← Фикх общий

Фикх общий · id 2050

الجامع لأحكام الصيام

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (401 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

...فإن قال قائل: إن الحديث الأول يبيِّن أن النهي عن الوصال إنما هو رحمة بالناس، وأن الحديث العاشر يقول (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمْهما إبقاءً على أصحابه) وهذا تعليل للنهي عن الوصال، والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن وجدت العلة وُجد الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم، فالشخص إن كان قادراً على الوصال فقد انتفت في حقِّه علةُ الرحمة به والإبقاء عليه؟ أجبناه بما يلي: ...إن تعليل النهي عن الوصال بالرحمة، والإبقاء على الناس هو من قول عائشة في الحديث الأول، ومن قول صحابيٍّ في الحديث العاشر، وليس هو من لفظ رسول الله ﵌، فعائشة ذكرت أن النهي من الرسول ﵌ إنما هو رحمة بالناس، والصحابي ذكر أن النهي منه إنما هو للإبقاء على الناس، ثم إنَّ هذا التعليل كان يمكن قبوله لو لم ترد نصوصٌ صريحةٌ تحظر الوصال على إطلاقه فيُترك هذا التعليل ولا يُلتفت إليه. ...ثم إن رسولنا الكريم ﷺ نهى عن الوصال لأمرين: أولاً لأنه من خصوصياته ﵊ كما بيَّنَّا، وثانياً لأنه تعمُّق في الدين، ولم يذكر الرحمة ولم يذكر الإبقاء على الناس، فنقف عند ما بيَّنه الرسول ﷺ ، وندع ما ظنَّته عائشة وما ظنه الصحابي. ...وأقول مثل ذلك بخصوص قول الصحابي في الحديث العاشر (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما) فهو وإن كان قوله (نهى عن الحجامة والمواصلة) يعتبر مرفوعاً ومن ثمَّ يجب قبوله، فإن قوله (ولم يحرمهما) هو اجتهادٌ وفهمٌ لهذا الصحابي فيما نقله، ونحن لسنا بملزمين باجتهاد الصحابي ولا بفهمه، لا سيما وقد جاءت النصوص تعارض هذا الاجتهاد والفهم.

стр. 212

...وقد يقول قائل: إن الحديث الحادي عشر قد شَرع للمسلمين الوصال حتى السحر، فكان الوِصال للمسلمين مشروعاً، فنقول له: إنه تخصيصٌ للعام، والشرع يملك تخصيص العام طبعاً، فالشرع الذي حرَّم عموم الوصال، أخرج الوصال إلى السحر من هذا العموم، بمعنى أنه قد أجاز الوصال إلى السَّحر وحده ولم يُجِزْ غيره، ولم يخصِّص غيره، ولم ينسخ الحكم العام، بل بقي الحكم العام قائماً، وهذا ظاهر في الحديث الحادي عشر نفسه، فأوَّلُه يقول (لا تواصلوا) هكذا على إطلاقه، ثم قال (فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر) ولا ينسخ القولُ الثاني القولَ الأول طبعاً، فالقول الأول باق، والقول الثاني باقٍ هو الآخر، وكلاهما مشروع، ولا يلغي ولا ينسخُ أحدُهما الآخر. ...وعليه فإنا نقول إن الوصال أكثر من يوم وليلة حتى السحر، أي موعد تناول السَّحور، حرام لا يجوز، ويزداد حُرمةً كلما زاد الوصال وطال، فالوصال يومين حرام والوصال ثلاثة أيام أشدُّ حرمة، وهكذا، لأن الزيادة في الحرام زيادة في التعدِّي على شرع الله وأمرِ الله، وتمادٍ في المعصية. ...ومن ذلك يظهر أن ما ذهب إليه الأكثرون من تحريم الوصال هو الصحيح، ويظهر بظهوره أن القول بالكراهة خطأ فضلاً عن القول بالجواز. صومُ الحائض والنُّفَساء: ...لا يحل لامرأةٍ حائضٍ ولا لنُفَساء أن تصوما في حالتي الحيض والنفاس، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه في الفصل [صيام رمضان – أحكامٌ عامة] . صومُ المرأة تطوُّعاً بدون إذن زوجها: ...لا يحل لزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذنٍ من زوجها، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه تحت عنوان [صوم المرأة بإذن زوجها] في الفصل [صيام التطوع – أولاً: أحكامٌ عامة] . الفصل السابع: الكفَّارات الفصل السابع الكفَّارات أ – الكفَّاراتُ بالصيام صيامُ شهرين متتابعين: أولاً: صيامُ الظِّهار:

стр. 213

...الظِّهارُ هو قول الزوج لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ومثله كظهر أختي، أو كظهر عمتي، أو كظهر خالتي، أو كظهر أية امرأة يحرم عليه الزواج منها. وهو يقصد من هذا القول أن يُحرِّم جماع زوجته. ...وكفَّارة الظهار تحرير رقبة أولاً، وحيث أنه لا يوجد عبيد اليوم، فإن الكفَّارة تبدأ اليوم بصيام شهرين متتابعين، وهذا لمن يقوى عليه، فإن كان عاجزاً عن الصوم لمرض أو شيخوخة أو ضعفٍ وهزالٍ أطعم ستين مسكيناً وجبةً واحدة لكل واحد منهم ...وتجب الكفَّارة على الزوج إن هو أراد العود، أي أراد جماع زوجته، وقبل أداء الكفَّارة لا تحل له، وبمعنى آخر تجب الكفَّارة عندما يعود عن قوله بتحريم جماع زوجته إلى القول بأنها تحلُّ له، وعندما يقول إن زوجته تحلُّ له، آنذاك تجب عليه الكفَّارة وقبل أن يجامع. ...وهذه الأحكام وإن كانت ليست في باب الصيام، ولكنني أوردتها مختصرة وبدون سوق الأدلة عليها لإفادة القراء الكرام، ولما لها من اتصال بموضوع الصيام، والدليل على أن كفَّارة الظِّهار هي صيام شهرين متتابعين قولُه تعالى ﴿الذين يُظاهِرون مِنْكُم مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتُهُم إلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وإِنَّهم لَيَقُولون مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً وإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ? والذين يُظاهِرون من نِسائِهم ثم يعودون لِمَا قالوا فتحريرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أن يَتَماسَّا ذلكم تُوعَظون به واللهُ بما تعملونَ خبيرٌ ? فمَنْ لم يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ مِنْ قَبْل أن يتماسَّا فَمَنْ لَم يستطعْ فإِطعامُ ستينَ مِسكيناً ذلك لِتُؤمنوا باللهِ ورسولِه وتلك حدودُ اللهِ وللكافرين عذابٌ أليمٌ﴾ سورة المجادلة الآيات ٢، ٣، ٤. ثانياً: صيامُ القاتل خطأً:

стр. 214

...من قتل نفساً بريئة خطأً فقد وجب عليه أولاً عِتقُ رقبة، أي تحرير عبد، ودفعُ ديةٍ إلى أهل القتيل، ولا يدفعها القاتل من ماله، وإنما تدفعها العاقلة من أموالها، وحيث أن العبيد لم يعودوا موجودين في أيامنا هذه، فإن المحصلة هي أن من قتل نفساً بريئة خطأً فعليه صوم شهرين متتابعين، وعلى عاقلته دفعُ الدية لأهل القتيل. ...أما صوم الشهرين فإنه لا بد من تتابعه وعدم قطعه إلا لعذرِ المرضِ، أو لعذر الحيض أو النِّفاس إن كان القاتل امرأةً. وقد روى الطبري في تفسيره عن سعيد بن المسيِّب وعن الحسن وعن عطاء وعن عمرو بن دينار وعن عامر الشعبي قولَهم إِن من صام شهرين متتابعين ثم أفطر من عذرٍ كمرض أنه يُتمُّ ما بقي ويعتدُّ بما مضى. وهو قول صحيح. ...وجاء في الموطأ (١/٢٥٤) [قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: أحسنُ ما سمعت فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في قتلِ خطأٍ أو تظاهُرٍ فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه أنه إن صحَّ من مرضه وقوي على الصيام، فليس له أن يؤخِّر ذلك، وهو يبني على ما قد مضى من صيامه، وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام في قتل النفس الخطأ إذا حاضت بين ظهري صيامها أنها إذا طهُرت لا تؤخِّر الصيام، وهي تبني على ما قد صامت، وليس لأحدٍ وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله أن يفطر إلا من علة: مرضٍ أو حيضةٍ وليس له أن يسافر فيفطر] وهو بيان صحيح.

стр. 215

...والدليل على أن كفَّارة القاتل خطأً من الصيام هي صيامُ شهرين متتابعين، قولُه ﵎ ﴿وما كان لمُؤمنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلا خَطأً وَمَنْ قَتَلَ مؤمناً خَطأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمةٌ إلى أهلِه إلا أن يَصَّدَّقوا فإِن كان من قومٍ عدوٍّ لكم وهو مؤمنٌ فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وإن كان من قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فدِيَةٌ مسلَّمةٌ إلى أَهلِهِ وتحريرُ رقبةٍ فمن لم يجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ توبةً من اللهِ وكان اللهُ عليماً حكيماً﴾ الآية ٩٢ من سورة النساء. ثالثاً: صيامُ مَن جامع زوجته في نهار رمضان: ...لا يجوز لصائم أن يجامع زوجته إلا في الليل بعد أن يفطر، فإِنْ واقَعَ زوجته وهو صائم فقد أفطر، ووجب عليه عندئذٍ أن يُعْتق رقبة، أي يُحرِّر عبداً من الرِّقِّ، فإن لم يجد رقبة يعتقها، كما هو حاصل في أيامنا هذه، فقد توجَّب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يكن في استطاعته صوم الشهرين لمرضٍ أو عجزٍ أطعم ستين مسكيناً، والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: ويحَك، قال: وقعتُ علي أهلي في رمضان، قال اعتقْ رقبةً، قال: ما أَجدُها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأَطعمْ ستين مسكيناً، قال: ما أَجد، فأُتي بعَرَقٍ فقال: خذه فتصدَّق به، فقال: يا رسول الله أَعَلى غيرِ أهلي؟ فوالذي نفسي بيده ما بين طُنُبَيِ المدينةِ أحوجُ مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، قال: خذه﴾ رواه البخاري (٦١٦٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي. قوله ما بين طُنُبي المدينة: أي ما بين طرفي المدينة. والعَرَق، وهو الزِّنْبيل، يساوي خمسةَ عشرَ صاعاً.

