Полный текст (401 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
٢- وعنها ﵂ قالت ﴿اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأةٌ مستحاضةٌ من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّست تحتها وهي تصلي﴾ رواه البخاري (٢٠٣٧) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وفي رواية ثانية للبخاري (٣٠٩) من طريقها بلفظ ﴿أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطَّست تحتها من الدم﴾ .
٣- عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشةَ ﵂ ﴿أَن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكفَ العشر الأواخرَ من رمضان، فاستأذنته عائشةُ فأَذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذنَ لها ففعلت فلما رأت ذلك زينب بنت جحشٍ أَمرت ببناء فبُنيَ لها قالت: وكان رسول الله ﷺ إِذا صلى انصرف إِلى بنائه فأَبصر الأبنيةَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشةَ وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : أَلبرَّ أَردنَ بهذا؟ ما أَنا بمعتكفٍ، فرجع، فلما أَفطر اعتكف عشراً من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمةَ. وقد مرَّ في بحث [حكم الاعتكاف] البند الرابع.
تدل هذه النصوص الثلاثة على جواز اعتكاف النساء، وطبعاً في مكانٍ منعزلٍ في المسجد عن الرجال، ويدل الحديث الثالث على أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إن اعتكفت بغير إذنه كان له أن يُخرجها، وحتى إن هي اعتكفت بإذنه فإن للزوج أن يرجع عن إذنه فيمنعها وإليه ذهب الجمهور وهو الصحيح. ذلك أن الاعتكاف مندوب، ولو كان واجباً على الزوجة لما جاز للزوج منعُها منه، وليس صحيحاً قول أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج بالاعتكاف ثم منعها أثم بذلك، وهو قولٌ لمالك أيضاً.
стр. 352
وقد شرَّط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد بيتها، وهو قولٌ يردُّه الحديث رقم ٣. وقال أحمد في رواية عنه: إن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وهو قول لا يختلف فيه أحد، ولم يجيء بصيغة الشرط أي لم يجيء قوله: إن لها الاعتكاف في المسجد بشرط أن تكون مع زوجها، فإن كان القول مشروطاً فهو خطأ لا دليل عليه، إذ الحديث الثالث يردُّه أيضاً، فنساء الرسول ﷺ قد ضربن لأنفسهن أخبية خاصة بهن، والحديث الأول يقول (ثم اعتكف أزواجه من بعده) بمعنى أنهن اعتكفن وحدهن بدون إِذن زوجهن رسول الله ﷺ أما الحديث الثاني فيدل منطوقُه على أن المستحاضة – وهي من يسيل دمها من فرجها بسبب مرض – يجوز لها الاعتكاف، ويلحقُ بها دائمُ الحدَث – أي من كان عنده سَلَسُ البول – ومن به جُرح يسيل، بشرط أن لا تُنجِّسَ هي أو يُنجِّسَ هو المسجد.
...وقد انقطع اعتكاف النساء في زمننا هذا أو كاد، فلم نعد نرى نساءً يعتكفن بل كاد اعتكاف الرجال ينقطع أيضاً في زمننا هذا، ولم نعد نشاهده بصورة ملموسة إلا في ليلة القدر المحتملة فحسب، اللهم إلا الاعتكاف القصير لمدة ساعة أو ساعات، أي المكث في المسجد بنية الاعتكاف، فهذا ما يستمر وقوعه لسهولته. وأقول إن المرأة إن كانت زوجة، أو كان لها أولاد صغار لا يتولى خدمة الزوج أو الأولاد إلا هي، فإن ترك الاعتكاف يتعين عليها ويصبح اعتكافها غير جائز، ذلك أنه إذا تعارض واجب مع مندوب وجب القيام بالواجب وتُرِك المندوب، ولا شك في أن القيام على خدمة الزوج والأولاد واجب على المرأة، فهو مقدَّم على الاعتكاف المندوب.
الفصل الثاني عشر: زكاة الفطر
الفصل الثاني عشر
زكاةُ الفِطْر
стр. 353
...وتسمى أيضاً صدقة الفطر، فقد جاء الاسمان في الأحاديث الشريفة، وشاع استعمالهما في كتب الفقه. وصدقة الفطر، أو زكاة الفطر هي زكاة كسائر الزَّكَوات المفروضة، فهي صنف من أصناف الزكاة، ويضعها الفقهاء في باب الزكاة، ولكنني أحببت أن أضعها في باب الصوم لتعلُّقِها به، كما وضعتُ عدداً من الأبحاث الأخرى ذات العلاقة بالصوم فيه، مع كونها توضع عادة في أبواب الفقه الأخرى، وما ذلك إلا لأنني كما عنونت الكتاب أردت جمع جميع الأحكام الخاصة بالصيام، فهذا الكتاب – الجامع لأحكام الصيام – أردته شاملاً لأحكامِ الصيام، كلِّ الأحكام، مما يساعد القارئ على استحضار هذه الأحكام كلِّها في كتاب واحد.
...وصدقة الفطر، أو زكاة الفطر، قد وردت الإشارة إليها في كتاب الله الكريم إضافةً إلى أنها مشمولة بجميع الآيات الناطقة بالزكاة، فقد روى الطبري في تفسيره (٣٠/١٥٦) عن أبي خَلْدة قال [دخلتُ على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غداً إلى العيد فمُرَّ بي، قال: فمررت به، فقال: هل طعِمْتَ شيئاً؟ قلت: نعم، قال: أفضتَ على نفسك من الماء؟ قلت: نعم، قال: فأَخبرني ما فعلتَ بزكاتك؟ قلت: قد وجَّهتُها، قال: إنما أردتُك لهذا ثم قرأ (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضلَ منها، ومن سقاية الماء] وقال ابن قُدامة في المغني [قال سعيد بن المسيِّب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى (قد أفلح من تزكَّى) هو زكاة الفطر] وقد سميت زكاةُ الفطر بهذا الاسم، لأن الفطر بعد الصوم هو السبب فيها، أو قل لأنها تجب بالفطر.
حكمُ زكاةِ الفطر:
стр. 354
قال ابن المنذر إن أهل العلم قد نُقل عنهم الإجماع على أن زكاة الفطر فرض. وهذا القول غير دقيق، وإنما الدقيق هو قول إسحق: إيجابُ الفطر كالإجماع. ذلك أنه قد نُقل عن متأخري أصحاب مالك وداود وبعض الشافعية القولُ إنها سُنة، وأوَّلوا ما ورد في الأحاديث من القول (فَرَضَ) بـ (قدَّر) على أصل معناه في اللغة، وقال الجمهور إن زكاة الفطر فرض.
والصحيح إن زكاة الفطر فرض، لأنها أولاً زكاةٌ كسائر الزَّكَوات، ولأنها ثانياً قد نُصَّ عليها بأنها فرض وإذا جاءت في النص كلمةُ (فَرَضَ) وجب أن تُصرف إلى معناها الشرعي وهو الواجب وليس إلى معناها اللغوي. فالحقائق الشرعية مقدَّمة على الحقائق اللغوية، وإن أيةَ لفظةٍ واردةٍ في النصوص ينبغي أن تُفسَّر بمعناها الشرعي أَولاً.
١- فعن ابن عمر ﵁ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي، باختلافٍ في الألفاظ.
٢- وعنه ﵁ قال ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال رمضان – على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير ... ﴾ . رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة.
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمَةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾ رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة والدارَقُطني. ورواه الحاكم (١/٤٠٩) وصححه وأقره الذهبي قوله الرَّفَث هنا: يعني الفُحش في الكلام، قاله ابن الأثير.
стр. 355
٤- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث منادياً في فِجاج مكة: أَلاَ إِنَّ صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلم ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبير، مُدَّان من قمح أو سواه صاعٌ من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) وقال [هذا حديث غريب حسن] ورواه الدارَقُطني وسكت عنه.
فهذه أحاديث صحيحة وحسنة صالحة للاحتجاج ذكرت أن صدقة الفطر فرض - الأحاديث الثلاثة الأولى – وأنها واجبة – الحديث الرابع – بل إن الحديث الثالث يقول (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) فهذا القول من أوضح الدلالات على أن زكاة الفطر واجبةٌ.
وقد تمسك بعض الفقهاء بحديثٍ رواه قيسُ بن سعد يروْنه دالاً على أن زكاة الفطر لم تعد واجبة بعد أن كانت واجبةً فترةً من الزمن، وأنه يدل على نسخ الوجوب وهذا الحديث هو: عن قيس بن سعد ﵁، قال ﴿أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله﴾ رواه ابن ماجة (١٨٢٨) والنَّسائي وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي بسندٍ صحيح. فنقول لهؤلاء ما يلي:
стр. 356
إن هذا الحديث ليس حجةً لكم بقدر ما هو حجةٌ لنا فالحديث يدل بالمنطوق على أن الرسول ﷺ قد أمر بها قبل أن تنزل الزكاة، وأن هذا الحديث قد قرنها بالزكاة ليشير بذلك إلى أنها زكاة فتأخذ حكمها، وهذا لا يخالفونه هم، وما دام أنها تأخذ حكم الزكاة وأنها تندرج تحت حكم وجوب الزكاة بلا خلاف بين المسلمين، فإن إبطال هذا الحكم يحتاج إلى نصٍّ، ونصُّهم هذا لا يدل على ما ذهبوا إليه من النسخ، فقول الحديث (فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله) يدل على بقاء الحكم وأنه لم يجر عليه تغيير لا أمر ولا نهي، مع استمرار العمل به عند المسلمين. أما دعوى النسخَ فهي باطلةٌ، إِذ لو كان النسخُ مراداً لقال الحديثُ: لقد نهانا أو لم يعزم علينا أو من شاء فعله منكم ومن شاء تركه، فلما لم يقل شيئاً واستمر الحال على حاله من العمل به، فإن ذلك من أوضح الدلالات على بقاء حكم الوجوب إِذ المعلوم بداهةً أن النبي ﷺ لا يجب عليه أن يكرر أقواله وتشريعاته بين الفينة والأخرى.
