← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أما أمره ﵊ أن يجعل آخر صلاة الليل الوتر، فإنه يعني أن من يصلي صلاة الليل لا يقدِّم الوتر على صلاته ولا يجعله بين صلاته، وإنما يجعله في آخرها، فمن فعل ذلك ونام فقد امتثل للأمر النبوي الكريم، ثم إن هو استيقظ من ليلته تلك وبدا له أن يصلي تطوُّعاً فلْيُصلِّ ما شاء دون محظور ولا ينقض ما صلاه من قبل، ولا يكون بفعله هذا قد خالف الأمر النبوي، لأنه سبق له أن امتثل للأمر، وامتثاله للأمر لا يعني حرمانه من التنفل فيما لو استيقظ من ليلته وأراد الصلاة. وكما أضفنا قبل قليل من أن الوتر يُصلَّى مرة واحدة في الليلة الواحدة، فإننا نضيف هنا أن الوتر هو من النوافل التي داوم على فعلها رسول الله ﷺ وحث المسلمين على القيام بها، فيأخذ الوتر حكم السنن التي داوم عليها رسول الله ﷺ من حيث مشروعية قضائها إنْ هي فاتت وخرج وقتها، فمن نام دون أن يصلي الوتر ثم استيقظ وقد طلع الفجر فإن له أن يصلي الوتر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر» رواه الحاكم والبيهقي. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من نام عن وتره أو نسيه فلْيصلِّه إذا أصبح أو ذكره» رواه البيهقي والدارقطني والحاكم. ورواه أبو داود إلا أنه لم يذكر - إذا أصبح -. ورواه الترمذي بلفظ «من نام عن وِتره فلْيُصلِّ إذا أصبح» . وعن الأغرِّ المُزَني «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إني أصبحت ولم أُوتر، قال: فأوتر» رواه الطبراني. القنوت في الوتر وفي الصلاة المكتوبة

стр. 1052

ونبدأ بالقنوت في الوتر فنقول: يُسنُّ القنوت في صلاة الوتر في الركعة الأخيرة منه، ويُفعل طيلة العام، ويتأكد في النصف الأخير من رمضان، ويُؤتى به عقب الركوع، ولكن إن قنت قبل الركوع جاز له ذلك، فالأمر موسَّع، ولكن القنوت عقب الركوع أحبُّ إليَّ، قال البيهقي (رُواةُ القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ وعليه درج الخلفاء الراشدون) . وقال أحمد: لم يَروِ عن أنسٍ القنوتَ قبل الركوع سوى عاصم الأحول فحسب. ويُندب أن يُدعى بالدعاء التالي في الوتر [اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتَولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقِني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت] . أو بالدعاء التالي [اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطِك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك] . ولا يعني هذا وذاك أنه لا يصح الدعاء إلا بهما، فَلْيدعُ المسلمُ ربه في حاجته بهذا الدعاء أو بذاك أو بسواهما، أو يجمع بين الدعاء المأثور والدعاء في حاجته. فعن علي ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثَناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» رواه أحمد والحاكم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. فالحديث يقول «كان يقول في آخر وتره» أي في الركعة الأخيرة منه. وما جاء في هذا الحديث من دعاء هو الدعاء الثاني الذي ذكرته قبل قليل. وعن الحسن بن علي ﵁ قال «علَّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقِني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» رواه أحمد والترمذي

стр. 1053

والنَّسائي وابن خُزَيمة وأبو داود. ورواه البيهقي والطبراني بزيادة «ولا يعزُّ من عاديت» عقب «إنه لا يَذِلُّ من واليت» . وهي زيادة صحيحة فتُقبل وتضاف إلى الدعاء. وروى أبو داود «أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أُبيِّ بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي» . يعني النصف الأخير من رمضان، لأن الحديث يتحدث عن صلاة التراويح، وهي لا تكون إلا في رمضان، بدلالة حديث ثان رواه أبو داود بلفظ «أنَّ أُبيَّ بن كعب أمَّهم - يعني في رمضان - وكان يقنت في النصف الآخر من رمضان» . وستأتي الأدلة على جواز القنوت قبل الركوع وبعده تالياً.

стр. 1054

أما القنوت في الصلوات الخمس المكتوبة فإنه مشروع في النوازل والكوارث فحسب، فإن وقعت النوازل والكوارث فالقنوت مشروع في جميع الصلوات الخمس، ولا يُشرَع اتخاذُ صلاةٍ بعينها للقنوت، بمعنى ألا تختص بالقنوت صلاةٌ دون صلاة. أما إن عدمت النوازل والكوارث فلا قنوت في الصلوات الخمس، ولا قنوت آنئذٍ إلا في الوتر فحسب، فعن أبي مالك الأشجعي قال «قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أَيْ بُنيَّ مُحْدَث» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بُني إنها بدعة» . ولا أعني بالنوازل والكوارث ما كان منها عاماً فقط كالحروب والزلازل والبراكين والطوفان، وإنما أعني أيضاً ما يصيب المرء من نكباتٍ ومصائب، فقد يُسجَن الشخص، أو يطلبه سلطان متسلِّط، أو يضل السبيل في سفره، أو يمرض مرضاً شديداً، ففي هذه النوازل الفردية أيضاً يقنت المصلِّي في أية صلاة مكتوبة، والدليل على القنوت في النوازل ما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «قنت النبي ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دُبُر كل صلاة، إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيم على رِعْلٍ وذَكْوانَ وعُصَيَّة، ويُؤَمِّن مَنْ خلفَه، قال: أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم» . قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت. رواه ابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم.

стр. 1055

ويستمر المسلم يقنت ما دامت النازلة واقعة، فإذا انتهت النازلة توقف عن القنوت، أو قنت فيها ما شاء ثم توقف، ولا يُديم القنوت بعد انقضائها، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَانَ وقال: عُصَيَّةُ عصت الله ورسوله» رواه أحمد والنَّسائي والبخاري. ورواه مسلم مقيَّداً بصلاة الصبح. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو بعد الركوع على حيٍّ من أحياء العرب ثم تركه» رواه أحمد ومسلم وابن حِبَّان والنَّسائي وأبو داود. وعن عاصم الأحول عن أنس قال «سألته عن القنوت أَقَبْلَ الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال قلت: فإنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع؟ فقال: كذبوا، إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على ناس قَتَلوا أناساً من أصحابه يقال لهم القُرَّاء» رواه أحمد ومسلم. ورواه البخاري ولفظه «عن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً، أراه كان بعث قوماً يقال لهم القُرَّاء زُهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فقنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو عليهم» . وعن أبي هريرة ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ في صلاة العَتَمَة شهراً يقول في قنوته: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، اللهم نَجِّ سَلَمة بن هشام، اللهم نجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسِنِي يوسف، قال أبو هريرة: وأصبح رسول الله - صلى