стр. 216

٢- وعنه ﵁ ﴿أن النبي ﷺ أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يُعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكيناً﴾ رواه مسلم (٢٥٩٩) وأبو داود وأحمد ومالك والبيهقي. ...الحديث الثاني جاء عاماً (رجلاً أفطر في رمضان) وجاء الحديث الأول خاصاً بمن أفطر بالجماع، فيُحمل العام وهو الحديث الثاني على الخاص وهو الحديث الأول، فنقول إِنَّ من أفطر بالجماع في رمضان، فقد وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، طبعاً إن كان في استطاعته ذلك وإلا سقط عنه الصوم وانتقل إلى إِطعام ستين مسكيناً. ...أما كيفية صيام الشهرين، فإن الأحاديث اشترطت التتابع (شهرين متتابعين) وهو ما ذهب إليه الفقهاء والعلماء كافةً، إلا ما رُوي عن ابن أبي ليلى ورواية ضعيفة عن مالك، فقد قالا بجواز التفريق. واشترط جمهور الفقهاء أن لا يكون رمضان أحد الشهرين، وأن لا يكون فيهما أيامُ نهيٍ عن الصوم،كالعيدين وأيام التشريق. وذهب الأحناف والشافعية إلى أن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذرٍ إلا الحيض والنفاس، فإنهما لا يقطعان التتابع. وذهبت المالكية إلى أن التتابع ينقطع إذا أفطر عامداً قبل اكتمال الشهرين. فأقول ما يلي:

стр. 217

...أما قول ابن أبي ليلى فهو قولٌ شاذ لا يُلتفت إليه ولا يحلُّ العمل به لأنه معارِض ومعانِد للأحاديث القائلة بالتتابع. أما قول الجمهور أن لا يكون رمضان أحد الشهرين فظاهر الصحة، بل هو أمر بديهي. وأما قولهم أن لا يكون فيهما أيامُ نهي، وقول الأحناف والشافعية إن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذر إلا الحيض والنفاس، فليس دقيقاً وليس صحيحاً كله. أما أنه ليس صحيحاً كله، فإن قول الجمهور أَنْ لا يكون فيهما أيام نهي غير صحيح، وأما قول الأحناف والشافعية إن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذر إلا الحيض والنفاس فإنه ليس دقيقاً، وذلك أن الشرع الحنيف لم يُحدِّد أشهراً للصوم، وذلك يعني أن أي شهرين متتابعين من الأشهر الأحد عشر، باستثناء رمضان طبعاً، يصلحان للصوم ككفَّارة، فمن حظر الصوم في شهر ذي الحجة فليس له دليل، ومن حظر الصوم في شهر شوال فليس له دليل، ثم إن التتابع لا ينقطع حكماً إن تخلله عذر مانع من الصوم، فالحيض عذر والنفاس عذر، والتوقف عن صوم يومي العيدين وأيام التشريق عذر والمرض الذي يعجز صاحبه عن الصوم عذر وليس عُذر من هذه الأعذار بأقل من غيره حتى نفرِّق بينها، فهذه الأعذار لا تلغي التتابع إن هي وُجدت في خلال الشهرين، وإنما يبقى التتابع قائماً ومُجْزِئاً. ...أما عذر السفر خاصَّةً، فهو عذر دون تلك الأعذار، ومثله عذر المرض الذي لا يُعجِز صاحبَه عن الصوم، فهذا العذر أراه يقطع التتابع لأن الله سبحانه أجاز الصوم في السفر ولم يجعل السفر مانعاً من الصوم، كما هو الحال في أعذار العيدين والحيض والنفاس والعجز. فلهذا أقول إنه لا يجوز قطع التتابع بالإِفطار لعذر السفر، بل يجب على الصائم أن يتابع صومه وهو مسافر في هذه الحالة.

стр. 218

...بقيت مسألة من جامع زوجته في رمضان أكثر من مرَّة كيف تكون الكفَّارة؟ فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن من جامع زوجته مرتين، أو أكثر في يوم واحد لزمته كفَّارةٌ واحدةٌ بالجماع الأول، سواء أكان كفَّر عن الأول أم لا. وقال أحمد: إن كان الوطءُ الثاني بعد تكفيره عن الأول لزمته كفَّارة ثانية، لأنه وطء محرَّم فأشبه الأول. وهذا بخصوص الوطء مرتين أو أكثر في يومٍ واحد. ...أما إن كان الوطء في يومين أو أيام من رمضان، فذهب أبو حنيفة والزُّهري والأوزاعي إلى أنَّ الرجل إن وطِيء في اليوم الثاني قبل أن يكفِّر عن اليوم الأول كفته كفَّارة واحدة، وإن هو كفِّر عن اليوم الأول فعن أبي حنيفة روايتان. وذهب مالك والشافعي والليث وعطاء ومكحول وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه، وداود ابن علي إلى وجوب كفَّارة لكل يوم، سواء كفَّر عن اليوم الأول أو لم يكفِّر. فأقول ما يلي:

стр. 219

...أما تكرار الجماع في اليوم الواحد فإن كفَّارة واحدة تكفي له، وهي واجبة بالجماع الأول، ولا تجب الكفَّارة عما بعد الجماع الأول، وذلك أن الكفَّارة تجب على من أفطر بالجماع وخرق حرمة الصيام بجماعه، وقد حصل ذلك بالجماع الأول فلا يحتاج معه إلى أداء كفَّارة أخرى عند جماعٍ ثان، لأنه يكون في الجماع الثاني قد جامع وهو مفطر، فقول أبي حنيفة ومالك والشافعي هو قول صحيح. وأما إن هو جامع في يوم فأفطر ولزمته كفَّارة، ثم جامع في يومٍ ثان فإنه يُفطر ثانيةً، فتلزمه من ثمَّ كفَّارةٌ جديدة، فإن تكرر منه الجماع في أيام فقد لزمته كفَّارة عن كل يوم جامع فيه ولا تُدمَج هذه الكفَّارات في كفَّارة واحدة، وذلك أن صوم كل يوم من رمضان عبادة مستقلة قائمة بنفسها، فما يُفسِد صومَ يومٍ لا يُفسِد صومَ يومٍ آخر، ولو كانت أيام رمضان كلها عبادة واحدة لأدَّى إِفسادُ صوم يومٍ واحد إلى إِفساد صوم الشهر كلِّه، وهذا لا يقوله أحد. وحيث أن صوم كل يوم عبادة مستقلة عن غيرها فإن إِفساد كلِّ عبادة من هذه العبادات ينسحب عليها وحدها ولا يشمل غيرها، فمن جامع في يوم فقد أفسد صيام ذلك اليوم فاحتاج إلى كفَّارة، وبقي صيام الأيام الأخرى غير فاسد، فإن عاد وأفسد صيام يوم آخر منها فقد احتاج إلى كفَّارة جديدة ولا بد، دون نظر إن كان قد كفَّر عن اليوم السابق أو لم يكفِّر، فقول مالك والشافعي وأحمد هو القول الصحيح في هذه المسألة. ...وهذه الكفَّارة لا تجب إلا في خرق صوم رمضان فحسب، فلا تجب في خرق صوم النذر أو صوم القضاء أو صوم التطوُّع. وهو قول جمهور العلماء وهو الصحيح، خلافاً لقتادة الذي يوجب الكفَّارة في إفساد قضاء رمضان. صيامُ عشرة أيام:

стр. 220

...وهو صيام الحاج المتمتِّع إذا لم يجد الهَدْيَ، أي الذبيحةَ. ولبيان ذلك أقول ما يلي: إنَّ الحج ثلاثة أنواع: حجُّ الإِفراد، وهو أن ينوي الحاجُّ الحجَ فحسب، فلا يُدْخِل فيه العمرة، وحج القِران، وهو أن ينوي الحاجُّ الحجَ والعمرةَ معاً أي مقترنَيْن، وحج التمتُّع، وهو أن ينوي الحاج العمرة أولاً، وبعد أن يؤديها يُحلُّ إحرامَه وينتظر يوم عرفة أو يوم التَّرْوِية قبله فيُحرم ناوياً الحج وحده. فهذا الحاج المتمتِّع يجب عليه أن يذبح الهَدْيَ، فإن لم يجد الهَدْيَ فعلاً، أو وجده ولكنه لا يملك ثمنه، فقد وجب عليه أن يصوم عشرة أيام: ثلاثةً في أيام الحج وسبعةً إذا عاد إلى بلده وأهله، والدليل على ذلك ما يلي: ١- قال تعالى ﴿وأَتمُّوا الحَجَّ والعُمْرةَ للهِ فإِنْ أُحْصِرْتم فما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْي ولا تحلِقوا رُؤوسَكم حتى يبلغُ الهَدْيُ مَحِلَّه فمَنْ كان منكم مريضاً أو به أَذىً من رأْسِهِ ففِدْيةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ فإِذا أَمِنْتم فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما اسْتيْسَرَ من الهَدْي فمن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِ وسبعةٍ إذا رَجَعْتم تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ذلك لمن لم يكن أَهلُهُ حاضِري المسجدِ الحرامِ واتقوا اللهَ واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ العقابِ﴾ الآية ١٩٦ من سورة البقرة. والهَدْي والنُّسُك هنا هو ذبح شاة. ٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج – فذكر الحديث بطوله إلى أن قال – إن النبي ﷺ قال: ... فمن لم يجد هَدْياً فلْيصمْ ثلاثةَ أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله ... ﴾ رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم. وقد مرَّ مزيدُ بحثٍ في هذه المسألة في موضوع [صوم أيام التشريق] من الفصل [الصيام المحرَّم الذي لا يجوز] . صيامُ ثلاثة أيام:

стр. 221

أولاً: صيامُ الحانث في يمينه: ...من حَنَثَ في يمينه وجب عليه أن يُطعم عشرة مساكين أو أن يكسُوَهم، أو أن يُعتقَ رقبةً، فإن لم يجد مالاً ولم يجد رقيقاً كما هو الحاصل في أيامنا هذه، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. والحَلْف الجائز هو الحلف بالله وأسمائه وصفاته فحسب، ولا يحل الحَلْفُ بغير ذلك، فلا يحل الحلف بالنبي ولا بالإسلام ولا بالأب ولا بالشرف ولا بأي شيء سوى الله وأسمائه وصفاته لا غير. ... وإذا شك الحالف بقدرته على الوفاء باليمين فيمكنه أن يحتاط لنفسه بأن يقول عقب اليمين (إن شاء الله) وعندها لا يجب عليه الوفاء باليمين، ولا كفَّارةَ عليه. وهذه هي الأدلة: ١- قال تعالى ﴿لا يُؤاخذُكُم اللهُ باللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ ولكن يُؤاخذُكُم بما عقَّدتم الأَيْمانَ فكفَّارتُهُ إِطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أَوسَطِ ما تُطْعِمون أَهليكُم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ فمَنْ لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أَيَّامٍ ذلك كفَّارُة أَيْمانِكم إِذا حَلَفْتم واحْفَظوا أَيْمانَكم كذلك يُبيِّنُ الله لكم آياتِه لعلكم تشكرون﴾ الآية ٨٩ من سورة المائدة. ٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركبٍ يحلف بأبيه، فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفاً فلْيحلفْ بالله أو لِيصمتْ﴾ رواه البخاري (٦٦٤٦) ومسلم والدارمي والبيهقي. ورواه النَّسائي والحاكم دون قوله (فمن كان حالفاً ... ) . ٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون﴾ رواه أبو داود (٣٢٤٨) والنَّسائي والبيهقي وابن حِبَّان.

стр. 222

٤- عن ابن عمر ﵄، يبلغ به النبي ﷺ قال ﴿مَن حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى﴾ رواه أبو داود (٣٢٦١) والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي والحاكم وابن حِبَّان. ولفظ الترمذي (١٥٧٠) ﴿مَن حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه﴾ ولفظ الدارمي (٢٣٤٠) والحاكم ﴿من حلف على يمين ثم قال إن شاء الله فهو بالخيار، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل﴾ وليعذرني القائل إن أنا خرجت قليلاً عن البحث، وأوردت شيئاً من الأحكام التي لا علاقةَ مباشرة لها بالصوم. ثانياً: صيامُ الحانث في نذره: ...وكما أن الحانث في يمينه يصوم ثلاثة أيام ككفَّارة، فإن الحانث في نذره يصوم أيضاً ثلاثة أيام ككفَّارة، فكفَّارة اليمين هي كفَّارة النذر. والدليل على ما نقول ما يلي: ١- عن عُقْبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال ﴿كفَّارة النذر كفَّارةُ اليمين﴾ رواه مسلم (٤٢٥٣) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. ٢- وعنه ﵁ ﴿أنه سأل النبي ﷺ عن أختٍ له نذرت أن تحجَّ حافيةً غيَر مختمِرة، فقال: مُرُوها فلْتختمرْ ولْتركب، ولتصُم ثلاثةَ أيام﴾ رواه أبو داود (٣٢٩٣) وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال [هذا حديث حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحق] والأدلة واضحة لا تحتاج إلى شرح وبيان. ...وأُلفت النظر إلى أن الناذر ربما نذر أن يصوم أياماً كثيرةً أو قليلةً، ففي هذه الحالة يتوجب عليه أن يفي بنذره ويصوم الأيام التي نذر أن يصومها، وهذا الصوم يدخل في باب النذر وليس في باب الصِّيام، فقط أحببتُ الإشارة إليه هنا دون أن أُفردَ له بحثاً منفصلاً. صيامٌ غيرُ محدَّد، وهو صيامُ قاتلِ الصيدِ وهو مُحْرِم:

стр. 223

...روى الطبري (٧/٥٧) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ﴿ (أو عَدْلُ ذلك صياماً) قال: إذا قتل الْمُحْرِم شيئاً من الصيدُ حُكِمَ عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاةٌ تُذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعامُ ستة مساكين، فإن لم يجد فصيامُ ثلاثة أيام، وإن قَتَل أَيْلاً أو نحوَه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمارَ وحشٍ أو نحوَه فعليه بَدَنهٌ من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً، والطعام مُدٌّ مُدٌّ يُشبعهم﴾ والبَدَنة هي ما سَمُن من الإبل والبقر يُذبح بمكة. فابن عباس ذكر صيام ثلاثة أيام في حالة، وصيام عشرين يوماً في حالة ثانية، وصيام ثلاثين يوماً في حالة ثالثة، فالصيام هنا يُقدَّر بقدر ما يقتل من الصيد. ...وأقول باختصار: يُقوَّم الصيدُ المقتول حياً قيمته من الطعام عموماً أو من القمح ثم يصوم مكان كلِّ مُدٍّ يوماً، فرسول الله ﷺ قد عدل المُدَّ من القمح بصوم يومٍ في كفَّارةِ مَن جامع أهله في رمضان، والصيد المقصود هنا هو كل حيوان باستثناء الغراب والحِدَأة والفأرة والعقرب والكلب العقور، فهذه الحيوانات فواسق لا عقوبة على المُحْرِم إن قتل واحداً منها. والدليل على ما سبق ما يلي: ١- قال تعالى ﴿يا أَيها الذين آمنوا لا تَقْتُلوا الصَّيْدَ وأَنتم حُرُمٌ ومَن قَتَلَه منكم متعَمِّداً فجَزَاءٌ مثلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ يَحْكُمُ به ذوا عَدْلٍ منكم هَدْياً بالِغَ الكعبةِ أو كفَّارةٌ طعامُ مساكين أو عَدْلُ ذلك صياماً ليذوقَ وَبَالَ أمرِهِ عفا اللهُ عما سَلَفَ ومن عاد فينتقمُ اللهُ منه واللهُ عزيزٌ ذو انتقام﴾ الآية ٩٥ من سورة المائدة.

стр. 224

٢- عن عبد الله – بن مسعود - رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول ﴿خمسٌ من الدواب، وفي رواية خمسُ فواسق، لا جُناح على من قَتَلَهُنَّ في قَتْلِهِنَّ: الغرابُ والحِدَأةُ والعقربُ والفأرةُ والكلبُ العَقور﴾ رواه مسلم (٢٨٧٣) . والحِدَأَة، ويقال الحُدَيَّا: طائرٌ جارح مشهورٌ بخطفِ الدجاج. وفي رواية ثانية عند الإمام مسلم (٢٨٦٢) من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ ﴿خمس فواسق يُقتلن في الحِل والحَرَم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا﴾ فذكر الحية بدل العقرب. ورواه البخاري. ب – الكفَّاراتُ بالفِدْية ...ونحن هنا نحصر البحث في الفدية فيما يتعلق بالصوم فقط دون سواه: أولاً: مُوجِباتُ الكفَّارة: ١- العجزُ عن الصيام: ...العاجزُ عن الصيام هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والمريض الذي يُعْجِزه المرض عن الصوم ولا يُرجى بُرؤُه، وأمثالهم. ...قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلَّكُم تتَّقون ? أَياماً معدوداتٍ فمن كان منكم مريضاً أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ وعلى الذين يُطِيقُونه فِدْيةٌ طعامُ مِسكين فمن تطوَّع خيراً فهو خيرٌ له وأَنْ تصوموا خيرٌ لكم إِن كنتم تعلمون﴾ الآيتان ١٨٣ و ١٨٤ من سورة البقرة. قوله فِدْيَة: الفدية معناها الجزاء والبدل.

стр. 225

...وقد اختلف المفسرون والفقهاء وحتى الصحابة في الآية ١٨٤ هل نُسخت أم لم تُنسخ، فرُوي عن سَلَمة بن الأَكْوع ﵁ قال ﴿لما نزلت (وعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها﴾ رواه البخاري (٤٥٠٧) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وروى نافع عن ابن عمر ﵁ ﴿أنه قرأ (فِدْيةٌ طعامُ مسكين) قال: هي منسوخة﴾ رواه البخاري (٤٥٠٦) والطبري والبيهقي. وجاء في صحيح البخاري (٣٩) باب [وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين] حدثنا ابن أبي ليلى: حدثنا أصحاب محمد ﷺ ﴿نزل رمضان فشقَّ عليهم، فكان مَن أطعم كلَّ يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك فنسختها (وأَنْ تصوموا خير لكم) فأُمروا بالصوم﴾ . ...فهذه ثلاثة آثار تذكر أن قوله تعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين﴾ منسوخٌ مع اختلافهم في الناسخ، فسَلَمةُ بيَّن أن الناسخ هو الآية التي بعدها، وهي ﴿شهر رمضان ... فمن شهد منكم الشهر فلْيَصُمْه﴾ وابن عمر أبهم الآية الناسخة، وأصحاب محمد ﷺ بيَّنوا أن الناسخ هو الجزء الأخير من الآية نفسها ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾ .

стр. 226

...ثم رأينا عطاء يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ﴿يقول (وعلى الذين يُطَوَّقونه فِديةٌ طعامُ مسكين) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كل يوم مسكيناً﴾ رواه البخاري (٤٥٠٥) وأبو داود. ورواه النَّسائي (٢٦٣٨) في السنن الكبرى، والدارَقُطني بلفظ ﴿ ... قال (يُطِيقونه) يُكلَّفونه فدية طعام مسكين واحد (فمن تطوَّع) فزاد طعام مسكين آخر، ليست منسوخة (فهو خير له وأن تصوموا خير لكم) لا يُرخَّص في هذا إلا للكبير الذي لا يطيق الصيام أو مريضٍ لا يشفى﴾ قال الدارَقُطني [وهذا الإِسناد صحيح] . ...ومع هذا الاختلاف في كون الآية الكريمة ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ منسوخة أو مُحْكَمة، فقد استدل الطرفان بها على أن الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة إن هما عجزا عن الصيام، أطعما مسكيناً واحداً عن كل يوم أفطراه. أما استدلال ابن عباس ومن قال بقوله إن الآية ليست منسوخة فواضح بهذه الآية الكريمة، وأما استدلال القائلين بالنسخ فإنهم استثنوا منه وجوب الفدية على الكبير غير القادر على الصوم، وكمثال على هذا الاستثناء نذكر ما رواه الطبري في تفسيره (٢/١٣٤) عن ابن شهاب – الزُّهري – قال [قال الله (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) قال ابن شهاب: كتب الله الصِّيام علينا، فكان من شاء افتدى ممن يطيق الصيام من صحيح أو مريض أو مسافر، ولم يكن عليه غير ذلك فلما أوجب الله على من شهد الشهر الصيام، فمن كان صحيحاً يُطيقه، وضع عنه الفدية وكان من كان على سفر أو كان مريضاً فعدةٌ من أيام أُخر قال: وبقيت الفدية التي كانت تقبل قبل ذلك للكبير الذي لا يطيق الصيام، والذي يعرض له العطش أو العلة التي لا يستطيع معها الصيام] .

стр. 227

...ثم رأينا ابن جرير الطبري يروي عن سعيد بن المسِّيب (٢/١٣٧) وهو شيخ التابعين أنه قال [في قول الله تعالى ذِكْرُه (فديةٌ طعامُ مسكين) قال: هو الكبير الذي كان يصوم، فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مدٌّ من حنطة لكل يوم حتى يمضي رمضان] فهو قد نحا منحىً مختلفاً عمن سبقوه في الاستدلال بهذه الآية، فهو قد فسَّرها بإضافة كلمة (كبروا) بعد كلمة (يطيقونه) فكأَنَّ الآية عنده فيها حذف، وتقديره (وعلى الذين يطيقونه فكبروا فديةٌ طعامُ مسكين) وهو تأويل واضح وجميل، لولا أننا لا نجد مستنداً للقول بالحذف هذا. وأنا أقول ومن الله التوفيق والسداد ما يلي: ...إن القول بالنسخ لا يُلجأ إليه إلا عند تعذُّر الجمع، فإنْ تعذَّر الجمع، وكانت الآيتان متعارضتين لا يمكن الجمع بينهما لجأنا إلى القول بالنسخ، وهنا لا يتعذَّر الجمع بين الآيتين، ولو كان التعذُّر قائماً لما خفي على ابن عباس تَرْجُمَانِ القرآن وحَبْرِ هذه الأمة القائل بعدم النسخ، والواجب في هذه الحالة أن ندع القول بالنسخ، ونتمسك بالقول إن الآيتين محكمتان لا نسخ في أي منهما.

стр. 228

...ثم إن القول بالحذف كقول سعيد بن المسيِّب، لا يصح أن يُلجَأ إليه في النظم القرآني إلا بدليل، وهنا لا دليل ولا شبهة دليل على القول بالحذف، فوجب ترك هذا القول دون تردُّد. وحيث أن الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين﴾ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخة، فإن تفسيرها أو قل تأويلها، يجب أن ينسجم مع ما قبلها ومع ما بعدها من الآيات. أما ما قبلها، فإن الآية هي ﴿يا أيها الذين أمنوا كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ فقولها كُتب عليكم الصيام يجب أن لا يُفهم منه التخيير بين الصيام والإفطار كما رُويت في ذلك روايات كثيرة، وإلا لا يكون الصيام قد كُتب بمعنى قد فُرض، فالقول بالتخيير مناهِض ومعارِض لهذه الآية المصرِّحة بأن الصوم مكتوب، أي مفروض، فيُردُّ القول بالتخيير مهما كثرت رواياته. وأما الآيةُ التي بعدها فهي ﴿شهرُ رمضانَ الذي أُنزل فيه القرآنُ هدىً للناس وبيِّناتٍ من الهُدى والفرقان فمن شهد منكم الشهرَ فلْيصُمه﴾ فقد جاءت هذه الآية الكريمة تعمِّم القولَ بوجوب الصوم ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فهي تأكيد وتثبيت للآية الأولى. ...وحيث أنَّ الآية الكريمة الأولى تذكر أن الصوم مكتوب وأنَّ الآية الكريمة الثالثة تذكر أن الصوم واجب بالمعنى طبعاً، فإن الآية الوسطى لا ينبغي، ولا يجوز أن يقال عنها إنها جاءت بالتخيير، وإنما يجب أن يقال إنها جاءت هي الأخرى بالوجوب وذلك حتى يتَّسق النظمُ القرآني فلا يكون فيه تعارض ولا اضطراب. وبناء على هذه المقدِّمة التي لا بد منها أقول ما يلي:

стр. 229

...إن الآية الوسطى قد جاءت لبيان الأعذار لترك الصوم الواجب ولم تأت للتخيير بين الصوم والإِفطار، فذكرت عُذْر المرض وعُذْر السفر، وبيَّنت أن ما يقابل الإِفطار في هاتين الحالتين هو القضاء ﴿فعدَّةٌ من أَيام أُخَرَ﴾ ثم جاءت تقول ﴿وعلى الذين يُطيقونه فِدْيةٌ طعامُ مسكين﴾ فعطفت الذين يطيقونه بحرف الواو على المريض والمسافر، وما هذا العطف بالواو، إلا لاشتراك الجميع في الموضوع، وهو هنا الأَعذارُ المُبيحةُ للإِفطار، وإلا فلا عطف، فصارت الأعذار هي: المرض والسفر وبلوغ الطاقة أو استنفاذها، بمعنى أن من كان مريضاً أو مسافراً أو بالغاً الطاقة، فإن لهم أن يفطروا وحيث أن من كان بالغاً الطاقة يترتب عليه ما لا يترتب على المريض والمسافر فإن الآية الكريمة لم تُدْخله معهما، فلم تقل مثلاً فمن كان مريضاً أو على سفر أو بالغاً الطاقة فعدَّةٌ من أيام أخر، إذ أنَّ الدقة في النظم القرآني قد اقتضت إدخالَ مستنفِذِ الطاقة في الأعذار بعطفه على المريض والمسافر، واقتضت عدم إِدخاله في المترتَّب عليهما، وهو قضاء الصوم، فجاءت الآية الكريمة تذكر المغايرة بين العذرين الأولين، وبين العذر الثالث، فقالت ﴿فدْيةٌ طعامُ مسكين﴾ وكانت قد قالت بخصوص العذرين الأَوَّلين ﴿فعدَّة من أيام أُخَر﴾ وبهذه المغايرة تكون الآية الكريمة قد نفت عن العذر الثالث قضاء الصوم، وأتت بحكم جديد غير مطلوب من المريض والمسافر، هو أداء الفدية.

стр. 230

...أما كيف جرى تفسيرنا لهذه الآية الكريمة بما سلف، فإنَّا نقول ما يلي: إن قول هذه الآية الكريمة ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ لا يصح أن يُفسِّر بأنه يعني: وعلى الذين يستطيعونه. وإلا دخل الناس كلُّهم في هذا اللفظ ودخل فيه المريض والمسافر، فإنهما على الأعم الأغلب يستطيعان الصوم أيضاً، وإنما الواجب أن يُفسَّر، أو إن شئت قلت، إنما الواجب أن يؤوَّل بأنه يعني الذين إذا صاموا استنفذوا الطاقة، أي أوشكوا على العجز عن الصوم حقيقة، وبمعنى آخر فإن هؤلاء الفئة من الناس لا يستطيعون الصوم وإتمامَه إلا ببذل أقصى الطاقة والقدرة بحيث يوشكون على العجز عن الإتمام، فجاءت الآية تعذر هؤلاء الناس وتستثنيهم من وجوب الصيام كما تستثنيهم من وجوب القضاء، لأن القضاء في حقهم كالأداء يشق عليهم، ويبلغ بهم أقصى الطاقة والجهد، وأتت بما لا يعجزون عنه ولا يحتاجون إلى بذل طاقتهم كلِّها في أدائه وهو الفدية، أي دفع مالٍ عن كل يوم لا يصومونه. ومما يشهد لهذا الفهم هو ما وجدته في تفسير مجاهد بن جبر وهو من شيوخ المفسِّرين لكتاب الله الكريم فقد وجدت فيه الأثر التالي (في الصفحة ٩٧ من المجلد الأول) عن عطاء عن ابن عباسٍ في قوله ﴿ (وعلى الذين يطيقونه) قال: يتكلفونه ولا يستطيعونه (طعام مسكينٍ فمن تطوع خيراً) فأَطعم مسكيناً آخر (فهو خيرٌ له) وليست منسوخةً ... ﴾ . فقد فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لفظة (يطيقونه) بـ لا يستطيعونه، وهو تفسيرٌ قريب من تفسيرنا. ...وبهذا التفسير، أو قل بهذا التأويل، نكون قد أَبقينا على الانسجام بين الآيات الثلاث ونفينا عنها وجود نسخٍ أو تعطيل، وبهذا التفسير نخرج بالدليل على أن العاجز يفطر ويفدي، وهو الدليل على أن الرجل والمرأة الطاعِنَيْن في السن يفطران ويطعمان بدل ذلك مسكيناً عن كل يوم أفطراه.