...فالزكاة مفروضة وواجبة - إلا أنَّ الأحناف يقولون إنها واجبة غير مفروضة جرياً على قاعدتهم التي يفرِّقون فيها بين الفرض والواجب – وهذا الفرض مستمر منذ بدئه إلى يومنا هذا على قاعدة الاستصحاب الأصولية المعروفة، ولا حجةَ ذاتَ اعتبار لمن قالوا بالنسخ أو بالندب.
وقتُ وجوبها:
стр. 357
أما وقت وجوبها، فيبدأ عند غروب شمس آخر أيام رمضان، أو عند بدء ليلة الفطر، ذلك أن هذه الزكاة هي زكاة الفطر والفطر يبدأ عند انتهاء الصيام، والصيام ينتهي عندما تغرب شمس آخر أيام رمضان. وممن قال بهذا مالك في رواية عنه، والشافعي وأحمد والثوري وإسحق بن راهُويه. وهو الصحيح الذي يتعين القول به، والعمل به، خلافاً لأبي حنيفة والليث بن سعد وأبي ثور ومالك في الرواية الأخرى عنه القائلين بأن وقت الوجوب يبدأ عند طلوع فجر يوم العيد، بدعوى أن الفطر لا يظهر إلا آنذاك، وأن الفطر لا يظهر في الليل لأنه ليس وقتاً للصوم. فأقول ما يلي:
إن هذا الأمر لمن الوضوح والبيان بحيث لا يلزم الخلاف حوله، فنحن نصوم شهر رمضان عند بدء الشهر ونفطر عند انصرامه، وانصرام الشهر أيٍّ شهر يحصل عند غروب شمس آخر نهار منه، فنحن معشرَ المسلمين قد درجنا على اعتبار أن اليوم، أيَّ يومٍ، يبدأ بغروب شمس النهار الذي يسبقه بمعنى أننا نعتبر الليل يسبق النهار في حساب الأيام، فيوم الجمعة مثلاً يبدأ عند غروب شمس نهار الخميس، فعندما تغرب شمس نهار الخميس يبدأ يوم الجمعة، ولا يُعتدُّ بقول من يخالف هذا الحساب. وعلى ذلك فإن شهر رمضان إذا انصرم آخرُ نهارٍ فيه بغروب شمسه فقد انصرم الشهر، ودخل شهر شوال، وهو بدء الفطر، ولذلك لا تُصلَّى صلاة التراويح في تلك الليلة، لأنها ليست من رمضان، وبذلك يظهر أن الفطر الذي هو سبب الزكاة قد حصل عند غروب شمس آخر نهار من رمضان.
стр. 358
...أما القول إن الفطر لا يظهر إلا بطلوع فجر يوم العيد، فلا حجة فيه على مسألتنا، لأن الفطر قد حصل بدخول شهر شوال، أي قد حصل سبب الزكاة وهو حصول الفطر، فالقول بظهور الفطر وعدم ظهوره لا يؤثر في حصول الفطر بالفعل، فلا يؤثر في وجود سبب أداء الزكاة وهو حصول الفطر بالفعل، فالعبرة بتحقق وجود الفطر، وقد تحقق وجوده بانصرام شهر الصوم، وصومُ الشهر ينصرمُ بدخول أول لحظة من شهر شوال، وعليه فإِنَّ تعليقهم أداء الزكاة على ظهور الفطر هو خطأ ظاهر
وقتُ إخراجها:
لقد اختلف الأئمة الأربعة وغيرهم في تحديد وقت الإخراج على النحو التالي: فأبو حنيفة يُجيز تقديم أداء زكاة الفطر قبل رمضان ولو بعامين. وقال مالك لا يجوز تقديم هذه الزكاة عن وقتها، بل يجب أن تُؤدَّى في وقتها مثلها مثل الصلاة. وقال الشافعي يجوز إخراجها من أول رمضان. وقال أحمد يجوز إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين. وقال الجمهور: يستحب تقديمها قبل صلاة العيد، ويُجْزيءُ إِخراجها إلى آخر يوم العيد.
...واتفق الجميع على أنها لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب، بل تصير دَيْناً حتى تؤدى، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، إلا ما نُقل عن محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي من القول بجواز تأخيرها عن يوم العيد. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها. وحتى يتبين لنا الحكم الصائب في مسألتنا هذه بإِذن الله لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بها:
١- عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة.
стр. 359
٢- وعنه ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تًؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه مسلم (٢٢٨٩) وأبو داود والترمذي وأحمد والدارمي.
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿من السُّنة أن تُخْرَجَ صدقةُ الفطر قبل الصلاة﴾ رواه ابن أبي شيبة (٣/٦٠) والدارَقُطني.
٤- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس، وأن عبد الله كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٢٩٩) والدارَقُطني.
٥- وعن نافع ﴿أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجْمَعُ عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة﴾ رواه مالك (١/٢٣٨) ورواه ابن أبي شيبة (٣/١١٥) بلفظ ﴿أنه كان إذا جلس من يقبض زكاة الفطر بيوم أو يومين، ولا يرى بذلك بأساً﴾ .
٦- عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: أَغنوهم في هذا اليوم﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٥٣) ورواه البيهقي مطولاً (٤/١٧٥) وجاء فيه ﴿ ... أَغنوهم عن طواف هذا اليوم﴾ ورواه ابن سعد من طريق محمد بن عمر الواقدي.
٧- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾ رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة والدارَقُطني والبيهقي. ورواه الحاكم (١/٤٠٩) وصحَّحه، وأقرَّه الذهبي.
стр. 360
٨- عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْري ﴿خطب رسول الله ﷺ قبل الفطر بيومين فقال: أدُّوا صاعاً من بُرٍّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على كل حُرٍّ وعبدٍ وصغير وكبير﴾ رواه أحمد (٢٤٠٦٣) وأبو داود والدارقطني والطبراني والطحاوي بإسنادٍ رجالُه ثقات. ورواه الدارَقُطني أيضاً من طريق أخرى بقوله [عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير عن أبيه] فصار مسنداً.
الحديث الثالث من رواية الحجَّاج بن أرطأة ضعَّفه الكثيرون فيُترك. والحديث السادس من طريق أبي معشر عند الدارَقُطني والبيهقي ومن طريق محمد بن عمر الواقدي عند ابن سعد في طبقاته وهما ضعيفان جداً، فيترك الحديث بروايتيه. فتبقى عندنا ستة أحاديث صالحة للاحتجاج والاستدلال.
...وهذه الأحاديث قد بيَّنت وقتَ إخراج الزكاة، وأنه قبل الصلاة، أو قبل خروج الناس إلى الصلاة، دون أن تحدد هذه الأحاديث أول وقت الإخراج، فالأحاديث كلها قد ذكرت نهاية وقت الإخراج، وهو صلاة عيد الفطر، ولكنها أغفلت أول وقت الإخراج، فنقول إن الواجب على كل مسلم أن يخرج زكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد، ولا يصلي إلا بعد أن يكون قد أخرج زكاة فطره. أما أن يخرجها قبل الصلاة بوقت طويل أو بوقت قصير فهذا ما لم تحدِّده الأحاديث وما لم تنصَّ عليه، بل تركته لاختيار المسلم نفسه، فله أن يؤديها قبيل الصلاة، وله أن يؤديها في ليلة العيد، وله أن يؤديها قبل ذلك بكثير أو بقليل، فالأمر في ذلك موسَّع.
...أما ما جاء في الحديث الرابع (وأن عبد الله كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين) فليس فيه تحديدٌ لأول الإخراج، وإنما هو اختيار من ابن عمر لهذا الوقت فحسب، فكما أنه يحق لابن عمر أن يختار هذا الوقت، فإنه يحقُّ لغيره أن يختار وقتاً قبله أو بعده.
стр. 361
...أما ما جاء في الحديث الخامس (أَن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجْمَع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) من رواية مالك. و (أنه كان إذا جلس من يقبض زكاةَ الفطر بيوم أو يومين ولا يرى بذلك بأساً) من رواية ابن أبي شيبة. فإنه وإن دلَّ على أن المسلمين في أيام ابن عمر كانوا يجمعون ويقبضون زكاة الفطر قبل الصلاة بيومين أو بثلاثة فإن هذه الدلالة بصفتها الواردة هنا غير مُلزمةٍ، إذ ليس في هذه الصفة أيةُ دلالة على الإلزام، وهي لا تعدو كونها مما يجوز فعله من تنظيمٍ لإخراج الزكاة وما يحتاجه التنظيم إلى تحديدٍ وتوقيت، ولا تدل على أكثر من ذلك، فمن أراد أن يتخذ تنظيماً لقبض الزكاة، فإنه ولا شك في حاجة لاختيار وقتٍ لهذا التنظيم، وهذا لا يعني أن هذا الاختيار وحده هو المشروع. وانظر في قول ابن عمر (ولا يرى بذلك بأساً) فإنه يدلُّ دلالةً واضحة على أن هذا التحديد في قبض الزكاة ليس ملزماً، وإلا لما كان لقول ابن عمر معنى، بل ولما جاز هذا القول.
