← Фикх общий

Фикх общий · id 2050

الجامع لأحكام الصيام

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (401 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إن الله سبحانه أمر الصائم أن يترك عدداً من المنهيَّات عنها مبيِّناً أنه إن لم يترك هذه المنهيَّات عنها فإنه لا حاجة به إلى ترك الطعام والشراب. وبعبارة أخرى: إنْ من لم يترك هذه المنهيَّات عنها فإنه لا حاجة به إلى الصيام، إذ عبِّر الحديثان عن الصيام بترك الطعام والشراب. فالحديثان يقرران أن الصيام هو ترك الطعام والشراب، ويطالبان مَنْ تركهما - أي من صام - بترك الزور وغيره، فمن صام وجب عليه أن يترك هذه المنهيَّات عنها، وهذا يعني أن ترك المنهيَّات عنها غير الصيام، فالصيام ينعقد بترك الطعام والشراب، وإذا انعقد الصيام فإن المطلوب معه تركُ هذه المنهيَّات عنها. ...وبذلك يظهر أن هناك مغايرة بين ترك الطعام والشراب، وبين ترك الزور وغيره، تركُ الطعام والشراب يُوجدان الصيام، بينما ترك الزور وغيره مجرد منهيَّاتٍ عنها في أثناء الصيام. وبذلك يظهر جلياً أن قول الزور وغيره ليس كتناول الطعام والشراب، ومن هذه المغايرة نخرج بالحكم: أَنَّ قول الزور وغيره لا يُسقط الصيام ولا يبطله، وإنما هو محظورٌ فحسب ينبغي للصائم أن يتركه، والفرق واضح بين المبطلات والمحظورات. ...وإن الحديث الخامس الذي يقول (الصوم جُنَّة ما لم يخرقها) والذي ذكر أن الغِيبة والكذب يخرِقانها يدل على ما ذهبنا إليه. وذلك أن خرق الجُنَّة، أي الترس، لا يعني تلفَه بالكلية، وإنما يعني إلحاقَ نقصٍ وأَذى فيه، وهذا يعني أَن الغِيبة والكذب يُلحقان بالصوم نقصاً كما يُلحق الخرق والثقب بالترس نقصاً وأذى، دون أن يصل هذا وذاك إلى حدِّ الإبطال والإتلاف التام.

стр. 282

...ومن ذلك يظهر صواب الرأي الذي نُسب للجمهور، وهو أن الغِيبة وما ذُكر معها لا تفطِّر الصائم. وأُضيف أنا إلى هذا القولِ القولَ إن الغِيبة وما ذُكر معها تُنقِص أجر الصائم وثوابَه، ولا تُحْبِطه كلَّه كما يقول الشافعي، وإِنَّ الصائمَ ليخسرُ من أجر الصيام وثوابه بقدر ما يرتكب من معاصٍ. ...أما لماذا جاءت هذه الأحاديث بعبارة (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ؟ فالجواب عليه هو أن القصد منها، والله أعلم، نهيُ الصائم نهياً شديداً، وتحذيرُه تحذيراً قوياً من ارتكاب معاصي الغِيبة وما ذُكر معها في أثناء الصوم. وهذه نكتة لطيفة وجليلة ينبغي لكل مسلم أن يقف عليها ويدركها. أما هذه النكتة فهي أن الشرع عندما يأمر بعبادة من العبادات فإنه إنما يأمر بها المسلم من أجل أن يجني منها الثوابَ والأجرَ، فإن قام المسلمٌ بارتكاب معصيةٍ في أثناء هذه العبادة، فإنه بذلك يكون قد خرق القصد من عبادته، ولم يتنبه للغايةِ منها، وهو بدلاً من أن يَجْني ثواب العبادة وأجرَها يقوم بجني الآثام والسيئات، فيلغي بفعله هذا القصد من العبادة، ولذا جاء النص الشرعي يحذر المسلم من أن يحصد إثماً ومعصية في موسم حصاد الأجر والثواب، ليبقى موسمُ الأجرِ والثوابِ موسمَ أجرٍ وثوابٍ. الفصل العاشر: قيام رمضان وليلة القدر الفصل العاشر قيامُ رمضان وليلة القدر فضلُ قيام رمضان وليلة القدر: ورد في فضل قيام رمضان عامةً وليلة القدر خاصةً عددٌ من الأحاديث النبوية الشريفة، أذكر منها ما يلي:

стр. 283

١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٣٧) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ولفظ مسلم (١٧٨٠) والنَّسائي ﴿كان رسول الله ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك﴾ وجاءت العبارة عند البخاري (٢٠٠٩) هكذا ﴿ ... والناس على ذلك﴾ . ٢- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه - عبد الرحمن بن عوف – رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننتُ لكم قيامَه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيومِ ولدته أمه﴾ رواه النَّسائي (٢٢١٠) وابن ماجة وأحمد. ٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿مَن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٢٠١٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والدارمي وابن حِبَّان. ٤- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿دخل رمضان، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كلَّه، ولا يُحْرَم خيرَها إلا محرومٌ﴾ رواه ابن ماجة (١٦٤٤) . ورواه أحمد والنَّسائي من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

стр. 284

قوله في الحديثين الأول والثاني (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه) هو بيانٌ لفضل قيام رمضان، وهل هناك ما هو أفضل للمسلم من غفران الذنوب؟ إن ابن آدم خطَّاء وإن ذنوبه لتوبِقُهُ وتدخلُه النار، فكان هو في أمسِّ الحاجة لمكفِّرات الذنوب وغفرانها حتى ينجو من النار ويدخل الجنة فكان أن أنعم الله سبحانه عليه بقيام رمضان ليغفر له ذنوبه ويكفِّرها ويغسله من الأوضار، ويجعله من أهل الجنة ...وقد جاء قول الحديثين (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له) بتقييد قيام رمضان بالإيمان والاحتساب ولم يجيء الأمرُ بالقيامُ مطلقاً، ليُعلِم القائمين أنه لا يكفي أن يقوموا الشهر المبارك رياءً وسمعةً، أو أنْ يقوموه وظيفةً كحالِ كثير من الأئمة اليوم الذين يؤُمُّون الناس ابتغاءَ الرواتبِ والمصالح، أو أنْ يقوموه قياماً صُورياً بأداء الصلوات نقراً كنقر الديك ينتظرون اللحظة التي يفرغون فيها من صلواتهم. نعم لا ينتظر هؤلاء وأمثالهم غفرانَ ذنوبِهم، ولا يظنُّ هؤلاء وأمثالُهم أنَّ القول النبوي ينطبق عليهم، فقيام رمضان كصيامه يجب أن يكون (إيماناً واحتساباً) أي يدفعهم إيمانهم للقيام به برغبةٍ وصدقٍ وإخلاصٍ، ويدَّخرون ذلك ليوم الحساب، محتسبين راغبين في قبوله من العلي العظيم، فليتنبه القائمون لهذه النقطة فإنها حاسمة. ...وقد خصَّ الله سبحانه رمضان ولياليَه بليلة القدر، وهي أشرف ليلة في العام، فكان اختصاص رمضان ولياليه بها فضلاً عظيماً فوق فضل عظيم، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة اخترنا منها الحديثين الثالث والرابع كنموذجَين لفضل قيامها ولخيرها، كي يزيد المسلمون فيها من صلواتهم ودعائهم وصدقاتهم وصنوف الخير المختلفة، فهي خير من ألف شهر، وقد نزل فيها عددٌ من آيات الله البينات:

стр. 285

١- قال تعالى ﴿حم O والكتابِ المُبينِ O إِنَّا أنَزلناه في ليلةٍ مُبارَكةٍ إنَّا كنا مُنْذِرِين O فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ عظيمٍ O أَمْراً من عندِنا إِنَّا كنا مُرسِلين O رحمةً من ربِّك إنه هو السميعُ العليمُ O﴾ الآيات الستُّ الأولى من سورة الدخان. ٢- وقال سبحانه ﴿إِنَّا أَنْزلناه في ليلةِ القَدْرِ O وما أَدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ O ليلةُ القَدْر خيرٌ من أَلْفِ شهرٍ O تَنَزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإِذنِ ربِّهم من كلِّ أمرٍ O سلامٌ هي حتى مطلعِ الفجرِ O﴾ الآياتُ الخمسُ الأولى من سورة القَدْر. في الآية الرابعة من سورة الدخان قوله سبحانه ﴿فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ﴾ أي أن كل أمرٍ مُحْكَمٍ عظيمٍ يُقضَى ويقرَّر في ليلة القدر من العام إلى العام الذي يليه، فهي ليلة تقدير الأمور عند ربنا ، وهذا لا شك فيه فضلٌ أعلى ومنزلةٌ عليا لليلة القدر. ...أما في سورة القدر ففضل ليلة القدر بارز واضح كل الوضوح في كل آية منها ففي الآية الأولى بيان أن القرآن قد أنزله الله فيها، وفي الآية الثانية التنبيه إلى فضلها، وفي الآية الثالثة أنها خير من ألف شهر، وحيث أنَّ الشهر ثلاثون يوماً فهي إِذن خيرٌ من ثلاثين ألف يومٍ ليس فيها ليلة القدر، وفي الآية الرابعة بيان تنزُّلِ الملائكةِ وجبريل فيها من كل أمرٍ أبرمه الله وقضاه، وفي الآية الأخيرة بيان أنها سلام، أي سلام من الشرور حتى الصباح. ولهذا جاء في الحديث الرابع (من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كله، ولا يُحْرَمُ خيرَهَا إلا محرومٌ) اللهم لا تحرمناها ما دمنا أحياءً، وآتنا بفضلك خيرَها يا رب العالمين، آمين. وقد روى أحمد (٢٥٨٩٨) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت ﴿يا نبي الله إنْ وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول؟ قال: تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني﴾ قال الترمذي [هذا حديث حسن صحيح] .

