← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ج - عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شُعبةُ الشاكُّ - صلى ركعتين» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي وابن أبي شيبة. د - عن أبي هارون عن أبي سعيد «أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة» رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. الحديث الرابع فيه أبو هارون ضعَّفه القطان وأحمد وابن معين وأبو زُرعة وأبو حاتم الرازي والنسائي، ولم أجد مَن وثقه أو قبله، فيترك الحديث. فتبقى عندنا ثلاثة أحاديث صحيحة. الحديثان الأول والثاني يذكران أن الرسول ﷺ صلى بذي الحليفة - وهي تبعد عن المدينة ستةَ أميال أو سبعة أميال - ركعتين، وجاء في الحديث الثاني أنها كانت صلاة العصر. وذكر حديث أحمد أن ذلك كان في حجة الوداع، وفي ذلك دلالة على تأخر هذه الحادثة مما ينفي عنها حصول النسخ. فهذان نصان صحيحان يدلان على أن الرسول ﷺ قد قصر الصلاة الرباعية عندما سافر ما بين ستة أميال وسبعة، فلماذا لم يأخذ الأئمة الأربعة بهذين النصين؟ وإنما راح ثلاثة منهم ينظرون في أقوال الصحابة، ويستنبطون منها الأحكام رغم تعارضها واختلافها، أو في أدلة ليست في المسألة كما فعل الأحناف؟! إن هذين الحديثين يبطلان أقوال الأئمة الأربعة بشكل واضح، فلا مسيرة ثلاثة أيام ولا مسيرة يومين، ولا مسيرة يوم وليلة، ولا مسيرة ميل واحد تصلح لتقدير مسافة القصر، فوجبت العودة عن هذه الأقوال، والتقيد بفعل الرسول ﷺ .

стр. 982

وقد جاء الحديث الثالث فيصلاً في هذه المسألة، فهو لم يذكر حادثة عين واحدة، وإنما نص على ديمومة هذا الفعل بدلالة قول الحديث (إذا خرج) وهو تشريع صريح بأن الرسول ﷺ شرع للمسلمين القصر إن هم سافروا ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ. والشك هذا من الراوي شعبة، فمن سافر من المسلمين ثلاثة أميال، أو سافر منهم ثلاثة فراسخ جاز له القصر. وحيث أن الفرسخ ثلاثة أميال، فيكون معنى الحديث أن من سافر ثلاثة أميال أو سافر تسعة أميال، قصر الصلاة. فتصبح عندنا ثلاثة أقوال محتملة في هذه المسألة: ثلاثة أميال، وسبعة أميال، وتسعة أميال، ونحن نأخُذُ بالأكثر منها احتياطاً وهو تسعة أميال وتبلغ حوالي سبعة عشر كيلو متراً. فهذه هي المسافة التي قدرتها الأحاديث النبوية الصحيحة، فوجب الأخذُ بها والالتزامُ بها، وردُّ جميع أقوال الصحابة المتعارضة والمخالفة لهذا التقدير الشرعي.

стр. 983

وليتهم، غفر الله لهم وعفا عنهم، أخذوا بالبنود الستة التي ذكرناها، وهي بنود صحيحة لا غبار عليها، ليخرجوا بمثل ما خرجنا به من تقديرٍ لمسافة القصر، ولكنهم لم يفعلوا، وبدلاً من أن يأخذوا النص الشرعي، ثم إن وجدوا أقوال صحابة أولوها بما يتفقوا معه أو ردوها، رأيناهم يأخذون أقوال الصحابة كتشريع، ويقومون بتأويل النص الشرعي تأويلاً بعيداً، أي هم قاموا بعكس ما كان يجب عليهم أن يفعلوا، فهذا النص الشرعي، أعني الحديث الثالث، قد أولوه بأن المقصود منه بدء القصر عند السفر الطويل بمعنى أن من نوى السفر ثلاثة مراحل، أو مرحلتين، أو أربعة بُرُد مثلاً، جاز له القصر إن هو قطع ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، فنقلوا هذا النص من موضوعه، وهو تقدير مسافة القصر إلى آخر هو: متى يبدأ القصر؟ وشتان بين الموضوعين، ولقد أخطئوا عندما لم يتقيدوا بهذا النص في تقدير المسافة، وزاد الخطأ منهم عندما أولوه بقولهم إنه نصٌّ في بدء القصر فحسب. ولبيان هذا الخطأ نقول ما يلي: ١ - إن الإجماع عند الإئمة الأربعة هو أن من أراد أن يسافر فله أن يقصر بمجرد الخروج عن آخر بيت من بيوت المدينة أو القرية، وهذا يعني أن من غادر آخر بيت وابتعد عنه مائة متر فقط، أو حتى أقل من ذلك فإن له أن يقصر عندهم فلماذا يضعون حديث أنس في هذا المقام، وهو ينص على مسيرة ثلاثة أميال على الأقل، قبل بدء القصر عندهم؟ أليس في هذا تناقض؟ إنهم إما أن يبقوا على إجماعهم، وإما أن يأخذوا بهذا النص ويدَعوا الإجماع، لأن النص والإجماع، متعارضان هنا.

стр. 984

٢ - إن تأويلهم منقوض ومغلوط، وذلك أن هذا النص لم يجئ في موضوع بدء القصر، وإنما جاء في موضوع تقدير مسافة القصر، وأدَعُ ابن حجر العسقلاني، وهو شافعي المذهب، وصاحب كتاب فتح الباري بشرح البخاري يرد عليهم دعواهم، فقد جاء في هذا الكتاب ما يلي [وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال - أو فراسخ - قصر الصلاة» وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر، ولا يخفى بُعْدُ هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال «سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس» فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها ... ] وهكذا يظهر بوضوح أن من أراد سفراً يبلغ سبعة عشر كيلومتراً أو أكثر فإن له أن يقصر الصلاة الرباعية. هذا هو الحكم الشرعي الصحيح في هذه المسألة. أما بدء قصر الصلاة، فإنه يحصل بمجرد الخروج عن آخر بيت من بيوت المدينة أو القرية، أي بمجرد مغادرة المدينة أو القرية التي يسكنها، ويستمر في القصر إلى أن يصل إلى أول بيت من بيوت المدينة أو القرية لدى عودته من سفره. قال البخاري «وخرج علي ﵁ فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتى ندخلها» . ولا يوجد نص في هذه النقطة، فنستأنس بهذا الأثر.