...أما الحديث الثامن فقوله (خطب رسول الله ﷺ قبل الفطر بيومين فقال: أدُّوا صاعاً من بُرٍّ ... ) فليس هو أيضاً نصاً على تحديد أول إخراج الزكاة وإنما هو ذِكرٌ للوقت الذي شرع فيه رسول الله ﷺ زكاة الفطر والفرق كبير بين النص على وقت الوجوب والنص على وقت إعلان الحكم، فالرسول ﷺ قد بين حكم زكاة الفطر وأمر بإخراجها، وكان ذلك منه قبل الفطر بيومين، أي أنه أمر بزكاة الفطر، واختار لإِعلان هذا الأمر وقتاً يسبق الفطر بيومين، ولم يتطرق النص مطلقاً إلى تحديد بدء الإخراج، كما لا يخفى على البصير المدقِّق. وإذن فإن النصوص كلها قد أغفلت تحديد بدء إخراج زكاة الفطر ليكون الأمر موسَّعاً، وليختار المسلم الوقت المناسب له لإِخراج هذه الزكاة.
стр. 362
...وأقول أخيراً إن زكاة الفطر هي زكاة، أحكامُها أحكامُها، إلا ما ورد من استثناءات، وقد ورد في عموم الزكاة جواز تقديمها، فقد رُوي عن علي ﵁ ﴿أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك﴾ رواه الترمذي (٦٧٣) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارَقُطني ولم يرد لهذا الحديث استثناءٌ ولا نسخٌ فيظل معمولاً به. قال الترمذي عقب روايته لهذا الحديث [قد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل مَحلِّها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجِّلها، وبه يقول سفيان الثوري، قال: أَحَبُّ إليَّ أن لا يعجلها. وقال أكثر أهل العلم إن عجَّلها قبل محلِّها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق] وحيث أن صدقة الفطر زكاة، فإن هذا القول في الزكاة يشملها.
...أما قول الأحاديث أن تُؤدَّى الزكاة قبل خروج الناس إلى الصلاة فهو لا شك فيه تحديد واضح وملزمٌ لآخِرِ وقت الإخراج، وقول الحديث السابع (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) هو أكثر وضوحاً لتحديد نهاية وقت الإخراج ولبيان الوجوب والإلزام، فقوله من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، أي فهي صدقة تطوُّع، يعني أنها لم تعد زكاةَ فطرٍ مفروضة، وإذن فإن زكاة الفطر حتى تبقى زكاةً مفروضة لا يصح تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد، ويقع الإثم بهذا التأخير. وبناء عليه فليس صحيحاً قول من يقول بجواز تأخيرها عن يوم العيد، أو بإِجزاء إِخراجِها إلى آخر يوم العيد، كما ذهب إلى ذلك الجمهور.
стр. 363
...أما قولهم إن الفقهاء قد اتفقوا على أن الزكاة هذه لا تسقط بالتأخير وتصير ديناً حتى تؤدَّى، فلا أراه صحيحاً، والحديث السابع يردُّه، إذ كيف يمكن أن تُؤدَّى هذه الزكاة المفروضة بعد صلاة العيد بصدقة تطوُّع ؟ ذلك أنَّ الحديث السابع يقول بشكل واضح ( ... من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) أي أنَّ أداءها بعد الصلاة لا يبقيها زكاة فطرٍ، وإنما تكون مجرد صدقة من الصدقات، فهل إخراج صدقة تطوُّع عندئذٍ يعتبر تأديةً لزكاة الفطر الواجبة؟
...وبناء على ما سبق نقول إن الشرع قد حدَّد لإخراج زكاة الفطر نهايةَ وقتٍ، هي صلاة العيد، وترك بداية الإخراج دون تحديد، ليختار المسلم الوقت الذي يراه لإخراج هذه الزكاة، فله أن يؤديها قبل العيد بيومين أو بأسبوع، أو حتى بشهر، ولا ضير عليه في كل ذلك. نعم لو صح الحديث السادس لأمكن أن نأخذ منه علةً يُستنبط منها القولُ بتقديم الإخراج عن الصلاة أياماً قليلة، حتى لا تنفذَ الزكاةُ من بين أيدي المساكين في يوم العيد، ولكنه من الضعف الشديد بحيث لا يصح الاستدلال به.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب زكاة الفطر على كل مسلم دون استثناء، فتجب على الغني وعلى الفقير وتجب على الكبير وعلى الصغير، وتجب على الذكر وعلى الأنثى، وتجب على الحر وعلى العبد، وتجب على من صام، وعلى من لم يصم، فهي واجبة على كل مسلم ومسلمة، ولم يرد في النصوص أي استثناء ولا أي تقييد لهذا الحكم العام المطلق. وهذه جملة من النصوص تبين هذا الحكم:
١- عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ... ﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) وغيره. وقد مرَّ هذا الحديث في بحث [حكم زكاة الفطر] .
стр. 364
٢- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿كنا نُخْرِج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا عن كل صغيرٍ وكبيٍر حرٍّ ومملوكٍ ... ﴾ رواه مسلم (٢٢٨٥) والبخاري والدارمي.
٣- عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، غنيٍّ أو فقير، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاعٍ من قمح، قال مَعْمَر: وبلغني عن الزُّهري أنه كان يرفعه﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٥) وعبد الرزاق والبيهقي. ورواه أحمد (٧٧١٠) بلفظ ﴿عن أبي هريرة في زكاة الفطر: عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، فقيرٍ أو غني، صاع من تمر، أو نصف صاع من قمح. قال مَعْمَر: وبلغني أن الزُّهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ ﴾ وسنده صحيح.
٤- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث منادياً في فِجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبير، مُدَّان من قمح، أو سواه صاعٌ من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) وقال [هذا حديث غريب حسن] ورواه الدارَقُطني وسكت عنه.
стр. 365
ودلالة هذه الأحاديث واضحة. فقط قولي [وتجب على من صام وعلى من لم يصم] يحتاج إلى وقفة قصيرة، فأقول: إن هذا القول مستنبَط من عموم الأحاديث إذ عندما تذكر الأحاديثُ الأنثى على العموم، والأُنثى قد تكون أفطرت في أيام نفاسها، ومع ذلك تجب عليها الزكاة، وعندما تذكر الأحاديث الكبير على العموم، والكبير قد يفطر رمضان كله أو بعضه ويطعم بدل ذلك، ومع ذلك تجب عليه الزكاة وعندما تذكر الأحاديث الصغير على العموم، وهذه اللفظة تشمل الطفل الرضيع كما تشمل من هو قبل البلوغ، وهما لا يصومان أو يصوم الطفل قبل البلوغ قليلاً أو كثيراً ومع ذلك تجب عليه الزكاة، فإنَّ كلَّ ذلك يدلُّ دلالةً مؤكَّدةً على أنَّ من صام ومن لم يصم تجب عليه الزكاةُ، وإذن فإن الزكاة واجبة على كل مسلم دون استثناء.
...أما ما رُوي عن أبي حنيفة والثوري وإسحق والنخعي وعطاء من قولهم: إن زكاة الفطر تجب على الكافر إن كان عبداً، وعلى الكافرةِ إِن كانت زوجةً لمسلم، فإن هذا القول خطأ والنصوص تردَّه وهؤلاء إنما اعتمدوا على بعض النصوص، وهذه هي:
١- عن عراك بن مالك قال: سمعت أبا هريرة يحدِّث عن رسول الله ﷺ قال ﴿ليس في العبد صدقةٌ إلا صدقة الفطر﴾ رواه مسلم (٢٢٧٦) وأحمد وابن خُزيمة.
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صدقة الفطر عن كل صغيرٍ وكبير، ذكرٍ وأنثى، يهوديٍّ أو نصرانيٍّ، حرٍّ أو مملوكٍ، نصفَ صاع من بُرٍّ، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٥٠) .
٣- الأحاديث المارَّة قبل قليل (على العبد والحر) رقم ١، و (عن كل صغير وكبير حرٍّ ومملوكٍ) رقم ٢، و (عن كل حرٍّ وعبدٍ) رقم ٣، و (حرٍّ أو عبدٍ) رقم ٤.
стр. 366
وغفر الله لهؤلاء، فقد استدلوا بالأحاديث التي جاءت بصيغة العموم، ولم يلتفتوا إلى تخصيص هذه الصيغة، والمعلوم بداهةً أن الخاص يُعمَل به، وأن العام يُحمل على الخاص، ففي الحديث الأول جاء التخصيص بقوله (من المسلمين) وفي الحديث الرابع جاء التخصيص بقوله (على كل مسلم ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد) وهذا تخصيص ظاهر ظهور الشمس. فالعبد إن كان مسلماً وجبت عليه الزكاة، والأنثى كالزوجة مثلاً إن كانت مسلمة، وجبت عليها الزكاة، فيخرج العبد الكافر والأنثى الكافرة. ثم إن الزكاة عبادة، والعبادة لا تصحُّ من كافرٍ لأن شرطها الإسلام، وهذا ظاهر ومعلوم. وما قلناه هنا نقوله بخصوص الحديث الأول الذي رواه مسلم، فإنه يُحمَل على أن العبد هنا هو العبد المسلم حملاً للعام على الخاص.