стр. 286

أوصافُ ليلة القدر: وردت في الأحاديث الشريفة أوصافٌ عديدةٌ لليلةِ القدر، منها أنها ليلة سَمْحةٌ طَلْقَةٌ لا حارةٌ ولا باردةٌ، ومنها أن الشمس تطلع صبيحَتَها بيضاءَ تترقرق لا شُعاعَ لها ومنها أنها تخلو من الشهب المتساقطة، ومنها أنها ساكنة ساجية. وهذه طائفة من الأحاديث التي تذكر هذه الأوصاف: ١- عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ﴿ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردةٌ، تصبح شمسُها صبيحَتَها صفيقةً حمراءَ﴾ رواه أبو داود الطيالسي (٢٦٨٠) والبزَّار. ورواه ابن خُزيمة (٢١٩٢) بلفظ ﴿ليلةٌ طَلْقةٌ، لا حارةٌ ولا باردةٌ، تصبح الشمسُ يومَها حمراءَ ضعيفةً﴾ قوله: صفيقة، في الرواية الأولى: فسَّرتها الروايةُ الثانيةُ بأنها تعني ضعيفة. ٢- عن زر بن حبيش قال: سمعت أُبيَّاً – بن كعب – رضي الله تعالى عنه يقول ﴿ليلةُ القدر هي سبعٌ وعشرون، هي ليلةٌ التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع بيضاءَ تَرَقْرَقُ﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٨٩) ومسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي. وهذا لفظ مسلم (٢٧٧٧) ﴿ ... قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها﴾ .

стр. 287

٣- عن عُبادةَ بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿ليلة القدر في العشر البواقي، مَن قامهن ابتغاءَ حِسْبتِهِنَّ فإن الله ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر: تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة، وقال رسول الله ﷺ : إن أَمارةَ ليلةِ القدر أنها صافيةٌ بَلْجةٌ، كأنَّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنةٌ ساجيةٌ، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يُرمَى به فيها حتى تصبح، وإن أَمارتها أن الشمس صبيحَتَها تخرج مستوية ليس لها شعاعٌ مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ﴾ رواه أحمد (٢٣١٤٥) وقال الهيثمي [رجاله ثقات] قوله بلجة: أي مشرقة. قوله ساجية: أي ساكنة. قوله مستوية: أي لا يشوب قرصَها شعاعٌ، فهي كالقمر. ٤- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿إني كنت أُرِيتُ ليلةَ القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي ليلة طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لا حارةٌ ولا باردةٌ﴾ رواه ابن خُزيمة (٢١٩٠) . ٥- عن جابر بن سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإني قد رأيتُها فَنُسِّيتُها، وهي ليلة مطرٍ أو ريح، أو قال: مطر وريح﴾ رواه البزَّار (١٠٣١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/١٩٦٢) بلفظه إلا أنه زاد ﴿ورعد﴾ ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .

стр. 288

هذا هو ما أوردته الأحاديث الصالحة للاستدلال من أوصاف ليلة القدر دون ما جاء من أوصافٍ أخرى لها في روايات وأقوالٍ سقيمةٍ هزيلةٍ من مثل [لا يُرسَلُ فيها شيطان ولا يُحْدَثُ فيها داء] عند ابن أبي حاتم. ومن مثل [أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كلَّ شيء يسجد فيها] عند الطبري. ومن مثل [أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة] عند البيهقي. وغير ذلك مما لا يصحُّ، إِضافة إلى مخالفته للواقع المحسوس. ...فليلة القدر تأتي معتدلةَ الحرارة في الصيف وفي الشتاء، بمعنى أن الليالي التي قبلها والتي بعدها ليست مثلَها في الاعتدال، وتكون ساكنة هادئة مشرقة كأن القمر فيها بدر، فلا رياح فيها ولا أعاصيرَ ولا ثورانَ غبارٍ ولا ضبابَ، ولا تُرى فيها شُهُبٌ ونيازكُ متساقطة، فهي ليلةٌ ترتاحُ فيها النفوس وتهدأ فيها الخواطر رحمةً من الله سبحانه لعباده العُباد في تلك الليلة المباركة الشريفة. ولم يخرج على هذه الأوصاف إلا ما جاء من وصفٍ في الحديث الخامس (وهي ليلةُ مطرٍ أو ريحٍ) ورغم أن الهيثمي قال إن رجاله رجال الصحيح، فإني لم أطمئن، لأن الأحاديث الصحيحة لا يناقض بعضُها بعضاً ولا تتعارض. وبالرجوع إلى السند وهو [حدثنا عبد الله، حدثني محمد بن أبي غالب، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن سِماك، عن جابر بن سمرة] وجدتُ ما يلي: أولاً: عبد الرحمن بن شريك قال عنه أبو حاتم: واهي الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ربما أخطأ، ذكر ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب، ولم يذكر أحداً وثَّقه أو ذكره بخير، فهذا الراوي ضعيف إذن.

стр. 289

ثانياً: عن سماك - بن حرب - قال عنه الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وكان شعبة يضعِّفه. وقال عمار: يقولون إنه كان يغلط، ويختلفون في حديثه. وكان الثوري يضعِّفه بعض الضعف. وقال ابن مبارك: سِماك ضعيفٌ في الحديث. وقال ابن حِبَّان في الثقات: يخطئ كثيراً. وقال النَّسائي: كان ربما لُقِّن فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يُلقَّن فيتلقن. ذكر كلَّ ذلك ابنُ حجر في كتاب تهذيب التهذيب، ورغم أن ابن حجر ذكر عن عدد أقلَّ ثناءهم عليه، فإنه لمما شك فيه أن هذا الراوي ليس من رجال الصحيح، وأراه أنا ضعيفاً، ويكفي قول النَّسائي: فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة، وهنا قد انفرد بروايةٍ عن أوصاف ليلة القدر مغايرةٍ للروايات الصالحة، وعليه فإن الحديث ضعيف فيُرَدُّ، ويُرد بالتالي الوصفُ الوارد فيه. ...أما وصف الشمس في صبيحة ليلة القدر بأنها تشرق لا شعاع لها، وأنها تكون حمراء ضعيفة وبيضاءَ تترقرق، فهو ليس وصفاً لها بقدر ما هو أَمارة على ليلة القدر تظهر عقب انصرامها.

