Полный текст (401 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ثامناً: لننظر في روايات أبي سعيد، فيما يتعلق بالأَمارات التي اعتمد عليها: لقد أورد البخاري أربع روايات له: (٢٠١٦) (٢٠١٨) (٢٠٣٦) (٢٠٤٠) يذكر فيها الأَمارة مطلقةً هكذا (وإني رأيت أني أسجد في ماءٍ وطين) لم يقيدها بصبيحة ليلة القدر، وأورد مسلم روايتين بنفس اللفظ هما (٢٧٦٩) (٢٧٧٢) في حين أن البخاري قد أورد رواية واحدة فقط، جاء فيها اللفظ مقيداً هكذا (وقد رأيتُني أسجد في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها) وأما مسلم فقد أورد روايتين فيهما التقييد بالصبيحة هما (٢٧٧١) (٢٧٧٥) .
стр. 317
وإذن فقد تحصَّلت عندنا ستُّ روايات عند الشيخين،لم تأت فيها الأمارة مقيدة بصبيحة ليلة القدر، وثلاث روايات فقط عندهما قُيدت الأَمارة بالصبيحة، وأنا أُرَجِّح الروايات الست على الروايات الثلاث ولا يبعد عندي أن ذِكْر (من صبيحتها) قد حصل بسبب حصول الماء والطين صبيحة تلك الليلة، فنسبوا ذلك التقييد للرسول ﷺ ، وهذا تأويل ممكن، حتى نتمكن من التوفيق بين الروايات، لا سيما وأن الروايات المطلقة أكثر من الروايات المقيدة، فهي أرجح منها في الاستدلال، ثم إننا نلجأ لهذا التأويل حتى تتوافق هذه الروايات المقيدة مع روايات عبد الله بن أنيس في البند السابع من الأحاديث المتفرقة التي ذكرت أن الأَمارة قد حصلت صبيحة ليلة ثلاثٍ وعشرين، وبدون هذا التأويل نضطر لرد روايات أبي سعيد المقيِّدة أو ردِّ رواية عبد الله بن أنيس، وإعمال الأدلة دائماً أولى وأفضل من إهمال بعضها. وبقولنا إن الرسول ﷺ لم يقيِّد سجوده في الماء والطين بأي قيد، وإنما أطلق القول ثم صدف أنَّ المطر نزل في صبيحة ليلة إحدى وعشرين، ونزل أيضاً في صبيحة ثلاث وعشرين فظن أبو سعيد أن ليلة إحدى وعشرين هي التي انطبقت عليها الأمارة، وظن عبد الله بن أنيس أن ليلة ثلاث وعشرين هي التي انطبقت عليها الأمارة، فجاء القولان مختلفَيْن بسبب ذلك، فإنا نكون بهذا القول قد أعملنا الروايات كلِّها ولم نقم بردِّ أيٍّ منها.
إِن رسول الله ﷺ قد قال قولين منفصلين: رأى ليلة القدر وأُنسيها، ورأى أنه يسجد في ماء وطين، ولم يربط أحد القولين بالآخر، وجاء الربط كما يبدو من فهم الرواة بسبب نزول المطر في صبيحة كلا الليلتين، وبهذا الفهم وبهذا التأويل نكون قد أعملنا الأدلة كلها.
стр. 318
...وقد يأتي أحدهم ويقول: إن النصوص إن كانت صحيحة، وجاء في أحدها زيادةُ لفظٍ فهي زيادة مقبولة، لأن الزيادة من الثقات مقبولة، فلماذا لا نقبل زيادة (من صبيحتها) ونحمل الروايات الأخرى عليها؟
والجواب عليه هو أن الاختلاف بين ما روى أبو سعيد وما روى عبد الله بن أنيس لا يجعلنا نقبل هذه الزيادة، ولولا ذلك لقبلناها، فالعذر عندنا قائم لرفض هذه الزيادة، والأصح هو ما ذهبنا إليه من أن الرسول ﷺ بعد أن أعلم المسلمين أنه رأى ليلة القدر ثم أُنسيها، قال لهم معلومة جديدة مقطوعة الصلة عما قبلها هي أنه رأى نفسه الكريمة تسجد في ماء وطين، فتحقق قوله الثاني في ليلتين نزل فيهما المطر، ولم يُرِد ﵊ أن يجعل سجوده في الماء والطين أَمارة على ليلة القدر، وبالتالي فقد أخطأ كلٌّ من أبي سعيد وعبد الله بن أُنيس في تحديد ليلة القدر، وكان خطأُهما آتياً من الربط بين المعلومتين المقطوعة إحداهما عن الأخرى.
وبهذا التأويل نتوصل إلى نتيجة، هي أن هذين الحديثين بالروايات المتعددة لا يفيدان تحديداً لليلة القدر، ولا يصح أن يُستنبط منهما أي تحديد، ويُكتفى بما جاء من المعلومة الأولى فيهما وهي (أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسيتُها) .
стр. 319
وبذلك تبقى عندنا الحقيقة الثابتة وهي أن الرسول ﷺ لم يعد يعلم متى ليلة القدر بعد أن أَنْساه الله إياها، وأن ذلك قد أراده الله وقضاه لخير المسلمين كما جاء في رواية عبادة بن الصامت بند ٣ (فرُفعت وعسى أن يكون خيراً لكم) وما دام أنَّ الخير هو في رفع ليلة القدر وعدم تحديدها، فلماذا يُجهد الفقهاء أنفسهم في تحديدها!؟ ولماذا يرفضون الخير لأنفسهم وللمسلمين!؟ ثم لماذا لم يتوقفوا عند قول رسول الله ﷺ الذي رواه أبو ذرٍّ رضي الله تعالى عنه في البند الأول من مجموعته (إِن الله لو شاء لأطلعكم عليها) !؟ وهل بعد مشيئة الله سبحانه تبقى مشيئةٌ لأحدٍ من البشر!؟
تاسعاً: نأتي الآن للروايات المروية من طريق عبد الله بن عمر ﵁: الروايات عنه عند البخاري ومسلم (... فلْيتحرها في السبع الأواخر) وعند مسلم فقط (أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها) و (التمسوها في العشر الأواخر ... فلا يُغلبن على السبع البواقي) فهي مترددة بين العشر الأواخر والسبع دون تعيين ليلة معينة لليلة القدر، وهذا هو الشائع الذي يكاد أن يبلغ حد التواتر، وهو أن ليلة القدر في العشر الأواخر، وأن الرسول ﷺ بقي يعتكف طيلة العشر الأواخر يلتمسها فيها حتى توفاه الله تعالى، لحديث عائشة زوج النبي ﷺ (١) في الأحاديث المتفرقة، مما يدل دلالة واضحة على استمرار هذا الحكم وعدم نسخه.
стр. 320
عند البخاري رواية واحدة (٢٠١٥) من طريق ابن عمر، وعند مسلم من طريقه أربع روايات (٢٧٦٢) و (٢٧٦٥) و (٢٧٦٦) و (٢٧٦٧) ليس في أيٍّ منها تعيينٌ محدَّدٌ لليلة القدر. ثم نجد عند الإمام أحمد بن حنبل روايتين اثنتين من طريق ابن عمر (٤٨٠٨) و (٦٤٧٤) تحددان ليلة القدر في ليلة سبع وعشرين. وبالرجوع إلى مسند الإمام أحمد، نجد أنه قد رَوَى من طريق ابن عمر حديثين آخرين (٥٤٣٠) و (٥٩٣٢) يطلبان تحري ليلة القدر في السبع الأواخر، دون تحديدها بليلة سبع وعشرين، ورواة أحمد قد رووا جميع أحاديثه هذه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، فهل يعقل هذا الاضطراب؟ وقد وجدت في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر قول العُقَيلي: في رواية المشايخ عنه – عن عبد الله بن دينار – اضطراب. فتؤخذ الأحاديث الصحيحة عند الشيخين وعند أحمد أيضاً التي طلبت التماس ليلة القدر بالعشر الأواخر أو بالسبع الأواخر، وتترك الروايتان عند أحمد القائلتين بالتحديد وأن ليلة القدر تُلتمَس ليلة سبع وعشرين، لا سيما وأن جميع هذه الروايات قد جاءت من طريق عبد الله بن عمر ﵁.
...وإذن فقد تضافرت الروايات الصحيحة من طريق أبي سعيد وعبد الله بن عمر على طلب التماس ليلة القدر في العشر الأواخر، أو في السبع الأواخر، وهذا هو أثبت ما ورد في الأحاديث الصحيحة.
