Полный текст (401 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
...أما إن دخل في البلعومَ ما ليس له جسمٌ محسوس، أو ما لا يتشكل منه جسمٌ محسوس فإنه لا يفطِّر وذلك كالعطور والروائح بأنواعها الزكية والكريهة فهذه العطور والروائح لا شيء في تعمُّد شمِّها، فقد روى الطبراني في المعجم الأوسط (٤٤٤٩) وفي المعجم الصغير (٦١٤) عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿سُئل رسول الله ﷺ : أيقبِّل الصائم؟ فقال: وما بأس بذلك ريحانةٌ يشمُّها﴾ وسنده حسن. فقد شبه الرسول الكريم ﵊ تقبيل الصائم بشمِّ الريحان، فدل هذا التشبيه على أن شمَّ الريحان لا يفطِّر الصائم كالتقبيل. فما يدخل في الصدر أو في البطن من طريق الحلق والبلعوم يفطِّر، لا فرق بين أن يدخل على شكل جسم محسوس أو على شكل مسحوقٍ مُذاب في الريق، أو على شكل مادة تطير في الهواء ثم تنعقد في الداخل مادةً محسوسة. أما الحالتان الأُوْليان فإنه لا خفاء فيهما، ولا يحتاجان منا إلى ضرب أمثلة عليهما، وأما الحالة الثالثة فهي ما تحتاج إلى ضرب أمثلة عليها:
أ - السَّعوط، وهو نوع من التبغ يُسحَق ويستنشقه الشخص فيدخل في الرئتين.
ب - دخان التبغ، ودخان البخُّور.
ج - بخار الماء وبخار الدواء.
د - بخَّاخ الرَّبْو.
стр. 247
...هذه الأنواع الأربعة يدخل منها من طريق الحلق والبلعوم في الرئتين في الصدر ما ينعقد أَجْراماً وأجساماً أما بالنسبة للسَّعوط فإنه يدخل كلُّه في الرئتين مروراً بالبلعوم حاله كحال حبة حمص أو حبة دواء تُسحَق فتدخل مع الريق في المعدة. وأما دخان التبغ من سجاير وغلايين ونرجيلة فإنه يتشكَّل في الصدر أَجْراماً وأجساماً من القَطِران والنيكوتين وغيرهما وهي ما تشاهد بوضوح تام في ما يسميه الناس بـ (البِلْبِلة) لدى مرور الدخان من خلالها، وهي ما تشاهد بوضوح على الثياب إذا جرى تبخيرها بكثرة. وأما بخار الماء وبخار الدواء، فإن حقيقته وواقعه أنه ماء ودواء، فلا يصح استنشاقه وإدخاله في الداخل بحالٍ من الأحوال. وأما بخَّاخ الربو فإن حقيقته وواقعه أنه دواء ينبعث من الإناء الموضوع فيه كرذاذ يدخل في الفم ومن ثم ينزل إلى البلعوم، قسمٌ منه يختلط باللعاب فيدخل في المعدة، والقسم الأكبر يدخل مع الهواء في الرئتين. فالقاعدة هي أن أي جسم إذا دخل في البلعوم فطَّر الصائم سواء دخل على حاله، أو دخل على شكل دخان أو رذاذ أو بخار، ثم انعقد جسماً ومادة في الداخل.
...وهذا كله إن حصل بفعلٍ إراديٍّ من الإنسان، أي قام بالاستعاط، أو قام بالتدخين، أو استنشق عامداً الدخان المتصاعد من البخور المشتعِل، أو ترك الماء، أو الدواء يغليان على النار وقام باستنشاق بخارهما للعلاج أو لغيره، أو رشَّ بخَّاخ الربو في فمه ليدخل منه في جوفه فكل ذلك في واقعه إِدخال أجرامٍ وأجسامٍ في البلعوم، فيُفْطِر الصائم بأي منها.
стр. 248
...أما إن حصل كل ذلك بغير إرادةٍ من الإنسان فإنه لا يُفْطِر، لأن الله لا يحاسب على فعلٍ لا إرادة للإنسان فيه فمن جلس إلى جوار مدخِّن أو قربَ عودِ بخُّورٍ مشتعلٍ في غرفة، ودخل في صدره شيءٌ منه دون قصد ولا إرادة فإنه يظلُّ صائماً ولا يفطر، وإذا كان الجو رطباً مُشْبَعاً ببخار الماء، أو كان الحمَّام مشبعاً ببخار الماء المتصاعد من الماء الحار، واستنشق الصائم بخار الماء هذا أو ذاك رغماً عنه، دون إرادة ولا قصد، فإنه لا يفطر. وقل مثل ذلك بخصوص الغبار في الجو، وخاصةً في أيام الزوابع والعواصف الخماسينية، فإن استنشاق الغبار آنذاك لا يفطر الصائم، ولا يفطر إلا إذا أدخل هو بإرادةٍ منه وقصدٍ أشياءَ مما سبق.
...يتضح مما سبق أن قول الجمهور إِنَّ الاستعاط يفطِّر ويوجب القضاء هو القول الصحيح وأنَّ ما عداه خطأ وأن أثري ابن مسعود وابن عباس ﵄ يرشدان إلى هذا (الصيام مما دخل) ، (والفطر مما دخل) أما معنى (الصيام مما دخل) فهو أن يصوم الشخص أو يمتنع عن إدخال أي شيء في جوفه وأما معنى (الفطر مما دخل) فهو أن أي شيء يدخل في الجوف يفطِّر الصائم، فإدخال أي شيء في البلعوم ومنه السَّعوط يفطِّر الصائم.
تطبيقاتٌ على الطب:
...وبناءً على ما سبق بيانُه فإني أذكر جملةً من التطبيقات الطبية المتعلقة بمسألتنا، وإنزال الحكم الشرعي عليها، وبيان أيٍّ منها يفطِّر الصائم وأيٍّ لا يفطِّر:
стр. 249
١- قد يعمد الطبيب أو الجرَّاح إلى إدخال سلكٍ (أو منظارٍ كما يسمونه) في جسد المريض، إِما للعلاج، كوضع شبكةٍ في الشريان المصاب أو إجراء عملية نفخٍ لفتح الشريان المسدود، وإما للفحص فقط، فهذا السلك أو المنظار في كلِّ حالاته يُنظَر فيه فإن هو أُدخِل من طريق الأنف أو من طريق الفم فإنه يفطِّر الصائم، وكذلك إن هو أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى الرئتين أو إلى المعدة أو إلى الأمعاء، فإنه أيضاً يفطِّر الصائم، ولكنه إن أُدخل من طريق الجلد فوصل إلى القلب مثلاً، أو إلى الكبد أو إلى المثانة، أي لم يصل إلى الرئتين، ولا إلى الجهاز الهضمي، فإنه لا يفطِّر الصائم.
٢- عمليات تخطيط الدماغ وعمليات تخطيط القلب وما يصاحبها من وضع أطراف الأسلاك على الجلد، هذه العمليات لا تفطِّر الصائم.
٣- العلاج بالأشعة كما يحصل أحياناً في عمليات تفتيت الحصى في الكليتين، أو في الحالب أو في المثانة، وكما يحصل في علاج السرطان، هذا العلاجُ لا يفطِّر الصائم. ومثله العلاجُ بالرَّنين المغناطيسي، وذلك لأن الأشعة والرَّنين المغناطيسي ليست أجساماً فدخولها في جسدِ الصائم لا يفطِّره بحالٍ من الأحوال.
٤- التقطير في ذَكَر الرجل، أو في الإحليل كما يقول الفقهاء، وهم يعنون بالتقطير إدخال سائل في الذَّكَر، هذا التقطير لا يفطِّر الصائم، وذلك لأن هذا السائل لا يصل إلى الرئتين ولا إلى الجهاز الهضمي. ومثله إدخال سلك (أو منظار) في الذَّكَر لتنظير المثانة أو الكليتين وكذلك عمليةُ التنظير لرحم المرأة، فإِنَّ كلَّ ذلك لا يفطِّر الصائم.
стр. 250
٥- الحُقْنةُ الشرجية والتحاميل الطبية الخافضة للحرارة مثلاً تفطِّر الصائم لأن التحاميل والحُقَن تصل إلى المستقيم، ومنه تنفذ إلى الأمعاء الغليظة، والمستقيم والأمعاء الغليظة هي من الجهاز الهضمي كما هو معلوم، وعليه فإن رأي الإمام أحمد القائل بأن الحقنة الشرجية تفطِّر الصائم هو الرأي الصحيح.
٦- مطاعيم الجلد بأنواعها لا تفطِّر الصائم، وأما مطاعيم الفم فإنها تفطِّر.
٧- عملية التنظيفات للمرأة ومثلها إجراء الفحص الطبي الداخلي للمرأة وما يستلزمه ذلك من إدخال أدوات وموادَّ كل ذلك لا يفطِّر الصائمة، لأن الرحم ليس من الجهاز الهضمي ولا من الجهاز التنفسي.
٨- الخارج من فرج المرأة يُنظَر فيه: فإن كان دمَ حيضٍ أو نفاسٍ فقد مرَّ أنه يفطِّر الصائمة، وأما إن كان الدم الخارج من الفرج دم استحاضة – وهو ما يخرج من عِرْقٍ مقطوع – فإنه لا يفطِّر الصائمة. ولا يفطِّر الصائم ولا الصائمة خروجُ الدم من أي عضوٍ أو جزء من البدن، وسيمرُّ ذلك بإِذن الله في بحث [الحِجامة] من الفصل التالي [ما لا يفطِّر الصائم] وكذلك غير الدم من السوائل كالإِفرازات الطبيعية، أو الإِفرازات الناتجة عن التهابات الجهاز التناسلي الأنثوي فإنها كلَّها لا تفطِّر.