стр. 1056

الله عليه وسلم - ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له فقال ﷺ : أما تراهم قد قدموا؟» رواه ابن حِبَّان وأبو داود وابن خُزَيمة. ورواه مسلم بلفظ «عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قنت بعد الركعة في صلاةٍ شهراً، إذا قال سمع الله لمن حَمِده يقول في قنوته.. - مثل رواية ابن حِبَّان.. قال أبو هريرة ﵁: ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعد، قلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك الدعاء لهم، قال فقيل: وما تراهم قد قدموا» . فقد دلت هذه الأحاديث على أن القنوت يُشرع في النوازل بقدرها وينتهي بانتهائها ولا يستمر، وقد قال ابن حِبَّان عقب رواية الحديث الأخير (في هذا الخبر بيان واضح أن القنوت إنما يُقنت في الصلوات عند حدوث حادثة مثل ظهور أعداء الله على المسلمين، أو ظلم ظالم ظُلم المرء به أو تعدَّى عليه، أو أقوام أحب أن يدعو لهم، أو أسرى من المسلمين في أيدي المشركين وأحب الدعاء لهم بالخلاص من أيديهم، أو ما يشبه هذه الأحوال. فإذا كان بعض ما وصفنا موجوداً قنت المرء في صلاة واحدة أو الصلوات كلها أو بعضها دون بعض، بعد رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من صلاته، يدعو على من شاء باسمه ويدعو لمن أحب باسمه، فإذا عدم مثل هذه الأحوال لم يقنت حينئذ في شئ من صلاته، إذ المصطفى ﷺ يقنت على المشركين ويدعو للمسلمين بالنجاة، فلما أصبح يوماً من الأيام ترك القنوت، فذكر ذلك أبو هريرة، فقال ﷺ : أما تراهم قد قدموا، ففي هذا أبين البيان على صحة ما أصَّلْناه) . ولقد أصاب ابن حِبَّان فيما ذهب إليه فيما أرى.

стр. 1057

إلا أن هناك من يقولون إن القنوت إنما يكون في صلاة الفجر فحسب، وهؤلاء قسمان: قسم يقول: يُقْنَت في صلاة الفجر طيلة العام، والقسم الآخر يقول: يُقْنَت عند النوازل في صلاة الفجر فحسب، وقد استدلوا بجملة من الأحاديث أذكر منها ما يلي: أ - عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ قنت شهراً يدعو عليهم، ثم تركه، وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا» رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم. وروى أحمد الشطر الثاني منه. ب - عن ابن سيرين قال «سُئل أنس بن مالك: هل قنت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم بعد الركوع، ثم سُئل بعد ذلك مرة أخرى: هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة الصبح؟ قال: بعد الركوع يسيراً» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي والطحاوي. ورواه البخاري بلفظ «عن محمد بن سيرين قال: سُئل أنس: أقنت النبي ﷺ في الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أَوَقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً» . ج - عن أنس بن مالك قال «سُئِل عن القنوت في صلاة الصبح، فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده» رواه ابن ماجة. د - عن أنس بن مالك ﵁ قال «بعث النبي ﷺ سرية يقال لهم القُرَّاءُ فأصيبوا، فما رأيت النبي ﷺ وَجَدَ على شئ ما وَجَدَ عليهم، فقنت شهراً في صلاة الفجر، ويقول: إن عُصَيَّةَ عَصَوا الله ورسوله» رواه البخاري ومسلم.

стр. 1058

هـ - عن خُفاف بن إيماءٍ بن رَحْضَةَ الغِفاري قال «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ونحن معه، فلما رفع رأسه من الركعة الأخيرة قال: لعن الله لِحْيان ورِعْلاً وذَكْوان، وعُصَيَّة عَصَوْا الله ورسوله، أسلم سالمها الله، وغِفار غفر الله لها، ثم وقع رسول الله ﷺ ساجداً، فلما انصرف قرأ على الناس: يا أيها الناس إني أنا لستُ قلتُه ولكن الله قاله» رواه أحمد وابن حِبَّان ومسلم. فنقول لهؤلاء: أما الحديثان الخامس والرابع فيدلان على أن الرسول ﷺ قد قنت في صلاة الصبح وأن القنوت إنما كان لأجل حادثة القراء الذين قُتلوا، وهذان الحديثان لا يفيدان حصر القنوت في صلاة الفجر، وإنما يذكران واقعة عينٍ حصلت رآها الراوي فنقلها، فنقْلُ وقوع القنوتِ في صلاة الفجر لا ينفي وقوعه في غير صلاة الفجر كما هو ظاهر، بل إن عندنا أحاديث تذكر وقوع القنوت في صلاة الصبح وفي غير صلاة الصبح عند حادثة القراء هؤلاء، ما ينفي حصر وقوع القنوت في صلاة الفجر فحسب، فقد مرَّ حديث ابن عباس ﵁ عند ابن خُزَيمة وأحمد وأبي داود والبيهقي والحاكم قبل قليل وفيه «قنت النبي ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيم على رِعْلٍ وذَكْوان وعُصَيَّة ... » .

стр. 1059

وثبت أيضاً أن الرسول ﷺ كان عند النوازل يقنت في الصبح وفي غير الصبح، مما ينفي اختصاص الصبح بالقنوت، فقد روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء الآخرة قنت وقال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سَلَمة بن هشام، اللهم أنج عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسِنِي يوسف ﵇» رواه أحمد ومسلم وابن خُزَيمة وأبو داود وابن حِبَّان. وقد مرَّ الحديث قبل قليل بلفظ ابن حِبَّان. فهذا حديث في القنوت في صلاة العشاء، وأيضاً روى أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال «والله لأُقَرِّبنَّ لكم صلاةَ رسول الله ﷺ ، قال: فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح، قال أبو عامر في حديثه العشاء الآخرة وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكفار، قال أبو عامر: ويلعن الكافرين» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي. فهذا حديث في القنوت في صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح. وروى البراء بن عازب ﵁ «أن النبي ﷺ قنت في الصبح والمغرب» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. فهذا حديث في القنوت في صلاة الصبح وصلاة المغرب، ومثله ما رُوي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال «كان القنوت في المغرب والفجر» رواه البخاري. فهل بقيت حجة لهؤلاء لحصر القنوت بصلاة الصبح عند النوازل؟.

стр. 1060

أما الحديثان الثالث والثاني فيدلان على أن الرسول ﷺ قد قنت في صلاة الصبح، وأن ذلك كان جواب سؤال، فالسائل سأل عن القنوت في صلاة الصبح فأجيب بالإيجاب، ولم يسأل السائل عن القنوت في غير الصبح لنرى هل يكون إثباتٌ أو نفيٌ، فلا دلالة في هذين الحديثين على حصر القنوت في صلاة الصبح، فلم يبق لهؤلاء من دليل يصلح لحصر القنوت في صلاة الصبح سوى الحديث الأول فقط وهو قوله «وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا» . ونرد عليهم بما يلي: أ - إن هذا الحديث يعارض الحديث السابق المار قبل قليل، وفيه «صليت خلف النبي ﷺ فلم يقنت ... » رواه ابن حِبَّان والنَّسائي وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة من طريق أبي مالك الاشجعي. ورواه أحمد بلفظ «قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صلي خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ههنا بالكوفة قريباً من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني مُحْدثٌ» . فكيف نوفق بين هذين الحديثين المتعارضين؟ إنه لا بد من ردِّ أحدهما أو أن نلجأ إلى التأويل. ب - إنه قد ثبت عندنا أن القنوت إنما كان مقيداً في الصلوات المفروضة بحلول النوازل، فقد مرَّت الأحاديث الدالة على ذلك فلا نعيد، فهذه الأحاديث أيضاً تتعارض مع هذا الحديث، فإما أن نرد هذا الحديث، وإما أن نلجأ إلى التأويل، ومما يدل أيضاً على ما نقول ما رواه أنس ﵁ «أنَّ النبي ﷺ كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم» رواه ابن خُزَيمة. وما رواه أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد، وكان إذا قال سمع الله لمن حمده قال ربنا ولك الحمد، اللهم أنج..» رواه ابن خُزَيمة. ومثله روى ابن حِبَّان، فماذا يقول هؤلاء؟.