стр. 321
...أما مجموعة ابن عباس، فقد جاء الحديث الأول منها متوافقاً مع مجموعتي أبي سعيد وابن عمر فيُضم إليهما. وأما الحديث الثاني الذي يحدِّد ليلة ثلاث وعشرين على أنها ليلة القدر، فهو رؤيا رآها ابن عباس وليس خبراً من الرسول ﷺ ونحن لا نتعبد الله تعالى لا برؤى أنفسنا ولا برؤى غيرنا، باستثناء رؤى الرسول ﷺ ، أو رُؤى صحابته إن هو أقرَّها، وفي هذا الحديث جاءت رؤيا ابن عباس ﵁ دون إقرارٍ من رسول الله ﷺ . فلا حجة فيها. هذا من حيث المتن.
وأما من حيث السند فقد روى الحديث سِماك عن عكرمة عن ابن عباس، وسِماك ضعيف، فيُردُّ الحديث سنداً ومتناً. وأما الحديث الثالث ففي رواته معاذ بن هشام، ضعَّفه الحُميدي ويحيى بن معين وأبو داود، فيُردُّ.
...وأما مجموعة زر بن حبيش، أو بالأحرى مجموعة أُبيِّ بن كعب، فقد أبنَّا وجه الضعف فيها كلِّها وأنها مبنية على الاجتهاد في فهم الأَمارات، وأن الأَمارات لا تُفهم على وجه واحد، خاصةً إن جاءت روايات أخرى بفهمٍ مغاير لنفس الأَمارات كما هو حاصل في حديث عبد الله ابن أنيس المار.
стр. 322
...وأما مجموعة أبي ذر ﵁، فإن الحديث الأول متوافق مع جمهرة الأحاديث الصحيحة الناطقة بالعشر الأواخر والسبع الأواخر. أما الحديث الثاني فليس فيه ذكرٌ لليلة القدر، وهو لا يعدو كونه يشير إشارة إلى فضيلة القيام في ليالي ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين، وهذا أمرٌ متفق عليه ويتَّسق مع القول بتحري ليلة القدر في الوتر من السبع الأواخر. وأما الحديث الثالث ففي رواته زيد بن الحباب، قال عنه أحمد بن حنبل: كان صدوقاً، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، لكن كان كثير الخطأ. وذكره ابن حِبَّان في الثقات وقال: يخطيء يُعتبر حديثه إذا روى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير. فهو لا يرقى إلى رواة الصحيح، لا سيما إذا جاء بما يخالفهم أو بما لا يوافقهم.
...وأما مجموعة عبادة بن الصامت، فهي متوافقة مع الروايات الصحيحة الآمرة بتحرِّيها في العشر الأواخر أو في السبع الأواخر في الوتر منها. وأما الأحاديث المتفرقة فروايتا عائشة ورواية أم سلمة، ورواية عمر بن الخطاب، ورواية أنس بن مالك ﵃ أجمعين تذكر كلها العشر الأواخر، أو السبع الأواخر والأوتار منها.
...وأما رواية معاوية عند ابن حِبَّان رقم ٤ (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) ففي رواتها عبيد الله بن معاذ بن معاذ، قال يحيى بن معين: ابن سَمينة وشبَّاب وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، ليسوا بشيء. فالحديث يُردُّ سنداً، وإن وَثَّق عبيدَ الله عددٌ من المحدثين، فالثقة في الشخص شيء وصلاحه للحديث شيء آخر، فقد يكون الراوي ثقة وصالحاً وصادقاً ولكنه غير ضابط وغير حافظ، فلا يصلح لرواية الأحاديث، وعبيد الله بن معاذ من هؤلاء.
стр. 323
...وأما رواية أبي هريرة رقم ٥ فسندها عند أبي داود الطيالسي هكذا [يونس قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عمران عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة] فذكره. وقد ورد توثيق أبي ميمونة عند عدد من المحدِّثين، ووصفوه بأنه الفارسي. وممن وثقوا أبا ميمونة الفارسي الدارَقُطني، ولكن أبا ميمونة الذي روى حديثنا هذا هو غير أبي ميمونة الفارسي الثقة الصالح الصادق كما وُصف، وقد تنبه الدارَقُطني لهذا التفريق فقال [أبو ميمونة عن أبي هريرة عنه قتادة مجهولٌ يُترك] وإذن فالحديث ضعيف فيردُّ.
...وأما الحديث رقم ٨ عند البيهقي ففي رواته أحمد بن عبد الجبار، قال عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب [قال ابن أبي حاتم كتبت عنه وأمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه. وقال مطين: كان يكذب. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم تركه ابن عقدة. وقال ابن عدي: رأيت أهل العراق مُجمِعين على ضعفه، وكان ابن عقدة لا يحدِّث عنه ... ] فأحمد بن عبد الجبار ضعيف عند جمهرة علماء الحديث، فيُردُّ حديثُه.
...وأما حديث جابر بن سمرة رقم ١٢ الذي رواه الطبراني في المعجم الصغير، ففي رواته سِماك بن حرب، وهو ضعيف كما أبنَّا ذلك أكثر من مرة، فيرد. وأما حديث النعمان بن بشير رقم ٩ فنقول فيه ما قلنا في الحديث رقم ٢ من مجموعة أبي ذر من أنه ليس فيه ذِكْرٌ لليلة القدر.
стр. 324
...وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ففي رواته عبد الله بن الجهم، قال عنه أبو زُرعة: رأيته ولم أكتب عنه، وكان صدوقاً. وقال أبو حاتم: رأيته ولم أكتب عنه، وكان يتشيَّع. وفيهم أيضاً عمرو بن أبي قيس الرازي، قال الآجري عن أبي داود: في حديثه خطأ. وقال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، كان يَهِمُ في الحديث قليلاً. فالحديث فيه لين وفيه ضعف فلا يصمد أبداً أمام الأحاديث الصحيحة ثم إن هذا الحديث لم يحدِّد ليلة القدر بليلة، وإنما جعلها تتردد بين ليلتي ثلاث وعشرين وسبع وعشرين.
...نخلص مما سبق إلى أن الرسول ﷺ كان يعلم في البدء متى ليلة القدر، ثم إن الله العليم الحكيم قد أنساه إياها، وبقي الحال كذلك إلى وفاته ﵊، وما دام أن الرسول ﵊ لم يعد يعلم وقتها، فإنه لا ينبغي لأحد من الصحابة ولا من غيرهم أن يحدِّد وقتها، وعلى جميع المسلمين علماءَ وغيرَ علماء أن يكتفوا بالتماسها وتحريها في العشر الأواخر أو في السبع الأواخر من رمضان في الوتر منها، فهي لا تعدو أن تكون إما ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، تماماً كما ورد في حديث أبي داود الطيالسي في البند الأول من مجموعة عبد الله بن عباس من طريق أبي بكرة بلفظ ﴿ ... لتاسعةٍ تبقى، أو سابعةٍ تبقى، أو خامسةٍ تبقى، أو ثالثةٍ تبقى، أو آخر ليلةٍ﴾ .
الفصل الحادي عشر: الاعتكاف
الفصل الحادي عشر
الاعتكافُ
تعريفُ الاعتكاف:
стр. 325
الاعتكاف هو مِن عَكَفَ على الشيء إذا لزمه وحبس النفس عليه. وقد جاء ذِكْرُ الاعتكاف بهذا المعنى في عدد من آيات الله، قال تعالى ﴿وجاوزنا ببني إِسرائيلَ البحرَ فأَتَوْا على قومٍ يَعْكُفُون على أَصنامٍ لهم قالوا يا موسى اجْعَلْ لنا إِلهاً كما لَهُم آلهةٌ قال إِنَّكم قومٌ تجهلون﴾ الآية ١٣٨ من سورة الأعراف. وقال سبحانه ﴿قال فاْذَهَبْ فإِنَّ لك في الحياةِ أن تقولَ لا مِسَاسَ وإنَّ لك موْعِداً لن تُخْلَفَهُ واْنظُرْ إلى إِلهِكَ الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً لنُحَرِّقَنَّهُ ثم لَنَنْسِفَنَّهُ في اليمِّ نَسْفاً﴾ الآية ٩٧ من سورة طه. وقال ﴿ولقد آتينا إِبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قبلُ وكنَّا به عالِمين ? إذ قال لأبيهِ وقومِهِ ما هذهِ التماثيلُ التي أَنتم لها عاكِفونَ﴾ الآيتان ٥١ و ٥٢ من سورة الأنبياء. وقال ﷻ ﴿هُمُ الذين كفروا وَصَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ والهَدْيَ مَعْكوفاً أنْ يَبلغَ مَحِلَّهُ ... ﴾ . من الآية ٢٥ من سورة الفتح. وهناك آياتٌ أُخرى ذكرت الاعتكاف، وكلها بمعنى واحد، وهو لزومُ الشيءِ وحبسُ النفسِ عليه. هذا هو معنى الاعتكاف في اللغة.
