Полный текст (1 205 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فنقول لهؤلاء إن هذه الأحاديث تُحمَل على التشديد على حضور صلاة الجماعة، وأنها وردت مورد الزَّجر، وأنَّ حقيقتُه غيرُ مرادة، وقد جاء التشديد بصيغٍ مختلفة. ثم إنَّ الحديث الأول جاء في المنافقين ولم يأت عامَّاً في المسلمين، فقوله في أول الحديث «ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين» واضح الدلالة على ما نقول. ويزيد الأمرَ وضوحاً ما قاله عبد الله بن مسعود ﵁ «لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد عُلم نفاقه أو مريض، إن كان المريض لَيمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة ... » رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد من حديث طويل. وما رواه أبو عمير ابن أنس قال «حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ : ما يشهدهما منافق، يعني العشاء والفجر» رواه ابن أبي شيبة. فأراد رسول الله ﷺ أن يهدد المنافقين الذين لم يكونوا يشهدون الصلاة معه بقوله ذاك.
وأما الحديث الثاني فهو كالحديث الثالث، موضوعهما واحد، فما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر. هذا الحديث يذكر أن رسول الله ﷺ رخَّص للأعمى أولاً بعدم حضور صلاة الجماعة، ثم عدل عن ذلك وأوقف الترخيص له، فلو كانت صلاة الجماعة واجبة لما رخَّص ﵊ للأعمى بصلاة المنفرد وتَرْكِ صلاة الجماعة. أما لماذا عدل بعد ذلك عن الترخيص له، فإنه يُحمل على أنه آثر صاحبَه الأعمى هذا بفضيلة حضور صلاة الجماعة فشدد عليه في حضورها، وذلك لأن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يتسابقون إلى الثواب والمندوبات، فلو رُخِّص لهذا الأعمى بترك صلاة الجماعة فلربما فُهم من ذلك أن صلاة الجماعة كصلاة المنفرد ولا ميزة لها، لهذا أمر ﵊ هذا الصحابي بالتمسك بحضور صلاة الجماعة وشدَّد عليه في ذلك.
стр. 1157
وأما الحديث الرابع فيُحمَل على أنَّ المراد منه لا صلاة كاملة، وليس نفي الصلاة بالكلية. والمعلوم في علم أصول الفقه أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وأن القول بعدم تعارض الأدلة أولى من القول بتعارضها. ذلك أن عندنا جملة من الأحاديث تدل على ما ذهبنا إليه من عدم وجوب صلاة الجماعة، فإذا فهمنا الأحاديث الثلاثة هذه على أنها دالة على فرضية صلاة الجماعة، فإننا سنضطر للقول بتعارض الأدلة والقول بإهمال قسم منها، وهذا ما لا يصح اللجوء إليه إلا عند عدم إمكانية الجمع والتوفيق بينها، والإمكانية هنا ممكنة ومتوفرة بما سبق ذكرُه، وهذه الأحاديث هي:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً» رواه أحمد والبخاري ومسلم.
٢ - عن أُبي بن كعب ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهدٌ فلانٌ؟ قالوا: لا، قال: أشاهدٌ فلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي.
٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» رواه البخاري ومسلم.
стр. 1158
٤ - عن يزيد بن الأسود ﵁ قال «حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالساً أو استقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فأُتيَ بهما ترعد فرائصُهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنَّا قد كنا صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي والدارمي.
الحديث الأول جعل صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين مرة، فلو كانت صلاة المنفرد غير مقبولة ولا جائزة لما قيل ما قيل، وهذا واضح الدلالة على صحة صلاة المنفرد. والحديث الثاني يقول «إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» ولا يقال هذا القول لو كانت صلاة المنفرد غير جائزة، وهذا أيضاً واضح الدلالة على صحة صلاة المنفرد. والحديث الثالث يقول «الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» فاعتبر صلاة الجماعة أعظم أجراً من صلاة المنفرد، وهذا يعني اشتراكهما في الأجر، وإلا لما كانت هذه المفاضلة. أما الحديث الرابع فقوله «إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فلْيصلها معه فإنها له نافلة» . فقوله «إذا صلى أحدكم في رحله» وقوله «فلْيصلِّها معه فإنها له نافلة» يدلان على أنَّ صلاة المنفرد قد قُبِلت، فإن صلاها بعدئذٍ في المسجد مع الإمام جماعة فإن صلاة الجماعة تكون نافلة، وهذا من أوضح الدلالات على صحة صلاة المنفرد، إذ لو كانت صلاة الجماعة واجبة عليه وصلاةُ المنفرد غيرَ مقبولةٍ لاعتُبِرت صلاة المسجد هي الصلاة المفروضة المؤداة وليس الصلاة في الرحل، وهذا ظاهرٌ جداً.
стр. 1159
لكل ما سبق أقول: إنَّ القول بعدم التعارض بين الأدلة هنا أولى من القول بوجود التعارض، وعلى هذا تُحْمَلُ الأحاديث الأربعة الأولى على أنها تعني مطلق الحث، ولا تفيد وجوباً ولا فرضاً.
أما فضل صلاة الجماعة فإن أحاديث كثيرة قد جعلتها تَفْضُل صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجةً أو جزءاً أو صلاةً، على اختلاف في الروايات، أذكر منها ما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تَفْضُل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر، ثم يقول أبو هريرة: فاقرأوا إن شئتم: إنَّ قرآن الفجرِ كان مشهوداً» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والنَّسائي وأحمد.
٢- وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال «صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة..» رواه البخاري ومسلم وابن ماجة.
٣- عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ خمساً وعشرين» رواه أحمد والنَّسائي. قوله صلاة الفذِّ: أي صلاة المنفرد.
٤- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجداً من المساجد، فيخطو خطوة إلا رُفع بها درجة أو حُطَّ بها عنه خطيئة، وكتبت له بها حسنة، حتى إن كنا لنقاربُ بين الخُطا، وإنَّ فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة.
٥- وعنه ﵁ قال: إن نبي الله ﷺ قال «صلاة الجمع تَفْضُلُ على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين ضعفاً، كلها مثل صلاته» رواه أحمد والبزَّار والطبراني.
стр. 1160
وانفرد ابن عمر ﵁ برواية السبع والعشرين، فعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاة الجماعة تَفْضُلُ صلاةَ الفذِّ بسبع وعشرين درجة» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. ولم تُرو عن صحابي غيره هذه الرواية إلا ما نُسب لأبي هريرة عند أحمد في رواية، فإنه ذكر السبع والعشرين، وفي سندها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، إضافةً إلى أنَّ هذه الرواية مخالفة لجميع الروايات الصحيحة المنقولة عن أبي هريرة القائلة بالخمس والعشرين. فالروايات القائلة بالخمس والعشرين أكثر، فهي أولى بالأخذ. قال الترمذي (عامَّةُ مَن روى عن النبي ﷺ إنما قالوا «خمس وعشرين» إلا ابن عمر فإنه قال بـ «سبع وعشرين» ) .