٩- الجائفة والآمَّة – أو المأمومة -: ونعني بالجائفة الجرحَ الواصلَ إلى الجوف، والآمَّة الجرحَ الواصلَ إلى أُمِّ الدماغ، وهي جلدة رقيقة تحيط به. أما الآمة فإنها لا تفطِّر، فدخول أي جسم في تجويف الجمجمة لا شيء فيه، ولا يفطِّر الصائم بحالٍ. وأما الجائفة فيُنظر فيها: فإن هي وصلت إلى داخل الرئتين أو إلى داخل الجهاز الهضمي فإنها تفطِّر، وأما إن هي لم تصل إلى أيٍّ من ذلك، فإنها لا تفطِّر، كأن تصل إلى القلب أو إلى الكبد أو إلى المثانة مثلاً.
стр. 251
١٠- التخديرُ باستنشاق المواد المخدِّرة كالنشادر مثلاً يفطِّر الصائم، فهو والاستعاط فعلٌ واحد له حكم واحد، وقد مرَّ بحث السُّعوط قبل قليل.
١١- شقُّ الصدر أو البطن وما يتبعه من إدخال الأدوات المستعملة في الجراحة يُنظَر فيه فإن كان الشقُّ يصل إلى داخل الرئتين أو إلى داخل الجهاز الهضمي فإنه يفطِّر، وأما إن كان الشق لا يصل إلى داخل الرئتين، ولا إلى داخل الجهاز الهضمي وبقي خارجهما، كإجراء عملية الفتق أو زرع الكلى أو زرع بطارية في القفص الصدري لتنظيم ضربات القلب فإن كل ذلك لا يفطِّر بحال، اللهم إلا أن يصاحب هذه العملياتِ دخولُ موادَّ أو أدواتٍ إلى الرئتين، أو إلى الجهاز الهضمي.
١٢- تصويرُ أيِّ جزء في الجسم بواسطة أشعة إِكس، أو بطريقة التصوير الطبقي، أو بواسطة الرَّنين المغناطيسي، والذي يصاحبه عادة حقنُ موادَّ عن طريق الوريد لا يفطِّر الصائمَ، وأما إن صاحبه إعطاءُ مادةٍ عن طريق الفم أو عن طريق الشرج (وهي المادة الملونة) فإنه حينئذٍ يفطِّر الصائم.
١٣- إجراء عمليات في الركبتين، أو في الوَرِكَين، وزرعُ أجسامٍ صلبة فيهما بدل الأعضاء التالفة وتثبيتها بالمسامير، كل ذلك لا يفطِّر الصائم.
١٤- إبرةُ الطبيب لا تفطِّر بحالٍ سواءٌ منها ما كان للعلاج بالأدوية أو ما كان للتغذية بالمواد المغذية وبالدم، أو ما كان للتخدير، وسواءٌ منها ما كان في الأوردة، أو ما كان في العضل ما دامت هذه الأدوية وهذه المواد المغذية والدم بجميع مشتقاته لا تصلُ مباشرةً إلى داخل الجهاز التنفسي، ولا إلى داخل الجهاز الهضمي.
...وباختصار أقول: إِن إدخال أيةِ مادة صلبة أو سائلة، أو أداةٍ أو أيِّ شيء في داخل الجسم إن كان الإدخال في الجهاز التنفسي أو في الجهاز الهضمي فإنه يفطِّر، وما عداه لا يفطِّر.
стр. 252
...وهنا قد تثور شبهة، هي أن الصيام إنما هو امتناع عن الأكل والشرب، أي امتناع عن تناول الغذاء، فلماذا نجيز إدخال المواد المغذية في بدن الصائم بواسطة إبرة الطبيب، ولا نعتبرها مُبْطِلة للصوم؟ أليست هذه كتلك؟
...وللرد على هذه الشبهة أقول إن الصائم يُحْظَر عليه الأكل والشرب أي يُحظَر عليه أن يفعل ما يصح إطلاقُ اسم الأكل والشرب عليه، فهذا هو ما جاء في النصوص ولم يأت نصٌّ واحد يأمر الصائم بالامتناع عن المُغَذِّيات أو عن التغذية، ولذا فإن بلع حفنةِ تراب أو حباتٍ صغيرةٍ من الحصى يُفطِّر الصائم رغم أنها لا غذاء فيها، فالعبرة هي بعملية الأكل والشرب وليس بالتغذية والغذاء، ولا شك في أن التغذية بالمواد المغذية أو بالدم عن طريق الجلد ليست أكلاً ولا شرباً قطعاً، فلا تفطِّر الصائم إذن.
...وعليه فإني أقول إن تغذية الصائم جائزة ولا تفطِّر الصائم إن هي تمَّت بغير أكل وشرب، أو بغير إدخال المواد المغذية في الجهاز الهضمي، كأن تتم التغذية بهذه المواد أو بالدم بواسطة إبرة الطبيب تُغْرَزُ في الجلد مثلاً.
الفصل التاسع: ما لا يفطِّر الصائم
الفصل التاسع
ما لا يفطِّرُ الصائم
القُبلةُ والمباشرةُ:
...ونعني بالمباشرة ملامسةَ الزوجةِ ومضاجعتَها دون إيلاج، أي دون جماع. قال الترمذي [واختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في القُبلة للصائم فرخص بعض أصحاب النبي ﷺ في القُبلة للشيخ ولم يُرَخِّصوا للشاب مخافةَ أن لا يَسْلَمَ له صومُه والمباشرةُ عندهم أشدُّ. وقد قال بعض أهل العلم: القُبلة تُنقِصُ الأَجر ولا تفطِّر الصائم، ورأوا أن للصائم إذا ملك نفسه أن يُقبِّل، وإذا لم يأمن على نفسه تَرَك القُبلة ليَسْلَمَ له صومُه وهو قول سفيان الثوري والشافعي] .
стр. 253
...وقد ذهبت المالكية إلى أن القُبلة والمباشرة مكروهتان للصائم. وقال مالك: من باشر أو قبَّل فأَنْعظَ – أي تحرك ذَكَرُه – ولم يُمذِ ولا أنزل، بطل صومه وقضى. وقال عبد الله بن شُبْرُمة أحدُ فقهاء الكوفة إِنَّ القُبلةَ تُفطِّر. فيما ذهب ابن حزم وأهل الظاهر إلى استحباب القُبلة للصائم. وأباح القُبلةَ والمباشرةَ مطلقاً أبو هريرة وسعيد وسعد بن أبي وقاص ﵃. وفرَّق ابن عباس رضي الله تعالى عنه بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب وأباحها للشيخ. وقال ابن حجر: من حرَّكت القُبلةُ شهوَته فهي حرام في حقِّه على الأصح. وحتى نقف على الحكم الصائب بإذن الله تعالى لا بد من استعراض النصوصَ التاليةَ:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يقبِّلني وهو صائم وأنا صائمة﴾ رواه أبو داود (٢٣٨٤) وأحمد والبيهقي والطحاوي. ورواه النَّسائي (٣٠٣٨) في السنن الكبرى بلفظ ﴿أَهْوى النبيُّ ﷺ ليقبِّلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبَّلني﴾ وسنده جيد.
٢- وعنها رضي الله تعالى عنها قالت ﴿إنْ كان رسولُ الله ﷺ ليقبِّلُ بعضَ أزواجه وهو صائم ثم ضحكت﴾ رواه البخاري (١٩٢٨) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وروى أحمد مثل ذلك أيضاً من طريق حفصة وأم حبيبة زوجي رسول الله ﷺ .
٣- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم، ولكنه أملكُكُم لإِرْبِهِ﴾ رواه مسلم (٢٥٧٦) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة والبيهقي. قوله لإِرْبه: أي لعضوه. وفي لفظ:لأَرَبِهِ: أي لحاجته.
٤- وعنها ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يقبِّل في رمضان وهو صائم﴾ رواه مسلم (٢٥٨٤) وأحمد.
стр. 254
٥- عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يقبِّل بعض نسائه وهو صائم، قلت لعائشة: في الفريضة والتطوُّع؟ قالت عائشة: في كل ذلك، في الفريضة والتطوُّع﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٤٥) والنَّسائي في السنن الكبرى وأحمد وعبد الرزاق والطحاوي. وسنده صحيح.
٦- عن عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله تعالى عنهما ﴿أن رسول الله ﷺ كان يباشر وهو صائم، ثم يجعل بينه وبينها ثوباً، يعني الفَرْجَ﴾ . رواه أحمد (٢٤٨١٨) بسند جيد. ورواه ابن خُزيمة.
٧- عن مسروق ﴿سألتُ عائشة: ما يحلُّ للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: كلُّ شيء إلا الجماعَ﴾ رواه عبد الرزاق (٧٤٣٩) وسنده صحيح. وروى الطحاوي (٢/٩٥) من طريق حكيم بن عقال أنه قال ﴿سألت عائشة ﵂: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجُها﴾ .
٨- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿رخَّص النبي ﷺ في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحِجامة للصائم﴾ رواه النَّسائي (٣٢٢٤) في السنن الكبرى. ورواه الدارَقُطني وقال [رجاله ثِقات] ورواه ابن خُزيمة موقوفاً ومرفوعاً وصحَّح وقفَه.