стр. 326
...وأما في الشرع، فيُعرَّف الاعتكاف بأنه اللَّبثُ في المسجد مُدَّةً على صفةٍ مخصوصةٍ مع نيَّة التَّقرُّب إلى الله سبحانه. وهو والجِوارُ أو المجاورة بمعنى واحد، فقد روى البخاري (٤٩٢٢) ومسلم وأحمد من طريق جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿جاورتُ بِحِراءَ، فلما قضيت جِواري هبطتُ ... ﴾ وروى البخاري (٢٠٢٠) من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحرَّوْا ليلةَ القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ وروى مسلم (٢٧٧٠) من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ قوله ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشرَ التي في وسط الشَّهر ... ﴾ .
ولذلك فإنه ليس صحيحاً التفريق بين الاعتكاف والمجاورة أو الجوار كما روى عبد الرزاق (٨٠٠٣) عن عطاء – بن أبي رباح – قوله [إن الاعتكاف يكون في بطن المسجد أما الجوار فبباب المسجد أو في بطنه] فهو تفريقٌ ظاهرُ الخطأ وظاهرُ الضعف وحتى في معاجم اللغة جاء الجوار أو المجاورة بمعنى الاعتكاف ففي لسان العرب ومختار الصحاح والقاموس المحيط جاء فيها القول: المجاورة: الاعتكاف في المسجد.
حكمُ الاعتكاف:
لقد وردت في الاعتكاف الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂، زوجِ النبي ﷺ ﴿أن النبي ﷺ كان يعتكف العَشْرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجهُ من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٢- عن أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان، فسافر عاماً فلم يعتكف، فلما كان العامُ المقبلُ اعتكف عشرين﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣٣٣٠) وأبو داود وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
стр. 327
٣- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأَوَّل من رمضان، ثم اعتكف العَشْر الأوسط في قُبَّةٍ تُركيَّة على سُدَّتها حصير قال: فأخذ الحصيرَ بيده فنحَّاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسَه فكلَّم الناس فَدَنوْا منه فقال: إني اعتكفت العَشْر الأوَّل التمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العَشْر الأوسط ثم أُتيتُ، فقيل لي: إنها في العَشْر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فلْيعتكفْ، فاعتكف الناس معه ... ﴾ رواه مسلم (٢٧٧١) والبخاري وأحمد ومالك وأبو داود والنَّسائي. قوله في قبة تُركيَّة: أي في قبة صغيرة من لَبُّود.
٤- عن عَمْرَةَ بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلَّى انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : أَلبرَّ أردنَ بهذا؟ ما أنا بمعتكِفٍ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
بالنظر في هذه الأحاديث الأربعةِ نجد أن رسول الله ﷺ قد داوم على الاعتكاف في العَشْرِ الأواخر من رمضان حتى وفاته، وكان إذا لم يتسَنَّ له الاعتكافُ بسبب السفر قام بالاعتكاف بدله في العام الذي يليه، ليؤكِّد كلُّ ذلك على أن الاعتكاف قُربةٌ إلى الله سبحانه.
стр. 328
والقُربة إما أن تكون فرضاً واجباً، وإما أن تكون سُنةً مندوبةً، فجاء النصان الثالث والرابع كقرينة على أن هذه القُربة مندوبة وليست فرضاً. الحديث الثالث يقول (فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه) أي أن الحديث قد علَّق الاعتكاف على محبة الناس له وهذا دليل واضح على عدم الوجوب فلم يبق إلا الندب وكذلك الحديث الرابع الذي يقول (ما أنا بمعتكف فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال) وما كان لرسول الله ﷺ أن يرجع عن قُربةٍ ويتركها لو كانت فرضاً واجباً.
...وهذه المسألةُ، وأنَّ حكمَ الاعتكاف الندبُ،لم يخالف فيها إلا بعضُ أصحاب مالك، فقد قالوا إن الاعتكاف جائز وليس مندوباً، وقد أنكر ذلك عليهم ابن العربي وهو مالكي، قائلاً إنه سُنَّة مؤكَّدة. وقال ابن بطَّال إِنَّ في مواظبةِ النبي ﷺ ما يدل على تأكُّدِهِ. وقال ابن حجر [قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أنه مسنون] .
стр. 329
...أما الشبهة التي استند إليها بعض أصحاب مالك فهي قول مالك [فكَّرتُ في الاعتكاف وتركِ الصحابة له مع شدة اتِّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته] ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري، وقد بحثت عنه في الموطأ في مظانِّه فلم أجده، وهذه شبهة بالغة الضعف، ثم إن من يقرأ الموطأ يجد الإمام مالكاً ينص على أن الاعتكاف سُنَّةٌ في أكثر من عبارة ففي الجزء الأول في الصفحة (٢٦٧) جاء ما يلي [قال مالك: لم أسمع أحداً من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطاً وإنما الاعتكاف عملٌ من الأعمال مثلُ الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك من الأعمال ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السُّنَّة، وليس له أن يُحْدِث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه، وقد اعتكف رسول الله ﷺ ، وعرف المسلمون سُنَّةَ الاعتكاف] فالاعتكاف سُنَّة، وهذه السُّنَّة تتأكد في العشر الأواخر من رمضان.
أين يكونُ الاعتكاف ؟ :
قد وردت في هذه المسألة أحاديث كثيرة، لا حاجة لاستعراضها كلِّها هنا، وحسبنا أن ننظر في عدد منها لأن فيها الغُنْيَةَ:
١- قال تعالى ﴿ ... ولا تُباشِروهنَّ وأنتم عاكِفون في المساجدِ تلك حدودُ اللهِ فلا تَقْرَبوها كذلك يبينُ اللهُ آياتهِ للناسِ لعلهم يتَّقون﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان النبي ﷺ يُصغي إليَّ رأسَه وهو مجاورٌ في المسجد، فأُرجِّلَه وأنا حائض﴾ رواه البخاري (٢٠٢٨) وأبو داود وابن ماجة وأحمد باختلافٍ في الألفاظ.
стр. 330
٣- عن علي بن الحسين، أن صفية ﵂، زوجَ النبي ﷺ أخبرته ﴿أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعةً ثم قامت تنقلِبُ، فقام النبي ﷺ يَقْلِبُها﴾ رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن ماجة.
٤- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال ﴿اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ألا كلُّكم مُناجٍ ربَّه فلا يُؤْذِينَّ بعضُكم بعضاً، ولا يرفع بعضُكم على بعضٍ في القراءة، أو قال: في الصلاة﴾ رواه أبو داود (١٣٣٢) وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي وصحَّحه النووي.
٥- وعنه ﵁ قال ﴿اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، قال: فخرجنا صبيحةَ عشرين، قال: فخَطَبَنا رسولُ الله ﷺ صبيحةَ عشرين فقال: إني أُريتُ ليلةَ القدر وإني نُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر في وترٍ، فإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، ومن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فلْيرجعْ، فرجع الناس إلى المسجد وما نرى في السماء قَزَعة، قال: فجاءت سحابةٌ فمطرت، وأُقيمت الصلاةُ، فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته﴾ رواه الإمام البخاري (٢٠٣٦) ومسلم وأحمد ومالك وابن حِبَّان والبيهقي.
ومن الآثار ورد ما يلي:
١- عن حذيفة ﵁ قال ﴿ ... إِنما الاعتكافُ في هذه المساجد الثلاثة: مسجدِ الحرام، ومسجدِ المدينة، والمسجدِ الأقصى﴾ رواه عبد الرزاق (٨٠١٤) والطبراني والبيهقي وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. وقال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
стр. 331
٢- عن – محمد بن شهاب - الزُّهْري قال [لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة] رواه عبد الرزاق (٨٠١٧) وابن أبي شيبة.
٣- عن عطاء – بن أبي رباح - قال [لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة] رواه عبد الرزاق (٨٠٢٠) .
٤- عن سعيد بن المسيِّب قال [من نذر أن يعتكف في مسجد إِيلِياءَ، فاعتكف في مسجد النبي ﷺ بالمدينة أَجْزأَ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، فاعتكف في المسجد الحرام أَجْزأ عنه] رواه عبد الرزاق (٨٠٢٥) .
قال ابن حجر [اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن لُبابةَ المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعدُّ للصلاة فيه، وفيه قولٌ للشافعي قديم، وفي وجهٍ لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع وشرَّطه مالك، لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك وخصَّه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقاً، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيِّب بمسجد المدينة] .
