل أجازه عبد الله بن الزبير وابنه عامر وأخت أبي سعيد وأبو الجوزاء وإبراهيم التيمي. وحتى نستطيع استنباط الحكم الصائب في هذه المسألة لا بدَّ لنا من استعراض النصوص التالية:
١- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿نهى رسول الله ﷺ عن الوِصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقينِ﴾ رواه البخاري (١٩٦٤) ومسلم والنَّسائي.
стр. 206
٢- عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه ﴿أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أُطْعَم وأُسقَى﴾ رواه مسلم (٢٥٦٣) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أَبيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون﴾ رواه مسلم (٢٥٦٧) . ورواه ابن خُزيمة (٢٠٧١) وأحمد ومالك وابن أبي شيبة بلفظ ﴿إياكم والوصال قالها ثلاثاً﴾ ورواه الدارمي (١٧٠٤) وابن حِبَّان بلفظ ﴿إياكم والوصال، مرتين ... ﴾ .
٤- عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لست كأحدٍ منكم، إني أُطعَم وأُسقَى، أو إِني أَبيتُ أُطْعَم وأُسْقَى﴾ رواه البخاري (١٩٦١) وأحمد وابن حِبَّان وابن أبي شيبة والدارمي. ورواه الترمذي وقال [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا الوِصال في الصيام ورُوي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل الأيام ولا يفطر] .
٥- عن ليلى امرأة بشير – بن الخصاصيَّة – قالت ﴿أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً، فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: يفعل ذلك النصارى ... ﴾ رواه أحمد (٢٢٣٠١) والطبراني في المعجم الكبير وسعيد بن منصور وعبدُ بن حميد بإسناد صحَّحه ابن حجر.
٦- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السَّحَر، ففعل بعض أصحابه فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك؟ قال: لستم مثلي، إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني﴾ رواه ابن خُزيمة (٢٠٧٢) بسند صحيح.
стр. 207
٧- عن أبي ذر ﵁ ﴿أن النبي ﷺ واصل بين يومين وليلة فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قَبِل وِصالك ولا يحلُّ لأحدٍ بعدك، وذلك بأن الله ﵎ يقول (وأتموا الصيام إلى الليل) ولا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر بعد الفجر﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣١٦٢) . وفيه عبد الملك، قال الهيثمي [ولم أعرف عبد الملك] وقال ابن حجر: ليس إسناده بصحيح، فلا حجة فيه.
٨- عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب رضي الله تعالى عنه قال ﴿نهانا رسول الله ﷺ أن نواصل وليس بالعزيمة﴾ رواه البزَّار (١٠٢٤) والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [إسناده ضعيف] .
٩- عن علي رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السَّحَر﴾ رواه أحمد (٧٠٠) وابن أبي شيبة والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٥٢) من طريق محمد بن علي بلفظ ﴿أن النبي ﷺ كان يواصل من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ﴾ .
١٠- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ﴿أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما، إِبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: إني أُواصل إلى السحر، وربي يطعمني ويسقيني﴾ رواه أبو داود (٢٣٧٤) وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وصحح ابن حجر إسناده وقال [هو من أحسن ما ورد في ذلك] .
стр. 208
١١- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله سلم يقول ﴿لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطْعِمٌ يُطعمني، وساقٍ يَسقيني﴾ رواه البخاري (١٩٦٣) وأبو داود وأحمد وابن حزم. قال ابن حزم [ورويناه أيضاً مُسْنداً صحيحاً من طريق أم المؤمنين عائشة وأنس وأبي هريرة وابن عمر كلهم عن رسول الله ﷺ ] وقال البخاري [ونهى النبي ﷺ عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم وما يُكْرَه من التعمُّق] .