وإنَّ من فضل صلاة الجماعة أن ثوابها يفضل ثواب التَّصدق بشاتين اثنتين، فعن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال «لو أن أحدكم يعلم أنه إذا شهد الصلاة معي كانت له أعظم من شاة سمينة أو شاتين لفعل، فما يصيب من الأجر أفضل» رواه أحمد.
وإن فضل الجماعة فضل كبير وثواب عظيم خاصة صلاتي الفجر والعشاء، فمن صلى العشاء جماعةً فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والفجر جماعةً فكأنما قام الليل كله، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» رواه مسلم والبخاري والترمذي والدارمي وأحمد.
стр. 1161
وصلاة الجماعة في الفلاة أو العراء أعظم أجراً، فهي تبلغ خمسين درجة أي الضعف، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده خمساً وعشرين درجة، وإن صلاها بأرض فلاةٍ فأتمَّ وضوءها وركوعها وسجودها بلغت صلاته خمسين درجة» رواه ابن أبي شيبة وابن حِبَّان. ورواه الحاكم وأبو داود بلفظ «الصلاة في الجماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة، فإذا صلاها في الفلاة فأتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة» .
стр. 1162
والصلاة في المسجد البعيد أعظم ثواباً من الصلاة في المسجد القريب، وذلك أن الثواب يزداد بزيادة الخطى، فكل خطوة من يمينه ترفعه درجة، وكل خطوة من يساره تحط عنه خطيئة، فقد مر قبل قليل حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عند أحمد ومسلم وأبي داود والنَّسائي وابن ماجة وجاء فيه « ... ثم يأتي مسجداً من المساجد فيخطو خطوة إلا رُفع بها درجة، أو حُطَّ بها عنه خطيئة، وكُتبت له بها حسنة حتى إنْ كنا لنقارب بين الخطا ... » . وعن سعيد بن المسيِّب قال «حضر رجلاً من الأنصار الموتُ فقال: إني مُحدِّثكم حديثاً ما أحدثكموه إلا احتساباً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطَّ الله عنه سيئة، فلْيُقَرِّب أحدكم أو ليبعد، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضاً وبقي بعض صلى ما أدرك، وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتمَّ الصلاة كان كذلك» رواه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أجراً» رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة والحاكم. وقد مرَّ حديث أبي موسى قبل قليل عند البخاري ومسلم وفيه «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ... » . وهذه الخطوات التي تزيد الحسنات وتمحو السيئات تُحتسب في الذهاب وفي الإياب من المسجد وليس في الذهاب فحسب، فعن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب حسنة ذاهباً وراجعاً» رواه أحمد وابن حِبَّان والطبراني.
стр. 1163
وصلاة الجماعة مع الرجل الواحد خير من الصلاة وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل الواحد، وكلما كان عدد المصلين أكثر فهو أفضل لهم، فقد مرَّ قبل قليل حديث أبي بن كعب ﵁ عند أبي داود وأحمد والنَّسائي، وجاء فيه « ... وإنَّ صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى» .
صلاة النساء
يجوز للنساء الخروج من بيوتهن للصلاة في المساجد، وعلى الأزواج وأولياء الأمور عدم منعهن من ذلك، إلا أَنَّ صلاتهن في بيوتهن ودورهن خير لهن من صلاتهن في المساجد، وإذا خرجت النساء للصلاة بعد أخذ الإذن من الأزواج وأولياء الأمور فلا يحل لهن أن يكنَّ متطيباتٍ متعطِّرات، وليخرجن دون طيب ودون بخور، فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتُهن خيرٌ لهن» رواه أبو داود وأحمد وابن خُزَيمة والبيهقي والطبراني. وعنه أن رسول الله ﷺ قال «إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن» رواه مسلم والبخاري وأحمد وابن حِبَّان. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهنَّ تَفِلات» رواه أبو داود وأحمد وابن خُزَيمة والدارمي والبيهقي. قوله تَفِلات: أي غير متطيبات. وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسَّ طيباً» رواه مسلم وابن حِبَّان. ورواه أحمد إلا أنه قال «العشاء» بدل «المسجد» .
стр. 1164
فالمرأة عِرضٌ يجب أن يُصان، وكلما كانت المرأة في مكان بعيد عن الأنظار كان ذلك أفضل لها، فالدُّور أخفى من المساجد فهي أفضل لِمُكثهن، والغرف في الدور أخفى من الساحات، فهي أفضل لِمُكثهن والصلاة فيها، وكلما ابتعدت النساء عن أماكن الظهور كان ذلك خيراً لهن، فعن أم حُمَيْدٍ امرأة أبي حُمَيْدٍ الساعدي ﵂، أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت «يا رسول الله إني أُحِبُّ الصلاة معك، قال: قد علمتُ أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتُك في بيتك خيرٌ من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي، قال، فأَمرتْ فبُنِي لها مسجدٌ في أقصى شئ من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه، حتى لقيت الله » رواه أحمد والطبراني وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وقد مر في بحث [أحكام عامة لصلاة التطوع] قوله صلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك: البيت هنا يطلق على غرفة النوم، والحجرة هنا تطلق على الساحة الواقعة أمام الغرفة.
الإمام يصلي صلاة خفيفة
стр. 1165
يُندب للإمام التخفيف في صلاة الجماعة مراعاةً لأحوال المصلين، لأن فيهم المريض والضعيف، والكبير الهرم والصغير وذا الحاجة، فيصلي بهم صلاة خفيفة لا تشقُّ عليهم، ولا يعني قولي هذا أن ينقُر صلاته نقر الغراب ولا يتمها على وجهها. وإنَّ من التخفيف أن لا يزيد الإمام مثلاً في ركوعه وسجوده على ثلاث تسبيحات، وإذا أحسَّ الإمام بأن في المأمومين من حصل له ما يدعوه إلى الإسراع في صلاته نُدب له أن يتجوَّز فيها ويخففها، كأن يسمع بكاء صبي فيشفق على أمه التي تصلي خلفه فيخفف، فعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال «قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان، فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشدَّ غضباً من يومِئذ، فقال: أيها الناس إن منكم منفِّرين، فمن صلى بالناس فليخفِّف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «ما صليت وراء إمام قطُّ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من النبي ﷺ ، وإن كان ليسمعُ بكاء الصبي فيخفِّف مخافة أن تُفتن أمه» رواه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه» رواه البخاري ومسلم. وعنه أيضاً «أن رسول الله ﷺ كان مِن أخف الناس صلاة في تمام» رواه مسلم والترمذي وأحمد والبيهقي. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، فإذا صلى وحده فليصلِّ كيف شاء» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
стр. 1166
إلا أنه يُشرع للإمام أن يطيل الركعة الأولى قليلاً ليدركها المتأخرون، وإذا كان الإمام راكعاً وأحسَّ بداخلٍ إلى المسجد أطال ركوعه قليلاً ليدركه الداخل، على أن لا يشق ذلك على المصلين خلفه، فعن أبي قتادة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويُسمعنا الآية، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطوِّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ورواه أبو داود وزاد «فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى» . وقد مرَّ الحديث في بحث [قراءة ما زاد على الفاتحة من القرآن في الصلاة] فصل [صفة الصلاة] .