стр. 332
...من هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء كما أوردها ابن حجر في فتح الباري نجد أنهم كالعادة لا يكادون يتفقون على حكم، وأنهم يُوغِلون في التفريعات والاستنباطات دون مراعاةٍ لواضحِ النصوص وما تدل عليه حتى لقد تناقل الناس القول [اختلاف أمتي رحمة] على أنه حديثٌ نبوي، وليس هو كذلك فإنه لا أصل له. والقول [اختلاف أصحابي لكم رحمة] على أنه أيضاً حديث نبوي، وليس هو بحديث صحيح، فقد رواه البيهقي والطبراني والديلمي وغيرهم من طريق ابن عباس بسند منقطع فلا يصح. وما أحراهم وقد وجدوا بين أيديهم النصوص التي تعالج المسائل أن يقفوا عندها، وعند ما تدل عليه، ويكفونا مؤونة هذه الخلافات التي تعمَّقت لدى المسلمين، حتى غدت كأنها تشريعاتٌ مختلفةٌ، وغفر الله للجميع.
...إن جميع النصوص من القرآن الكريم ومن السنة النبوية لا تذكر إلا المساجد أو المسجد، هكذا دون بيانِ إن كانت مساجدَ جماعةٍ أو غيرها، أو إن كانت المساجد هي الثلاثة أو غيرها، أو إن كانت المساجد تُقام فيها صلاة الجمعة أو لا تقام فيها، أو إن كان الاعتكاف فيها واجباً كالنذر، أو كان نفلاً ومندوباً، وهكذا يبدو جلياً أنَّ كثيراً مما نراه من تفريعاتٍ وتفصيلاتٍ مبثوثةٍ في كتب الفقه ليس له سندٌ من الشرع.
...والحق والصواب أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجدٍ، أي في بُقعةٍ خصَّصها المسلمون للصلاة، لا فرق بين المساجد الثلاثة وبين غيرها، ولا فرق بين المساجد الجامعة وبين غيرها، فما أُطلق عليه لفظُ مسجدٍ فالاعتكاف فيه جائز. أما القول إن المسجد ينبغي أن يكون مما تقام فيه صلاة الجمعة، وإلا انقطع الاعتكاف بخروج المعتكف إلى المسجد الجامع للصلاة فيه، فإنَّ الرد عليه آتٍ بإذن الله عندما نتناول ما يجوز للمعتكف أن يفعله. وأما القول إن الاعتكاف يصحُّ في كل مكان فهو قول بلا دليل، بل الأدلة ردٌّ عليه، فلا قيمة له.
стр. 333
قد يقال إن ذِكْر المساجد في النصوص لم يأت كشرط، وإنما جاء مجرد خبر عما كان يحصل وأن ما جاء كخبرٍ لا يُعتبر شرطاً؟ فنجيب عليه بأن الآية قد خُتِمت بالقول ﴿تلك حدودُ اللهِ فلا تَقْربوها كذلك يُبَيِّنُ اللهُ آياتِه للناسِ لعلهم يتقونَ﴾ مما ينفي عما جاء في صدرها من أحكام أن تكون أخباراً لا تُلتَزَم، فقولُ الآيةِ الكريمة: ﴿ولا تُباشِروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجد﴾ يدخل تحت القول ﴿تلك حدودُ اللهِ فلا تقْربوها﴾ ولا يصح أن يدخل تحت القول الأخير لو كانت المباشرة مثلاً في غير المساجد، أو كانت الأفعال في المساجد لا تصل إلى حدِّ المباشرة، وهي هنا الجماع، كما روى البيهقي (٤/٣٢١) وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، قال: المباشرةُ والملامسةُ والمسُّ جِماعٌ كله ولكن الله يَكْني ما شاء بما شاء﴾ ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، فكان ذِكْرُ المباشرةِ وذِكْرُ المساجد أمرين لازمين غير منفصلين، مما ينفي عنهما الإِخبار المجرَّد.
...ثم انظروا في الحديث الخامس (ومن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجعْ، فرجع الناس إلى المسجد) فهو أمر منه ﵊ بالرجوع إلى المسجد لمن كان قد اعتكف، ولولا أن المسجد هو مكان الاعتكاف لما صدر الأمر النبوي هكذا.
...وأما الآثار المروية عن الصحابة والتابعين، فهي لا تعدو كونها آراءً اجتهاديةً لأصحابها. أما قول ابن المسيِّب في البند الرابع، فلا يعارض ما ذهبنا إليه من وجوب المسجد للاعتكاف بقدر ما يوفقنا، وما هو إلا بيان لأفضلية هذه المساجد بعضها على بعض.
متى يكونُ الاعتكاف ؟
стр. 334
يصحُّ الاعتكاف في أي يوم وفي أي ليلة على مدار العام دون استثناء، إذ النصوصُ لم يَرِدْ فيها أيُّ تقييد أو تخصيص، بل جاءت مطلقة غير مقيَّدة وعامة غير مخصَّصة وما جاء فيها من ذكرٍ للعشر الأواخر من رمضان فإنما جاء من باب الأفضلية والندب فحسب، ولم يجيءْ كشرطٍ واجب. ونتناول النصوص المتعلقة بهذه المسألة لاستنباط الحكم منها:
١- عن عبد الله بن عمر ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود وابن ماجة.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشْرةَ أيام، فلما كان العامُ الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين يوماً﴾ رواه البخاري (٢٠٤٤) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن خُزيمة والدارمي.
٣- عن أم سلمة ﵂ ﴿أن النبي ﷺ اعتكف أول سنة العَشْرَ الأول ثم اعتكف العَشْرَ الأوسط ثم اعتكف العَشْرَ الأواخر وقال: إني رأيت ليلة القدر فيها فأُنسيتُها فلم يزل رسول الله ﷺ يعتكف فيهن حتى توفي رسول الله ﷺ ﴾ رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣ /٩٩٤) قال الهيثمي [إسناده حسن] وقد مرَّ في الفصل [قيام رمضان وليلة القدر] .
стр. 335
٤- عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر أنْ يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت فلما رأت ذلك زينبُ بنتُ جحش أمرت ببناء فبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : أَلبرَّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكِفٍ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة وقد مرَّ. والعشر من شوال هو العشر الأَوَّل، كما جاء في روايةٍ لمسلم (٢٢٨٥) وأبي داود والبيهقي، فعن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر ثم دخل مُعْتَكَفَهُ، وإِنه أمر بخِبائِه فضُرب لمَّا أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخِبائِها فضُرب وأمر غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخِبائِها فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأَخبية، فقال: ألْبِّر يُرِدْنَ؟ فأمر بخِبائِه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأَوَّل من شوال﴾ قوله الخِباء: هو مَسْكَنٌ من صوف أو وَبَرٍ منسوجٍ يقوم على عمودين أو ثلاثة، فإذا قام على أربعةٍ أو أكثر فهو بيتٌ. ولكن العَشْرَ من شوال حسب روايةٍ للبخاري هي العشر الأواخر، ففي البخاري (٢٠٤١) من طريق عائشة ﵂ قالت ﴿ ... فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغَداة، أبصر أربع قِباب، فقال: ما هذا؟ فأُخْبِر خبرهنَّ، فقال: ما حملهن على هذا؟ آلبِرُ؟ انزعوها فلا أراها فنُزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال﴾ .
стр. 336
٥- عن ابن عمر ﵁ ﴿أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: أَوْفِ بنذرك﴾ رواه البخاري (٢٠٣٢) والنَّسائي وأبو داود والدارَقُطني. ووقع عند البخاري في رواية ثانية من طريقه (٢٠٤٢) بلفظ ﴿ ... فقال له النبي ﷺ : أَوْف نذرَكَ، فاعتكف ليلة﴾ .
يتضح من هذه النصوص ما قلناه في صدر البحث من أن الاعتكاف يصح في أي يوم على مدار العام، وأن ما ورد في النصوص من حصول الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فإنما جاء على سبيل الندب والأفضلية ليس غير وذلك أن الحديث الثاني والحديث الثالث قد ذكرا غير العشر الأواخر، ففي الحديث الثاني جاء ذكر عشرين يوماً، وفي الحديث الثالث جاء ذكر العشر الأول والعشر الثاني، ثم العشر الأخير، ولكن الحديث الرابع جاء أوضحها من حيث الدلالة على جواز الاعتكاف في غير العشر الأواخر بل في غير رمضان، وأن الرسول ﵊ قد اعتكف في شوال على اختلافٍ بين الروايات، فروايةٌ تذكر العشر الأُوَل وأخرى تذكر العشر الأواخر، وكلا الروايتين تدلُ على أَنَّ الاعتكاف يجوز في غير رمضان. أما الحديث الخامس فهو أكثر النصوص إطلاقاً، إذ هو لم يقيد الاعتكاف بأي زمنٍ، مما يدل دلالة أكيدة على جواز الاعتكاف في أي يوم من أيام السنة.
