← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ولا أقدِر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب، فإن رأيت لي فلانة، تسميها باسمها، خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقْدُرْها لي، وإن كان غيرها خيراً لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها أو قال فاقْدُرْها لي» رواه الحاكم وأحمد. قوله ثم صلِّ ما كتب الله لك: يفيد جواز الزيادة على الركعتين. ويلاحظ في الحديثين أن ألفاظهما اختلفت، فهذا الاختلاف يدل على أن القصد من الدعاء هو المعنى وليس ذات اللفظ، وإن كان لفظ البخاري أفضل وأولى بالأخذ. ولم يرد في النصوص ما يفيد تحديد سور القرآن وآياته عند قراءة ما تيسَّر منها في صلاة الاستخارة، فليقرأ المسلم ما شاء من سور القرآن وآياته. وقد حث الشرع الحنيف على الاستخارة، وجعلها مشروعة في كل الأمور صغيرِها وكبيرِها، ففي رواية البخاري «كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كلها» . فلا يستنكف المسلم عن استخارة الله سبحانه في أي أمر خفيَ عليه فيه وجهُ الحق والصواب كبيراً كان أو صغيراً، جليلاً كان أو حقيراً، وله في كل ذلك ثواب. أما الأمور التي يظهر فيها الحق والصواب فلا تشرع فيها الاستخارة، فإقدامه على الجهاد، أو على الإنفاق على أهله، أو على أداء العمرة، أو على زرع الأرض، أو على نهيه فلاناً عن شرب الخمر، كل هذه الأمور وأمثالها لا استخارة فيها لظهور الحق فيها والصواب. وبالاستخارة تُنال السعادة وبتركها يُنال الشقاء، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شِقْوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شِقْوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله » رواه أحمد والحاكم والبزَّار والترمذي.

стр. 1122

وأخيراً أقول إن كثيراً من الناس يعمدون بعد الاستخارة إلى النوم وينتظرون أن يريهم الله سبحانه مناماً فيه الجواب على استخاراتهم، لذا فهم يؤخِّرون صلاة الاستخارة إلى ما بعد صلاة العشاء، وقبل أن يناموا يُصلُّون صلاة الاستخارة، ثم ينامون منتطرين من الله سبحانه أن يُريهم في منامهم ما استخاروه فيه، فهذه الكيفية ـ وتسمى التبييت ـ لا أصل لها في الشرع، فالأفضل ترك التبييت في الاستخارة، والوقوف عند ما دلت عليه النصوص. ل. سجدة التلاوة في القرآن الكريم عدد من المواضع إذا مرَّ بها القارئ استُحبَّ له أن يسجد لله سبحانه سجدة واحدة هي سجدة التلاوة، أو سجود التلاوة. فقد حث الشرع على السجود عند المرور بهذه المواضع، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أُمِر بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار» رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وابن حِبَّان والبيهقي. قوله السجدة: يعني الآية التي فيها سجدة.

стр. 1123

أما أن حكم هذه السجدة الندب وليس الوجوب فلأنه ﵊ سجد مرات، وترك السجود مرات أخرى مما يجعل الأمر بالسجود محمولاً على الندب وليس على الوجوب، فعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ قرأ النجم فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة» رواه أحمد والطبراني وابن أبي شيبة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها، وسجد من معه غيرَ شيخٍ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتل كافراً» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود. وقد قيل إن الشيخ المذكور في هذا الحديث هو أمية بن خلف. وعن عطاء بن يسار أنه «سأل زيد بن ثابت ﵁، فزعم أنه قرأ على النبي ﷺ والنجم فلم يسجد فيها» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود. وكذلك كان صحابته رضوان الله عليهم يفعلون، فقد كانوا يسجدون مرة، ولا يسجدون مرة أخرى، فعن ربيعة بن عبد الله «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس إنَّا نمرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁» . وفي رواية أخرى عن ابن عمر قوله - «إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء» رواه البخاري والبيهقي.

стр. 1124

أما المواضع التي يُستحب عندها السجود، فهناك مواضع متفق عليها، وهناك مواضع مختلف عليها. أما المواضع المتفق عليها فهي في السور التالية: الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، الحج، الفرقان، النمل، ألم تنزيل، وحم السجدة، وعددها عشر. وأما المواضع المختلف عليها فهي في السور التالية: السجدة الثانية في سورة الحج فقد أثبتها أحمد والشافعي، سورة ص فقد أثبتها أبو حنيفة وأحمد ومالك، سور المُفَصَّل الثلاث: النجم والانشقاق والعلق، فقد أثبتها أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ونعني بالمُفَصَّل ما يبدأ بسورة الحُجُرات وينتهي بسورة الناس، ومجموع هذه السجدات خمسٌ، فيكون مجموع السجدات المتفق عليها والمختلف عليها خمس عشرة سجدة لم يثبتها كلها إلا الإمام أحمد.

стр. 1125

والذي أراه وأذهب إليه هو أن جميع السجدات الخمس عشرة يُسن فيها السجود ويُستحب، باستثناء سجدة (ص) ، فإني أرى أن السجود فيها على الإباحة والتخيير، فمن شاء سجد بها ومن شاء تركها. قال ابن عباس ﵁ «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والدارمي والترمذي. فقوله ﵁ «ص ليست من عزائم السجود» واضح الدلالة. وعن أبي سعيد الخُدري قال «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يومٌ آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن الناسُ للسجود، فقال النبي ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزَّنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا» رواه أبو داود والدارمي وابن حِبَّان والحاكم والدارقطني. قوله تَشَزَّنَ الناسُ: أي تهيأوا.فقد وصفها ﷺ بأنها توبة نبي - يعني نبي الله داود ﵇ ولولا أنه رأى تهيؤ الناس للسجود لما سجد، ووقع في روايةٍ للنَّسائي من طريق ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً» . فمن شاء سجد في (ص) ، ومن شاء تركها.

стр. 1126

أما سجدة الحج الثانية فهي ثابتة فلا ينبغي إسقاطها، إذ وردت فيها آثار كثيرة عن صحابة رسول الله ﷺ ، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر ﵁ عن عمر ﵁ «أنه سجد في الحج سجدتين ثم قال: إن هذه السورة فُضِّلت على سائر السور بسجدتين» . وروى مالك مثل هذا الأثر. وروى ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عباس ﵁ قال «في سورة الحج سجدتان» . وروى عبد الرزاق من طريق عبد الله بن دينار قال «رأيت ابن عمر يسجد في الحج سجدتين» . كما رُويت آثارٌ أخرى عن عدد من صحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يسجدون في سورة الحج سجدتين. وهذه النصوص وإنْ كانت آثاراً إلا أنها تدلُّ على المطلوب، لأن مثل هذه الأُمور لا يفعلها صحابة رسول الله ﷺ من عند أنفسهم.