стр. 290

وأقف عند هذه الأَمارة فأقول: إن الشمس آنذاك تشرق حمراءَ ضعيفةَ الشعاع كحالها عندما تتدلى للغروب، يسهل النظر إليها لأن أشعتها ضعيفة فلا تؤذي العيون، ولا بد من أنَّ ضعف شعاعها آنذاك آتٍ من حالة الجو، إما لكثرة رطوبةٍ، أو انتشارِ سُحُبٍ رقيقة أو ضبابٍ خفيف يحجب معظم أشعتها، يرسل الله سبحانه هذه الأشياء في ذلك الوقت لتكون حالةُ الشمس عندها أَمارةً على ليلة القدر، وإلا فإن الشمس في حقيقتها وطبيعتها ثابتة لا تتغير، بمعنى أن الشمس صبيحةَ تلك الليلة حالُها كحالِها صبيحةَ الأيام الأخرى من حيث طبيعتُها وشروقُها وشعاعُها، ولكن أشياءَ تطرأ على الحالة الجوية في تلك الليلة تُظهر الشمسَ بتلك الأوصاف الواردة، ولو كانت الشمس تخرج صبيحَةَ ليلةِ القدر على غير طبيعتها لأحسَّ بها الناس مسلمُهم وكافرُهم، ولكان في ذلك التحديدُ القطعيُّ لها، وهذا مناهِضٌ للواقع أولاً ومناهِضٌ للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي أبهمت التعيين، كما سنتبين ذلك في البحث اللاحق بحول الله سبحانه. ...أما ما نجده مسطوراً في كتب الصوفية والعُبَّاد، وما يقول به بعض الفقهاء من معاينةِ ليلةِ القدر والتَّحقُّقِ منها، ورؤيةِ بابِ السماءِ يُفتَح فيها عياناً، وخروجِ أنوارٍ ساطعةٍ من السماء فيها تغمرُ الكونَ، وغير ذلك من المشاهد والأمور الخارقة فلا يثبت منه شيء في الأحاديث، وهو لا يعدو أن يكون من القصص والحكايات التي يتناقلها العُبَّاد والزهاد وعدد من الفقهاء دون دليل، وليتهم يدلُّوننا على حديث صحيح واحد أو حسن يذكر حصول هذه الأمورِ ومشاهدتها. والعبادة في الشرعٌ لا بد لها من نصٍّ ولا نصَّ هنا فهي إِذن أُمورٌ خارجةٌ عن الشرع ولو كانت هذه المشاهدُ تحصل بالفعل لحصلت مع الصحابة رضوان الله عليهم، ولتناقلها الناس عنهم، وانتشرت وشاعت، وهم بلا شك أفضل عند الله ممن بعدهم، ولكن شيئاً من ذلك لم يُنقَل عنهم.

стр. 291

...والأَدهى من ذلك هو أنهم ربما أَسندوا حصولَ هذه الأمورِ إلى رُؤىً يرونها في نومهم، كأن يقول أحدهم: رأيت في منامي بابَ السماء يُفتح، وأشرقت منه أنوارٌ ربانيةٌ ساطعةٌ ملأت جَنَبَاتِ الكون. أو يقول أحدهم: رأيت الرسول ﷺ في تلك الليلة، وأعلمني أن الليلةَ هي ليلةُ القدر. وهؤلاء الناس يعتبرون الرؤى والمنامات أدلةً شرعيةً، أو كالأدلة الشرعية يأخذون منها الأحكام، فيقول أحدهم مثلاً: إن الرسول ﷺ قد أتاني الليلة وأمرني بأن أفعل كذا وكذا، وأنه يتوجب عليَّ تنفيذُ أمرِ الرسول ﷺ ، وهم يساوون بين أقواله ﵌ التي جاءت في الأحاديث المروية المسندة الصحيحة وبين ما يسمعونه منه في المنام، ويعتبرون كلا القولين من الشرع، وكأن الشرع لا زال يفيض علينا بالنصوص التي لا تنفذ ولا نهاية لها. وهذه بلا شك أُحْبُولةٌ من أحابيل الشيطان، والله سبحانه يقول ﴿ ... اليوم أكملتُ لكم دينكم ... ﴾ من الآية ٣ من سورة المائدة ولكنهم يتجاهلون ذلك ويرون أن الدين لا يزال يزداد بهذه الأحاديث التي يسمعونها في منامهم، وكأنَّ الدين عندهم لم يكتمل، وهذا بلا شك كفرٌ لا خفاء فيه.

стр. 292

...نعم إن رؤية الرسول ﷺ في المنام حقٌّ كما ورد في الأحاديث ولكن هذه الرؤية مشروطةٌ برؤيته ﵊ على حاله وصفاته دون تغيير، ومَنْ مِنْ هؤلاء الناس قد وقف على حاله وصفاته كلها حتى يتأكد لديه أن الشخص المرئي هو فعلاً الرسول ﷺ ؟ وحتى لو افترضنا حصولَ علمِنا بهذه الحال والصفات وأنها وُجدت في الشخص المرئي، فإن قول الرسول ﷺ في المنام ليس من الشرع وليست أقوالُه فيه من الأدلة الشرعية، ولا تجب طاعتها ولا تنفيذها، وهي لا تعدو كونَها مما يُطَمْئِنُ النفوسَ ويصقُلُها، فهي بشائرُ وأَماراتُ خيرٍ خاصةٌ بالرائي، والله سبحانه يقول ﴿ألا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ? الذين آمنوا وكانوا يتَّقونَ ? لهم البُشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكلماتِ الله ذلك هو الفوزُ العظيمُ ?﴾ الآيات ٦٢، ٦٣، ٦٤ من سورة يونس. والبُشرى هنا هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له كما ورد في الأحاديث. ليلةُ القدر متى هي ؟ قال ابن حجر في فتح الباري ما يلي [وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً، وتحصَّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثرُ من أربعين قولاً، كما وقع لنا نظيرُ ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشتركتا في إِخفاء كل منهما ليقع الجِدُّ في طلبهما] وذكر ستة وأربعين قولاً. وأنا الآن أذكر أبرزَها وأشهرَها، وأدع من يريد الوقوف عليها كلِّها ليطلبها في كتاب فتح الباري. القول الرابع: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قولٌ مشهورٌ عن الحنفية ...

стр. 293

القول الخامس: أنها مختصةٌ برمضان ممكنةٌ في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه ... وفي شرح الهداية الجزم به عند أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجَّحه السبكي في شرح المنهاج، وحكاه ابن الحاجب روايةً. وقال السروجي في شرح الهداية: قال أبو حنيفة إنها تنتقل في جميع رمضان، وقال صاحباه إنها في ليلة معينة منه مبهمة، وكذا قال النَّسَفي. القول العاشر: أنها ليلةُ سبعَ عشْرةَ من رمضان، روى ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم قال: ما أشك ولا أمتري أنها ليلةُ سبعَ عشرةَ من رمضان، ليلة أُنزل القرآن. وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضاً. القول الحادي عشر: أنها مبهَمَة في العَشْرِ الأوسط، حكاه النووي، وعزاه الطبراني لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقالت به الشافعية. القول الثالث عشر: أنها ليلةُ تسعَ عشْرةَ، رواه عبد الرزاق عن علي وعزاه الطبراني لزيد بن ثابت وابن مسعود، ووصله الطحاوي عن ابن مسعود. القول الرابع عشر: أنها أولُ ليلة من العَشْرِ الأخير، وإليه مال الشافعي، وجزمت به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي: إنه ليس مجزوماً به عندهم. القول الخامس عشر: مثلُ الذي قبله، إلا أنه إن كان الشهر تاماً فهي ليلة العشرين وإن كان ناقصاً فهي ليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع الشهر، وهو قول ابن حزم ... القول السابع عشر: أنها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس مرفوعاً: أُريتُ ليلةَ القدر ثم أُنسيتُها، فذكر مثل حديث أبي سعيد، لكنه قال فيه: ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين ... [وقد ذكر ابن حجر روايات بذلك عن معاوية وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيِّب وعائشة ومكحول] .

стр. 294

القول الثامن عشر: أنها ليلةُ أربع وعشرين ... [وقد أشار ابن حجر إلى حديث ابن عباس في هذا الباب وذكر حديث أبي سعيد، وأن ذلك رُوي عن ابن مسعود والشعبي وحسن وقَتادة. وذكر ابن حجر رواية لأحمد من طريق بلال: التمسوا ليلة القدر ليلة أربع وعشرين] . القول الحادي والعشرون: أنها ليلة سبع وعشرين وهو الجادة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة، وبه جزم أُبيُّ بن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم. وروى مسلم أيضاً من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: تذاكرنا ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ ﴿أيكم يذكر حين طلع القمرُ كأنه شقُّ جَفْنةٍ؟﴾ قال أبو الحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وروى الطبراني من حديث ابن مسعود ﴿سُئل رسولُ الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: أيُّكم يذكر ليلة الصهباوات؟ قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين﴾ ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة. وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم: رأى رجل ليلة القدر ليلة سبعٍ وعشرين. ولأحمد من حديثه، مرفوعاً: ليلةُ القدر ليلة سبع وعشرين. ولابن المنذر: من كان متحريها فلْيتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين وعن جابر بن سمرة نحوه، أخرجه الطبراني في أوسطه. وعن معاوية نحوه، أخرجه أبو داود، وحكاه صاحب الحِلْية من الشافعية عن أكثر العلماء. القول الخامس والعشرون: أنها في أوتار العَشْرِ الأخير، وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور والمُزَني وابن خُزيمة وجماعة من علماء المذاهب.