стр. 1061

ج - هذا الحديث مطعون فيه، إذ رواه أبو جعفر الرازي التميمي، وهذا الراوي قال فيه أحمد: ليس بقوي في الحديث. وقال علي بن المديني: إنه يَخْلِط. وقال أبو زُرْعة: إنه شيخ يَهِمُ كثيراً. وقال ابن معين: إنه يُكتب حديثه ولكنه يخطئ. وقال ابن حِبَّان (كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير، لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات) . فالحديث ضعيف لا يُحتج به ولا يصمد أمام الأحاديث الكثيرة الصحيحة والحسنة المعارضة له. د - عندنا أحاديث صحيحة تُلقي الضوء على أن القنوت في صلاة الصبح إنما كان مؤقتاً بمدة شهر واحد فحسب، وأنه حصل عند وقوع نازلة القراء، فعن أنس بن مالك ﵁ «قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رِعْلٍ وذَكْوانَ ويقول: عُصَيَّةُ عصت الله ورسوله» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ قنت شهراً بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على بني عُصَيَّة» رواه مسلم. فكيف يروي أبو جعفر الرازي عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ ما زال يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا؟.

стр. 1062

هـ - إن هذا الحديث لا شك في أنه مُعارِضٌ لأحاديث صحيحة كثيرة، ومع التعارض يُترك هذا الحديث ويُعمَل بالأحاديث الصحيحة الكثيرة، وهذا القول لا بد منه إن نحن أخذنا بظاهر الحديث دون تأويل، ولكن يمكن أن نلجأ إلى التأويل رحمةً بمن صح عندهم هذا الحديث، وحاروا في التوفيق بينه وبين الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فنقول: إن هذا الحديث يُحْمَل على أنه يعني بالقنوت طول القيام ولا يعني الدعاء المعروف، بمعنى أن الرسول ﷺ كان يقف في صلاة الفجر أطولَ من وقوفه في غير هذه الصلاة، فهذا هو المعنى المقصود لهذا الحديث، وليس أنه ﵊ كان يقنت بمعنى أنه كان يدعو، وأن وقوفه الطويل كان من أجل الإطالة في ذكر الله سبحانه، فهذا التأويل يَلجأُ إليه من أعمل الدليلين ولم يطرح أحدهما، يشهد له ما رواه محمد بن سيرين قال «حدَّثني مَن صلى مع النبي ﷺ صلاة الغداة، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قام هُنَيَّة» رواه أبو داود والدارقطني. ورواه النَّسائي بلفظ «حدثني بعض من صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح فلما قال: سمع الله لمن حمده، من الركعة الثانية قام هُنَيْهَةً» . وعلى كلا الوجهين أخذاً بظاهر الحديث أو أخذاً بالتأويل فإنه لا يُشرع القنوت الدائم في صلاة الصبح، ولا في أية صلاة مفروضة.

стр. 1063

ونقول أخيراً إن دعاء القنوت سواء ما كان منه في صلاة الفجر أو في غيرها من الصلوات المفروضة عند نزول الكوارث، أو ما كان منه في صلاة الوتر بشكل دائم، يكون بصوت مسموع يُجهَر به حتى يسمعه المُؤتمُّون خلفه فيُؤمِّنون معه، فقد مرَّ قبل قليل حديث ابن عباس الذي رواه ابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وجاء فيه «قنت النبي ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيمٍ على رِعْلٍ وذَكْوانَ وعُصيَّة، ويُؤَمِّنُ مَن خلفه ... » . لاحظ قوله «في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح» وقوله «ويُؤَمِّن مَن خلفه» ما يدل على مشروعية الجهر بالقنوت في الصلوات كلها الجهرية منها والسرية. وعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: أللهم أنج الوليد بن الوليد وسَلَمة بن هشام وعيَّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها سنين كسِنِي يوسف، قال يَجهَر بذلك ويقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً، حيَّين من العرب، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شَئ أَوْ يَتُوْبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَعَذِّبَهُمْ فَإنَّهُمْ ظَالِمُوْنَ..﴾ » رواه أحمد. فقد جاء فيه «يجهر بذلك» . هـ. صلاة التراويح سُميت صلاة التراويح بهذا الاسم لأن المصلين يستريحون فيها بعد كل أربع ركعات، فينالون ترويحةً والجمع تراويح. وهذه الصلاة هي من قيام الليل، ولكنها خاصة بشهر رمضان، فهي تعني قيام الليل في رمضان.

стр. 1064

أما حكم هذه الصلاة فهو الندب والاستحباب، ومَن صلاَّها إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، فعن أبي هريرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه» رواه مسلم وأحمد ومالك وأبو داود والنَّسائي. قوله «مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة» واضح الدلالة على الندب وعدم الوجوب. وأيضاً فقد روت عائشة أم المؤمنين ﵂ «أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاَّ أني خشيت أن تُفْرض عليكم، وذلك في رمضان» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود ومالك. فقوله «إلاَّ أني خشيت أن تُفْرض عليكم» يدل قطعاً على عدم الوجوب، فلم يبق إلا الندب.

стр. 1065

وهذه الصلاة يجوز أن تُصلَّى جماعة ويجوز طبعاً أن تُصلَّى فرادى وهو الأصل في صلاة التطوع عامة، وإذا صُلِّيت جماعةً في البيوت كانت الفُضلى، تليها في الفضل الصلاة جماعة في المسجد، ثم الصلاة فُرادى في البيوت، وآخرها في الفضل الصلاة فُرادى في المسجد، فعن زيد بن ثابت ﵁ قال «احتجر رسول الله ﷺ حُجَيرةً بخَصَفَةٍ أو حصيرٍ، فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، قال ثم جاءوا ليلة فحضروا، وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم، قال فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحَصَبُوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مُغْضَباً، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما زال بكم صنيعكم حتى ظننتُ أنه سيُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» رواه مسلم والبخاري. ورواه النسائي ولفظه «إن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتى اجتمع إليه الناس، ثم فقدوا صوته ليلةً فظنوا أنه نائم، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صُنعِكم حتى خشيت أن يُكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» . قوله: احتجر رسول الله ﷺ حُجَيرة بخَصَفَةٍ أو حصيرٍ: أي اتخذ له حجرة صغيرة من حصير، فالخَصَفة والحصير بمعنى واحد. يدل هذا الحديث على أن صلاة التراويح إن هي أُدِّيت في البيوت كانت أفضل من أدائها في المسجد. وعن أبي ذر ﵁ قال «صُمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يَقُم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثُلث الليل، فلما كانت السادسة لم يَقُم بنا، فلما

стр. 1066

كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله لو نفلتَنا قيامَ هذه الليلة، قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِب له قيامُ ليلة، قال فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال قلت: ما الفلاح؟ قال السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي والترمذي وابن خُزَيمة. قوله حتى بقي سبع: يعني ليلة الثالث والعشرين. وقوله فلما كانت السادسة لم يقم بنا: يعني ليلة الرابع والعشرين لم يقم فيها. وقوله فلما كانت الخامسة قام بنا: معناه ليلة الخامس والعشرين قام بها. وقوله فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا: معناه أنه قام بكل هؤلاء ليلة السابع والعشرين من رمضان. ويبدو أنها أفضل لياليه. يفسر هذا الحديثَ ما رواه نعيم بن زياد أنه سمع النعمان بن بشير ﵁ يقول على منبر حمص «قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السَّحور الفلاح ... » رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.