١٢- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال رسول الله ﷺ : وأيُّكم مثلي؟ إني أَبِيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخَّر الهلال لزدتكم، كالمنكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهوا﴾ رواه مسلم (٢٥٦٦) والبخاري والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن حزم والدارمي. وفي رواية ثانية لمسلم (٢٥٧٠) وأحمد وابن خزيمة بلفظ ﴿ ... قال: فأخذ يواصل رسول الله ﷺ وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجالٌ من أصحابه يواصلون، فقال النبي ﷺ : ما بال رجالٍ يواصلون؟ إنكم لستم مثلي أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلت وصالاً يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم﴾ .
стр. 209
...الحديثان في البندين ٧، ٨ ضعيفان فيتركان ولا يُحتجُّ بهما. لقد جاء النهي عن الوصال بألفاظٍ ثلاثة (نهى عن الوصال) في الأحاديث ١، ٢، ٥، ١٠، ١٢ و (إياكم والوصال) في الحديث ٣ و (لا تواصلوا) في الحديثين ٤، ١١. فهذا النهي بألفاظه الثلاثة ردٌّ على من قالوا بجواز الوصال وإباحته، فلم تبق إلا الكراهة أو التحريم، فلننظر في الأحاديث مرة أخرى باحثين عن الدليل أو القرينة التي تحدِّد أياً من الحُكْمين هو المشروع.
...جاء في الحديث الرابع، رواية ابن خُزيمة (إياكم والوصال، قالها ثلاثاً) أي جاء قول الرسول ﷺ (إياكم والوصال، إياكم والوصال، إياكم والوصال) وما أرى رسول الله ﷺ يشدِّد في النهي عن الوصال هذا التشديد إلا لأنه حرام لا يجوز، فالتكرار يصلح قرينة على أن النهي نهيٌ جازم. ثم جاء الحديث الثاني عشر يذكر أن النبي ﷺ قد عاقب الذين واصلوا وأبَوْا أن ينتهوا عن الوصال أي رفضوا النهي عن الوصال، ووصف العقوبة بأنها تنكيلٌ حين أَبَوْا أن ينتهوا، ولا يكون كل ذلك إلا دالاً على أن النهي هو نهي جازم يفيد التحريم، ولو كان النهي غير جازم لما عاقبهم الرسول ﷺ ، ولما نكَّل بهم. فهذا الحديث يدلُّ لفظه على أن النهي الوارد في الأحاديث هو نهي جازم.
...ثم جاءت الرواية الثانية عند مسلم تؤكِّد الجزم والإلزام بقول الرسول ﷺ (أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلتُ وصالاً يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم) فقد وصف الذين يواصلون بأنهم متعمِّقون، وتوعدهم بوصالٍ طويلٍ كعقوبة، حتى يلتزموا بالنهي ويَدَعوا الوصال. فالتوعُّد بالعقوبة قرينةٌ، ووصفُهم بالتعمُّقِ قرينةٌ ثانيةٌ على أن النهي عن الوصال في الأحاديث هو نهي تحريم، وليس نهي كراهة فقط.
стр. 210
...أما التوعد بالعقوبة فظاهر، وأما وصفهم بالتعمُّق فلأن التعمُّق في الشرع حرام ومحظور، فعن عبد الله – بن مسعود – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿هلَك المتنطِّعون، قالها ثلاثاً﴾ رواه مسلم (٦٧٨٤) وأبو داود وأحمد. والمتنطِّعون من التنطُّع وهو التعمُّق قاله صاحب مختار الصحاح وصاحب أساس البلاغة وصاحب لسان العرب وغيرهم. فالتنطُّع لغةً هو التعمُّق. فقوله في الحديث: هلك المتنطِّعون، أي هلك المتعمِّقون، ولا يقال ذلك إلا إذا كان التعمُّق حراماً.
...وأخيراً جاء الحديث الخامس يصف الوصال بأنه فعل النصارى، وهو من أبلغ صيغ القول على إرادة التحريم وذلك أن تقليد الكفار في شؤون الدين حرام لا يجوز.