стр. 231

...أما المريض الذي يعجزه المرض عن الصوم، فإن كان يُرجَى شفاؤُه ألحقناه بالمريض الوارد في قوله تعالى ﴿ ... فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدَّةٌ من أيام أُخَر ... ﴾ من الآية ١٨٤ من سورة البقرة. فهذا يفطر ويقضي، وإن كان هذا المريض لا يُرجى شفاؤُه ألحقناه بالذين يطيقونه، أي بكبار السن من الرجال والنساء الذين يشقُّ عليهم الصوم كثيراً، فهذا يفطر ويطعم مسكيناً عن كل يوم أفطره. وستجدون مزيد بحث في هذه المسألة في البند ٣. ٢- الشخصُ يموت وعليه صيام: ...هذا الشخص يُخيَّر وليُّه بين أن يصوم عنه ما فاته من صيام، وبين أن يطعم عنه مسكيناً بدل كل يوم فاته صيامُه. فالفدية عن الميت جائزة وليست واجبة على الوليِّ، وقد نُقل عن الفاروق عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس، ﵃ جوازُ الإِطعام عن الميت، ولم يَرِدْ شيءٌ من ذلك عن النبي ﷺ . قال عبد الحق وابن حجر: لا يقع في الإِطعام شيء يصح يعني مرفوعاً. ...وحيث أن هذه الأقوال المروية عن هؤلاء الصحابة لا تتعارض مع النصوص الشرعية، فإنه يصح تقليدها واتِّباعها. وقد تمِّ بحث هذه المسألة في موضوع [قضاء الصوم عن الميت] من الفصل [قضاء الصوم] فيرجع إليه. ٣- الرجلُ يجامع زوجته في نهار رمضان ويعجز عن صوم شهرين متتابعين:

стр. 232

...هذا الرجل يُطعم ستين مسكيناً، ويجب هذا الإِطعام إن كان الرجل قد جامع عامداً ذاكراً للصيام، أَمَّا إِنْ هو جامع زوجته ناسياً، فلا كفَّارة عليه ولا إثم. قال البخاري [وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسياً فلا شيء عليه] وذكر عبد الرزاق هذا القول، كما ذكر (٧٣٧٥) عن مجاهد قوله [لو وَطِيءَ الرجلُ امرأتَه وهو صائم ناسياً في رمضان لم يكن عليه شيء] وعن عطاء (٧٣٧٦) قوله [عليه قضاء] فلم يُوجِب عليه كفَّارة. وبمثل قول عطاء قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك وأحمد، وهو أحد وجهي الشافعية. ولم أَعْلم أن فقيهاً قال بوجوب الكفَّارة في حالة الجماع ناسياً، بل إنه قد رُوي عن عامر الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة أنه لا كفَّارة عليه بإفساد الصوم بشكلٍ مطلقٍ وهو بلا شك رأي شاذ لا يُلفت إليه لمعارضته ومصادمته للنصوص الصريحة القائلة بالكفَّارة. ...وقد اختلف الفقهاء في المرأة يجامعها زوجها، هل عليها كفَّارة، أي عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين، أو إِطعام ستين مسكيناً؟ فذهب الشافعي في أصحِّ القولين عنه والأوزاعي والحسن البصري وأحمد في رواية عنه إلى أن المرأة لا كفَّارة عليها، وأن الكفَّارة تجب على الرجل فقط. وقال الأَوزاعي: إنْ كانت الكفَّارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين. فيما ذهب أبو حنيفة ومالك وأبو ثور وابن المنذر إلى أن المرأة عليها كفَّارةٌ أخرى، وهي رواية عن أحمد. والأحناف والمالكية قالوا إن الكفَّارة تجب على المرأة إن كانت مختارة أما إن كانت مكرهة فالكفَّارة على زوجها.

стр. 233

...والصحيح هو قول الأحناف والمالكية، وهو أن على المرأة كفَّارة إن كانت مختارة غير مُكْرَهة، لأن الجماع الذي تجب فيه الكفَّارة على الرجل تشترك فيه الزوجة فلا معنى لإِعفائها من الكفَّارة، وإن قول الشافعية ومن قال بمثل قولهم إنهم لم يسمعوا أن الرسول ﷺ أمر الزوجة بأداء الكفَّارة، لا يكفي هذا القولُ لإعفاء المرأة من الكفَّارة ومن الإثم، وذلك أن النصَّ إن كان يخاطب المذكَّر، فإن المخاطبة تشمل الرجل والمرأة على السواء، وهي الحالة الغالبة في النصوص، وأما إن أراد النصُّ مخاطبة النساء خاصة فإنه يذكرُهنَّ بلفظ صريح، وهذه قاعدةٌ لغوية وشرعية معروفة. فالمرأة تدخل في عموم النصوص إلا أن تُستثنى، فلا حُجَّةَ للشافعية فيما ذهبوا إليه. ...أما إن جامع الزوج زوجته بالإِكراه، فلم تستطع الزوجةُ دفعَه، فإِنه لا شيء عليها، وقد أَعْلَمَنا الرسولُ ﷺ أن الله رفع عن أمته الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه، فالمُكرَه لا إثم عليه ومن ثمَّ لا عقوبة عليه. فإن قال قائل إن المرأة لا تملك مالاً تُعتِق به رقبةً أو تقدِّمه لستين مسكيناً أجبناه بأن المرأة قد تملك مالاً تفعل به ذلك، أما إِن لم تكن تملك المال فقد تعيَّن عليها صوم شهرين متتابعين، فإن كانت عاجزة عن الصوم ولا تملك المال فإِنَّ الكفَّارةَ تسقط عنها. ...والجماع الذي يُوجِب الكفَّارة هو إِيلاجُ الذَّكر في الفرج ولو لم يحصل إِنزالٌ، ولا تجب الكفَّارة إذا حصل الإِنزال دون جماع، أي حصل الإنزالُ بالمباشرة والمداعبة والتقبيل مثلاً. لا فِديةَ على من أخَّر قضاءَ رمضان لغير عذرٍ حتى أدركه رمضانُ آخر:

стр. 234

...إذا كان على شخصٍ قضاءُ أيامٍ من رمضان فتأخر في القضاء حتى جاء رمضان آخر، فقد اختلف الفقهاء في حكمه: فذهب أبو حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي والحسن البصري والمُزَني وداود بن علي إلى وجوب القضاء فقط. وذهب الجمهور إلى وجوب القضاء وإطعام مسكينٍ عن كل يوم، ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ﵃. قال البخاري [ ... وقال إبراهيم: إذا فرَّط حتى جاء رمضان آخر، يصومهما ولم ير عليه إِطعاماً، ويُذكر عن أبي هريرة مرسلاً، وعن ابن عباس أنه يُطعِم] . ...والحق أن ما ذهب إليه الأحناف هو الصحيح، وذلك أن فرض الفدية على من تأخَّر في القضاء حتى جاء رمضان آخر يحتاج إلى نصٍّ من الشرع، ولا نصَّ هنا، فلا يصح تشريع هذا الحكم، وأما ما رُوي عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وما نقله الطَّحاوي عن يحيى بن أكثم من القول [وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفاً] فإن هذه المرويَّات عن الصحابة لم تثبت، إذ هي قد رُويت من طرق ضعيفة، فوجب ردُّها وعدم جواز تقليدها أو اتِّباعها.

стр. 235

...وقد اختلط على عدد من الفقهاء ما رُوي عن الصحابة من القول إنَّ مَن كان مريضاً فلم يصم رمضان حتى جاء رمضان آخر صام الآخِر وأطعم عن رمضان الفائت مسكيناً عن كل يوم أفطره، اختلط عليهم هذا القول مع المرويات السابقة الضعيفة، فقالوا بوجوب الإطعام بشكل مطلق. والحق أن المرويات القائلة بالإطعام على المريض يصح الاستدلال بها وهي مما يتفق مع كتاب الله سبحانه، وقد بيَّنَّا قبل قليل أن المريض العاجز عن الصيام يُطعِم، فهذه المرويات تذكر أن المريض قد عجز عن الصيام طيلة عام كامل، وأنه لم يصحَّ طيلة العام حتى جاء رمضان آخر، وهذا العام الذي كان مريضاً فيه، هو الوقت الذي يُقضى فيه ما فات من صيام رمضان، فكون الشخص لم يصحَّ في وقت القضاء، وعجز عن القضاء في وقته، فإنه لم يبق عليه إلا أن يُطعِم. وتجدون هذا البحث موجوداً بتمامه في البند الأول من هذا الفصل وهو غير موضوعنا. ثانياً: مقدارُ الفدية: ...لقد اختلف صحابة رسول الله ﵌ في تحديد مقدار الفدية ورُويت عنهم روايات متباينة تذكر أن الفِدية مُدٌّ واحد، وأنها مُدَّان اثنان، أي نصف صاع، وأنها أربعة أمداد، أي صاع، أذكر لكم عدداً منها: ١- عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿مَن أدركه الكِبَرُ فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه لكل يومٍ مُدٌّ من قمح﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٨) . ٢- عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال ﴿يصوم الذي حضر، ويقضي الآخر، ويطعم لكل يوم مِسكيناً﴾ رواه البيهقي (٤/٢٥٣) . وقال [ورواه ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وقال: مداً من حنطة لكل مسكين] . ٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مُدّاً مُدّاً﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٤) بإسناد صحيح.

стр. 236

٤- روى البيهقي وعبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه (٤/٢٥٤) أنَّ قدر الإطعام مُدٌّ من حنطة. ٥- وروى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب ﵁ (٧٦٢٩) أن الإطعام مُدٌّ من حنطة لكل مسكين. ...فهؤلاء الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس في رواية عنه، وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله يذكرون أن الفدية مُدٌّ واحدٌ، أي ربع صاع. ٦- وعن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه ﴿قرأ (وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين) يقول: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيفطر، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، نصفَ صاع من حنطة﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٧) . ...فهذه الرواية الثانية عن ابن عباس ﵁ تذكر نصف صاع، أي مُدَّين من حنطة. ٧- وعن السائب بن قيس رضي الله تعالى عنه، قال ﴿إن شهر رمضان يفتدي به الإنسان يُطعم فيه كل يوم مسكيناً فأَطعموا عني مسكيناً لكل يوم صاعاً ... ﴾ نسبه الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٩٥٣) إلى الطبراني في المعجم الكبير، وقال [رجاله ثقات] وقد بذلت وسعي في البحث عنه في معجم الطبراني فلم أجده. ...فهذه الرواية تذكر صاعاً، أي أربعة أمداد. وهؤلاء كلهم صحابة وقد اختلفوا في تحديد مقدار الفدية، واختلف باختلافاتهم التابعون والفقهاء. فالأحناف قالوا: نصف صاع بُرٍّ أو ما يعادله وقاسوها على صدقة الفطر. والجمهور قالوا: يكفي المُدُّ الواحد، أي ربع الصاع.

