Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وقد ذكرت النصوص أن لهاتين الركعتين فضلاً عظيماً لا ينازعهما فيه أية سُنة أخرى من السنن الملحقة، فعن أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من صلى في يومٍ وليلةٍ ثِنتي عشرةَ ركعةً بُنِي له بيتٌ في الجنة: أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة» رواه الترمذي. وروى ابن حِبَّان وابن خُزيمة والحاكم عنها ﵂ عن رسول الله ﷺ قال «من صلى ثِنتي عشرةَ ركعةً في اليوم بنى الله له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل الصبح» . ورواه النَّسائي وقيَّده بقوله «سوى المكتوبة» . وجاء هذا القيد صريحاً فيما رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن خُزَيمة وابن حِبَّان بلفظ «ما من عبدٍ مسلم يصلي لله كل يوم ثِنتي عشرةَ ركعةً تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُنِي له بيتٌ في الجنة» . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من ثابر على ثِنتي عشرةَ ركعةً من السُّنة بُني له بيت في الجنة: أربعٍ قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» رواه ابن ماجة والنَّسائي وابن أبي شيبة. فإذا علمنا أن السنن الراتبة عشرٌ، وأن بناء بيت في الجنة يكون بالمثابرة على اثنتي عشرة ركعة من السنن، وأن رسول الله ﷺ قد أكمل السنن الراتبة العشر بركعتي الظهر هاتين دون سواهما من السُّنن الملحقة، أدركنا ما لهاتين الركعتين من فضل.
стр. 1017
وأما الركعتان الأُخريان بعد الظهر فقد ورد فيهما قول أم حبيبة زوج النبي ﷺ «أن حبيبها أبا القاسم ﷺ أخبرها قال: ما من عبدٍ مؤمنٍ يصلي أربع ركعات بعد الظهر فتمسَّ وجهَه النارُ أبداً إن شاء الله » رواه النَّسائي. وورد فيهما وفي الركعتين الأُخريين قبل الظهر قول أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرَّم الله لحمه على النار» رواه أحمد وابن ماجة والنَّسائي وابن أبي شيبة. وجاء في رواية عند أبي داود والترمذي وابن خُزَيمة من طريق أم حبيبة زوج النبي ﷺ لفظ «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربعٍ بعدها حُرِّم على النار» . وحتى يُفهم النَّصَّان جيداً أقول: إن السُّنة الراتبة للظهر هي ركعتان اثنتان قبلها، وركعتان أُخريان بعدها، فعندما تقول الأحاديث: أربعاً قبل الظهر، فإن معنى ذلك أن ركعتين أُخريين قد جُمِعتا مع الراتبتين فصار العدد أربعاً، وقل مثل ذلك بخصوص السُنَّة البعدية للظهر، فعندما تذكر الأحاديث فضل الركعات الأربع فإن معنى ذلك أن الفضل يشمل الركعتين الأُخريين، بل إن الفضل ما كان ليكون لولاهما.
أما هؤلاء الركعات الأربع القبلية منها والبعدية، فإنها تُصلى مَثنى مَثنى، أي ركعتين ركعتين، فقد روى ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال «صلاة الليل والنهار مَثنى مَثنى» رواه ابن خُزَيمة وأبو داود والدارمي وابن حِبَّان. وأشار إليه البخاري في صحيحه. وسيأتي بعد قليل حديث يفيد أن الركعات الأربع التي تُصلَّى قبل العصر يفصل بينهن تسليم، فهؤلاء كأولئك.
стр. 1018
وأما سُنَّة العصر الملحقة بالرواتب المؤكدة فهي ركعتان أو أربع، فمن شاء صلى ركعتين، ومن شاء صلى أربعاً، وتُؤدَّى هذه السُّنة قبل صلاة العصر وليس بعدها، فعن عبد الله بن شقيق قال «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: كان يصلي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، وثنتين قبل العصر، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعاً ... » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والبيهقي. وعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين» رواه أبوداود. وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ... » رواه أحمد. وهو من حديث طويل. ورواه النَّسائي وابن ماجة. ورواه الترمذي ولفظه «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومَن تبعهم من المسلمين والمؤمنين» .
وقد أشكل هذا الحديث الذي يذكر التسليم على العديد من الفقهاء، فقال ناسٌ منهم إن التسليم المذكور في الحديث يعني التسليم الوارد في التَّشهُّد ولا يعني تسليم التَّحلُّل من الصلاة. وقال الآخرون بل هو التسليم الذي يتحلل به المصلي من صلاته. وهو الصحيح، يشهد له قوله ﵊ «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» . وقد مرَّ قبل قليل.
стр. 1019
أما الحديث الذي رواه أبو أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال «أربعٌ قبل الظهر ليس فيهن تسليم تُفتَح لهن أبواب السماء» رواه أبو داود وأحمد - وهو يدل على أنَّ الأربع ركعات لا يفصل بينهن تسليم - فإن هذا الحديث في سنده عبيدة، قال أبو داود (عبيدة ضعيف) . فيردُّ ولا يصلح للاستدلال. وكما سبق وقلت فقد وردت للعصر سُنَّة قبلية ملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة، هي ركعتان أو أربع ركعات، وأنت بالخيار بين الاثنتين والأربع.
стр. 1020
وأما سُنَّة المغرب فهي ركعتان قبل الصلاة المفروضة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان المؤذِّن إذا أذَّن قام ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلُّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شئ» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. ورواه أحمد ولفظه «.. ولم يكن بين الأذان ﷺ -والإقامة إلا قريب» أي فترة قصيرة. وعن مختار بن فلفل قال «سألت أنس بن مالك عن التطوُّعِ بعد العصر فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاةٍ بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا» رواه مسلم وأبو داود. وعن عبد الله المُزَني عن النبي ﷺ قال «صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة» رواه البخاري وأبو داود. ورواه أحمد ولفظه «صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة» . وهذه السُّنَّة لم يُعرف أنَّ رسول الله ﷺ صلاها يوماً، لذا فإنها تصنَّف في أدنى الدرجات بالنسبة للسنن الملحقة بالرواتب المؤكدة.
стр. 1021
وأما سُنَّة العشاء الملحقة بالرواتب فهي ركعتان اثنتان، أو رَكَعاتٌ أربعٌ تضاف إلى ركعتي العشاء البعديتين الراتبتين المُؤَكَّدتين، فعن شُريح بن هاني قال «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: لم تكن صلاةٌ أخرى أن يؤخِّرها إذا كان على حديث من صلاة العشاء الآخرة، وما صلاها قط فدخل عليَّ إلا صلى بعدها أربعاً أو ستاً ... » رواه أحمد والنَّسائي وأبو داود. قوله أربعاً أو ستاً: أي يشمل الراتبتين والسُّنة الملحقة.
هذه هي السُّنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة، أعلاها وأولاها بالالتزام ركعتان قبل الظهر، فيصلي المسلم أربع ركعات قبلية للظهر، وأدناها ركعتان قبل المغرب، ومجموعها أربع عشرة ركعة في اليوم والليلة.