стр. 1067

يدل هذا الحديث على أفضلية صلاة التراويح جماعة في المسجد، إذ في ليالي رمضان الفردية من الشطر الأخير منه، أي في الليالي التي تُلتَمَس فيها ليلة القدر، صلاها رسول الله ﷺ بالمسلمين جماعة، وصلاها في المسجد. فهنا نصان يُظن أنهما متعارضان: الأول يدلُّ على أفضلية صلاة التراويح في البيوت، والثاني يدلُّ على أفضليةِ أدائها جماعةً في المسجد، فنقول مستعينين بالله المُعين: إن قوله ﷺ في النص الأول «فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» يُؤخذ منه أن من أراد التطوع - والأصلُ في التطوع أداؤُه فردياً - فإن عليه أن يصلي في البيت، لأن الصلاة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد، هذه هي القاعدة وهي الأصل في هذا الأمر. فمن أراد أن يصلي صلاة التراويح فإنَّ أداءه لها في البيت أفضل له من أدائه لها في المسجد، وهذا أمر غير مختلف عليه بين الفقهاء، وما دام هذا هو الأصل، فإننا نبني عليه القول إن الصلاة جماعةً في البيت هي الأفضل بلا شك، لأن الصلاة جماعةً الأصل فيها أنها أفضل من الصلاة الفردية، وهذا أمر غير مختَلَف عليه، فيكون من صلى التراويح جماعة في البيت قد جمع بين الأصلين وبين الأفضَلَين، أما من صلى فردياً في البيت فإنه يَعمل بأصل واحد فحسب، ومن صلى جماعةً في المسجد فإنه يعمل بأصل واحد فحسب أيضاً، وهنا لا بد من ترجيح أحد الأصلين على الآخر، وقد وجدنا حديث أبي ذر القائل «فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا» . فجَمْعُهُ أهلَه ونساءَه في صلاة التراويح جماعةً في المسجد ليلة السابع والعشرين - وهي على الأغلب ليلة القدر - وعدم تركه إياهم يصلون التراويح في البيت النبوي الكريم فردياً، يدل على أفضلية الصلاة جماعة في المسجد على الصلاة الفردية في البيوت، إذ لو كان العكس لما جمع أهله ونساءه في تلك الصلاة، فدل ذلك على أن

стр. 1068

الأخذ بالأصل الثاني - وأعني به الصلاة جماعةً في المسجد - أفضل من الأخذ بالأصل الأول وهو الصلاة الفردية في البيوت، فصارت الصلاة جماعةً في المسجد تأتي في المرتبة الثانية بعد الصلاة جماعة في البيوت. فتبقى الصلاة الفردية في البيوت والصلاة الفردية في المسجد، وهنا لا تردد في تفضيل الأولى على الثانية، لأن الرسول ﷺ قد حسم هذه المسألة، حين لم يُصلِّ بالمسلمين في المسجد، وصار لا مفر لهم من الصلاة فردياً، قائلاً لهم «إن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» أي أشار عليهم بالعودة إلى بيوتهم وأداء صلاة التراويح فيها، لا أن يصلوها فردياً في المسجد. وهنا قد يقال: ولماذا نفترض أنهم كانوا سيصلونها فردياً في المسجد ولن يصلوها جماعة فيه؟ فنقول: إنهم ما كان لهم أن يصلوا جماعة ورسول الله ﷺ حاضر لا يصلي معهم، ولا يأمرهم بصلاتها جماعةً بإمامةِ إمامٍ يعيِّنه من بينهم، وهذا ما حصل فعلاً، فقد عادوا إلى بيوتهم، وصلوها في بيوتهم في الليالي التي لم يخرج فيها رسول الله ﷺ للصلاة بهم، ولم يُنْقَل أي نص بأنهم عقدوها جماعة في المسجد حينذاك. وقد يقال ما دامت الصلاة جماعة في المسجد أفضل من الصلاة في البيوت فردياً فلماذا أمرهم رسول الله ﷺ بالذهاب لأدائها في بيوتهم فردياً؟ أي لماذا فضَّل المفضول على الأفضل؟ فالجواب على ذلك في قوله ﵊ «خشيت أن يُكتب عليكم ولو كُتب عليكم ما قمتم به» فخشيته ﷺ من فرض صلاة التراويح على المسلمين إن هو داوم عليها جماعة في المسجد هو الذي منعه من أدائها جماعة في المسجد بشكل دائم، ولولا ذلك لربما كان منه الأمر مختلفاً.

стр. 1069

أما عدد ركعات صلاة التراويح، فإن الشرع لم يحدِّد عدداً معيناً يُلتَزَم به، ولكنَّ أفضل ما تُصلى به من الركعات ثمانٍ تعقبها ثلاث ركعات من الوتر، لأن هذا العدد هو ما روي عنه ﷺ من فعله، فعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تَسَلْ عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تَسَلْ عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ... » رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. قول عائشة ثم يصلي ثلاثاً: يعني صلاة الوتر. وعنها ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة منها الوتر وركعتا الفجر» رواه البخاري. وعنها ﵂ قالت «كان - أي رسول الله ﷺ - يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمانَ رَكَعات ثم يوتر ... » رواه مسلم. فصلاته ﵊ بالليل كانت ثماني ركعات عدا الوتر، وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء أُبيُّ بن كعب إلى النبي ﷺ فقال «يا رسول الله إنه كان مني الليلةَ شئ - يعني في رمضان - قال: وما ذاك يا أُبيُّ، قال: نسوةٌ في داري قُلن: إنَّا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك قال: فصليت بهن ثماني ركعات ثم أوترت، قال فكان شبه الرضا، ولم يقل شيئاً» رواه ابن حِبَّان. ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، وحسَّن الهيثمي إسناده.