...ثم إن الصوم عبادة والعبادة حتى تصح ويجوز فعلها لا بد من أن تَرِدَ في الشرع فإن لم تَرِدْ في الشرع لم يصح فعلها، لأنها لا تكون عبادة أصلاً. وكذلك الوصال في الصوم، فإنه حتى يكون عبادةً شرعاً ومن ثمَّ يصح فعلُه، لا بد من أن يَرِدَ في الشرع، فإن ورد في الشرع واصلنا، وإلا توقفنا عنه، فإن لم نفعل نكن قد عبدنا الله سبحانه بغير ما شرع، وهو حرام لا يجوز، فأين الدليل على جواز الوصال؟
...فإن قال قائل: إن رسول الله ﷺ كان يواصل، أجبناه بقوله عليه وآله الصلاةُ والسلام (إني لست كهيئتكم) ، (إنكم لستم في ذلك مثلي) (لست كأحدٍ منكم) ، (لستم مثلي) ، (وأيُّكم مثلي؟) وهذه من أبلغ الصيغ على أن الوصال من خصوصياته ﷺ ، لا ينبغي لأحد أن يفعله، أو أن يدَّعي أنه مشروع لغيره ﷺ . فما اختصَّ به الرسول ﷺ لم يُشرع للمسلمين وإنما شُرع له فحسب، فكان مقصوراً عليه وحده، وهذا معلوم لكلِّ عالم وفقيه.
стр. 211
...فإن قال قائل: إن الحديث الأول يبيِّن أن النهي عن الوصال إنما هو رحمة بالناس، وأن الحديث العاشر يقول (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمْهما إبقاءً على أصحابه) وهذا تعليل للنهي عن الوصال، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن وجدت العلة وُجد الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم، فالشخص إن كان قادراً على الوصال فقد انتفت في حقِّه علةُ الرحمة به والإبقاء عليه؟ أجبناه بما يلي:
...إن تعليل النهي عن الوصال بالرحمة، والإبقاء على الناس هو من قول عائشة في الحديث الأول، ومن قول صحابيٍّ في الحديث العاشر، وليس هو من لفظ رسول الله ﵌، فعائشة ذكرت أن النهي من الرسول ﵌ إنما هو رحمة بالناس، والصحابي ذكر أن النهي منه إنما هو للإبقاء على الناس، ثم إنَّ هذا التعليل كان يمكن قبوله لو لم ترد نصوصٌ صريحةٌ تحظر الوصال على إطلاقه فيُترك هذا التعليل ولا يُلتفت إليه.
...ثم إن رسولنا الكريم ﷺ نهى عن الوصال لأمرين: أولاً لأنه من خصوصياته ﵊ كما بيَّنَّا، وثانياً لأنه تعمُّق في الدين، ولم يذكر الرحمة ولم يذكر الإبقاء على الناس، فنقف عند ما بيَّنه الرسول ﷺ ، وندع ما ظنَّته عائشة وما ظنه الصحابي.
...وأقول مثل ذلك بخصوص قول الصحابي في الحديث العاشر (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما) فهو وإن كان قوله (نهى عن الحجامة والمواصلة) يعتبر مرفوعاً ومن ثمَّ يجب قبوله، فإن قوله (ولم يحرمهما) هو اجتهادٌ وفهمٌ لهذا الصحابي فيما نقله، ونحن لسنا بملزمين باجتهاد الصحابي ولا بفهمه، لا سيما وقد جاءت النصوص تعارض هذا الاجتهاد والفهم.
стр. 212
...وقد يقول قائل: إن الحديث الحادي عشر قد شَرع للمسلمين الوصال حتى السحر، فكان الوِصال للمسلمين مشروعاً، فنقول له: إنه تخصيصٌ للعام، والشرع يملك تخصيص العام طبعاً، فالشرع الذي حرَّم عموم الوصال، أخرج الوصال إلى السحر من هذا العموم، بمعنى أنه قد أجاز الوصال إلى السَّحر وحده ولم يُجِزْ غيره، ولم يخصِّص غيره، ولم ينسخ الحكم العام، بل بقي الحكم العام قائماً، وهذا ظاهر في الحديث الحادي عشر نفسه، فأوَّلُه يقول (لا تواصلوا) هكذا على إطلاقه، ثم قال (فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر) ولا ينسخ القولُ الثاني القولَ الأول طبعاً، فالقول الأول باق، والقول الثاني باقٍ هو الآخر، وكلاهما مشروع، ولا يلغي ولا ينسخُ أحدُهما الآخر.