...أما الحديث الثاني، فهو حجة قوية وواضحة لهم لو كان صحيحاً أو حسناً، ولكنه حديث لا يصح أخذه ولا العمل به، فالدارَقُطني راوي الحديث يقول [سلام الطويل متروك الحديث ولم يسنده غيره] وقال النَّسائي: متروك الحديث. وقال يحيى ابن معين: لا يكتب حديثه. وضعفه علي بن المَدِيني جداً. واعتبره ابن الجوزي من الموضوعات. فأين اجتهادهم هذا مما قلناه؟ وهل يصمد هذا الاجتهاد أمام الحديث الذي رواه ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين، حرٍّ أو عبدٍ، رجلٍ أو امرأةٍ، صغيٍر أو كبيٍر، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير﴾ رواه مسلم (٢٢٨٢) وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي والدارقطني. والحجة هنا دامغة.
стр. 367
...أما ما رُوي عن محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، من قوله إنَّ الصدقة لا تجب على الصغير، ومن قول الحسن البصري وعامر الشعبي وسعيد بن المسيِّب إن الزكاة واجبة على من صام فقط، مستدلين بالحديث المار قبل قليل في بحث [وقت إخراجها] رقم ٧ ﴿ ... زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرَّفَث ... ﴾ . رواه أبو داود (١٦٠٩) وغيره. فإن الأحاديث كلها تردُّ هذين القولين، فالصغير جاء ذكره صريحاً في العديد من الأحاديث فلا يحل القول بخلافه، وأما أن زكاة الفطر طُهرة للصائم فإنها خرجت على التغليب، وإلا فإن الأحاديث التي ذكرت من لا يصومون مردودة، وهؤلاء لا يقولون ذلك.
...أما هذا الوجوب فعلى من يقع القيام به؟ قال مالك والشافعي وأحمد والليث ابن سعد وإسحق بن راهُويه إن الوجوب يقع على الزوج لزوجته في حين أن أبا حنيفة والثوري، وابن المنذر من الشافعية، قالوا إن الوجوب يقع على الزوجة.
والصحيح هو أن زكاة الفطر هي إخراج مال أو قل هي إنفاق مال، وإنفاق المال يقع على الزوج لزوجته، كما يقع على الرجل لابنه الصغير، ويقع عليه لأبيه الكبير العاجز، ويقع عليه عن كل من تلزمه نفقتهم من أهله وعياله ومنها زكاة الفطر فهي واقعة على المعيل لمن يعيل بغض النظر عن أصنافهم، وهذا البحث ليس هنا محلُّه، فلا نستقصي البحث فيه وحسبنا أن نذكر عدداً من الأحاديث التي تشير إلى ما نقول:
١- الأحاديث التي تذكر العبد والصغير، وهما لا يستطيعان إخراج الزكاة، إما لعدم ملك العبد مالاً، وإما لجهل الصغير وعدم تكليفه بالأحكام الشرعية.
стр. 368
٢- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - أو قال رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُرٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر، فأَعوز أهلُ المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إنْ كان يعطي عن بَنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة. وروى النَّسائي (٤٦١٥) الجزء الأول منه فقط. فهنا كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إنه كان يعطي عن أبناء نافع راوي هذا الحديث، وقد سبق أن كان نافع مملوكاً لابن عمر، وهذا الفعل من ابن عمر لمما يُستأنسُ به.
٣- عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخرج، إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ ، زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حرٍّ أو مملوكٍ، صاعاً من طعام ... ﴾ رواه مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود وابن ماجة والترمذي وابن خُزيمة. فقوله (عن كل صغير وكبير حر أو مملوك) واضح الدلالة، إذ لم يقل: كان الصغير والكبير والحر والمملوك يُخرجون.
٤- حديث أبي هريرة ﵁، وقد سبق، ولفظه ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، صاعٌ من تمر، أو نصف صاع من قمح ... ﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٥) وغيره. فقوله عن كل حرٍّ وعبد ... الخ وعدم قوله على كل حرٍّ وعبد ... واضح الدلالة أيضاً ولا يضير هذا الفهم إن جاءت نصوص تقول (على) فإنها آنذاك تدل على أن الوجوب هو على هؤلاء ونحن لا ننكر ذلك، وإنما نقول إن أداء هذا الواجب يقع على المعيل عنهم.
стр. 369
٥- عن عروة ﴿أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخبرته أنها كانت تُخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها الحرِّ منهم، والمملوك مُدَّين من حنطة، أو صاعاً من تمر بالمد، أو بالصاع الذي يتبايعون به﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٣) . والدلالةُ واضحة وقوية.
ويبقى السؤال: هل يُشترط في المُخْرِج للزكاة أن يكون غنياً، أم تجب الزكاة على كل مسلم فقير وغني وما حدُّ الغِنى عند مَن يُوجبونه؟ قال أبو حنيفة وأصحابه: يشترط في المخرج للزكاة أن يكون غنياً غنىً شرعياً. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحق وعطاء: يشترط فيه أن يكون مالكاً لقوت يومٍ وليلة.
أبو حنيفة وأصحابه قاسوا زكاة الفطر على الزكاة، فأوجبوا في المخرج لزكاة الفطر ما يجب في المخرج للزكاة من وجود الغِنى ومِلك النِّصاب. أما مالك والشافعي وأحمد بن حنبل فقد اعتمدوا على حديث سهل بن الحنظلية، قال رسول الله ﷺ ﴿ ... إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله وما يُغنيه؟ قال: ما يُغَدِّيه أو يُعَشِّيه﴾ رواه أحمد (١٧٧٧٥) وابن حِبَّان ورواه أبو داود (١٦٢٩) بلفظ ﴿قدر ما يُغَدِّيه ويُعَشِّيه﴾ بالواو، وليس بـ أو. فقالوا: يشترط فيه أن يكون مالكاً لقوت يوم وليلة.
...والحق أن الجميع قد جانبهم الصواب، أما أبو حنيفة وأصحابه فإن حديث أبي هريرة الذي رواه الطحاوي المار في صدر هذا البحث يرد عليهم قولهم، فقد جاء فيه (زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، غنيٍّ أو فقيرٍ ... ) ، وهو حديث صحيح لا تجوز مخالفته إلى حكم عقلي أو قياسي، إذ لا اجتهاد في موضع النص كما هو معلوم، فالفقير هو ممن يجب عليهم أن يُخرجوا زكاة الفطر بالنص، فلا مُسوِّغ لقياسه على مخرج الزكاة.
стр. 370
...وأما مالك والشافعي وأحمد ومن معهم فإن هذا الحديث أيضاً يرد عليهم قولهم إذ قد أوجب هذا الحديث زكاةَ الفطر على الفقير دون أن يحدِّدَ قدر الفقر لديه، أي جاء الحكم عاماً في الفقر، فلا يجوز تخصيصه بالعقل، أو بالقياس على من يسأل الناس ويستجدي، فهذا باب وذاك باب آخر.
...ومن جهة ثانية أقول إن حديث سهل بن الحنظلية قد ذكر أن مَنْ مَلَكَ الغداءَ والعشاءَ فهو غني، وبمعنى آخر أن مَنْ مَلَكَ قوتَ يوم وليلة فهو غني، فقولهم إن من ملك قوت يوم وليلة توجَّبَ عليه إخراجُ زكاة الفطر، معناه أنهم أوجبوا زكاة الفطر على الغني ولم يوجبوها على الفقير، في حين أن النص قد أوجبها على الفقير، كما أوجبها على الغني، فماذا يقولون؟ فقولهم بوجوبها فقط على من ملك قوت يوم وليلة – أي على الغني - معارَضٌ بالنص الذي أوجبها أيضاً على الفقير، ولو كان النص يقول بوجوبها على الغني ولم يذكر الفقير لكان بحثهم في محله وعلى صعيد صحيح، أما وأن النص لم يستثن الفقير فإنه لا يصحُّ لهم استثناؤه.
...ثم إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي رواه الترمذي المار أيضاً في صدر هذا البحث يقول (ألا إن صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلم ... ) وإن حديث ابن عمر الذي رواه مسلم وغيره، المار أيضاً قبل قليل يقول (إن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حرٍّ أو عبدٍ ... ) ليؤكِّد ما قلناه، وليشمل النصُّ الفقيرَ لأنه نفسٌ من المسلمين، فإن استثنى هؤلاء الفقيرَ من وجوب إخراج زكاة الفطر فقد استثنوا عموم النصوص دون أي سند شرعي صحيح.
...وأقول أخيراً إن زكاة الفطر هي عبادة عن الأبدان وليست عبادة عن الأموال كسائر الزكاة حتى يبحثوا عن الغنى والفقر وحدودهما، فكل نفس مسلمة لها بدن، فتجب فيه زكاة الفطر، هكذا دون أي تخصيص أو تقييد.