متابعة المأموم للإمام
стр. 1167
يجب على المأموم أن يتابع إمامه في كل حركات الصلاة، ولا يحل له أن يسبقه في ذلك مطلقاً، فلا يسبقه في ركوعٍ ولا سجودٍ، ولا رفعٍ ولا تسليمٍ، إلا أنه مع إثمه بذلك فإنَّ صلاته مقبولة غير باطلة - ذلك أنَّ فعل المحرَّم في الصلاة لا يعني أنه يبطلها، أُنظر بحث [النظر في الصلاة] فصل [صفة الصلاة] ، وانظر بحث [الخشوع في الصلاة] فصل [القنوت والخشوع في الصلاة]- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جُعل الإمام لِيُؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه، وإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جلوساً فصلوا جلوساً أجمعين» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن البراء بن عازب قال «كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض» رواه البخاري ومسلم وأبو داود. ورواه الترمذي ولفظه «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فرفع رأسه من الركوع لم يَحْنِ رجل منا ظهره حتى يسجد رسول الله ﷺ فنسجد» . وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ «لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود، فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدَّنتُ» رواه ابن ماجة وأحمد وابن خُزيمة وابن حِبَّان. - قوله بدنت: قُرئت بتشديد الدال: بدَّنت، ومعناها كبرت، وقرئت بتخفيفها: بَدُنت، ومعناها سمنت، والصواب قراءة بدَّنت بالتشديد بمعنى كبرت. يشهد لهذه القراءة ما رُوي أن عائشة ﵂ قالت «ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شئ من صلاة الليل جالساً، حتى إذا كبر قرأ جالساً ... » رواه مسلم والبخاري.
стр. 1168
ووقع عند ابن حِبَّان وابن خُزيمة لفظ «كان النبي ﷺ يصلي وهو جالس بعدما دخل في السن» - وعن أنس بن مالك قال «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما انصرف من الصلاة أقبل إلينا بوجهه فقال: أيها الناس إني إمامُكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالقعود، ولا بالانصراف ... » رواه ابن خُزيمة ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أما يخشى أو ألا يخشى أحدكم إذا رفع رأسه والإمام ساجد أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار؟» رواه أبو داود والبخاري ومسلم والنَّسائي والترمذي. وهذا التحذير الشديد باحتمال إيقاع عقوبة المسخ دليل أكيد على حُرمة مسابقة المأموم للإمام.
وكما أُمر المصلون بأن يتابعوا إمامهم في الصلاة، فقد أُمروا أيضأ بأن يتابعوه في القيام للصلاة عند الإقامة، فلا يسبقوه في الوقوف، بل ينتظرون قدومه إلى المسجد ووقوفه للصلاة، فلا يقفون حتى يقف الإمام، فعن أبي قتادة أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أًقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» رواه مسلم وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. وفي رواية لأبي داود وابن حِبَّان « ... حتى ترَوْني قد خرجت» .
والأوْلى للمأموم عقب التسليم أن لا يسرع في الانصراف، بل ينتظر قليلاً ريثما ينصرف الإمام قبله، أو يُمْكِن للإمام في حالة السهو أن يتدارك ما كان قد نسيه في الصلاة، فيستأنفها ويسجد للسهو فيسجد المأموم معه، فعن أنس «أن النبي ﷺ حضَّهم على الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة» رواه أبو داود.
تنعقد الجماعة بإمام ومأموم واحد
стр. 1169
تنعقد الجماعة باثنين: إمامٍ ومأمومٍ واحدٍ ولو كان المأموم صبياً، وتنعقد في الفريضة كما تنعقد في النافلة دون فارق بينهما، وإذا كان المأموم واحداً وجب أن يقف إلى يمين الإمام دون أن يتقدم عنه أو يتأخر، ولا يصح الوقوف إلى يسار الإمام، فإن فعل أثم ولكن تظل صلاته مقبولة. ولا يجب على الإمام أن ينوي الإمامة، فلو صلى أحدٌ منفرداً ثم جاء شخص فوقف حذاءه مؤتمَّاً به انعقدت له صلاة جماعة رغم أن الإمام لم ينو الإمامة ابتداءً، لا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة، فعن ابن عباس ﵁ قال «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ووقع في رواية ثانية لمسلم من طريق ابن عباس بلفظ «.. فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني مِن شقِّه الأيمن» . فهنا كانت صلاةُ جماعة من إمام ومأمومٍ صبي، فابن عباس ﵁ كان آنذاك صبياً ابن عشر سنين، فقد قال ابن عباس ﵁ «مات رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وأنا مختون، وقد قرأت المُحْكَم من القرآن» رواه أحمد. وعن ابن عباس أيضاً قال «صليت مع النبي ﷺ ، فقمتُ إلى جنبه عن يساره، فأخذني فأقامني عن يمينه، وقال ابن عباس: وأنا يومئذ ابن عشر سنين» رواه أحمد. ويدل الحديث إضافةً إلى ما سبق على أن الإمام لا يجب عليه أن ينوي لصلاة الجماعة عند الابتداء، فالرسول ﷺ كان يصلي وحده، فالتحق ابن عباس بصلاته، فأقرَّه واستمر يصلي به جماعة. ويدل على ذلك بشكل أوضح ما جاء في رواية ثانية عند أحمد بلفظ «.. فأمهل رسول الله ﷺ ، حتى إذا عرف أني أريد أن أُصلي بصلاته لفت يمينه فأخذ بأُذُني فأدارني حتى أقامني عن يمينه ... » .
