Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وكما في كل عبادة فإن المسلم يقوم بما في وسعه وبما يطيق وبما لا يشق عليه، لأن الله سبحانه لا يَملُّ حتى يَملَّ عبدُه، فكذلك في صلاة قيام الليل، فعن عائشة ﵂ قالت «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: مَن هذه؟ فقلت: امرأةٌ لا تنامُ تصلي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملُّوا ... » رواه مسلم. ورواه أحمد وابن حِبَّان بلفظ «إن الحولاء بنت تويت مرت على عائشة وعندها رسول الله ﷺ ، قالت فقلت: يا رسول الله هذه الحولاء زعموا أنها لا تنام الليل، فقال: لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا» . فلْيجهد المسلم في الإطالة ما وسعه ذلك، حتى إذا حصلت لديه مشقَّةٌ بالغة، وصار لا يطيق الاستمرار توقف عن الصلاة ونام، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآنُ على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي.
ز. صلاة الضُّحى
стр. 1087
وهذه الصلاة تسمَّى صلاة الأوَّابين، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوَّاب قال: وهي صلاة الأوَّابين» رواه ابن خُزَيمة والحاكم. قوله الأوَّاب: أي كثير الرجوع بالتوبة إلى الله . ولصلاة الضحى فضل عظيم وثواب كبير، فمن فضلها أن من صلى ثِنتي عشرة ركعة من هذه الصلاة بنى الله له قصراً في الجنة، وهو الفضل الذي يحصل عليه مَن صلى ثنتي عشرة ركعة من السنن الراتبة في اليوم، وقد مرَّ في بحث [السنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة] . فكأن الركعة من صلاة الضحى تعدل الركعة من السنن الراتبة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مَن صلى الضحى ثِنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة» رواه ابن ماجة والترمذي.
ومن فضل هذه الصلاة أن ركعتين منها تُجزئان وتعدلان ثلاثمائة وستين صدقة، فأكْرِم به من فضل. فعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «في الإنسان ثلاثُمائةٍ وستون مِفْصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مِفْصل صدقة، قال: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النُّخامة في المسجد تدفنها، أو الشئ تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تُجْزِئك» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بمعروفٍ صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة.
стр. 1088
ومن فضل هذه الصلاة أن الله يتكفَّل لصاحبها بأن يكفيه يومه الذي يصليها فيه، وجاءت الكفاية عامة لتشمل الحفظ من الشيطان، وتوفير الرزق الحلال وردَّ الشر والمكروه، وما إلى ذلك، فقد روى نُعيم بن هَمَّار الغَطَفَاني عن رسول الله ﷺ ، عن ربه ﵎ أنه قال «يا ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره» رواه ابن حِبَّان والنَّسائي وأبو داود وأحمد.
وإلى من كثرت خطاياه وتعاظمت ذنوبه ورغب في التوبة ومغفرة هذه الذنوب مهما بلغت، فلْيستمع إلى هذا الحديث ولْيعمل بمقتضاه: عن معاذ بن أنس الجُهَني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يُسبِّح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيراً، غُفِر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر» رواه أبو داود والبيهقي. فإذا علمنا أن صلاة الصبح تسبق طلوع الشمس بحوالي ساعة إلى ساعة ونصف من ساعاتنا، وأن صلاة الضحى تكون عند ارتفاع الشمس من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، ويقدر ذلك بساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات، علمنا أن الوقت الذي يحتاج إليه الراغب في التوبة ومغفرة الله سبحانه لذنوبه يُقَدَّر بحوالي أربع ساعات من ساعاتنا يُمضيها في مصلاه الذي صلى فيه صلاة الصبح، يذكر الله سبحانه فيها ويدعوه، ويقرأ القرآن، ثم يقوم في آخرها بأداء ركعتين اثنتين، فهذا بابٌ للتائبين عظيم.
стр. 1089
أما وقت صلاة الضحى فيبدأ حين ترتفع الشمس وتبيضُّ، ولزيادة الدقة نقول: إن وقتها يبدأ عند ارتفاع الشمس من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب عند صلاة العصر، فهي تقابل العصر، العصر في آخِر النهار والضحى في أوَّلِه، ويستمر وقتها إلى منتصف النهار، فعن زيد بن أرقم ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ على أهل قُباء وهم يصلون الضحى فقال: صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفِصال من الضحى» رواه أحمد وابن خُزَيمة وابن أبي شيبة والطبراني. ورأى زيد بن أرقم ﵁ قوماً يصلون من الضحى فقال «أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: صلاة الأوَّابين حين ترمض الفِصال» رواه مسلم وابن حِبَّان والبيهقي. قوله إذا رمضت الفِصال في الحديث الأول، وقوله حين ترمض الفصال في الحديث الثاني: يعني إذا احترقت أَخفاف صغار الإبل، أي إذا اشتد الحر فسخن الرمل فلم تستطع الجمال الصغيرة المشي فوقه. وقد قال ذلك رسول الله ﷺ لأهالي قُباء عندما رآهم يصلون الضحى في أول النهار، فبيَّن لهم أن وقت صلاة الضحى يبدأ عند ارتفاع الشمس وسخونة الأرض وليس في أول النهار، وهذا المعنى قد رُوي عن عليٍّ ﵁، فقد روى أبو رملة عن عليٍّ ﵁ «أنه رآهم يصلون الضحى عند طلوع الشمس فقال: هلاَّ تركوها حتى إذا كانت الشمس قدر رمح أو رمحين صلُّوها، فتلك صلاة الأوَّابين» رواه ابن أبي شيبة. وعنه ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ الضحى حين كانت الشمس مِن المشرق من مكانها من المغرب من صلاة العصر» رواه أحمد والنَّسائي والترمذي وابن ماجة.
стр. 1090
أما عدد ركعات صلاة الضحى فأقله ثِنتان، ولا حدَّ لأكثره، وكان الغالب من رسول الله ﷺ صلاة ما بين أربع ركعات إلى ثمانٍ، وهي تُصلى ثِنتين ثِنتين، فعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت، صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «وصلاة الضحى ركعتين» . وفي لفظ للبيهقي ومسلم «وركعتي الضحى» . ورواه ابن خُزَيمة بلفظ « ... وأن لا أدع ركعتي الضحى فإنها صلاة الأوَّابين» . وعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي بركعتي الضحى» رواه ابن أبي شيبة. وقد مرَّ قبل قليل حديثُ معاذ بن أنس الجُهَني وفيه «يسبح ركعتي الضحى» . وحديثُ أبي ذرٍّ وفيه «ركعتان يركعهما من الضحى» . وحديثُ بريدة وفيه «فركعتا الضحى تُجزئك» . فهذه نصوص على أن صلاة الضحى تكون ركعتين اثنتين.
وعن معاذة «أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله» رواه مسلم وأحمد وابن ماجة والنَّسائي والترمذي. ومرَّ قبل قليل حديث نُعيم بن هَمَّار وفيه «يا ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات في أول النهار ... » . فهذان نصَّان يدلان على أن صلاة الضحى تكون أربع ركعات.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «أتيت النبي ﷺ أعرض عليه بعيراً لي، فرأيته صلى الضحى ست ركعات» رواه الطبراني. فهذا نصٌّ يدلُّ على أن صلاة الضحى تكون ست ركعات.