٩- عن عمر بن أبي سلمة ﵁ ﴿أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبِّل الصائمُ؟ فقال له رسول الله ﷺ : سل هذه – لأمِّ سَلَمة –؟ فأخْبَرَته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : أَمَا والله إِني لأتقاكم لله وأخشاكم له﴾ رواه مسلم (٢٥٨٨) وابن حِبَّان والبيهقي. فأقول ما يلي:
стр. 255
......إن حديثاً واحداً من هذه الأحاديث العشرة، إن احتسبنا في البند ٧ حديثين، يكفي لبيان جواز التقبيل للصائم، فكيف بها كلِّها؟ إنه لمما لا شك فيه، ولا يجوز القول بخلافه، أن الصائم والصائمة يجوز لهما أن يُقبِّلا ويُقبَّلا، في صوم الفريضة كما في صوم التطوُّع، كما يحل للصائم أن يباشر زوجته، دون أن تصل المباشرة إلى حدِّ الإيلاج في الفرج، فهذا هو الحكم الصائب الذي تدلُّ عليه النصوص.
......وعندما أعلمتْ أمُّ سلمة عمرَ بن أبي سلمة أن الرسول ﷺ كان يقبِّل وهو صائم، كان يخشى أن يكون التقبيل حراماً، وأن الرسول ﷺ كان يفعله فيُغفَر له، فسأل الرسول ﷺ عن ذلك، فأجابه ﵊ بنفي ذلك وأنه الأتقى والأخشى لله لا يفعل الحرام كما هو معنى الحديث التاسع، وهو دليل يضاف إلى الأدلة المصِّرحة بالجواز.
......ومع هذا الوضوح في الحكم والقوة في الاستدلال يأتي من يقول إن القُبلة حرام أو إنها تفطِّر الصائم!! ويأتي من يقول إن القُبلة والمباشرة مكروهتان للصائم!! وقد نظر هؤلاء في النصوص، فوجدوا في النص الثالث قولَ عائشة (ولكنه أَملكُكُم لإِرْبِه) فجعلوا من هذا القول مدخلاً لأمرين:
الأول: أن الترخيص بالتقبيل إنما هو خاص بالرسول ﷺ .
الثاني: أن غير رسول الله ﷺ لا يملك إِرْبه، أي لا يملك التحكُّم في شهوته ومن ثم كان التقبيل والمباشرة مكروهَين بحقه. وأضاف هؤلاء إن القُبلة للصائم مكروهة إن كان شاباً وجائزة إن كان شيخاً، وعلَّلوا ذلك بأن الشاب تتحرك شهوته إن هو قبَّل، فخرجوا بحكم تحريم تحريك الشهوة كما يقول مالك وابن حجر، وأتوا بجملة من النصوص تعضد قولهم هذا، منها:
стр. 256
١- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ﴿هَشَشَتُ فقبَّلتُ وأنا صائم فجئت رسول الله ﷺ فقلت: لقد صنعتُ اليوم أمراً عظيماً قال: وما هو؟ قلت: قبَّلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء؟ قلت: إذاً لا يضرُّ؟ قال: نعم﴾ رواه ابن حبَّان (٣٥٤٤) وأبو داود وأحمد والدارمي والبيهقي والحاكم والطحاوي وابن خُزيمة. وقد صححه الطحاوي وابن خُزيمة وابن حِبَّان وأنكره النَّسائي، وضعفه أحمد وابن حزم.
٢- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال ﴿كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاء شاب فقال: يا رسول الله أُقبِّل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أُقبِّل وأنا صائم؟ قال: نعم، قال: فنظر بعضُنا إلى بعض، فقال رسول الله ﷺ : قد علمتُ لِمَ نظر بعضُكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه﴾ رواه أحمد (٦٧٣٩) والطبراني في المعجم الكبير. وفيه عبد الله بن لهيعة وفيه كلام.
٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ﴿أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخَّص له وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخَّصَ له شيخٌ، والذي نهاه شاب﴾ رواه أبو داود (٢٣٨٧) والبيهقي.
٤- عن ميمونة – بنت سعد – مولاة النبي ﷺ قالت ﴿سُئِل رسولُ الله ﷺ عن رجل قبَّل امرأتَه وهو صائم قال: قد أفطر﴾ رواه أحمد (٢٨١٧٧) وابن ماجة والدارَقُطني.
٥- عن عمر ﵁ قال ﴿رأيت النبي ﷺ في النوم، فرأيته لا ينظر إليَّ فقلت: يا رسول الله ما شأنُك؟ قال: أوَ لستَ المقبِّل وأنت صائم؟ فقلت: والذي نفس عمر بيده لا أُقبِّل وأنا صائم أبداً﴾ رواه البزَّار (١٠١٨) والبيهقي.
стр. 257
٦- عن سعيد بن المسيِّب [أن عمر نهى عن القُبلة للصائم] رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٧٦) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط باختلاف في الألفاظ.
٧- عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر العُذْري - وكان رسولُ الله ﷺ قد مسح على وجهه وأدرك أصحابَ رسول الله ﷺ قال ﴿كانوا ينهَوْني عن القُبلة تخوُّفاً أن أتقرَّب لأكثرَ منها، ثم المسلمون اليوم ينْهَوْن عنها، ويقول قائلهم: إن رسول الله ﷺ كان له من حفظِ الله ما ليس لأحد﴾ رواه أحمد (٢٤٠٦٩) ورجاله رجال الصحيح. فأقول لهؤلاء ولغيرهم ما يلي:
стр. 258
...الحديثُ الأول مختلَفٌ فيه، فمنهم من صححه، ومنهم من ضعَّفه وأنكره، فيجوز أخذُه والعمل به. والحديث الثاني فيه عبد الله بن لهيعة، والكثيرون على أن رواياته ضعيفة، وحسَّنها بعضُهم، فلْنقبل الحديثَ على ضعفٍ فيه. والحديث الثالث فيه إسرائيل، ضعَّفه ابن حزم ويحيى القطان وعلي بن المَديْني وعبد الرحمن بن مهدي، وفيه أبو العنبس لا يُدْرَى مَن هو، قاله ابن حزم. وقال الذهبي إنه مجهول لا يُعرف. فيترك الحديث. والحديث الرابع قال عنه الدارَقُطني [راويه مجهولٌ لا يثبت] وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة: إِسناده ضعيف، لاتفاقهم على ضعف زيد بن جُبَير، وضعف شيخه أبي يزيد الضِّنِّي. وقال الزُّبيري: حديثٌ منكر وأبو يزيد مجهول. وفيه أيضاً إسرائيل ضعَّفه ابن حزم والقطان وعلي بن المَديني. فالحديث ضعيف جداً فيترك والحديث الخامس قال البزَّار [لا نعلمه عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا اللفظ، وقد رُوي عن عمر عن النبي ﷺ بخلاف هذا] وقال البيهقي [تفرَّد به عمر بن حمزة] وعمر هذا ضعَّفه يحيى بن معين والرازي وغيرهما. ثم إن هذا الحديث يناقض ما ورد من قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بإباحة القبلة، وعليه فإن هذا الحديث مردود. والحديث السادس فيه انقطاع بين سعيد بن المسيِّب وعمر بن الخطاب، إضافة إلى أنه أثر وليس حديثاً مرفوعاً فلا حُجَّةَ فيه فيترك. والحديث السابع رجاله رجال الصحيح، ولكنه أثر وليس حديثاً مرفوعاً فلا حُجَّةَ فيه فيترك. فيبقى عندنا الحديث الأول والحديث الثاني فقط، على ضعفٍ فيهما.
стр. 259
...أما الحديث الأول فهو يدل على جواز التقبيل أكثر مما يدل على كراهته، وذلك أن تشبيه التقبيل بالمضمضة هو دليل على الجواز، لجواز المضمضة في الصيام، وكان بإمكانهم أن يقفوا عند هذه الدلالة الواضحة، إلا أنهم لم يقفوا عندها بل قالوا: حيث أن المضمضة يمكن أن يتسرب الماء منها إلى الحلق، فكذلك القُبلة يمكن أن تؤدي إلى تحرُّك الشهوة. فمثل هذا التأويل المتعسِّف هو من الضعف بحيث لا يحتاج إلى بذل أيِّ جهدٍ لردِّه.
...وأما الحديث الثاني فإن قول رسول الله ﷺ (إن الشيخ يملك نفسه) هو مثل قول عائشة (ولكنه أملكُكم لإِرْبِه) والقصد من العبارتين الخوف من الجماع لا الخوف من تحرُّك الشهوة، فمن خاف على نفسه من أن تؤدي به القُبلة إلى الجماع امتنع عنها، ومن لم يخف ذلك فلا بأس بالقُبلة وهي جائزة. أما تحرُّكُ الشهوة فإن الأَعَمَّ الأَغْلَبَ أن التقبيل يحرِّك الشهوة، فلو كان تحرُّك الشهوة هو العلة من النهي لصار التقبيل محظوراً على الجميع، وهو مُعارَض بالأحاديث الكثيرة القائلة بالجواز. وإذن فليس في هذه الأحاديث السبعة ما يعضد دعواهم بكراهة التقبيل أو بتحريمه، وليس فيها ما يدل على أن تحريك الشهوة محظور. والآن نعود إلى النقطتين المذكورتين قبل قليل، فنقول ما يلي:
стр. 260
...أما الإدعاء بأن التقبيل هو من خصوصيات رسول الله ﷺ ، فمردودٌ جملةً وتفصيلاً لأن التقبيل فعل مشترك من شخصين، فالقول إِن التقبيل خاص بالرسول ﷺ يُوجبُ إِلحاقَ أزواجِه بهذه الخصوصية، ويجعلنا نقول إن القُبلة في الصيام هي من خصوصيات رسول الله ﷺ وأزواجه، وهذا منتفٍ تماماً ولم يقلْ به أحد. ويكفي للرد على دعوى هذه الخصوصية أن الحديث الأول يقول (يقبلني وهو صائم وأنا صائمة) ، (فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبلني) وقول عائشة الصريح في البند السابع (ما يحلُّ للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: كل شيء إلا الجماع) فدعوى الخصوصية للرسول ﷺ هنا هي دعوى باطلة.