قضاءُ السنن الراتبة والسنن الملحقة بها
стр. 1022
يُشرع قضاء السنن الراتبة والسنن الملحقة بها إن هي فاتت بنوم أو نسيان أو انشغال فلم تُصلَّ في أوقاتها، وقد وردت عدة نصوص في هذا الباب، وباستعراض هذه النصوص نجد جملة من الأحاديث الشريفة تنص على وقائع عدة من قضاء السنن هذه، وهذه الوقائع ليست للحصر وإنما هي لمجرد التنصيص على أفرادٍ منها فحسب، فينسحب الحكم المستنبط منها على جميع هذه السنن، ولا يُوقف الحكم هذا على الأفراد المنصوص عليها فحسب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يصلِّ ركعتي الفجر فلْيُصَلِّهما بعدما تطلع الشمس» رواه الترمذي وابن حِبَّان. وعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر فصلاها بعدما طلعت الشمس» رواه ابن حِبَّان. وعن ابن أبي مريم ﵁ قال «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح نزل رسول الله ﷺ فنام ونام الناس، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس» رواه النَّسائي. وفي رواية للنَّسائي من طريق نافع بن جبير عن أبيه بلفظ «.. فضُرب على آذانهم حتى أيقظهم حرُّ الشمس فقاموا، فقال: توضأوا، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، وصلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر» . فهذه نصوص في قضاء سُنَّة الفجر الراتبة.
وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعدها» رواه الترمذي. وعنها ﵂ أنها قالت «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الركعتين بعد الظهر» رواه ابن ماجة وابن أبي شيبة. فهذان نصَّان في قضاء سنة الظهر القبلية الراتبة منها والملحقة، لأن الراتبة ركعتان والملحقة ركعتان، فهما أربع ركعات.
стр. 1023
وقد مرَّ معنا في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] في هذا الفصل حديث كُرَيب عند البخاري ومسلم والدارمي وأبي داود وجاء فيه «وإنه أتاني ناسٌ من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان» . كما مرَّ في البحث نفسه حديث عبد الله بن أبي قيس عند أحمد والنَّسائي وجاء فيه «كان النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد الظهر فشُغِل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي» . كما مرٌَّ في البحث نفسه حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عند أحمد وجاء فيه «صلى رسول الله ﷺ الظهر وقد أُتِيَ بمالٍ، فقعد يقسمه حتى أتاه المؤذن بالعصر، فصلى العصر ثم انصرف إلىَّ وكان يَومي، فركع ركعتين خفيفتين، فقلنا: ما هاتان الركعتان يا رسول الله، أمرت بهما؟ قال: لا، ولكنهما ركعتان كنتُ أركعهما بعد الظهر، فشغلني قَسْمُ هذا المال حتى جاءني المؤذن بالعصر فكرهتُ أن أدعهما» . فهذه نصوص ثلاثة في قضاء سُنَّة الظهر الراتبة البعدية.
وقد مرَّ في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] في هذا الفصل حديث أبي سلمة - بن عبد الرحمن - عند مسلم والنَّسائي وجاء فيه «كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شُغِل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر» . فهذا نصٌ في قضاء سُنَّة العصر القبلية. وكما سبق وقلنا فإن النصوص قد ذكرت وقائع من قضاء السنن الراتبة والملحقة، وهي ليست للحصر، وإنما تدل على مشروعية قضاء السنن الراتبة كلها، والسنن الملحقة بها كلها.
стр. 1024
أما متى تُقضى هذه السنن، فإن جميع الأوقات تصلح لقضاء السنن، لا فرق بين أوقات الكراهة وغيرها، فقد مرَّ قبل قليل حديث كُرَيب، وحديث عبد الله بن أبي قيس، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكلها تدل على قضاء سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وكذلك حديث أبي سلمة، فإنه يدل على قضاء السنة قبل العصر بعد صلاة العصر، والصلاة بعد العصر منهيٌّ عنها للأحاديث التي أوردناها في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] في هذا الفصل عند الحديث على سُنَّة العصر الراتبة. وروى قيس - بن عمرو ﵁ «أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح، ثم قام يصلي ركعتين، فقال النبي ﷺ : ما هاتان الركعتان؟ فقال: يا رسول الله ركعتا الفجر لم أكن صليتهما فَهُما هاتان، قال، فسكت النبي ﷺ » رواه ابن خُزَيمة والحاكم والبيهقي. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «.. ورسول الله ﷺ ينظر إليه فلم ينكر ذلك عليه» . فهذا الحديث يدل على جواز قضاء سُنَّة الفجر في وقت الكراهة، وهو الوقت الذي يعقب صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع. فالصلاة عقب صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع منهيٌّ عنها للأحاديث الواردة في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] في هذا الفصل عند الحديث على سُنَّة العصر الراتبة، ولكن الكراهية في أداء الصلاة في أوقات النهي إنما هي خاصة بصلاة التطوع المطلقة غير المقيدة بوقت أو بسبب أو بغرض خاصٍّ، أما قضاء السنن الراتبة والملحقة بها، وأداء الصلوات ذوات الأسباب والأغراض الخاصَّة، كتحية المسجد وصلاة الكسوف وصلاة الجنازة، وكصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاة الاستسقاء، فكلُّ ذلك جائز في أوقات النهي هذه.
стр. 1025
أما حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «مَن نسي ركعتي الفجر فَلْيُصلِّهما إذا طلعت الشمس» رواه ابن خُزَيمة وابن ماجة. ورواه الترمذي بلفظ «مَن لم يُصَلِّ ركعتي الفجر فلْيُصلِّهما بعدما تطلع الشمس» . فإنه لا يتعارض مع حديث قيس عند ابن خُزَيمة المارِّ آنفاً، فقوله ليصلهما إذا طلعت الشمس لا يعني عدم جواز صلاتهما قبل طلوع الشمس، فالأمر بالشئ ليس نهياً عن غيره، هذا أولاً.
وثانياً إن أمر رسول الله ﷺ بقضاء صلاة سُنَّة الفجر بعد طلوع الشمس يدل على الاستحباب، وأما سكوته ﵊ على قضاء صلاة سُنَّة الفجر قبل طلوع الشمس فيدل على الإباحة والجواز، فالمسلم يندب له أن يختار لقضاء سُنَّة الفجر الوقت الذي يعقب طلوع الشمس بل وارتفاعها، فإنْ هو تعجَّل فلم ينتظر طلوع الشمس وارتفاعها، وصلاها قبل ذلك أجزأت عنه وجازت له، فلا تعارض بين الحديثين.
стр. 1026
وأما الشبهة التي أثارها حديث أم سلمة عند الطحاوي وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان الذي سنورده الآن، وهي عدم مشروعة قضاء السنن والنوافل في أوقات النهي، فهي شبهة ضعيفة لا تصمد أمام الأحاديث الكثيرة القاضية بجواز قضاء السنن والنوافل في أوقات النهي، فالحديث يقول: عن أم سلمة ﵂ قالت «صلى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله صليتَ صلاة لم تكن تصليها، قال: قدم عليَّ مال فشغلني عن ركعتين كنت أُصليهما بعد الظهر فصليتهما الآن، قلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» رواه الطحاوي وأحمد والبيهقي. ورواه ابن حِبَّان ولفظه « ... شغلني عن ركعتين كنت أركعهما قبل العصر ... » . فأولاً: هذه الرواية ضعَّفها البيهقي فلا تصمد أمام الأحاديث الصحيحة والحسنة القائلة بمشروعية قضاء السنن، ولا تقوى على معارضتها. وثانياً: على فرض قبول هذه الرواية من حيث السند فإن قوله «أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا» يُفسَّر بنفي الأمر بالقضاء، فكأن أم سلمة ﵂ سألت الرسول ﷺ : هل تأمرنا بالقضاء؟ فقال: لا. ولا يفيد هذا النص نفي مشروعية القضاء. يشهد لهذا الفهم ما أخرجه الطحاوي نفسه «أن معاوية أرسل إلى أم سلمة يسألها عن الركعتين اللتين ركعهما رسول الله ﷺ بعد العصر، فقالت: نعم، صلى رسول الله ﷺ عندي ركعتين بعد العصر، فقلتُ: أمرتَ بهما؟ قال: لا، ولكني كنت أُصليهما بعد الظهر فشُغلتُ عنهما فصليتهما الآن» . والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وهذا الحديث يفسر الحديث الذي قبله لا سيما وأنهما في موضوع واحد ومن قِبَلِ راو واحدٍ هو أم سلمة ﵂.