стр. 295

القول السابع والعشرون: تنتقل في العَشْرِ الأخير كله قاله أبو قُلابة ونصَّ عليه مالك والثوري وأحمد وإسحق، وزعم الماوَرْدي أنه متفق عليه، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير، ثم اختلفوا في تعيينها منه، كما تقدم ... [وذكر ابن حجر أحاديث أخرى تدعم هذا الرأي] . القول الثامن والعشرون: قال الشافعي: أرجاه ليلة إحدى وعشرين. وبعد أن أتى ابن حجر العسقلاني على ذكرها كلِّها وهي ستة وأربعون قولاً، قال معقِّباً [ ... وأرجحها كلِّها أنها في وِتر من العَشْرِ الأخيرِ، وأنها تنتقل كما يُفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتارُ العَشْر، وأرجى أوتار العَشْر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس وأرجاها عند الجمهور ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تقدمت أدلة ذلك ... ] . ...والحق أن هذه المسألة قد تضاربت النصوص فيها وتناقضت وتعارضت، فأخذ كل فريق نصاً أو أكثر من هذه النصوص واستنبط منها رأيه فيها، ولم يستطع التوفيق بينها كلِّها، ولا بيانَ وجهِ الخطأ في استدلالات غيره. والذي أود أن أسجِّله هنا هو أن معظم الخلافات الواقعة بين المذاهب والعلماء آتية من الأحاديث الضعيفة بصفة رئيسية، ومن التمسُّك بنص واحد أو بنصين وإِهمال النصوص الأُخرى، ولو أن الفقهاء تركوا الأحاديث الضعيفة ونظروا في كل النصوص الصالحة للاستدلال نظرةً متساويةً، ولم يُفردوا نصاً واحداً أو نصين بالنظر والاستنباط لضاقت الخلافات بينهم، ولتقلَّصت كثيراً.

стр. 296

...وبعبارةٍ أُخرى أقول ما يلي: إن معظم الخلافات بين الأئمة والفقهاء آتية إِما من الأخذ بالأحاديث الضعيفة - وهذه الأحاديث تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً يصل إلى درجة التناقض في كثير من الأحيان - وإما من عدم بذل الجهد الكافي للتوفيق بين النصوص الصحيحة، والاقتصار منها على نص واحد، أو نصين يراهما الفقيه كافياً لأخذ الحكم منهما وهو يرى أن عدداً من النصوص الصحيحة الأخرى قد تمت تنحيتها جانباً. وقد عمدت في هذا الكتاب كما عمدت في الكتاب السابق [الجامع لأحكام الصلاة] إلى ترك الأحاديث الضعيفة، وأعني بالضعيفة ما اتفق المحدِّثون على ضعفها، أما الأحاديث التي اختلف المحدِّثون فيها فربما أخذتها وربما تركتها وذلك تبعاً لموافقتها أو مخالفتها للأحاديث الصالحة للاستدلال. كما أنني عمدتُ إلى الأخذ بالأحاديث الصحيحة والحسنة، ووضعِها كلِّها على صعيد البحث، فإِن رأيت اختلافاً أو تعارضاً ظاهراً بينها عمدت بكامل الطاقة والوسع إلى إِعمالِها كلِّها ولو بالتأويل، فذلك أولى من إِهمال بعضها. والآن أعود إلى موضوعنا، فأقول بخصوص تعيين ليلة القدر، واختلافات الأئمة والفقهاء فيها ما يلي:

стр. 297

أولاً: إنه قد وردت أقوالٌ للفقهاء كثيرةٌ لم أجد لها سنداً من النصوص، رغم أن النصوص الصحيحة التي عالجت هذه المسألة هي من الوفرة بحيث لا تخفى عليهم. ومِن هذه الأقوال القولُ الرابع المار: أنها ممكنة في جميع السنة، وحيث أن القائلين بهذا القول لا يملكون نصاً شرعياً واحداً يدعم قولهم، فقد لجأوا إلى قول ابن مسعود ﵁ ﴿من يَقُم الحولَ يُصِبْ ليلةَ القدر﴾ الذي رواه مسلم (٢٧٧٧) من طريق زر بن حبيش، وأغفلوا أو تركوا عشرات النصوص النبوية الصحيحة والحسنة، ولا أظنهم يجهلون أن أقوال الصحابة ليست نصوصاً ولا أدلة شرعية، وإنما هي مجرد اجتهادات لهم فحسب، إلا أنْ يُجْمِعوا على حكم واحد فيكون إجماعَ صحابة، وهو دليل شرعي. ومنها القول العاشر والقائلون به يستدلون عليه بما روى ابن أبي شيبة والطبراني من قول زيد بن أرقم، تاركين النصوص الصحيحة والحسنة جانباً، وغفر الله لهم، إضافةً إلى أن حديث زيد بن أرقم هو من رواية الحوط الخزاعي، قال عنه البخاري: حديث منكَرٌ، والحوط ضعيف عند المحدِّثين. ...ومنها القول الحادي عشر، والقائلون به يستدلون بقولٍ لعثمان بن أبي العاص وللحسن البصري، وكأن أقوالهما أدلة!! وليتهم يستدلون بأقوال الصحابة والتابعين فيما ليس فيه نص شرعي، فإن الأمر عندئذٍ يهون، ولكنهم غفر الله لهم وعفا عنهم، تنكَّبوا الطريق الصحيحة الممهَّدة – وهي طريق النصوص الشرعية – وسلكوا الطرق الصعبة الوعرة المتشعبة. ولو أنني ذكرت الأقوال الستة والأربعين كلَّها لرأيتم العجب في الأقوال والاستدلالات.

стр. 298

ثانياً: إن من الأمور الأخرى التي سبَّبت الخلافات بين الفقهاء إِغفالَهم أحياناً الخاصَّ أمام العام، والمقيَّد أمام المطلق، فتجدهم أحياناً يأخذون بنص عام ويتمسكون به رغم وجود نصٍّ خاص، فمثلاً القول الخامس: إنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، فقد استند القائلون به إلى قول عبد الله بن عمر الذي رواه ابن أبي شيبة، وهو قول عام – هذا على افتراض أن قول ابن عمر نصٌّ شرعي وليس هو كذلك – وتركوا النصوص الكثيرة التي حصرت ليلة القدر بالعشر الأواخر من رمضان. ...ومثلاً القول السابع والعشرون أنها تنتقل في العَشْرِ الأخير كلِّه. لاحظوا لفظة (كلِّه) فقد استند القائلون به إلى حديثٍ لابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العَشْرِ الأخير. وهذا القول أيضاً عام، في حين أن النصوص قد حصرته في الأوتار من العشر الأخير، فلا معنى إذن للإِتيان بكلمة (كلِّه) .

стр. 299

ثالثاً: إن من الأمور الأخرى التي سبَّبت كثرة الخلافات بين الفقهاء لجوءَ هم أحياناً لتأويل ألفاظ النصوص، وتحميلها مالا تحتمل، في الوقت الذي تتوفر فيه عندهم نصوصٌ ذاتُ منطوقٍ لا يحتمل التأويل، ولا التحميل البعيد، فمثلاً القول الحادي والعشرون: إنها ليلة سبع وعشرين فقد استدلَّ القائلون به بما روى مسلم (٢٧٧٩) عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ فقال: أيكم يذكر حيث طلع القمر وهو مثل شقِّ جَفْنة؟﴾ قوله شق جفنة: أي نصف صحن كبير. ثم إِنهم لجأوا لأبي الحسن الفارسي في شرح هذا النص، فقال لهم: إنه يعني ليلةَ سبعٍ وعشرين لأن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. وكأن هذه الصفة لا يعرفها إلا هو؟! ولا أدري ماذا يقولون في هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢٣٥١٧) عن أبي إسحق، أنه سمع أبا حذيفة يحدِّث عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال ﴿نظرتُ إلى القمر صبيحةَ ليلةِ القدر، فرأيته كأنه فَلْقُ جَفْنَة. وقال أبو إسحق: إنما يكون القمر كذاك صبيحةَ ليلةِ ثلاثٍ وعشرين﴾ فبأي التفسيرين نأخذ، بتفسير أبي الحسن الفارسي أم بتفسير أبي إسحق؟ رابعاً: لِيعذرْني القراءُ إن أنا أطلتُ عليهم، فإن هذا الأمر – وهو الاختلاف الواسع بين الفقهاء – ليستحقُّ وقفةً أطول بل يستحق كتاباً كاملاً، هذا عند من يهمُّه تقليصُ الخلافات بين المذاهب والفقهاء، فأقول ما يلي:

стр. 300

إن من أسباب اتساع الخلافات بين المذاهب والفقهاء، إِضافةً إِلى ما سبق، هو جمعهم أحياناً الأقوال التي تبدو لهم متناقضة متعارضة على صعيد واحد وفي مستوى واحد في الأخذ والاستدلال دون إجراء أي ترجيحٍ بينها، وكمثالٍ على ذلك القول السابع والعشرون: تنتقل في العشر الأخير كله، بمعنى أن ليلة القدر تأتي سنةً في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين، وتأتي سنةً أُخرى في ليلة خمسٍ وعشرين، وتأتي سنةً ثالثةً في ليلة سبعٍ وعشرين، وهكذا، وقد استنبطوا هذا الرأي من عدةِ نصوصٍ، يذكر كلُّ نصٍّ منها ورود ليلة القدر في إحدى ليالي العشر الأخير، فقاموا بجمعها كلِّها على صعيد واحد دون ترجيح، وقالوا بتنقُّلِ ليلة القدر، رغم أن النصوص لم تذكر التنقُّل مطلقاً وإنما ذكرت هذه الليالي المختلفة على أن كلاً منها هي ليلة القدر بالذات. خامساً: قيام هؤلاء بترجيح نصٍ على نصٍّ آخر، بل على نصوص مماثلة له في الصحة، دون بيان أسباب هذا الترجيح، مما فتح المجال واسعاً أمامهم للاختلاف والتعارض، إذ ما دام الترجيح لا يُشترط له بيانُ الأسباب، فإن كل فقيه يستطيع أن يعمد إلى نصٍّ من هذه النصوص فيرجحه على غيره ويستدلُّ به وحده، وهذا يفتح الباب واسعاً للأخذ بجميع النصوص على كثرتها وتعارضها، فتكثر آراء الفقهاء وتتعارض بنفس أعدادها. فمثلاً القول الثالث عشر إنها ليلة تسعَ عشرةَ رجَّحه القائلون به دون بيان الأسباب، وكمثالٍ على ذلك أيضاً القول الرابع عشر والقول الثامن والعشرون، فإن الترجيحات فيها قد حصلت دون بيان الأسباب، مما لا يمنع الآخرين من رفضها، والإِتيان بترجيحات غيرها. ...وحتى نتبين وجهَ الحق والصواب في هذه المسألة لا بدَّ من استعراض النصوص المتعلقة بها على كثرتها وتعارضها: أ - مجموعة أبي سعيد الخدري ﵁:

стр. 301

١- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿اعتكفنا مع النبي ﷺ العَشْر الأوسطَ من رمضان، فخرج صبيحةَ عشرين فخطَبَنا، وقال: إني أُريتُ ليلةَ القدر ثم أُنسيْتُها – أو نُسِّيتُها – فالتمسوها في العَشْر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف معي فلْيرجعْ، فرجعنا وما نرى في السماء قَزَعةً، فجاءت سحابةٌ فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته﴾ رواه الإمام البخاري (٢٠١٦) (٢٠١٨) (٢٠٣٦) (٢٠٤٠) ومسلم (٢٧٦٩) (٢٧٧٢) . ٢- وعنه ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشْرِ الأوسطِ من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين – وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه – قال: من كان اعتكف معي فلْيعتكف العَشْرَ الأواخرَ، فقد أُريتُ هذه الليلة ثم أُنْسيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتِها، فالتمسوها في العَشْر الأواخرِ والتمسوها في كل وتر، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوَكَفَ المسجد، فبصرت عينايَ رسولَ الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صُبح إحدى وعشرين﴾ رواه البخاري (٢٠٢٧) ومسلم ومالك وأبو داود والبيهقي.

стр. 302

٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿اعتكف رسول الله ﷺ العَشْرَ الأوسطَ من رمضان يلتمس ليلةَ القدر قبل أن تُبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقُوِّض ثم أُبِينتْ له أنها في العَشْرِ الأواخر، فأمر بالبناء فأُعيدَ ثم خرج على الناس، فقال ﷺ : يا أيها الناس إنها كانت أُبِينتْ لي ليلةُ القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقَّان معهما الشيطان فنُسِّيتُها، فالتمسوها في العَشْر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ... ﴾ رواه مسلم (٢٧٧٤) . وقد فسَّرها أبو سعيد بأن التاسعة هي ليلة ٢١، والسابعة ليلة ٢٣، والخامسة ليلة ٢٥. ٤- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العَشْر الأوسط ... فقال: إني اعتكفت العَشْرَ الأوَّلَ ألتمس هذه الليلة ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أُتيتُ فقيل لي: إنها في العَشْر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فلْيعتكفْ، فاعتكف الناس معه، قال: وإني أُريتُها ليلةَ وِترٍ ... ﴾ رواه مسلم (٢٧٧١) . ب - مجموعة عبد الله بن عمر ﵁: ١- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: ﴿أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلةَ القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان مُتَحَرِّيها فلْيتَحَرَّها في السبع الأواخر﴾ رواه البخاري (٢٠١٥) ومسلم وأحمد والدارمي وابن حِبَّان. ٢- وعنه رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿تحرَّوا ليلةَ القَدْرِ في السبع الأواخر﴾ رواه مسلم (٢٧٦٢) ومالك وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي والدارمي.

стр. 303

٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم في العشر الأواخر فاطلبوها في الوِتر منها﴾ رواه مسلم (٢٧٦٣) . ٤- وعنه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿التمسوها في العشر الأواخر – يعني ليلة القدر – فإن ضعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السبع البواقي﴾ رواه مسلم (٢٧٦٥) وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي. ورواه عبد الله ابن أحمد بن حنبل (١١١١) من طريق علي ﵁ بلفظ ﴿اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإن غُلبتم فلا تُغلَبوا على السبع البواقي﴾ . ٥- وعنه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من كان متحريها فلْيتحرَّها ليلةَ سبعٍ وعشرين، وقال: تحرَّوْها ليلةَ سبعٍ وعشرين، يعني ليلة القدر﴾ رواه أحمد (٤٨٠٨) . ج - مجموعة عبد الله بن عباس ﵁: ١- عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ قال ﴿التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلةَ القدر في تاسعةٍ تبقى في سابعةٍ تبقى في خامسةٍ تبقى﴾ رواه البخاري (٢٠٢١) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه البزَّار (١٠٢٩) من طريق أنس. ورواه أبو داود الطيالسي (٨٨١) وأحمد والترمذي باختلاف في الألفاظ من طريق أبي بكرة بلفظ ﴿ ... لتاسعةٍ تبقى أو سابعةٍ تبقى أو خامسةٍ تبقى أو ثالثةٍ تبقى، أو آخر ليلة﴾ كما رواه أبو داود الطيالسي (٢١٦٦) من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ ﴿التمسوها لسبعٍ يبقين أو خمسٍ يبقين أو ثلاثٍ يبقين﴾ .

стр. 304

٢- وعنه ﵁ قال ﴿أُتيتُ وأنا نائم في رمضان فقيل لي إن الليلة ليلة القدر قال: فقمت وأنا ناعس فتعلَّقتُ ببعض أَطنابِ فسطاط رسول الله ﷺ قال: فإذا هو يصلي، فنظرت في تلك الليلة فإذا هي ليلةُ ثلاثٍ وعشرين﴾ رواه أحمد (٢٥٤٧) والطبراني في المعجم الكبير وابن أبي شيبة. ٣- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إني شيخٌ كبير عليل يَشقُّ عليَّ القيام، فأْمرني بليلةٍ لعلَّ الله يوفقني فيها، ليلةِ القدرِ، قال: عليك بالسَّابعة﴾ رواه أحمد (٢١٤٩) والبيهقي. د - مجموعة زرٍّ بن حُبَيْشٍ عن أُبي بن كعب ﵁: ١- عن زر بن حُبَيْش يقول ﴿سألت أُبيَّ بنَ كعبٍ، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: مَنْ يَقُم الحولَ يُصِبْ ليلة القدر فقال: ﵀ أراد أن لا يتَّكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العَشْرِ الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلةُ سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : أنها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها﴾ رواه مسلم (٢٧٧٧) وأحمد. وفي لفظ ثان عند مسلم (٢٧٧٨) : ﴿... قال أُبيٌّ في ليلة القدر: والله إني لأعلمُها – قال شعبة – وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين﴾ ورواه ابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي باختلاف في الألفاظ. ٢- وعن زر قال: سمعت أُبيَّ بنَ كعبٍ - رضي الله تعالى عنه - يقول ﴿ليلة سبع وعشرين هي الليلة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع بيضاء تَرَقْرَقُ﴾ رواه أحمد (٢١٥١٠) وابن أبي شيبة.