стр. 1091
وعن حذيفة ﵁ قال «خرجت مع رسول الله ﷺ إلى حَرَّةِ بني معاوية، فصلى الضحى ثمان ركعات طوَّل فيهنَّ» رواه ابن أبي شيبة. وعن عائشة ﵂ قالت «دخل رسول الله ﷺ بيتي، فصلى الضحى ثمانَ ركعات» رواه ابن حِبَّان. وعن أم هانئ ﵂ قالت «إن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قطُّ أخفَّ منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة وأحمد والدارمي. ورواه ابن حِبَّان وابن أبي شيبة بلفظ «فصلى الضحى ثمان ركعات» . وفي رواية لمسلم ومالك بلفظ «قالت أم هانئ: وذلك ضحى» . فهذه نصوص تدلُّ على أن صلاة الضحى تكون ثماني ركعات.
وقد مرَّ في هذا البحث حديث أنس بن مالك وفيه «مَن صلى الضحى ثِنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة» . وهذا نصٌّ على أن الضحى تكون ثِنتي عشرة ركعة.
والمُحصِّلة هي أن صلاة الضحى أقلُّها ثِنتان، ولا حدَّ لأكثرها، فلْيصلِّ المرء ما شاء منها، ولْيَجْنِ ما أكرمه الله به من ثواب وجزاء.
وهذه الصلاة تُؤدَّى انفرادياً وتؤدَّى جماعةً، فقد روى عِتبان بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى في بيته سُبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا بصلاته» رواه أحمد والبخاري ومسلم وابن خُزَيمة.
إلا أن هناك عدداً من الأحاديث تذكر أن رسول الله ﷺ لم يصلِّ صلاة الضحى قط، وأحاديث أخرى تذكر أنه ﵊ لم يكن يصلي صلاة الضحى إلا إن هو رجع من سفر ومغيبة، أذكر منها:
стр. 1092
١ - عن عائشة ﵂ قالت «ما رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي سُبحة الضحى قط ... » رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى للبخاري أن عائشة ﵂ قالت « ... وما سبَّح رسول الله ﷺ سُبحة الضحى قط، وإني لأُسَبِّحها» .
٢ - عن مورِّق أنه قال «قلت لابن عمر ﵄: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا إخاله» رواه البخاري.
٣ - عن عبد الله بن شقيق أنه قال «قلت لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجئ من مغيبة» رواه البخاري ومسلم. فأقول:
أـ إن حديث عائشة الثالث يخالف حديثها الأول، فالثالث يُثبتُ صلاة الضحى مقيَّدةً بعودته ﷺ من السفر، في حين أن الحديث الأول بروايتيه ينفي نفياً باتاً هذه الصلاة بشكل عام ومطلق.
ب ـ إن عائشة التي رُوي عنها الحديث الأول بروايتيه قد رُوي عنها حديث يعارض هذا الحديث ويناقضه، فعن يزيد الرِّشك «حدثتني معاذة أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء» رواه مسلم. وروى مسلم رواية أخرى مماثلة من طريق أبي سعيد قال: حدثنا قتادة أن مُعاذة العدوية حدثتهم عن عائشة قالت «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله» . وإذن فإن الروايات المنقولة عن عائشة ﵂ جاءت متعارضة ومتناقضة.
ج ـ أما حديث ابن عمر الثاني الذي يؤخذ منه أن الرسول ﷺ لم يكن يصلي الضحى، مِن لفظة «لا إخاله» فالرد عليه من وجوه:
١ - إن هذه اللفظة «لا إخاله» تنبئ عن الشك والظن وعدم التثبت، وبذلك يصبح الخبر محتملاً، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
стр. 1093
٢ - إن البخاري ذكر الحديث تحت عنوان [باب صلاة الضحى في السفر] ، وهذا يعني أن البخاري قد فهم من الحديث، أو قل قد علم أنَّ ابن عمر حين نفى صلاة الضحى إنما نفاها في حالة السفر وليس بشكل مطلق، ولا بدَّ من أنَّ البخاري قد استند في وضع الحديث في باب السفر إلى أَمرٍ ثبت عنده، وهو المشهود له بالدقة البالغة في رواية الأحاديث.
٣ - إن ابن عمر نفسه قد رُوي عنه ما يعارض هذا الحديث إن هو اعتُبر نافياً لمطلق الصلاة في السفر والحضر، فعن نافع «أن ابن عمر ﵄ كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين، يوم يقدَم مكة فإنه كان يقدَمها ضحى، ... ويوم يأتي مسجد قُباء ... » رواه البخاري. وإذن فإن الروايات المنقولة عن ابن عمر جاءت متعارضة هي الأخرى.
وبذلك يترجح لدينا الرأي القائل بمشروعية صلاة الضحى للروايات العديدة الصحيحة التي تثبتها. إذ الصحيح الثابت أن صلاة الضحى مشروعة ومندوبة، ولكنها ليست من السنن الراتبة التي حافظ عليها رسول الله ﷺ ، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها» رواه أحمد والترمذي.
ح. صلاة الكسوف
وهي الصلاة المسنونة المشروعة عند حصول كسوفٍ للشمس أو للقمر. والكسوف يطلق على ذهاب الضوء، وعلى الاسوداد. وكما يطلق الكسوف على اسوداد الشمس فإنه يطلق كذلك على اسوداد القمر، وإن شئنا التمييز بينهما قلنا كسوف الشمس وخسوف القمر، وكلاهما جائز لغة وشرعاً.
стр. 1094
أما وقت صلاة الكسوف فيبدأ عند بدء كسوف الشمس ويستمر إلى أن ينجلي الكسوف ويذهب، ويعود ضوء الشمس كاملاً، كما أنه يبدأ عند بدء خسوف القمر، ويستمر إلى أن ينجلي الخسوف ويذهب، ويعود نور القمر كاملاً. وصلاة الكسوف كصلاة الخسوف تماماً تُؤدَّى عند ذهاب ضوء الشمس أو ذهاب نور القمر كلياً أو جزئياً دون اعتبارٍ لأوقات النهي، فلو حصل كسوف الشمس عقب صلاة العصر فإن صلاة الكسوف تُؤدَّى عندئذ دون كراهة على الرأي الصحيح، لأن هذا الوقت هو وقتها.
والأصل في صلاة الكسوف أن تستغرق كامل وقتها، فيبدأ المسلم بالصلاة مع بدء الكسوف وينتهي منها مع انتهائه، فعن المغيرة بن شعبة قال «كَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلُّوا وادعوا الله» رواه البخاري وأحمد والبيهقي وابن خُزَيمة والبزَّار. ورواه مسلم وجاء فيه « ... فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف» . وعن أبي بَكْرة قال «خَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فخرج يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى المسجد وثاب الناس إليه، فصلى بهم ركعتين، فانجلت الشمس فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يخسفان لموت أحد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم، وذلك أن ابناً للنبي ﷺ مات يقال له إبراهيم، فقال الناس في ذلك» رواه البخاري وابن حِبَّان وأحمد والنَّسائي. قوله في الحديث الأول: فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف، وقوله في الحديث الثاني: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا يخسفان لموت أحد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم: يدلان على جملة أحكام منها:
أ - إن صلاة الكسوف هي صلاة الخسوف نفسها.
стр. 1095
ب - إن البدء في الصلاة يكون عند بدء الكسوف أو الخسوف.