стр. 1027
والفرق بين الأمر بالقضاء وبين السكوت عن القضاء أن الأمر بالقضاء يجعله من السُّنَّة، في حين أن السكوت عن فعل القضاء يجعله في دائرة التخيير. وهذا المعنى يتضمنه الحديث الذي رواه البخاري وأبو داود من طريق عبد الله المُزَني ﵁، وجاء فيه «صلوا قبل صلاة المغرب قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة» . وقد مر في بحث [السنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة] في هذا الفصل. فلو بقي أمره ﵊ «صلوا قبل صلاة المغرب» دون قوله «لمن شاء» لاعتُبرت الركعتان قبل صلاة المغرب من السُّنة، ولثابر المسلمون عليهما، فلما قال «لمن شاء» فقد انتفت عن الركعتين السُّنِّيَّةُ ودخلتا في دائرة التخيير، فكذلك قضاء هاتين الركعتين بعد صلاة العصر، فهو في دائرة التخيير وليس في دائرة السُّنة، فمن شاء صلاهما ومن شاء تركهما، ويُستثنى من قضاء السنن سُنَّةُ الفجر فقط، فهي داخلة في دائرة السُّنِّيَّة وليس في دائرة التخيير. فركعتا الفجر من السُّنَّة قضاؤهما، لأن أمره ﵊ قد تعلق به بقوله «من نسي ركعتي الفجر فَلْيُصلِّهما إذا طلعت الشمس» . فقد صدر في قضاء ركعتي الفجر أمرٌ نبوي فصار من السُّنَّة، وهذا لم يحصل في قضاء أية سُنة أخرى من السنن الراتبة والملحقة بها، فلْيحرص المسلمون على ركعتي الفجر، ولْيصلوهما في وقتهما قبل صلاة الفجر، أو بعد صلاة الفجر إن هما فاتتا.
صلاة الرواتب في السفر
стр. 1028
إن القاعدة التي وضعناها للتفريق بين السنن الراتبة والسنن الملحقة بها هي أن السنن الراتبة هي تلك التي لم يُصلِّ رسول الله ﷺ أقل منها ولم يتركها بحال مطلقاً، فهذان شرطان يتوجب وجودهما في السنن الراتبة، فإن نقص أحدهما أو زالا معاً لم تعُد سُنناً راتبة، وعندها يمكن اعتبارها سنناً ملحقة بالسنن الراتبة، وهذه القاعدة تصلح في الحضر كما تصلح في السفر. وباستعراض النصوص المتعلقة بصلاة التطوع في السفر نجد أن هذين الشرطين لم يتوفرا معاً في أية سُنَّة من سنن الصلوات المكتوبات، فقد جاءت النصوص بترك جميع السنن الراتبة في السفر أحياناً إن لم نقل غالباً، فهذا الترك للسنن الراتبة في السفر ولو مرة واحدة يخرجها عن كونها سُنناً راتبة في السفر، إذ لو كانت سُنَناً راتبة فيه لأُتيَ بها فيه بشكل دائم. وعلى هذا فإنا نقول إن الشرع الحنيف لم يسنَّ أية سُنة راتبة في السفر مطلقاً، وإنما شرع للمسلمين أن يصلوا صلاة تطوُّعٍ مطلق غير مقيد، لا يصح أن يقال عنها إنها من السنن الراتبة، فعن عيسى بن حفص بن عاصم عن أبيه قال «خرجنا مع ابن عمر فصلينا الفريضة، فرأى بعض ولده يتطوع فقال ابن عمر: صليتُ مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان في السفر فلم يصلوا قبلها ولا بعدها، قال ابن عمر: ولو تطوَّعتُ لأتممت» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. وفي رواية عند أحمد بلفظ «صحبتُ النبي ﷺ حتى قبض، فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر ﵁ حتى قبض، فكان لا يزيد عليها» . فهذا نص قطعي الدلالة على أن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان لم يصلوا في السفر السنن الراتبة ولا الملحقة بها، وهذا يعني أنه لا توجد سنن راتبة في السفر، لأنه كما قلنا لا تُترك السُّنن الراتبة لأن شرطها الدوام.
стр. 1029
ولقد عجبتُ ممن يقول بالسنن الراتبة في السفر استدلالاً بالأحاديث التالية:
أ - عن ابن عمر ﵁ قال «صليت مع رسول الله ﷺ في الحضر والسفر، فصلى الظهر في الحضر أربعاً وبعدها ركعتين، وصلى العصر أربعاً وليس بعدها شئ، وصلى المغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين، وصلى العشاء أربعاً، وصلى في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين وليس بعدها شئ، والمغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين، والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين» رواه أحمد والترمذي.
ب - عن ابن عباس ﵁ قال «فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر والسفر، فكما تصلِّي في الحضر قبلها وبعدها فصلِّ في السفر قبلها وبعدها» رواه أحمد والبيهقي.
ج - عن البراء بن عازب ﵁ قال «سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفراً، فلم أره ترك الركعتين قبل الظهر» رواه أحمد.
стр. 1030
فأقول لهؤلاء: أمَّا الحديث الأول فهو مرويٌّ عن ابن عمر، ولقد روى ابن عمر الحديث السابق الصحيح الذي يقول فيه «.. فلم يُصلُّوا قبلها ولا بعدها..» فهما متعارضان، ومع التعارض فإن الحديث الصحيح السابق يُرَجَّح على الحديث هذا، فيُعمل بالأول ويُترك الثاني. هذا أولاً. وثانياً فإن هذا الحديث عندما تحدث عن صلاة الحضر وأتى على ذكر السنن الراتبة ذكر للظهر ركعتين بعديتين فقط ولم يذكر للظهر سُنَّة قبلية، وهذا مخالف لجميع الأحاديث في هذا الموضوع، فدل ذلك على ضعف الحديث متناً وشذوذه، فيطرح ويعمل بالحديث الصحيح السابق. وثالثاً رُبَّ قائلٍ يقول إن هذا الحديث لا يتعارض مع الحديث السابق وإن الجمع بينهما ممكن، وذلك أن الحديث الأول يفيد غالب الأحوال، وأن الحديث الثاني يفيد أحوالاً أخرى لبيان الجواز كما يقولون، بمعنى أن غالب أحواله ﵊ عدم صلاة هذه الركعات في السفر، وأنه فعلها أحياناً لبيان الجواز، فأقول إن هذا القول لا يصحُّ، إذ لا يصح أن توصف هذه الركعات بأنها سنن راتبة مع الاعتراف بأنه ﵊ قد فعلها أحياناً وتركها أحياناً أُخرى. فكيف تبقى سنناً راتبة عندئذ؟ أما الحديث الثاني فهو حديث ضعيف لا يصلح للاستدلال، فقد ضعَّفه ابن القطَّان، كما ضعَّفه أحمد راوي هذا الحديث فهو إذن لا يسعفهم. وأما الحديث الثالث فإنه لا يدل على وجود سنة راتبة مؤكدة قبلية لصلاة الظهر في السفر، فقد روى الترمذي وأبو داود هذا الحديث بلفظ «صحبت رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفراً، فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر» . فهاتان الركعتان ليستا هما السُّنة الراتبة للظهر كما يتوهمون، وإنما هما ركعتان تُصليان عندما تزيغ الشمس قبل موعد صلاة الظهر، فهما من النوافل.