стр. 305

٣- وعن زر عن أبي بن كعب ﵁ قال ﴿تذاكر أصحاب رسول الله ﷺ ليلة القدر فقال أُبي: أنا والذي لا إله غيره أعلمُ أيَّ ليلةٍ هي، هي الليلة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ ، ليلة سبع وعشرين تمضي من رمضان، وآية ذلك أن الشمس تصبح الغدَ من تلك الليلة تَرَقْرَقُ ليس لها شعاعٌ، فزعم سلمة ابن كُهَيل أن زِرَّاً أخبره أنه رصدها ثلاث سنين من أول يومٍ يدخل رمضان إلى آخره، فرآها تطلع صبيحة سبع وعشرين، تَرَقْرَقُ ليس لها شعاعٌ﴾ رواه أحمد (٢١٥٠٩) وأبو داود والبيهقي. ٤- وعن زر قال ﴿لولا سفهاؤُكم لوضعتُ يدي في أذني فناديت: إن ليلة القدر سبع وعشرون، نبأ من لم يكذبني عن نبأ من لم يكذبه، يعني أبيَّ بن كعب، عن النبي ﷺ ﴾ رواه ابن خُزيمة (٢١٨٧) . ورواه بمعناه عبد الله بن أحمد ابن حنبل وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. هـ – مجموعة أبي ذر ﵁:

стр. 306

١- عن أبي ذر ﵁ قال ﴿قلت يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان أو في غيره؟ قال: بل هي في رمضان، قال: قلت: يا رسول الله تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قُبض الأنبياء رُفعتْ أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة، قال: فقلت: يا رسول الله في أي رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأُوَل والعشر الأواخر، قال: ثم حدَّث رسول الله ﵌ وحدَّث فاهتبلتُ غفلتَه، فقلت: يا رسول الله في أي العَشْرَيْن؟ قال: التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيءٍ بعدها، ثم حدَّث رسول الله ﵌ وحدَّث، فاهتبلتُ غفلتَه، فقلت: يا رسول الله، أقسمتُ عليك لَتُخبرني – أو لَمَا أخبرتَني – في أي العَشْرِ هي؟ قال: فغضب عليَّ غضباً ما غضب عليَّ مثلَه قبلَه، ولا بعدَه فقال: إن الله لو شاء لأطلعكم عليها التمسوها في السبع الأواخر﴾ رواه الحاكم (١/٤٣٧) وصححه وأقره الذهبي. ورواه أحمد والنَّسائي والبزَّار. قوله: فاهتبلتُ: أي فاغتنمتُ وتحيَّنتُ. ٢- وعنه ﵁ قال ﴿صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يَقُمْ بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحوٌ من ثلث الليل ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها، حتى ذهب نحوٌ من شطر الليل، قال: فقلنا يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقيةَ ليلتنا هذه؟ فقال: إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حُسِب له بقيةُ ليلته، ثم لم يقم بنا السادسة، وقام بنا السابعة، وقال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس فقام بنا، حتى خشينا أن يفوتنا الفلاحُ، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السُّحور﴾ رواه أحمد (٢١٧٧٨) .

стр. 307

٣- وعنه ﵁ قال ﴿قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قال: لا أحسَب ما تطلبون إلا وراءَ كم ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قال: لا أحسَبُ ما تطلبون إلا وراءَ كم، فقمنا معه ليلةَ سبعٍ وعشرين حتى أصبح، وسكت﴾ رواه الإمام أحمد (٢١٨٩٩) بسند جيد. و مجموعة عُبادة بن الصامت ﵁: ١- عن عُبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿ليلة القدر في العَشْرِ البواقي، من قامهنَّ ابتغاءَ حِسْبتِهِنَّ فإن الله ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وترٍ: تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة، وقال رسول الله ﷺ : إن أَمارةَ ليلةِ القدر أنها صافيةٌ بَلْجةٌ كأنَّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنةٌ ساجيةٌ لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكبٍ أن يُرمى به فيها حتى تصبح، وإن أَمارتها أنَّ الشمس صبيحَتَها تخرج مستوية ليس لها شُعاعٌ مثل القمرِ ليلةَ البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ﴾ رواه أحمد (٢٣١٤٥) . وقد مرَّ في البند ٣ من بحث [أوصاف ليلة القدر] . ٢- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿التمسوها في تاسعةٍ وسابعةٍ وخامسةٍ، يعني ليلة القدر﴾ رواه أحمد (٢٣٠٤٣) . وفي رواية أخرى لأحمد من طريقه (٢٣٠٨٩/٢٣٠٩٠) بلفظ ﴿ ... فالتمسوها في العشر الأواخر فإنها في وتر، في إحدى وعشرين أو ثلاثٍ وعشرين أو خمسٍ وعشرين أو سبعٍ وعشرين أو تسعٍ وعشرين، أو في آخر ليلة﴾ .

стр. 308

٣- وعنه ﵁ قال ﴿خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: خرجتُ لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة﴾ رواه البخاري (٢٠٢٣) وأحمد والبيهقي والدارمي وأبو داود الطيالسي. وجاء في صحيح البخاري (٤٩) في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس، عن عُبادةَ رضي الله تعالى عنه لفظ ﴿ ... التمسوها في التسع والسبع والخمس﴾ . ز- أحاديث متفرقة: ١- عن عائشة ﵂، زوجِ النبي صلى الله عيه وسلم ﴿أن النبي ﷺ كان يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. ٢- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحرَّوا ليلةَ القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ رواه البخاري (٢٠٢٠) والترمذي. ورواه مسلم مفرَّقاً (٢٧٨٢) ﴿كان رسول الله ﷺ يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان﴾ و (٢٧٧٦) ﴿قالت: قال رسول الله ﷺ : تحرَّوْا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ ٣- عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ﴿أن النبي ﷺ اعتكف أول سنةٍ العَشْرَ الأَوَّلَ ثم اعتكف العَشْرَ الأوسطَ ثم اعتكف العَشْرَ الأواخرَ وقال: إني رأيت ليلة القدر فيها فأُنسيتُها، فلم يزل رسول الله ﷺ يعتكف فيهنَّ حتى توفي رسول الله ﷺ ﴾ رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/٩٩٤) قال الهيثمي [إسناده حسن] .

стр. 309

٤- عن معاوية ﵁ وعفا عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿ليلة القدر ليلة سبع وعشرين﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٦٨٠) وأبو داود والبيهقي والطبراني وابن أبي شيبة. ٥- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ﴿إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، فإن الملائكة في تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى﴾ رواه أبو داود الطيالسي (٢٥٤٥) وابن خُزيمة. ورواه أحمد والطبراني في المعجم الأوسط والبزَّار. قال الهيثمي: [رجاله ثقات] . ٦- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ﴿ ... إن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ما قد علمتم، فالتمسوها في العشر الأواخر وتراً، ففي أي الوتر ترونها﴾ رواه أحمد (٨٥) والبزَّار وأبو يعلى. قال الهيثمي [رجال أبي يعلى ثقات] ٧- عن بُسْر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أُريتُ ليلةَ القدر ثم أُنسيتها، وأُراني صبيحتَها أسجد في ماء وطين قال: فمُطرنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإنَّ أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين﴾ رواه مسلم (٢٧٧٥) وأحمد والبيهقي. ووقع أيضاً عند أحمد (١٦١٤٢) من طريقه بلفظ ﴿ ... فقلنا له: يا رسول الله متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ قال: التمسوها هذه الليلة وقال: وذلك مساءَ ليلةِ ثلاثٍ وعشرين ... ﴾ كما وقع أيضاً عند البيهقي (٤/٣٠٩) من طريقه ﴿ ... فأَمَرَنا – أي الرسول ﷺ – بليلة ثلاث وعشرين ... ﴾ . ٨- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿كم مضى من الشهر؟ قالوا: مضى ثنتان وعشرون، وبقي ثمان، فقال: بل مضى ثنتان وعشرون وبقي سبع، اطلبوها الليلة﴾ رواه البيهقي (٤/٣١٠) وأحمد.

стр. 310

٩- عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه يقول على منبر حمص ﴿قمنا مع رسول الله ﷺ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين، حتى ظننَّا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السُّحورَ الفلاحَ فأما نحن فنقول: ليلة السابعة ليلة سابعة وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب: نحن أم أنتم؟﴾ رواه أحمد (١٨٥٩٢) والنَّسائي وابن خُزيمة. ١٠- عن عبد الله – بن مسعود – رضي الله تعالى عنه قال ﴿سُئل النبي ﷺ عن ليلة القدر؟ فقال: كنت أُعْلِمْتُها ثم انفلتت مني، فاطلبوها في سبعٍ يبقين أو ثلاثٍ يبقين﴾ رواه البزَّار (١٠٢٨) . قال الهيثمي [رجاله ثقات] . ١١- عن أنس ﵁، أن النبي ﵌ قال ﴿التمسوها في العشر الأواخر: في التاسعة والسابعة والخامسة﴾ رواه البزَّار (١٠٢٩) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] ١٢- عن جابر بن سَمُرَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿التمسوا ليلة القدر ليلةَ سبعٍ وعشرين﴾ رواه الطبراني في المعجم الصغير (٢٨٥) . فأقول والله الموفِّق للصواب: أولاً: هناك أحاديث صحيحة اتفق عليها البخاري ومسلم، وهناك أحاديث صحيحة انفرد بها البخاري ومسلم وغيرهما، فما كان من أحاديث صحيحة متفق عليها من البخاري ومسلم فهي في القمة عند الاستدلال وفي المقدمة عند التعارض أو الاختلاف، وهناك أحاديث صحيحة وأخرى حسنة، فما كانت متوافقةً صلحت كلُّها للاستدلال، وما تعارضت فالصحيحة تُؤخَذُ وتُرَدُّ الحسنة.