стр. 985

ويصح القصر في أي سفر، سواء كان سفر طاعة، أو سفراً مباحاً، أو سفراً محرَّماً، فما يُطلق عليه وصف السفر، وحُدد بسبعة عشر كيلومتراً فأكثر احتياطاً فإنه يبيح القصر، فالعبرة بالسفر وليس بنوعه أو غايته أو المقصود منه. المسافر يستمر في القصر ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن المسافر يصبح مقيماً إذا نوى إقامة أربعة أيام مستدلين بنهيه ﷺ للمهاجرين عن إقامةٍ فوق ثلاثٍ في مكة. وذهب أبو حنيفة إلى أن المسافر يتم صلاته إذا عزم على إقامة خمسة عشر يوماً، واحتج بقول ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا أقمتَ ببلدٍ وأنت مسافرٌ وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة. وقال الأوزاعي اثني عشر يوماً. وقال ربيعة يوماً واحداً وليلة. والذي أراه هو أن هؤلاء جميعاً قد جانبهم الصواب، لأن منهم من استدل بحديث لا يعالج مسألتنا هذه، ومنهم من استدل بأقوال صحابة ولم يستدل بالنصوص الشرعية، وهي متوافرة في مسألتنا هذه، مع ملاحظة أنه قد روي عن الصحابة آراء متعددة مختلفة في هذه المسألة: والصحيح الذي ينبغي القول به والمصير إليه هو أن المسافر يستمر في قصر الصلاة ما دام ينطبق عليه وصف المسافر طال السفر أو قَصُر، وكل تحديد زمني لسفر القصر هو اجتهاد مرجوح، ومتى نوى المسافر الاستيطان في مكان فقد فَقَدَ وصف المسافر وصار مقيماً يجب عليه الإتمام. فالمسافر يظل مسافراً حتى يعود لوطنه ومدينته ومكان سكناه، أو يتحول ويتَّخذ لنفسه وطناً جديداً ومكانَ إقامةٍ جديداً يقيم فيه إقامة دائمة، ويظل يقصر ما دام مسافراً ولو استمر سفره سنة أو أكثر، ولا يفقد المسافر وصف المسافر إن هو نوى الإقامة المؤقتة أياماً وأسابيع في دار السفر، وحتى لو تزوج المسافر في دار سفره من امرأة مقيمة هناك، فإنه يظلُّ مسافراً يقصر صلاته إلا إن نوى الإقامة الدائمة عندها فيُتمُّ.

стр. 986

ولقد أخطأ من قالوا إن المسافر إذا تزوج في دار سفره من امرأةٍ مقيمةٍ فيها وجب عليه أنْ يُتِمَّ صلاته ولم يَجُزْ له قصرها، لأن هؤلاء قد استدلوا بحديث ضعيف جداً على دعواهم لا يصلح مطلقاً للاستدلال، وهو: عن عبد الرحمن بن أبي ذباب «أن عثمان ابن عفان ﵁ صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال يا أيها الناس إني تأهَّلت بمكة منذ قدمتُ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهَّلَ في بلد فلْيصلِّ صلاة المقيم» رواه أحمد والبيهقي وأبو يعلى.فهذا الحديث منقطع، قاله البيهقي وابن حجر، إضافة إلى أن راويه عكرمة بن إبراهيم، قال الذهبي: مُجْمَعٌ على ضعفه. فالحديث لا يصلح للاستدلال. والمسافر يقصر ما دام في سفره، ماشياً كان أو راكب دابة أو مركبة: كطائرة أو سفينة أو سيارة، ناله التعب والإعياء أو لم ينله شئ من ذلك، فالعبرة بالسفر - كما سبق وقلنا - دون أية إضافة أخرى، فعن أنس ﵁ قال «خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي.

стр. 987

أما ما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «سافر رسول الله ﷺ فأقام تسع عشرة يصلي ركعتين ركعتين ... » رواه أحمد والبخاري وابن ماجة. وما رُوي عن جابر ابن عبد الله ﵁ قال «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة» رواه أحمد وأبو داود وابن حِبَّان والبيهقي. وأحاديث أخرى مثلها فإن هذه الأحاديث لا تفيد تحديداً زمنياً للقصر في السفر، وإنما تدل على أن هذه الأوقات المذكورة إنما وقعت كحوادث عين، وليست لها دلالة أخرى، فلا تفيد تقييد القصر بهذه الأوقات. وقد فهم ذلك عِدَّةٌ من صحابة رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يتقيدون بزمن محدَّد للقصر في السفر، فالبيهقي روى عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه قال «أريح علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر: وكنا نصلي ركعتين» . وأحمد روى عن ثمامة بن شراحيل قال «خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً ... إلى أن قال ثمامة قال - أي ابن عمر - يا أيها الرجل كنتُ بأذربيجان، لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين..» . يقصد بقوله رأيتهم يصلونها: صحابة رسول الله ﷺ . وجاء في مصنف ابن أبي شيبة «أنَّ أبا جمرة، نصر بن عمران، قال لابن عباس إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: صلِّ ركعتين وإن أقمتَ عشر سنين» . ٣) صلاة المريض

стр. 988

المرض بلاء من الله سبحانه لعباده يثيب عليه الصابرين وينتقم به من المعاندين، وإنَّ من فضل الله سبحانه على عباده الصابرين أنه يحتسب لهم جميع ما حرمهم المرض من القيام به مما كانوا يعملون في حال الصحة، ومِن ذلك الصلاة على هيئاتها، فمن حرمه المرض من القيام والركوع والسجود والقعود في الصلاة، فصار يصلي مضطجعاً مثلاً أو يصلي إيماءً، فإن له من الثواب ما كان سيحصل عليه لو هو صلى صلاته بهيئاتها المعروفة في حال الصحة، فعن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال «ما أحدٌ من الناس يُصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الملائكة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدي كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان في وَثاقي» رواه أحمد والحاكم. والوَثاق هنا: هو المرض. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من الأجر مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وعلى هذا فإن من لا يستطيع أن يصلي قائماً، أو كان ينال من الصلاة قائماً مشقةً صلى قاعداً، فإن تعذَّر عليه السجود على الأرض أو شقَّ عليه جعله أخفض من الركوع دونما حاجة لأن يضع وسادة أو خشبة ليسجد عليها، بل يكفيه في هذه الحالة الإيماءُ وخفضُ السجود، فإن لم يستطيع الجلوس صلى مضطجعاً على جنبه الأيمن ووجهه تِلقاءَ القِبلة، فعن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ عاد مريضاً، فرآه يصلي على وسادة فرمى بها، فأخذ عوداً يصلي عليه، فرمى به وقال: إن أطقتَ الأرض وإلا فأَومئ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» رواه البزَّار والبيهقي. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من استطاع منكم أن يسجد فلْيسجد ومن لم يستطع فلا يرفع إلى جبهته شيئاً يسجد عليه، ولكن ركوعه وسجوده يومئ إيماءً» رواه الطبراني. وعن عمران بن حصين

стр. 989

رضي الله عنه قال «كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ» رواه البخاري وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. وإنما قلنا يصلي على جنبه الأيمن خاصةً، لأن الرسول ﷺ كان يحبُّ التيمُّنَ في كل أُموره، فالصلاة على الجنب الأيمن أفضل، وإلا فإن الصلاة على الجنب الأيسر جائزة، وليس في النصوص ما يقيِّد الصلاة بالجنب الأيمن. أما إن كان إمامُ الجماعة مريضاً واضطر للصلاة جالساً فإن جميع المصلين خلفه يصلون مثله جلوساً ولو كانوا غير مرضى، فهذه حالة خاصة شُرعت فيها صلاة المريض للأصحَّاء، فعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ ركب فرساً فصُرع عنه، فجُحِش شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ... وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» رواه البخاري ومالك والنَّسائي وأحمد والبيهقي. وعن عائشة ﵂ قالت «صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وللمزيد يمكنكم مراجعة بحث [الإمام يصلي جالساً] في الفصل الأخير [الإمامة في الصلاة] .