стр. 1127

وأما سَجَدات المُفَصَّل الثلاث - النجم والانشقاق والعلق - فقد استدل ناس على عدم السجود فيها بأحاديث، منها ما رُوي عن ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شئ من المُفَصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة» رواه أبو داود. وما روي عن زيد بن ثابت ﵁ قال «قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. فنقول لهؤلاء أما الحديث الأول ففي إسناده أبو قُدامة واسمه الحارث بن عبيد، قال عنه أحمد: مضطرب الحديث. وقال عنه أبو حاتم: لا يُحتجُّ به. وهذا الحديث ضعفه يحيى بن معين والنووي، فهو غير صالح للاحتجاج. أما الحديث الثاني فإن عدم سجود رسول الله ﷺ عند قراءة موضع سجدة لا يعني أن الموضع ليس موضع سجدة، إذ يحتمل أن يكون امتناعه عن السجود لبيان عدم الوجوب فحسب، فإذا علمنا أن هناك عدداً من الأحاديث تذكر سجوده ﷺ عند هذا الموضع، أدركنا فعلاً أن امتناعه عن السجود إنما كان لبيان عدم الوجوب. فقد مرَّ قبل قليل حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عند البخاري وغيره وفيه «قرأ النبي ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه ... » . ومرَّ حديث أبي هريرة ﵁ وفيه «أن النبي ﷺ قرأ النجم فسجد، وسجد الناس معه ... » رواه أحمد وغيره. فامتناعه ﷺ عن السجود مرة عند قراءة النجم يُحمل على أنه أراد بيان عدم الوجوب، ولا يدل على أن هذه السورة ليس فيها سجود.

стр. 1128

وأما سجدتا الانشقاق والعلق فقد وردت فيهما أحاديث تثبتهما، منها: عن أبي هريرة ﵁ قال «سجدنا مع النبي ﷺ في - إذا السماء انشقَّت، واقرأ باسم ربك -» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي. وعن أبي رافع قال «صليت مع أبي هريرة العَتَمَة فقرأ - إذا السماء انشقَّت - فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وقد مرَّ في بحث [قراءة القرآن في الصلوات الخمس] فصل [صفة الصلاة] . فالمستحب السجود عند هذه المواضع الأربع عشرة، ولا بأس بالسجود عند سجدة ص. وكما أن السجود للقارئ مستحبٌّ، فكذلك السجود لمن حضر التلاوة من سامع ومستمع مُستحبٌ أيضاً، ولكنَّ سجود السامع والمستمع رهنٌ بسجود القارئ، فإن لم يسجد القارئ لم يسجد مَن عنده، فالقارئ إمامُ من حضر التلاوة، وبدون الإمام هذا لا سجود للحاضرين، فقد مرت الأحاديث «أن النبي ﷺ قرأ النجم فسجد، وسجد الناس معه ... » . «قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد فيها، وسجد من معه ... » . «أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس ... » . «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه ... » . «سجدنا مع النبي ﷺ في - إذا السماء انشقَّت، واقرأ باسم ربك -» . «سجدتُ بها خلف أبي القاسم ﷺ » . فهذا في السجود خلف القارئ إن هو سجد.

стр. 1129

أما الدليل على أن الحاضرين لا يسجدون إن لم يسجد القارئ فما روى زيد بن أسلم «أن غلاماً قرأ عند النبي ﷺ السجدة، فانتظر الغلامُ النبيَ ﷺ أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله أليس في هذه السورة سجدة؟ قال: بلى ولكنك كنت إمامَنا فيها، فلو سجدتَ لسجدنا» رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق. ورواه البيهقي والشافعي من طريق عطاء بن يسار. وهذا الحديث وإن كان مرسلاً، فإنه يصلح للاستدلال، لأن سقوط اسم الصحابي لا يضعف الحديث، فالصحابة كلهم عدول. ويستحب سجود التلاوة في الصلاة كاستحبابه خارجها، ويُستحب في صلاة الفريضة والنافلة على السواء، فقد مرَّ حديث أبي رافع قبل قليل عند البخاري وغيره وفيه «صليت مع أبي هريرة العَتَمَةَ فقرأ - إذا السماء انشقَّت - فسجد ... » . والعَتَمَة هي صلاة العشاء. أما صفة سجدة التلاوة فكالتالي: يكبر ويسجد ويقول [سبحان ربي الأعلى] ثلاثاً، ويضيف إن شاء ما يلي [سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقَّ سمعَه وبصرَه بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين] ويضيف إن شاء [اللهم احْطُطْ عني بها وِزْراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذُخْراً، وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتَها من عبدك داود] . ويمكنه أن يكرر هذين الدعاءين ثلاثاً، ثم يرفع ويسلِّم عن يمينه وعن يساره ولا يتشهد. أما عن التكبير فقد روى نافع عن ابن عمر قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا» رواه أبو داود والبيهقي وعبد الرزاق. وعن عبد الله ابن مسلم قال «كان أُبيٌّ إذا قرأ السجدة قال الله أكبر ثم سجد» رواه ابن أبي شيبة. ولم يُرو عن صحابي أنه ترك التكبير أو أمر بتركه عند سجود التلاوة. أما عن تسبيحة [سبحان ربي الأعلى] فقد مرت ثلاثة أحاديث في ذلك، أعني ذكر [سبحان ربي الأعلى] في السجود هي:

стр. 1130

أ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال « ... فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وابن ماجة وابن حِبَّان. ب - عن أبي بَكْرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يسبح في ركوعه سبحان ربي العظيم، ثلاثاً، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى» رواه البزَّار. ج - عن حذيفة بن اليمان ﵁ « ... وإذا سجد قال سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات» رواه ابن ماجة. وتجدونها كاملة في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] فصل [صفة الصلاة] . وحيث أن سجدة التلاوة هي سجود، فإنَّ السُّنَّة أن يقال فيها [سبحان ربي الأعلى] ثلاثاً. أما عن الذكر الثاني [سجد وجهي ... ] إلخ، فقد ورد فيه عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه الترمذي والحاكم وزادا «فتبارك الله أحسن الخالقين» . كما رواه البيهقي وابن أبي شيبة وزادا «وصوَّره» بعد قوله «خَلَقَه» . ورواه ابن السكن وقال في آخره «ثلاثاً» . وأما عن الذكر الثالث، فقد ورد فيه عن ابن عباس ﵁ قال «كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فقال: إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أُصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم احْطُطْ عني بها وِزْراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة» رواه ابن ماجة. ورواه الترمذي وابن حِبَّان وزادا «وتقبلها مني كما تقبَّلتَها من عبدك داود» .