ج - إن الصلاة تستغرق كامل وقتها، بمعنى أن يبدأ في الصلاة عند بدء الكسوف ويستمر بها إلى انكشافه وذهابه مهما طال زمنه، سواء استمر ساعة أو أكثر أو أقل.
وأُلفت النظر هنا إلى أن صلاة الكسوف لا ينبغي أن تُشغل عن الصلاة المكتوبة، فإما أن تُصلَّى المكتوبة أولاً - ويكون ذلك إن كان وقتها قد ضاق - ثم تُصلَّى صلاة الكسوف، وإما أن تُصلَّى صلاة الكسوف أولاً ويُفرغ منها قبل انتهاء وقت المكتوبة لتبقى للمكتوبة فترة كافية.
ويُسن أداء هذه الصلاة جماعةً في المساجد، ولا يُؤذَّن لها ولا يُقام، وإنما يُكتفى بدعوة المصلين بالقول [الصلاةُ جامعة] فعن أبي بَكرة قال «كنا عند رسول الله ﷺ ، فانكسفت الشمس، فقام رسول الله ﷺ يجر رداءه حتى دخل المسجد، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» رواه البخاري وغيره. فهذا دليل على مشروعية صلاة الكسوف جماعةً في المساجد. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال «لما كَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ نودي: إن الصلاة جامعة، فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلس، ثم جُلِّي عن الشمس، قال، وقالت عائشة ﵂: ما سجدت سجوداً قطُّ كان أطول منها» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة والنَّسائي. وعن عائشة ﵂ «أن الشمس خَسَفَت على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث منادياً: الصلاةُ جامعةٌ، فاجتمعوا وتقدَّم فكبَّر، وصلَّى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» رواه مسلم. فهذان دليلان على أن النداء لصلاة الكسوف إنما يكون بالقول [الصلاةُ جامعة] .
стр. 1096
ومن المندوب في حالة حصول الكسوف أو الخسوف عدا الصلاة الإكثارُ من الدعاء والتصدُّق، خاصة إن فرغ المصلُّون من صلاتهم والكسوفُ أو الخسوفُ لا زالت منهما بقية، فيمكن إشغال بقية الوقت بذكر الله ودعائه. وبمعنى آخر أقول إذا حصل الكسوف صلى المسلمون صلاة طويلة محاولين أن يقضوا كامل وقت الكسوف بالصلاة، فإن هم أتموا صلاتهم قبل انقضاء الكسوف أمضَوا ما تبقى من وقت الكسوف بالدعاء والذكر. أما إن انتهى الكسوف وهم في الصلاة أتمُّوها خفيفة، فقد مرَّ حديث المغيرة بن شعبة عند البخاري وغيره قبل قليل وفيه «فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله» . ومثله حديث أبي بَكْرة عند البخاري وغيره المار قبل قليل وفيه «وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» . وعن أبي موسى ﵁ قال «خَسَفت الشمس فقام النبي ﷺ فَزِعاً يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلَّى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» رواه البخاري وابن حِبَّان. وعن عائشة ﵂ قالت «خَسَفَت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ - فذكرت الحديث إلى أن قالت - فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا، وصلُّوا وتصدقوا ... » رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت «خَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ - فذكرت الحديث إلى أن قالت - ثم رَقِيَ المنبر فقال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يَخْسَفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة وإلى الصدقة وإلى ذِكر الله ... » رواه أحمد.
стр. 1097
أما صفة صلاة الكسوف فهي ركعتان اثنتان، كل ركعة منها بركوعين اثنين، وما سوى ذلك فرأي مرجوح، وتُؤدَّى كالتالي: يُحْرِم الإمام بالتكبير، ويقرأ الفاتحة جهراً وسورة طويلة، ثم يركع ركوعاً طويلاً قريباً من القيام، ثم يقوم قائلاً: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة، ولكن دون قراءة القيام الأول، ثم يركع ركوعاً طويلاً دون الركوع الأول، ثم يرفع قائلاً: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يسجد سجوداً طويلاً، ثم يجلس جلسة طويلة، ثم يسجد سجوداً طويلاً دون السجود الأول، ثم يقوم، ويفعل في الركعة الثانية ما فعله في الركعة الأولى، ولكن بإطالةٍ أقلَّ مما في الركعة الأولى، وينصرف من الصلاة بالتسليم، محاولاً أن لا يفرغ من الصلاة حتى ينجلي الكسوف. هذه هي الكيفية الصحيحة الواردة في الأحاديث الصحيحة، ونستدل على كل تفاصيلها بالأدلة التالية:
стр. 1098
أ - عن عائشة زوج النبي ﷺ «أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها: أعاذكِ الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ : أيعذَّب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله ﷺ عائذاً بالله من ذلك، ثم ركب رسول الله ﷺ ذات غداة مركباً، فخَسَفَت الشمسُ فرجع ضحى، فمرَّ رسول الله ﷺ بين ظهراني الحُجَر، ثم قام يصلي وقام الناس وراءه، فقام قياماً طويلاً ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم قام فقام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر» رواه البخاري ومسلم ومالك والنَّسائي وأحمد.
ب - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ «أن رسول الله ﷺ صلَّى يوم خَسَفَت الشمسُ، فقام فكبر فقرأ قراءة طويلة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، وقام كما هو، ثم قرأ قراءة طويلة وهي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهي أدنى من الركعة الأولى، ثم سجد سجوداً طويلاً، ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك، ثم سلَّم وقد انجلت الشمس، فخطب الناس فقال في كسوف الشمس والقمر: إنهما آيتان من آيات الله لا يَخْسَفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» رواه البخاري.
стр. 1099
ج - عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال «كَسَفَت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ فقام وقمنا معه، فأطال القيام حتى ظننا أنه ليس براكع، ثم ركع فلم يكد يرفع رأسه، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، ثم جلس فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، ثم فعل في الركعة الثانية كما فعل في الأولى، وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية، وجعل يقول: ربِّ لِمَ تعذبهم وأنا فيهم، ربِّ لِمَ تعذبنا ونحن نستغفر؟ فرفع رأسه وقد تجلَّت الشمس وقضى صلاته فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، فإذا كَسَفَ أحدُهما فافزعوا إلى المساجد ... » رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.
د - عن عائشة ﵂ أنها قالت «خَسَفَت الشمسُ على عهد النبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ المصلَّى، فكَّبر وكبَّر الناس، ثم قرأ فجهر بالقراءة وأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم قام فقرأ فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه ثم سجد، ثم قام ففعل في الثانية مثل ذلك ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي.
هـ - عن جابر قال «انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ... - وجاء فيه - ... فكبًّر ثم قرأ فأطال القراءة، ثم ركع نحواً مما قام، ثم رفع رأسه من الركوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى، ثم ركع نحواً مما قام ... » رواه مسلم وأحمد وأبو داود والبيهقي.
стр. 1100
و عن عائشة ﵂ «جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» رواه البخاري وابن حِبَّان ومسلم.