стр. 1031
وهكذا يظهر أن هذه الأحاديث الثلاثة لا يُستدلُّ بها على وجود السنن الراتبة المؤكَّدة في السفر. وبناء على ما سبق فإنا نقول إنه لا سنن راتبة في حالة السفر، وإنما نوافل وسنن غير راتبة، أظهرها ركعتان قبل صلاة الصبح، فقد كثرت الأحاديث التي تذكر أن رسول الله ﷺ كان يصليهما في السفر، ولولا أنه ﵊ قد روي عنه في الحديث الصحيح السابق أنه ترك السنن الراتبة كلها، ومنها هاتان الركعتان، لأثبتناهما في السفر كما هما في الحضر، ولكنَّ تركَه ﵊ للسنن الراتبة كلها ومنها ركعتا الفجر في السفر يحول دون اعتبار هاتين الركعتين سنة راتبة مؤكدة، فلا مناص من تعميم الحكم بنفي جميع السنن الراتبة في السفر، واعتبار أن كل ما روي عن رسول الله ﷺ من نوافل أداها في السفر على الراحلة أو على الأرض إنما هي نوافل مطلقة وتطوُّعٌ غير مقيد.
ج. تحيَّة المسجد
يُندب للمسلم إذا ذهب إلى المسجد أن يصلي لله تعالى ركعتين عند دخول المسجد وقبل أن يجلس، ولا يزيد عن ذلك إلا أن يصلي غير تحية المسجد، فتحيَّة المسجد ركعتان اثنتان فحسب، فقد روى أبو قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا دخل أحدكم المسجد فلْيركع ركعتين قبل أن يجلس» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وفي رواية عند البخاري من طريق أبي قتادة أيضاً بلفظ «إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» . ورواه ابن حِبَّان بلفظ «إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس فيه حتى يركع ركعتين» . وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان لي على النبي ﷺ دَيْن فقضاني وزادني، ودخلت عليه المسجد فقال لي: صلِّ ركعتين» رواه مسلم وابن حِبَّان، ورواه البخاري بتقديمٍ وتأخير.
стр. 1032
وتُسنُّ تحية المسجد في كل وقت يدخل فيه المسلم المسجد، لا فرق بين أوقات الكراهة وغيرها، ولا بين النهار والليل، فمتى دخل المسجد صلى ركعتين، وحتى في يوم الجمعة وفي أثناء خطبة الجمعة فإن حكم الندب باق ومستمر، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ خطب فقال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فلْيصلِّ ركعتين» رواه مسلم. ورواه البخاري بلفظ «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فلْيصلِّ ركعتين» . وفي هذه الحالة - أعني في أثناء خطبة الجمعة - فإنه يشرع تخفيف هاتين الركعتين والتجوُّز فيهما وعدم إطالتهما، لما رُوي عن جابر ﵁ أنه قال «دخل رجلٌ المسجد والنبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال له: صلِّ ركعتين خفيفتين قبل أن تجلس» رواه ابن حِبَّان.
стр. 1033
نعم إن الأصل هو أن تُصلَّى الركعتان قبل الجلوس، وهذا لا يعني أن مَن دخل المسجد فجلس لسبب أو لآخر لا يُشرعُ له أداء هاتين الركعتين بعد ذلك، فالركعتان هاتان الأصلُ في أدائهما أن يكون قبل الجلوس، ولكنَّ أداءَهما يظلُّ مشروعاً أيضاً عَقِبَ الجلوس، فقد رُوي عن جابر ﵁ أنه قال «جاء سُلَيْكٌ الغَطَفَاني يوم الجمعة ورسولُ الله ﷺ قاعدٌ على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يصلي فقال له النبي ﷺ : أركعتَ ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما» رواه مسلم والطحاوي. وفي رواية عند مسلم وأبي داود بلفظ «عن جابر بن عبد الله قال: جاء سُلَيك الغطَفاني يوم الجمعة ورسولُ الله ﷺ يخطب، فجلس فقال له: يا سُليك قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطب فليركع ركعتين ولْيتجوَّز فيهما» . وعنه ﵁ قال «دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ الركعتين» رواه مسلم والبخاري وأبو داود. قوله قم فصلِّ الركعتين يدل على أن الرجل كان قد جلس قبل أن يؤدي تحية المسجد، فأمره رسول الله ﷺ أن يصليهما، أي بعدما كان قد جلس.
стр. 1034
قلنا من قبل إن تحية المسجد سُنَّة مندوبة وليست فرضاً خلافاً لما توهمه بعضُهم من النصوص التي تحث كثيراً وتشدد على أدائها، فالطحاوي وأبو داود قد أخرجا حديثاً من طريق عبد الله بن بُسر ﵁ قال «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله ﷺ : اجلس فقد آذيتَ وآنيتَ» . قوله آنيتَ: أي تأخرتَ في المجئ. وقد قيد أبو داود قدوم الرجل بأنه كان في أثناء خطبة النبي ﷺ بقوله «فجاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : اجلس فقد آذيت» . بدون قوله (آنيت) ، فلو كانت تحية المسجد واجبة لأمره رسول الله ﷺ بأدائها ولم يأمره بالجلوس.
وقلنا من قبل إن تحية المسجد تُسَنُّ في كل وقت يدخل فيه المسلم المسجد، لا فرق بين أوقات الكراهة وغيرها، ولا بين الليل والنهار، ونقول هنا باستثناء حالة جاءت بها النصوص هي حالةُ ما إذا دخل المسلم المسجد، فوجد الصلاة المكتوبة قائمة، فعندها لا تُشرع تحية المسجد، ويدخل المسلم في الصلاة المكتوبة فوراً، وذلك لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاةَ إلا المكتوبة» رواه ابن حِبَّان ومسلم وابن خُزَيمة، ورواه أصحاب السنن.
أما بخصوص صلاة العيدين، وما جاء من عدم التَّنفُّل قبلها، فإن ذلك خاص بما إذا صُلِّيت صلاةُ العيدين في المصلى، أي خارج البيوت والمدن، لأن المُصَلَّى ليس مسجداً، فلا تحيةَ له، أما إن صُلِّيت صلاةُ العيدين في المسجد فلْيصلِّ المسلم تحية المسجد، لأن حكمها عام يشمل العيدين وغيرهما.