стр. 1131

أما عن التسليم، فقد ذكر ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عدد من التابعين أنهم كانوا إذا فرغوا من سجدة التلاوة سلَّموا، ولم أقف على حديثٍ مرويٍ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من صحابته عن شئ من هذا، لا نفياً ولا إثباتاً، ولكن حيث أن سجدة التلاوة هي صلاة، ولها تكبيرة الإحرام، فإن الأصل أن يكون لها تحليلٌ من الإحرام بالتسليم، وقد مرَّ حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أحمد والترمذي. أُنظروا بحث [حكم تكبيرة الإحرام] فصل [صفة الصلاة] . ومما يدل كذلك على أن سجدة التلاوة صلاة وأنها بالتالي تأخذ حكم الصلاة في التسليم ما مرَّ قبل قليل عن زيد بن أسلم « ... ولكنك كنت إمامنا فيها، فلو سجدت لسجدنا» رواه ابن أبي شيبة وغيره. فقارئ القرآن إذا سجد ائتمَّ به الحاضرون، واتخذوه إماماً فسجدوا معه، ولا يكون ذلك لولا أن سجدة التلاوة صلاة. ويترتَّب على هذا أن هذه السجدة يلزمها الوضوء والطهارة الكاملة في البدن والثوب والموضع كسائر الصلوات، كما يلزمها استقبال القِبلة لأنها صلاة، إلا أن يكون راكباً فلا بأس بعدم الاستقبال، كسائر صلوات التطوُّع إن هي أُدِّيت على الدابة، أو في السيارة أو في السفينة، أو في الطائرة أو في غير ذلك. أما في أوقات النهي فإن سجدة التلاوة جائزة لأنها صلاة لها سبب، ويكون وقت هذه السجدة عند القراءة حيثما حصلت، مثلها مثل تحية المسجد وصلاة الكسوف مثلاً. م. سجدة الشكر وصلاة الشكر

стр. 1132

يُستحب للمسلم عند حصول نعمة أو زوال مضرَّة أن يسجد لله سبحانه سجدة، وهذه السجدة - وتسمى سجدة الشكر - مماثلة لسجدة التلاوة من حيث التكبير والسجود والذكر فيها، والرفع والتكبير والتسليم، كما أنه يجب لهذه السجدة ما يجب لسجدة التلاوة وأية صلاة أخرى من وضوء وستر عورة وطهارة ثوب وطهارة موضع واستقبال القِبلة ووجود نية وهكذا، فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ فاتبعته حتى دخل نخلاً، فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه، قال فجئت أنظر، فرفع رأسه فقال: ما لك يا عبد الرحمن؟ قال: فذكرت ذلك له فقال: إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله يقول لك: من صلى عليك صليتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلَّمتُ عليه» رواه أحمد والحاكم والبيهقي. ومن طريق ثانية لأحمد والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ بلفظ « ... فقال: إن جبريل ﵇ أتاني فبشَّرني فقال: إن الله يقول: من صلى عليك صليتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلمتُ عليه، فسجدت لله شكراً» . وعن البراء ﵁ قال «بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يُقفل خالداً ومَن كان معه، إلا رجل ممن كان مع خالد أحب أن يعقب مع علي ﵁ فلْيعقب معه، قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي ﵁، وصفَّنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خر ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على

стр. 1133

همدان» رواه البيهقي. وعن أبي بَكرةَ ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يَسُرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجداً شكراً لله ﵎» رواه ابن ماجة والحاكم والدارقطني وأبو داود والترمذي. وعنه ﵁ «أنه شهد النبي ﷺ أتاه بشير يبشرِّه بظفرِ جندٍ له على عدوهم، ورأسه في حِجْر عائشة ﵂، فقام فخر ساجداً ... » رواه أحمد. فهذه أدلة على مشروعية سجدة الشكر. وعن عبد الله بن أبي أوفى «أن رسول الله ﷺ صلَّى يوم بُشِّر برأس أبي جهل ركعتين» رواه ابن ماجة. ورواه البزَّار ولفظه «أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين حين بُشِّر بالفتح، وحين بُشِّر برأس أبي جهل» . فهذا دليل على مشروعية صلاة الشكر، وأنها ركعتان اثنتان، فمن شاء سجد سجدة واحدة، ومن شاء صلى ركعتين، وكل ذلك خير. ن. الصلاة بعد الفراغ من الطواف عند المقام يُسن لمن دخل البيت الحرام وطاف حول الكعبة سبعة أشواط أن يصلي ركعتين خلف مَقام إبراهيم ﵇ جاعلاً المَقام بينه وبين الكعبة، وتسمى هاتان الركعتان ركعتي الطواف، قال الله ﴿وَإذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنَاً وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيْمَ مُصَلَّىْ وَعَهِدْنَا إلى إبْرَاهِيْمَ وَإسْمَاعِيْلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتيَ للطَّائِفِيْنَ والعَاكِفِيْنَ وَالرُّكَّعِ السُّجُوْدِ﴾ الآية ١٢٥ من سورة البقرة. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله لو اتخذت المقام مُصلَّى، فأنزل الله: وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيْمَ مُصَلَّىْ» رواه الطبري في تفسيره.

стр. 1134

والسنة أن يصلي ركعتين، ويقرأ في الأولى منهما قل هو الله أحد، وفي الثانية قل يا أيها الكافرون، إنْ هو أراد الاقتداء برسول الله ﷺ في قراءته، فعن جعفر عن أبيه قال «أتينا جابر بن عبد الله فسألناه عن حجة النبي ﷺ ، فذكر الحديث بطوله وقال: إذا فرغ - يريد من الطواف - عمد إلى مَقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وتلا - وَاتَّخِذُوْا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيْمَ مُصَلَّىْ - قال: أي يقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون» رواه ابن خُزيمة. ورواه مسلم من طريق جابر مطولاً في صفة حجة رسول الله ﷺ ، وجاء فيه « ... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: واتَّخِذوا من مَقام إبراهيم مُصلَّى، فجعل المَقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ ، كان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون ... » رواه أحمد. ورواه أبو داود وابن ماجة والترمذي قريباً منه. وعن ابن عمر ﵁ قال « ... وسمعته - يعني رسول الله ﷺ - يقول: من طاف أُسبوعاً يُحصيه، وصلى ركعتين كان له كعدل رقبة ... » رواه أحمد. قوله أُسبوعاً يُحصيه: أي سبعة أشواط يَعُدُّها. وهذه السُّنَّة - أعني صلاة ركعتين خلف المَقام ومثلها الطواف حول الكعبة من قِبَلِ مَن يدخلُ المسجد الحرام - يؤدَّيان في كل وقت من ليل أو نهار دون كراهة، وهذه ميزة ميَّز الله سبحانه بها بيته الحرام دون سواه من بقاع الأرض، فليس في البيت الحرام وقت نهي كراهة ونهي تحريم لأية صلاة كانت، فريضة أو تطوعاً، فقد روى جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلَّى أيةَ ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار» رواه الترمذي وأحمد وأبو داود

стр. 1135

والنَّسائي وابن ماجة. ومَقام إبراهيم هو المكان الذي كان يقف فيه إبراهيم ﵇ على حَجَرٍ حين كان يبني الكعبة مع ولده إسماعيل ﵇. س. الصلاةُ عَقِبَ الأذان تُندب الصلاةُ عقب الأذان وقبل الإقامة للصلوات المفروضة، فعن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال النبي ﷺ «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن يشاء» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد. ويقصد بالأذانين الأذان والإقامة. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان المؤذن إذا أذن قام ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك، يُصلُّون الركعتين قبل المغرب، لم يكن بين الأذان والإقامة شئ» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان وأحمد. وقد مرَّ في بحث [السنن الملحقة بالسنن الراتبة المؤكدة] . ع. الصلاةُ عَقِبَ الوضوء