стр. 1170
وأوضح من الحديثين ما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلي معه؟» ورواه أيضاً الترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان والحاكم. كما يدل الحديث الأول على أن المأموم إن كان وحده وقف عن يمين الإمام دون أن يتأخر أو يتقدم، فالحديث يقول «فأقامني عن يمينه» . ويقول لفظ لمسلم «فجعلني من شِقِّه الأيمن» . دون أن يذكر تقديماً أو تأخيراً، يشهد لهذا الفهم ما رواه ابن عباس ﵁ قال «أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرَّني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست، فصلى رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال لي: ما شأني أَجعلك حذائي فتخنُسُ؟ فقلت: يا رسول الله أَوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ قال فأعجبته، فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً ... » رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. قوله خنست: أي تأخرت قليلاً عن محاذاته. فالرسول ﷺ أوقف ابن عباس حذاءه أي عن يمينه دون تقديم أو تأخير، وذلك لأنها هي السُّنَّة المشروعة، وبالفعل وقف ابن عباس حذاءه، ثم بدا لابن عباس أن يتأخر قليلاً عن محاذاة رسول الله ﷺ ، فلما حصل منه ذلك سأله ﷺ عن السبب، فأجابه بجواب أعجبه وهو أنه لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءه، بل يتأخر عنه قليلاً لأنه رسول، والرسول يقدَّم على غيره. وهذا الجواب من ابن عباس، وهذا الإعجاب به من رسول الله ﷺ لا يعني أن السُّنة المشروعة هي ما فعل ابن عباس، وذلك أن الرسول ﷺ قد أوقفه إلى جواره، وفي العديد من الروايات المروية أن ابن عباس وقف إلى جواره ولم يتأخر، ثم إن جابر بن عبد الله رضي
стр. 1171
الله عنه قال «إن رسول الله ﷺ صلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمت خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي. وإن جبَّار بن صخر ﵁ قال «إن رسول الله ﷺ قام يصلي، قال: فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فحولني عن يمينه فصلينا، فلم يلبث يسيراً أن جاء الناس» رواه أحمد. فالسُّنَّة المشروعة هي وقوف المأموم الفرد إلى جوار الإمام عن يمينه حذاءَه، دون تقدم أو تأخُّر.
مفارقةُ الإمام
стр. 1172
يجوز للمأموم أن يفارق إمامه في أثناء الصلاة إن كان للمفارقة عذر، وله أن يبني على ما صلاه مع الإمام ويتم الباقي منفرداً، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان معاذ بن جبل ﵁ يؤم قومه، فدخل حرامٌ وهو يريد أن يسقي نخله، فدخل المسجد ليصلي مع القوم، فلما رأى معاذاً طوَّل تجوَّز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذٌ الصلاة قيل له: إن حراماً دخل المسجد فلما رآك طوَّلت تجوَّز في صلاته ولحق بنخله يسقيه، قال: إنه لمنافق، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟ قال فجاء حرامٌ إلى النبي ﷺ ومعاذ عنده فقال: يا نبي الله إني أردت أن أسقي نخلاً لي، فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طوَّل تجوَّزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق، فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: أفتَّانٌ أنت أفتَّان أنت؟ لا تُطوِّل بهم، اقرأ بـ سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوهما» رواه أحمد والبزَّار. وفي رواية من طريق جابر ﵁ بلفظ « ... ثم جاء قومه - يعني معاذاً - فقرأ البقرة، فاعتزل رجلٌ من القوم فصلى، فقيل: نافقتَ يا فلان، قال: ما نافقت، فأتى النبي ﷺ ... » رواه أحمد. وحرام هو الصحابي حرام ابن ملحان. وعن أبي بُريدة الأسلمي ﵁ قال «إن معاذ بن جبل يقول صلى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها اقتربت الساعة، فقام رجل من قبلِ أن يفرغ فصلى وذهب، فقال له معاذ قولاً شديداً، فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فاعتذر إليه فقال: إني كنت أعمل على الماء، فقال رسول الله ﷺ : صلِّ بـ الشمس وضحاها، ونحوها من السور» رواه أحمد.
стр. 1173
في هذه النصوص أمران: أحدهما أن الرجل المأموم واسمه حرام بن ملحان قد قطع صلاته مع الإمام معاذ لعذر التطويل بالقراءة، وكان حرام مستعجلاً يريد سقي نخله، فلما طالت صلاة معاذ قطعها حرام وأتمَّ الصلاة منفرداً. والأمر الثاني أن الرسول ﷺ عنَّف معاذاً ولم يعنِّف حراماً. فهذان الأمران يدلان على جواز قطع صلاة الجماعة لعذر.
الصلاةُ جماعةً في المسجد مرتين
يجوز أن تُعقد في المسجد الواحد صلاتان أو أكثر جماعةً إحداها تعقب الأخرى، ويجوز لمن صلى جماعة في الأولى أن يدخل في صلاة الجماعة الأخرى، وتحتسب له صلاته الأخرى نافلة، تماماً كمن صلى منفرداً أولاً ثم دخل في صلاة الجماعة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: أَلا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلي معه؟» رواه أبو داود وابن حِبَّان والحاكم وابن خُزَيمة والترمذي. وقد سبق في بحث [تنعقد الجماعة بإمام ومأموم واحد] المارِّ قبل قليل. ورواه أحمد بلفظ «أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : مَن يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل من القوم فصلى معه» . فالناس الذين كانوا في المسجد كانوا قد صلوا جماعة مع رسول الله ﷺ ، وكانت الصلاة صلاة الظهر كما جاء مصرَّحاً به في روايةٍ لأحمد، فجاء الرجل بعد فراغ المسلمين من صلاة الجماعة، فقام يصلي وحده، فطلب رسول الله ﷺ من أحد أصحابه ممن كانوا قد صلوا معه جماعة أن يأتمَّ بهذا الرجل فيصلي معه جماعةً، وهكذا يكون الصحابي قد صلى مرتين جماعةً في مسجدٍ واحدٍ بأمرٍ من رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على جواز عقد صلاتين جماعةً في مسجد واحد لصلاة واحدة. وعن جابر بن عبد الله ﵁ «أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع رسول
стр. 1174
الله ﷺ العشاء، ثم يأتي قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» رواه أحمد والبخاري ومسلم. فهذا معاذ بن جبل كان يصلي جماعة خلف رسول الله ﷺ ، ثم يذهب إلى مسجد قومه فيصلي بهم إماماً الصلاةَ نفسَها، فيكون معاذ قد صلى صلاة الجماعة مرتين. وعلى هذا قلنا ما قلناه في أول البحث من أنه يجوز أن تُعقد في المسجد الواحد صلاتان جماعة، ويجوز لمن صلى جماعة أن يدخل في صلاة جماعة أخرى. وأيضاً روى بُسر بن محجن عن محجن «أنه كان في مجلسٍ مع رسول الله ﷺ فأذَّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي، ألست برجلِ مسلم؟ قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئتَ فصلِّ مع الناس وإنْ كنتَ قد صليت» رواه النَّسائي ومالك وأحمد وابن حِبَّان والحاكم وصححه. أما أن الصلاة الثانية تحتسب نافلة فلِمَا روى يزيد بن الأسود عند أحمد وأبي داود والنَّسائي والترمذي والدارمي. وقد مرَّ الحديث في بحث [حكم صلاة الجماعة وفضلها] وجاء فيه «يا رسول الله إنَّا قد كنا صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فلْيُصلِّها معه فإنها له نافلة» .