د. الوتر
стр. 1035
الوتر هو الصنف الرابع من أصناف صلاة التطوع، بمعنى أن الوتر مندوب مستحب فحسب، وليس فرضاً ولا واجباً، فقد روى ابن محيريز «أن رجلاً من بني كِنانة يدعى المُخْدِجِيَّ سمع رجلاً بالشام يُدعى أبا محمد يقول إن الوتر واجب، قال المُخْدِجِيُّ: فَرُحت إلى عُبادة بن الصامت فأخبرتُه، فقال عُبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمسُ صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيِّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي وابن ماجة ومالك. وقد مرَّ طرف منه في بحث [حكم الصلاة المكتوبة] فصل [الصلاة: حكمها ومواقيتها] . وعن عليٍّ ﵁ قال «الوتر ليس بحَتْمٍ كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنْ سُنة سنَّها رسول الله ﷺ » رواه الترمذي وأحمد والنَّسائي والحاكم. وعن عُبادة بن الصامت ﵁ قال «الوتر أمرٌ حسنٌ عمل به النبي ﷺ والمسلمون من بعده وليس بواجب» رواه الحاكم والبيهقي. ودلالة هذه الأحاديث واضحة، وأيضاً عن ابن عمر ﵁ قال «كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته» رواه البخاري. ورواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن خُزيمة بلفظ «كان رسول الله ﷺ يسبِّح على الراحلة قِبَل أي وجه توجَّه، ويوتِر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» . فلولا أن الوتر مندوب وليس فرضاً لما أوتر ﵊ على راحلته، وعن ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن قال: إنك تقْدَم على قومٍ أهلِ كتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله
стр. 1036
فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ... » رواه البخاري ومسلم. ورواه ابن حِبَّان وقال عقب ذلك (.. كان بعث المصطفى ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قبل خروجه من الدنيا بأيام يسيرة، وأمره ﷺ أن يخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، ولو كان الوتر فرضاً أو شيئاً زاده الله جلَّ وعلا للناس على صلواتهم كما زعم من جهل صناعة الحديث ولم يميِّز بين صحيحها وسقيمها، لأمر المصطفى ﷺ معاذ بن جبل أن يخبرهم أن الله جلَّ وعلا فرض عليهم ستَ صلوات لا خمساً، ففيما وصفنا أبين البيان بأن الوتر ليس بفرض، وبالله التوفيق) .
ولكن هناك أحاديث تُوهم بوجوب صلاة الوتر، نذكرها أولاً ثم نناقشها:
أ - عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية «أن معاذ بن جبل ﵁ قدم الشام وأهل الشام لا يُوترون، فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟ فقال معاوية: وواجبٌ ذلك عليهم؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: زادني ربي صلاة وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» رواه أحمد.
ب - عن نافع «سأل رجلٌ ابن عمر عن الوتر أواجب هو؟ فقال: أوتَرَ رسولُ الله ﷺ والمسلمون» . ومن طريق ثانية «قال رجل لابن عمر: أرأيت الوتر أسنَّة هو؟ قال: ما سُنَّة؟ أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون، قال: لا أسنَّةٌ هو؟ قال: مَهْ أتعقل؟ أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون» رواهما أحمد وابن عبد البَر.
ج - عن بُرَيدة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا، قالها ثلاثاً» رواه أحمد وأبو داود والحاكم.
стр. 1037
د - عن أبي أيوب عن رسول الله ﷺ قال «الوتر حق، فمن أحبَّ أن يوتر بخمس فليوتر، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليوتر، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليوتر، ومن شقَّ عليه ذلك فليُومئ إيماء» رواه ابن حِبَّان والبيهقي، ورواه أبو داود باختلاف في اللفظ.
هـ- عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول «ثلاثٌ هنَّ عليَّ فرائض وهنَّ لكم تطوُّعٌ: الوتر والنحر وصلاة الضحى» رواه أحمد والبيهقي والحاكم والدارقطني.
стр. 1038
الحديث الأول في سنده عبيد الله بن زحر ضعيف، ضعفه الهيثمي وابن معين وابن المديني والدارقطني، وقال ابن حِبَّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الهيثمي (ومعاوية لم يتأمَّر في زمن معاذ) . فالحديث لا يصلح للاحتجاج. والحديث الثاني لا يفيد وجوب الوتر، فامتناع ابن عمر عن إجابة السائل واكتفاؤه بتكرار فعل رسول الله ﷺ والمسلمين لا يدل على الوجوب، ويبدو لي أن ابن عمر خشي إن هو قال إن الوتر سنة أن يؤدي ذلك إلى تفريط الناس به، فاكتفى بترديد فِعل الرسول ﷺ والمسلمين علَّ السامع يقتدي بفعلهم، وهذا على فرض أن الحديث صالح للاحتجاج، وإلا فإن العراقي قد ذكر الحديث هذا ضمن الأحاديث الضعيفة، وقل مثل ذلك بخصوص الحديث الثالث، فهو أيضاً ضعيف عند العراقي، وعلى فرض صلاحه للاحتجاج فإن لفظَهُ «الوتر حق» وارد في الحديث الرابع. فأقول: إن قول الرسول ﷺ «الوتر حق» لا يفيد الوجوب الشرعي بالضرورة، فكما أن الواجب حق، فإن المندوب أو السنّة أيضاً حق، فكلمة حق هنا تعني أنه ثابت مشروع، وهذا اللفظ لا يعدو كونه يفيد الحث على صلاة الوتر، ولا يفيد أكثر من ذلك. أما الحديث الخامس ففي سنده أبو جناب الكلبي - يحيى بن أبي حية - ضعيف، ضعَّفه يحيى القطان والعِجلي والجوزجاني وأبو حاتم والنَّسائي والدارقطني والذَّهبي، فلا يصلح للاحتجاج. وهكذا يتبين أنه لا يوجد دليل أو نصٌّ واضح الدلالة على وجوب صلاة الوتر.
стр. 1039
وقد حكى الخطابي الإجماع على عدم وجوب الوتر، ويبدو أنه نسي أو كان يجهل رأي أبي حنيفة القائل بوجوب الوتر. قال الشوكاني (وقد ذهب الجمهور إلى أن الوتر غير واجب بل سُنَّة، وخالفهم أبو حنيفة فقال إنه واجب) . وقال ابن المنذر ( ... وهو قول عوام أهل العلم غير النعمان، فإنه خالفهم وزعم أن الوتر فرض) . قول ابن المنذر عوام أهل العلم غير النعمان: يعني عموم أو عامة أهل العلم باستثناء أبي حنيفة.
وقد حث رسول الله ﷺ كثيراً على صلاة الوتر، مما يجعل هذه الصلاة تتمتع بفضل عظيم، ويكاد الوتر يعدل في الفضل ركعتي الفجر، أي سُنَّة الصبح، فالحديث الثالث - حديث بُريدة الأسلمي المار قبل قليل - يدل على ما للوتر من فضل. وأيضاً، عن عليٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وِترٌ يحب الوتر» رواه أحمد وأبو داود. ورواه ابن خُزَيمة وابن ماجة، كلاهما بلفظ «قال علي بن أبي طالب: إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة، ولكنَّ رسول الله ﷺ أوتر، ثم قال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر» . وعن خارجة ابن حُذافة العَدَوي ﵁ قال «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إن الله قد أمدَّكم بصلاة لهي خيرٌ لكم من حُمر النَّعَم، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» رواه ابن ماجة والبيهقي والحاكم. قوله حُمر النَّعَم: أي الطائفة من الإبل.
أما وقت الوتر فهو وقت موسَّع، يمتدُّ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فقد مرَّ قبل لحظات حديث ابن ماجة والبيهقي وفيه « ... جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر» . وروى أبو بصرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ... » رواه أحمد والطبراني.
стр. 1040
وتأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن قوي على ذلك، فعن مسروق قال «سألتُ عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: مِن كلِّ الليل قد أوتر، مِن أوله وأوسطه، وانتهى وتره حين مات في السَّحَر» رواه ابن ماجة وأحمد ومسلم. ورواه البخاري ولفظه «كلَّ الليل أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السَّحَر» . وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال «إن رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل، ثم أوتر في وسطه ثم أثبت الوتر في هذه الساعة، قال: وذلك عند طلوع الفجر» رواه أحمد. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم من آخِر الليل فليوتر أوَّله، ومن طمع أن يقوم آخِرَه فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخِر الليل مشهودة، وذلك أفضل» رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة. وعن جابر من طريق ثانية عند مسلم «أيكم خاف أن لا يقوم من آخِر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيامٍ من الليل فلْيوتر من آخره، فإن قراءة آخِر الليل محضورة، وذلك أفضل» . وعن أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخِرَ الليل، فقال لأبي بكر: أخذ هذا بالحزم، وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة» رواه أبو داود والبيهقي والحاكم. وفي رواية وجدها عبد الله بن أحمد بن حنبل بخط أبيه من طريق جابر بن عبد الله ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر متى توتر؟ قال: أول الليل بعد العَتَمة، قال: فأنت يا عمر؟ قال: آخِر الليل، قال: أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالثِّقة، وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة» . وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم
стр. 1041
- عن الوتر فقال: أوتروا قبل الصبح» رواه أحمد ومسلم والترمذي والنَّسائي وابن ماجة.