...ولكنني أعود وأقول إن الاعتكاف في رمضان هو أفضل منه في غيره، وإن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان هو أفضل منه في غيرها.
...أما أفضلية الاعتكاف في العشر الأواخر فإنما هي من أجل التماس ليلة القدر فيها وما يناله المسلم إذا وفقه الله في طلبها والتماسها من فضل لا يعدله فضل.
متى يبدأُ الاعتكاف ؟
ونعني به الساعة التي يدخل فيها المعتكِف مُعْتَكَفَه لا يبرحه.
стр. 337
وقد اختلف الفقهاء في تحديد بدء الاعتكاف على رأيين: فذهب الأوزاعي وإِسحق بن راهُوَيْه والليث وأحمد في روايةٍ عنهما، إلى أن الرجل إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخل في مُعتَكَفه. وذهب الآخرون، وهم الأئمةُ الثلاثةُ، وأحمد في الرواية الثانية إلى أن الرجل إذا أراد الاعتكاف دخل معتكَفه قبل غروب الشمس. قال الترمذي [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتَكَفه، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم. وقال بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلْتغِبْ له الشمسُ من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكَفه، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس] .
...استدل الفريق الأول على رأيهم بحديث عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خِباءً فيصلي الصبح ثم يدخله ... ﴾ رواه البخاري (٢٠٣٣) ورواه مسلم (٢٧٨٥) والنَّسائي في السنن الكبرى وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل مُعْتَكَفه ... ﴾ .
...أما الفريق الآخر، وهم الأئمة الثلاثة وأحمد في الرواية الثانية عنه، فقد قالوا: يدخل المعتكِف في مُعْتَكَفه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهرٍ، أو اعتكاف عشرٍ، وأَوَّلوا حديث عائشة بأن النبي ﷺ دخل المعتكَف وانقطع فيه وتخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح وأنه ﵊ كان معتكِفاً لابثاً في المسجد قبل غروب الشمس!! وقال الشافعي في كتاب الأم [من أوجب على نفسه اعتكاف شهر فإنه يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس ويخرج منه إذا غربت الشمس آخر الشهر] .
стр. 338
...وبالتدقيق في هذين القولين نجد أنه يمكن التوفيق بينهما، فقول الفريق الآخر بوجوب دخول المعتكَف قبل غروب الشمس مقيَّدٌ بما إذا أراد المعتكِف تحديد يومٍ أو عشرةِ أيام أو شهرٍ مثلاً لاعتكافه، وحيث أن المسلمين يعتدُّون لدخول اليوم بحلول الليل أولاً، فإن بداية اليوم عندهم أو بداية الشهر لا شك في أنها تكون بحلول الليل، فكان إيجابهم دخول المعتكِف معتكَفه قبل غروب شمس اليوم الذي سبقه قول صحيح بلا شك. وأنا لا أظن أن الفريق الأول يخالفون هذا القول، وإنما الخلاف الحقيقي في الاستناد إلى فعل الرسول ﷺ ، هل كان يبدأ اعتكافه في بداية الليل أم عقب صلاة الصبح؟
الصحيح الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن الرسول ﵊ كان يبدأ اعتكافه عقب صلاة الصبح وقد جاء ذلك منطوقاً فلا حجة لمن عارضه بتأويلات بعيدةٍ، فالحديث يقول صراحة (فيصلي الصبح ثم يدخله) ويقول (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكَفه) وهذا منطوقٌ في أَنَّ بدء الاعتكاف يكون عقبَ صلاة الفجر لا يُستطاع تأويله بغير هذا الذي يدل عليه. وكان يمكن للحديث مثلاً أن يأتي بصيغة: إذا صلى الصبح عاد إلى معتكَفه، أو: ثم يصلي بالمسلمين صلاة الصبح فيدخل في معتكَفه مجدَّداً، فيكون دليلاً على ادعائهم، أما وأنه لم يأت هكذا، بل جاء صريحاً بالقول (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكَفَه) فإِنه ينبغي الوقوف عنده وعدم مخالفته بتأويلات بعيدةٍ.
стр. 339
...وأقول هنا ما يلي: إِ نَّ كلَّ ما سبق ينبغي أن لا يُفهَم منه أنَّ الاعتكاف لا يصح أن يبدأ إلا عقب صلاة الفجر أو قبيل الغروب، وإنما الاعتكاف كما يصحُّ أن يُبدأ به عقب صلاة الفجر أو قُبَيل غروب الشمس، فإنه يصح أن يُبدأ به في أي وقت من ليلٍ أو نهارٍ. أما ما سبق وناقشناه من أدلةٍ، فإنما ذلك من أجل الردِّ على أقوال الأئمة والفقهاء واستدلالاتهم لا غير، وإنَّ الوصول في المناقشةِ إلى أن الرسول ﷺ كان يعتكف عقب صلاة الفجر لا يدلُّ على أنَّ ذلك مُلزِمٌ أو أنه شرطٌ، إذ لا دليل ولا قرينة على أنَّ ذلك قد جاء على سبيل الإلزام والوجوب.
مدةُ الاعتكاف:
لقد اتفق الأئمةُ والفقهاء على أنه لا حدَّ لأكثر الاعتكاف، وإنما اختلفوا في أقلِّه: فذهبت الحنفية إلى أن أقلَّه يوم. وقالت المالكية: يوم وليلة. وقال الشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه: أقل ما يطلق عليه اسم لَبْث، ولا يُشترط القعود. وهذا الرأي الأخير هو الصحيح، وما سواه فتحكُّمٌ وتحديدٌ لا دليل من الشرع عليه، إِذْ لا يوجد أَيُّ نصٍّ يحدد مدةً للاعتكاف، لا كثرةً ولا قلةً، فيبقى الأمر على إِطلاقه دون أي تقييد.
...أما ما جاء في الأحاديث من أن الرسول ﷺ قد اعتكف عشراً من رمضان أو من شوال أو اعتكف عشرين، فهي لا تعدو كونها وقائع عين لا مفهوم لها ولا توجِبُ التزاماً، ولا تصلح للتقييد.
стр. 340
وقد روى البخاري (٢٠٣٢) وأبو داود والنَّسائي والدارَقُطني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ﴿أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك﴾ ووقع عند البخاري في رواية ثانية من طريقه (٢٠٤٢) لفظ ﴿ ... فقال له النبي ﷺ : أوف نذرَكَ، فاعتكف ليلةً﴾ وهذا دليل صحيح يرد قول الحنفية بأنَّ أقل الاعتكاف يوم، فاليوم هو نهار وليل. ويرد قول المالكية بأنه يوم وليلة. ومع ذلك فإِنَّا نقول إِن هذا النص لا يفيد تحديدَ الأقل بليلة، وإنما جاء هو الآخر واقعة عين فحسب. وقد روى ابن أبي شيبة (٤/٥٠١) عن الصحابي يعلى بن أمية ﵁ أنه كان يقول لصاحبه ﴿انطلقْ بنا إلى المسجد، فنعتكف فيه ساعةً﴾ وروى عبد الرزاق (٨٠٠٦) وابن حزم عنه قوله ﴿إني لأمكث في المسجد ساعة، وما أمكث إلا لأعتكف﴾ وهو أثرٌ يُستَأنَسُ به.
وعليه فإني أقول: إن الاعتكاف غير محدِّدٍ بمدة، فيصحُّ الاعتكاف شهراً ويصحُّ شهرين، كما يصح الاعتكاف ساعة ويصحُّ ساعتين، وما دام ذلك كذلك فإنه يصح البدء في الصباح، كما يصحُّ وقت الظهيرة أو عقب صلاة العصر، أو بعد صلاة العشاء أو عقب صلاة الفجر دون حرج، ودون أي مانعٍ شرعي، ولا حاجة للتَّمسُّكِ بقول ذلك الفريق من أن بدء الاعتكاف يجب أن يكون قبل غروب الشمس فحسب، أو بقول الفريق الآخر من أنَّ البدء يجب أن يكون عقب صلاةِ الصبح. فالاعتكاف كما عرَّفناه في البدء [الَّلبثُ في المسجد مدَّةً على صفةٍ مخصوصة مع نية التقرب إلى الله سبحانه] هو تعريف واضح فيه أنه أطلق المدة فلم يقيدها بأي قيد.
стр. 341
...ويحضرني هنا قول ابن حزم في المحلى [وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاعتكاف أقل من يوم. وقال مالك: لا اعتكاف أقل من يوم وليلة ثم رجع وقال: لا اعتكاف أقل من عشر ليال، وله قول: لا اعتكاف أقل من سبع ليال من الجمعة إلى الجمعة. وكل هذا قول بلا دليل] وقد صدق ابن حزم بأن كل هذا قول بلا دليل.