المسبوق يدخل في الصلاة على الحال التي عليها الإمام
стр. 1175
إذا حضر المسبوق وأراد الدخول في الصلاة كبَّر تكبيرة الإحرام، والتحق بالحال التي عليها الإمام، سواء كان الإمام راكعاً أو ساجداً أو جالساً أو قائماً، وإذا أدرك مع الإمام ركوع ركعة فقد أدرك الركعة كلها، وإن فاته الركوع لم يدرك الركعة، وبعد أن يسلِّم الإمام يُتمُّ ما بقي له من صلاته - ولا يجب عليه سجود السهو، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري ومسلم. ولمسلم من طريق أبي هريرة أيضاً بلفظ «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» . قوله مَن أدرك ركعة: أي من أدرك ركوع ركعة. والدليل على أن الركعة تطلق أحياناً على الركوع ما روته عائشة ﵂ في صلاة الكسوف بلفظ « ... وتقدَّم فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين ... » رواه مسلم. وما روته عائشة أيضاً بلفظ «.. ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين ... » رواه البخاري ومسلم. ولا يُفسَّر هذان الحديثان إلا بالقول إن كلمة أربع ركعات تعني هنا أربعة ركوعات. قوله فقد أدرك الصلاة: أي فقد أدرك الركعة ومِن ثَمَّ أدرك الصلاة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعُدُّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» رواه أبو داود وابن خُزَيمة والحاكم. وعن عبد العزيز بن رُفيع عن شيخٍ للأنصار قال «دخل رجلٌ المسجد والنبي ﷺ في الصلاة، فسمع خَفْقَ نعليه، فلما انصرف قال: على أي حال وجدتنا؟ قال: سجوداً فسجدت، قال: كذلك فافعلوا، ولا تعتَدُّوا بالسجود إلا أن تدركوا الركعة، وإذا وجدتم الإمام قائماً فقوموا، أو قاعداً فاقعدوا، أو راكعاً فاركعوا، أو ساجداً فاسجدوا، أو جالساً فاجلسوا» رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة. وعن المغيرة بن شعبة أنه قال
стр. 1176
«تخلَّفتُ مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فتبرَّز رسول الله ﷺ ، ثم رجع إليَّ ومعي الإداوة، قال: فصببت على يدي رسول الله ﷺ ، ثم استنثر، قال يعقوب: ثم تمضمض، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم أراد أن يغسل يديه قبل أن يخرجهما من كُمَّي جُبَّته، فضاق عنه كُمَّاها، فأخرج يده من الجُبَّة فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات، ومسح بخفَّيه ولم ينزعهما، ثم عمد إلى الناس فوجدهم قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة بصلاة عبد الرحمن، فلما سلَّم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يُتِمُّ صلاته، فأفزع المسلمين فأكثروا التسبيح، فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل عليهم فقال: قد أحسنتم وأصبتم، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها» رواه أحمد ومسلم. ورواه أبو داود ولفظه «فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح، فلما رأى النبي ﷺ أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن يمضي، قال: فصليت أنا والنبي ﷺ خلفه ركعة، فلما سلَّم قام النبي ﷺ ، فصلى الركعة التي سبق بها ولم يزد عليها شيئاً» . وإنما أوردت حديث المغيرة بن شعبة لأجل قوله في الرواية الأولى «قام رسول الله ﷺ يُتِمُّ صلاتَه» كدليل على أن المسبوق يُتِمُّ ما بقي له من صلاته. وأما الرواية الثانية فقد جاء فيها «فصلى الركعة التي سُبق بها ولم يزد عليها شيئاً» هذه الرواية دليل على أن المسبوق يُتِمُّ صلاته فقط ولا يسجد للسهو، ولا يأتي إلا ما سُبِق به فحسب، وهذا ردٌّ على من أوجبوا سجود السهو على المسبوق.
خروج المُحْدِث من الصلاة
стр. 1177
مَن أحدث وهو يصلي في جماعة سواء كان في مسجد أو غيره شُرع له أن يأخذ بأنفه مُوهِماً مَنْ عنده مِن الناس أنه رعف، وينسحب من الصلاة ليتوضأ ثم يعود، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «إذا أحدث أحدكم في صلاته فلْيأخذ بأنفه ثم لينصرف» رواه أبو داود والحاكم والدارقطني. ورواه ابن ماجة وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «إذا أحدث أحدُكم وهو في الصلاة فلْيضع يده على أنفه ثم لينصرف» رواه الحاكم والدارقطني وابن خُزيمة.
الفصل الثالث عشر
الأمامة في الصلاة
أ. صفة الأئمَّة
الأحقُّ بالإمامة
الأحق بالإمامة هم حسب الترتيب التالي:
١ - الأقرأ لكتاب الله، بمعنى الأكثر حفظاً له.
٢ - الأعلم والأفقه.
٣ - الأكبر سناً.
стр. 1178
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا كانوا ثلاثة فلْيؤُمَّهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرؤهم» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال «يؤم القوم أقرؤهم للقرآن» رواه أحمد. ولأحمد من طريق عمرو بن سلمة بلفظ «ليؤمكم أكثرُكم قرآناً» . ورواه الطبراني والبخاري وأبو داود والنسائي. وعن مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له «إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما» رواه أحمد وابن حِبَّان والترمذي والنسائي وابن ماجة. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأَقدمهم سنَّاً، ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكرِمته الا بإذنه» رواه مسلم. ورواه أحمد ولفظه «ولا يُؤَمُّ الرجلُ في أهله ولا في سلطانه، ولا يُجْلَس على تكرمته في بيته إلا بإذنه» . وقد أخرجتُ أحقِّيَّة الأقدم هجرةً الواردة في الحديث لعدم وجودها الآن.