أما عدد ركعات الوتر فأقلها ركعة واحدة، وأكثرها - مما روي عن رسول الله ﷺ - تسعُ ركعات. فالوتر ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات، أو خمس ركعات، أو سبع ركعات، أو تسع ركعات. فقد مرَّ قبل قليل حديث مسلم من طريق عبد الله بن عمر ﵁ وفيه «الوتر ركعة من آخر الليل» . وعن أبي مِجْلز قال «سألت ابن عباس ﵁ عن الوتر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ركعة من آخِر الليل، وسألت ابن عمر ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ركعة من آخر الليل» رواه أحمد ومسلم. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يُسلِّم من كل ثِنتين ويوتر بواحدة» رواه ابن ماجة. قوله يسلم من كل ثِنتين: أي أن صلاة الليل ركعتان ركعتان. وعنها ﵂ «أن النبي ﷺ كان يوتر بواحدة» رواه ابن حِبَّان وابن أبي شيبة. وروى ابن عمر ﵁ «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : صلاةُ الليل مَثْنى مَثْنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتِر له ما قد صلى» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. فهذه أدلة على أن الوتر ركعة واحدة.
стр. 1042
وعن ابن عباس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثماني ركعات، ويوتِر بثلاث ويصلي ركعتين - وفي رواية: ويصلي ركعتي الفجر - فلما كبر صار إلى تسع، ستٍّ وثلاثٍ» رواه أحمد والنَّسائي وأبو داود. وعن عائشة ﵂ قالت «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ... » رواه مسلم. وعن علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث» رواه أحمد. ورواه الترمذي ولفظه «كان رسول الله ﷺ يوتِر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من المُفَصَّل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور، آخرُهن قل هو الله أحد» . وعن ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ أوتر بثلاث، بـ سبِّح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة والترمذي. فهذه أدلة على أن الوتر يكون ثلاث ركعات.
وعن عائشة ﵂ قالت «كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شئ منهن إلا في آخرهن، فإذا أذن المؤذن قام فصلى ركعتين خفيفتين» رواه الترمذي وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه مسلم ولفظه «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شئ إلا في آخرها» . وعن أم سلمة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يوتر بسبعٍ وبخمسٍ، لا يفصل بينهن بسلام ولا بكلام» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة. فهذه أدلة على أن الوتر يكون خمس ركعات.
стр. 1043
وعن أبي أُمامة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع، حتى إذا بدَّن وكثر لحمه أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس، فقرأ بـ إذا زلزلت وقل يا أيها الكافرون» رواه أحمد والطبراني. وعن سعد بن هشام بن عامر قال « ... قلت يا أم المؤمنين - يقصد عائشة - أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نُعدُّ له سواكَه وطَهورَه، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسَّوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسنَّ نبي الله ﷺ وأخذ اللحم أوتر بسبعٍ، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسعٌ يا بُني ... » رواه مسلم وأحمد. ورواه النَّسائي ولفظه «.. فلما كبر وضعُف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي السابعة ثم يُسلِّم تسليمة ... » فهذه أدلة على أن الوتر يكون سبع ركعات ويكون تسع ركعات.
ثم إن هذه الأدلة الدالة على أن الوتر يكون ركعة، ويكون ثلاثاً، ويكون خمساً، ويكون سبعاً، ويكون تسعاً، تدلُّ أيضاً على أن الوتر مندوب وليس فرضاً، إذ لو كان فرضاً لكان ثابت العدد، فلما جاءت الأدلة بالتخيير في العدد دل ذلك على أنه ليس فرضاً. ثم إن أبا أيوب ﵁ قد روى أن النبي ﷺ قال «الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» رواه ابن حِبَّان والنًّسائي والدارقطني، ورواه الحاكم وصححه. وهذا تخيير واضح في العدد دالٌّ على عدم الوجوب.
стр. 1044
أما كيفية صلاة الوتر على اختلاف ركعاته من حيث العدد فهي كما يلي: إنْ كان الوتر ركعة واحدة فالكيفية ظاهرة. وإن كان الوتر ثلاث ركعات صلاها متصلة بتكبيرة إحرام واحدة وقعودٍ واحدٍ في آخرها، يتشهد فيه ويسلِّم، ولا يقعد غيره، فلا يقعد بعد الركعتين. وإن كان الوتر خمس ركعات فكذلك، أي صلاها متصلة بتكبيرة إحرامٍ واحدةٍ وقعودٍ واحدٍ في آخرها يتشهد فيه ويسلم، ولا يقعد غيره، فلا يقعد بعد الركعتين ولا بعد الأربع، أي لا يقعد إلا في آخر الركعة الخامسة فحسب. وإن كان الوتر سبع ركعات صلاَّها متصلة بتكبيرة إحرامٍ واحدة وتشهُّدٍ أول يقعد له في آخر الركعة السادسة، ثم ينهض ليأتي بالسابعة، ثم يقعد في آخرها فيتشهد التشهد الثاني ويسلِّم. وإن كان الوتر تسع ركعات صلاَّها متصلة بتكبيرة إحرامٍ واحدة وتشهُّدٍ أول يقعد له في آخر الثامنة، ثم ينهض ليأتي بالتاسعة، ثم يقعد في آخرها فيتشهد التشهد الثاني ويسلم. فعن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى العشاء دخل المنزل ثم صلى ركعتين، ثم صلى بعدهما ركعتين أطول منهما، ثم أوتر بثلاث لا يفصل فيهن ... » رواه أحمد ومسلم. قوله لا يفصل فيهن: يعني أن تُصلى الركعات الثلاث متصلة دون تشهد وتسليم من الركعتين الأوليين. يشهد لهذا ما روته عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان لا يسلِّم في ركعتي الوتر» رواه النَّسائي والبيهقي والحاكم. وما رواه أبيُّ بنُ كعب ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بـ قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بـ قل هو الله أحد، ولا يسلِّم إلا في آخرهن، ويقول يعني بعد التسليم: سبحان الملك القدوس ثلاثاً» رواه النَّسائي وابن حِبَّان.
стр. 1045
أما إن سلَّم من الركعتين الأوليين ثم صلى ركعة واحدة، فإن الركعتين الأوليين لا تُحتسبان من الوتر، وإنما تُحتسبان من صلاة الليل التي تسبق الوتر، ويكون قد صلى ركعة واحدة من الوتر فحسب، إذ ما دام أن الوتر صلاة، فإن هذه الصلاة لا تُقطع بتسليم، ولا تُؤدَّى إلا بتكبيرة إحرامٍ واحدة وتسليمةٍ واحدة، وإلا لما كانت صلاة واحدة، فعن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدها سبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون، ويقرأ في الوتر بـ قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ بربِّ الناس» رواه ابن حِبَّان والحاكم. لاحظ قول عائشة «الركعتين اللتين يوتر بعدها» فهو يدل صراحة على أن الركعتين ليستا من الوتر، وعلى هذا جاء قولها «ويقرأ في الوتر بـ قل هو الله أحد» . فالركعتان إنْ فُصلتا عن الثالثة لم تعودا تُحتسبان من صلاة الوتر، وعلى هذا الفهم تُحمل الأحاديث المروية التي تذكر «أن رسول الله ﷺ كان يفصل بين الشفع والوتر» رواه ابن حِبَّان وأحمد والطبراني من طريق ابن عمر ﵁. فالشفع هو من صلاة الليل، والوتر يأتي بعدها مفصولاً عنها.