стр. 237

...وهذه الأقوال كلها اجتهادات وليست نصوصاً شرعية، فالشرع لم يحدِّد مقدار الفدية، أي لم يحدد مقدار ما يُطعَمُ المسكينُ، وإنما هي اجتهادات في تحقيق مناطِ النصوص الشرعية أي مناط حكم إطعامِ مسكينٍ واحد، فجاءت آراؤهم مختلفة متباينة ولو أن هؤلاء الصحابة والتابعين والفقهاء أدركوا عصرنا هذا لربما تغيَّرت تقديراتهُم، فالعُرفُ وأحوالُ الناس والعصرُ الذي يُعاش فيه لها مدخل وأثر في تحديد مقدار ما يُقدَّم للمسكين الواحد من القوت. ولهذا فإننا غير ملزمين بتقديرات الصحابة ولا بتقديرات الفقهاء الذين سبقونا، ونقف عند قوله ﴿فديةٌ طعامُ مسكين﴾ وندع تحديد الفدية وما يُقدَّم للمسكين إلى الناس يبذلون ما يرونه كافياً لإطعام المسكين، لا سيما وأَن تقديم المدِّ الواحدِ والمدين والأربعة أمداد من القمح أو من التمر لم يعد ينفع المسكين وإنما أصبح المقبول والمتَّبع في عصرنا الراهن تقديمُ وجباتٍ من الطعام المطبوخ أو دفع مبلغ من المال يفي بالحاجة. ...وللعلم فقط أقول ما يلي: قال أبو عبيد في كتاب الأموال (١٦٠٢) ما يلي [وأما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم فيه أَعلمه أن الصاعَ عندهم خمسةُ أرطال وثلثٌ يعرفه عالِمُهم وجاهِلُهم، ويباع في أسواقهم ويحملُ علمَه قرنٌ عن قرنٍ (١٦٠٣) وقد كان يعقوب – هو أبو يوسف القاضي – زماناً يقول كقول أصحابه فيه، ثم رجع عنه إلى قول أهل المدينة] وقال (١٦٢٣) أيضاً [فقد فسَّرنا ما في الصاع من السنن وهو كما أعلمتُك خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ، والمُدُّ رُبُعُه، وهو رطل وثلث، وذلك برطلنا هذا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً ... ] . ...وبتقدير ما سبق بالأوزان الحديثة نقول ما يلي: إن المد يساوي ٥٤٣ غراماً، فيكون الصاع ١٧٥،٢غراماً، أي كيلو غرامين ومائةً وخمسة وسبعين غراماً. الفصل الثامن: ما يفطِّر الصائم الفصل الثامن ما يُفطِّرُ الصائم

стр. 238

١- قطعُ نيَّة الصيام: ...الصوم عبادة، فيحتاج إلى نية من بدئه إلى انتهائه، فإن قُطعت النية قُطع الصوم. ٢- الأكلُ والشربُ عمْداً: ...لا يحتاج هذا إلى سَوق الأدلة عليه هنا، فهو معلوم للعالم والجاهل. ٣- الحيضُ والنفاسُ: ...وهو أيضاً معلوم، وقد سبق بحثه في فصل [صيام رمضان – أحكام عامة] . ٤- القيءُ عمْداً: ...قال محمد بن المنذر: وقع الإجماع على بطلان الصوم بتعمُّد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود – ﵄: لا يفطِّر مطلقاً، وهي إحدى الروايتين عن أصحاب مالك. وقال عطاء بن أبي رباح وأبو ثور: من تعمَّد القيء فعليه القضاء والكفارة. وقد رُوي عن علي وابن عمر وزيد بن أرقم ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق بن راهُويه والشافعي وأصحاب الرأي القولُ إنَّ من ذرعه القيء – أي قاء غير متعمِّدٍ – لا يبطل صومه. ونقل ابن المنذر الإجماع – ويعني به إجماع العلماء – على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده، إلا في إحدى الروايتين عن الحسن البصري. ونحن نذكر الآن جملةً من الأحاديث والآثار تتناول هذه المسألة: ١- عن معدان بن طلحة أن أبا الدرداء ﵁ حدَّثه ﴿أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيتُ ثوْبانَ مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق وأنا صَبَبْتُ له وَضوءَ هـ ﷺ ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨١) والنَّسائي وابن حِبَّان والدارمي. ورواه الترمذي وأحمد وقالا: هذا أصح شيء في هذا الباب. وقال ابن مَنْده: إِسناده صحيح متصل. ٢- عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ﵁ قال ﴿استقاء رسول الله ﷺ فأفطر وأُتي بماء فتوضأ﴾ رواه عبد الرزاق (٧٥٤٨) والنَّسائي وأحمد وإسناده صحيح.

стр. 239

٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من ذَرَعهُ قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فلْيَقْضِ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨٠) والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي والبيهقي وابن حِبَّان. قال الترمذي [حديث حسن غريب] وصححه الحاكم والذهبي. أَما البخاري فقال: لا أراه محفوظاً. وقال أحمد: ليس من ذا شيءٌ. ورواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣١١٧) بلفظ ﴿إذا ذرع الصائمَ القيءُ فلا إفطار عليه، وإذا تقيأ فعليه القضاء﴾ وقال: وقفه عطاء على أبي هريرة. قوله ذَرَع: أي غلب وسبق إلى الخروج. ٤- عن عمر بن الحكم بن ثوبان ﴿سمع أبا هريرةَ ﵁: إذا قاء فلا يفطر إنما يُخْرِج ولا يُولِج ويُذكر عن أبي هريرة أنه يفطر والأول أصح وقال ابن عباس وعكرمة الصوم مما دخل، وليس مما خرج ... ﴾ ذكره البخاري في مقدمة باب [الحجامة والقيء للصائم] . ٥- عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه قال ﴿من ذرعه القيءُ فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء﴾ رواه البيهقي (٤/٢١٩) . ورواه مالك (٤٨ كتاب الصوم) . ٦- عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿ثلاثة لا يفطِّرن الصائم: القيءُ والحجامةُ والاحتلامُ﴾ رواه البزَّار (١٠١٦) . قال الهيثمي [بإسنادين وصحَّح أحدَهما، وظاهرُه الصحةُ] وضعَّفه آخرون. ورواه الدَّارَقُطني (٢/١٨٣) والطبراني في المعجم الأوسط من طريق أبي سعيد الخدري بلفظه. ...الحديث الأول جاء فيه (قاء فأفطر) فسَّره الحديث الثاني (استقاء رسول الله ﷺ فأفطر) والحديث الثالث (وإن استقاء فلْيقضِ) فيكون التعبير عن تعمُّد القيء بلفظتين: استقاء، وتقيأ. وهذا الحديث الثالث وإن شكَّك البخاري وأحمد في كونه محفوظاً، إلا أن تصحيح الحاكم والذهبي، وتحسين الترمذي له كافٍ لقبوله.

стр. 240

...هذه الأحاديث النبوية تذكر أن من تقيأ أو استقاء، أي تعمَّد القيء، فقد أفطر ووجب عليه القضاء، ولم أجد حديثاً مرفوعاً واحداً يعارض هذه النصوص فيُعمَلُ بها ويُقال إنَّ تعمُّدَ القيء من مُفَطِّرات الصوم. وجاء أثر ابن عمر في البند الخامس موافقاً لما ذهبنا إليه. ...أما ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ فقد روي عنه قولان يبدوان متعارضَيْن ففي الحديث الثالث جاء قول عطاء إن الحديث موقوف على أبي هريرة، فعلى فرض صحة هذا القول من عطاء فإنا نقول إن أبا هريرة قال (إذا تقيَّأ فعليه القضاء) (وإن استقاء فليقضِ) أي إذا تعمَّد القيء بطل صومه وأفطر. ...أما ما ذكره البخاري عن أبي هريرة فإنه جاء بصيغة عامة (إذا قاء فلا يفطر) (عن أبي هريرة أنه يفطر) ورجَّحَ الرواية الأولى، فلْنأخذ الرواية الراجحة عنده (إذا (إذا قاء فلا يفطر) هذه الرواية لم تفرِّق بين القيء المتعمَّد والقيء غير المتعمَّد، وإنما جاءت عامة، ونحن لا ننكر أن القيء غيرَ المتعمَّد لا يفطِّر، فتصبح عندنا روايتان عن أبي هريرة: الأولى تخصِّص القيءَ المتعمَّد بأنه مفطِّر، والثانية تعمِّم القيء بأنه غير مفطِّر، فتُؤخذُ الرواية المخصِّصةِ القائلةِ بأنَّ القيء المتعمَّدَ يفطِّر وتُحمَل الروايةُ العامة على ما سوى ذلك. وبذلك يثبت القول المخصِّص الوارد في الحديث الثالث، وهو المتوافق مع الأحاديث المرفوعة.