...وعليه فإنا نقول إن الوصال أكثر من يوم وليلة حتى السحر، أي موعد تناول السَّحور، حرام لا يجوز، ويزداد حُرمةً كلما زاد الوصال وطال، فالوصال يومين حرام والوصال ثلاثة أيام أشدُّ حرمة، وهكذا، لأن الزيادة في الحرام زيادة في التعدِّي على شرع الله وأمرِ الله، وتمادٍ في المعصية.
...ومن ذلك يظهر أن ما ذهب إليه الأكثرون من تحريم الوصال هو الصحيح، ويظهر بظهوره أن القول بالكراهة خطأ فضلاً عن القول بالجواز.
صومُ الحائض والنُّفَساء:
...لا يحل لامرأةٍ حائضٍ ولا لنُفَساء أن تصوما في حالتي الحيض والنفاس، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه في الفصل [صيام رمضان – أحكامٌ عامة] .
صومُ المرأة تطوُّعاً بدون إذن زوجها:
...لا يحل لزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذنٍ من زوجها، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه تحت عنوان [صوم المرأة بإذن زوجها] في الفصل [صيام التطوع – أولاً: أحكامٌ عامة] .
الفصل السابع: الكفَّارات
الفصل السابع
الكفَّارات
أ – الكفَّاراتُ بالصيام
صيامُ شهرين متتابعين:
أولاً: صيامُ الظِّهار:
стр. 213
...الظِّهارُ هو قول الزوج لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ومثله كظهر أختي، أو كظهر عمتي، أو كظهر خالتي، أو كظهر أية امرأة يحرم عليه الزواج منها. وهو يقصد من هذا القول أن يُحرِّم جماع زوجته.
...وكفَّارة الظهار تحرير رقبة أولاً، وحيث أنه لا يوجد عبيد اليوم، فإن الكفَّارة تبدأ اليوم بصيام شهرين متتابعين، وهذا لمن يقوى عليه، فإن كان عاجزاً عن الصوم لمرض أو شيخوخة أو ضعفٍ وهزالٍ أطعم ستين مسكيناً وجبةً واحدة لكل واحد منهم
...وتجب الكفَّارة على الزوج إن هو أراد العود، أي أراد جماع زوجته، وقبل أداء الكفَّارة لا تحل له، وبمعنى آخر تجب الكفَّارة عندما يعود عن قوله بتحريم جماع زوجته إلى القول بأنها تحلُّ له، وعندما يقول إن زوجته تحلُّ له، آنذاك تجب عليه الكفَّارة وقبل أن يجامع.
...وهذه الأحكام وإن كانت ليست في باب الصيام، ولكنني أوردتها مختصرة وبدون سوق الأدلة عليها لإفادة القراء الكرام، ولما لها من اتصال بموضوع الصيام، والدليل على أن كفَّارة الظِّهار هي صيام شهرين متتابعين قولُه تعالى ﴿الذين يُظاهِرون مِنْكُم مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهُم إلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وإِنَّهم لَيَقُولون مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً وإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ? والذين يُظاهِرون من نِسائِهم ثم يعودون لِمَا قالوا فتحريرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أن يَتَماسَّا ذلكم تُوعَظون به واللهُ بما تعملونَ خبيرٌ ? فمَنْ لم يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ مِنْ قَبْل أن يتماسَّا فَمَنْ لَم يستطعْ فإِطعامُ ستينَ مِسكيناً ذلك لِتُؤمنوا باللهِ ورسولِه وتلك حدودُ اللهِ وللكافرين عذابٌ أليمٌ﴾ سورة المجادلة الآيات ٢، ٣، ٤.