стр. 1070

ولكن تجوز زيادة صلاة التراويح إلى أن تبلغ عشرين ركعة يعقبها الوتر ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات، رُوي ذلك عن صحابة رسول الله ﷺ ، فلو كانت الركعات الثماني مُلْزِمةً لما تجاوزها صحابة رسول الله ﷺ ، فلما حصل منهم تجاوزُها دل ذلك على عدم وجوب الالتزام بالركعات الثماني، لا سيما وأنهم لم يتجاوزوها فردياً أو في بيوتهم، وإنما حصل ذلك منهم في مسجد رسول الله ﷺ ، ولم ينكر ذلك أحدٌ منهم فكان إجماعَ صحابة، وإجماعُ الصحابة دليل شرعي، فعن السائب بن يزيد قال «كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال وكانوا يقرأون بالمئين، وكانوا يتوكأون على عِصِيِّهم في عهد عثمان ﵁ من شدة القيام» رواه البيهقي. قوله يقرأون بالمئين: أي يقرأون السور الطويلة التي آياتها بالمئات. الحديث ذكر صلاة التراويح فحسب وأنها عشرون ركعة، وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القارِّيُّ قال «خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرِّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نِعْمت البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» رواه البخاري ومالك. قول عمر نِعْمَت البدعةُ هذه: تفسَّر بمقتضى اللغة، ومعناها العمل البديع الجيد، ولا تفسَّر بالمعنى المستفاد من قوله ﵊ «كل مُحْدَثَةٍ بدعة وكلُّ بدعة ضلالة» رواه أبو داود من طريق العرباض. وذلك لأن فعل عمر هذا لم يكن أمراً مُحْدَثاً، ولم يكن من ثمَّ بدعةً محرَّمة، لأنَّا روينا قبل قليل أنه ﵊ قد صلى عدداً من ليالي رمضان في المسجد صلاة

стр. 1071

التراويح جماعةً «فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا» رواه أبو داود وغيره من طريق أبي ذرٍّ ﵁. فعمر ﵁ لم يُحْدِث أمراً جديداً بجمع الناس على أُبيِّ بن كعب، وبالتالي فليس فعله بدعةً تندرج تحت قوله ﵊ «كل مُحْدَثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة» . فالرسول ﷺ كان يكتفي بثماني ركعات، وصحابته رضوان الله عليهم زادوها في عهد عمر ﵁ إلى عشرين ركعة، وكان يؤُمُّهم أبيُّ بن كعب الذي روينا عنه آنفاً أنه صلاَّها في عهد رسول الله ﷺ ثماني ركعات إماماً للنسوة اللاتي كن في بيته، فدل كل ذلك على الجواز. ولا يعجبني قول من يقول بزيادتها إلى أن يبلغ بها الأربعين ركعة، فنحن أمامَنا فعلُ الرسول ﷺ وفعل صحابته، وليس بعد هذين الفعلين من فضلٍ يُلتَمَس أو خيرٍ يُطلَب. أما القراءة في صلاة التراويح فلم يرد فيها اختصاصٌ بسورٍ معينة، فلْيقرأ المسلم ما شاء من كتاب الله سبحانه، ولْيطوِّل ما وسعه التطويل، خاصةً إن هو صلاَّها منفرداً. أما ما يفعله ناسٌ في زماننا هذا من قراءة آية قصيرة واحدة في الركعة الواحدة، وربما كانت لا تفيد معنى قائماً بنفسها مِن مثل ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أو ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِيْنَ﴾ أو ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ فهو دالٌّ على جهلٍ وعزوف منهم عن ثواب الله سبحانه، وعلى إساءة في أداء هذه الصلاة التي يقال فيها إنها قيام الليل في رمضان، وما يعنيه قيام الليل هذا من الإطالة والاستغراق. و. قيام الليل

стр. 1072

ويقال أيضاً صلاة الليل، كما يقال التهجد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ. قُم الليْلَ إلا قَلِيْلاً﴾ الآيتان ١، ٢ من سورة المزمل، وقال سبحانه ﴿ومِن الليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىْ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامَاً مَحْمُوْدَاً﴾ الآية ٧٩ من سورة الإسراء. وقد مرَّ في بحث [الوتر] حديث ابن عمر ﵁ «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ : صلاةُ الليل مَثْنى مَثْنى..» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. ونحن لسنا في حاجة لإطلاق التهجُّدِ على صلاة الليل إن كانت بعد نومٍ كما يرى ذلك عدد من الفقهاء، مستدلين على ذلك بأن التهجد والهُجود لغةً يعني النوم، من هجد يهجد إذا نام، ولهذا قالوا: التهجد لا يكون إلا بعد نومٍ من الليل، فإذا صلى بعد العشاء قبل أن ينام فإن صلاته لا تكون تهجداً. نعم نحن لسنا في حاجة لهذا التقييد، أولاً لأن حُكم التهجد هو حُكم صلاة الليل نفسه دون فارق بينهما، وثانياً لأن كلمة هجد يهجد كما أنها تعني نام ينام، فإنها تعني أيضاً سهر يسهر، فهي من الأضداد، وبذلك يصح إطلاق التهجد على الصلاة قبل النوم كما يصح إطلاقه عليها بعد النوم. أما فضل قيام الليل فهو عظيم لا يفوقه سوى فضل الصلوات المكتوبة فحسب، فقيام الليل أفضل صلوات التطوع بما فيها السنن الرواتب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه الترمذي. وفي رواية من طريق أبي هريرة ﵁ قال «سُئل رسول الله ﷺ : أيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل، قيل: أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: شهر الله الذي تدعونه المحرَّم» رواه أحمد ومسلم والنَّسائي.

стр. 1073

وقد وردت عدة نصوص تحث على قيام الليل أذكر منها ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلَّى وأيقظ امرأته فصلَّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّت وأيقظت زوجها فصلَّى، فإن أبى نضحت في وجهه بالماء» رواه أحمد وابن حِبَّان وأبو داود والترمذي والنَّسائي. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام من الليل يصلي، والقوم إذا صَفُّوا للصلاة، والقوم إذا صفُّوا للقتال» رواه أحمد وأبو يعلى. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل» رواه البخاري ومسلم. وروى أبو أُمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة لكم إلى ربكم، ومُكَفِّرةٌ للسيئات، ومَنْهاةٌ عن الإثم» رواه الترمذي وابن خُزَيمة والطبراني والحاكم.

стр. 1074

وقد كان قيام الليل مفروضاً وواجباً طيلة عام كامل منذ أن نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلْ. قُم الليْلَ إلا قَلِيْلاً﴾ الآيتان ١، ٢ من سورة المزَّمِّل. ثم إنَّ حُكم الوجوب قد نُسخ ليصبح قيام الليل مندوباً مستحباً فحسب بقوله سبحانه ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُوْمُ أَدْنَىْ مِنْ ثُلُثَي الليْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِن الذِيْنَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ الليْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ ألَّنْ تُحْصُوْهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوْا مَا تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ ... ﴾ الآية ٢٠ من سورة المزمل. قوله علم ألَّنْ تُحْصُوه: أي علم أن لن تطيقوه ولن تستطيعوه. فعن سعد بن هشام بن عامر «أنه جاء إلى عائشة ﵂ يسألها ... أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألستَ تقرأ يا أيها المزمل؟ قلت: بلى قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ... » من حديث طويل رواه مسلم والنَّسائي. وعن ابن عباس ﵁ قال في المزَّمِّل « ﴿قُم الليْلَ إلا قَلِيْلاً نِصْفَهُ﴾ نسختها الآية التي فيها ﴿عَلِمَ ألَّنْ تُحْصُوْهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوْا مَا تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ﴾ ... » رواه أبو داود.

стр. 1075

أما وقت قيام الليل فهو موسَّع تماماً كوقت الوتر وكوقت صلاة التراويح، يمتد من بعد صلاة العشاء إلى أذان الفجر، أي طلوع الفجر، وأفضلُه آخِرَ الليل لما رُوي أن عمرو بن عبسة قال «قلت: يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخِر، فصلِّ ما شئت» رواه أبو داود والحاكم والترمذي. فمن أحبَّ أن ينال الفضيلة التامة لقيام الليل فلْيصلِّه في آخر الليل، وكلما اقترب بصلاته من آخر الليل تحقَّق من نوال الفضيلة التامة، فعن مسروق قال «سألت عائشة عن عمل رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يحب الدائم، قال قلت: أي حين كان يصلي؟ فقالت: كان إذا سمع الصارخ قام فصلى» رواه مسلم والنَّسائي وأبو داود والبخاري وأحمد. قوله الصارخ: أي الديك وهو يصرخ في آخِر الليل قبيل طلوع الفجر. وهذا كله إن كان المرء يريد أن يصلي قليلاً من قيام الليل.