стр. 1136

يُسن للمسلم إذا هو توضأ أن يصلي ركعتين، لما روى حُمْران مولى عثمان ﵁ «أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مِرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مِرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم وأبو داود. ولما روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدِّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام، فإني سمعت دُفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أنِّي لم أتطهر طُهوراً في ساعةِ ليلٍ أو نهار إلا صليت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن أُصلي» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولما رُوي عن عقبة بن عامر أنه قال «كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروَّحتُها بعَشيٍّ، فأدركتُ رسول الله ﷺ قائماً يحدِّث الناس، فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة ... » رواه مسلم وأبو داود وابن خُزَيمة والنَّسائي. الأوقاتُ المنهيُّ عن الصلاة فيها إنما وضعتُ هذا البحث في فصل [صلاة التطوع] لأن أكثره يتعلق بصلاة التطوع وليس بصلاة الفريضة، وهذه الأوقات خمسة منها ثلاثة متعلقة بحركة الشمس فحسب، هي: أ - عند بدء بزوغ الشمس حتى ترتفع فوق الأفق الشرقي وتبيَضَّ. ب - عند استواء الشمس في قُبَّة السماء بحيث يسقط ظلُّ كلِّ شئٍ خلفه، لا يميل إلى جهة المشرق ولا إلى جهة المغرب. ج - عند اصفرار الشمس وتَدَلِّيها جهة المغرب حتى تختفي تماماً وراء الأفق الغربي. ومنها وقتان اثنان يتدخل فِعلُ المصلِّي في تحديدهما، هما:

стр. 1137

أ - ما بعدَ أن يصلي المسلم فريضة الصبح حتى بزوغ الشمس. ب - ما بعد أن يصلي المسلم فريضة العصر حتى اصفرار الشمس وتَدَلِّيها جهة المغرب. وقد وردت هذه الأوقات الخمسة متفرقة في الأحاديث التالية: ١ - عن عقبة بن عامر الجُهَني ﵁ قال «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي والنَّسائي. قوله حين يقوم قائم الظهيرة: أي حال استواء الشمس وحين لا يبقى للشئ الواقف ظلٌ في المشرق ولا في المغرب. وقوله تَضيَّف: أي تميل. ٢ - عن أبي عبد الله الصُّنابِحِي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الشمس تطلع بين قَرْني شيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا كانت في وسط السماء قارَنَها، فإذا دَلكَت أو قال زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، فلا تُصلُّوا هذه الثلاث ساعات» رواه أحمد ومالك والنَّسائي وابن ماجة. قوله دلكت أو قال زالت: أي مالت عن كبد السماء ووسطه.

стр. 1138

٣ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها» رواه البخاري ومالك وابن خُزَيمة ومسلم. وفي رواية ثانية لمسلم «إذا بدا حاجب الشمس فأَخِّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخِّروا الصلاة حتى تغيب» . وروى أحمد والنَّسائي ومسلم من طريق ابن عمر ﵁ أيضاً بلفظ «لا تتحَرَّوْا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان، فإذا طلع حاجب الشمس فلا تُصلُّوا حتى يبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فلا تُصلُّوا حتى تغيب» . قوله إذا بدا حاجب الشمس: أي إذا ظهر طرف الشمس العلوي. وقوله إذا غاب حاجب الشمس: أي إذا اختفى طرفُ الشمس السفلي وراء الأُفق. ٤ - عن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تُصلُّوا حين تطلع الشمس ولا حين تسقط، فإنها تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان» رواه أحمد. قوله تطلع ... وتغرب بين قرني شيطان: يعني أن الشيطان يستشرفها ليُغوي بها الناس آنذاك. الحديثان الأول والثاني ذكرا الأوقات الثلاثة المتعلقة بحركة الشمس فحسب، والحديثان الثالث والرابع ذكراً وقتين اثنين فقط من هذه الأوقات الثلاثة نفسها. وإليكم جملةً من الأحاديث التي ذكرت الوقتين اللذين يتدخل فِعْل المصلي في تحديدهما، أو قولوا في تحديد طرفٍ واحدٍ لكل منهما: ١ - عن عمر ﵁ أن نبي الله ﷺ قال «لا صلاةَ بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاةَ بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس» رواه أبو داود وأحمد. ٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «صلاتان لا يُصلَّى بعدهما، الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس» رواه أحمد وابن حِبَّان وأبو يعلى.

стр. 1139

٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» رواه البخاري ومسلم. وقد مرَّ الحديثان الأولان بتمامهما، والحديث الثالث بالإشارة إليه في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] من هذا الفصل [صلاة التطوع] . ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال «نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» رواه البخاري. ذكرت هذه الأحاديث الأربعة الوقتين اللذين يتدخل فِعْلُ المصلي في تحديد طرف كل واحد منهما، وهو الطرف الأول من كل منهما، ونعني بذلك أن وقت النهي الأول يبدأ عقب فراغ المصلي من صلاته هو للصبح، فإنْ هو تقدَّم في صلاة الصبح أو تأخر فإن الوقت يعقب صلاته في الحالتين، فيكون وقت النهي طويلاً في الحالة الأولى، ويكون قصيراً في الحالة الثانية، وهذا الطول وهذا القصر لوقت النهي إنما كان بفعل المُصلِّي نفسه، وقل مثل ذلك بخصوص وقت النهي الثاني، فإنه يبدأ عقب فراغ المصلي من صلاته هو للعصر، فإن هو تقدم في صلاة العصر أو تأخر فإن الوقت يعقب صلاته في الحالتين، فيطول ويقصر تبعاً لذلك، فالمصلي يحدِّد الطرف الأول من طرفي الوقتين.

стр. 1140

وإليكم هذا الحديث الذي ذكر هذين الوقتين إضافةً إلى أوقات النهي المتعلقة بحركة الشمس فحسب، أي أن هذا الحديث قد جمع أوقات النهي كلها: عن عمرو بن عبسة السُّلَمِي ﵁ قال « ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علَّمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم، فإذا أقبل الفئ فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار ... » رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وقد مرَّ في بحث [السنن الراتبة المؤكدة] من هذا الفصل [صلاة التطوع] . وروى أحمد وابن ماجة هذا الحديث من طريق صفوان بن المعطّل باختلاف في الألفاظ. ولتوضيح الموضوع أكثر أقول إن هذه الأوقات الخمسة تحصل في اليوم والليلة كالتالي: ١ - من بعد أن يصلي المسلم صلاة الصبح حتى يظهر طرف الشمس العلوي عند البزوغ، وهذا مما يتدخل المصلي في تحديد أحد طرفيه، وهو الطرف الأول. ٢ - من بعد أن يبدأ بزوغ الشمس حتى ترتفع وتبيضَّ، وهذا من الأوقات الثلاثة المتعلقة بحركة الشمس فحسب. ٣ - عندما تبلغ الشمس منتصف السماء، وهو وقت قصير، وهذا من الأوقات الثلاثة المتعلقة بحركة الشمس فحسب. ٤ - بعدما يصلي المسلم صلاة العصر يبدأ الوقت الثاني الذي يتدخل المصلي في تحديد طرفه الأول. ٥ - عند اصفرار الشمس يبدأ الوقت الثالث من الأوقات التي تتعلق بحركة الشمس فحسب، وينتهي بغياب طرف الشمس العلوي وراء الأفق الغربي. وإن نحن أحببنا دمج الوقتين في الأوقات الثلاثة قلنا ما يلي:

стр. 1141

١ - الوقت الأول يبدأ من بعد أن يصلي المصلي صلاة الصبح، ويمتد إلى ارتفاع الشمس وابيضاضها. ٢ - الوقت الثاني يبدأ من توسط الشمس في منتصف السماء، وينتهي بميل الشمس نحو المغرب ولو قليلاً. ٣ - الوقت الثالث يبدأ من بعد أن يصلي المصلي صلاة العصر، ويمتد إلى أن يغيب قرص الشمس كله خلف الأفق الغربي، وهذا الترتيب أسهل وأوضح، ولكننا نُبقي على الترتيب الأول لاختلاف الأحكام المتعلقة به. والذي أراه وأرجِّحه أن الصلاة في أوقات النهي الثلاثة المتعلقة بحركة الشمس فحسب حرام وليست مكروهة فحسب، وأن الصلاة في الوقتين الآخرين مكروهة وليست حراماً. أي أن الصلاة في الأوقات ٢، ٣، ٥ من الترتيب الأول حرام، وأن الصلاة في الوقتين الباقيين ١، ٤ مكروهة، فالصلاة من بعد الفراغ من صلاة الصبح حتى بدء بزوغ الشمس مكروهة، وكذلك الصلاة من بعد الفراغ من صلاة العصر حتى اصفرار الشمس فهي أيضاً مكروهة.

стр. 1142

أما الأوقات الثلاثة الأخرى فالصلاة فيها حرام، أعني عند بدء البزوغ حتى ترتفع الشمس وتبيضَّ، وعند استواء الشمس في وسط السماء، وعند اصفرار الشمس وتدلِّيها للغروب حتى تغرب، فالصلاة في هذه الأوقات حرام لا تجوز. أما لماذا هذا وذاك، فلأنَّ النصوص التي ذكرت الوقتين اقتصرت على مجرد النهي دون أية قرينة تصرف النهي إلى التحريم «لا صلاة بعد صلاة الصبح ... ولا صلاة بعد صلاة العصر» . «صلاتان لا يُصلَّى بعدهما، الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس» . «لا صلاة بعد الصبح ... ولا صلاة بعد العصر» . «نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين بعد الفجر ... وبعد العصر ... » . فالنهي عن الصلاة في هذين الوقتين لا توجد معه قرينة تصرفه إلى الوجوب، فيظل نهياً دون قرينة وجوب، فلا تبقى إلا الكراهة، وأيضاً هناك نص في الصلاة بعد صلاة العصر، فعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يُصلَّى بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء مرتفعة» رواه ابن خُزَيمة والنَّسائي. ورواه البيهقي ولفظه «لا تصلُّوا بعد العصر إلا أن تصلُّوا والشمس نقية» . وفي رواية ثانية لابن خُزَيمة وأبي داود وأحمد بلفظ «لا تصلُّوا بعد العصر إلا أن تصلُّوا والشمس مرتفعة» . فهي قرينة صالحة لصرف النهي عن الوجوب، ومما يشهد لهذا الفهم ما رواه ربيعة بن دراج «أن علي بن أبي طالب ﵁ سبح بعد العصر ركعتين في طريق مكة، فرآه عمر فتغيَّظ عليه، ثم قال: أَمَا والله لقد علمتَ أن رسول الله ﷺ نهى عنهما» رواه أحمد والطحاوي. فقد دل هذا الحديث على اجتهاد علي ﵁ بعدم حرمة الصلاة بعد العصر، لا سيما وأنه فَعَل ذلك عالماً بالنهي، ولو فهم علي من النهي التحريم لما فعل ما فعل. هذا بالنسبة للصلاة عقب صلاة العصر.

стр. 1143

وأما بالنسبة للصلاة عقب صلاة الصبح فإن مما يشهد لفهمنا ما رواه محمد بن حي بن يعلى بن أمية عن أبيه ﵁ قال «رأيت يعلى يصلي قبل أن تطلع الشمس، فقال له رجل أو قيل له: أنت رجل من أصحاب رسول الله ﷺ تصلي قبل أن تطلع الشمس، قال يعلى: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، قال له يعلى: فأن تطلع الشمس وأنت في أمر الله خيرٌ من أن تطلع وأنت لاهٍ» رواه أحمد. ويبعد أن يكون يعلى هنا صلَّى صلاة الصبح، وإنما صلى هنا تطوعاً وإلا لما قال ما قال، فقد اجتهد ﵁ كما اجتهد علي ﵁ في أن النهي عن الصلاة في وقتي النهي هو نهي غير جازم.

стр. 1144

هذا بالنسبة لكراهة الصلاة عقب صلاة الصبح، وعقب صلاة العصر، في حين أننا نجد الأمر مختلفاً عند النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة التي لها تعلُّق بحركة الشمس فحسب. فبالرجوع إلى ما أوردناه من نصوص بهذا الخصوص نجد ما يلي «ثلاثُ ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا ... » . «إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا كانت في وسط السماء قارنها، فإذا دَلَكَت أو قال زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها ... » . «لا تتحرَّوْا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان ... » . «لا تصلُّوا حين تطلع الشمس ولا حين تسقط، فإنها تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان» . « ... ثم أَقْصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ... حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أَقْصِر عن الصلاة، فإن حينئذٍ تُسْجَر جهنم، ... ثم أَقْصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ... » . ألا تلاحظون معي كيف أخذ النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة منحىً آخر؟ فقد جاء النهي مقترناً بقرائن وأمارات دالَّةٍ على الجزم، ففي الحديث الأول قال «أو أن نقبر موتانا» ، رغم أن قبر الميت فرض، والإسراع في قبره فرض كذلك، ولولا وجود مانع جازم لوجب قبر الموتى في ذلك الوقت وبسرعة، فلما طلب تأخير الدفن دل ذلك على أن النهي للوجوب. وفي الحديث الثاني نلاحظ ذِكْرَ اقتران قرني الشيطان بهذه الأوقات الثلاثة، وفي الحديث الثالث - وقد ذَكَر وقتين من هذه الأوقات الثلاثة - ذَكَر أيضاً اقترانهما بقرني الشيطان، وكذلك فعل الحديث الرابع. أما في الحديث الخامس فقد ذُكِر اقتران قرني الشيطان بوقتين، وذُكِر في الوقت الثالث سجرُ جهنَّم والعياذ بالله، فهذه قرائن وأمارات واضحة على أن النهي نهي