стр. 371
...نعم إن من لا يملك مقدار زكاة الفطر فهو معذور غير مستطيع، فتسقط عنه زكاة الفطر، وهذه حالة جديدة مغايرة تماماً للحالات التي ذكروها، ذلك أن رسول الله ﷺ يقول ﴿ ... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فمَن ملك مقدار زكاة الفطر فقد وجب عليه إخراجها، ومن لا فلا شيء عليه.
الأصنافُ التي تُجزئُ في زكاة الفطر:
إنه لمما لا شك فيه أن الأصناف التي ذُكرت في الأحاديث هي أصناف مُجْزِئة وأَوَّلُها وأَوْلاها هي صنف التمر، فقد ذكرته الأحاديث كثيراً، وجعلته رأسَ ما يُخْرَج من زكاة الفطر. وباستعراض الأحاديث كلها، نجد أن هذه الأصناف المذكورة هي: التمر، والشعير، والحنطة أو القمح أو البُر، والزبيب، والأَقِط، والسويق، والسُّلت - وهو صنف من الشعير لا قِشر له -، والدقيق في روايات قليلة، والطعام - هكذا على العموم - هذه هي الأصناف المذكورة في الأحاديث، ونستعرض الآن عدداً من الأحاديث المتعلقة بهذه المسألةِ:
١- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبدِ والحرِّ، والذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير من المسلمين ... ﴾ . رواه البخاري (١٥٠٣) وغيره. وقد مرَّ في بحث [حكم زكاة الفطر] .
٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: ﴿كنا نُخْرِج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقِط أو صاعاً من زبيب﴾ رواه البخاري (١٥٠٦) ومسلم والطحاوي والدارمي.
стр. 372
٣- عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول ﴿ما أخرجنا على عهد رسول الله ﷺ إلا صاعاً من دقيق، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من سُلْتٍ، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أَقِطٍ، قال أبو الفضل: فقال له علي بن المديني وهو معنا: يا أبا محمد، أحدٌ لا يذكر في هذا الدقيقَ، قال: بلى هو فيه﴾ . رواه الدارَقُطني (٢/١٤٦) واحتج به أحمد.
٤- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول ﴿صَدقة رمضان صاع من طعام من جاء ببُرٍّ قُبِل منه، ومن جاء بشعيرٍ قُبِل منه، ومن جاء بتمرٍ قُبل منه، ومن جاء بسُلْتٍ قُبل منه، ومن جاء بزبيبٍ قُبل منه، وأحسبه قال: ومن جاء بسَوِيقٍ أو دقيقٍ قُبل منه﴾ . رواه ابن خُزيمة (٢٤١٧) وسنده صحيح. ورواه الدارَقُطني.
٥- عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ، غنيٍّ أو فقيرٍ، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاع من قمح﴾ . رواه الطحاوي (٢/٤٥) وعبد الرزاق والبيهقي ورواه أحمد (٧٧١٠) بلفظ ﴿عن أبي هريرة في زكاة الفطر: على كل حرٍ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ، فقيرٍ أو غنيٍ، صاعٌ من تمر، أو نصف صاع من قمح قال معمر: وبلغني أن الزُّهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ ﴾ . وسنده صحيح. وقد مرَّ.
هذه هي الأصناف التي كان المسلمون في زمن رسول الله ﵌ ومَن بعده من الصحابة والتابعين يخرجونها في زكاة الفطر، وهنا نُسجِّل عدداً من النقاط.
стр. 373
أ - إن إخراج البُر أو القمح قد تأخر عن الأصناف الأخرى خاصةً التمر والشعير، وذلك أن حال المسلمين في البدء كان رقيقاً ضعيفاً فكان قُوتُهم في مجملِهِ التمرَ والشعيرَ فلما فتح الله عليهم وتوفَّر وجود القمح، صاروا يُخْرِجونه في زكاة الفطر، فقد روى نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من شعير أو تمر أو سُلْت أو زبيب، قال: قال عبد الله: فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة، جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ رواه أبو داود (١٦١٤) والدارَقُطني. وروى النَّسائي الجزء الأول منه.
ب - وردت في عدد من النصوص لفظةُ (الطعام) منها الحديث بند ٢ من رواية أبي سعيد، والحديث بند ٤ من قول ابن عباس. وجاءت هذه اللفظةُ أيضاً في الحديث الذي رواه البخاري (١٥٠٨) وأحمد والطحاوي من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ ﴿كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مداً من هذا يعدل مدين﴾ قوله السمراء: هي الحنطة تُزرع في الشام.
стр. 374
ج - باستعراض هذه الأصناف نجد أنها قد استغرقت الأقوات كلها التي كان المسلمون آنذاك يقتاتون بها، فلم تستثن النصوصُ أيَّ صنف من الأقوات من جواز إخراج زكاة الفطر منها، وبمعنى آخر فإن زكاة الفطر يخرجها المسلمون مما يقتاتون به، ولم تأت الأصناف في الأحاديث على سبيل الحصر كما قد يتوهم بعضهم فالقمح أو قل السمراء وهي القمح الشامي، قد تأخر شيوعه إلى زمان عمر بن الخطاب ومعاوية، فراح المسلمون يخرجون زكاة الفطر منه، مما يدل دلالة واضحة على أن الصحابة لم يفهموا أنَّ الأصناف المذكورة هي للحصر، وأنها لا تعدو كونها مجردَ ذِكرٍ لأقواتهم التي كانوا يقتاتون منها، ومما يؤكد هذا الفهم الحديثُ الذي رواه الدارَقُطني (٢/١٤٠) من طريق علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده - وهو جعفر الصادق - عن آبائه ﴿أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى ممن تمونون﴾ وهو حديث حسن. ولا يقال إِن آباءه في الحديث جاءوا مجهولين، فإن آباءه يعرفهم المسلمون، فهم محمد بن علي، وعلي بن الحسين، والحسين بن علي، وعلي بن أبي طالب، وهؤلاء جميعاً ثقات، وقد أخرج لجعفر الشيخان، فالحديث يُحتَجُّ به، وهو واضح الدلالة على ما نقول. ومما يزيدنا اطمئناناً الحديث الذي رواه الدارَقُطني أيضاً (٢/١٤١) والترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث منادياً ينادي في فِجاج مكة: ألا إنَّ زكاة الفطر واجبة على كل مسلم على كل ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ مُدَّان من قمح، أو صاع مما سواه من الطعام﴾ وقد مرَّ في صدر بحث [على من تجب زكاة الفطر] برواية الترمذي. فقوله (مُدَّان من قمحٍ أو صاع مما سواه من الطعام) جاء بلفظ عام، فيدخل تحته كل طعام يأكله الناس. وعلى هذا نقول ما يلي:
стр. 375
١- كما أنه يُجْزئ إخراجُ القمح والتمر والشعير، والزبيب والأقط والسُّلت، وحتى الدقيق والسويق، فإن أي طعام يقتات الناس به يُجْزئ في زكاة الفطر، ففي عصرنا الراهن دخل الأَرُز والفول والحمص والفاصولياء واللوبياء والبازيلاء والعدس في طعامنا الذي نقتات به فصارت هذه الأصناف مُجْزِئة في زكاة الفطر وهذا ردٌّ على من وقفوا عند الأصناف المذكورة، وقالوا لا يُجْزِئ غيرها، بل إن هؤلاء قد اختلفوا في إِجزاء بعض هذه الأصناف، فأبو حنيفة مثلاً يقول بعدم إِجزاء الأَقِط، ومالك والشافعي يقولان بعدم إِجزاء الدقيق والسَّويق. والحنابلة يقولون من قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يَجْزِئْهُ. ورُوي عن مالك قوله: إنه لا يُجْزِئ غير المنصوص عليه في الأحاديث وما فيه معناه. وفي المقابل، قد رُوي عن الشافعية قولهم: كل ما يجب فيه العُشر فهو صالح لإخراج الفطرة منه كالأرز والذرة والدُّخْن والحمص والعدس والفول وغير ذلك. وعن الحنابلة قولهم: من كل ثمرةٍ وحبَّةٍ تُقتات. وعن المالكية قياسهم على الأصناف المنصوص عليها كلَّ ما هو عيش أهل كل بلد، من القطاني وغيرها.
٢- وكما أنه يُجْزِئ إِخراج أي صنف مما يقتات به الناس فإن قيمة أي صنف تُجْزئ هي الأخرى في زكاة الفطر، فقيمة الشيء معادِلةٌ له، لا فضل لأحدهما على الآخر، وكان أبو حنيفة والثوري يقولان بجواز إخراج القيمة. وقال الحسن البصري [لا بأس أن تُعطَى الدراهمُ في صدقة الفطر] رواه ابن أبي شيبة (٣/٦٤) من طريق هشام. كما روى ابن أبي شيبة في مصنَّفه (٣/٦٤) من طريق قُرَّة قال [جاءنا كتاب عمر ابن عبد العزيز في صدقة الفطر نصفُ صاعٍ عن كل إنسان، أو قيمتُه نصفُ درهم] ورُوي عن بعض المالكية القول بإخراج القيمة ولكن مع الكراهة. وحتى نتبين وجه الصواب في هذه المسألة دعونا ننظر في عدد من النصوص ذات العلاقة:
стр. 376
أ- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - أو قال رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ ... ﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة والنَّسائي.