стр. 1076

أما إن أراد أن يصلي مقدار ثلث الليل، فلْيجعل صلاته في الثلث الأخير، وإن هو أراد أن يصلي مقدار نصف الليل، فليبدأ بمنتصف الليل وينتهي في آخره، وإن هو أراد الزيادة فلْيبدأ عقب ثلث الليل الأوَّل، ولا يُفَضَّل أن يُزاد على ذلك، بل لا بد للمرء من أخذ قسط من النوم فلا يصلي الليل كله، وفي كلٍّ وردت أحاديث أذكر منها ما يلي: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من خاف أن لا يقوم من آخِر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخِره فليوتر آخِر الليل، فإن صلاة آخِر الليل مشهودة وذلك أفضل» رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة. وفي رواية أخرى لمسلم من طريق جابر «أيُّكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فلْيوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيامٍ من الليل فلْيوتر من آخِره، فإن قراءة آخِر الليل محضورة وذلك أفضل» . وقد مرَّت الروايتان في بحث [الوِتر] . وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأعطيه، مَن يستغفرني فأغفر له» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود. وفي روايةٍ لمسلم من طريق أبي هريرة بلفظ «إذا قُضي شطرُ الليل أو ثلثاه ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا ... » . فتردد بين شطر الليل وثلث الليل الأخير، ومثله ما جاء في رواية ثالثة عند مسلم من طريق أبي هريرة بلفظ «ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل أو لثلث الليل الآخِر» . فهذه الروايات الثلاث صرَّحت بذكر الثلث الآخِر من الليل، وترددت روايتان منها بين شطر الليل والثلث الآخِر من الليل، وجاءت رواية رابعة رواها مسلم من الطريق نفسها بلفظ «ينزل الله إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول» . وبمثلها جاءت روايات عند أحمد وأبي داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة من طريق أبي

стр. 1077

هريرة وأبي سعيد ﵄. فهذه الروايات تذكر ثلث الليل الأول وليس الآخِر، فهي معارِضة للروايات الأولى وخاصة الروايةَ الصحيحة القوية التي رواها البخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود. وقد رجَّح جمهرة علماء الحديث رواية البخاري ومسلم وابن ماجة وأبي داود على رواية مسلم الرابعة، فالعمل برواية البخاري ومسلم وابن ماجة وأبي داود أولى، ويشهد لهذه الرواية الصحيحة القوية ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال له: أَحَبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود ﵇، وأَحَبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سُدُسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد. فلو افترضنا أن الليل هنا اثنتا عشرة ساعة عصرية، فإن الثلث الآخِر يكون آخر أربع ساعات من الليل، ويكون الشطر ست ساعات، فلما نام داود ﵇ نصف الليل الأول وقام ثلثه فإنه يكون قد صلى ساعتين من الساعات الأولى للثلث الآخِر من الليل ونام ساعتين منه أي نام سدس الليل، أي أنه صلى في ثلث الليل الآخر، فنال الفضيلة التامة. وهذا الحديث يشهد أيضاً للروايتين اللتين ترددتا بين شطر الليل وثلثه الأخير، فالفضيلة التامة يمكن أن تُنال بالبدء في الصلاة عند منتصف الليل، فداود ﵇ كان ينام نصف الليل، أي ينام الساعات الست الأولى من الليل، ويقوم عند منتصف الليل، فيصلي ثُلُثاً من الليل بادئاً بمنتصف الليل، وبذلك يصلي ساعتين قبل ثلث الليل الآخر، ثم يصلي ساعتين أخريين من ثلث الليل الآخِر، وبذلك فإنه يصلي أربع ساعات، وهي تعادل ثلث الليل كما يقول الحديث «ويقوم ثلثه» . فهذا الثلث يجمع بين ساعتين قبل ثلث الليل الأخير وساعتين من ثلث الليل الأخير، فهو يجمع بين العمل بنصف الليل والعمل بثلث الليل الآخر.

стр. 1078

ولكني أعود فأُذكِّر بأنّ وقت صلاة الليل موسَّع، يبدأ عقب صلاة العشاء، وإنما أحببت فقط أن أنوِّه بوقت الفضيلة التامة، وأنها تتردد بين نصف الليل الثاني وثلث الليل الآخِر. أما قوله سبحانه في سورة المُزَّمِّل ﴿قُم الليْلَ إلا قَلِيْلاً. نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيْلاً. أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّل القُرْآنَ تَرْتِيْلاً﴾ الآيات ٢، ٣، ٤ من السورة. وقوله سبحانه في السورة نفسها ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُوْمُ أَدْنَىْ مِنْ ثُلُثَي الليْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِن الذِيْنَ مَعَكَ ... ﴾ الآية ٢٠ من السورة. فإن هذا القول وذاك ليس في موضوع وقت الفضيلة التامة، وإنما هو متعلق بقدر قيام الليل، فلا يتعارض هذا مع الأحاديث النبوية التي حدَّدت وقت الفضيلة التامة بنصف الليل الثاني، وبثلث الليل الآخِر، وإنما معنى ما جاء في كتاب الله سبحانه أن قيام الليل لمن شاء التطويل هو بقدر نصف الليل، وعندها يبدأ بالصلاة عند منتصف الليل، وهذا يشمل الثلث الآخر من الليل. ويكون بقدر ثلث الليل، وهذا ظاهر. ويكون بقدر ثلثي الليل، وعندها يبدأ بالصلاة عقب انصرام ثلث الليل الأول، ويستمر إلى آخر الليل، فيشمل هو الآخر ثلث الليل الآخِر. ومثله ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ فهو أيضاً يبدأ قبل منتصف الليل ويستمر حتى آخره فيدخل فيه ثلث الليل الآخِر. وهكذا فإن ثلث الليل الآخر يدخل في جميع أحواله ﷺ ، في الصلاة التي ذكرت في المزَّمِّل في الموضعين منها.