стр. 1145

جازم في هذه الأوقات الثلاثة. وأضيف إلى ما سبق ما رُوي عن أنس بن مالك ﵁ قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ولأحمد ومالك من طريق أنس ﵁ أيضاً بلفظ «تلك صلاة المنافقين، ثلاث مرات، يجلس أحدهم حتى إذا اصفرَّت الشمس وكانت بين قرني شيطان قام نقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» . ولأحمد رواية ثالثة من طريق أنس بلفظ «ألا أخبركم بصلاة المنافق؟ يَدَعُ الصلاة حتى إذا كانت بين قرني شيطان، أو على قرني الشيطان قام فنقرها نقرات الديك، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» . قوله نقرها نقرات الديك: أي أسرع في الصلاة بسبب تأخره. ففي هذه الروايات جاءت قرينة جديدة مضافة إلى ما سبق هي في الرواية الأولى «تلك صلاة المنافق» وفي الرواية الثانية «تلك صلاة المنافقين، ثلاث مرات» . وقد ذكرها مالك في روايته هكذا «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين» . وفي الرواية الثالثة «ألا أخبركم بصلاة المنافق؟» . فأي وصف أبلغ في الذم من هذا الوصف؟

стр. 1146

نخلص مما سبق إلى أن النهي عن الصلاة عقب الفراغ من صلاة الصبح حتى تبدأ الشمس بالشروق، وعن الصلاة بعد الفراغ من صلاة العصر حتى تصفرَّ الشمس هو نهي غير جازم، وتكون الصلاة في هذين الوقتين مكروهة فقط، وإلى أن النهي عن الصلاة عند شروق الشمس حتى ترتفع وتبيض، وعند استوائها حتى تميل عن قبة السماء، وعند تدلِّيها للغروب حتى تغيب هو نهي جازم، وتكون الصلاة في هذه الأوقات حراماً لا تجوز، ففي أوقات النهي الجازم، أي في أوقات تحريم الصلاة لا يجوز للمسلم أن يصلي أية نافلة، لا ذات سبب ولا ما ليس لها سبب، فتحية المسجد وسجدة التلاوة كصلاة الاستخارة وصلاة الاستسقاء لا يجوز أداؤها في هذه الأوقات الثلاثة، لأن أداءها مندوب والصلاة في هذه الأوقات الثلاثة حرام، لهذا لا يصح الإتيان هنا بالمندوب بارتكاب الحرام، أما في وقتي النهي غير الجازم، أي في وقتي كراهة الصلاة فإن هذه النوافل إن كانت ذوات أسباب، كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجدة التلاوة، فإنها تُؤدَّى ولا كراهة، لأن أوقاتها قد حلَّت بهذين الوقتين، وهي مندوبة، والوقتان وقتا كراهة، وإني لأرجو أن يتغلب المندوب على المكروه ويثاب فاعله إن شاء الله. ومثلُ النوافلِ ذواتِ الأسبابِ قضاءُ الفوائت من الصلوات المفروضة، وحتى السنن الراتبة، ففي هذين الوقتين يجوز ذلك ولا كراهة.

стр. 1147

أما الصلوات المفروضة، فإنه مما لا شك فيه أن تأخير صلاة الصبح حتى يبدأ قرص الشمس بالظهور حرام، وكذلك تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس وتضيُّفِها للغروب عمداً فيه تقصير يحاسب عليه العبد، وإلى غيابها حرام قطعاً، ولكنْ إن بدأ المصلي بصلاة الصبح وطلعت الشمس وهو لا زال في صلاته فلا إثم، وكذلك إن هو بدأ بصلاة العصر ثم اصفرَّت الشمس وغابت وهو لا زال يصلي فلا إثم، وتقُبلُ صلاته في الحالتين إن كان قد صلى ركعة من كل صلاة من الصلاتين قبل الطلوع وقبل الغروب، ويمكن مراجعة هذه المسألة في بحثي [وقت صلاة العصر] و [وقت صلاة الفجر] فصل [الصلاة: حكمها ومواقيتها] . أحكامٌ عامة لصلاة التطوُّع

стр. 1148

١- في صلاة الفريضة لا يجوز الجلوس ولا الاضطجاع إلا من ضرورة كمرض أو عجز، وأما في صلاة التطوع فيجوز الجلوس ويجوز الاضطجاع، سواء كانت هناك ضرورة أو لم تكن، إلا أن المتطوِّع جالساً له نصف أجر القائم، والمتطوع مضطجعاً أو نائماً له نصف أجر الجالس أو ربع أجر القائم، ولهذا فإن الأصل في صلاة التطوع أن تُؤدَّى كصلاة الفريضة بالقيام لمن قدر عليه، لأن المصلي إنما يبتغي الثواب فلا يحرم نفسه نصف الأجر أو ثلاثة أرباعه بصلاته جالساً أو نائماً. وإنَّ لنا في رسول الله ﷺ القُدوةَ الحسنة، فهو ﵊ كان يحرص دائماً على صلاة التطوع قائماً، ولم يصلِّها جالساً إلا عندما كبر وضعف جسمه، فعن عائشة ﵂ قالت «لما بدَّن رسولُ الله ﷺ وثقُل كان أكثر صلاته جالساً» رواه مسلم. وعن حفصة ﵂ قالت «ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سُبْحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سُبْحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتِّلها حتى تكون أطولَ من أطولَ منها» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي ومالك. قوله سُبْحته: أي تطوُّعه. قوله حتى تكون أطول من أطول منها: أي أنه كان يقرأ ويرتِّل ويمدُّ في قراءته حتى تغدو السورة المقروءة أطول من سورة أطول منها بقراءة غيره.

стр. 1149

وقد بلغ من حرصه ﵊ على التطوع قائماً وهو في حالة ضعف أنه كان مع صلاته جالساً يصلي مرات أخرى قائماً يتحامل على نفسه، فعن عبد الله بن شقيق قال «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوُّعه، فقالت: ... وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد..» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة. وهذه الحالة المذكورة هنا في الحديث غير مُطَّرِدة، أعني بها أنه إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد، فقد حصل منه ﵊ غير ذلك مرات، فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ «أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسنَّ، فكان يقرأ قاعداً، حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحواً من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع» رواه مالك والبخاري ومسلم. ورواه البخاري ومسلم ومالك بلفظٍ ثانٍ عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالساً فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحوٌ من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك» . فالمسلم بالخيار بين أن يصلي الركعة كلها جالساً، وبين أن يصليها جالساً وقائماً، كلا الفعلين نُقلا عن رسول الله ﷺ .

стр. 1150

أما جواز صلاة التطوع جالساً ونائماً، ونقصان أجرهما عن الصلاة قائماً، فلما رُوي عن عمران بن الحُصين ﵁ أنه قال «سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً، فقال: إن صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجة. وعن عائشة ﵂ عند النَّسائي بنحوه. ويُحمل هذا الحديث على صلاة النافلة والتطوع، كما يُحمل هذا الحديث على المسلم القويِّ المعافى، وذلك لأن المريض إن عجز عن القيام سواء في صلاة الفريضة أو التطوع فصلى جالساً أو نائماً، فإن له الأجر كاملاً وتجدون بحث هذه المسألة مع الدليل في بحث [صلاة المريض] . وإذا صلى المسلم جالساً صلى متربعاً لا مفترشاً ولا متورِّكاً- والافتراش هو أن يجلس على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى. أما التورُّك فهو أن يقدم رجله اليسرى فيضعها بين فخذه وساقه ويجلس على إليته -، لما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «رأيت النبي ﷺ يصلي متربعاً» رواه الدارقطني والنَّسائي وابن حِبَّان والحاكم. وقال عبد الله بن الزبير ﵁ «رأيت رسول الله ﷺ يدعو هكذا، ووضع يديه على ركبتيه وهو متربعٌ جالس» رواه البيهقي. إلا أنه إن صلى مفترشاً أو متورِّكاً جاز، ولكن المستحب الجلوس متربعاً.