ب- عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخْرِج، إذ كان فينا رسول الله ﷺ ، زكاةَ الفطر عن كل صغيٍر وكبير، حرٍّ أو مملوك، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقِطٍ، أو صاعاً من شعيرٍ، أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نُخْرِجُه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً، أو معتمراً، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أُخرجه كما كنت أُخرجه أبداً ما عشتُ﴾ رواه الإمام مسلم (٢٢٨٤) والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان والدارمي. وفي رواية ثانية عند مسلم (٢٢٨٥) والبخاري بلفظ ﴿ ... حتى كان معاوية، فرأى أن مُدَّين من بُرٍّ تعدل صاعاً من تمر﴾ من طريق أبي سعيد الخدري ﵁.
ج- حديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود (١٦١٤) والدارَقُطني والنَّسائي، وقد مرَّ في بند (أ) وجاء فيه ﴿فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ .
قول الحديث بند (أ) (فعدل الناس به نصف صاع من بر) وقول الحديث بند (ب) (أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك) وقول الحديث بند (ج) (جعل عمر نصف صاع حنطة، مكان صاع من تلك الأشياء) هذه الأحاديث الثلاثة ذكرت المعادلة أو التعادل بين شيئين، ولا تكون المعادلة إلا بين شيئين متماثلين في القيمة، وإلا فلا تعادل، هذه نقطة.
стр. 377
والنقطة الثانية هي أن التعادل هنا قد حصل بين شيءٍ منصوصٍ عليه، وشيءٍ آخر غير منصوص عليه كما جاء في الحديث الثاني، فسمراء الشام، أو قل قمح الشام لم يُنصَّ عليه في أي حديث، وجاء هذا الحديث بمعادلته بشيء منصوص عليه هو التمر مما يدل على أن التعادل لا يجب أن يكون بين شيئين منصوص عليهما، بل إن التعادل لا يُتصور وجودُه في النصوص، ذلك أن النصوص إذا أرادت الشيئين ذكرتهما معاً بصيغة الواو أو بصيغة أو، فيكون الشيء المنصوص عليه مطلوباً بالنص، ولا يكون مطلوباً بتعادله مع غيره، فالتعادل إنما يكون بين شيئين أحدهما مذكور والآخر غير مذكور، أو يكون بين شيئين مذكورين أحدهما أفضل من الآخر، فيأتي التعادل مع التفاوت في المقدار، وما سوى هاتين الحالتين فلا يأتي ذِكْرُ التعادل.
...وقد فهم عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان قضية التعادل أو المعادلة بين شيئين أحدهما منصوص عليه والآخر غير منصوص عليه وعملا به، فأخذ الناس بذلك كما نطقت الآثار، والناس هنا هم صحابة رسول الله ﷺ ، ولا مانع من مخالفة قلة من الصحابة لذلك الأمر كما حصل من أبي سعيد الخدري، إذ أن له ذلك شرعاً ذلك أن قضية التعادل لا تأتي على سبيل الإلزام ولا حتى على سبيل الندب وهي لا تعدو كونها مباحةً أو جائزةً فحسب، والمباح أو الجائز لا مانع من مخالفته وعدم أخذه، فالتعادل بين شيئين هو مباح وجائز. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ يُعتمد عليه، ولم يكن البُرُّ بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأَوْا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير وهم الأئمة ...
стр. 378
...وبناءً على جميع ما سبق، وبناءً على فهمنا للتعادل نقول: إن إخراج القيمة جائز، وبمعنى آخر إن إخراج الدنانير والقروش جائز ولا يجوز إخراج الدنانير والقروش إلا إذا كانت تعادل الشيء أو الأشياء المنصوص عليها، وإلا فلا تعادل، وبالتالي فلا قيمة. فلا يقبل قول من يجيز إخراج الدنانير والقروش مطلقاً بدون معادلتها بالأشياء المنصوص عليها فإن جاء فقيه وقال يجوز إخراج مبلغ كذا وكذا، هكذا بشكل مطلق قلنا له إن قولك هذا غير جائز ولا يصبح جائزاً إلا إن عادلتَ هذا المبلغ بأحد الأشياء المنصوص عليها.
...ولقد أصاب أبو حنيفة ومن قال بقوله فيما ذهب إليه من جواز إخراج القيمة بشرط معادلتها بأحد الأشياء المنصوص عليها. ونحن نقول: نُخْرِج صاعاً من تمر أو ديناراً مثلاً إن كان صاع التمر يساوي الدينار في السوق، ونقول نخرج ثمانين قرشاً أو صاعاً من الدقيق، إن كان صاع الدقيق أو الطحين يساوي الثمانين قرشاً في السوق وهكذا.
...أما التعادل بخصوص القوت المستحدَث في عصرنا الراهن، فهو التعادل نفسه بخصوص إخراج القيمة، وبمعنى آخر فإنه يتوجب عند إخراج الفول مثلاً أو الأرز مثلاً أن لا نخرج صاعاً منهما، إلحاقاً بهما للأجناس المنصوص عليها، وإنما نتعامل معهما حسب قاعدة التعادل، أي نتعامل معهما كما تعامل صحابةُ رسول الله ﷺ مع القمح، فقدَّروه بالتعادل بضعف الأجناس الأخرى، أي أنه عند إخراجنا للفول أو الأرز مثلاً نقوم بمعادلتهما بالتمر أو بالشعير، فإن كان الفول عند التعادل أو الأرز أغلى قيمة من التمر أو الشعير فإن نصف صاع أو ثلثي صاع مثلاً هو المجزئ في زكاة الفطر، وفي المقابل إن كان سعر الفول أو الأرز مثلاً عند التعادل أرخص من سعر التمر أو الشعير فإن الواجب عندئذٍ إخراج صاعين أو صاعٍ ونصفٍ منهما، أي أننا نجري عملية التعادل حسب الأسعار في السوق.
стр. 379
...بقيت آخر نقطة هي: أيُّ الأصناف نتخذها مقياساً عند التعادل؟ هل نقيس الأجناس المستحدَثة على جنس التمر، أو على جنس الشعير، أو على جنس الزبيب؟ الصواب الذي ينبغي الذهاب إليه هو اتخاذ أهم وأكثر المواد شيوعاً في طعامنا في عصرنا الراهن المقياس عند التعادل. وبالنظر في النصوص المارة نجد أنها أطلقت مراتٍ الأجناس وقيدتها مراتٍ أخرى بالتمر. والتمر آنذاك كان هو الطعام الرئيسي الأول، وكانوا يقيسون عليه الأصناف المستحدَثَةَ، فقد رُوي عن أبي سعيد قولُ معاوية في الحديث الذي رواه مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان ﴿... إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك﴾ وفي الحديث الذي رواه مسلم (٢٢٨٥) والبخاري ﴿ ... حتى كان معاويةُ، فرأى أنَّ مُدَّيْنِ من بُرٍّ تعدل صاعاً من تمرٍ﴾ فأقول ما يلي:
حيث أن القمح في عصرنا الراهن هو الطعام الرئيسي الأول وليس التمر، فإني أرى أنه يتوجب عند إخراج القيمة النقدية أو إخراج الأصناف المستحدَثة، أن يجري تعادلها بالقمح، وعدم معادلتها بالتمر ولا بالزبيب ولا بالشعير، فالعبرة هي في شيوع جنس الطعام، ففي حين أن التمر كان الطعام الرئيسي في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولذا قاسوا القمح عليه، فإن القمح، لكونه هو الطعام الرئيسي في زمننا هذا، هو ما ينبغي أن نتخذه المقياس الآن عند إخراج القيمة، أو إخراجِ صنفٍ من الأصناف المستحدَثة.
أما في جنوب شرق آسيا، أي في شبه القارة الهندية وما حولها فإن الطعام الرئيسي هو الأرُزُّ وليس القمح، ولذا فإن على المسلمين في تلك البلاد أن يتَّخذوا الأرزَّ المقياس عند إخراج القيمة، أو إخراجِ صنفٍ من الأصنافِ المستحدَثة.
مقدارُ زكاة الفطر:
стр. 380
اختلف الصحابة والفقهاء من بعدهم في تحديد مقدارِ ما يُخْرَجُ من القمح في زكاة الفطر على رأيين، واتفقوا على إخراج صاعٍ واحد من سائر الأصناف الأخرى فذهب من الصحابة أبو بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وعبد الله ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر وأبو قلابة ﵃ إلى أن نصف صاعٍ من قمح يُجْزِئُ في زكاة الفطر وبه قال سعيد بن المسيِّب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وعروة بن الزبير وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز، والإمام أبو حنيفة. وقد أسند ابن المنذر عن كلٍّ من عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر أسانيد - قال ابن حجر إِنها صحيحة - أنهم رأوا أنَّ في زكاة الفطر نصفَ صاعٍ من قمحٍ. وقد أورد عبد الرزاق أقوال كلٍّ من ابن الزبير وابن مسعود وجابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وأبي قُلابة بأن مُدين من قمحٍ - أي نصف صاعٍ - أو صاعاً مما سواه يجزئ في زكاة الفطر. وأَورد ابن أبي شيبة أقوالاً مماثلة مسندة لابن الزبير وابن مسعود وعلي وعثمان وأبي قُلابة. فيما ذهب أبو سعيد الخدري وأبو العالية وأبو الشعثاء ﵃ إلى أن المجزئ في زكاة الفطر صاعٌ من القمح، وبه قال الحسن البصري وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه والشوكاني. قال الترمذي [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعاً، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من كل شيء صاع إلا من البُرِّ، فإنه يجزئ نصف صاع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة يرون نصف صاع من بُرٍّ] ونحن حتى نصل إلى الحكم الصائب في هذه المسألة بإذن الله لا بد لنا من استعراض أدلة الطرفين:
стр. 381
أ -أدلة من قالوا إن المجزئ في زكاة الفطر صاعٌ من قمح:
١- عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نخرج، إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ ، زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حرٍّ أو مملوكٍ، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً، أو معتمراً، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أُخْرِجُه كما كنت أُخْرِجه أبداً ما عشتُ﴾ رواه الإمام مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان.