ثانياً: صيامُ القاتل خطأً:
стр. 214
...من قتل نفساً بريئة خطأً فقد وجب عليه أولاً عِتقُ رقبة، أي تحرير عبد، ودفعُ ديةٍ إلى أهل القتيل، ولا يدفعها القاتل من ماله، وإنما تدفعها العاقلة من أموالها، وحيث أن العبيد لم يعودوا موجودين في أيامنا هذه، فإن المحصلة هي أن من قتل نفساً بريئة خطأً فعليه صوم شهرين متتابعين، وعلى عاقلته دفعُ الدية لأهل القتيل.
...أما صوم الشهرين فإنه لا بد من تتابعه وعدم قطعه إلا لعذرِ المرضِ، أو لعذر الحيض أو النِّفاس إن كان القاتل امرأةً. وقد روى الطبري في تفسيره عن سعيد بن المسيِّب وعن الحسن وعن عطاء وعن عمرو بن دينار وعن عامر الشعبي قولَهم إِن من صام شهرين متتابعين ثم أفطر من عذرٍ كمرض أنه يُتمُّ ما بقي ويعتدُّ بما مضى. وهو قول صحيح.
...وجاء في الموطأ (١/٢٥٤) [قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: أحسنُ ما سمعت فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في قتلِ خطأٍ أو تظاهُرٍ فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه أنه إن صحَّ من مرضه وقوي على الصيام، فليس له أن يؤخِّر ذلك، وهو يبني على ما قد مضى من صيامه، وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام في قتل النفس الخطأ إذا حاضت بين ظهري صيامها أنها إذا طهُرت لا تؤخِّر الصيام، وهي تبني على ما قد صامت، وليس لأحدٍ وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله أن يفطر إلا من علة: مرضٍ أو حيضةٍ وليس له أن يسافر فيفطر] وهو بيان صحيح.
стр. 215
...والدليل على أن كفَّارة القاتل خطأً من الصيام هي صيامُ شهرين متتابعين، قولُه ﵎ ﴿وما كان لمُؤمنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلا خَطأً وَمَنْ قَتَلَ مؤمناً خَطأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمةٌ إلى أهلِه إلا أن يَصَّدَّقوا فإِن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وإن كان من قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فدِيَةٌ مسلَّمةٌ إلى أَهلِهِ وتحريرُ رقبةٍ فمن لم يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ توبةً من اللهِ وكان اللهُ عليماً حكيماً﴾ الآية ٩٢ من سورة النساء.
ثالثاً: صيامُ مَن جامع زوجته في نهار رمضان:
...لا يجوز لصائم أن يجامع زوجته إلا في الليل بعد أن يفطر، فإِنْ واقَعَ زوجته وهو صائم فقد أفطر، ووجب عليه عندئذٍ أن يُعْتق رقبة، أي يُحرِّر عبداً من الرِّقِّ، فإن لم يجد رقبة يعتقها، كما هو حاصل في أيامنا هذه، فقد توجَّب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يكن في استطاعته صوم الشهرين لمرضٍ أو عجزٍ أطعم ستين مسكيناً، والأدلة على ذلك ما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: ويحَك، قال: وقعتُ علي أهلي في رمضان، قال اعتقْ رقبةً، قال: ما أَجدُها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأَطعمْ ستين مسكيناً، قال: ما أَجد، فأُتي بعَرَقٍ فقال: خذه فتصدَّق به، فقال: يا رسول الله أَعَلى غيرِ أهلي؟ فوالذي نفسي بيده ما بين طُنُبَيِ المدينةِ أحوجُ مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، قال: خذه﴾ رواه البخاري (٦١٦٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي. قوله ما بين طُنُبي المدينة: أي ما بين طرفي المدينة. والعَرَق، وهو الزِّنْبيل، يساوي خمسةَ عشرَ صاعاً.
следующие страницы →