هل الصيامُ شرطٌ في صحة الاعتكاف ؟
ذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، فيما رُوي عنهم، إلى اشتراط الصيام مع الاعتكاف، وبرأيهم قال مالك بن أنس والأوزاعي والثوري وأحمد في رواية عنه، ووافقهم أبو حنيفة في الاعتكاف الواجب بالنذر فقط، وأن ما عداه عنده فليس الصيام شرطاً فيه. فيما ذهب علي وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فيما رُوي عنهما، إلى عدم اشتراط الصيام مع الاعتكاف وبرأيهما قال الشافعي والحسن البصري وإسحق بن راهُويه وأحمد في الرواية الأخرى عنه، قائلين إن الصيام مع الاعتكاف مستحَبٌّ فحسب وليس بواجب، بمعنى أن الصيام ليس شرطاً في صحة الاعتكاف. وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسألة، ونقف على الصحيح فيها لا بد من استعراض الأدلة المتعلقة بها:
١- قال ﷻ ﴿ ... ثم أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلى الليلَ ولا تُباشِروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجد ... ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العَشْر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- وعنها رضي الله تعالى عنها أن نبي الله ﷺ قال ﴿لا اعتكاف إلا بصيام﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٠) والحاكم والبيهقي وابن أبي شيبة.
стр. 342
٤- عن ابن عمر ﵁ ﴿أنه سأل النبي ﷺ عن اعتكافٍ عليه؟ فأمره أن يعتكف ويصوم﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٠) والبيهقي وأبو داود وابن حزم.
٥- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن عمر ﵁ نذر أن يعتكف في الشِّرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه، فقال: أوف بنذرك﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠١) وحسَّن إسناده.
٦- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام قال: أَوْفِ بنذرك﴾ رواه البخاري (٢٠٣٢) وأبو داود والنَّسائي والدارَقُطني. ووقع عند البخاري في رواية ثانية (٢٠٤٢) من طريقه بلفظ ﴿ ... فقال له النبي ﷺ : أوف نذرَكَ، فاعتكف ليلة﴾ .
٧- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال ﴿ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٩٩) والحاكم وصححه مرفوعاً. ورواه البيهقي وصحَّح وقفه على ابن عباس وقال: رَفْعُه وَهْمٌ.
٨- حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂، وقد مرَّ برقم ٤ في بحث [متى يكون الاعتكاف؟] وجاء فيه ﴿ ... فقال رسول الله ﷺ أَلبِرَّ أردنَ بهذا؟ ما أنا بمعتكِف، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) وغيره.
стр. 343
استدل الفريق الأول القائلون باشتراط الصيام مع الاعتكاف بالأدلة الخمسة الأولى، فقال هذا الفريق إن قوله تعالى ﴿ثم أَتِمُّوا الصيامَ إلى الليل ولا تُباشروهنَّ وأنتم عاكِفونَ في المساجد﴾ فيه ذكرٌ للاعتكاف إثْرَ الصوم ورَبطُ الاعتكافِ بالصيام وعن الدليل الثاني قالوا إن كون الرسول ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فهو يدل على أن الاعتكاف ملازمٌ للصيام، لأن العشر الأواخر من رمضان يصومها المسلمون طبعاً. وعن الدليل الثالث والدليل الرابع والقريب منه الدليل الخامس قالوا إن دلالتها واضحة باشتراط الصيام مع الاعتكاف.
...أما الفريق الثاني فقد استدلوا على رأيهم بعدم اشتراط الصيام مع الاعتكاف بالأدلة التالية: الحديث رقم ٦ بلفظيه وفيه الأمر بالاعتكاف خالياً من الأمر بالصيام، والليل ليس محلاً للصوم، ومع ذلك جاء الأمر لعمر (أوف بنذرك) والحديث رقم ٨ القائل (اعتكف عشراً من شوال) وليس شوال شهر صيام. والحديث رقم ٧ نفى وجوب الصيام إلا أن يشترطه على نفسه، وهو قولٌ لابن عباس فهو ليس دليلاً. والحق أن رأي هؤلاء هو الصحيح وذلك لما يلي:
إن الآية الكريمة ليس فيها ما يشير إلى وجود تلازمٍ بين الصوم والاعتكاف، ولا على أن أحدَهما شرطٌ لحصول الآخر، فالقول بالتلازم بين الصوم والاعتكاف خطأ، وذلك أن الآية تتحدث عن الصيام وجواز الجماع في ليل رمضان، وأن الأكل في الليل ينتهي عندما يتبين للصائمين حلولُ الفجر، وبعد أن أطلقت الآية جواز الجماع في ليل رمضان جاء بعده الحظر عليه عند الاعتكاف ليدل على بقاء الجواز فيما سواه فهي آية ذكرت عدة أحكام تتعلق بالصوم وبالاعتكاف، كل حكم منها مختلف عن غيره، دون أن يظهر أن للتلازم علاقة بتشريع هذه الأحكام.
стр. 344
...أما دليلهم الثاني فيدل على أفضلية الاعتكاف في العشر الأواخر، لا سيما إذا علمنا أنه ﵊ كان يتحرى ليلة القدر ويلتمسها في العشر الأواخر هذه والتماس ليلة القدر وتحريها مندوب غيرُ واجب، وليس في الحديث أي شيء يدل على قصر الاعتكاف عليها، وإن الحديث رقم ٨ دليل على ما نقول، فإنه ﵊ قد اعتكف في شوال، وليس في شوال ليلة قدر، ولا يجب الصيام فيه. فإن هم قالوا إنه ﵊ كان يصوم أيام شوال هذه، قلنا لهم إن النصوص لم تذكر الصيام والقول بالصيام فيها تقوُّلٌ على النص لا يجوز. أما الحديث الثالث (لا اعتكاف إِلا بصيام) فقد قال الدارَقُطني الذي رواه [تفرَّد به سويد عن سفيان بن حسين] وقال البيهقي وهو أيضاً راوي الحديث [سويد ضعيف لا يُقبل ما تفرَّد به] وقال الحاكم وهو أيضاً راوي الحديث [الشيخان لم يحتجا بسفيان بن حسين] وقد ضعَّفه أحمد وقال: متروك. وقال البخاري: فيه نظر. فالحديث ضعيف فيُترك.
...وأما الحديث الرابع (فأمره أن يعتكف ويصوم) فقال الدارَقُطني الذي رواه [تفرَّد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث] وقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر. وأضاف: وابن بديل ضعيف الحديث. وقال ابن حزم [هذا خبر لا يصح] فالحديث ضعيف فيترك.
стр. 345
...وأما الحديث الخامس (نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم) فإنَّ الدارَقُطني وإن هو حسَّن الإسناد، إلا أن البيهقي قال [ذِكْرُ نذرِ الصوم فيه غريبٌ تفرَّد به سعيد ابن بشير عن عبيد الله] وقال عبد الحق: تفرد به سعيد بن بشير، وهو مختلَف فيه. وقد ضعف ابن الجوزي هذا الحديث من أجله. وقال أبو مُسْهِر وابن نُمَير: منكَر الحديث. كما ضعفه أحمد والنَّسائي. فهو حديث ضعيف فيترك. هذا إِضافةً إلى أن الحديث بروايتيه عند البخاري ليس فيه ذِكْرٌ للصوم، فكلمة (يصوم) في الحديث غير محفوظة في صحاح الأحاديث فتترك. وعليه فإِنَّا نقول إنه لا يصح، ولا يوجد دليل واحد معتبرٌ على اشتراط الصيام لصحة الاعتكاف. وبذلك يتبين وجه الحق في هذه المسألة، وهو أن الاعتكاف عبادة منفصلة عن الصيام تصح بوجوده وبعدم وجوده.
ما يفعلُه المعتكِف وما لا يفعلُه:
стр. 346
اتفق العلماءُ على أنه يجوز للمعتكِف في المسجد أن يخرج منه لقضاء الحاجة التي لا بد منها، وهي البول والغائط والقيء والاغتسال والوضوء، وما هو من هذا القبيل وأنه إن فعل ذلك لم يبطل اعتكافه، واختلفوا فيما سوى ذلك: فذهب الثوري والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أن للمعتكِف أن يخرج لعيادة المريض وصلاة الجنازة إن هو اشترطه في ابتداء اعتكافه سواء أكان الاعتكاف واجباً كاعتكاف النذر أم كان غير واجب. ووافقهم إسحق في الاعتكافِ تطوُّعاً، أما في الاعتكاف الواجب فلا يصح ذلك عنده. وقال مالك والأوزاعي: لا يكون في الاعتكاف شرط. وقال سعيد ابن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد في رواية إن للمعتكِف أن يعود المريض ويشهد الجنازة، دون أن يعلِّقوا ذلك بالشرط المسبق، ورُوي ذلك عن علي ﵁. وقال ابن حزم: كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه وعليه أن يخرج إليه، ولا يضرُّ ذلك باعتكافه. ومثله قال ابن قدامة، فقد قال: إن له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، وأجاز الخروج لتحصيل المأكول والمشروب إذا لم يكن له مَن يأتيه به. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز للمعتكِف أن يخرج مطلقاً، فإن خرج بطل اعتكافه وإن قلَّ. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم، لأن اليسير معفوٌّ عنه.