وإذا فرغ من الصلاة استُحِبَّ للإمام أن يخطب المُصلِّين بما يناسب المقام، والدليل على أن لصلاة الكسوف خطبةً الحديثُ (ب) الذي روته عائشة ﵂ عند البخاري، فقد جاء فيه «فخطب الناس فقال ... » . والحديث (ج) الذي رواه عبد الله بن عمرو ﵁ عند أحمد وغيره، فقد جاء فيه «وقضى صلاته فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ... » . وكذلك الحديث الذي روته عائشة ﵂ قالت «خَسَفَت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد، ما من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. وكذلك الحديث المروي عن أسماء ﵂ قالت «فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلَّت الشمس، فخطب فحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد» رواه البخاري. وغير هذه الأحاديث كثير، وكلها تذكر أنه ﵊ بعد أن يفرغ من صلاته يقف فيخطب الناس.
стр. 1101
وأُلفت النظر إلى أن الفقهاء والأئمة قد اختلفوا في صفة صلاة الكسوف اختلافاً كبيراً، فمنهم من قال إن صلاة الكسوف ركعتان اثنتان عاديتان كركعتي الفجر مستدلين بأحاديث مروية، ومنهم من قال إنها ركعتان في كل ركعة ركوعان اثنان، وهو ما أخذنا به وأثبتناه بالأحاديث الكثيرة الصحيحة السابقة، ومنهم من قال إنها ركعتان في كل ركعة ثلاثة ركوعات، مستدلين بأحاديث مروية، ومنهم من قال إنها ركعتان في كل ركعة أربعة ركوعات، مستدلين بأحاديث مروية، ومنهم من قال إنها ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات، مستدلين بأحاديث مروية، ومنهم من قال إنها ركعتان ثم ركعتان ثم ركعتان، وكلها عادية مثل صلاة الفجر إلى أن ينتهي الكسوف، مستدلين هم كذلك بأحاديث مروية، ولم أجد ضرورة لذكر كل هذه الأحاديث.
وحسبي أن أقول ما يلي: نعم إن جابر بن عبد الله قد رُوي عنه حديث الثلاثة ركوعات عند أحمد ومسلم، وكذلك رُوي عن عائشة ﵂ عند أحمد ومسلم، وروي عن عليَّ ابن أبي طالب ﵁ أنه قد صلاَّها أربعة ركوعات في الركعة الواحدة عند أحمد والبيهقي، وأن ابن عباس ﵁ قد رُوي عنه الركوعات الأربعة في الركعة الواحدة عند أحمد ومسلم، وأن أُبيَّ بن كعب ﵁ قد رُوي عنه حديث الركوعات الخمسة عند أحمد وأبي داود والحاكم، وأن محمود بن لبيد والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو ﵃ قد رُويت عنهم أحاديث بأن صلاة الكسوف ركعتان اثنتان عاديتان، وأن النعمان ابن بشير ﵁ قد رُوي عنه حديثٌ بالصلاة ركعتين ركعتين عند أحمد وأبي داود والنَّسائي وابن ماجة والحاكم.
стр. 1102
ولا يُنكَر أن عدداً من هذه الأحاديث صحيحة الإسناد تصلح للاحتجاج، وكان يمكن الأخذ بجميع هذه الأحاديث والقول بجواز صلاة الكسوف على صفات وكيفيات عدة لو كان قد رُوي عن الرسول ﷺ أنه فعل كل ذلك في أوقات مختلفة وكسوفات عدة. أمَّا وأنَّ الرسول ﷺ قد صلى صلاةَ كسوفٍ واحدة، وأنه ﵊ قد صلَّى هذه الصلاة في السنة العاشرة للهجرة، وأنه صلاَّها يوم مات ولده إبراهيم، وأنه ﵊ قد مات بعد موت إبراهيم بحوالي أربعة أشهر ونصف، ولا يُحتَمل في هذه المدة اليسيرة حصول كسوفين، وأنه قد رُوي أن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يجهلون كيفية هذه الصلاة قبل أن يصليها رسول الله ﷺ آنذاك، مما يدل على أنه لم يُصلِّها معهم قبل ذلك، وأن أبا شُريحٍ الخُزاعي قال «كَسَفَت الشمسُ في عهد عثمان ابن عفان ﵁ وبالمدينة عبد الله بن مسعود ﵁، قال: فخرج عثمان فصلَّى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجدتين في كل ركعة، قال: ثم انصرف عثمان فدخل داره ... » رواه أحمد والبيهقي والطبراني والبزَّار. وقال الهيثمي (رواته مُوثَّقون) ما يدل دلالة واضحة على أن صلاة الكسوف إنما تكون بركعتين وسجدتين في كل ركعة من ركعتيها، وأن هذا هو الثابت عند صحابة رسول الله ﷺ ، وإلا لما صلاَّها عثمان بالصحابة دون إنكار، فلما عُلِم كلُّ ذلك علمنا أن القصة متحدة، وأنه لم تكن صلواتُ كسوفٍ عدةٌ من رسول الله ﷺ ، بل صلاة كسوف واحدة يوم مات إبراهيم قبل وفاته ﵊ بأقلَّ من خمسة أشهر. وإذن فإن احتمال وجود عدة كيفيات لهذه الصلاة غير وارد، فلم يبق إلا الترجيح بين هذه الروايات المتعارضة.
стр. 1103
وعند الترجيح تُرجَّح الروايات التي تذكر لصلاة الكسوف ركوعين في كل ركعة، لأنها أكثر مما سواها وأقوى منها إسناداً، فقد اتفق عليها البخاري ومسلم إماما الحديث، وما اتفق عليه هذان الإمامان الجليلان يعتبر في القمة من حيث القوة والصحة. ولهذا نقول إن كل الكيفيات عدا كيفية الركوعين في كل ركعة هي مرجوحة.
ولا بأس بأن أُضيف أنه ﵊ لم يُرْوَ عنه حديث واحد صحيح أو حسن بأنه قد صلَّى هذه الصلاة عند خسوف القمر في أية ليلة من الليالي، وأن مشروعية صلاة الكسوف عند خسوف القمر لم تأت من فعله ﵊ وإنما من قوله الذي تعدد نقلُه وهو أن تُصلَّى هذه الصلاة إن كَسَفَت الشمسُ أو خَسَف القمرُ مما سبق إيراده، وهذا أيضاً يدعم قولنا باتحاد القصة وعدم التعدد، ويدعم بالتالي وجوب الترجيح بين الروايات المتعارضة، لأنه لا يمكن الجمع بينها لكونها كلها قد ذكرت حادثة واحدة، مما يمنع من قبول جميع هذه الروايات إلا رواية واحدة فحسب هي التي أشرنا إليها.
ط. صلاة الاستسقاء
стр. 1104
الاستسقاء في اللغة هو طلبُ الشخصِ سقيَ الماءِ لنفسه أو طلبُه لغيره. وفي الشرع هو طلبُ الشخصِ سقيَ الماءِ من الله سبحانه عند انحباس المطر وحصول القحط على وجهٍ مخصوصٍ من العبادة. وقد ورد ذكر الاستسقاء في كتاب الله ، قال تعالى ﴿وإذْ اسْتَسْقَىْ مُوْسَىْ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَاً ... ﴾ الآية ٦٠ من سورة البقرة. وقال سبحانه ﴿.. وَأَوْحَيْنَا إلى مُوْسَىْ إذ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَن اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَاً ... ﴾ الآية ١٦٠ من سورة الأعراف. ونزول الماء رحمة وانحباسه كثيراً عذاب يعذِّب الله به عباداً خرجوا على الطريقة، أو عصَوْا ولم يتقوا الله سبحانه، قال تعالى ﴿وَأَنْ لَو اسْتَقَامُوْا عَلَى الطَّرِيْقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ الآية ١٦ من سورة الجن. وقال ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَىْ آمَنُوْا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِن السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... ﴾ الآية ٩٦ من سورة الأعراف.