стр. 990

نعود لأصل البحث فنقول: لو دخل المريض في صلاته وهو مستطيع قادر فوقف، ثم عجز في أثناء صلاته عن الوقوف ثانية في الركعة التالية، فإن له أن يبني على ما مضى ويجلس في الركعات التالية، وبالعكس لو هو دخل الصلاة وهو غير مستطيعٍ فجلس في أولها، ثم وجد في نفسه هِمَّةً وقوةً وقف في الركعات التالية، وهكذا يفعل ما يستطيع أن يفعله من حركات وأوضاع، وما لا يستطيعه فلا عليه أن لا يأتيه. وينبغي أن يُعلم أن العذر المبيح لما سبق هو المرض، أو وجود المشقة، أو الخوف من حصول ضرر، أو الخوف من حصول زيادة مرض. وأُلفت النظر إلى أنَّ المرض إن كان خفيفاً كالرشح، أو كان سُعالُ، أو كان صُداعٌ خفيفٌ، أو كان رمدٌ في العين وأمثال ذلك فإن المسلم مأمور بالإتيان بالصلاة على هيئاتها الكاملة لقدرته واستطاعته ذلك. فعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال « ... وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد. وإنَّ المريض بأمثال هذه الأمراض يستطيع الصلاة بهيئاتها الكاملة بلا شك، فلا تصلح هذه الأمراض لأن تكون أعذاراً. الجمعُ بين الصلاتين لا يكون الجمع إلا بين الظهر والعصر، وإلا بين المغرب والعشاء فحسب، فلا يصح الجمع بين الصبح والظهر، ولا بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح، وهذا معلوم من الدين بالضرورة. فعن ابن عباس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر إذا كان على ظهر سيرٍ، ويجمع بين المغرب والعشاء» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر» رواه أحمد. والأحاديث في ذلك كثيرة لا حاجة لإيرادها كلها.

стр. 991

والجمع بين الصلاتين حالة استثنائية، لأن الأصل في الصلوات أن لكل واحدة منها وقتاً معلوماً لا يصح تجاوزه، وهذه الحالة الاستثنائية شُرعت عند وجود عذر من الأعذار، فإن لم يكن هناك عذر فإن الجمع لا يجوز قطعاً، وقد ذكرنا في فصل [الصلاة حكمها ومواقيتها] مواقيت هذه الصلوات وأنها واجبة الالتزام. ولقد أخطأ من أباحوا الجمع دون وجود عذر، متذرعين بحديث ابن عباس ﵁ «صليت مع رسول الله ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً» رواه البخاري ومسلم. ورواه أبو داود بلفظ «صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة ثمانياً وسبعاً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» . وفي رواية أخرى بلفظ «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرج أحداً من أمته» رواه مسلم وأبو داود. وفي رواية أخرى عند مسلم بلفظ «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمته» . وفي رواية أخرى من طريق ابن عباس أيضاً بلفظ «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر» رواه مسلم. فاستدل ناسٌ بهذا الحديث بطرقه المتعددة على جواز الجمع مطلقاً، ولم يقيدوه بأي عذر من الأعذار. والصحيح أن هذا الحديث بطرقه المتعددة لا يدل على ما ذهبوا إليه، وإلا وجب القول بعدم وجوب الالتزام بمواقيت الصلاة، أو وجب القول بأن الالتزام بمواقيت الصلاة مندوب فحسب، وهذا مخالف للحق ومجانب للصواب، والله سبحانه يقول ﴿ ... إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِيْنَ كِتَابَاً مَوْقُوْتَاً﴾ الآية ١٠٣ من سورة النساء.

стр. 992

والصحيح هو أن الرسول ﷺ قد جمع في المدينة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جمعاً صُورِيَّاً، بمعنى أنه أخَّر صلاة الظهر إلى آخِر وقتها فصلاها، وعجَّل صلاة العصر إلى أول وقتها فصلاها، فظهرت الصلاتان وكأنهما جُمِعتا معاً، ومثل ذلك فعل بصلاتي المغرب والعشاء، والجمع الصُّورِي جائز إطلاقاً دون أعذار طبعاً. ولما كان رسول الله ﷺ يُصلِّي الصلوات في أوائل أوقاتها، ثم رأَوه يصلي على خلاف عادته سبعاً وثمانياً، وصَفُوا فعله بأنه جمع، وهو جمع فعلاً، ولكنهم ظنوا أنه أخرج صلاة الظهر من وقتها وأدخلها في وقت صلاة العصر، وفعل مثل ذلك بخصوص صلاة المغرب، لأن الجمع هو إخراج إحدى الصلاتين من وقتها وإدخالها في وقت الأخرى، ولم يلتفتوا إلى الجمع الصُورِي، وهو إبقاء كل صلاة في وقتها ولكن بتقريب إحداهما من الأخرى، بأن تُؤدَّى أُولاهما في آخِر وقتها والأخرى في أول وقتها، فيحصل الجمع وهو هنا الجمع الصُّوري، أي أنه يأخذ صورة الجمع. هذا ما ينبغي الذهاب إليه وإلا بطلت المواقيت، أو صارت مندوبة فحسب، وهذا كما قلنا مخالف للحق ومجانب للصواب.

стр. 993

وزيادةً في الاطمئنان فإنَّا نورد حديثين اثنين يدلان على هذا، أحدهما ما رُوي عن ابن عباس أنه قال «صليت مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخَّر الظهر وعجَّل العصر وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء» رواه النَّسائي. والثاني ما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس أيضاً قال «صليت مع النبي ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء أظن أخَّر الظهر وعجَّل العصر وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء، قال وأنا أظن ذاك» رواه مسلم وأحمد. فهذا ابن عباس راوي الحديث السابق بطرقه المتعددة يقول «أخَّر الظهر وعجَّل العصر وأخَّر المغرب وعجَّل العشاء» وابن عباس لا يناقض نفسه، وإعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، فبإعمال الدليلين نخرج بالفهم الذي قلنا به، وهو أن الرسول ﷺ قد جمع الصلاتين هنا جمعاً صُورياً، أي أنه صلى الصلاتين على صورة الجمع، فوجب الذهاب إلى هذا الفهم وترك ما سواه.

стр. 994

قلنا في أول هذا البحث إن الجمع بين الصلاتين هو حالة استثنائية وقلنا إن هذه الحالة شُرعت عند وجود عذر من الأعذار، والأعذار المبيحة للجمع هي السفر والمطر والخوف والمرض والهرم وأمثالها مما يشكل عدم الجمع مع وجودها حرجاً ومشقة، والشرع قد رفع الحرج عن المسلمين، فإذا وُجد عذر من هذه الأعذار جاز الجمع بين الصلاتين، أي جاز أن تُجمع صلاة الظهر مع العصر وصلاة المغرب مع العشاء جمع تقديم أو جمع تأخير، فتُصَلَّى الصلاتان في وقت إحداهما، سواء كان الوقت وقت أُولاهما أو كان وقت أُخراهما، فكلا الأمرين جائز، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تبوك» رواه مالك. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا عجل به السير يجمع بين المغرب والعشاء» رواه مالك ومسلم والبخاري. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في السفر» رواه البزَّار وأبو يعلى والطبراني. وروى البزَّار مثله من طريق أبي سعيد ﵁، وعن معاذ بن جبل ﵁ قال «جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، قال فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال فقال: أراد أن لا يُحرج أمته» رواه مسلم وأحمد. وقد مرَّ حديث ابن عباس ﵁ بطرقه المتعددة وفيه «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر» . «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر» . يريد ابن عباس من ذلك أن يبين أن الخوف والمطر والسفر أعذار للجمع، وقد نفى وجودها آنذاك عند جمع رسول الله ﷺ بالمدينة، فلولا أن هذه أعذار لما ذكرها في هذا الحديث، ثم إن هذه الأعذار تدخل تحت