كما اختلفوا في خروج المعتكِف لحضور صلاة الجمعة إن كان الاعتكاف في مسجدٍ لا تقام الجمعة فيه، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنه يخرج لصلاة الجمعة ولا يبطل اعتكافُه بذلك الخروج. وللشافعي قولان أصحهما: يبطل اعتكافه إن خرج لصلاة الجمعة إلا إن كان قد شرطه مسبقاً، ثم يستأنف الاعتكاف.
стр. 347
...أما في داخل المعتَكَف، أي في داخل المسجد، فقد اتفق معظم الفقهاء على أنه ليس للمعتكِف أن يتَّجرَ ويكتسب بالصنعة على الإطلاق. وقال الشافعي: لا بأس للمعتكِف بأن يبيع ويشتري ويخيط الثيابَ. ونقل ابن قدامة عن أحمد قوله: لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد منه.
...والحق الذي ينبغي الذهاب إليه والقول به هو أن للمعتكف أن يخرج لحاجته التي لا بد له منها دون تحديدٍ، سواء شرَّط ذلك أم لم يشرِّط، ولا يفسد اعتكافه به. ولا حاجة بنا للدخول في سرد هذه الحاجات الضرورية الواجبة، فهي ليست ثابتة، وتختلف من شخص لآخر، ومن وقت لآخر، فلو خرج المعتكِف في يوم برد لإحضار مدفأة له، أو خرج في يوم حر لإحضار مروحةٍ له، فإن له ذلك ولا يقدح في اعتكافه وطبعاً يحق للمعتكِف بل يجب عليه أن يخرج لحضور صلاة الجمعة، ولا يبطل اعتكافه به، ولو جاءه خبر أن ابنه تعرَّض لحادث دهس ويحتاج للنقل إلى المستشفى، فإن له أن يخرج لذلك ولا يُبطِلُ ذلك اعتكَافَه، وهكذا ... أما الخروج من المسجد، دون حاجة ملحة فلا شك في أنه يُبطِل الاعتكاف.
وأما في داخل المسجد، فإن كل ما جاء النهي عن فعله فيه يُنهى المعتكِف عنه وما لا نهيَ عنه فيه فإن للمعتكِف أن يفعله، دون أن يؤثر ذلك في صحة اعتكافه، ونقول هذا القول أيضاً دون سردٍ للأفعال الجائزة، فهي أكثر من أن تحصى وتحدَّد في ورقة أو ورقتين. وهذه جُملة من النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
١- قال تعالى ﴿ ... ولا تُباشروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجدِ تلكَ حُدودُ اللهِ فلا تَقْرَبُوها كذلك يبينُ الله آياتِه للناسِ لعلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يُصغي إليَّ رأسَه وهو مجاوِرٌ في المسجد، فأُرجِّلَه وأنا حائض﴾ رواه البخاري (٢٠٢٨) وأبو داود وابن ماجة وأحمد باختلافٍ في الألفاظ.
стр. 348
٣- وعنها ﵂ قالت ﴿وإنْ كان رسولُ الله ﷺ ليُدخِلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجد فأُرَجِّلَه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكِفاً﴾ رواه البخاري (٢٠٢٩) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد والترمذي.
٤- عن علي بن الحسين أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته ﴿أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يَقْلِبُها﴾ رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد
٥- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يمرُّ بالمريض وهو معتكِف فيمرُّ كما هو ولا يعرِّج يسأل عنه﴾ رواه أبو داود (٢٤٧٢) والبيهقي
٦- وعنها ﵂ قالت ﴿إنْ كنت لأدخُلُ البيت للحاجة والمريضُ فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّة، قالت: وكان رسول الله ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كانوا معتكفين﴾ رواه ابن ماجة (١٧٧٦) وأحمد والبيهقي وابن خُزيمة باختلافٍ في الألفاظ.
٧- وعنها ﵂ قالت ﴿السُّنة على المعتكِف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمسَّ امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع﴾ رواه أبو داود (٢٤٧٣) .
في تفسير الآية الكريمة البند الأول نُقل عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال (المباشرة والملامسة والمس جماعٌ كله، ولكنَّ الله يَكْني ما شاء بما شاء) رواه البيهقي وغيره. وقد مرَّ في بحث [أين يكون الاعتكاف؟] ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع.
стр. 349
...والحديث في البند الثاني كالحديث في البند الثالث، كلاهما يفيد أن المعتكِف يُخرِج رأسَه من المسجد من أجل إِصلاحه وتمشيطه، وفي روايةٍ للبخاري (٢٠٣١) ﴿فأُغسِّله وأنا حائض﴾ مما يدل كل ذلك على جواز الاغتسال للنظافة وإصلاح الهيئة بتمشيط وحُسْنِ هندام. والحديث الثالث واضح الدلالة على جواز الخروج لحاجة، وقد اتفقوا على أن الحاجة تعني هنا البول والغائط وشبههما. أما الحديث الرابع فهو يدل على استقبال المعتكِف لزواره ومحادثتِهم والمشيِ معهم لتوديعهم. فقوله (فقام النبي ﷺ معها يَقْلِبُها) معناه أنه مشى معها في عودتها من عنده. أما الحديث الخامس الذي رواه أبو داود، ففيه ليث بن أبي سليم، ضعَّفه أحمد ويحيى بن سعيد وأبو حاتم وابن معين وابن المَديني وغيرهم فيترك. وأما الحديث السادس فهو دالٌ على جواز الخروج للحاجة، وقد فسَّرها ابن شهاب الزُّهري بالبول والغائط. قال ابن حجر: قد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما. وأما الحديث السابع، فإن أبا داود بعد أن رواه قال [غير عبد الرحمن بن إسحق لا يقول فيه (قالت: السُّنَّة) قال أبو داود: جعله قول عائشة] وقال الدارَقُطني [إن السُّنَّة للمعتكِف إلى آخره، ليس من قول النبي ﷺ ، وإنه من كلام الزهري، ومَن أدرجه في الحديث فقد وهم، والله أعلم، وهشام بن سليمان لم يذكر هـ] فلا يعدو الحديث أن يكون من قول عائشة ﵂، وقول عائشة ليس دليلاً شرعياً حتى يتوجَّب الأخذُ به لا سيما وأن غيرها من الصحابة قد أفتَوْا بعكس قولها هذا، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/٥٠٠) عن علي ﵁ قوله ﴿إذا اعتكف الرجل فلْيشهدْ الجمعةَ ولْيَعُد المريضَ وليشهد الجنازةَ ولْيأت أهلَه ويأمرهم بالحاجة وهو قائم﴾ وأقوال الصحابة إن اختلفت وتضاربت فإنها تدلُّ على أنها أفهامٌ لهم واجتهادات لا يجب علينا الأخذ بها
стр. 350
إلا تقليداً لهم فحسب، فمن شاء قلَّد عائشة، ومن شاء قلَّد علياً.
والحق الذي أراه، هو أن عيادة المريض، وحضور الجنازة ليسا من الحاجات الضرورية الواجبة، حتى يخرج إليها المعتكِف، وإنما هي مندوبات فحسب، ولا تُجيز المندوبات للمعتكِف أن يخرج. وأما ما جاء النهي عن فعله في المسجد فيمكن الوقوفُ عليه بمراجعة كتابي [الجامع لأحكام الصلاة] الجزء الثاني، بحث [أدب المسجد] الفصل الثاني.
الاجتهادُ في العشر الأواخر من رمضان:
قد وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره﴾ رواه مسلم (٢٧٨٨) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دخل العَشْرُ أحيا الليل وأيقظ أهله وجدَّ، وشدَّ المِئْزَر﴾ رواه مسلم (٢٧٨٧) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن عليٍّ ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أيقظ أهله ورَفَع المِئْزَر، قيل لأبي بكر – بن عياش أحد الرواة – ما رَفَعَ المِئزر؟ قال: اعتزل النساء﴾ رواه أحمد (١١٠٣) وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو يعلى. ورواه الترمذي وقال [هذا حديث حسن صحيح] .
فهذه الأحاديث الشريفة تدل على مشروعية الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان، وعلى إحيائها بالعبادة، وعلى الحث على إيقاظ الأهل فيها لجني ما أعدَّ الله فيها لعباده العُبَّاد من خير وثواب.