стр. 1151

٢ - إذا كان المسلم في المسجد فأقيمت الصلاة المفروضة ، كُره له أن يشرع في صلاة التطوع، ولكن إن كان قد بدأ بصلاة التطوع قبل أن تقام الصلاة المفروضة، ثم أقيمت المفروضة فلْيتمَّها خفيفة، ثم يدخل مع المصلين في صلاة الفريضة دون تأخير، لما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه أحمد ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي. وعن مالك بن بُحَينة ﵁ «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ لاث به الناس، فقال له رسول الله ﷺ : الصبح أربعاً، الصبح أربعاً؟» رواه البخاري وأحمد ومسلم والنَّسائي. قوله لاث به الناس: أي أحاطوا به. وإنما قلنا بالكراهة ولم نقل بالتحريم فلأنَّ صلاةَ الجماعة ليست فرضاً على الصحيح وإنما هي مندوبة مستحبة، فالدخول في صلاة الجماعة مندوب، وترك المندوب ليس حراماً، وثانياً قد رُوي عن عبد الله بن سَرْجس أنه قال «أقيمت الصلاة صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي ركعتي الفجر فقال له: بأي صلاتك احتسبت، بصلاتك وحدك أو صلاتك التي صليت معنا؟» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فقد احتسب رسول الله ﷺ لذلك الرجل صلاتين، إحداهما التي صلاها وحده، وهي سُنَّة صلاة الصبح عند إقامة صلاة الفريضة، فلو كانت صلاته هذه غير مقبولة وغير جائزة لما احتسبها ولأمره بإعادتها، فلما لم يفعل دل ذلك على أن الصلاة قد قُبلت. وألفت النظر إلى أن القول في الحديث الأول «فلا صلاة إلا المكتوبة» لا هنا هي الناهية وليست هي النافية، فيكون معنى هذا القول: لا تُصلوا إلا المكتوبة، وليس معناه: لا تنعقد صلاة إلا المكتوبة.

стр. 1152

٣ - الصلاة المكتوبة الأصل فيها أن تُؤدَّى في المساجد جماعة ، ولكن صلاة التطوع الأصل فيها أن تُؤدَّى في البيوت وليس في المساجد، لأن أداءها في البيوت أفضل وأعظم ثواباً، وهذا كله خاص بالرجال. أما النساء فإن صلاتهن في البيوت أفضل، المكتوبة والتطوع سواء، لما روى ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خيرٌ لهن» رواه أحمد وأبو داود وابن خُزَيمة والبيهقي والطبراني. فصلاة النساء في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المسجد حتى لو كان المسجدُ مسجدَ رسول الله ﷺ ، لما رُوي عن أم حُمَيْدٍ امرأة أبي حُمَيْدٍ الساعدي ﵂ «أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمتُ أنكِ تحبين الصلاة معي، وصلاتُك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتُك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتُك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتُك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي» رواه أحمد والطبراني وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. والحجرة هنا هي الساحة الواقعة أمام البيت. والبيت هو مكان المبيت، أي غرفة النوم. ومحصِّلة هذا القول الوارد في الحديث أن صلاة المرأة في مخدعها - أي في مكان نومها - أفضل من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، رغم أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام.

стр. 1153

نعود إلى أول البحث فنقول: إن صلاة التطوع للرجال الأصل فيها أن تُؤدَّى في البيوت وليس في المساجد، وإن الصلاة في البيوت أفضل وأجزل ثواباً، وكي لا تكون البيوت مقفرة من الصلاة كالقبور، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيراً» رواه مسلم وأحمد. وروى زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» رواه مسلم وأبو داود. ورواه البخاري ولفظه «.. فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاةُ المرء في بيته إلا المكتوبة» . وعن زيد بن خالد الجُهَني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «صلُّوا في بيوتكم ولا تتَّخذوها قبوراً» رواه أحمد والطبراني والبزَّار. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد. فصلاةُ النافلة تؤدَّى في البيوت، فذلك أفضل من أدائها في المساجد ولو في مسجد رسول الله ﷺ ، لما رُوي عن عبد الله بن سعد ﵁ أنه قال «سألتُ رسول الله ﷺ أيُّما أفضل، الصلاةُ في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فَلأَن أُصلي في بيتي أحب اليَّ من أن أُصلِّي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة» رواه ابن ماجة وأحمد وأبو داود والترمذي.

стр. 1154

٤ - وكما يجوز أن تصلَّى النافلةُ انفرادياً فإنه يجوز أن تصلَّى جماعةً ، لا فرق بين نافلة وأخرى، فعن عِتْبان بن مالك الأنصاري ﵁ قال «كنت أُصلِّي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار، فيشق عليَّ اجتيازه قِبَلَ مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشقُّ عليَّ اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكاناً أتخذه مُصلَّى، فقال رسول الله ﷺ : سأفعل، فغدا عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بعدما اشتد النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحبُّ أن أُصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبَّر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، وسلَّمنا حين سلَّم» رواه البخاري والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وعن أنس ابن مالك ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ في بيت أمِّ حَرَام، فأقامني عن يمينه وأم حَرَامٍ خلفنا» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وأم حرام هي خالة أنس. وعن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ قام من الليل يصلي، فقمت فتوضأت فقمت عن يساره، فجذبني فجرَّني فأقامني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، قيامُه فيهن سواء» رواه أحمد والبخاري ومسلم. الفصل الثاني عشر صلاة الجماعة حكم صلاة الجماعة وفضلها صلاة الجماعة سنة مستحبة، وتتأكد أكثر إن كانت في المسجد، وهي ليست فرض عين ولا فرض كفاية كما يقول بذلك جماعات من الفقهاء، مستدلين على رأيهم بالأحاديث التالية:

стр. 1155

١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوْهما ولو حَبْواً، لقد هممتُ أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلاً يؤم الناس، ثم آخذَ شُعَلاً من نار فأُحَرِّقَ على من لا يخرج إلى الصلاة بعد» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن أبي شيبة. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال «أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أن يُرخِّص له فيصلي في بيته، فرخَّص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب» رواه مسلم والنَّسائي. ٣ - عن ابن أم مكتوم «أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجلٌ ضريرُ البصر شاسعُ الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أُصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم قال: لا أجد لك رخصة» رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد. ٤ - عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سمع النداء فلم يُجب فلا صلاة له إلا مِن عذر» رواه ابن حِبَّان والحاكم والبيهقي.