٢- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال رمضان – على الذكر والأنثى، والحرِّ والمملوكِ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ ... ﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة والنَّسائي.
٣- عن ابن سيرين عن ابن عباس ﵄ قال: ذَكَر في صدقة الفطر، قال: ﴿صاعاً من بر أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من سُلْتٍ﴾ رواه النَّسائي (٢٥٠٩) وابن خُزيمة والبزَّار باختلافٍ في الألفاظ.
٤- عن زيد بن ثابت ﵁ قال ﴿خَطَبَنا رسولُ الله ﵌ فقال: من كان عنده طعام فلْيتصدقْ بصاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٍ من شعير، أو صاعٍ من تمر، أو صاعٍ من دقيق، أو صاعٍ من زبيب، أو صاعٍ من سُلْتٍ﴾ رواه الحاكم في مستدركه (١/٤١١ – ٤١٢) وسكت عنه الذهبي.
ب - أدلة من قالوا إن المجزئ في زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمح:
стр. 382
١- عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْري ﴿خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطر بيومين، فقال: أدُّوا صاعاً من بُرٍّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل حرٍّ وعبدٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ﴾ رواه أحمد (٢٤٠٦٣) وأبو داود وعبد الرزاق بإسنادٍ رجالُه ثِقات. ورواه الدارَقُطني (٢/١٤٨) من عدَّة طرق بلفظ - عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير عن أبيه - فصار مُسنداً متصلاً. وكذا رواه ابن خُزيمة – عن أبيه – (٢٤١٠) .
٢- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث منادياً في فِجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلمٍ، ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، مُدَّان من قمحٍ، أو سواه صاع من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) والدارَقُطني. قال الترمذي [هذا حديث غريبٌ حسن] .
٣- عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ : صاعاً من شعيرٍ أو تمرٍ، أو سُلْتٍ أو زبيبٍ، قال: قال عبد الله: فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة جعل عمر نصفَ صاعِ حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ رواه أبو داود (١٦١٤) والنَّسائي والدارَقُطني.
٤- عن أبي هريرة ﵁ في زكاة الفطر ﴿على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فقير أو غني، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاعٍ من قمح، قال معمر: وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ ﴾ رواه أحمد (٧٧١٠) بسند صحيح. ورواه الطحاوي وعبد الرزاق والبيهقي.
٥- عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قالت: ﴿كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ مُدَّين من قمح، بالمدِّ الذي تقتاتون به﴾ رواه أحمد (٢٧٤٧٥) والطحاوي.
стр. 383
٦- إضافةً للآثار المروية عن عدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ كما أشرت إلى ذلك، مما جاء عند ابن المنذر وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، يقولون: زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمح، أو مُدَّانِ منه.
وبالنظر في أدلة الفريق الأول، نجد أن الحديث الثالث قد رواه ابن سيرين عن ابن عباس ﵁، والمعلوم أن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئاً، فصار الحديث منقطعاً ضعيفاً، قال أحمد وعلي بن المَديني ويحيى بن معين والبيهقي: محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئاً. فيُرَدُّ هذا الحديث.
...وأما الحديث الرابع الذي رواه الحاكم ففي رواته سليمان بن أرقم، قال عنه أحمد: سليمان بن أرقم ليس بشيء. وقال ابن معين: ليس بشيء ليس يسوى فلساً. وقال البخاري وأبو داود: تركوه. وقال أبو حاتم والترمذي: متروك الحديث. فيرد الحديث. فيبقى عندهم حديثان صحيحان: حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر. أما حديث أبي سعيد فقد جاء فيه (صاعاً من طعام، أو صاعاً من أَقِط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب) ولا حجة فيه على ما يقولون:
فأولاً: لم يرد فيه لفظ القمح أو البُر أو الحنطة مطلقاً، ولم يرد فيه من شبهةِ دليلٍ عندهم إلا قوله (صاعاً من طعام) قائلين إن الطعام إذا أطلق فإنما معناه القمح. فنجيبهم بأنا لا نسلِّم بأن لفظة الطعام إذا أُطلقت فإن معناها القمح، وذلك أن التمر والشعير والزبيب والأقط وغيرها تدخل تحت هذه اللفظة، فلا مبرِّر لقصرها على القمح.
стр. 384
وثانياً: إن غالب طعام المسلمين في العهد النبوي كان التمر والشعير، وأقلَّ منهما الزبيب والأقِط، ولم يكونوا يأكلون القمح إلا نادراً، وذلك لندرته آنذاك، فكيف يدَّعون أن لفظة الطعام تطلق على القمح وحده؟ انظروا إلى ما جاء في روايةٍ لعبد الله بن عمر ﵁ ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ...﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) وأبو داود ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة، وما جاء في روايةٍ أخرى له ﴿أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، فجعل الناس عدلَه مُدَّين من حنطة﴾ رواه البخاري (١٥٠٧) ومسلم والترمذي وابن ماجة والدارمي. فهاتان الروايتان قد ذكرتا أن طعام المسلمين آنذاك الذي كانوا يخرجون منه زكاة الفطر هو التمر والشعير، ولم يرد فيهما ذكرٌ للقمح إلا من باب قيام المسلمين بعد العهد النبوي طبعاً بالتعادل أو المعادلة إذ لا يُتصوَّر أن يقوم المسلمون بالتعادل أو المعادلة في العهد النبوي. وقد بيَّنا سابقاً أن التعادل كان من فعل عمر ومن فعل معاوية وأن الناس قد أخذوا به، بل إنَّا نقول إنه لم ترد لفظة الحنطة، أو القمح في أية رواية صحيحةٍ لابن عمر تذكر الأصناف التي يُخرج منها في زكاة الفطر. وقد رويت عدة روايات من طريق أبي سعيد تذكر الأصناف ليس فيها ذكرٌ للقمح مطلقاً، وقولوا مثل ذلك بخصوص رواياتٍ من طريق ابن عباس وعمار بن سعد وأبي هريرة ﵃.
стр. 385
واقرأوا ما روى ابن خُزيمة (٢٤٠٦) بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال ﴿لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة﴾ واقرأوا ما روى النَّسائي (٢٥١٨) عن عياض بن عبد الله بن سعد أن أبا سعيد الخدري ﵁ حدَّثه، قال ﴿كنا نُخْرِج في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقِطٍ، لا نخرج غيره﴾ .
فهاتان شهادتان من هذين الصحابيين واضحتان تماماً بأن القمح لم يُدْرَج في قائمة الأصناف التي كان المسلمون يخرجون منها زكاة فطرهم في عهد رسول الله ﷺ ، فكيف يقوم هؤلاء بتفسير لفظة الطعام الواردة في الأحاديث بالقمح؟
وثالثاً: وقد روى عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام، وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِط والتمر﴾ رواه البخاري (١٥١٠) فهذا أبو سعيد الخدري نفسه الذي رُوي حديثهم من طريقه، قد فسَّر لفظة الطعام تفسيراً يقطع الشك باليقين، بأن معناها عندهم الشعير والزبيب والأقط والتمر، أي الأصناف ذاتها الواردة في حديثهم عقب لفظة الطعام، والحديث يفسِّر بعضه بعضاً، وعليه فإِنَّا نَحْمِلُ حديثَهم على هذا الحديث، فنقول إن هذا الحديث قد ذكر العامَ، ثم ذكر بعده الخاص، وهذا أسلوب يعرفه الكل.
стр. 386
ورابعاً: وهؤلاء القائلون إن لفظة الطعام تعني القمح، وإِنَّ الرسول ﵌ نفسه قد فرض صاعاً من الطعام، أي من القمح، كيف يفسرون فعل معاوية بمعادلة نصف صاع من القمح بصاع مما سواه؟ وهل يتهم هؤلاء معاويةَ بمخالفةِ الأمر النبوي وبموافقةِ الناس له، ومنهم الصحابة، على هذه المخالفة؟ وكيف يفسِّرون معادلةَ عمر بن الخطاب نصف صاع من القمح بصاع مما سواه أيضاً؟ نعم أكان يُتصوَّر، وقد فرض الرسول ﷺ صاعاً من القمح على ادعائهم، أن يأتي عمر بن الخطاب ومعاوية، والصحابةُ متوافرون، ويقولان إن مُدَّين من القمح تكفيان؟! قال ابن خُزيمة [ذِكْرُ الحنطةِ في خبر أبي سعيد غير محفوظ ... إذ لو كان أبو سعيد قد أعلمهم أنهم كانوا يخرجون على عهد رسول الله ﷺ صاعَ حنطة، لما كان لقول الرجل: أو مُدَّين من قمح معنى] ثم يقرُّه المسلمون ويعملون بقوله!! لهذه النقاط الأربع أقول إنه لا حجة لهؤلاء على ما ذهبوا إليه من هذا الحديث، بل إن هذا الحديث حجة عليهم وليس حجة لهم.