وأيضاً فإن المُصلِّي لا يقعد بعد الركعتين ولا يتشهد التشهد الأول، أي لا يفعل في صلاة الوتر الثلاثية ما يفعل في صلاة المغرب المفروضة، وإنما يجعل صلاة الوتر مختلفة عن صلاة المغرب، وهو ما أمر به الشرع الحنيف، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو بسبع، ولا تَشَبَّهوا بصلاة المغرب» رواه ابن حِبَّان والدارقطني. ورواه البيهقي والحاكم وفيه تقديم وتأخير.
стр. 1046
وقد جمع ابن حجر بين الأحاديث المُصَرِّحة بثلاث وهذا الحديث الناهي عن الثلاث بأَنْ حَمَل أحاديث النهي على الإيتار بثلاث بتشهُّدين، لمشابهة ذلك لصلاة المغرب، وأحاديث الجواز على الإيتار بثلاث متَّصلةٍ بتشهُّدٍ واحدٍ في آخرها، وقد أحسن بهذا الجمع، فحتى لا يتشابه الوتر والمغرب فإنه لا يجلس في الوتر عقب الركعتين، وإنما يجلس فقط ويتشهد في آخر الثلاث. هذا بخصوص كيفية صلاة الوتر ثلاث ركعات.
وأما بخصوص كيفية صلاة الوتر خمس ركعات، فقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شئ إلا في آخرها» رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنَّسائي وأحمد. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمسٍ لا يجلس في شئ من الخمس إلا في آخرهن، يجلس ثم يُسلِّم» . وقد مرَّ حديث مسلم قبل قليل. وعن أم سلمة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلامٍ ولا بكلامٍ» رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وقد مرَّ قبل قليل.
стр. 1047
وأما بخصوص كيفية صلاة الوتر سبع ركعات، فقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «لما أسنَّ رسول الله ﷺ وأخذ اللحم، صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ... » رواه النَّسائي. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «كنا نُعِدُّ له سواكه وطَهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي سبع ركعات، ولا يجلس فيهن إلا عند السادسة، فيجلس ويذكر الله ويدعو» . ووقع عند النَّسائي لفظ «فلما كبِر وضعُف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض ولا يُسلِّم، فيصلي السابعة ثم يسلِّم تسليمة ... » . وقد مرَّ قبل قليل، وقد مرَّ أعلاه قبل بضعة أسطر حديث أم سلمة ﵂ عند أحمد والنَّسائي وابن ماجة وفيه «يوتر بسبعٍ وبخمسٍ لا يفصل بينهن بسلام ولا بكلام» .
وأما بخصوص كيفية صلاة الوتر تسع ركعات، فقد روت عائشة ﵂ « ... ويُصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلِّم تسليماً يُسْمعُنا ... » من حديث مرَّ قبل قليل رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. وعنها ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يصلي التاسعة ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة يُسمعناه ... » رواه ابن حِبَّان.
стр. 1048
وأما القراءة في ركعات الوتر، ففي الركعة الأولى سبِّح اسمَ ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية قل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة قل هو الله أحد، وما زاد على ذلك فلْيقرأ ما يشاء من السور، هذا لمن أراد أن يتقيد بقراءة رسول الله ﷺ . وقد مرَّ قبل قليل حديث أبيِّ بن كعب ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بـ قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بـ قل هو الله أحد، ولا يسلِّم إلا في آخرهن، ويقول، يعني بعد التسليم: سبحان المَلِك القُدُّوس، ثلاثاً» رواه النَّسائي وابن حِبَّان. وعن عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال «كان النبي ﷺ يوتر بـ سبِّح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، وإذا أراد أن ينصرف من الوتر قال: سُبْحان الملِكِ القُدُّوس، ثلاث مرات، ثم يرفع صوته في الثالثة» رواه أحمد والنَّسائي. ولهما عنه من طريق ثانية «..وكان إذا سلَّم قال: سبحان المَلِك القُدُّوس، يطوِّلها، ثلاثاً» .
فهذه الأحاديث تبين أن القراءة في ركعة الوتر الأولى تكون بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بـ قل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بـ قل هو الله أحد، وإن زاد فيها المعوذتين فلا بأس، لما رُوي عن عبد العزيز بن جُرَيْج أنه قال «سألت عائشة أم المؤمنين ﵂: بأي شئ كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يقرأ في الركعة الأولى بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بـ قل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بـ قل هو الله أحد والمعوذتين» رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني.
стр. 1049
كما تُبين هذه الأحاديث أن من الهَدْي النبوي أن يقول من يفرغ من صلاة الوتر (سبحان المَلِكِ القُدُّوس، سبحان المَلِكِ القُدُّوس، سبحان المَلِكِ القُدُّوس) يرفع صوته في الثالثة ويمدها مدَّاً.
مرٌَّ معنا في هذا البحث أن وقت الوتر موسَّع، فهو يمتد من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وأن الأفضل للوتر أن يكون آخر صلاة الليل عند السَّحَر، ونضيف هنا أن الوتر يُصلَّى مرَّة واحدة في الليلة الواحدة، ولا يُشرع أن يُصلَّى وتران أو أكثر في ليلة واحدة. وللمسلم أن يصلي في الليل شفعاً شفعاً، أي مَثْنى مَثْنى، حتى إذا فرغ من صلاة الليل ختمها بالوتر، وله أن يوتر مبكراً، ثم إن هو أراد التنفُّل بعد ذلك فإن له أن يصلي من النوافل- أعني صلاة الليل - ما يشاء شفعاً شفعاً، أي مَثْنى مَثْنى، ولا يصلي الوتر مرة ثانية عقب ذلك.
стр. 1050
أما ما يقوله بعضهم من الإتيان في الحالة الثانية بركعة يشفع بها وتره، ثم يتنفل شفعاً شفعاً، ثم يختم صلاته بالوتر فرأي مرجوح، لأنه في هذه الحالة يكون قد صلى وترين في ليلة واحدة، إضافةً إلى أن إضافةَ ركعةٍ جديدةٍ إلى ركعة سابقة بينهما تسليم وفاصل زمني كبير ليس له دليل من شرع الله يُعتد به، فلا ينبغي القول به. فعن طلق بن علي ﵁ قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول «لا وتران في ليلة» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن حِبَّان. وأما ما رواه نافع عن ابن عمر ﵁ «أنه كان إذا سُئِل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام، ثم أردت أن أصلي بالليل شفعتُ بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة، إن رسول الله ﷺ أمر أن يجعل آخر صلاة الليل الوتر» رواه أحمد. فهو اجتهاد من ابن عمر في أمره ﵊ أن يجعل آخر صلاة الليل الوتر، وفعل الصحابي أو اجتهاده ليس دليلاً شرعياً وإن كان حكماً شرعياً يجوز تقليده واتِّباعه. وقد خطَّأ ابن عباس ابن عمر ﵄ في اجتهاده هذا، فقد روى عبد الرزاق عن سالم «عن ابن عمر أنه كان إذا نام على وتر، ثم قام يصلي من الليل صلى ركعة إلى وتره فيشفع له، ثم أوتر بعدُ في آخر صلاته، قال الزهري: فبلغ ذلك ابن عباس فلم يعجبه فقال: إنَّ ابن عمر ليوتر في الليلة ثلاث مرات» . يقصد وتره قبل أن ينام، ثم وتره الثاني الذي يشفع به وتره الأول، ثم وتره الثالث الأخير عقب الفراغ من صلاة الليل، ولا شك في أنه ﵁ قد أخطأ في اجتهاده هذا. وهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ قد خطَّأت هي الأخرى هذا الرأي، فقد روى عبد الرزاق «عن أبي عطية عن عائشة قال: ذُكر لها الرجل يوتر ثم يستيقظ فيشفع بركعة، قالت: ذلك يلعب بوتره» .