стр. 241

...نأتي لأثر ابن عباس عند البزَّار: إن البزَّار قد ذكر إسنادين عن ابن عباس بلفظ واحد، وفي الإسنادين محمد بن عبد العزيز – وهو أبو عبد الله الرملي المعروف بابن الواسطي، كما ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب – هذا الراوي قال عنه أبو زُرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب ولم يكن عندهم بالمحمود، وهو إلى الضعف ما هو. ومع أن ابن حِبَّان قد وثَّقه – وهو المعروف عنه بالتساهل في توثيق الرواة – فإنه قال: ربما خالف. وأما قول الهيثمي عنه – بإسنادين وصحح أحدهما – وهو يعني أن البزَّار صحَّح أَحدَ الإسنادين، فقولٌ غير دقيق، وذلك أن البزَّار بعد أن روى الروايتين قال [وهذا من أحسنها إسناداً وأصحِّها، لأن محمد بن عبد العزيز لم يكن بالحافظ] فقوله هذا لا يعني أن الإِسناد صحيح، وإنما يعني أنه أصح من غيره. ومثله رواية الدارَقُطني من طريق أبي سعيد، فإن فيها هشام بن سعد، ضعَّفه النَّسائي وأحمد ويحيى بن معين. وليَّنه ابن عدي، وقال: ومع ضعفه يُكتَب حديثه. وقال عبد الحق: يُكتَب حديثه ولا يُحتجُّ به. وفي المقابل احتج به مسلم واستشهد به البخاري، فعلى فرض أن هذا الحديث صالح للاحتجاج والاستدلال، فإنَّا نقول عنه ما قلناه عن أثر أبي هريرة العام في مقابل أثره الخاصِّ وذلك أنَّ حديث الدارَقُطني والبزَّار جاء بصيغة العموم (القيء) دون بيان إن كان متعمَّداً، أو غير متعمَّد، فنخصِّصه بالوارد في الأحاديث السابقة القائلة إنَّ القيء المتعمَّدَ يفطِّرُ الصائمَ. ...وعليه فإنَّا نقول إن القيء إذا كان متعمَّداً فهو من المفطِّرات للصائم، وقد مرَّ مزيد بحث في هذه المسألة في موضوع [قضاء الصوم على المتقيء عمداً] في الفصل [قضاء الصوم] . ٥- الجماعُ:

стр. 242

...الجماع يفطِّر الصائم، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد ورد بحث جوانبه المختلفة في موضوع [حِلُّ الجماع في ليالي الصيام] من الفصل [صيام رمضان – أحكام عامة] وكذلك في موضوع [صيام من جامع زوجته في نهار رمضان] من الفصل [الكفَّارات] وأيضاً في موضوع [الرجل يجامع زوجته في نهار رمضان، ويعجز عن صوم شهرين متتابعين] من الفصل [الكفَّارات] فيُرجَعُ إليها. ٦- السُّعوطُ: ...ويسمى النُّشوق والنُّشوغ، وهو أن تُوضَعَ مادةٌ في الأنف وتُستنشَق، ويسمى الدواء الذي يُستنشق السَّعوط بفتح السين. ...وقد ورد السُّعوط في عدد من الأحاديث كدواء، ولكن أياً منها لم يتناوله بالذِّكر مع الصيام، ولذا لم يجد المحدِّثون من حديثٍ نبوي يذكرونه في هذا الباب إلا ما رُوي عن لقيط بن صَبْرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أَسبغ الوضوءَ وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً﴾ رواه ابن ماجة (٤٠٧) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد. فأدخلوا الاستنشاق في الوضوء في باب السُّعوط. ...وقد اختلف الفقهاء في السُّعوط هل هو جائز للصائم ولا يفطِّره أم هو مُفطِّر؟ فقال البخاري (١٩٣٤) [وقال الحسن: لا بأس بالسَّعوط للصائم إن لم يصل إلى حلقه، ويكتحل] وذكره ابن أبي شيبة موصولاً بلفظ قريب. وروى ابن أبي شيبة (٢/٤٦٢) عن القعقاع قال [سألت إبراهيم – النخعي- عن السُّعوط بالصَّبِرِ للصائم فلم ير به بأساً] وفي رواية أخرى [قال: لا بأس بالسُّعوط للصائم] وذهب الجمهور إلى أن الاستعاط يفطِّر ويوجِب القضاء.

стр. 243

...واختلفوا في الماء يستنشقه الصائم، فيصل إلى الحلق دون قصد: فقالت الحنفية والمالكية والشافعي في أحد قوليه: إنه يفسد الصوم. وقال أحمد وإسحق بن راهُويه والأوزاعي وأصحاب الشافعي: إنه لا يُفسد الصوم كالناسي. وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي: إنه يُفسد الصوم إن لم يكن لفريضة. فأقول ما يلي: ...إن الحديث الذي رواه ابن ماجة من طريق ابن صبرة لا يصح إِدراجه في باب السُّعوط، وذلك لأن السُّعوط هو أن تُدخِلَ مادةً في الأنف وتقوم باستنشاقها لتَدخُل كلُّها أو جزءٌ منها في الرئتين، فهذا هو السُّعوط. وأما إدخال ماء أو دواء في الأنف لعلاج التهاب الجيوب الأنفية مثلاً، دون أن يصل الماء، أو الدواء إلى الرئتين، فليس بسُّعوط. ولذا فإن استنشاق الماء في الوضوء لا يصح إِدراجه في باب السُّعوط. وقد جاء النهي عن المبالغة فيه في حالة الصوم تحرُّزاً من أن يصل الماء إلى الحلق، ومن ثم إلى البلعوم والمعدة، وهو ما نوَّه به الحسن وذكره البخاري. وعليه فإني أقول إنه لم يرد في هذه المسألة أي حديث نبوي. ...أما ما رُوي عن عائشة ﵂ قالت ﴿دخل رسول الله ﷺ ، فقال: يا عائشة هل من كِسرة؟ فأتيته بقُرْصٍ، فوضع على فيه، وقال: يا عائشة هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قُبلة الصائم، إنما الإفطار مما دخل وليس مما خرج﴾ رواه أبو يَعلى (٨/٤٩٥٤) . قال الهيثمي [رواه أبو يعلى، وفيه من لم أعرفه] ففيه راوٍ مجهول، فهو ضعيف. وهو يشير إلى راوية الحديث المدعوَّةِ سلمى من قبيلةِ بكرِ بن وائل، وهي مجهولة لا تُعرف، فيترك هذا الحديث.

стр. 244

...فلم تبق إلا آثار الصحابة رضوان الله عليهم. فوجدنا عبد الرزاق (٧٥١٨) يروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال ﴿إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج والوضوء مما خرج وليس مما دخل﴾ ووجدنا ابن أبي شيبة (٢/٤٦٧) والبيهقي يرويان عن عبد الله بن عباس ﵁ قال ﴿في الحجامة للصائم قال: الفطر مما دخل وليس مما خرج﴾ وذكره البخاري تعليقاً. وهذان الأثران صحيحان. فأقول ما يلي: ...هذان الأثران ورد اللفظ فيهما عاماً، دون بيان إن كان الداخل يدخل إلى الصدر والبطن أو كان يدخل إلى الجمجمة أي إلى الدماغ ويبعد أن يكون الصحابيان الجليلان قد قصدا الجمجمة أي الدماغ، لأن مثل هذا القصد بعيد التوقع، فمن أراده وقصده فإنه يتوجب عليه أن يفصح عنه وإلا انصرف القول إلى المتبادر إلى الأذهان منه وهو ما يدخل في الصدر والبطن، لا ما يدخل في الجمجمة، ولذا فإن قول الفقهاء إنَّ ما يصل إلى الدماغ يفطِّر الصائم استدلالاً بهذين الأثرين غير صحيح. والغريب هو أن الفقهاء كانوا يظنُّون أن السَّعوط يصل إلى الدماغ فقالوا إن ما يصل إلى الدماغ يفطِّر لأجل ذلك. ...والحق – وهو ما توصَّل إليه العلم بشكل يقيني قطعي – هو أن السَّعوط وكلَّ ما يستنشقه الإنسان يدخل في الرئتين مروراً بالبلعوم أي يذهب إلى داخل الصدر وليس إلى الدماغ، فوجب بحث هذه المسألة على هذا الصعيد، ولذا أقول ما يلي:

стр. 245

...إنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً أن دخول جسم في الحلق ومن ثم بلعه، أي نزوله إلى البلعوم يفطِّر الصائم، دون اشتراط أن يصل إلى المعدة أو إلى الرئة فنزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، وهذا هو مقتضى اللغة، فاللغة تُطلِق على من بلع جسماً صلباً أنه أكله، أو سائلاً أنه شربه، فنزول الشيء إلى البلعوم يعتبر أكلاً له أو شرباً له، وحيث أن الأكل والشرب يفطِّران، فإن بلع أي شيء يفطِّر الصائم. وإنه لمن المتفق عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً، إلا من شذَّ، أن نزول أي جسم إلى البلعوم يفطِّر الصائم، سواء كان مغذياً، أو غير مغذٍّ كحصاةٍ أو حفنة تراب. ...بقي أن نعرف مواصفات هذا الجسم، فأقول إن الجسم إن دخل كلُّه دفعةً واحدة فإنه لا خلاف في أنه يفطِّر، كاللقمة أو كحبة الحمص أو كجرعة ماء أو دواء وهو مُجْمَعٌ عليه عند المسلمين قديماً وحديثاً، فإذا جاء أحدهم ليحتال على الصيام، فسحق حبةَ الحمص أو حبة الدواء، ثم أدخل المسحوق بالتدريج في جوفه إما ببلعه مع الريق، أو باستنشاقه مع الهواء فإنه يكون قد أفطر، ولا تنفعه حيلته هذه، لأن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي إن جسماً قد نزل إلى البلعوم ومن ثمَّ إلى الرئتين في الصدر، أو إلى المعدة في البطن، ولا يختلف الحال إن كان قد دخل جسماً على حاله، أو دخل مسحوقاً فبلعه مع الريق فوصل إلى المعدة، أو استنشقه مع الهواء، فوصل إلى الرئتين، وإذن فإن دخول أي جسم عن طريق البلعوم يفطِّر على أيةِ حالةٍ دخل، لأنه في واقعه فعلٌ واحد.