стр. 995

الحرج والمشقة، والحديث يقول «أراد أن لا يُحرج أحداً من أمته» . ويدخل الهرم في هذا الباب أيضاً، كما يدخل فيه كل ما يسبِّب حرجاً للمصلي إنْ هو صلى بدون جمع: كالريح الباردة الشديدة والوحل والزَّلَق في طريق المسجد وأمثالها، وكذلك رُوي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال: صنعتُ هذا لكي لا تُحرَج أمتي» رواه الطبراني. فالقاعدة في الجمع هي أنه جائز إن وجد عند المصلي عذر يسبب حرجاً له إن هو لم يجمع بين الصلاتين، وهذه قاعدة واسعة بلا شك. وكما تنعقد الصلاة في المسجد فإنها تنعقد في البيت وفي المزرعة وفي المصنع وغيرها، وكما تنعقد الصلاة في جماعة فإنها تنعقد من المنفرد، وهنا نقول ما يلي: إن الجمع بين الصلاتين يجوز حيث تنعقد الصلاة، فيُجمع في المسجد كما يُجمع في البيت وفي المزرعة وفي المصنع وغيرها، ويُجمع من قِبَل الجماعة كما يجمع من قِبَل المنفرد سواء بسواء دون ملاحظة أي فارق بينها ما دام العذر موجوداً، وهذا العذر إن وُجِدَ جاز الجمع بسببه دون اشتراط وجود المشقة لدى المصلّي، ففي وجود العذر يستوي وجود المشقة وعدم وجودها، كالسفر مثلاً فإنه يبيح الجمع سواء نالت المسافرَ مشقةٌ في سفره أو لم تنله، والمطر مثلاً فإنه يبيح الجمع للمصلّين جماعةً ومنفردين سواء نالتهم مشقةٌ منه أو لم تنلهم، لأن العذر العام أو الحاجة العامة إذا وُجِدَتْ أثبتت الحكم في حقِّ الجميع سواء من نالته مشقّةٌ منه ومن لم تنله، والدليل على عدم وجوب وجود المشقّة أن النبي ﷺ كان يجمع في المطر في مسجده ولم يكن بين بيته وبين المسجد شئ.

стр. 996

ثم إنه يُسن للحاجِّ أن يجمع بين الظهر والعصر جمعَ تقديم في عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة، وبين المغرب والعشاء جمعَ تأخير في المزدلفة، يستوي في ذلك الحاجُّ من أهل مكة والحاجُّ المسافر إليها. فالرسول ﷺ قد جمع بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في المزدلفة وهو إمامٌ لجميع الحجاج من أهل مكة ومن غيرها، فلم يستثن أهل مكة من الجمع، ما يدل على جواز الجمع للجميع، للمسافرين ولغير المسافرين في موسم الحج في عرفة وفي المزدلفة، فعن جعفر بن محمد قال «دخلنا على جابر بن عبد الله ... فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ فقال: ... إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجٌّ ... فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنَمِرَة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس ... ثم أذَّن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصلِّ بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف ... » من حديث طويل رواه مسلم. ورواه أحمد والنَّسائي. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «دفع رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واقامتين ولم يصلِّ بينهما شيئاً» رواه النَّسائي. وعن أسامة بن زيد ﵁ قال «دفع رسول الله ﷺ من عرفة، حتى إذا كان بالشِّعْب نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أُقيمت الصلاة فصلاها ولم يصلِّ بينهما شيئاً» رواه أحمد والبخاري ومسلم. قوله في

стр. 997

الحديث الأول قد ضُرِبت له بنَمِرة: أي قد ضربت له الخيمة في مكان بجنب عرفات يسمى نَمِرة. وقوله في الحديث الأول بالقصواء: يعني بها ناقة رسول الله ﷺ . وقوله في الحديث الثالث فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك: يعني أن أسامة بن زيد ذكَّر الرسول ﷺ بحلول موعد صلاة المغرب، فأعلمه رسول الله ﷺ أن الصلاة قادمة، ولم يصلها في وقتها لأنه أراد تأخيرها ليصليها في وقت صلاة العشاء جمعاً. كيفية الجمع بين الصلاتين لا يحتاج جمع الصلاتين إلى نية مسبقة، فيصحُّ للمسلم وقد صلى الظهر دون نيَّةِ جمعِها مع العصر أن يقوم ويصلي العصر، جامعاً إياها مع الظهر، سواء كان ذلك على الفور أو على التراخي، وسواء فعل بينهما أفعالاً أو لم يفعل شيئاً، فعن أسامة بن زيد ﵁ قال «دفع رسول الله ﷺ من عرفة، فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يُسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك، فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أُقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ثم أُقيمت الصلاة فصلى ولم يصلِّ بينهما» رواه البخاري ومالك والنسائي. يدل هذا الحديث على أن صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين قد صلوا المغرب، ثم انطلقوا إلى رحالهم يتدبرون شؤونهم، فأناخوا جِمالهم في منازلهم، وإذا بهم يسمعون الإقامة لصلاة العشاء فانطلقوا يصلونها جماعةً مع رسول الله ﷺ ، فهذا الحديث يدل على عدم وجود نية الجمع عند الصحابة رضوان الله عليهم، وإلا لما انطلقوا إلى جِمالهم وبيوتهم، ثم إن هذا الحديث يدلُّ أيضاً على جواز الجمع بين الصلاتين على التراخي، كما يدل على جواز القيام بأفعالٍ عدة بين الصلاتين.

стр. 998

ويُشرع للجمع بين الصلاتين أذانٌ واحدٌ وإقامتان اثنتان، وإن أذَّن مرتين فلا بأس، ولا أرى ما يراه بعضهم من الإقامة مرة واحدة للصلاتين. أما دليل الأول فما جاء في الحديث المار قبل قليل في البحث السابق «ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر» . وما جاء في الحديث المار قبل قليل أيضاً في البحث السابق «فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين» . وأما الدليل على الأذانين فما رُوي عن عبد الرحمن بن زيد قال «حجَّ عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعَتَمَة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر أُرى رجلاً فأذن وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر قال: إن النبي ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحَوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي ﷺ يفعله» رواه البخاري وأحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة. والفعل وإن كان من صحابي هو عبد الله بن مسعود إلا أن الصحابة الذين معه قد وافقوه على ما فعل، وهذا إجماع منهم على جواز الأذانين، هذا إضافةً إلى أنَّ عبد الله بن مسعود قال إنه رأى النبي ﷺ يفعله.