...أما النقطة الثانية القائلة إن غير رسول الله ﷺ لا يملك إِرْبَه، فالرَّد عليها آتٍ من جميع الأحاديث القائلة بالجواز، إِذ لو كان غير الرسول ﷺ لا يملكون أنفسهم لوجب تحريم التقبيل عليهم. وعليه فإنَّا نقول إن القُبلة حلال للصائم، وإنها لا تفطِّر الصائم ولو حرَّكت الشهوة، وإن المباشرة حلالٌ للصائم وإنها لا تفطِّر الصائم ولو حرَّكت شهوته.
стр. 261
...بقيت مسألة الاستمناء أو استخراج المني، هل يُفطِّر الصائم؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن الاستمناء وإنزال المني بفعلٍ مقصودٍ من الرجل يُفطِّر الصائم، أما إن كان نزول المني بفعل غير مقصود، كأن نظر الرجل إلى جسد امرأته فأنزل، أو تفكَّر فأنزل فلا يفطِّر الصائم، ولا يفطِّر الصائمَ عندهم الاحتلامُ ولو نزل المني. قال النووي: من قبَّل فأنزل بطل صومه. وقال ابن قدامة في كتاب المغني: إن قبَّل فأنزل بطل صومه بلا خلاف. وقد مرَّ قول مالك: من باشر أو قبَّل فأَنْعَظَ ولم يُمْذِ ولا أنزل بطل صومه وقضى. ومفهوم قول مالك أن بطلان الصوم من حصول الإنزال هو من باب أولى. بل إن عدداً من الفقهاء قالوا إن الرجل إذا أمذى، أي أنزل المذي بطل صومه!! وهو قول مالك وابن قدامة وإسحق. وفي المقابل ذهب ابن حزم إلى أن الاستمناء وإِنزال المني بفعلٍ مقصودٍ وغيرِ مقصود لا يفطِّر الصائم.
...والحق أن هذه المسألة لم تذكرها النصوص، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ولا حتى من أقوال الصحابة، اللهم إلا ما رواه عبد الرزاق (٧٤٥٢) عن حذيفة ﵁ (أن من تأمَّل خَلْقَ امرأةٍ وهو صائم بطل صومه) فهذا الأثر قد ضعَّف ابن حجر إِسناده، إضافةً إلى أن الأحاديث كلها تدحض هذا القول. وإن هؤلاء القائلين ببطلان الصوم من إنزال المني إنما قاسوا إنزالَ المني على الجماع وأعطَوْه حكمَه، فشمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير يقول [أن يُمني فيُفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين، ولأنه أنزل بمباشرةٍ أشبه الإنزال بجماع دون الفرج] .
...وحيث أن هذه المسألة غير واردة في النصوص، وحيث أنني التزمت في هذا الكتاب بفقه النصوص فحسب، فإنني اكتفيت باستعراض الآراء السابقة دون تعليق عليها.
الحِجامةُ:
стр. 262
...الحجامة هي شق جلدة الرأس بآلة تسمى المِحْجَم أو المِحْجَمة، وقيام الحاجم بمصِّ الدم الخارج من الشق، وذلك عند وفرة الدم في البدن وفَوَرانه. والغالب في الحجامة أن تكون في الرأس، فعن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنةَ ﴿أن النبي ﷺ احتجم بطريق مكة وهو مُحْرِمٌ وَسَطَ رأسه﴾ رواه مسلم (٢٨٨٦) .
...وقد اختلف الفقهاء، ومِن قبلهم الصحابةُ، في الحجامة هل تفطِّر أم لا تفطِّر؟ فذهب محمد بن سيرين والحسن البصري وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه وأبو ثور والأوزاعي والداودي من المالكية، ومحمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حِبَّان من الشافعية إلى أن الحجامة تفطِّر الصائمَ الحاجمَ والمحتجمَ، وأوجبوا عليهما القضاء، بل إن عطاء أوجب عليهما أيضاً الكفَّارة، وهو قول شاذٌ. ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة من الصحابة ﵃.
...وذهب سعيد بن المسيِّب وعُروة بن الزبير والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري إلى أن الحِجامة لا تفطِّر الصائم، وروي ذلك من الصحابة عن أم سلمة وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري، وعن عائشة وعبد الله بن عمر في الرواية الثانية عنهما. وحتى نستطيع معرفة أي الحكمين هو الصحيح، لا بد من استعراض النصوص التالية:
١- عن ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ رواه أبو داود (٢٣٦٧) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والدارمي وابن خُزيمة. وإسناده صحيح على شرط البخاري.
стр. 263
٢- عن شدَّاد بن أوس ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ أتى على رجلٍ بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخِذٌ بيدي لثمانَ عَشْرَةَ خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم﴾ رواه أبو داود (٢٣٦٩) وأحمد والنَّسائي وابن ماجة والدارمي. ورواه ابن حِبَّان (٣٥٣٤) والبيهقي بلفظ ﴿كنت مع رسول الله ﷺ إلى البقيع زمانَ الفتح ... ﴾ .
٣- عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٣٥) والترمذي وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي والطبراني والحاكم. وصححه ابن المَدِيني، ذكر ذلك ابن خُزيمة والحاكم. وقال الترمذي [حسن صحيح] وقال أحمد بن حنبل: حديث شدَّاد بن أوس أصحُّ حديث يُروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع إسنادٌ جيد. وقال: حديث ثوبان وشدَّاد صحيحان. وقال ابن قدامة: رواه عن النبي ﷺ أحدَ عشرَ نفساً.
٤- عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه ﴿أن النبي ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، واحتجم وهو صائم﴾ رواه البخاري (١٩٣٨) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. ورواه أحمد (١٩٤٣) والبيهقي بلفظ ﴿احتجم رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة وهو صائمٌ مُحْرِمٌ﴾ .
стр. 264
٥- عن ثابت البُناني قال ﴿سُئِل أنس بن مالك ﵁: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف – زاد شبَّابة: حدثنا شُعْبة: على عهد النبي ﷺ ﴾ رواه البخاري (١٩٣٩) وأبو داود والبيهقي. وروى البيهقي (٤/٢٦٨) والدارَقُطني عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿أول ما كرهتُ الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب ﵁ احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبي ﷺ ، فقال: أفطر هذان، ثم رخَّص النبي ﷺ بعدُ في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم﴾ . قال الدارَقُطني [كلهم ثقات ولا أعلم له علة] .
٦- عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿ثلاثة لا يفطِّرن الصائم: القيءُ والحِجامةُ والاحتلامُ﴾ رواه البزَّار (١٠١٦) ورواه الدارَقُطني (٢/١٨٣) والطبراني في المعجم الأوسط من طريق أبي سعيد الخدري ﵁. وقد مرَّ في بحث [القيء] من هذا الفصل.
٧- عن أبي سعيد ﵁ قال ﴿رخَّص النبي ﷺ في القُبلة للصائم، ورخَّص في الحِجامة للصائم﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣٢٢٤) والدارَقُطني والطبراني في المعجم الأوسط. ورواه البزَّار (١٠١٢) بلفظ ﴿أن النبي ﷺ رخَّص في الحِجامة للصائم﴾ ورجاله رجال الصحيح. ورواه ابن حزم وصححه. أما ابن خُزيمة فصحَّح وقفه على أبي سعيد. فأقول ما يلي:
стр. 265
...إن مما لا شك فيه أن الأحاديث الثلاثة الأولى وهي صالحة للاحتجاج، تصلح دليلاً على أن الشرع الحنيف قد حظر على الصائم أن يَحتجم، وجعل الاحتجام من مبطلات الصوم، وأن أي تأويل لهذه النصوص البالغة الوضوح هو ردٌّ لها وإِبطالٌ لها من مثل قولهم: إن الحاجم والمحجوم كانا يغتابان في صومهما، فقيل ما قيل. حتى قال الشافعي: وعلى هذا التأويل يكون المراد بإفطارهما أنه ذهب أجرُهما. ومن مثل ما ذكره الخطابي أن معناه أنهما تعرَّضا للفِطر، أما المحجوم فلضعفه بخروج الدم فربما لحقته مشقة فأفطر، وأما الحاجم فقد يصل جوفَه شيءٌ من الدم إذا ضمَّ شفتيه. إلى غير ذلك من تأويلاتٍ أقل ما يقال فيها إنها باطلة. أما القول الأول فالردُّ عليه من وجوه:
أولاً: إن الغيبة لا تفطِّر الصائم على الرأي الأصح حتى يقال إنهما كانا يغتابان.
وثانياً: إن أحاديث (أفطر الحاجم والمحجوم) قد وردت في أحوالٍ عدة، فلا يُتصوَّر فيها كلِّها وجودُ الغيبة، ثم إِنَّ الأحاديث هذه قد خلت من ذِكر الغيبة، فمن أين أتوَا بها؟ .
وثالثاً: إن التأويل لا يصح تأويله لأن التأويل في ذاته ضعيف نوعاً، فإن هو أُوِّلَ صار ضعيفاً بلا شك، فتأويل الأحاديث بالقول إِنهما أفطرا لأنهما كانا يغتابان لا يصح أن يجري تأويله بالقول إنه يُؤوَّل بأنه قد ذهب أجرُهما.
...وأما القول الثاني الذي ذكره الخطَّابي وهو أنهما تعرضا للفطر، ثم راح يُفسِّر هذا القول باحتمال لحوق مشقة به وضعف، أو باحتمال وصول شيء من الدم إلى جوف الحاجم، فالردُّ عليه هو أن الفقه لا يُبنى على الاحتمالات، وخاصة إن كانت الاحتمالات غير محتمَلَة!! أما أنها غير محتمَلة هنا، فهو أن الإقرار بهذا الاحتمال يجعلنا نقول إن المضمضة تفطِّر الصائم، لاحتمال أن يصل شيء من الماء إلى جوف الصائم عند الوضوء، فنحظر المضمضة على الصائم؟!