стр. 1051
أما أمره ﵊ أن يجعل آخر صلاة الليل الوتر، فإنه يعني أن من يصلي صلاة الليل لا يقدِّم الوتر على صلاته ولا يجعله بين صلاته، وإنما يجعله في آخرها، فمن فعل ذلك ونام فقد امتثل للأمر النبوي الكريم، ثم إن هو استيقظ من ليلته تلك وبدا له أن يصلي تطوُّعاً فلْيُصلِّ ما شاء دون محظور ولا ينقض ما صلاه من قبل، ولا يكون بفعله هذا قد خالف الأمر النبوي، لأنه سبق له أن امتثل للأمر، وامتثاله للأمر لا يعني حرمانه من التنفل فيما لو استيقظ من ليلته وأراد الصلاة.
وكما أضفنا قبل قليل من أن الوتر يُصلَّى مرة واحدة في الليلة الواحدة، فإننا نضيف هنا أن الوتر هو من النوافل التي داوم على فعلها رسول الله ﷺ وحث المسلمين على القيام بها، فيأخذ الوتر حكم السنن التي داوم عليها رسول الله ﷺ من حيث مشروعية قضائها إنْ هي فاتت وخرج وقتها، فمن نام دون أن يصلي الوتر ثم استيقظ وقد طلع الفجر فإن له أن يصلي الوتر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر» رواه الحاكم والبيهقي. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من نام عن وتره أو نسيه فلْيصلِّه إذا أصبح أو ذكره» رواه البيهقي والدارقطني والحاكم. ورواه أبو داود إلا أنه لم يذكر - إذا أصبح -. ورواه الترمذي بلفظ «من نام عن وِتره فلْيُصلِّ إذا أصبح» . وعن الأغرِّ المُزَني «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني أصبحت ولم أُوتر، قال: فأوتر» رواه الطبراني.
القنوت في الوتر وفي الصلاة المكتوبة
стр. 1052
ونبدأ بالقنوت في الوتر فنقول: يُسنُّ القنوت في صلاة الوتر في الركعة الأخيرة منه، ويُفعل طيلة العام، ويتأكد في النصف الأخير من رمضان، ويُؤتى به عقب الركوع، ولكن إن قنت قبل الركوع جاز له ذلك، فالأمر موسَّع، ولكن القنوت عقب الركوع أحبُّ إليَّ، قال البيهقي (رُواةُ القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ وعليه درج الخلفاء الراشدون) . وقال أحمد: لم يَروِ عن أنسٍ القنوتَ قبل الركوع سوى عاصم الأحول فحسب.
ويُندب أن يُدعى بالدعاء التالي في الوتر [اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتَولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقِني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت] . أو بالدعاء التالي [اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك] . ولا يعني هذا وذاك أنه لا يصح الدعاء إلا بهما، فَلْيدعُ المسلمُ ربه في حاجته بهذا الدعاء أو بذاك أو بسواهما، أو يجمع بين الدعاء المأثور والدعاء في حاجته. فعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثَناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» رواه أحمد والحاكم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. فالحديث يقول «كان يقول في آخر وتره» أي في الركعة الأخيرة منه. وما جاء في هذا الحديث من دعاء هو الدعاء الثاني الذي ذكرته قبل قليل. وعن الحسن بن علي ﵁ قال «علَّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقِني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» رواه أحمد والترمذي
стр. 1053
والنَّسائي وابن خُزَيمة وأبو داود. ورواه البيهقي والطبراني بزيادة «ولا يعزُّ من عاديت» عقب «إنه لا يَذِلُّ من واليت» . وهي زيادة صحيحة فتُقبل وتضاف إلى الدعاء.
وروى أبو داود «أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» . يعني النصف الأخير من رمضان، لأن الحديث يتحدث عن صلاة التراويح، وهي لا تكون إلا في رمضان، بدلالة حديث ثان رواه أبو داود بلفظ «أنَّ أُبيَّ بن كعب أمَّهم - يعني في رمضان - وكان يقنت في النصف الآخر من رمضان» . وستأتي الأدلة على جواز القنوت قبل الركوع وبعده تالياً.
стр. 1054
أما القنوت في الصلوات الخمس المكتوبة فإنه مشروع في النوازل والكوارث فحسب، فإن وقعت النوازل والكوارث فالقنوت مشروع في جميع الصلوات الخمس، ولا يُشرَع اتخاذُ صلاةٍ بعينها للقنوت، بمعنى ألا تختص بالقنوت صلاةٌ دون صلاة. أما إن عدمت النوازل والكوارث فلا قنوت في الصلوات الخمس، ولا قنوت آنئذٍ إلا في الوتر فحسب، فعن أبي مالك الأشجعي قال «قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أَيْ بُنيَّ مُحْدَث» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُني إنها بدعة» . ولا أعني بالنوازل والكوارث ما كان منها عاماً فقط كالحروب والزلازل والبراكين والطوفان، وإنما أعني أيضاً ما يصيب المرء من نكباتٍ ومصائب، فقد يُسجَن الشخص، أو يطلبه سلطان متسلِّط، أو يضل السبيل في سفره، أو يمرض مرضاً شديداً، ففي هذه النوازل الفردية أيضاً يقنت المصلِّي في أية صلاة مكتوبة، والدليل على القنوت في النوازل ما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «قنت النبي ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دُبُر كل صلاة، إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيم على رِعْلٍ وذَكْوانَ وعُصَيَّة، ويُؤَمِّن مَنْ خلفَه، قال: أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم» . قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت. رواه ابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم.
стр. 1055
ويستمر المسلم يقنت ما دامت النازلة واقعة، فإذا انتهت النازلة توقف عن القنوت، أو قنت فيها ما شاء ثم توقف، ولا يُديم القنوت بعد انقضائها، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَانَ وقال: عُصَيَّةُ عصت الله ورسوله» رواه أحمد والنَّسائي والبخاري. ورواه مسلم مقيَّداً بصلاة الصبح. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو بعد الركوع على حيٍّ من أحياء العرب ثم تركه» رواه أحمد ومسلم وابن حِبَّان والنَّسائي وأبو داود. وعن عاصم الأحول عن أنس قال «سألته عن القنوت أَقَبْلَ الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال قلت: فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع؟ فقال: كذبوا، إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على ناس قَتَلوا أناساً من أصحابه يقال لهم القُرَّاء» رواه أحمد ومسلم. ورواه البخاري ولفظه «عن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً، أراه كان بعث قوماً يقال لهم القُرَّاء زُهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو عليهم» . وعن أبي هريرة ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ في صلاة العَتَمَة شهراً يقول في قنوته: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، اللهم نَجِّ سَلَمة بن هشام، اللهم نجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسِنِي يوسف، قال أبو هريرة: وأصبح رسول الله - صلى
следующие страницы →