وقد حوى الحديث الأخير إضافتين اثنتين لما سبق بيانه هما: أن الرجل في بيته يكون هو الإمام وليس الأقرأ ولا الأفقه ولا الأكبر سناً، ولا يُؤَمُّ الرجُلُ في أهله إلا أن يأذن لغيره بالإمامة. والخليفة ومثله الوالي في ولايته والعامل في عمالته يكونون الأئمة في المكان الذي يحكمون فيه، فالخليفة ومثله الوالي في ولايته والعامل في عمالته يُقدَّمون على صاحب البيت، وعلى الأقرأ لكتاب الله، وعلى الأعلم والأفقه والأكبر سناً، فالخليفة والوالي والعامل يَؤُمُّون الناس حيثما كانوا «ولا في سلطانه» .
إِمامة الأعمى
стр. 1179
تجوز إمامة الأعمى للعميان وللمبصرين على سواء دون تفضيلٍ للأعمى على المبصر، أو للمبصر على الأعمى، فعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، يصلي بهم وهو أعمى» رواه أحمد وأبو داود وابن حِبَّان. ورواه ابن حِبَّان والطبراني وأبو يعلى من طريق عائشة ﵂. وعن محمود بن الربيع الأنصاري «أن عِتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسَّيْل وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مصلي، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكانٍ من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ » رواه البخاري والنَّسائي ومالك. وفي رواية عند البخاري بلفظ «قال للنبي: يا رسول الله قد أنكرتُ بصري وأنا أصلي لقومي» فهذه الرواية الأخيرة فيها بيان أن رسول الله ﷺ قد أُخبر بأن عِتبان كان يؤم قومه فلم يعترض عليه.
إمامة الصبي
стр. 1180
تجوز إمامة الصبي الذي لم يبلغ، في الفريضة وفي النافلة، للرجال وللصبيان وللنساء، ما دام قادراً عليها قارئاً لكتاب الله سبحانه. فعن عمرو بن سلمة ﵁ قال «لما كان يوم الفتح جعل الناس يمرُّون علينا، قد جاءوا من عند رسول الله ﷺ ، فكنت أقرأ وأنا غلام، فجاء أبي بإسلام قومِه إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : يؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً، قال فقالت امرأة: غطوا إسْتَ قارئِكم، قال فاشتروا له بردة، قال: فما فرحت أشدَّ من فرحي بذلك» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه البخاري وجاء فيه « ... وليؤُمَّكم أكثرُكم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآناً مني لِمَا كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين ... » شرحُ الحديث: راوي الحديث عمرو بن سلمة كان من قبيلةٍ في طريق المسلمين الذاهبين إلى مكة عام فتحها، فكان المسلمون يمرون بهذه القبيلة يقرأون القرآن، فكان هذا الصبي يستمع ويحفظ مما يقرأه المسلمون، فلما أسلم أهله ورجال قبيلته وذهب أبوه يخبر رسول الله ﷺ بإسلام القبيلة، أمرهم رسول الله ﷺ أن يؤمهم في الصلاة أكثرهم قرآناً، وحيث أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وحيث أن الصبي راوي الحديث كان يحفظ شيئاً من القرآن، فقد قدَّموه في الصلاة فكان إمامهم، وكان الرجال والنساء يصلون خلفه، فبان دُبُر الصبي في أثناء الصلاة، فرأته امرأة فطلبت تغطيته، فاشتروا له بردة أي ثوباً طويلاً يستر عورته، فلا تنكشف في أثناء الصلاة.
إمامة المرأة
стр. 1181
تجوز إمامة المرأة وتصحُّ للنساء، وإذا أمَّت وقفت في وسط الصف ولم تتقدَّمْهُ، فعن أبي نعيم قال «حدثنا الوليد قال: حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكانت قد جمعت القرآن، وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مُؤذِّن، وكانت تؤم أهل دارها» رواه أحمد وأبو داود وابن خُزَيمة والحاكم والبيهقي. وعن ريطة الحنفية «أن عائشة أمَّتهُنَّ، وقامت بينهنَّ في صلاة مكتوبة» رواه عبد الرزاق والبيهقي والدارقطني. وعن حُجَيرة بنت حصين قالت «أمَّتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا» رواه الدارقطني والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. ولم يَرِدْ أن امرأة قد أمَّت الرجال، فتُقتصر إمامة المرأة على النساء فحسب.
اقتداء المقيم بالمسافر وبالعكس
стр. 1182
يجوز أنْ يأتمَّ المقيم بالمسافر وهو الأصل، كما يجوز أن يأتمَّ المسافر بالمقيم، فإذا أمَّ المسافر وفرغ من الركعتين - أي من صلاته المقصورة - وسلَّم أتمَّ المقيمون خلفه صلاتهم الرباعية منفردين، أما إذا أمَّ المقيم المسافر فإن المسافر خلفه يُتِمُّ صلاته الرباعية ولا يفارق الإمام. فعن سالم بن عبد الله عن أبيه «أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ» رواه مالك وعبد الرزاق والطحاوي. قوله قومٌ سَفْر: أي قوم مسافرون. وعن صفوان بن عبد الله قال «جاء عبد الله بن عمر يعود عبد الله بن صفوان، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف، فقمنا فأتممنا» رواه عبد الرزاق ومالك والطحاوي. وعن موسى بن سلمة قال «كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: سُنَّةُ أبي القاسم ﷺ » رواه أحمد. وفي لفظ آخر عن ابن عباس ﵁ «أنه سُئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ فقال: تلك السُّنَّة» رواه أحمد. وهذا الحديث الأخير يأخذ حكم الرفع أي الاتصال بالرسول الله ﷺ لقوله «تلك السُّنة» وعن نافع «أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعاً، فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين» رواه مالك. وروى مالك عن نافع «أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليالٍ يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته» .
اقتداء المفترض بالمتنفل وبالعكس
стр. 1183
يجوز لمن يريد صلاة الفريضة ووجد رجلاً يصلي نافلة أن يأتمَّ به وتصح صلاته، فعن جابر بن عبد الله «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ورواه الشافعي والدارقطني وعبد الرزاق والبيهقي بزيادة «هي له تطوُّع ولهم مكتوبةٌ العشاءَ» وهذه رواية الشافعي «عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع النبي العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها، هي له تطوَّع وهي لهم مكتوبةٌ العشاءَ» يذكر هذا الحديث أن قوم معاذ كانوا يصلون صلاة العشاء المفروضة خلف معاذ الذي كان يصلي بهم نافلة، لأنه يكون قد صلى العشاء خلف رسول الله ﷺ ، وجاء في فصل [صلاة أهل الأعذار] بحث [صلاة الخوف] البند (٢) الحديث التالي «عن أبي بَكْرة أنه قال: صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فصار للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان والدارقطني.