وقد جاء في الحديث النبوي الشريف أنه ما من قوم يمنعون الزكاة إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، فعن ابن عمر ﵁ قال «أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين، خمسُ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ... ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا ... » رواه ابن ماجة. وقد اتفقت كلمة العلماء والفقهاء على أن صلاة الاستسقاء سنة مستحبة، لا أعلم فقيهاً قال بوجوبها.
стр. 1105
والأصل في مشروعيتها أن الرسول ﷺ قد صلاَّها، وصلاَّها معه صحابته رضوان الله عليهم، فعن عبد الله بن زيد ﵁ «أن النبي ﷺ خرج إلى المُصلَّى، فاستسقى فاستقبل القِبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنَّسائي وابن خُزَيمة. وعن عبَّاد بن تميم عن عمه قال «رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، قال: فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه، ثم صلَّى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة» رواه البخاري ومسلم وأحمد.
وقد شُرعت الجماعةُ في صلاة الاستسقاء، وأن تُصلَّى بدون أذان ولا إقامة، فعن أبي هريرة ﵁ قال «خرج نبي الله ﷺ يوماً يستسقي، وصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله، وحوَّل وجهه نحو القِبلة رافعاً يده، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن» رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والأثرم وابن خُزَيمة.
стр. 1106
أما وقت هذه الصلاة، فأي وقت عدا أوقات النهى هو وقتها، ولكن الأفضل تأديتُها في أول النهار كما تُؤدَّى صلاةُ العيدين، فعن عائشة ﵂ قالت «شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبَّر ﷺ ، وحمد الله ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين. لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أَنْزِل علينا الغيث واجعل ما أنزلتَ لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب - أو حوَّل - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين ... » رواه أبو داود وابن حِبَّان والحاكم. قوله حين بدا حاجب الشمس: أي حين طلعت الشمس. وهذا هو وقت صلاة العيدين.
стр. 1107
أما صفة صلاة الاستسقاء فهي ركعتان اثنتان مماثلتان لركعتي الجمعة من حيث التكبير والجهر، فقد مرَّ حديث عبد الله بن زيد عند البخاري وغيره وفيه « ... وصلى ركعتين» . وكذلك مرَّ حديث عبَّاد بن تميم عن عمه آنفاً عند البخاري وغيره وفيه «ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة» . وعن أبي إسحق «خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر فاستغفر، ثم صلَّى ركعتين يجهر بالقراءة، ولم يؤذن ولم يُقِم، قال أبو إسحق: وروى عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ » رواه البخاري. وللعلم فإن عبد الله بن يزيد هو غير عبد الله بن زيد المار ذكره قبل قليل.
стр. 1108
وهناك جماعة من الفقهاء يرون أن صلاة الاستسقاء تماثل تماماً صلاة العيدين، وأن فيها سبع تكبيرات في الركعة الأولى وخمساً في الثانية، مستدلين بما رواه ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ خرج مُتَخَشعاً مُتَضَرِّعاً مُتواضِعاً مُتَبذِّلاً مُتَرسِّلاً، فصلى بالناس ركعتين كما يصلي في العيد، لم يخطب كخطبتكم هذه» رواه أحمد والحاكم والدارقطني وأبو داود والترمذي. قوله متبذِّلاً: أي يلبس لباس العمل. وقوله مترسِّلاً: أي متمهِّلاً غير مستعجل. فقالوا إن قول ابن عباس «كما يصلي في العيد» يفيد أن لصلاة الاستسقاء تكبيرات كتكبيرات العيد، واستدلوا بما رواه طلحة قال «أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سُنة الاستسقاء فقال: سُنَّة الاستسقاء سُنَّة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله ﷺ قلب رداءه، فجعل يمينه على يساره ويساره على يمينه، وصلى ركعتين، وكبَّر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية، وكبَّر فيها خمس تكبيرات» رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي. فنقول لهؤلاء: أما حديث الدارقطني ففيه محمد ابن عبد العزيز قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النَّسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج فيطرح. وأما حديث أحمد فغير واضح الدلالة على ما ذهبوا إليه، فلا يصلح لتقييد الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي أطلقت القول بالركعتين، ويحمل هذا القول من ابن عباس على أنه أراد أن يقول إن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد ركعتان اثنتان، يشهد لهذا الفهم ما جاء في روايةٍ لعبد الرزاق « ... فدعا وصلَّى كما يصلي في العيد ركعتين» . فصلاة الاستسقاء ركعتان اثنتان عاديتان يُجهر فيهما بالقراءة.
стр. 1109
يقف الإمام أمام المصلين مستقبل القِبلة مُولِّياً ظهره إلى الناس، ويُحوِّل ثوبه بحيث يجعل الظاهر باطناً والباطن ظاهراً، والأيمن من الثوب على يساره، والأيسر منه على يمينه، ويحوِّل المصلون ثيابهم، ثم يدعو بما يشاء، ويُكثر من الاستغفار بشكل خاص، وله أن يقتصر عليه، ثم يصلي بالناس ركعتين جهراً دون تكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، حتى إذا سلَّم وقضى صلاته صعد المنبر وخطب الناس خطبة مناسبة ثم نزل، وإذا دعا رفع يديه كثيراً، وأشار بظهر كفيه إلى السماء، وجعل البطون مما يلي الأرض.
ومن السُّنَّة أن تُؤدَّى هذه الصلاة في المُصلَّى، أي خارج بيوت البلد، وأن يُؤتَى لها بمنبر يقف عليه الإمام في أثناء الخطبة، وأن يخرج المصلُّون إلى المُصلَّى بخشوع وهدوء وتضرُّعٍ غير متجمِّلين باللباس، وفي كل ذلك وردت أحاديث نذكر منها ما يلي:
١- عن عبد الله بن زيد ﵁ «أن رسول الله ﷺ استسقى وعليه خميصةٌ له سوداءُ، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فثقُلت عليه، فقلبها عليه الأيمنَ على الأيسر والأيسرَ على الأيمن» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي. قوله خميصة: أي كساءٌ أسودُ ثخين.
٢- عن عبَّاد بن تميم عن عمِّه عبد الله بن زيد قال «خرج النبي ﷺ يستسقي وحوَّل رداءه» رواه البخاري. وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم من الطريق نفسها بلفظ «فقلب رداءه» .
٣- عن عبد الله بن زيد ﵁ قال «قد رأيت رسول الله ﷺ حين استسقى لنا أطال الدعاء وأكثرَ المسألة، قال: ثم تحوَّل إلى القِبلة وحوَّل رداءه، فقلبه ظهراً لبطن، وتحوَّل الناس معه» رواه أحمد.
стр. 1110
٤- وقد مرَّ قبل قليل حديث ابن عباس ﵁ عند أحمد وغيره وفيه «أن رسول الله ﷺ خرج مُتخشِّعاً مُتضرِّعاً متواضعاً مُتَبَذِّلاً مُتَرَسِّلاً ... » . وجاء في رواية النَّسائي «خرج رسول الله ﷺ متبذِّلاً متواضعاً متضرِّعاً، فجلس على المنبر ... » .