стр. 999

أما دليلهم على جواز الإقامة الواحدة للصلاتين فما رواه ابن عمر ﵁ «أنه صلى مع رسول الله ﷺ بجَمْعٍ بإقامةٍ واحدة» رواه النَّسائي والبخاري وأبو داود ومسلم. ورواه أحمد ولفظه «أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ، صلى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامةٍ واحدة» . قوله بجَمْعٍ: أي بالمزدلفة، وجَمْع اسم من أسمائها. فهذا الحديث وإن كان صحيحاً، إلا أنه يعارض أحاديث أخرى صحيحة أكثر منه تدل على الإقامتين في المزدلفة، وحيث أن الحادثة واحدة، فلا بد من ترجيح إحداهما، وأنا أُرجح الأحاديث التي تقول بالإقامتين، ثم إن ابن عمر نفسه قد رُوي عنه قوله «جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجَمْعٍ كل واحدة منهما بإقامة ولم يُسبِّح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما» رواه البخاري والنَّسائي. فهذه الرواية تخالف الرواية الأولى وتدل على مشروعية الإقامتين. وإذا أتم المصلي الصلاتين في وقت الأولى منهما ثم زال العذر، كأن صلى لمطرٍ ثم انقشعت السحب وصحا الجو، فصلاته صحيحة، وجمعُه صحيح ولا إعادة عليه، إذ ما دامت صلاته قد تمَّت والعذر موجود فالصلاة صحيحة مقبولة، ولا يضيرها أن يزول العذر بعد ذلك.

стр. 1000

والسُّنَّة في الجمع لعذر السفر أن المسافر إن حان عليه وقت الظهر قبل أن يستأنف المسير أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم، وقل مثل ذلك بالنسبة للمغرب والعشاء، أما إن هو استأنف المسير فحان وقت صلاة الظهر فالسُّنة أن يستمر في المسير إلى أن يحين وقت العصر فينزل، ويصلي الصلاتين جمع تأخير، وقل مثل ذلك بالنسبة للمغرب والعشاء، فعن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر، فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعاً، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول وقت العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء» رواه الطبراني. ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي من طريق معاذ بن جبل. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ «إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق» رواه مسلم.

стр. 1001

والمسافر يَقْصُر الصلاة ويجمع بين الصلاتين ما دام ينطبق عليه وصف المسافر، سواء نزل في مكان وأقام فيه فترة، أو كان على ظهر دابته أو في سيارته أو في قطاره، وسواء كانت إقامته في طريق سفره طويلة أو قصيرة، فهذا رسول الله ﷺ قد سافر إلى تبوك وأقام فيها عشرين يوماً يقصر الصلاة، ذكر ذلك أبو داود من قول جابر. وسافر ﵊ إلى مكة، وأقام فيها تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ذكر ذلك البخاري والترمذي من قول ابن عباس. وطبعاً كان إذا قصر جمع، وعن معاذ بن جبل ﵁ «أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: فأخَّر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً ... » رواه مالك والبيهقي وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه كان ﵊ مقيماً نازلاً في تبوك، ولم يكن على ظهر دابته، بل كان في خبائه يدخل فيه ويخرج منه ومع ذلك جمع بين الصلاتين. الفصل الحادي عشر صلاة التطوُّع أو صلاة النّفْل فضل صلاة التطوع وأصنافها

стр. 1002

مرَّ معنا في بحث [فضل الصلاة] فصل [الصلاة حكمها ومواقيتها] أن الصلاة هي أول ما يُحاسَب به الناس يوم القيامة، وأعني بها صلاة الفريضة، فهذه الصلاة المفروضة إن صلحت وكملت فقد رجا صاحبها الفلاح، وإن هي فسدت بتركٍ أو إخلالٍ بأركانها وشروط صحتها فقد خسر صاحبها وخاب، أما إن نقصت هذه الصلاة فلم يكن صاحبها قد أداها كلها، أو أداها على تقصير منه في واجباتها فإن الله سبحانه يُتِمُّ له نقصَ صلاته من صلاة تطوُّعِه. فصلاة التطوع تَجْبُر النقص الحاصل في صلاة الفريضة يوم القيامة، وهذا فضل لا شك فيه لصلاة التطوع، فقد روى أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إن أول ما يُحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمَّها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي وأحمد والنَّسائي. وروى تميم الداري هذا الحديث قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما يُحاسب به العبدُ الصلاةُ، فإن وجد صلاته كاملة كتبت له كاملة، وإن كان فيها نقصان قال الله تعالى للملائكة: انظروا هل لعبدي من تطوع فأكملوا له ما نقص من فريضته، ثم الزكاة، ثم الأعمال» رواه الدارمي وأبو داود وابن ماجة. وإنَّ من فضل صلاة التطوع ما جاء فيما روته أم حبيبة زوج النبي ﷺ أنها سمعت النبي ﷺ يقول «ما من عبدٍ مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بُني له بيتٌ في الجنة، أو بنى الله له بيتاً في الجنة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. وكما تُسمى هذه الصلاة صلاة التطوع فإنها تسمى أيضاً صلاة السُّنة، وصلاة النافلة، وهذه الأسماء الثلاثة هي لمسمَّىً واحد.

стр. 1003

وصلاة التطوع منها ما له وقت معين مخصوص كصلاة السنن الراتبة وصلاة الضحى وصلاة الوتر، ومنها ما ليس له وقت معين مخصوص كصلاة التسابيح وصلاة الاستخارة، كما أن هذه الصلاة منها ما له سببٌ كتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف، ومنها ما ليس له سببٌ كقيام الليل وصلاة التسابيح. ونتناول جميع أصناف صلاة التطوع بشئ من التفصيل: أ. السُّنَنُ الراتبة المؤكدة ونعني بها الركعات التي واظب عليها رسول الله ﷺ مع صلواته المفروضة قبلها وبعدها، فلم يتركها مطلقاً في حالة الحضر. وهذه الركعات هي: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان قبل صلاة الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، فهي عشر ركعات في اليوم والليلة، فعن ابن عمر ﵁ قال «كانت صلاة رسول الله ﷺ التي لا يدع ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الصبح» رواه أحمد. وعن ابن عمر ﵁ قال «حفظتُ عن رسول الله ﷺ عشر ركعات كان يصليها بالليل والنهار: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء الآخرة، قال: وحدَّثتني حفصة أنه كان يصلي قبل الفجر ركعتين» رواه الترمذي. وعن ابن عمر ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته» رواه البخاري وابن حِبَّان. ورواه مسلم ولفظه « ... فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته» . ورواه أحمد ولفظه «.. فأما الجمعة والمغرب في بيته، قال: وأخبرتني أختي حفصة أنه كان يصلي سجدتين خفيفتين إذا طلع الفجر، قال: وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها» . وعن عبد الله بن

стр. 1004

شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت «كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ثنتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين» رواه الترمذي. فهذه عشر رَكَعات، وهي السنن الراتبة المؤكدة التي لم يكن رسول الله ﷺ يصلي أقل منها. وقد سُمِّيت راتبة ومؤكَّدة لاختصاصها دون غيرها بالثبوت والدوام دون تفريط. أما سُنَّة الصبح فالسُّنة فيها أن تُؤدَّى خفيفة دون إكثارٍ من القراءة، بل إن رسول الله ﷺ كان يكاد يقتصر في القراءة فيها على فاتحة الكتاب، فعن حفصة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة» رواه البخاري. ورواه مسلم ولفظه «كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ... » . ورواه أحمد أيضاً. وعن عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» رواه البخاري ومسلم. وعنها ﵁ قالت «كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟» رواه البخاري وابن خُزَيمة. ورواه مسلم وابن حِبَّان مرة «بأم القرآن» ومرة أخرى «بفاتحة الكتاب» . ورواه أحمد «بفاتحة الكتاب» . ورواه أبو داود ومالك «بأم القرآن» . والمعنى واحد.