стр. 311

ثانياً: بالنظر في النصوص المذكورة التي تربو على الثلاثين نجد هذا النص المتفق عليه أي الذي رواه البخاري ومسلم (إني أُريتُ ليلةَ القدر ثم أُنسيتُها - أو نُسِّيتُها -) فهذا اللفظ هو في القمة من حيث الصحة ولم يأت نصٌّ آخر يضارعه ويماثله في الصحة معارِضاً له، وكل ما ورد من نصوص معارِضة له فإنما نزلت مرتبتها عن مرتبة هذا النص، لا سيما وأن أيَّاً منها لم يأت لبيانِ تأخُّرِ القولِ أو الحادثةِ حتى يصح آنذاك القولُ بالنسخ، وإنما جاءت جميع هذه النصوص على صعيد واحد من حيث التاريخ، وإذن فإنه لا نسخ في هذه المسألة مطلقاً. ثالثاً: إذا صدر قول نبوي كريم في مسألةٍ، وصدرت أقوال من الصحابة في المسألةٍ نفسها، طُرحت أقوال الصحابة ولم يُلتفت إليها، وفي مسألتنا هذه صدر قول نبوي كريم، بل صدرت عدة أقوال نبوية كريمة، وإذن فلا ضرورة ولا حاجة لذكر أقوال الصحابة في هذه المسألة، فقمت بطرحها وتركها بالكُلِّية. ولمن أحب الاطلاع على هذه الأقوال فدونه مصنَّف ابن أبي شيبة كمثالٍ في الصفحات ٤٨٨، ٤٨٩، ٤٩٠، من الجزء الثاني.

стр. 312

رابعاً: إذا أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ بأمرٍ، أو نهانا عن أَمرٍ، فقد وجب علينا الامتثال، وإذا أخبرنا ﵊ بأي خبر قمنا بتصديقه ولم يحلَّ لنا تكذيبُه مطلقاً، وهنا أخبرنا ﵊ بالنص المتفق عليه أنه كان يعلم ليلة القدر ثم إنه قد نسيها، أو بالأصح أُنْسيها، أي أنساه الله سبحانه إياها، ولم يرد أيُّ نصٍّ يُعْلِمنا ويخبرنا أن رسول الله ﷺ عاد وتذكَّرها، وحيث أن هذا الخبر صحيح وفي القمة من النصوص، وحيث أن هذا الخبر لم يطرأ عليه تبديلٌ ولا تغييرٌ، فإنَّ على كل مسلم فقيه وغير فقيه أو يقبل بهذا الخبر، ولا يحل له القول بما يعارضه ويخالفه، فلا يحل له أن يقول مثلاً إن الرسول ﷺ لا زال في حياته يعلم ليلة القدر، ولكن قام بإخفائها عن المسلمين حتى يجتهدوا في العبادة في أواخر رمضان، لا أن يجتهدوا في ليلة واحدة فحسب، فهذا القول لا يحلُّ لمسلم فقيه وغير فقيه أن يقوله، لأن هذا القول يتعارض مع قول الرسول ﷺ إن الله أراه ليلة القدر ثم إِنه أنساه إياها، وبقي الحال على ذلك. والأسوأ من ذلك أن يأتي مسلم مهما علت منزلته في العلم والفقه فيدَّعي أنه يعلم ليلة القدر، وكأنه بهذا القول يدَّعي عِلمَ ما لم يعلمه رسول الله ﷺ ، أو أنه يعلم فوق علم الرسول ﵊.

стр. 313

خامساً: قام عدد من الصحابة، فيما رُوي عنهم، وعدد من الفقهاء بتحديد ليلة القدر، مستدلين بنصوصٍ مما أوردتها، فأقول: إن كان هؤلاء قد قاموا بالتحديد بناء على الأَمارات التي أخبرهم بها الرسول ﷺ ، فإن هذا التحديد لا يرقى إلى درجة العلم اليقيني، وإنما هو تحديدٌ ظني، قد يصح وقد يخطيء. وبناء عليه فإني أقول إن جميع التحديدات المسنَدة إلى الصحابة والتابعين والفقهاء إنما هي من قبيل الظن أو غلبة الظن، وليست بأية حال من الأحوال علماً يقينياً لا تحل مخالفته. وكمثال على ذلك ما ورد على لسان الصحابي الجليل أُبي بن كعب ﵁ من قوله المذكور في الحديث ١ من مجموعة زر بن حبيش (ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين) فقد أخذ علمه بالتحديد من الأَمارات التي سمعها من رسول الله ﷺ فقط، ولم يدَّعِ أخذَ علمِه بها من أقواله ﵊، فهو يقول (بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلعِ يومئذٍ لا شعاع لها) وقل مثل ذلك بخصوص سائر الروايات المروية عنه. فأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه سمع الأَمارات والعلامات من رسول الله ﷺ ، ثم اجتهد في تطبيقها على الواقع فخرج بالنتيجة أنها ليلة سبع وعشرين، وإذن فإن التحديد هو اجتهادٌ منه وليس خبراً ينقله إلينا يتوجب علينا قبولُه والأخذُ به. أما قول الحديث (ثم حلف لا يستثني) فلا ينفي القول باجتهاده، ولا يجعله بالحلف خبراً يقينياً ما دام قد خرج بهذه النتيجة من النظر في الأَمارات. فالاجتهاد في الأَمارات لا يؤدي إلى القطع في التحديد والعلم، وإلا لاتفق صحابة رسول الله ﷺ على تحديد أُبي، بل ولاتفق المسلمون على التحديد لتوفُّر الأَمارات لديهم.

стр. 314

سادساً: قد ظن بعض الفقهاء أن قول رسول الله ﵌: (التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) أو قوله عليه وآله الصلاة والسلام: (التمسوها في العشر الأواخر في الوتر) يدل على أنه كان يعلم التحديد وإنما هو أحبَّ للمسلمين الاجتهادَ في العبادة. وكان يمكن لهذا الفهم أن يكون صحيحاً لولا قوله ﵊ إنه نَسِيَها أو أُنْسِيها، فهذا القول منه ينفي أي فهم من هذا القبيل، فلْيكُفَّ المسلمون عن البحث عنها وتحديدها، وليتواضعوا أمام رسول الله ﷺ الذي أعلمهم أنه هو لا يعلمها بالتحديد.

стр. 315

سابعاً: وكدليل على أن الأَمارات تخطيء، هو ما حصل من الصحابيين الجليلين: أبي سعيد الخدري وعبد الله بن أنيس ﵄. أما أبو سعيد فإنه كان قد سمع من الرسول ﷺ أنه رأى نفسه الكريمة تسجد في صبيحة ليلة القدر في الماء والطين، حسبما جاء في بعض الروايات، فعندما رأى أبو سعيد رسول الله ﷺ يسجد في صلاة الصبح من ليلة إحدى وعشرين في الماء والطين، فهم من هذه الأَمارة أن ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين، فراح ينشر رأيه هذا بثقة، فأخذ كثير من الأئمة والفقهاء بهذا الرأي. وأما عبد الله بن أنيس فإنه كان قد سمع من رسول الله ﷺ قوله كما جاء في الحديث رقم ٧ من الأحاديث المتفرقة (وأُراني صبيحَتَها أسجد في ماء وطين، قال فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ فانصرف، وإِن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه) فعندما رأى عبد الله بن أنيس رسول الله ﷺ يسجد في صبيحة ليلةِ ثلاثٍ وعشرين في ماء وطين، فهم من هذه الأمارةِ أن ليلة القدر هي ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، فنشر رأيه هذا، فأخذ عدد من الفقهاء بهذا الرأي. إن ذلك يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن الأفهام تتفاوت في الاستدلال بالأَمارات وأن الاستدلال بها لا يعطيها درجة العلم، وإنما يبقيها في دائرة الظن، أو غلبة الظن. فقط أحببت التنبيه على أن الإدِّعاء بالعلم اليقيني هو حرام في هذه المسألة، لأنه تطاولٌ على علم رسول الله ﷺ .