стр. 1079

وهذا كله متعلق بحق من يقوم الليل وحده في بيته، أما إن كان قيام الليل جماعةً في مسجد، ويكون بصلاة التراويح، فلْيكن ذلك في أول الليل عقب صلاة العشاء، لأن هذا هو ما كان عليه حال صحابة رسول الله ﷺ ، وقد مرَّ في بحث [صلاة التراويح] ما رواه البخاري ومالك «فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل مِن التي يقومون، يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» . أمَّا كم ركعات قيام الليل؟ فما قلته في صلاة التراويح أُعيد قوله هنا وهو أن الشرع لم يحدد لها عدداً معيناً يُلْتَزَم به، ولكنَّ أفضل ما تُصلى به من الركعات ثمان تعقبها ثلاث ركعات من الوتر، لأن هذا العدد هو ما رُوي عنه من فعله ﷺ ، فصلاة التراويح هي قيام الليل، وإنما خُصّت بهذا الاسم في شهر رمضان دون غيره من أشهر السنة. وقد مرَّ في بحث [صلاة التراويح] حديث أبي سَلَمة بن عبد الرحمن «أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ... » رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود وابن خُزَيمة. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمسٍ، لا يجلس في شئ إلا في آخرها» رواه مسلم. وعن عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر» رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵁ قال «كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة، يعني بالليل» رواه البخاري وابن حِبَّان. وعن عائشة أُم المؤمنين ﵂ وقد سألها أبو سلمة عن صلاة رسول الله -

стр. 1080

صلى الله عليه وسلم - فقالت «كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمانَ ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» رواه مسلم. وعن عامر الشعبي قال «سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل فقالا: ثلاث عشرة ركعة منها ثمانٍ، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر» رواه ابن ماجة. فالرسول ﷺ كان يصلي من الليل ثماني ركعات، ثم يصلي الوتر، فربما صلى الوتر ثلاثاً وهو الأشهر والأغلب، وربما صلاه خمساً، وربما صلاه أكثر من ذلك أو أقل. والذي يهمُّنا هنا هو صلاة الليل، ففي الحديث الأول جاء أنه صلى أربعاً وأربعاً، أي صلى ثماني ركعات عدا الثلاث التي هي صلاة الوتر هنا، وجاء في الحديث الثاني أنه صلى ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، أي أنه صلى هنا ثماني ركعات أيضاً، وجاء في الحديث الثالث أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر، أي أنه كان يصلي ثماني ركعات، ثم ثلاثاً الوتر، ثم ركعتين سنة الفجر، وجاء في الحديث الرابع أنه صلى ثلاث عشرة ركعة، هكذا مجملةً دون تفصيل، وهي روايةٌ عن ابن عباس، وجاء في الحديث السادس المروي عن ابن عباس وابن عمر تفصيل هذا المجمل «ثلاث عشرة ركعة منها ثمانٍ، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر» . فهو أيضاً يدل على أنه صلى ثماني ركعات، وجاء في الحديث الخامس أنه كان يصلي ثماني ركعات ثم يوتر. وهكذا فإن جميع هذه الأحاديث تدل صراحة أو دلالة على أن صلاة الليل ثماني ركعات.

стр. 1081

ولكن جاءت أحاديث أخرى أقلُّ عدداً تذكر عن الرسول ﷺ أنه صلى أكثر من ذلك تارة، وأقل من ذلك تارة أخرى، فمثلاً روى عبد الله بن قيس بن مَخْرمة عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال «لأرْمُقَنَّ صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» رواه مسلم ومالك وابن ماجة. فهذا الحديث ذكر عشر ركعات لصلاة رسول الله ﷺ عدا الوتر، والركعتين الخفيفتين في بدء صلاته، وروى البخاري مثل ذلك عن ابن عباس.

стр. 1082

وفي المقابل روى مسروق «أنه دخل على عائشة فسألها عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة ترك ركعتين، ثم قُبض ﷺ حين قُبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات، آخر صلاته من الليل والوتر ثم ربما جاء إلى فراشي هذا، فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة» رواه ابن حِبَّان. فهنا تذكر عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قد ترك ركعتين، أي أنه أنقص من عدد ركعات صلاة الليل ثِنتين، فلما عُلِم أنها أسهبت ﵂ في نقل الركعات الثماني حين كانت تذكر مجمل صلاته ثلاث عشرة ركعة، عُلِم أنها إنما قصدت من قولها هذا «أنَّه صلى إحدى عشرة ركعة، ترك ركعتين» ، أنه صار يصلي في آخر عهده ست ركعات من صلاة الليل عدا الثلاث من الوتر، فيكون المجموع تسع ركعات كما جاء في الحديث. أما قولها إنه صلى إحدى عشرة ركعة فيُحمل على أنها أضافت ركعتي الفجر، أو الركعتين الخفيفتين، ولم تحتسبهما من صلاة الليل، فصار العدد كله إحدى عشرة ركعة. وربما كانت الزيادة منه ﷺ مرة، والنقص منه مرة أخرى في عدد ركعات صلاة الليل لأجل بيان الجواز وعدم وجوب الاقتصار على ثماني ركعات. فصلاة الليل كصلاة التراويح ثماني ركعات مع جواز الزيادة عليها والنقص منها. والسُّنة في قيام الليل أن تُفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين كما جاء ذلك في الحديث المار أعلاه، حديثِ زيد بن خالد الجهني «فصلى ركعتين خفيفتين» . وكذلك روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» رواه مسلم وأحمد. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود.

стр. 1083

ومن السُّنَّة كذلك أن يقوم المرء بتنظيف أسنانه بالسواك أو بالفرشاة قبل الدخول في الصلاة، فقد روى حذيفة ﵁ «أن النبي ﷺ إذا قام للتهجُّد من الليل يَشُوص فاه بالسِّواك» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. ومن السُّنة أيضاً أن يدعو المسلم بما تيسر له من أدعية مأثورة قبل القيام بالصلاة. وقد اخترت لكم هذا الدعاء والذكر الذي رواه ابن عباس ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجَّد قال: اللهم لك الحمد، أنت قَيِّم السموات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد، لك مُلْكُ السموات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومَن فيهن، ولك الحمد أنت مَلِكُ السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحقُّ ووعدُك الحقُّ ولقاؤُك حقٌّ وقولُك حقٌّ، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمتُ وبك آمنت، وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت - أو - لا إله غيرك» رواه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي باختلاف في الألفاظ. ولمن شاء دعاءً أخفَّ وأسهل في الحفظ، فلْيقل ما رواه عُبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال «من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استُجيب له، فإن توضأ قُبلت صلاته» رواه البخاري وابن حِبَّان. ورواه ابن ماجة بزيادة [العليِّ العظيم] لتصبح «ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .

стр. 1084

ويجوز في صلاة الليل الجهر كما يجوز الإسرار، ويجوز رفع الصوت كما يجوز الخفض، هذا إن كان المسلم يصلي منفرداً دون أن يصلي إلى جواره أحد، فإن صلى في مسجد أو مكان فيه آخرون يصلون، فلْيخفض صوته كي لا يشوِّش على مَن عنده من المصلين فعن عبد الله بن أبي قيس قال «سألت عائشة ... كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ من الليل أيجهر أم يُسِرُّ؟ قالت: كلَّ ذلك قد كان يفعل، وربما جهر وربما أسرَّ» رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ قال «كانت قراءة النبي ﷺ بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً» رواه أبو داود. ورواه ابن ماجة قريباً من ذلك، وعن أبي سعيد ﵁ قال «اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ألا إنَّ كلَّكم مناجٍ ربه فلا يُؤذيَنَّ بعضُكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة، أو قال، في الصلاة» رواه أبو داود وابن خُزَيمة.

стр. 1085

وكما تُقضى السنن الرواتب فإن من واظب على قيام الليل فأخذته نَوْمة، أو مَرِضَ من ليلته، أو شُغل عنه قضاه في نهاره المقبل، وقضاه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فقد روى سعد بن هشام عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثِنتي عشرة ركعة» رواه مسلم والنَّسائي. وفي رواية أخرى عند مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثِنْتَي عشرة ركعة ... » . وعن عمر ابن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل» رواه مسلم والنَّسائي وابن ماجة وأبو داود وابن خُزَيمة.