стр. 266
... وفي المقابل وجدنا بعض الفقهاء يقولون إِن الحجامة تفطِّر الصائم، واقفين عند هذه النصوص الثلاثة والنصوص الأخرى المماثلة دون أن يتعبوا أنفسهم في قراءة ما بعدها، وإن هم قرأوها أوَّلوها هم أيضاً، كقولهم عن الحديث في البند الرابع إن النبي ﷺ حينما احتجم وهو مُحْرِم، إنما كان ذلك وهو ذاهبٌ إلى الحج، أي وهو مسافرٌ، والمسافر لا يصوم، وإن الرسول ﷺ ثبتت عنه عدة روايات بأنه قد أفطر في السفر!! أي أنهم قالوا إن الرسول ﷺ حين احتجم في السفر إنما كان مفطراً ولم يكن صائماً! وهكذا ردُّوا الحديث بهذه البساطة وأغمضوا عيونهم عن الحديثين الخامس والسادس لصعوبة تأويلهما!
...إن كثيراً من خلافات الفقهاء والعلماء ناتجةٌ عن تناول قسم من النصوص في المسألة الواحدة وترك القسم الآخر، كأن يأخذوا بالأحاديث العامة ويَدَعوا الأحاديث المخصِّصة، أو يأخذوا بالأحاديث السابقة ويدعوا الأحاديث اللاحقة الناسخة، أو يقيسوا أشياء على أشياء وعندهم نصوص فيها لا يحتاجون معها إلى القياس، أو يستغرقوا في استحضار معاني الألفاظ كما تُوردها كلَّها معاجمُ اللغة، ثم ينتقوا المعنى المطلوب عندهم. ومن العلماء، وأخصُّ المتأخرين والمعاصرين، من يراعي المصلحة والبلاء العام فيبيح ما حرَّمه الله ورسوله، وقد وجدت ذلك كله في قراءاتي لكتب الفقه، ولو أن الفقهاء والعلماء يتفقون على ترك كل ما سبق لتضاءلت الخلافات بينهم إلى درجة كبيرة وكبيرة جداً. وكمثال على ما نقول ما نحن بصدده الآن:
стр. 267
...إن الأحاديث الثلاثة الأولى تذكر أن الحِجامة تفطِّر الصائم، ولكن هذه الأحاديث ليست وحدها في هذه المسألة، فعندنا النص الرابع يذكر أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم وهو حديث صحيح، ولو لم يكن عندنا مع الأحاديث الثلاثة إلا هذا الحديث لاختلف فهمنا لهذه المسألة لوجود التعارض بينهما كما يظهر، ولكن النظر في جميع النصوص في المسألة الواحدة يمنع الاختلاف كما ذكرنا أو يقلِّصه فجاء الحديث الخامس يذكر أن الحجامة كانت أولاً تفطِّر الصائم، ثم جرى الترخيص بها بعدئذٍ، وجاء الحديث السابع يؤكد هذا المعنى بلفظة (رخَّص) والمعلوم أن لفظة (رخَّص) لا تَرِدُ عادةً إلا بعد التحريم ولا تَرِدُ ابتداءً، فكلمة رخَّص في ذاتها تدل على أن ما قبل ذلك لم يكن مرخَّصاً به. وإذن فإنه لا مندوحة لنا، وقد نظرنا في هذه النصوص، عن القول بوجود نسخ في هذه المسألة، أي نسخ الحكم المستفاد من الأحاديث الثلاثة الأولى.
...وقد يقول قائل إن حديث شداد في البند الثاني حصل زمانَ الفتح، وقد كان الفتح – أي فتح مكة - في العام الثامن من الهجرة وهذا يعني أن القول بإِفطار الحاجم والمحجوم جاء متأخراً، فلا نسخ إذن؟ فنجيبه بأن ابن عباس ﵁ الذي روى الحديث الرابع كان قد صحب النبي ﷺ في حجة الوداع، ولم يصحبه مُحْرِماً قبل ذلك، وحجة الوداع حصلت في العام العاشر من الهجرة، أي أنها حصلت بعد فتح مكة بعامين اثنين، فيكون قول الحديث الرابع متأخراً عن قول الحديث الثاني بعامين، وبذلك يكون حديث ابن عباس ناسخاً لما قبله، وهذا وحده يكفي للردِّ على هؤلاء، ثم جاء الحديث السادس يثبِّت القول بعدم الإِفطار من الحجامة.
стр. 268
...أما عن الحديث الخامس الذي رواه البخاري، والذي يذكر كراهة الحجامة، ويذكر أن علة هذا الحكم هي ما يصيب المحتجِم من ضعف نتيجة خروج الدم منه، فإن لقائلٍ أن يقول: إن حكم الكراهة – وقد يُطلق الفقهاء هذه اللفظة ويعنون بها التحريم – باقٍ وأنه لم يُنسَخ لأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، وحيث أن العلة في هذا الحديث ثابتة وباقية، لأن الضعف الذي يطرأ على المحجوم لا يتخلف، فإن الواجب إِعمالُ هذه العلة والقولُ من ثمَّ بكراهة الحجامة أو بحرمتها؟ فنرد على هذا القول من عدة وجوه:
...أولاً: إن هذا القول هو قولٌ لأنس بن مالك وليس قولاً مرفوعاً لرسول الله ﷺ حتى يعتبر دليلاً شرعياً يجب الالتزام به.
...ثانياً: إن تعليل كراهة الحجامة بأنه الضعف، ينطبق على المحجوم، ولا ينطبق على الحاجم. فالمحجوم قد يضعف من خروج الدم منه وليس كذلك الحاجم. فكيف نكره الحجامة للاثنين معاً؟ إن هذا الحال يجعلنا نشك في صحة نسبة هذا القول لأنس ﵁، كما يجعلنا نشك أكثر في نسبة هذا القول إلى الرسول ﷺ .
...ثالثاً: إن السبب في احتجام الشخص، هو ما يشعر به من وفرة دمه وفَوَرانه، وقوةِ ضغطه، وما يلحقه بسبب ذلك من اضطراب في صحته، فيلجأ إلى الاحتجام لإزالة الاضطراب، ولإراحة بدنه مما يعاني، فكيف يقال مع هذا إن الحجامة تُلحق بالبدن ضعفاً يُلْجِيءُ إلى الإفطار؟
...رابعاً: أما القول إن العلة باقية وإنه يصح القياس عليها فهذا قول صحيح، ولكنه إنما يكون كذلك إن كان الحكمُ مُحْكَماً وثابتاً لم ينسخ، وفي مسألتنا هذه لا يقال ذلك لأنَّ الحكم منسوخٌ.
......لهذه الأمور الأربعة فإننا نقول: إن هذا الحديث لا يصح أن يُنظر إليه على أنه معارِضٌ للقول بجواز الحجامة. وبذلك يثبت عندنا حكم جواز الحجامة للصائم.
стр. 269
......وبناء على ما سبق، أي بناء على جواز الحجامةِ للصائم، وهي خروج الدم وإخراجه من البدن، فإنَّا نقول ما يلي:
١- إن عملية التبرع بالدم في أيامنا المعاصرة هي في واقعها إخراجُ الدمِ من البدن، وحيث أن إخراج الدم جائز ولا يفطِّر الصائم، فإنَّا نقول إن عملية التبرع بالدم لا تفطِّر الصائم.
٢ - إن الجِراح وما يرافقها عادةً من خروج الدم، سواء كان ذلك في القتال في سبيل الله، أو في حادث سيارة، أو في إطلاق نارٍ في عرسٍ أو شِجارٍ، أو نتيجةَ سقوطٍ من مكان مرتفع، أو في غير ذلك من الحالات لا تفطِّر الصائم.
٣ - إن عملية غسيل الكُلَى، وهي عبارة عن خروج الدم من الجسد ليصبَّ في جهاز التنقية، ثم يعود بعد التنقية إلى الجسد، هذه العملية لا تفطِّر الصائم، لأن خروج الدم في هذه العملية هو كخروجه في الحِجامة، فهما فعلٌ واحد، فما ينطبق على الحجامة ينطبق على هذه العملية تماماً.
٤ - إن سحب الدم بإبرة من أجل إجراء فحص طبي في المختبر على هذا الدم جائز هو الآخر ولا يفطِّر الصائم.
٥ – إن مصَّ الدم بواسطة دودة العلق لا يفطِّر الصائم، والعلق، ومفردها عَلَقَة، هي دودة تعيش في الماء تُستخدم في مصِّ الدم من الجسد كعلاج.
...فخروج الدم، أو إخراجه من البدن لا يفطِّر الصائم، مهما كانت الدواعي والأسباب لهذا الخروج أو الإِخراج.
الاكتحالُ:
стр. 270
...اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال هل هو جائز للصائم لا يُفطِّر أم هو مكروه أم هو حرام مُبْطِلٌ للصوم؟ فذهب إلى أن الاكتحال يُبطل الصيام ابن شُبرُمة وابن أبي ليلى ومنصور بن المعتمِر وسليمان التيمي، ذكر ذلك ابن المنذر. وذهب إلى كراهة الاكتحال للصائم مالك وأحمد وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وإسحق. وقال مالك وأحمد: إِلاَّ أن يصل الكحلُ إلى الحلق فيفطِّر. وذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور والأوزاعي وداود بن علي وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن شهاب الزهري إلى حكم الجواز وأنه لا يفطِّر بحالٍ، وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وأنس ابن مالك وابن أبي أوفى من الصحابة رضوان الله عليهم.