اعتكافُ النساء:
وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وقد مرَّ في بحث [حكم الاعتكاف] البند الأول.
стр. 351
٢- وعنها ﵂ قالت ﴿اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأةٌ مستحاضةٌ من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّست تحتها وهي تصلي﴾ رواه البخاري (٢٠٣٧) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وفي رواية ثانية للبخاري (٣٠٩) من طريقها بلفظ ﴿أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطَّست تحتها من الدم﴾ .
٣- عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشةَ ﵂ ﴿أَن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكفَ العشر الأواخرَ من رمضان، فاستأذنته عائشةُ فأَذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذنَ لها ففعلت فلما رأت ذلك زينب بنت جحشٍ أَمرت ببناء فبُنيَ لها قالت: وكان رسول الله ﷺ إِذا صلى انصرف إِلى بنائه فأَبصر الأبنيةَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشةَ وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : أَلبرَّ أَردنَ بهذا؟ ما أَنا بمعتكفٍ، فرجع، فلما أَفطر اعتكف عشراً من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمةَ. وقد مرَّ في بحث [حكم الاعتكاف] البند الرابع.
تدل هذه النصوص الثلاثة على جواز اعتكاف النساء، وطبعاً في مكانٍ منعزلٍ في المسجد عن الرجال، ويدل الحديث الثالث على أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إن اعتكفت بغير إذنه كان له أن يُخرجها، وحتى إن هي اعتكفت بإذنه فإن للزوج أن يرجع عن إذنه فيمنعها وإليه ذهب الجمهور وهو الصحيح. ذلك أن الاعتكاف مندوب، ولو كان واجباً على الزوجة لما جاز للزوج منعُها منه، وليس صحيحاً قول أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج بالاعتكاف ثم منعها أثم بذلك، وهو قولٌ لمالك أيضاً.
стр. 352
وقد شرَّط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد بيتها، وهو قولٌ يردُّه الحديث رقم ٣. وقال أحمد في رواية عنه: إن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وهو قول لا يختلف فيه أحد، ولم يجيء بصيغة الشرط أي لم يجيء قوله: إن لها الاعتكاف في المسجد بشرط أن تكون مع زوجها، فإن كان القول مشروطاً فهو خطأ لا دليل عليه، إذ الحديث الثالث يردُّه أيضاً، فنساء الرسول ﷺ قد ضربن لأنفسهن أخبية خاصة بهن، والحديث الأول يقول (ثم اعتكف أزواجه من بعده) بمعنى أنهن اعتكفن وحدهن بدون إِذن زوجهن رسول الله ﷺ أما الحديث الثاني فيدل منطوقُه على أن المستحاضة – وهي من يسيل دمها من فرجها بسبب مرض – يجوز لها الاعتكاف، ويلحقُ بها دائمُ الحدَث – أي من كان عنده سَلَسُ البول – ومن به جُرح يسيل، بشرط أن لا تُنجِّسَ هي أو يُنجِّسَ هو المسجد.
...وقد انقطع اعتكاف النساء في زمننا هذا أو كاد، فلم نعد نرى نساءً يعتكفن بل كاد اعتكاف الرجال ينقطع أيضاً في زمننا هذا، ولم نعد نشاهده بصورة ملموسة إلا في ليلة القدر المحتملة فحسب، اللهم إلا الاعتكاف القصير لمدة ساعة أو ساعات، أي المكث في المسجد بنية الاعتكاف، فهذا ما يستمر وقوعه لسهولته. وأقول إن المرأة إن كانت زوجة، أو كان لها أولاد صغار لا يتولى خدمة الزوج أو الأولاد إلا هي، فإن ترك الاعتكاف يتعين عليها ويصبح اعتكافها غير جائز، ذلك أنه إذا تعارض واجب مع مندوب وجب القيام بالواجب وتُرِك المندوب، ولا شك في أن القيام على خدمة الزوج والأولاد واجب على المرأة، فهو مقدَّم على الاعتكاف المندوب.
الفصل الثاني عشر: زكاة الفطر
الفصل الثاني عشر
زكاةُ الفِطْر
стр. 353
...وتسمى أيضاً صدقة الفطر، فقد جاء الاسمان في الأحاديث الشريفة، وشاع استعمالهما في كتب الفقه. وصدقة الفطر، أو زكاة الفطر هي زكاة كسائر الزَّكَوات المفروضة، فهي صنف من أصناف الزكاة، ويضعها الفقهاء في باب الزكاة، ولكنني أحببت أن أضعها في باب الصوم لتعلُّقِها به، كما وضعتُ عدداً من الأبحاث الأخرى ذات العلاقة بالصوم فيه، مع كونها توضع عادة في أبواب الفقه الأخرى، وما ذلك إلا لأنني كما عنونت الكتاب أردت جمع جميع الأحكام الخاصة بالصيام، فهذا الكتاب – الجامع لأحكام الصيام – أردته شاملاً لأحكامِ الصيام، كلِّ الأحكام، مما يساعد القارئ على استحضار هذه الأحكام كلِّها في كتاب واحد.
...وصدقة الفطر، أو زكاة الفطر، قد وردت الإشارة إليها في كتاب الله الكريم إضافةً إلى أنها مشمولة بجميع الآيات الناطقة بالزكاة، فقد روى الطبري في تفسيره (٣٠/١٥٦) عن أبي خَلْدة قال [دخلتُ على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غداً إلى العيد فمُرَّ بي، قال: فمررت به، فقال: هل طعِمْتَ شيئاً؟ قلت: نعم، قال: أفضتَ على نفسك من الماء؟ قلت: نعم، قال: فأَخبرني ما فعلتَ بزكاتك؟ قلت: قد وجَّهتُها، قال: إنما أردتُك لهذا ثم قرأ (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضلَ منها، ومن سقاية الماء] وقال ابن قُدامة في المغني [قال سعيد بن المسيِّب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى (قد أفلح من تزكَّى) هو زكاة الفطر] وقد سميت زكاةُ الفطر بهذا الاسم، لأن الفطر بعد الصوم هو السبب فيها، أو قل لأنها تجب بالفطر.
حكمُ زكاةِ الفطر:
стр. 354
قال ابن المنذر إن أهل العلم قد نُقل عنهم الإجماع على أن زكاة الفطر فرض. وهذا القول غير دقيق، وإنما الدقيق هو قول إسحق: إيجابُ الفطر كالإجماع. ذلك أنه قد نُقل عن متأخري أصحاب مالك وداود وبعض الشافعية القولُ إنها سُنة، وأوَّلوا ما ورد في الأحاديث من القول (فَرَضَ) بـ (قدَّر) على أصل معناه في اللغة، وقال الجمهور إن زكاة الفطر فرض.
والصحيح إن زكاة الفطر فرض، لأنها أولاً زكاةٌ كسائر الزَّكَوات، ولأنها ثانياً قد نُصَّ عليها بأنها فرض وإذا جاءت في النص كلمةُ (فَرَضَ) وجب أن تُصرف إلى معناها الشرعي وهو الواجب وليس إلى معناها اللغوي. فالحقائق الشرعية مقدَّمة على الحقائق اللغوية، وإن أيةَ لفظةٍ واردةٍ في النصوص ينبغي أن تُفسَّر بمعناها الشرعي أَولاً.
١- فعن ابن عمر ﵁ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي، باختلافٍ في الألفاظ.
٢- وعنه ﵁ قال ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال رمضان – على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ... ﴾ . رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة.
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمَةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾ رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة والدارَقُطني. ورواه الحاكم (١/٤٠٩) وصححه وأقره الذهبي قوله الرَّفَث هنا: يعني الفُحش في الكلام، قاله ابن الأثير.
стр. 355
٤- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث منادياً في فِجاج مكة: أَلاَ إِنَّ صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلم ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبير، مُدَّان من قمح أو سواه صاعٌ من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) وقال [هذا حديث غريب حسن] ورواه الدارَقُطني وسكت عنه.
فهذه أحاديث صحيحة وحسنة صالحة للاحتجاج ذكرت أن صدقة الفطر فرض - الأحاديث الثلاثة الأولى – وأنها واجبة – الحديث الرابع – بل إن الحديث الثالث يقول (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) فهذا القول من أوضح الدلالات على أن زكاة الفطر واجبةٌ.
وقد تمسك بعض الفقهاء بحديثٍ رواه قيسُ بن سعد يروْنه دالاً على أن زكاة الفطر لم تعد واجبة بعد أن كانت واجبةً فترةً من الزمن، وأنه يدل على نسخ الوجوب وهذا الحديث هو: عن قيس بن سعد ﵁، قال ﴿أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله﴾ رواه ابن ماجة (١٨٢٨) والنَّسائي وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي بسندٍ صحيح. فنقول لهؤلاء ما يلي:
следующие страницы →