٥- ومرَّ حديث عائشة ﵂ عند أبي داود وغيره « ... فأمر بمنبرٍ فوُضع له في المُصلَّى ... » .
٦- عن أنس بن مالك ﵁ قال «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياضُ إبطيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
٧- وعنه ﵁ «أن رسول الله ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء» رواه أحمد ومسلم والبيهقي.
٨- وعنه ﵁ «أن النبي ﷺ كان يستسقي هكذا، يعني ومدَّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه» رواه أبو داود.
٩- عن عبَّاد بن تميم عن عمه ﵁ قال «خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجه إلى القِبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» رواه البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي.
١٠- عن أبي هريرة ﵁ قال «خرج نبي الله ﷺ يوماً يستسقي، وصلَّى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله، وحوَّل وجهه نحو القِبلة رافعاً يده، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن» رواه أحمد وغيره. وقد مرَّ قبل قليل.
١١- عن عبد الله بن زيد المازني ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ إلى المُصلَّى واستسقى، وحوَّل رداءه حين استقبل، قال إسحق في حديثه: وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القِبلة فدعا» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي والبيهقي.
стр. 1111
١٢- عن الشعبي قال «خرج عمر بن الخطاب يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبتُ المطر بمجاديح السماء التي تستنزل بها المطر ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارَاً. يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً. وَيُمْدِدِْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِيْنَ﴾ ﴿اسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْبُوْا إليهِ يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَاً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ » رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. قوله مجاديح السماء: أي الأنواء الدالة على المطر، شبه الاستغفار بها.
والاستسقاء الذي معناه طلب سقي الماء من الله سبحانه، كما يكون بالصلاة المخصوصة، فإنه يكون بالدعاء فقط دون صلاةٍ خاصة به، فقد يُقتصَر في الاستسقاء على مجرد الدعاء والاستغفار فحسب، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ «فما زاد على الاستغفار حتى رجع» . بمعنى أن عمر اقتصر في الاستسقاء على الاستغفار ولم يصلِّ، بدلالة رواية أخرى عند عبد الرزاق بلفظ «أن عمر بن الخطاب خرج بالناس إلى المُصلَّى، ودعا واستغفر ثم نزل، فانقلب ولم يُصلِّ» . وستأتي بعد قليل أحاديث تذكر أن الرسول ﷺ كان يدعو يستسقي دون صلاة.
стр. 1112
وقد يستسقي الإمام بالدعاء فحسب في أثناء خطبة الجمعة دون صلاة استسقاء، فعن أنس ﵁ قال «كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر واحمرَّت الشجر وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: اللهم اسقنا، مرتين، وايمُ اللهِ ما نرى في السماء قَزَعَةً من سحاب، فنشأت سحابةٌ فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي ﷺ يخطب، صاحوا إليه: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فأدع الله يحبسها عنا، فتبسَّم النبي ﷺ ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فكَشَطَت المدينةُ، فجعلت تمطر حولها ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرتُ إلى المدينة، وإنها لفي مثل الإكليل» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة وابن حِبَّان والنَّسائي. وفي رواية أخرى عند البخاري من طريق أنس ﵁ « ... فادع الله أن يُغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا ... » . وستأتي. وفي رواية ثالثة عند البخاري بلفظ «اللهم أغِثْنا ... » . ويجوز طبعاً أن يكون الدعاء عقب الصلوات المفروضات، لأن ذلك أرجى للاستجابة.
ومن الأدعية المأثورة في الاستسقاء ما يلي:
أ- اللهم اسقِ عبادَك وبهائمَك وانشرْ رحمتَك وأَحْيِ بلدَك الميت.
ب- اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مَريئاً طَبَقَاً مُريعاً غَدَقاً عاجلاً غير رائث.
ج- اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مَريئاً مُريعاً نافعاً غير ضارٍّ عاجلاً غير آجل.
١- فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأَحْيِ بلدك الميت» رواه أبو داود. ورواه مالك وعبد الرزاق دون أن يذكرا في السند عن أبيه عن جده.
стр. 1113
٢- وعن ابن عباس ﵁ قال «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع، ولا يَخْطِرُ لهم فحلٌ، فصعد المنبر فحمد الله ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مَريئاً طَبَقاً مُريعاً غَدَقاً عاجلاً غير رائث، ثم نزل، فما يأتيه أحدٌ من وجه من الوجوه إلا قالوا: قد أُحْيِينا» . قوله مَريئاً: أي طيباً. وقوله طَبَقاً: أي مُغطِّياً الأرض كثيراً. وقوله مريعاً - بضم أوله وفتحه - أي يجلب الخصب والنَّماء. وقوله غَدَقاً: أي غزيراً كبير القطرات. وقوله رائث: أي آجل. وقوله ما يتزود لهم راعٍ: أي لا يخرج لهم راعٍ لرعي المواشي لعدم وجود مراع ذات أعشاب من انحباس المطر. وقوله لا يَخْطِر لهم فحل: أي لا يحرِّك لهم ذَكَرُ الجِمال ذنبَه يمنة ويسرة لشدة ضعفه من الجوع.
٣- وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «أتت النبيَّ بواكي فقال: اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مَريئاً مُريعاً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، قال: فأطبقت عليهم السماء» رواه أبو داود وابن خُزَيمة. قوله بواكي: أي نساء يبكين من شدة الجدب.
فإذا أنعم الله سبحانه على المسلمين بالغيث ونزل المطر، استُحِبَّ لهم أن يقولوا [اللهم صَيِّباً نافعاً] فعن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل المطر قال: اللهم صيِّباً نافعاً» رواه البخاري وأحمد والنَّسائي. قوله صيِّباً: أي مطراً أو غيثاً.
стр. 1114
فإذا اشتد نزول المطر حتى يتأذى منه الناس استُحِبَّ أن يقولوا [اللهم حوالينا ولا علينا] أو يقولوه ويزيدوا عليه [اللهم على الآكام والجبال والآجام والظِّراب والأودية ومنابت الشجر] . وليست هذه الألفاظ بلازمةٍ في الدعاء، فللمسلم أن يقول مثلاً [اللهم على التلال والجبال والمزارع والأودية والمراعي ... ] إلخ. فقد مرَّ حديث أنس ﵁ عند البخاري ومسلم وغيرهما وجاء فيه « ... صاحوا إليه: تهدَّمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يحبسها عنا، فتبسم النبي ﷺ ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فكَشَطَت المدينةُ فجعلت تمطر حولها ولا تمطر بالمدينة قطرة ... » . وعن أنس ﵁ «أن رجلاً دخل يوم الجمعة من بابٍ كان وُجاه المنبر، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَة ولا شيئاً، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يُمْسِكَها، قال فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والآجام والظِّراب والأودية ومنابت الشجر، قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» رواه البخاري. قوله وجاه المنبر - بضم أوله وكسره - أي قُبالة المنبر. وقوله في المرة الأولى [وانقطعت السبل] وفي رواية [تقطَّعت السبل] يعني أن الإبل
стр. 1115
ضعفت من شدة الجوع فلم تعد تَعْمُر السبل فصارت السبل مهجورة. وقوله في المرة الثانية [وانقطعت السبل] يعني أن الأمطار داهمتها والسيول غمرتها فتعطل السير عليها. وقوله ولا قَزَعة: أي ولا قطعة من السحاب. وسَلْع: هو جبل غربي المدينة المنورة أي جهة قدوم السحب. والآكام: هي التلال أو الجبال الصغيرة. والآجام: هي الغابات. والظِّراب: هي الروابي الصغيرة.