стр. 1086

وكما في كل عبادة فإن المسلم يقوم بما في وسعه وبما يطيق وبما لا يشق عليه، لأن الله سبحانه لا يَملُّ حتى يَملَّ عبدُه، فكذلك في صلاة قيام الليل، فعن عائشة ﵂ قالت «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: مَن هذه؟ فقلت: امرأةٌ لا تنامُ تصلي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملُّوا ... » رواه مسلم. ورواه أحمد وابن حِبَّان بلفظ «إن الحولاء بنت تويت مرت على عائشة وعندها رسول الله ﷺ ، قالت فقلت: يا رسول الله هذه الحولاء زعموا أنها لا تنام الليل، فقال: لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» . فلْيجهد المسلم في الإطالة ما وسعه ذلك، حتى إذا حصلت لديه مشقَّةٌ بالغة، وصار لا يطيق الاستمرار توقف عن الصلاة ونام، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآنُ على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. ز. صلاة الضُّحى

стр. 1087

وهذه الصلاة تسمَّى صلاة الأوَّابين، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوَّاب قال: وهي صلاة الأوَّابين» رواه ابن خُزَيمة والحاكم. قوله الأوَّاب: أي كثير الرجوع بالتوبة إلى الله . ولصلاة الضحى فضل عظيم وثواب كبير، فمن فضلها أن من صلى ثِنتي عشرة ركعة من هذه الصلاة بنى الله له قصراً في الجنة، وهو الفضل الذي يحصل عليه مَن صلى ثنتي عشرة ركعة من السنن الراتبة في اليوم، وقد مرَّ في بحث [السنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة] . فكأن الركعة من صلاة الضحى تعدل الركعة من السنن الراتبة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مَن صلى الضحى ثِنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة» رواه ابن ماجة والترمذي. ومن فضل هذه الصلاة أن ركعتين منها تُجزئان وتعدلان ثلاثمائة وستين صدقة، فأكْرِم به من فضل. فعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «في الإنسان ثلاثُمائةٍ وستون مِفْصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مِفْصل صدقة، قال: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النُّخامة في المسجد تدفنها، أو الشئ تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تُجْزِئك» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بمعروفٍ صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة.

стр. 1088

ومن فضل هذه الصلاة أن الله يتكفَّل لصاحبها بأن يكفيه يومه الذي يصليها فيه، وجاءت الكفاية عامة لتشمل الحفظ من الشيطان، وتوفير الرزق الحلال وردَّ الشر والمكروه، وما إلى ذلك، فقد روى نُعيم بن هَمَّار الغَطَفَاني عن رسول الله ﷺ ، عن ربه ﵎ أنه قال «يا ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره» رواه ابن حِبَّان والنَّسائي وأبو داود وأحمد. وإلى من كثرت خطاياه وتعاظمت ذنوبه ورغب في التوبة ومغفرة هذه الذنوب مهما بلغت، فلْيستمع إلى هذا الحديث ولْيعمل بمقتضاه: عن معاذ بن أنس الجُهَني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يُسبِّح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيراً، غُفِر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر» رواه أبو داود والبيهقي. فإذا علمنا أن صلاة الصبح تسبق طلوع الشمس بحوالي ساعة إلى ساعة ونصف من ساعاتنا، وأن صلاة الضحى تكون عند ارتفاع الشمس من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، ويقدر ذلك بساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات، علمنا أن الوقت الذي يحتاج إليه الراغب في التوبة ومغفرة الله سبحانه لذنوبه يُقَدَّر بحوالي أربع ساعات من ساعاتنا يُمضيها في مصلاه الذي صلى فيه صلاة الصبح، يذكر الله سبحانه فيها ويدعوه، ويقرأ القرآن، ثم يقوم في آخرها بأداء ركعتين اثنتين، فهذا بابٌ للتائبين عظيم.

стр. 1089

أما وقت صلاة الضحى فيبدأ حين ترتفع الشمس وتبيضُّ، ولزيادة الدقة نقول: إن وقتها يبدأ عند ارتفاع الشمس من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، فهي تقابل العصر، العصر في آخِر النهار والضحى في أوَّلِه، ويستمر وقتها إلى منتصف النهار، فعن زيد بن أرقم ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ على أهل قُباء وهم يصلون الضحى فقال: صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفِصال من الضحى» رواه أحمد وابن خُزَيمة وابن أبي شيبة والطبراني. ورأى زيد بن أرقم ﵁ قوماً يصلون من الضحى فقال «أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: صلاة الأوَّابين حين ترمض الفِصال» رواه مسلم وابن حِبَّان والبيهقي. قوله إذا رمضت الفِصال في الحديث الأول، وقوله حين ترمض الفصال في الحديث الثاني: يعني إذا احترقت أَخفاف صغار الإبل، أي إذا اشتد الحر فسخن الرمل فلم تستطع الجمال الصغيرة المشي فوقه. وقد قال ذلك رسول الله ﷺ لأهالي قُباء عندما رآهم يصلون الضحى في أول النهار، فبيَّن لهم أن وقت صلاة الضحى يبدأ عند ارتفاع الشمس وسخونة الأرض وليس في أول النهار، وهذا المعنى قد رُوي عن عليٍّ ﵁، فقد روى أبو رملة عن عليٍّ ﵁ «أنه رآهم يصلون الضحى عند طلوع الشمس فقال: هلاَّ تركوها حتى إذا كانت الشمس قدر رمح أو رمحين صلُّوها، فتلك صلاة الأوَّابين» رواه ابن أبي شيبة. وعنه ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ الضحى حين كانت الشمس مِن المشرق من مكانها من المغرب من صلاة العصر» رواه أحمد والنَّسائي والترمذي وابن ماجة.

стр. 1090

أما عدد ركعات صلاة الضحى فأقله ثِنتان، ولا حدَّ لأكثره، وكان الغالب من رسول الله ﷺ صلاة ما بين أربع ركعات إلى ثمانٍ، وهي تُصلى ثِنتين ثِنتين، فعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت، صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «وصلاة الضحى ركعتين» . وفي لفظ للبيهقي ومسلم «وركعتي الضحى» . ورواه ابن خُزَيمة بلفظ « ... وأن لا أدع ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوَّابين» . وعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي بركعتي الضحى» رواه ابن أبي شيبة. وقد مرَّ قبل قليل حديثُ معاذ بن أنس الجُهَني وفيه «يسبح ركعتي الضحى» . وحديثُ أبي ذرٍّ وفيه «ركعتان يركعهما من الضحى» . وحديثُ بريدة وفيه «فركعتا الضحى تُجزئك» . فهذه نصوص على أن صلاة الضحى تكون ركعتين اثنتين. وعن معاذة «أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله» رواه مسلم وأحمد وابن ماجة والنَّسائي والترمذي. ومرَّ قبل قليل حديث نُعيم بن هَمَّار وفيه «يا ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات في أول النهار ... » . فهذان نصَّان يدلان على أن صلاة الضحى تكون أربع ركعات. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «أتيت النبي ﷺ أعرض عليه بعيراً لي، فرأيته صلى الضحى ست ركعات» رواه الطبراني. فهذا نصٌّ يدلُّ على أن صلاة الضحى تكون ست ركعات.
следующие страницы →