...والحق أن هذه المسألة هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى وقفة طويلة لبيانِ أن الاكتحال جائز للصائم وللصائمة وأنه لا يفطِّر بحالٍ من الأحوال إذ لم يُرو عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من صحابته حديثٌ واحدٌ صحيحٌ أو حسنٌ ينهى الصائم عن الاكتحال، لا نهياً جازماً ولا نهياً غير جازم، وكذلك لم يُرو عنه ﵊ أيُّ حديث صحيح أو حسن يجيزه للصائم، فكون النصوص لم تُدرجْه في باب المبطلات، فإن ذلك يدلُّ على أنه من الأفعال الجائزة في الصوم. أما ما رُوي من أحاديث تجيز الاكتحال أو تنهى عنه، فكلها أحاديث ضعيفة أو منكَرَة لا تصلح للاحتجاج مطلقاً، أذكر منها على سبيل المثال:
стр. 271
١- عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هَوْذة عن أبيه عن جدِّه عن النبي ﷺ ﴿أنه أمر بالإِثْمِد المروَّح عند النوم، وقال: لِيَتَّقِهِ الصائم﴾ رواه أبو داود (٢٣٧٧) . ورواه الدارمي (١٧٣٤) والبيهقي بلفظ ﴿لا تكتحل بالنهار وأنت صائم واكتحل ليلاً بالإثمِد فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر﴾ والإِثْمِد: هو حجرٌ أسودُ معروفٌ يُسحَق ويُعمَل منه الكحل. والمروَّح: أي المطيَّب بالمسك أو بغيره من أنواع العطور والطيب.
٢- عن أبي رافع قال ﴿كان رسول الله ﷺ يكتحل بالإثمِد وهو صائم﴾ رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٩٣٩) والبيهقي. قال الهيثمي [مِن رواية حِبَّان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وقد وُثِّقا وفيهما كلام كثير] .
٣- عن الزبيدي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ﴿اكتحل رسول الله ﷺ وهو صائم﴾ رواه ابن ماجة (١٦٧٨) والبيهقي وابن عَديٍّ.
стр. 272
...الحديث الأول بعد أن ذكره أبو داود قال [قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكَرٌ، يعني حديث الكحل] فلا يصلح للاحتجاج. وهذا الحديث هو مستند ابن شُبرُمة وجماعته في القول بإبطال الكحل للصوم، فيسقط بسقوطِه قولُهم هذا. أما الحديث الثاني الذي يفيد أن الاكتحال جائز للصائم فهو حديث ضعيف، بل ضعيف جداً. ولقد أوهم الهيثميُّ القاريءَ بما قال، فالبخاري قال في كتابه التاريخ الكبير عن محمد بن عبيد الله: منكَر الحديث. وقال عنه يحيى بن معين: ليس بشيء هو وابنه معمر. ونقل ابن الجوزي عن الدارَقُطني تضعيفه له. وأن الرازي قال عنه: ذاهبُ الحديث. وقال البيهقي: ليس بالقوي. أما حِبَّان بن علي فإنه وإن وثَّقه ناس فقد قال عنه ابن أبي خيثمة: ليس حديثه بشيء. وقال أبو داود: لا هو ولا أخوه ولا أُحدِّث عنهما. وقال علي بن المَديني: لا أكتب حديثه. وقال أبو زُرعة: حِبَّان لين. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه ولا يُحتجُّ به. وقال البخاري: ليس عندهم بالقوي. وقال الدارَقُطني: متروك. وضعَّفه النَّسائي. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. فهذا الحديث ضعيف جداً فيترك. وأما الحديث الثالث فالزبيدي واسمه سعيد بن عبد الجبار ضعيف، وذكر البيهقي أنه من مجاهيل شيوخ بقية، ينفرد بما لا يتابَع عليه، فيُردُّ حديثه. وقل مثل ذلك بخصوص ما سواها من الأحاديث في هذا الباب، فكلها ضعيفة أو منكَرة لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً.
...وتبقى الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تجيز الاكتحال على العموم، وبشكل مطلق تبقى على عمومها وعلى إِطلاقها من الجواز في كل الأحوال والأوضاع، ومنها حالة الصيام. أما أقوالهم بأن الكحل إن وصل إلى الحلق فطَّر الصائم، فلا أجد ما أردُّ به عليها بأكثر من أنها أقوال لا تستحق الاهتمام.
стр. 273
...فالكحل في حالة الصيام جائز، سواء منه ما كان من الإثمِد، أو ما كان من المواد الصلبة الأخرى أو السائلة الحديثة، وسواء منها ما وُضع بالمرود، أو ما وضع بالأقلام الحديثة، فكل ذلك جائز ولا دليل على حرمته.
...وما أقوله بخصوص الكُحل أقوله بخصوص قطرة العين، فإنه لا دليل من الشرع على أنها تفطِّر الصائم بل الدليل قائم على جوازها، لأن واقعها كواقع الماء في الأغسال والوضوء، فما يدخل العين من ماء أو دواء لا يفطِّر الصائم مطلقاً، وما قاله بعض الفقهاء من أن قطرة العين تصل إلى الحلق هو قول متهافت لا يُؤْبَهُ به ولا يُلتفَت إليه. ومثل قطرة العين قطرة الأذن فإنها لا تفطِّر، لأن واقعها كواقع الماء الداخل إليها في الأغسال والوضوء، وهو لا يفطِّر مطلقاً.
...أما قطرة الأنف فيُنظَر، فإن هي وصلت إلى الحلق وشربها الصائم فقد أفطر، إما إن وصلت الفم فبصقها الصائم فلا تفطِّر، فالأنف يختلف عن العين والأذن بكونه نافذاً إلى الفم كما هو معلوم ومعروف.
السِّواك:
ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى جواز التَّسوُّك للصائم أولَ النهار وآخِرَه أو قُل قبل الظهر وبعده. وذهب أحمد وإسحق إلى جوازه أول النهار، وكراهته بعد الزوال، أي بعد الظهر. وهو المشهور عند الشافعية خلافاً لما رُوي عن الشافعي.
واختلفت الرواية في التَّسوُّك بالعود الرطب، ومثله فرشاة الأسنان مع ما عليها من معجون، فرويت الكراهة عن أحمد وقتادة وعامر الشعبي والحَكَم وإسحق، ومالك في رواية. ورُوي القول بالجواز عن مالك في رواية ثانية، وعن مجاهد والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وعروة، كما رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵄.
...وقد استدل المجوِّزون بما يلي:
стр. 274
١- عن عامر بن ربيعة ﵁ قال ﴿رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم - زاد مسدَّد - ما لا أَعُدُّ ولا أُحصي﴾ رواه أبو داود (٢٣٦٤) والترمذي وحسَّنه. ورواه أحمد وابن خُزيمة والبيهقي وأبو داود الطيالسي والدارَقُطني والبزَّار. وقال البخاري [ويُذكر عن النبي ﷺ أنه استاك وهو صائم، وقال ابن عمر: يستاك أولَ النهار وآخِره ولا يبلع ريقه ... ] .
٢- عن مُجالِد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ ﴿مِن خير خصال الصائم السِّواكُ﴾ رواه ابن ماجة (١٦٧٧) والدارَقُطني والطبراني في المعجم الأوسط.
٣- وكذلك بالأحاديث الصحيحة الواردة في السِّواك مطلقاً دون تقييد، من مثل ما رواه أبو هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﵌ قال ﴿لولا أن أشقَّ على أمتي - أو لولا أن أشق على الناس - لأمرتُهم بالسواك مع كل صلاة﴾ . رواه البخاري (٨٨٧) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن حِبَّان وأحمد. فأقول ما يلي:
стр. 275
الحديث الأول وإن ضعَّفه ناس فقد حسَّنه الترمذي، وذكره البخاري تعليقاً، وهو المعروف عنه شدةُ التَّحَرِّي فيما يروي أو يقول، فيصح الاستدلال به. أما الحديث الثاني فضعيف لضعف مجالد. قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعِّفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد لا يراه شيئاً. وقال ابن معين: لا يُحتجُّ بحديثه. ومثله قال أبو حاتم. فيترك الحديث. أما الحديث الثالث الصحيح فهو وحده كاف في الاستدلال على أن الصائم يستاك، لأن الأمر بالسواك مع كل صلاة يشمل رمضان كما يشمل غيره، فهو حديث عام لم يخصَّص، ومطلق لم يقيَّد، فصلح للاستدلال به على مسألتنا. قال البخاري [وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتُهم بالسواك عند كل وضوء، ورُوي نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي ﷺ ، ولم يخصَّ الصائم من غيره ... ] .
...فالسواك مندوب ومسنون للصائم ولغير الصائم، وفي كل حين، قبل الزوال وبعده، ومن خصَّه بما قبل الزوال أو من كرهه على العموم للصائم، فليأتنا بدليل من الشرع ولا دليل. أما ادعاؤُهم أن الخُلُوف - وهو تغيُّر رائحة الفم عند الصوم - تُكره إزالتُه بالسِّواك في آخر النهار، لأن الخُلُوف كما ورد في الأحاديث أطيب عند الله من رائحة المسك، فيُندبُ بقاؤُه في آخر النهار وتكره إزالته، فهذا ليس دليلاً على كراهة السواك للصائم.
стр. 276
...أما ما يتعلق بالسواك من حيث رطوبته وجفافه وقولهم بكراهته إن كان رطباً فقول لا دليل عليه أولاً، وهو تفريق لا لزوم له في الحقيقة والواقع، وذلك أن السِّواك الجاف إن استاك به أحدٌ فإنه يبتلُّ باللُّعاب، فيصبح السِّواك رطباً له طعم في الفم مثله مثل السِّواك الرطب، فالحالان حال واحدة، وحكمهما حكم واحد، ولكن استعمال السواك في الحالين يُوجب لفظَ ما تجمَّع في الفم مما تحلَّل من مادة السواك وعدم بلعِه، ويُعفى عن اليسير مما لا يمكن التحرُّز منه.