ويجوز للمسلمين أن يقدِّموا مَن يتوسمون فيه الفضل والصلاح يستسقون به، وقد قدَّم عمر بن الخطاب ﵁ العباس عم رسول الله ﷺ ، فقد روى أنس ﵁ «أن عمر بن الخطاب ﵁ كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسَّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال فَيُسْقَوْن» رواه البخاري وابن حِبَّان وابن خُزَيمة.
وإتماماً للفائدة أُقدِّم هذين الحديثين الشريفين:
١- عن أنس ﵁ قال «أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال، فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: لأنه حديث عهدٍ بربِّه تعالى» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
٢- عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرَّ به وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته فقال: إني خشيت أن يكون عذاباً سُلِّط على أمتي، ويقول إذا رأى المطر: رحمة» رواه مسلم. قوله عُرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر: يعني أن الخوف من العذاب كان يَظهَر على وجهه فلا يهدأ بل يظل يتحرك.
ي. صلاة التسابيح
стр. 1116
حكم هذه الصلاة سُنَّة مستحبة، فهي من صلاة التطوُّع لم يختلف في هذا اثنان من العلماء. وهذه الصلاة لا وقت لها، بل تُؤدَّى في أي وقت من الليل أو النهار عدا أوقات النهي، وهي تُؤدَّى في كل يوم مرة، وإلا ففي كل أسبوع مرة، وإلا ففي كل شهر مرة، وإلا ففي كل سنة مرة، وإلا ففي العمر كله مرة، ويكفي هذه الصلاة فضلاً أنها تغفر جميع الذنوب على اختلاف أنواعها.
وصلاة التسابيح أو صلاة التسبيح يمكن تأديتها منفرداً، أو في جماعة، في البيت أو في المسجد أو في أي مكان، لأنه لم يرد في ذلك أي تقييد، فيبقى الأمر على إطلاقه.
стр. 1117
أما كيفية هذه الصلاة فهي كالتالي: تُصلِّي هذه الصلاة أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة أو بعض سورة، ثم تقول وأنت واقف [سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر] خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع الذِّكرَ نفسَه ولكن عشر مرات، ثم تعتدل قائماً فتقوله عشر مرات، ثم تسجد فتقوله وأنت ساجد عشر مرات، ثم تعتدل في الجلوس فتقوله عشر مرات، ثم تسجد ثانية فتقوله وأنت ساجد عشر مرات، ثم تعتدل ثانية في الجلوس فتقوله عشر مرات، ثم تنهض للركعة الثانية فتفعل فيها ما فعلت في الركعة الأولى، ثم تفعل في الركعة الثالثة وفي الركعة الرابعة ما فعلته في الركعة الأولى وفي الثانية، ثم تسلِّم. وبذلك تكون قد قلت هذا الذكر ثلاثمائة مرة، خمساً وسبعين مرة في كل ركعة، فعن ابن عباس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب «يا عباس يا عمَّاه ألا أُعطيك، ألا أمنحك، ألا أَحْبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غَفَر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمَه وحديثَه، خطأه وعمده صغيره وكبيره، سرَّه وعلانيته، عشر خصال؟ أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصلِّيها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة» رواه أبو داود والحاكم وابن خُزَيمة وابن ماجة والبيهقي. قوله أحبوك: أي أُعطيك
стр. 1118
وأُوثِرك. وقوله عشر خصال: هي التسبيحات التي تتكرر عشراً عشراً ما عدا حالة القيام، فذكر الأعمَّ الأغلب. وخرَّج هذا الحديث ابن ماجة والترمذي من طريق أبي رافع أيضاً وفي سنده موسى بن عبيدة مختلف عليه، منهم من وثَّقه ومنهم من ضعَّفه، وجاء فيه «فصلِّ أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا انقضت القراءة فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، خمس عشرة مرة قبل أن تركع، ثم اركع فقلها عشراً ثم ارفع رأسك فقلها عشراً، ثم اسجد فقلها عشراً، ثم ارفع رأسك فقلها عشراً، ثم اسجد فقلها عشراً، ثم ارفع رأسك فقلها عشراً قبل أن تقوم، فتلك خمس وسبعون في كل ركعة، وهي ثلاثُمائة في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل رملِ عالجٍ غفرها الله لك ... » . وعالج: هو اسم موضع.
ك. صلاة الاستخارة
الاستخارة مصدر استخار بمعنى طلب الخِيرة، وهو هنا طلب الخِيرة في الأمر واستعلام ما عند الله سبحانه فيه. والاستخارة دعاء، ولكنه دعاء شُرع أن يُؤدَّى بصلاة مشروعة كالاستسقاء. وكما قلنا في بحث صلاة الاستسقاء (كما يكون بالصلاة المخصوصة، فإنه يكون بمجرد الدعاء دون صلاة خاصة به) ، فإنا نقول هنا إنه يجوز أن يستخير المسلم ربَّه مقتصراً في ذلك على الدعاء فحسب، ولا يصلِّي له صلاة خاصة، فيقول مثلاً: ربِّ خِرْ لي في مسألة كذا وكذا، أو اللهم إني أستخيرك في الموضوع الفلاني، ويكتفي بذلك، ولكنه إن أداه بصلاة خاصة به فهو أفضل وأرجى للاستجابة.
وصلاة الاستخارة مسنونة مندوبة، وهي ركعتان اثنتان، ويجوز أن تكون أكثر من ذلك، فلا بأس بأن يصلي المستخير ركعتين ثم ركعتين مثلاً قبل أن يدعو دعاء الاستخارة. ولا يُبنى دعاءُ الاستخارة على صلاة مفروضة ولا نافلة غير مقصودة منها الاستخارة، بل لا بد لها من صلاة خاصة بها حتى تكون صلاةَ استخارةٍ فعلاً.
стр. 1119
أما صفة الاستخارة فكما يلي: تصلِّي لله سبحانه ركعتين بنية الاستخارة، وبعد التسليم تدعو بما يلي [اللهم إني أستخيرُك بعلمِك وأستقدرُك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أنَّ هذا الأمر - وتذكره هنا - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - ولك أن تقول بدل وعاقبة أمري: وعاجل أمري وآجله - فاقْدُرْه لي ويسِّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويمكنك أن تذكره هنا مرة ثانية - شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - ولك أن تقول بدل وعاقبة أمري: وعاجل أمري وآجلِه - فاصرفه عني واصرفني عنه، واْقْدُرْ لي الخيرَ حيث كان ثم أرضني به] . فلو أراد مثلا أن يستخير ربه في اختيار فتاة اسمها فاطمة زوجةً له، فإنه يقول هكذا [اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من فاطمة خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو يقول: اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من فاطمة خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله - فاْقْدُرْهُ لي ويسِّرْه لي ثم باركْ لي فيه، وإن كنت تعلم أن زواجي من فاطمة شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو يقول: وإن كنت تعلم أن زواجي من فاطمة شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاجلِ أمري وآجلِه - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقْدُر لي الخيرَ حيث كان، ثم أرْضِني به] .