стр. 1156

فنقول لهؤلاء إن هذه الأحاديث تُحمَل على التشديد على حضور صلاة الجماعة، وأنها وردت مورد الزَّجر، وأنَّ حقيقتُه غيرُ مرادة، وقد جاء التشديد بصيغٍ مختلفة. ثم إنَّ الحديث الأول جاء في المنافقين ولم يأت عامَّاً في المسلمين، فقوله في أول الحديث «ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين» واضح الدلالة على ما نقول. ويزيد الأمرَ وضوحاً ما قاله عبد الله بن مسعود ﵁ «لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض، إن كان المريض لَيمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة ... » رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد من حديث طويل. وما رواه أبو عمير ابن أنس قال «حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ : ما يشهدهما منافق، يعني العشاء والفجر» رواه ابن أبي شيبة. فأراد رسول الله ﷺ أن يهدد المنافقين الذين لم يكونوا يشهدون الصلاة معه بقوله ذاك. وأما الحديث الثاني فهو كالحديث الثالث، موضوعهما واحد، فما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر. هذا الحديث يذكر أن رسول الله ﷺ رخَّص للأعمى أولاً بعدم حضور صلاة الجماعة، ثم عدل عن ذلك وأوقف الترخيص له، فلو كانت صلاة الجماعة واجبة لما رخَّص ﵊ للأعمى بصلاة المنفرد وتَرْكِ صلاة الجماعة. أما لماذا عدل بعد ذلك عن الترخيص له، فإنه يُحمل على أنه آثر صاحبَه الأعمى هذا بفضيلة حضور صلاة الجماعة فشدد عليه في حضورها، وذلك لأن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يتسابقون إلى الثواب والمندوبات، فلو رُخِّص لهذا الأعمى بترك صلاة الجماعة فلربما فُهم من ذلك أن صلاة الجماعة كصلاة المنفرد ولا ميزة لها، لهذا أمر ﵊ هذا الصحابي بالتمسك بحضور صلاة الجماعة وشدَّد عليه في ذلك.

стр. 1157

وأما الحديث الرابع فيُحمَل على أنَّ المراد منه لا صلاة كاملة، وليس نفي الصلاة بالكلية. والمعلوم في علم أصول الفقه أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وأن القول بعدم تعارض الأدلة أولى من القول بتعارضها. ذلك أن عندنا جملة من الأحاديث تدل على ما ذهبنا إليه من عدم وجوب صلاة الجماعة، فإذا فهمنا الأحاديث الثلاثة هذه على أنها دالة على فرضية صلاة الجماعة، فإننا سنضطر للقول بتعارض الأدلة والقول بإهمال قسم منها، وهذا ما لا يصح اللجوء إليه إلا عند عدم إمكانية الجمع والتوفيق بينها، والإمكانية هنا ممكنة ومتوفرة بما سبق ذكرُه، وهذه الأحاديث هي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً» رواه أحمد والبخاري ومسلم. ٢ - عن أُبي بن كعب ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهدٌ فلانٌ؟ قالوا: لا، قال: أشاهدٌ فلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. ٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» رواه البخاري ومسلم.

стр. 1158

٤ - عن يزيد بن الأسود ﵁ قال «حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالساً أو استقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فأُتيَ بهما ترعد فرائصُهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنَّا قد كنا صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي والدارمي. الحديث الأول جعل صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين مرة، فلو كانت صلاة المنفرد غير مقبولة ولا جائزة لما قيل ما قيل، وهذا واضح الدلالة على صحة صلاة المنفرد. والحديث الثاني يقول «إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» ولا يقال هذا القول لو كانت صلاة المنفرد غير جائزة، وهذا أيضاً واضح الدلالة على صحة صلاة المنفرد. والحديث الثالث يقول «الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» فاعتبر صلاة الجماعة أعظم أجراً من صلاة المنفرد، وهذا يعني اشتراكهما في الأجر، وإلا لما كانت هذه المفاضلة. أما الحديث الرابع فقوله «إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فلْيصلها معه فإنها له نافلة» . فقوله «إذا صلى أحدكم في رحله» وقوله «فلْيصلِّها معه فإنها له نافلة» يدلان على أنَّ صلاة المنفرد قد قُبِلت، فإن صلاها بعدئذٍ في المسجد مع الإمام جماعة فإن صلاة الجماعة تكون نافلة، وهذا من أوضح الدلالات على صحة صلاة المنفرد، إذ لو كانت صلاة الجماعة واجبة عليه وصلاةُ المنفرد غيرَ مقبولةٍ لاعتُبِرت صلاة المسجد هي الصلاة المفروضة المؤداة وليس الصلاة في الرحل، وهذا ظاهرٌ جداً.

стр. 1159

لكل ما سبق أقول: إنَّ القول بعدم التعارض بين الأدلة هنا أولى من القول بوجود التعارض، وعلى هذا تُحْمَلُ الأحاديث الأربعة الأولى على أنها تعني مطلق الحث، ولا تفيد وجوباً ولا فرضاً. أما فضل صلاة الجماعة فإن أحاديث كثيرة قد جعلتها تَفْضُل صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجةً أو جزءاً أو صلاةً، على اختلاف في الروايات، أذكر منها ما يلي: ١- عن أبي هريرة ﵁ قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تَفْضُل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة: فاقرأوا إن شئتم: إنَّ قرآن الفجرِ كان مشهوداً» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنَّسائي وأحمد. ٢- وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال «صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة..» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة. ٣- عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ خمساً وعشرين» رواه أحمد والنَّسائي. قوله صلاة الفذِّ: أي صلاة المنفرد. ٤- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجداً من المساجد، فيخطو خطوة إلا رُفع بها درجة أو حُطَّ بها عنه خطيئة، وكتبت له بها حسنة، حتى إن كنا لنقاربُ بين الخُطا، وإنَّ فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ٥- وعنه ﵁ قال: إن نبي الله ﷺ قال «صلاة الجمع تَفْضُلُ على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين ضعفاً، كلها مثل صلاته» رواه أحمد والبزَّار والطبراني.

стр. 1160

وانفرد ابن عمر ﵁ برواية السبع والعشرين، فعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاة الجماعة تَفْضُلُ صلاةَ الفذِّ بسبع وعشرين درجة» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. ولم تُرو عن صحابي غيره هذه الرواية إلا ما نُسب لأبي هريرة عند أحمد في رواية، فإنه ذكر السبع والعشرين، وفي سندها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، إضافةً إلى أنَّ هذه الرواية مخالفة لجميع الروايات الصحيحة المنقولة عن أبي هريرة القائلة بالخمس والعشرين. فالروايات القائلة بالخمس والعشرين أكثر، فهي أولى بالأخذ. قال الترمذي (عامَّةُ مَن روى عن النبي ﷺ إنما قالوا «خمس وعشرين» إلا ابن عمر فإنه قال بـ «سبع وعشرين» ) . وإنَّ من فضل صلاة الجماعة أن ثوابها يفضل ثواب التَّصدق بشاتين اثنتين، فعن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال «لو أن أحدكم يعلم أنه إذا شهد الصلاة معي كانت له أعظم من شاة سمينة أو شاتين لفعل، فما يصيب من الأجر أفضل» رواه أحمد. وإن فضل الجماعة فضل كبير وثواب عظيم خاصة صلاتي الفجر والعشاء، فمن صلى العشاء جماعةً فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والفجر جماعةً فكأنما قام الليل كله، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» رواه مسلم والبخاري والترمذي والدارمي وأحمد.
следующие страницы →