إنَّ إِدخال أية مادة في الفم جائز للصائم سواء كانت هذه المادة مأكولة أو غير مأكولة، شرط عدم بلعها أو بلع أي جزء متحلِّل منها، مثلما نُدخِل الماء في الفم عند الوضوء، ونتحرى أن لا يدخل منه شيء في الحلق والبلعوم.
مسألةٌ:
стр. 277
ما ينطبق على ما يتحلَّل من مادة السِّواك ينطبق على ما يتحلَّل من مادة العلك إذا مضغها الصائم، فالصائم يجوز له أن يمضغ العلك شرط أن يلفظ ما يتجمع في فمه من مادته، وهذا إنما يكون إن كانت مادة العلك متحلِّلة، أما إن كانت مادة العلك غير متحلِّلة ولا يتحلَّب منها شيءٌ فلا شيء في مضغها. وممن رُوي عنهم القول بجواز مضغ العلك: عائشة أم المؤمنين ﵂ وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وعطاء ابن أبي رباح، ذكر ذلك ابن أبي شيبة (٢/٤٥٣) . فمضغ العلك رخَّص فيه أكثر العلماء إن كان لا يَتَحلَّبُ منه شيء، فإن تحلَّب منه شيء فازدرده، فالجمهور على أنه يفطِّر، وهو الرأي الصحيح. وقد ذهب في المقابل أصحاب الرأي والشافعي إلى القول بكراهة مضغ العلك. وروى البيهقي (٤/٢٦٩) عن أم حبيبة زوجِ النبي ﷺ ، أنها قالت: لا يمضغ العلكَ الصائمُ. وروى ابن أبي شيبة (٢/٤٥٤) وعبد الرزاق عن عدد من التابعين أنهم كرهوا مضغ العلك، منهم من روى ابن أبي شيبة عنهم القولَ بالجواز، ولم أر أحداً حرَّم مضغ العلك، وقال إنه يفطِّر الصائم.
أما قول من قال بالكراهة، فهو آتٍ عندهم من احتمالية بلع شيء من مادة العلك، فنردُّ عليهم بأن الاحتمالية لو كانت تصلح دليلاً، أو مُستَنَداً للقول بالكراهة لقلنا بها في التسوُّك، ولقلنا بها في المضمضة بالماء، لأن هذه وتلك حالٌ واحدة.
مسألةٌ:
...وكما قلنا، وحيث أن الفم لا يفطِّر دخولُ أيِّ شيء فيه، وحيث أن إدخال الماء في الفم في المضمضة والتَّسوك في الفم جائزان ويدعمان هذا القول، فإن القاعدة العامة تقول: إن إدخال أية مادة في الفم لا يفطِّر الصائم إلا إن بلع ما تحلَّل منها مما يمكن التحرُّزُ منه، أما إن لم يمكن التحرُّز منه كالقليل القليل فلا شيء فيه.
стр. 278
وبإقرار هذه القاعدة نقول إن تذوُّق الطعام جائز، وإن إدخال ميزان الحرارة في الفم لقياس درجة الحرارة جائز وإن حفر الأسنان وتلبيسها جائز ولا يفطِّر الصائمَ، ولا يُفْطِرُ الصائمُ إلا إن تسرَّب إلى حلقه شيءٌ من المواد الداخلة في فمه وبَلَعَهُ.
...أما بقايا الأكل بين الأسنان، فإنها إن بقيت في مكانها، فلا خلاف في أنها لا تفطِّر، ولا تفطِّر كذلك إن ازدرد الصائم شيئاً منها وكان يسيراً، لأن الشرع عفا عن اليسير مما لا يمكن التحرُّز منه. وأما إن تجمع في فمه منها كمية وشكلت جسماً يُبلع، أي جسماً يحتاج إدخاله في الجوف إلى عملية بلع وليس بجريانه مع الريق دون إحساس به، فإن الواجب طرحه ولفظه، فإن بلعه أفطر، حاله كحال بلع حبة عدس مثلاً.
قال محمد بن المنذر: أجمعوا - يقصد علماء المسلمين - على أنه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه، مما لا يقدر على إخراجه. وكان أبو حنيفة يقول: إذا كان بين أسنانه لحمٌ فأكله متعمِّداً فلا قضاء عليه. وقد خالفه الجمهور لأنه معدود من الأكل. والصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور، فإنَّ تعمُّدَ أكلِ اللحمِ العالقِ بين الأسنان، وقد أمكن لفظُهُ، يفطِّر الصائم.
...أما ما يضعه المريض بالقلب والجلطات من حبَةٍ تحت اللسان، لتذوب تدريجياً كعلاجٍ للحالة عند اشتدادها، فإن ذلك يفطِّر الصائم قولاً واحداً، إذ لا فرق بين بلع الحبة دفعةً واحدة وبين بلعها تدريجياً. ومثلها القطرة في الفم لتُشرب كعلاج كما هو الحال في التطعيم ضد الشلل، فإنها تفطِّر الصائم.
...فما يدخل الفم لا يفطِّر الصائم، إلا إن هو نزل إلى البلعوم، أي تمَّ بلعُه، فلْيحرص الصائم على صومه، وليحذر من أن يُفْطِر وهو لا يقصد.
قولُ الزُّورِ والغِيبةِ والجهلُ على الآخرين:
стр. 279
ذهب الجمهور إلى أن الغِيبة لا تفطِّر الصائم. قال أحمد بن حنبل: ومَن سَلِمَ من الغِيبة؟ لو كانت الغيبة تفطِّر ما كان لنا صوم. وذهب الشافعي إلى أن الإِفطار بالغِيبة محمول على سقوط أجر الصوم، وأنه مثل قول الرسول ﷺ للمتكلم وخطيبُ الجمعة يخطب (لا جمعة لك) ولم يأمره بالإعادة، فدلَّ على أنه أراد سقوط الأجر، قاله الصنعاني صاحب سبل السلام. فيما ذهب الأوزاعي وابن حزم ورواية عن أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى أن الغِيبة تفطِّر الصائم. وحتى يتبين لنا وجهُ الحق في هذه المسألة لا بد لنا من استعراض النصوص المتعلقة بها:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ ﴿من لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامَه وشرابَه﴾ رواه البخاري (١٩٠٣) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد. ورواه ابن ماجة (١٦٨٩) بلفظ ﴿من لم يَدَعْ قولَ الزور والجهلَ والعملَ به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه﴾ .
٢- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿مَن لم يدع الخَنَا والكذب فلا حاجة لله أن يدع طعامَه وشرابَه﴾ رواه الطبراني في المعجم الصغير (٤٧٢) وفي المعجم الأوسط. قال ابن حجر [رجاله ثقات] وفي المقابل قال الهيثمي [وفيه من لم أعرفه] قوله الخَنَا: هو الفُحْشُ في القول.
٣- عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال ﴿الصيام جُنَّة، فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، وإِن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فلْيقلْ إِني صائم، مرتين ... ﴾ . رواه البخاري (١٨٩٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. قوله فلا يرفث: أي فلا يتكلم بكلام فاحش، فهو هنا بمعنى الخَنَا الوارد في الحديث المار قبل هذا.
стр. 280
٤- وعنه رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﵌ قال ﴿لا تستابَّ وأنت صائم فإن سبَّك أحدٌ فقل إني صائم، وإن كنت قائماً فاْجلسْ﴾ رواه النَّسائي (٣٢٤٦) في السنن الكبرى. ورواه ابن حبَّان وأحمد وابن خُزيمة. وسنده صحيح.
٥- عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿الصوم جُنَّة ما لم يخرِقْها، قال أبو محمد: يعني بالغِيبة﴾ رواه الدارمي (١٧٣٣) والنَّسائي وأحمد. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٥٣٣) من طريق أبي هريرة ﵁ بلفظ ﴿الصيام جُنَّة ما لم يَخْرِقْهُ، قيل: وبم يَخْرِقُهُ؟ قال: بكذبٍ أو غِيبةٍ﴾ .
٦- عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ ﴿ما صام من ظلًّ يأكل لحوم الناس﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٢٣) . ورواه أبو داود الطيالسي (٢١٠٧) جزءاً من حديث طويل بلفظ ﴿ ... وكيف صام من ظلَّ يأكل لحوم الناس؟ ...﴾ .
هذا الحديث الأخير ضعيف جداً، فقد رواه يزيد بن أبان الرقاشي، ضعفه ابن سعد ويحيى بن معين. وقال فيه شُعْبة قولاً فاحشاً. وقال النَّسائي وأحمد: متروك الحديث. فيترك.
...والحديث الرابع لا دلالة فيه على مسألتنا، وهو لا يعدو كونَه ينهى الصائم عن التَّسابِّ، ويُرشد إلى كيفية التصرُّف حيال من سابَّ الصائم. ومثله أو قريب منه الحديث الثالث فهو والحديث الرابع ليسا في موضوع إن كانت الغِيبة أو الجهلُ يفطِّران الصائم أو لا يفطِّران.
فتبقى عندنا الأحاديث (١، ٢، ٥) وبدمج ما جاء في الحديثين (١، ٢) نقول إن قول الزور والعمل به، والجهل والعمل به، والخَنَا والكذب يجب أن يتركها الصائم، وإلا فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه، وكأن الحديثين حديث واحد، كلٌّ منهما ذكر أفراداً من المنهيَّات عنها في الصوم. فلْنتعامل مع الحديثين على هذا الأساس، فنقول ما يلي:
стр. 281
إن الله سبحانه أمر الصائم أن يترك عدداً من المنهيَّات عنها مبيِّناً أنه إن لم يترك هذه المنهيَّات عنها فإنه لا حاجة به إلى ترك الطعام والشراب. وبعبارة أخرى: إنْ من لم يترك هذه المنهيَّات عنها فإنه لا حاجة به إلى الصيام، إذ عبِّر الحديثان عن الصيام بترك الطعام والشراب.