...أما حديثهم الثاني (فرض النبي ﷺ صدقة الفطر ... صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُر) فإني لأعجب من ادعائهم أن هذا النص دليل على أن صدقة الفطر صاع من بر!! فلا المنطوق يسعفهم ولا المفهوم يعضد قولهم بل إن هذا النص هو حجة عليهم أكثر مما هو حجة لهم، فالحديث قد ذكر أنَّ النبي ﷺ قد فرض صاعاً من تمر أو شعير، ولم يذكر أنه ﵊ قد فرض صاعاً من قمح، والسبب في ذلك أن القمح آنذاك لم يكن متوافراً عندهم إلا القليل منه، وبقي الحال كذلك حتى فتح الله سبحانه على المسلمين الأمصارَ من بعدُ وكثر وجود القمح عندئذٍ، وعندئذٍ فقط عدل الناس بصاع التمر أو الشعير نصفَ صاع من القمح. فأية حجةً لهؤلاء بهذا الحديث؟
стр. 387
أمَّا قول ابن قُدامة في كتاب المغني [ولأنه – أي القمح – جنسٌ يُخْرَج في صدقة الفطر فكان قدره صاعاً كسائر الأجناس] فهو قياس مع الفارق فلا يصح، إضافة إلى أنهْ معارَض بالنصوص التي ذكرت نصف صاع من القمح. وننتقل الآن إلى استعراض الأحاديث التي يستدل بها القائلون بأن نصف صاع من القمح يجزئ في صدقة الفطر، فنقول ما يلي:
الحديث الأول – حديث ثعلبة – روي من عدة طرقٍ، إحداها أنه رُوي من طريق النعمان بن راشد عند أحمد (٢٤٠٦٤) هكذا ﴿حدَّثنا عفان قال: سألت حماد بن زيد عن صَدَقة الفطر، فحدَّثني عن نعمان بن راشد عن الزُّهري عن ثعلبة بن أبي صُعَير أن رسول الله ﷺ قال ... ﴾ فذكر الحديث. وكذلك رواه أبو داود بهذا السند (١٦١٩) وقد قال صاحب المغني رادَّاً هذا الحديث بقوله [وحديث ثعلبة تفرَّد به النعمان بن راشد] وردَّ الحديث على اعتبار أن النعمان بن راشد ضعيف عند جمهرة المحدِّثين. فأقول إن هذا الحديث كما قلت آنفاً قد رُوي من عدة طرق وأوردتُ الحديث (٢٤٠٦٣) عند أحمد وهذا سنده ﴿حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جُرَيج قال: وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العذري﴾ فذكر الحديث. وكما ترون فإِنَّ السند قد خلا من ذِكْر النعمان بن راشد، ورواته ثقات. وكذا رواه أبو داود (١٦٢١) وعبد الرزاق (٥٧٨٥) فالحديث من هذه الطريق صالح للاستدلال والاحتجاج. هذا من حيث السند.
وأما الحديث الثاني ففي سنده سالم بن نوح، ضعَّفه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وابن عدي، ووثَّقه ابن حِبَّان وأبو زُرعة، وقبله أحمد بن حنبل، فهو مختلَف فيه، فيكون صالحاً للاستدلال إلا أن يخالف متنُهُ متونَ الأحاديث الصحيحة فيُترك.
стр. 388
...وأما الحديث الثالث ففي سنده عبد العزيز بن أبي رواد، ضعَّفه المنذري وابن الجوزي وابن حِبَّان، ووثقه يحيى القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، فهو أيضاً مختلَف فيه، فيكون صالحاً للاستدلال، إلا أن يخالف متنُهُ متونَ الأحاديث الصحيحة فيُترك.
...أما الحديث الرابع فإنه صحيح الإسناد ولكنه قولٌ لأبي هريرة، وليس مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، فهو حديث موقوف، وهو بالتالي أثر، فنلحقه بالآثار المشار إليها في البند ٦. أما قول معمر (وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ هكذا دون أن يذكر اسم الراوي الذي بلغه عنه هذا القول، فإن السند في هذه الحالة – أي سند الرفع – ضعيف، لأن فيه راوياً مجهولاً، فهو سند منقطع، فلا يُعمل به. ومن ذلك يظهر أنَّ الحديث هو قول لأبي هريرة فحسب.
...وأما الحديث الخامس ففي سنده عبد الله بن لهيعة، والأكثرون من المحدِّثين على أنَّ رواياته ضعيفة، وهو متَّهم بأن أوراقه التي كان يحدِّث منها فترةً من الزمن قد تلفت، فصار يحدِّث من حفظه فوقع في أخطاء، فضعَّفوا رواياته. ويقول راوي هذا الحديث أحمد بن حنبل: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيراً مما أكتب اعتبر به. فيترك الحديث.
стр. 389
...فيبقى عندنا الحديث الأول، والحديثان الثاني والثالث، على لينٍ فيهما من حيث السند، إضافة إلى الآثار في البند ٦. الحديثان الأول والثاني فقط قد أسندا ذكر القمح إلى الرسول ﷺ وحيث أنه ثبت عندنا بالأحاديث الكثيرة الصحيحة المارَّة قبل قليل أنه لم يكن القمح طعاماً للناس في العهد النبوي، وأنه لم يرد ذكرٌ للقمح في تلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة ونفي تلك الأحاديث لإخراج القمح في زكاة الفطر فإن المحصلة هي أن متن هذين الحديثين يخالف متون الأحاديث الكثيرة الصحيحة النافية لوجود القمح وذِكره كجنسٍ يُخرج في زكاة الفطر، فيرد الحديثان متناً، وتُرجِّح الأحاديث الكثيرة الصحيحة عليهما.
...أما الحديث الثالث، فمتنه موافق لمتون الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فيُقبل ويعمل به، وهو صريح الدلالة على أن التعادل بين القمح والأجناس الأخرى هو من فعل عمر، وهو متأخر قطعاً عن العهد النبوي، فيصح إلحاقه بالآثار في البند ٦. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ يُعتمد عليه، ولم يكن البُرُّ بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاع من الشعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلى قول مثلهم.
...وهكذا لم يبق للقائلين بأن مقدار زكاة الفطر من القمح نصف صاع إلا الآثار في البند ٦ وما الحقناه بها من الأثر في البند ٣ والأثر في البند ٤. الأول فعل عمر بن الخطاب ﵁، والثاني قول أبي هريرة ﵁. ولم يبق لهؤلاء أي حديث نبوي صالح للاحتجاج به على أن زكاة الفطر نصف صاع من قمح.
стр. 390
...هذه الآثار تدل على أن الصحابة قد قاموا بمعادلة نصف صاع من القمح بصاع مما سواه، من الأصناف المنصوص عليها، ولم يُعرف لهم مخالف غير أبي سعيد الخدري، ولا أدري إن كان أبو الشعثاء هو وابصة بن معبد الصحابي كما هي كنيتة، أم هو أحد رواة الحديث من التابعين، وهو من ذُكر عنه القول بصاع من القمح، وحتى لو كان أبو الشعثاء هو الصحابي، فإن صحابيين أثنين يخالفان جميع الصحابة لا يكاد يقدح في إجماعهم إلا من ناحية نظرية. فيصح الأخذ بقول جمهرة الصحابة، والقول إن نصف صاع من القمح يكفي في زكاة الفطر.
...ومن شاء الوقوف على أقوال صحابة رسول الله ﷺ فما عليه إلا أن يقرأ المرويات (٥٧٦٦) و (٥٧٦٩) و (٥٧٧٢) و (٥٧٧٣) في مصنَّف عبد الرزاق، و (٣/٦١) في مصنَّف ابن أبي شيبة، و (٢/٤٥) في كتاب شرح معاني الآثار للطَّحاوي، وغيرهم من كتب الحديث والفقه، إضافة طبعاً إلى البند رقم ٣ والبند رقم ٤.
...نخلص من هذا الاستعراض إلى أن الواجب القول بأن إخراج نصف صاع من القمح مُجْزِئ في زكاة الفطر، وهذا الحكم المستنبَط يقوي ويدعم رأينا بجواز الأخذ بالتعادل أو المعادلة، وعدم الإِلزام بإخراج الأصناف المنصوص عليها في الأحاديث فقط أي يدعم ويقوي رأْينا بجواز إخراج القيمة النقدية، وبإخراج ما يقتات به الناس اليوم من الأرز والعدس والفول والحمص وغيرها، فكل ذلك جائز شرعاً ومجزئ.
مقدارُ الصاع النبوي:
١- عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال ﴿المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة﴾ رواه النَّسائي (٢٥٢٠) والطبراني والبيهقي. ورواه أبو داود (٣٣٤٠) بلفظ ﴿الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة﴾ وسنده صحيح. كما رواه ابن حِبَّان (٣٢٨٣) والبيهقي أيضاً من طريق عبد الله بن عباس ﵄.
следующие страницы →