стр. 1005

وقد كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر يحرص على هاتين الركعتين، ويقتصر عليهما فلا يصلي غيرهما، فعن عائشة ﵂ قالت «لم يكن النبي ﷺ على شئ من النوافل أشدَّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر» رواه البخاري وأبو داود. ورواه مسلم وابن خُزَيمة وابن حِبَّان بلفظ «على ركعتين قبل الصبح» . وعن حفصة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين» رواه مسلم والنَّسائي. ولشدة حرصه ﵊ على هاتين الركعتين فقد كان يبادر إلى أدائهما فور فراغ المؤذن من الأذان دون تأخير، فعن ابن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي الركعتين قبل صلاة الفجر كأن الأذان في أُذنيه» رواه أحمد وابن ماجة وابن خُزَيمة. وكان ﵊ يحث كثيراً على هاتين الركعتين، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تَدَعُوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي.

стр. 1006

وكان ﵊ إذا صلى هاتين الركعتين اضطجع على جنبه الأيمن، وكان يأمر المسلمين بذلك، فكان الاضطجاع على الجنب الأيمن عقب أدائهما سنة مستحبة، فعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا ركع ركعتي الفجر اضطجع على شِقِّه الأيمن» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فلْيضطجع على جنبه الأيمن» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وابن خُزَيمة. ومما يدل على أن أمره ﵊ هو للندب وليس للوجوب ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإنْ كنت نائمة اضطجع، وإن كنت مستيقظة حدثني» رواه أبو داود والبخاري وابن خُزَيمة. فالمسنون بخصوص هاتين الركعتين - ركعتي الفجر - هو تخفيفهما والتعجيل بأدائهما عقب الأذان مباشرة، والحرص عليهما وعدم التفريط فيهما بأي حال، والاقتصار عليهما فلا يزاد عليهما، والاضطجاع بعدهما على الجنب الأيمن في البيوت، لأن الأصل في هذه السنة وغيرها من السنن أن تُؤدَّى في البيوت، فكذلك الاضطجاع. أما فضل هاتين الركعتين فقد ورد فيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال «ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه مسلم والترمذي والنَّسائي وابن حِبَّان والحاكم. كما ورد فيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر «لَهُما أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعاً» رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن خُزَيمة.

стр. 1007

وأما سُنَّة الظهر الراتبة فهي ركعتان تُؤدَّيان قبل الظهر وأُخريان بعده - وقد سلف القول في هذا - ونضيف إلى ما سبق ما رواه الترمذي من طريق ابن عمر ﵁ أنه قال «صليت مع النبي ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها» . وأما العصر فليست لها سنة راتبة مؤكدة لا قبلها ولا بعدها لما مرَّ من أحاديث في أول البحث، ونضيف إلى ما سبق ما رُوي عن عليٍّ ﵁ أنه قال «كان رسول الله ﷺ يصلي على إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر» رواه ابن خُزَيمة والبيهقي وأبو داود. وما رواه عمر ﵁ أن نبي الله ﷺ قال «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس» رواه أبو داود وأحمد. ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سعيد الخدري ﵁. وما رُوي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «صلاتان لا يُصلَّى بعدهما: الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس» رواه أحمد وابن حِبَّان. فهذه الأحاديث أدلة على عدم وجود سُنَّة بعدية للعصر. أما ما ورد من أحاديث يُشتَبه في أنها تدل على وجود سُنَّة بعدية لصلاة العصر مثل: أ- عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ «أنه رأى النبي ﷺ يصلِّي ركعتين بعد العصر» رواه أحمد والطبراني. ب- عن عائشة ﵂ قالت «صلاتان لم يتركهما النبي ﷺ سراً ولا علانية: ركعتين بعد العصر، وركعتين قبل الفجر» رواه أحمد والبخاري ومسلم والطحاوي. ج- عن شُريحٍ قال «سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر، فقالت: صلِّ، إنما نهى رسول الله ﷺ قومَك أهلَ اليمن عن الصلاة إذا طلعت الشمس» رواه أحمد والطحاوي.

стр. 1008

فإن هذه الأحاديث تُحمل على أن الرسول ﷺ قد صلى الركعتين بعد العصر قضاءً لراتبتي الظهر البعديتين عندما شُغِل عنهما مرة فلم يصلهما، فصلاهما عقب صلاة العصر ثم استمر يصليهما عقب صلاة العصر، لأنه ﷺ كان إذا صلى صلاة داوم عليها، وهذا من خصوصياته لا يُقتدى به فيه. وقد رأى عدد من صحابة رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فظنوا أنه من المباحات أو المسنونات اقتداء به، فنقلوا ما شاهدوه وأفتَوا بمشروعيته، ونبسط الحديث في هذا الموضوع كما يلي: أ- إن عائشة ﵂ كانت ترى رسول الله ﷺ يصلي ركعتين عقب العصر، ولما لم تكن تعلم سببهما فقد ظنتهما سُنَّةً لعموم المسلمين، فكانت تفتي بذلك. أما سبب الركعتين هاتين فقد عَلِمَتْه أم سلمة ﵂، وهو ما سبق وقلناه من أنه ﵊ كان قد شُغل عن ركعتي الظهر البعديتين فقضاهما عقب صلاة العصر ثم داوم على أدائهما، وهذا ينفي عنهما أنهما سُنَّة لعموم المسلمين. ب - لقد نُقل عن رسول الله ﷺ من طرق صحيحة أنه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر، فلما ثبت لنا ذلك ثم رأيناه ﵊ يُصلي بعد العصر أدركنا أن ذلك من خصوصياته، وأن هذا المعنى منقول عنه أيضاً.

стр. 1009

ج- إن الأحاديث التي تبدو متعارضة في هذا الموضوع ليس فيها ناسخ ومنسوخ كما يدَّعي عدد من الفقهاء، إذ ليس صحيحاً الادِّعاءُ بأن الأحاديث الدالة على الصلاة قد نسخت الأحاديث الناهية عنها أو حتى خصَّصتها، فالنسخ لا يكون بعد وفاة الرسول ﷺ قطعاً، وقد نُقل عن الصحابة امتثالهم للنهي، مما ينفي دعوى النسخ. لهذه الأمور الثلاثة فإن الرأي الراجح هو أنه لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس كما صرحت بذلك الأحاديث، وأن الفترة بين صلاة العصر وبين غروب الشمس هي واحدة من الفترات المنهي عن الصلاة فيها، وأن هذا الحكم مُحْكَم غير منسوخ. ونستدلُّ على ما نقول بجملة من الأحاديث: ١ - عن ربيعة بن درَّاج «أن علي بن أبي طالب سبَّح بعد العصر ركعتين في طريق مكة، فرآه عمر فتغيَّظ عليه ثم قال: أَمَا والله لقد علمتَ أن رسول الله ﷺ نهى عنهما» رواه أحمد والطحاوي. فهذا الحديث يدل صراحة على ثبات حكم النهي عن الصلاة بعد العصر وعدم نسخه.