فالحديثان يقرران أن الصيام هو ترك الطعام والشراب، ويطالبان مَنْ تركهما - أي من صام - بترك الزور وغيره، فمن صام وجب عليه أن يترك هذه المنهيَّات عنها، وهذا يعني أن ترك المنهيَّات عنها غير الصيام، فالصيام ينعقد بترك الطعام والشراب، وإذا انعقد الصيام فإن المطلوب معه تركُ هذه المنهيَّات عنها.
...وبذلك يظهر أن هناك مغايرة بين ترك الطعام والشراب، وبين ترك الزور وغيره، تركُ الطعام والشراب يُوجدان الصيام، بينما ترك الزور وغيره مجرد منهيَّاتٍ عنها في أثناء الصيام. وبذلك يظهر جلياً أن قول الزور وغيره ليس كتناول الطعام والشراب، ومن هذه المغايرة نخرج بالحكم: أَنَّ قول الزور وغيره لا يُسقط الصيام ولا يبطله، وإنما هو محظورٌ فحسب ينبغي للصائم أن يتركه، والفرق واضح بين المبطلات والمحظورات.
...وإن الحديث الخامس الذي يقول (الصوم جُنَّة ما لم يخرقها) والذي ذكر أن الغِيبة والكذب يخرِقانها يدل على ما ذهبنا إليه. وذلك أن خرق الجُنَّة، أي الترس، لا يعني تلفَه بالكلية، وإنما يعني إلحاقَ نقصٍ وأَذى فيه، وهذا يعني أَن الغِيبة والكذب يُلحقان بالصوم نقصاً كما يُلحق الخرق والثقب بالترس نقصاً وأذى، دون أن يصل هذا وذاك إلى حدِّ الإبطال والإتلاف التام.
стр. 282
...ومن ذلك يظهر صواب الرأي الذي نُسب للجمهور، وهو أن الغِيبة وما ذُكر معها لا تفطِّر الصائم. وأُضيف أنا إلى هذا القولِ القولَ إن الغِيبة وما ذُكر معها تُنقِص أجر الصائم وثوابَه، ولا تُحْبِطه كلَّه كما يقول الشافعي، وإِنَّ الصائمَ ليخسرُ من أجر الصيام وثوابه بقدر ما يرتكب من معاصٍ.
...أما لماذا جاءت هذه الأحاديث بعبارة (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ؟ فالجواب عليه هو أن القصد منها، والله أعلم، نهيُ الصائم نهياً شديداً، وتحذيرُه تحذيراً قوياً من ارتكاب معاصي الغِيبة وما ذُكر معها في أثناء الصوم. وهذه نكتة لطيفة وجليلة ينبغي لكل مسلم أن يقف عليها ويدركها.
أما هذه النكتة فهي أن الشرع عندما يأمر بعبادة من العبادات فإنه إنما يأمر بها المسلم من أجل أن يجني منها الثوابَ والأجرَ، فإن قام المسلمٌ بارتكاب معصيةٍ في أثناء هذه العبادة، فإنه بذلك يكون قد خرق القصد من عبادته، ولم يتنبه للغايةِ منها، وهو بدلاً من أن يَجْني ثواب العبادة وأجرَها يقوم بجني الآثام والسيئات، فيلغي بفعله هذا القصد من العبادة، ولذا جاء النص الشرعي يحذر المسلم من أن يحصد إثماً ومعصية في موسم حصاد الأجر والثواب، ليبقى موسمُ الأجرِ والثوابِ موسمَ أجرٍ وثوابٍ.
الفصل العاشر: قيام رمضان وليلة القدر
الفصل العاشر
قيامُ رمضان وليلة القدر
فضلُ قيام رمضان وليلة القدر:
ورد في فضل قيام رمضان عامةً وليلة القدر خاصةً عددٌ من الأحاديث النبوية الشريفة، أذكر منها ما يلي:
стр. 283
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٣٧) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ولفظ مسلم (١٧٨٠) والنَّسائي ﴿كان رسول الله ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك﴾ وجاءت العبارة عند البخاري (٢٠٠٩) هكذا ﴿ ... والناس على ذلك﴾ .
٢- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه - عبد الرحمن بن عوف – رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننتُ لكم قيامَه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيومِ ولدته أمه﴾ رواه النَّسائي (٢٢١٠) وابن ماجة وأحمد.
٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٢٠١٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والدارمي وابن حِبَّان.
٤- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿دخل رمضان، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كلَّه، ولا يُحْرَم خيرَها إلا محرومٌ﴾ رواه ابن ماجة (١٦٤٤) . ورواه أحمد والنَّسائي من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
стр. 284
قوله في الحديثين الأول والثاني (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه) هو بيانٌ لفضل قيام رمضان، وهل هناك ما هو أفضل للمسلم من غفران الذنوب؟ إن ابن آدم خطَّاء وإن ذنوبه لتوبِقُهُ وتدخلُه النار، فكان هو في أمسِّ الحاجة لمكفِّرات الذنوب وغفرانها حتى ينجو من النار ويدخل الجنة فكان أن أنعم الله سبحانه عليه بقيام رمضان ليغفر له ذنوبه ويكفِّرها ويغسله من الأوضار، ويجعله من أهل الجنة
...وقد جاء قول الحديثين (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له) بتقييد قيام رمضان بالإيمان والاحتساب ولم يجيء الأمرُ بالقيامُ مطلقاً، ليُعلِم القائمين أنه لا يكفي أن يقوموا الشهر المبارك رياءً وسمعةً، أو أنْ يقوموه وظيفةً كحالِ كثير من الأئمة اليوم الذين يؤُمُّون الناس ابتغاءَ الرواتبِ والمصالح، أو أنْ يقوموه قياماً صُورياً بأداء الصلوات نقراً كنقر الديك ينتظرون اللحظة التي يفرغون فيها من صلواتهم. نعم لا ينتظر هؤلاء وأمثالهم غفرانَ ذنوبِهم، ولا يظنُّ هؤلاء وأمثالُهم أنَّ القول النبوي ينطبق عليهم، فقيام رمضان كصيامه يجب أن يكون (إيماناً واحتساباً) أي يدفعهم إيمانهم للقيام به برغبةٍ وصدقٍ وإخلاصٍ، ويدَّخرون ذلك ليوم الحساب، محتسبين راغبين في قبوله من العلي العظيم، فليتنبه القائمون لهذه النقطة فإنها حاسمة.
...وقد خصَّ الله سبحانه رمضان ولياليَه بليلة القدر، وهي أشرف ليلة في العام، فكان اختصاص رمضان ولياليه بها فضلاً عظيماً فوق فضل عظيم، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة اخترنا منها الحديثين الثالث والرابع كنموذجَين لفضل قيامها ولخيرها، كي يزيد المسلمون فيها من صلواتهم ودعائهم وصدقاتهم وصنوف الخير المختلفة، فهي خير من ألف شهر، وقد نزل فيها عددٌ من آيات الله البينات:
стр. 285
١- قال تعالى ﴿حم O والكتابِ المُبينِ O إِنَّا أنَزلناه في ليلةٍ مُبارَكةٍ إنَّا كنا مُنْذِرِين O فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ عظيمٍ O أَمْراً من عندِنا إِنَّا كنا مُرسِلين O رحمةً من ربِّك إنه هو السميعُ العليمُ O﴾ الآيات الستُّ الأولى من سورة الدخان.
٢- وقال سبحانه ﴿إِنَّا أَنْزلناه في ليلةِ القَدْرِ O وما أَدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ O ليلةُ القَدْر خيرٌ من أَلْفِ شهرٍ O تَنَزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإِذنِ ربِّهم من كلِّ أمرٍ O سلامٌ هي حتى مطلعِ الفجرِ O﴾ الآياتُ الخمسُ الأولى من سورة القَدْر.
في الآية الرابعة من سورة الدخان قوله سبحانه ﴿فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ﴾ أي أن كل أمرٍ مُحْكَمٍ عظيمٍ يُقضَى ويقرَّر في ليلة القدر من العام إلى العام الذي يليه، فهي ليلة تقدير الأمور عند ربنا ، وهذا لا شك فيه فضلٌ أعلى ومنزلةٌ عليا لليلة القدر.
...أما في سورة القدر ففضل ليلة القدر بارز واضح كل الوضوح في كل آية منها ففي الآية الأولى بيان أن القرآن قد أنزله الله فيها، وفي الآية الثانية التنبيه إلى فضلها، وفي الآية الثالثة أنها خير من ألف شهر، وحيث أنَّ الشهر ثلاثون يوماً فهي إِذن خيرٌ من ثلاثين ألف يومٍ ليس فيها ليلة القدر، وفي الآية الرابعة بيان تنزُّلِ الملائكةِ وجبريل فيها من كل أمرٍ أبرمه الله وقضاه، وفي الآية الأخيرة بيان أنها سلام، أي سلام من الشرور حتى الصباح. ولهذا جاء في الحديث الرابع (من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كله، ولا يُحْرَمُ خيرَهَا إلا محرومٌ) اللهم لا تحرمناها ما دمنا أحياءً، وآتنا بفضلك خيرَها يا رب العالمين، آمين.
وقد روى أحمد (٢٥٨٩٨) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت ﴿يا نبي الله إنْ وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول؟ قال: تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني﴾ قال الترمذي [هذا حديث حسن صحيح] .
следующие страницы →