стр. 1120
وبعد أن يصلي الركعتين ويدعو بهذا الدعاء يترك ميله السابق للأمر الذي استخار الله سبحانه فيه، وينتظر ما يُوقعه الله سبحانه في قلبه من ميل له أو ميل عنه، فإن هو لم يُحسَّ بهذا الميل من أول صلاة كرر الصلاة مرة ومرتين وثلاثاً و ... حتى يحصل الميل، فيتصرف حسبه سلباً أو إيجاباً، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجلِ أمري وآجلِه - فاقْدُرْهُ لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجلِه - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقْدُرْ ليَ الخيرَ حيث كان ثم أَرضني به. قال، ويسمِّي حاجته» رواه البخاري وأحمد والترمذي. ورواه ابن ماجة وفيه «..اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر - فيسمِّيه ما كان من شئ - خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري - أو خيراً لي في عاجل أمري وآجلِه - فاقدُره لي ويسِّره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم - يقول مثل ما قال في المرة الأولى - وإن كان شراً لي فاصرفه عني واصرفني عنه واقدُر لي الخير حيثما كان ثم رضِّني به» . وروى الحديث أبو يَعْلَى من طريق أبي سعيد ﵁ وزاد في آخره «لا حول ولا قوة إلا بالله» . فمن أحب زيادتها فلا بأس. قوله أستقدرك: أي أطلب منك أن تجعل لي قدرةً عليه. وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أُكْتُم الخِطبة، ثم توضأ فأحسن وضوءك، ثم صلِّ ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجِّده ثم قل: اللهم إنك تقدر
стр. 1121
ولا أقدِر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب، فإن رأيت لي فلانة، تسميها باسمها، خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقْدُرْها لي، وإن كان غيرها خيراً لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها أو قال فاقْدُرْها لي» رواه الحاكم وأحمد. قوله ثم صلِّ ما كتب الله لك: يفيد جواز الزيادة على الركعتين. ويلاحظ في الحديثين أن ألفاظهما اختلفت، فهذا الاختلاف يدل على أن القصد من الدعاء هو المعنى وليس ذات اللفظ، وإن كان لفظ البخاري أفضل وأولى بالأخذ.
ولم يرد في النصوص ما يفيد تحديد سور القرآن وآياته عند قراءة ما تيسَّر منها في صلاة الاستخارة، فليقرأ المسلم ما شاء من سور القرآن وآياته.
وقد حث الشرع الحنيف على الاستخارة، وجعلها مشروعة في كل الأمور صغيرِها وكبيرِها، ففي رواية البخاري «كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كلها» . فلا يستنكف المسلم عن استخارة الله سبحانه في أي أمر خفيَ عليه فيه وجهُ الحق والصواب كبيراً كان أو صغيراً، جليلاً كان أو حقيراً، وله في كل ذلك ثواب.
أما الأمور التي يظهر فيها الحق والصواب فلا تشرع فيها الاستخارة، فإقدامه على الجهاد، أو على الإنفاق على أهله، أو على أداء العمرة، أو على زرع الأرض، أو على نهيه فلاناً عن شرب الخمر، كل هذه الأمور وأمثالها لا استخارة فيها لظهور الحق فيها والصواب.
وبالاستخارة تُنال السعادة وبتركها يُنال الشقاء، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شِقْوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شِقْوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله » رواه أحمد والحاكم والبزَّار والترمذي.
стр. 1122
وأخيراً أقول إن كثيراً من الناس يعمدون بعد الاستخارة إلى النوم وينتظرون أن يريهم الله سبحانه مناماً فيه الجواب على استخاراتهم، لذا فهم يؤخِّرون صلاة الاستخارة إلى ما بعد صلاة العشاء، وقبل أن يناموا يُصلُّون صلاة الاستخارة، ثم ينامون منتطرين من الله سبحانه أن يُريهم في منامهم ما استخاروه فيه، فهذه الكيفية ـ وتسمى التبييت ـ لا أصل لها في الشرع، فالأفضل ترك التبييت في الاستخارة، والوقوف عند ما دلت عليه النصوص.
ل. سجدة التلاوة
في القرآن الكريم عدد من المواضع إذا مرَّ بها القارئ استُحبَّ له أن يسجد لله سبحانه سجدة واحدة هي سجدة التلاوة، أو سجود التلاوة. فقد حث الشرع على السجود عند المرور بهذه المواضع، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أُمِر بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار» رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وابن حِبَّان والبيهقي. قوله السجدة: يعني الآية التي فيها سجدة.
стр. 1123
أما أن حكم هذه السجدة الندب وليس الوجوب فلأنه ﵊ سجد مرات، وترك السجود مرات أخرى مما يجعل الأمر بالسجود محمولاً على الندب وليس على الوجوب، فعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ قرأ النجم فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة» رواه أحمد والطبراني وابن أبي شيبة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها، وسجد من معه غيرَ شيخٍ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتل كافراً» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود. وقد قيل إن الشيخ المذكور في هذا الحديث هو أمية بن خلف. وعن عطاء بن يسار أنه «سأل زيد بن ثابت ﵁، فزعم أنه قرأ على النبي ﷺ والنجم فلم يسجد فيها» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود.
وكذلك كان صحابته رضوان الله عليهم يفعلون، فقد كانوا يسجدون مرة، ولا يسجدون مرة أخرى، فعن ربيعة بن عبد الله «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنَّا نمرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁» . وفي رواية أخرى عن ابن عمر قوله - «إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء» رواه البخاري والبيهقي.
стр. 1124
أما المواضع التي يُستحب عندها السجود، فهناك مواضع متفق عليها، وهناك مواضع مختلف عليها. أما المواضع المتفق عليها فهي في السور التالية: الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، الحج، الفرقان، النمل، ألم تنزيل، وحم السجدة، وعددها عشر. وأما المواضع المختلف عليها فهي في السور التالية: السجدة الثانية في سورة الحج فقد أثبتها أحمد والشافعي، سورة ص فقد أثبتها أبو حنيفة وأحمد ومالك، سور المُفَصَّل الثلاث: النجم والانشقاق والعلق، فقد أثبتها أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ونعني بالمُفَصَّل ما يبدأ بسورة الحُجُرات وينتهي بسورة الناس، ومجموع هذه السجدات خمسٌ، فيكون مجموع السجدات المتفق عليها والمختلف عليها خمس عشرة سجدة لم يثبتها كلها إلا الإمام أحمد.
стр. 1125
والذي أراه وأذهب إليه هو أن جميع السجدات الخمس عشرة يُسن فيها السجود ويُستحب، باستثناء سجدة (ص) ، فإني أرى أن السجود فيها على الإباحة والتخيير، فمن شاء سجد بها ومن شاء تركها. قال ابن عباس ﵁ «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والدارمي والترمذي. فقوله ﵁ «ص ليست من عزائم السجود» واضح الدلالة. وعن أبي سعيد الخُدري قال «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يومٌ آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن الناسُ للسجود، فقال النبي ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزَّنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا» رواه أبو داود والدارمي وابن حِبَّان والحاكم والدارقطني. قوله تَشَزَّنَ الناسُ: أي تهيأوا.فقد وصفها ﷺ بأنها توبة نبي - يعني نبي الله داود ﵇ ولولا أنه رأى تهيؤ الناس للسجود لما سجد، ووقع في روايةٍ للنَّسائي من طريق ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً» . فمن شاء سجد في (ص) ، ومن شاء تركها.
следующие страницы →