وجه الاستدلال بهذا الحديث أن الرسول ﷺ كان قد صلى الصلاة المفروضة ركعتين بقسم من المسلمين، وأتمَّ الصلاة بالتسليم، فلما صلى بالقسم الثاني ركعتين أخريين فإنه إنما صلى بهم هاتين الركعتين نافلة، في حين أنهم هم صلوهما فريضة، بمعنى أن القسم الثاني من المسلمين قد صلوا الفريضة مؤتمِّين برسول الله ﷺ وهو يصلي نافلة.
стр. 1184
وكما يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل فكذلك يجوز العكس، أي يجوز للمتنفل أن يصلي خلف المفترض، بل ويُندب ذلك له إن هو أدرك صلاة الجماعة سواء في المسجد أو في العراء وكان هو قد أدى الفريضة، فيندب له عندئذٍ أن يدخل في صلاة الجماعة، وتكون صلاته معهم نافلة وهم يؤدون صلاة الفريضة، لما رُوي عن محجن الديلي ﵁ قال «أتيت النبي ﷺ فأُقيمت الصلاة فجلست، فلما صلى قال لي: ألست بمسلم؟ قلت: بلى، قال: فما منعك أن تصلي مع الناس؟ قال قلت: قد صليت في أهلي، قال: فصلِّ مع الناس» رواه أحمد ومالك وابن حِبَّان والحاكم والنَّسائي. ولما رُوي عن يزيد بن الأسود ﵁، وقد مرَّ بتمامه في [حكم صلاة الجماعة وفضلها] وجاء فيه « ... فقال: ما منعكما أن تُصلِّيا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في الرحال قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فلْيصلِّها معه، فإنها له نافلة» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي.
الإمام يصلي جالساً
стр. 1185
يجوز للإمام إن كان مريضاً أن يصلي بالناس جالساً، وفي هذه الحالة يصلِّي المؤتمُّون به وهم جالسون أيضاً مقتدين بإمامهم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جُعِل الإمام ليُؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه، وإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جلوساً فصلوا جلوساً أجمعين» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. وقد مرَّ في بحث [متابعة المأموم للإمام] فصل [صلاة الجماعة] . وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت «صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن جابر ﵁ قال «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيرَه، فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلَّم قال: إنْ كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلَّى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلَّى قاعداً فصلوا قعوداً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. وعن عبد الله بن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان في نفرٍ من أصحابه فقال: ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله، قال: ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومِن طاعة الله طاعتي؟ قالوا: بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومِن طاعة الله طاعتك، قال: فإنَّ مِن طاعة الله أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أُمراءَكم، وإن صلوا قعوداً فصلوا
стр. 1186
قعوداً» رواه ابن حِبَّان والطبراني وأحمد والطحاوي. فهذا النص مِن أبلغ الدلالات على وجوب صلاة المأمومين جلوساً إن صلى الإمام جالساً.
أما ما يُروى من أن أبا حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه ومالك وأصحابه قالوا بصلاة المأمومين قياماً خلف الإمام الجالس، فهو رأيٌ مرجوح وضعيف.
أما أبو حنيفة ومالك فقد اعتمدا على حديث رواه الدارقطني والبيهقي وعبد الرزاق من طريق جابر الجُعفي عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ «لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً» فنقول لهما إن هذا الحديث قال عنه الدارقطني بعد أن رواه (لم يَروه غير جابر الجُعفي عن الشعبي وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم له الحجة) . ونقل البيهقي هذا القول في كتابه عند روايته لهذا الحديث. وقال الشافعي عن جابر إنه ضعيف جداً. وقال عنه أبو حنيفة إنه كذاب. فقد ذكر ابن حِبَّان عن أبي يحيى الحماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول (ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجُعفي ... ) فالحديث هذا ساقط لا يحل الاحتجاج به، وإني لأعجب من الأحناف كيف يأخذون بهذا الحديث رغم تكذيب إمامهم لراويه جابر الجُعفي!
стр. 1187
وأما الشافعي وأصحابه فقد قالوا إن الأحاديث الآمرة بالصلاة جلوساً خلف الإمام الجالس هي منسوخة بالحديث التالي: عن عائشة ﵂ قالت «لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجلٌ أسيف، وإنه متى ما يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أَسيف، وإنه متى يقم مقامك لم يُسمع الناس، فلو أمرتَ عمر، فقال: إنكنَّ لأنتنَّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خِفَّة، فقام يتهادى بين رجلين ورِجْلاه تخُطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعداً، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁» رواه البخاري. ورواه مسلم وجاء فيه « ... فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد» . قوله الأسيف: أي الرقيق الرحيم.
والرد على هؤلاء من وجوه:
стр. 1188
١- إن حادثة صلاة رسول الله ﷺ وهو جالس، وصلاة أبي بكر مقتدياً به وهو قائم والناس يصلون قياماً بصلاة أبي بكر قد وردت في أحاديث صحيحة، ولكن هناك أحاديث أُخرى صحيحة قد أوردت الحادثة نفسها بشكل مغاير، فذكرت أن المأمومين قد صلوا جلوساً خلف إمامهم رسولِ الله ﷺ الجالس، ويكفي حديث جابر المار قبل قليل، فقد جاء فيه «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُسمع الناس تكبيرَه، فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً» وحيث أن هذه الحادثة وردت مرة بكيفية معينة، ووردت بكيفية مختلفة مرة أُخرى، فقد أصبحت محتملة، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
٢ - إن الحديث قد رُوي عن عائشة ﵂، وهناك حديث مروي عنها هكذا: عن عائشة ﵂ «أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه» رواه ابن حِبَّان وابن خُزيمة. ورواه أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي بلفظ «صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعداً» فعائشة ﵂ قد رُوي عنها قولان متعارضان: أحدهما يقول إن الإمام كان الرسول ﵊، وثانيهما يقول إن الإمام كان أبا بكر ﵁، فصار الأمر محتملاً، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
стр. 1189
٣ - حديث عائشة الثاني يدعمه ويقويه الحديث التالي: عن أنس بن مالك قال «آخِرُ صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد متوشِّحاً به - يريد قاعداً خلف أبي بكر» رواه ابن حِبَّان. ورواه أحمد بلفظ «آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم في ثوب واحد متوشِّحاً به خلف أبي بكر» ورواه الترمذي بلفظ «صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوب متوشِحاً به» . وقال (هذا حديث حسن صحيح) وهذا الحديث عن أنس، والذي قبله عن عائشة ﵂ حديثان صحيحان لا مطعن في أي منهما، فهل بعد هذين الحديثين وبعد حديث جابر يبقى للشافعي وأصحابه ما يتمسكون به من القول بنسخ الأحاديث الكثيرة الصحيحة القائلة بصلاة المأمومين جلوساً خلف الإمام الجالس؟ هل يصح نسخ الأحاديث الصحيحة الكثيرة بحديث محتمل؟.