стр. 316

ثامناً: لننظر في روايات أبي سعيد، فيما يتعلق بالأَمارات التي اعتمد عليها: لقد أورد البخاري أربع روايات له: (٢٠١٦) (٢٠١٨) (٢٠٣٦) (٢٠٤٠) يذكر فيها الأَمارة مطلقةً هكذا (وإني رأيت أني أسجد في ماءٍ وطين) لم يقيدها بصبيحة ليلة القدر، وأورد مسلم روايتين بنفس اللفظ هما (٢٧٦٩) (٢٧٧٢) في حين أن البخاري قد أورد رواية واحدة فقط، جاء فيها اللفظ مقيداً هكذا (وقد رأيتُني أسجد في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها) وأما مسلم فقد أورد روايتين فيهما التقييد بالصبيحة هما (٢٧٧١) (٢٧٧٥) .

стр. 317

وإذن فقد تحصَّلت عندنا ستُّ روايات عند الشيخين،لم تأت فيها الأمارة مقيدة بصبيحة ليلة القدر، وثلاث روايات فقط عندهما قُيدت الأَمارة بالصبيحة، وأنا أُرَجِّح الروايات الست على الروايات الثلاث ولا يبعد عندي أن ذِكْر (من صبيحتها) قد حصل بسبب حصول الماء والطين صبيحة تلك الليلة، فنسبوا ذلك التقييد للرسول ﷺ ، وهذا تأويل ممكن، حتى نتمكن من التوفيق بين الروايات، لا سيما وأن الروايات المطلقة أكثر من الروايات المقيدة، فهي أرجح منها في الاستدلال، ثم إننا نلجأ لهذا التأويل حتى تتوافق هذه الروايات المقيدة مع روايات عبد الله بن أنيس في البند السابع من الأحاديث المتفرقة التي ذكرت أن الأَمارة قد حصلت صبيحة ليلة ثلاثٍ وعشرين، وبدون هذا التأويل نضطر لرد روايات أبي سعيد المقيِّدة أو ردِّ رواية عبد الله بن أنيس، وإعمال الأدلة دائماً أولى وأفضل من إهمال بعضها. وبقولنا إن الرسول ﷺ لم يقيِّد سجوده في الماء والطين بأي قيد، وإنما أطلق القول ثم صدف أنَّ المطر نزل في صبيحة ليلة إحدى وعشرين، ونزل أيضاً في صبيحة ثلاث وعشرين فظن أبو سعيد أن ليلة إحدى وعشرين هي التي انطبقت عليها الأمارة، وظن عبد الله بن أنيس أن ليلة ثلاث وعشرين هي التي انطبقت عليها الأمارة، فجاء القولان مختلفَيْن بسبب ذلك، فإنا نكون بهذا القول قد أعملنا الروايات كلِّها ولم نقم بردِّ أيٍّ منها. إِن رسول الله ﷺ قد قال قولين منفصلين: رأى ليلة القدر وأُنسيها، ورأى أنه يسجد في ماء وطين، ولم يربط أحد القولين بالآخر، وجاء الربط كما يبدو من فهم الرواة بسبب نزول المطر في صبيحة كلا الليلتين، وبهذا الفهم وبهذا التأويل نكون قد أعملنا الأدلة كلها.

стр. 318

...وقد يأتي أحدهم ويقول: إن النصوص إن كانت صحيحة، وجاء في أحدها زيادةُ لفظٍ فهي زيادة مقبولة، لأن الزيادة من الثقات مقبولة، فلماذا لا نقبل زيادة (من صبيحتها) ونحمل الروايات الأخرى عليها؟ والجواب عليه هو أن الاختلاف بين ما روى أبو سعيد وما روى عبد الله بن أنيس لا يجعلنا نقبل هذه الزيادة، ولولا ذلك لقبلناها، فالعذر عندنا قائم لرفض هذه الزيادة، والأصح هو ما ذهبنا إليه من أن الرسول ﷺ بعد أن أعلم المسلمين أنه رأى ليلة القدر ثم أُنسيها، قال لهم معلومة جديدة مقطوعة الصلة عما قبلها هي أنه رأى نفسه الكريمة تسجد في ماء وطين، فتحقق قوله الثاني في ليلتين نزل فيهما المطر، ولم يُرِد ﵊ أن يجعل سجوده في الماء والطين أَمارة على ليلة القدر، وبالتالي فقد أخطأ كلٌّ من أبي سعيد وعبد الله بن أُنيس في تحديد ليلة القدر، وكان خطأُهما آتياً من الربط بين المعلومتين المقطوعة إحداهما عن الأخرى. وبهذا التأويل نتوصل إلى نتيجة، هي أن هذين الحديثين بالروايات المتعددة لا يفيدان تحديداً لليلة القدر، ولا يصح أن يُستنبط منهما أي تحديد، ويُكتفى بما جاء من المعلومة الأولى فيهما وهي (أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسيتُها) .

стр. 319

وبذلك تبقى عندنا الحقيقة الثابتة وهي أن الرسول ﷺ لم يعد يعلم متى ليلة القدر بعد أن أَنْساه الله إياها، وأن ذلك قد أراده الله وقضاه لخير المسلمين كما جاء في رواية عبادة بن الصامت بند ٣ (فرُفعت وعسى أن يكون خيراً لكم) وما دام أنَّ الخير هو في رفع ليلة القدر وعدم تحديدها، فلماذا يُجهد الفقهاء أنفسهم في تحديدها!؟ ولماذا يرفضون الخير لأنفسهم وللمسلمين!؟ ثم لماذا لم يتوقفوا عند قول رسول الله ﷺ الذي رواه أبو ذرٍّ رضي الله تعالى عنه في البند الأول من مجموعته (إِن الله لو شاء لأطلعكم عليها) !؟ وهل بعد مشيئة الله سبحانه تبقى مشيئةٌ لأحدٍ من البشر!؟ تاسعاً: نأتي الآن للروايات المروية من طريق عبد الله بن عمر ﵁: الروايات عنه عند البخاري ومسلم (... فلْيتحرها في السبع الأواخر) وعند مسلم فقط (أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها) و (التمسوها في العشر الأواخر ... فلا يُغلبن على السبع البواقي) فهي مترددة بين العشر الأواخر والسبع دون تعيين ليلة معينة لليلة القدر، وهذا هو الشائع الذي يكاد أن يبلغ حد التواتر، وهو أن ليلة القدر في العشر الأواخر، وأن الرسول ﷺ بقي يعتكف طيلة العشر الأواخر يلتمسها فيها حتى توفاه الله تعالى، لحديث عائشة زوج النبي ﷺ (١) في الأحاديث المتفرقة، مما يدل دلالة واضحة على استمرار هذا الحكم وعدم نسخه.

стр. 320

عند البخاري رواية واحدة (٢٠١٥) من طريق ابن عمر، وعند مسلم من طريقه أربع روايات (٢٧٦٢) و (٢٧٦٥) و (٢٧٦٦) و (٢٧٦٧) ليس في أيٍّ منها تعيينٌ محدَّدٌ لليلة القدر. ثم نجد عند الإمام أحمد بن حنبل روايتين اثنتين من طريق ابن عمر (٤٨٠٨) و (٦٤٧٤) تحددان ليلة القدر في ليلة سبع وعشرين. وبالرجوع إلى مسند الإمام أحمد، نجد أنه قد رَوَى من طريق ابن عمر حديثين آخرين (٥٤٣٠) و (٥٩٣٢) يطلبان تحري ليلة القدر في السبع الأواخر، دون تحديدها بليلة سبع وعشرين، ورواة أحمد قد رووا جميع أحاديثه هذه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، فهل يعقل هذا الاضطراب؟ وقد وجدت في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر قول العُقَيلي: في رواية المشايخ عنه – عن عبد الله بن دينار – اضطراب. فتؤخذ الأحاديث الصحيحة عند الشيخين وعند أحمد أيضاً التي طلبت التماس ليلة القدر بالعشر الأواخر أو بالسبع الأواخر، وتترك الروايتان عند أحمد القائلتين بالتحديد وأن ليلة القدر تُلتمَس ليلة سبع وعشرين، لا سيما وأن جميع هذه الروايات قد جاءت من طريق عبد الله بن عمر ﵁. ...وإذن فقد تضافرت الروايات الصحيحة من طريق أبي سعيد وعبد الله بن عمر على طلب التماس ليلة القدر في العشر الأواخر، أو في السبع الأواخر، وهذا هو أثبت ما ورد في الأحاديث الصحيحة.
следующие страницы →