стр. 1010

٢- عن كُرَيب «أن ابن عباس والمِسْوَر بن مَخْرَمة وعبد الرحمن بن أزهر ﵃ أرسلوه إلى عائشة ﵂، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعاً، وسَلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر وقل لها: إنَّا أُخبرنا أنكِ تُصلِّينهما، وقد بلَغَنا أن النبي ﷺ نهى عنهما، وقال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما، فقال كُريب: فدخلت على عائشة ﵂ فبلَّغتها ما أرسلوني فقالت: سَلْ أمَّ سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة ﵂: سمعت النبي ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوةٌ من بني حَرَام من الأنصار، فأرسلتُ إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه فقولي له: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا بنت أبي أُمية سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناسٌ من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان» رواه البخاري ومسلم والدارمي وأبو داود. ٣ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت «لم أر رسول الله ﷺ صلى بعد العصر قط إلا مرة واحدة، جاءه ناسٌ بعد الظهر فشغلوه في شئ فلم يصلِّ بعد الظهر شيئاً حتى صلى العصر، قالت: فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى ركعتين» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي. ٤- عن عبد الله بن أبي قيس قال «سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر فقالت: كان النبي ﷺ يصلي ركعتين بعد الظهر، فشُغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي فما تركهما حتى مات، قال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريرة عنه، قال: قد كنا نفعله ثم تركناه» رواه أحمد والنَّسائي.

стр. 1011

٥- عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال «أجمع أبي على العمرة، فلما حضر خروجُه قال: أيْ بُني لو دخلنا على الأمير فودَّعناه، قلتُ: ما شئتَ، قال: فدخلنا على مروان وعنده نفرٌ فيهم عبد الله بن الزبير ﵄، فذكروا الركعتين التي يصليهما ابن الزبير بعد العصر، فقال له مروان: ممن أخذتَهما يا ابن الزبير؟ قال أخبرني بهما أبو هريرة عن عائشة، فأرسل مروان إلى عائشة: ما ركعتان يذكرهما ابن الزبير أن أبا هريرة أخبره عنكِ أن رسول الله ﷺ كان يصليهما بعد العصر؟ فأرسلت إليه: أخبرتني أم سلمة، فأرسل إلى أم سلمة: ما ركعتان زعمت عائشة أنكِ أخبرتِها أن رسول الله ﷺ كان يصليهما بعد العصر؟ فقالت: يغفر الله لعائشة، لقد وضعَتْ أمري على غير موضعه، صلى رسول الله ﷺ الظهر وقد أُتي بمالٍ، فقعد يقسمه حتى أتاه المؤذِّن بالعصر فصلى العصر ثم انصرف إليَّ وكان يومي، فركع ركعتين خفيفتين فقلنا: ما هاتان الركعتان يا رسول الله، أمرتَ بهما؟ قال: لا، ولكنهما ركعتان كنت أركعهما بعد الظهر، فشغلني قَسْمُ هذا المال حتى جاءني المؤذن بالعصر فكرهت أن أدعهما، فقال ابن الزبير: الله أكبر أليس قد صلاهما مرة واحدة؟ والله لا أدعهما أبداً، وقالت أم سلمة: ما رأيته صلاهما قبلها ولا بعدها» رواه أحمد. وغفر الله لابن الزبير فقد اجتهد فأخطأ بالاستمرار بأداء هاتين الركعتين بعد أن بان له أنهما صُلِّيتا قضاءً. ٦ - عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال» رواه أبو داود. والوصال: هو مواصلة الصيام يوماً وليلة دون إفطار.

стр. 1012

٧- عن أبي سلمة «أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنَّه شُغل عنهما أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها» رواه مسلم والنَّسائي. قوله أثبتهما: أي داوم عليهما. ٨- عن عمرو بن عَبْسةَ السُّمَلي قال « ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علَّمك الله وأجهلُ، أخبرني عن الصلاة، قال: صلِّ صلاة الصبح ثم أَقْصِرْ عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقلَّ الظل بالرمح، ثم أَقْصِر عن الصلاة فإنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفئ فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أَقْصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ... » رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. قوله حتى يستقلَّ الظل بالرمح: أي حتى يكون الظل مقابل الرمح دون أن يميل عنه إلى المغرب أو إلى المشرق، ويكون ذلك عند منتصف النهار. ٩ - عن ابن عباس ﵄ قال «سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر بن الخطاب، وكان أحبَّهم إلىَّ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» رواه مسلم والبخاري وابن خُزَيمة. ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» رواه مسلم. ١١- عن معاوية بن أبي سفيان قال «إنكم لَتُصلُّون صلاة، لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر» رواه البخاري.

стр. 1013

إن القول بالسُّنَّة البعدية لصلاة العصر لم يقل به سوى عائشة وابن الزبير فيما رُوي عنهما من آثار، وقد رأيتم كيف حصل ذلك منهما، ولم يفعلها سوى عليٍّ ﵁، وقد رأيتم كيف أن عمر ﵁ قد أنكرها عليه، وذكَّره بالنهي عنها. وأما سُنة المغرب فهي ركعتان راتبتان مؤكدتان تُؤدَّيان عقب صلاة الفريضة كما أسلفنا، ونضيف إلى ما سبق ما رواه أحمد والترمذي من طريق ابن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته» وما رواه ابن ماجة من طريق عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يصلي المغرب، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين» . وأما سُنة العشاء فهي ركعتان راتبتان مؤكدتان تُؤدَّيان عقب صلاة الفريضة كما أسلفنا، ونضيف إلى ما سبق ما رواه أحمد والبخاري ومسلم من طريق ابن عمر ﵄ «أنه صلى مع النبي ﷺ ركعتين بعد العشاء في بيته» . وما رواه أحمد ومسلم والبيهقي من طريق عائشة ﵂ قالت « ... وكان يصلي بهم العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين ... » طَرَفٌ من حديث طويل. ب. السُّنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكَّدة

стр. 1014

وهي السنن التي كان رسول الله ﷺ يقوم بها أحياناً ويتركها أحياناً أخرى، وهذه السنن هي: ركعتان أُخريان قبل الظهر، فيصلي أربعاً قبل الظهر، وركعتان أُخريان بعد الظهر، فيصلي أربعاً بعد الظهر، وركعتان قبل العصر أو أربع ركعات، وركعتان أُخريان أو أربعٌ بعد العشاء، فيصلي أربعاً أو ستَّاً بعد العشاء. وهؤلاء أربع عشرة ركعة في اليوم والليلة. وفي كلٍّ وردت نصوص، فعن قابوس عن أبيه قال «أرسل أبي امرأةً إلى عائشة يسألها أي الصلاة كانت أحبَّ إلى رسول الله ﷺ أن يواظب عليها؟ قالت: كان يصلي قبل الظهر أربعاً يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود، فأما ما لم يكن يدع صحيحاً ولا مريضاً ولا غائباً ولا شاهداً فركعتين قبل الفجر» رواه أحمد والبخاري والنَّسائي وأبو داود والبيهقي. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ لا يدعُ أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر على حال» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والبخاري ومسلم. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال «كان النبي ﷺ يصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين» رواه الترمذي وابن ماجة. وهو جزء من حديث طويل، وعن عبد الله بن شقيق قال «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ من التطوُّع فقالت: كان يصلي قبل الظهر أربعاً في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، ثم يصلي بهم العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر» رواه ابن خُزَيمة وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي.