стр. 246

...أما إن دخل في البلعومَ ما ليس له جسمٌ محسوس، أو ما لا يتشكل منه جسمٌ محسوس فإنه لا يفطِّر وذلك كالعطور والروائح بأنواعها الزكية والكريهة فهذه العطور والروائح لا شيء في تعمُّد شمِّها، فقد روى الطبراني في المعجم الأوسط (٤٤٤٩) وفي المعجم الصغير (٦١٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿سُئل رسول الله ﷺ : أيقبِّل الصائم؟ فقال: وما بأس بذلك ريحانةٌ يشمُّها﴾ وسنده حسن. فقد شبه الرسول الكريم ﵊ تقبيل الصائم بشمِّ الريحان، فدل هذا التشبيه على أن شمَّ الريحان لا يفطِّر الصائم كالتقبيل. فما يدخل في الصدر أو في البطن من طريق الحلق والبلعوم يفطِّر، لا فرق بين أن يدخل على شكل جسم محسوس أو على شكل مسحوقٍ مُذاب في الريق، أو على شكل مادة تطير في الهواء ثم تنعقد في الداخل مادةً محسوسة. أما الحالتان الأُوْليان فإنه لا خفاء فيهما، ولا يحتاجان منا إلى ضرب أمثلة عليهما، وأما الحالة الثالثة فهي ما تحتاج إلى ضرب أمثلة عليها: أ - السَّعوط، وهو نوع من التبغ يُسحَق ويستنشقه الشخص فيدخل في الرئتين. ب - دخان التبغ، ودخان البخُّور. ج - بخار الماء وبخار الدواء. د - بخَّاخ الرَّبْو.

стр. 247

...هذه الأنواع الأربعة يدخل منها من طريق الحلق والبلعوم في الرئتين في الصدر ما ينعقد أَجْراماً وأجساماً أما بالنسبة للسَّعوط فإنه يدخل كلُّه في الرئتين مروراً بالبلعوم حاله كحال حبة حمص أو حبة دواء تُسحَق فتدخل مع الريق في المعدة. وأما دخان التبغ من سجاير وغلايين ونرجيلة فإنه يتشكَّل في الصدر أَجْراماً وأجساماً من القَطِران والنيكوتين وغيرهما وهي ما تشاهد بوضوح تام في ما يسميه الناس بـ (البِلْبِلة) لدى مرور الدخان من خلالها، وهي ما تشاهد بوضوح على الثياب إذا جرى تبخيرها بكثرة. وأما بخار الماء وبخار الدواء، فإن حقيقته وواقعه أنه ماء ودواء، فلا يصح استنشاقه وإدخاله في الداخل بحالٍ من الأحوال. وأما بخَّاخ الربو فإن حقيقته وواقعه أنه دواء ينبعث من الإناء الموضوع فيه كرذاذ يدخل في الفم ومن ثم ينزل إلى البلعوم، قسمٌ منه يختلط باللعاب فيدخل في المعدة، والقسم الأكبر يدخل مع الهواء في الرئتين. فالقاعدة هي أن أي جسم إذا دخل في البلعوم فطَّر الصائم سواء دخل على حاله، أو دخل على شكل دخان أو رذاذ أو بخار، ثم انعقد جسماً ومادة في الداخل. ...وهذا كله إن حصل بفعلٍ إراديٍّ من الإنسان، أي قام بالاستعاط، أو قام بالتدخين، أو استنشق عامداً الدخان المتصاعد من البخور المشتعِل، أو ترك الماء، أو الدواء يغليان على النار وقام باستنشاق بخارهما للعلاج أو لغيره، أو رشَّ بخَّاخ الربو في فمه ليدخل منه في جوفه فكل ذلك في واقعه إِدخال أجرامٍ وأجسامٍ في البلعوم، فيُفْطِر الصائم بأي منها.

стр. 248

...أما إن حصل كل ذلك بغير إرادةٍ من الإنسان فإنه لا يُفْطِر، لأن الله لا يحاسب على فعلٍ لا إرادة للإنسان فيه فمن جلس إلى جوار مدخِّن أو قربَ عودِ بخُّورٍ مشتعلٍ في غرفة، ودخل في صدره شيءٌ منه دون قصد ولا إرادة فإنه يظلُّ صائماً ولا يفطر، وإذا كان الجو رطباً مُشْبَعاً ببخار الماء، أو كان الحمَّام مشبعاً ببخار الماء المتصاعد من الماء الحار، واستنشق الصائم بخار الماء هذا أو ذاك رغماً عنه، دون إرادة ولا قصد، فإنه لا يفطر. وقل مثل ذلك بخصوص الغبار في الجو، وخاصةً في أيام الزوابع والعواصف الخماسينية، فإن استنشاق الغبار آنذاك لا يفطر الصائم، ولا يفطر إلا إذا أدخل هو بإرادةٍ منه وقصدٍ أشياءَ مما سبق. ...يتضح مما سبق أن قول الجمهور إِنَّ الاستعاط يفطِّر ويوجب القضاء هو القول الصحيح وأنَّ ما عداه خطأ وأن أثري ابن مسعود وابن عباس ﵄ يرشدان إلى هذا (الصيام مما دخل) ، (والفطر مما دخل) أما معنى (الصيام مما دخل) فهو أن يصوم الشخص أو يمتنع عن إدخال أي شيء في جوفه وأما معنى (الفطر مما دخل) فهو أن أي شيء يدخل في الجوف يفطِّر الصائم، فإدخال أي شيء في البلعوم ومنه السَّعوط يفطِّر الصائم. تطبيقاتٌ على الطب: ...وبناءً على ما سبق بيانُه فإني أذكر جملةً من التطبيقات الطبية المتعلقة بمسألتنا، وإنزال الحكم الشرعي عليها، وبيان أيٍّ منها يفطِّر الصائم وأيٍّ لا يفطِّر:

стр. 249

١- قد يعمد الطبيب أو الجرَّاح إلى إدخال سلكٍ (أو منظارٍ كما يسمونه) في جسد المريض، إِما للعلاج، كوضع شبكةٍ في الشريان المصاب أو إجراء عملية نفخٍ لفتح الشريان المسدود، وإما للفحص فقط، فهذا السلك أو المنظار في كلِّ حالاته يُنظَر فيه فإن هو أُدخِل من طريق الأنف أو من طريق الفم فإنه يفطِّر الصائم، وكذلك إن هو أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى الرئتين أو إلى المعدة أو إلى الأمعاء، فإنه أيضاً يفطِّر الصائم، ولكنه إن أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى القلب مثلاً، أو إلى الكبد أو إلى المثانة، أي لم يصل إلى الرئتين، ولا إلى الجهاز الهضمي، فإنه لا يفطِّر الصائم. ٢- عمليات تخطيط الدماغ وعمليات تخطيط القلب وما يصاحبها من وضع أطراف الأسلاك على الجلد، هذه العمليات لا تفطِّر الصائم. ٣- العلاج بالأشعة كما يحصل أحياناً في عمليات تفتيت الحصى في الكليتين، أو في الحالب أو في المثانة، وكما يحصل في علاج السرطان، هذا العلاجُ لا يفطِّر الصائم. ومثله العلاجُ بالرَّنين المغناطيسي، وذلك لأن الأشعة والرَّنين المغناطيسي ليست أجساماً فدخولها في جسدِ الصائم لا يفطِّره بحالٍ من الأحوال. ٤- التقطير في ذَكَر الرجل، أو في الإحليل كما يقول الفقهاء، وهم يعنون بالتقطير إدخال سائل في الذَّكَر، هذا التقطير لا يفطِّر الصائم، وذلك لأن هذا السائل لا يصل إلى الرئتين ولا إلى الجهاز الهضمي. ومثله إدخال سلك (أو منظار) في الذَّكَر لتنظير المثانة أو الكليتين وكذلك عمليةُ التنظير لرحم المرأة، فإِنَّ كلَّ ذلك لا يفطِّر الصائم.

стр. 250

٥- الحُقْنةُ الشرجية والتحاميل الطبية الخافضة للحرارة مثلاً تفطِّر الصائم لأن التحاميل والحُقَن تصل إلى المستقيم، ومنه تنفذ إلى الأمعاء الغليظة، والمستقيم والأمعاء الغليظة هي من الجهاز الهضمي كما هو معلوم، وعليه فإن رأي الإمام أحمد القائل بأن الحقنة الشرجية تفطِّر الصائم هو الرأي الصحيح. ٦- مطاعيم الجلد بأنواعها لا تفطِّر الصائم، وأما مطاعيم الفم فإنها تفطِّر. ٧- عملية التنظيفات للمرأة ومثلها إجراء الفحص الطبي الداخلي للمرأة وما يستلزمه ذلك من إدخال أدوات وموادَّ كل ذلك لا يفطِّر الصائمة، لأن الرحم ليس من الجهاز الهضمي ولا من الجهاز التنفسي. ٨- الخارج من فرج المرأة يُنظَر فيه: فإن كان دمَ حيضٍ أو نفاسٍ فقد مرَّ أنه يفطِّر الصائمة، وأما إن كان الدم الخارج من الفرج دم استحاضة – وهو ما يخرج من عِرْقٍ مقطوع – فإنه لا يفطِّر الصائمة. ولا يفطِّر الصائم ولا الصائمة خروجُ الدم من أي عضوٍ أو جزء من البدن، وسيمرُّ ذلك بإِذن الله في بحث [الحِجامة] من الفصل التالي [ما لا يفطِّر الصائم] وكذلك غير الدم من السوائل كالإِفرازات الطبيعية، أو الإِفرازات الناتجة عن التهابات الجهاز التناسلي الأنثوي فإنها كلَّها لا تفطِّر. ٩- الجائفة والآمَّة – أو المأمومة -: ونعني بالجائفة الجرحَ الواصلَ إلى الجوف، والآمَّة الجرحَ الواصلَ إلى أُمِّ الدماغ، وهي جلدة رقيقة تحيط به. أما الآمة فإنها لا تفطِّر، فدخول أي جسم في تجويف الجمجمة لا شيء فيه، ولا يفطِّر الصائم بحالٍ. وأما الجائفة فيُنظر فيها: فإن هي وصلت إلى داخل الرئتين أو إلى داخل الجهاز الهضمي فإنها تفطِّر، وأما إن هي لم تصل إلى أيٍّ من ذلك، فإنها لا تفطِّر، كأن تصل إلى القلب أو إلى الكبد أو إلى المثانة مثلاً.
следующие страницы →