стр. 1015

وقد بلغ من شدة حرصه ﵊ على هاتين الركعتين الأُخريين قبل صلاة الظهر أنه قلَّما تركهما، حتى إنَّ ابن أبي شيبة روى عن إبراهيم - النخعي - قال «كانوا يَعُدُّون من السُّنَّة أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر، قال إبراهيم: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر إلا أنهم لم يكونوا يَعُدُّونها من السُّنَّة» . فقد ألحق الركعتين هاتين بالسنن الراتبة المؤكدة، لأن هذا هو ما كان يعنيه بقوله (يعُدُّون من السُّنَّة) . وكما قلنا إن الرسول ﷺ كان شديد الحرص من السنن الراتبة المؤكدة على ركعتي الفجر، فإنا نقول كذلك إنه ﵊ كان شديد الحرص من السنن الملحقة على ركعتي الظهر هاتين، ولولا أنه ثبت بالنصوص التي أوردناها سابقاً أنه ﵊ حصل منه أنْ صلى قبل الظهر ركعتين اثنتين فقط لأدخلنا هاتين الركعتين في السنن الراتبة المؤكدة.

стр. 1016

وقد ذكرت النصوص أن لهاتين الركعتين فضلاً عظيماً لا ينازعهما فيه أية سُنة أخرى من السنن الملحقة، فعن أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من صلى في يومٍ وليلةٍ ثِنتي عشرةَ ركعةً بُنِي له بيتٌ في الجنة: أربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة» رواه الترمذي. وروى ابن حِبَّان وابن خُزيمة والحاكم عنها ﵂ عن رسول الله ﷺ قال «من صلى ثِنتي عشرةَ ركعةً في اليوم بنى الله له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل الصبح» . ورواه النَّسائي وقيَّده بقوله «سوى المكتوبة» . وجاء هذا القيد صريحاً فيما رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن خُزَيمة وابن حِبَّان بلفظ «ما من عبدٍ مسلم يصلي لله كل يوم ثِنتي عشرةَ ركعةً تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُنِي له بيتٌ في الجنة» . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من ثابر على ثِنتي عشرةَ ركعةً من السُّنة بُني له بيت في الجنة: أربعٍ قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» رواه ابن ماجة والنَّسائي وابن أبي شيبة. فإذا علمنا أن السنن الراتبة عشرٌ، وأن بناء بيت في الجنة يكون بالمثابرة على اثنتي عشرة ركعة من السنن، وأن رسول الله ﷺ قد أكمل السنن الراتبة العشر بركعتي الظهر هاتين دون سواهما من السُّنن الملحقة، أدركنا ما لهاتين الركعتين من فضل.

стр. 1017

وأما الركعتان الأُخريان بعد الظهر فقد ورد فيهما قول أم حبيبة زوج النبي ﷺ «أن حبيبها أبا القاسم ﷺ أخبرها قال: ما من عبدٍ مؤمنٍ يصلي أربع ركعات بعد الظهر فتمسَّ وجهَه النارُ أبداً إن شاء الله » رواه النَّسائي. وورد فيهما وفي الركعتين الأُخريين قبل الظهر قول أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرَّم الله لحمه على النار» رواه أحمد وابن ماجة والنَّسائي وابن أبي شيبة. وجاء في رواية عند أبي داود والترمذي وابن خُزَيمة من طريق أم حبيبة زوج النبي ﷺ لفظ «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربعٍ بعدها حُرِّم على النار» . وحتى يُفهم النَّصَّان جيداً أقول: إن السُّنة الراتبة للظهر هي ركعتان اثنتان قبلها، وركعتان أُخريان بعدها، فعندما تقول الأحاديث: أربعاً قبل الظهر، فإن معنى ذلك أن ركعتين أُخريين قد جُمِعتا مع الراتبتين فصار العدد أربعاً، وقل مثل ذلك بخصوص السُنَّة البعدية للظهر، فعندما تذكر الأحاديث فضل الركعات الأربع فإن معنى ذلك أن الفضل يشمل الركعتين الأُخريين، بل إن الفضل ما كان ليكون لولاهما. أما هؤلاء الركعات الأربع القبلية منها والبعدية، فإنها تُصلى مَثنى مَثنى، أي ركعتين ركعتين، فقد روى ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال «صلاة الليل والنهار مَثنى مَثنى» رواه ابن خُزَيمة وأبو داود والدارمي وابن حِبَّان. وأشار إليه البخاري في صحيحه. وسيأتي بعد قليل حديث يفيد أن الركعات الأربع التي تُصلَّى قبل العصر يفصل بينهن تسليم، فهؤلاء كأولئك.

стр. 1018

وأما سُنَّة العصر الملحقة بالرواتب المؤكدة فهي ركعتان أو أربع، فمن شاء صلى ركعتين، ومن شاء صلى أربعاً، وتُؤدَّى هذه السُّنة قبل صلاة العصر وليس بعدها، فعن عبد الله بن شقيق قال «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: كان يصلي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، وثنتين قبل العصر، وثنتين بعد المغرب، وثنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعاً ... » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والبيهقي. وعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين» رواه أبوداود. وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ... » رواه أحمد. وهو من حديث طويل. ورواه النَّسائي وابن ماجة. ورواه الترمذي ولفظه «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين، ومَن تبعهم من المسلمين والمؤمنين» . وقد أشكل هذا الحديث الذي يذكر التسليم على العديد من الفقهاء، فقال ناسٌ منهم إن التسليم المذكور في الحديث يعني التسليم الوارد في التَّشهُّد ولا يعني تسليم التَّحلُّل من الصلاة. وقال الآخرون بل هو التسليم الذي يتحلل به المصلي من صلاته. وهو الصحيح، يشهد له قوله ﵊ «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» . وقد مرَّ قبل قليل.

стр. 1019

أما الحديث الذي رواه أبو أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال «أربعٌ قبل الظهر ليس فيهن تسليم تُفتَح لهن أبواب السماء» رواه أبو داود وأحمد - وهو يدل على أنَّ الأربع ركعات لا يفصل بينهن تسليم - فإن هذا الحديث في سنده عبيدة، قال أبو داود (عبيدة ضعيف) . فيردُّ ولا يصلح للاستدلال. وكما سبق وقلت فقد وردت للعصر سُنَّة قبلية ملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة، هي ركعتان أو أربع ركعات، وأنت بالخيار بين الاثنتين والأربع.

стр. 1020

وأما سُنَّة المغرب فهي ركعتان قبل الصلاة المفروضة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان المؤذِّن إذا أذَّن قام ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يصلُّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شئ» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. ورواه أحمد ولفظه «.. ولم يكن بين الأذان ﷺ -والإقامة إلا قريب» أي فترة قصيرة. وعن مختار بن فلفل قال «سألت أنس بن مالك عن التطوُّعِ بعد العصر فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاةٍ بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا» رواه مسلم وأبو داود. وعن عبد الله المُزَني عن النبي ﷺ قال «صلوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة» رواه البخاري وأبو داود. ورواه أحمد ولفظه «صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة» . وهذه السُّنَّة لم يُعرف أنَّ رسول الله ﷺ صلاها يوماً، لذا فإنها تصنَّف في أدنى الدرجات بالنسبة للسنن الملحقة بالرواتب المؤكدة.
следующие страницы →