٤- روى ابن أبي شيبة من طرق أن كلاً من جابر بن عبد الله وأُسيد بن حضير وقيس بن قهد قد صلى إماماً وهو جالس، وأن المأمومين خلفه صلوا جلوساً، وقال ابن حِبَّان (إن من أصحاب رسول الله ﷺ أربعة أفتوا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسيد ابن حُضير وقيس ابن قهد، والإجماع عندنا إجماع الصحابة ... ولم يُرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً) وقال عبد الرزاق (وما رأيت الناس إلا على أن الإمام إذا صلى قاعداً صلى من خلفه قعوداً، وهي سُنة من غير واحد) وحيث أن الصحابة أجمعوا أو كادوا، وحيث أن ذلك سُنة فهل يصح بعدئذ القول بالنسخ، وهل أحدٌ أعلم بالنسخ من الصحابة؟.
стр. 1190
٥ - إن الرسول ﷺ قد أمر المصلين بالاقتداء بالإمام في قيامه وجلوسه، وعندما رآهم يخالفون إمامهم بالصلاة خلفه قياماً وهو جالس قال «إنْ كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهو قعود» . وقد قرأت تعليقاً لطيفاً لأحمد محمد شاكر على هذه المسألة أنقله لكم (ودعوى النسخ يردها سياق أحاديث الأمر بالقعود وألفاظها، فإن تأكيد الأمر بالقعود بأعلى ألفاظ التأكيد مع الإنكار عليهم بأنهم كادوا يفعلون فعل فارس والروم يبعد معهما النسخ، إلا إن ورد نص صريح يدل على إعفائهم من الأمر السابق وأنَّ علة التشبُّه بفعل الأعاجم زالت، وهيهات أن يوجد هذا النص، بل كل ما زعموه للنسخ هو حديث عائشة - أعني في صلاة النبي في مرض موته مع أبي بكر - ولا يدل على شئ مما أرادوا ... ) .
٦ - وأقول أخيراً ما يلي: على افتراض أنه لا توجد نصوص تعارض حديث عائشة الأول الذي يعتمدون عليه في ادِّعاء النسخ، وقطعاً للحجة، فإنه لا حاجة بهم إلى القول بالنسخ، وإنما كان عليهم أن يحملوا ما حصل على أنه من خصوصياته ﵊، بمعنى أنه ما كان لغير رسول الله ﷺ أن يكون إماماً لإمام، فالأحاديث تذكر أن أبا بكر كان الإمام، وأن الناس خلفه كانوا يأتمون به ويقتدون به، وأن أبا بكر كان يأتمُّ ويقتدي برسول الله ﷺ ، فالأحاديث تقول «وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر» ووقع في روايةٍ عند ابن حِبَّان وغيره «فكان أبو بكر يأتمُّ بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون بأبي بكر» فهل يقول الشافعيون إن الصلاة بإمامين في وقت واحد جائز ومشروع؟ ألا يدل ذلك على أنه من خصوصياته ﵊ التي لا يجوز لمسلم أن يقلده فيه؟.
стр. 1191
إن هذه البنود مجتمعة ومتفرقة تُسقط الادعاء بوجود النسخ، ويبقى الحكم عاماً ومحكماً بأن المأمومين يصلون جلوساً خلف الإمام الجالس.
صلاة الإمام المخلّ بشروط الصلاة
إذا أمَّ الناس جُنُبٌ أو مَن ليس على وضوء وهو لا يعلم حتى خرج من الصلاة، فإن المأمومين لا يعيدون صلاتهم لأنها صحيحة مقبولة، ويعيدها الإمام وحده لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة لا تقبل بدونها، وكذلك إذا أخلَّ الإمام بأي شرط وأنهى صلاته دون علم المأمومين فصلاتهم صحيحة، وصلاته وحده باطلة تجب عليه إعادتها، فقد وردت عدة آثار عن كبار صحابة رسول الله ﷺ أنهم صلوا بالناس وهم جنب، أو وهم على غير وضوء، دون علم منهم ومن المصلين، ثم إنهم لما علموا بذلك بعد انقضاء صلاتهم أعادوا هم وحدهم صلاتهم، ولم يأمروا المصلين بإعادة تلك الصلاة، وقد حصل كل ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة رضوان الله عليهم دون إنكار منهم، فكان ذلك إجماعاً. فعن الأسود بن يزيد قال «كنت مع عمر بن الخطاب بين مكة والمدينة فصلى بنا، ثم انصرف فرأى في ثوبه احتلاماً، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه وأعاد صلاته، ولم نُعد صلاتنا» رواه ابن المنذر. وعن الشريد الثقفي «أن عمر صلى بالناس وهو جنب، فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا» رواه الدارقطني بسند رواته ثقات. وعن محمد بن عمرو ابن الحارث بن المصطَلِق «أن عثمان صلى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على فخذه فقال: كبرتُ والله، كبرتُ والله، أجنبتُ ولا أعلم، فاغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا» رواه ابن المنذر والأثرم والبيهقي والدارقطني. وعن نافع «أن ابن عمر صلى بأصحابه، ثم ذكر أنه مسَّ ذكره فتوضأ، ولم يأمرهم أن يعيدوا» رواه الدارقطني. ورواه ابن المنذر وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي باختلاف يسير.
стр. 1192
فالإمام إذا أخل بشرط من شروط الصلاة كالطهارة مثلاً وهو لا يعلم فإن صلاة المؤتمين به صحيحة، سواء تمت الصلاة بالإخلال أو حصل تدارك له في أثناء الصلاة، فالعبرة في كل ذلك أن يكون قد حصل ما حصل بدون علم الإمام، أما إذا كان الإمام يعلم بوجود الإخلال، وكان المؤتمون يعلمون بوجوده لدى الإمام، فإن صلاة الجميع تكون باطلة عندئذٍ.
والخلاصة أن الإمام إن هو أخلَّ بشروط الصلاة أو انتقص منها شيئاً فإن مردوده راجع عليه وحده، ولا يضير المصلين شئ إلا أن يكونوا يعلمون ويرضون فيشاركوه في أمره، وذلك للأدلة السابقة، ولما روى عامر بن عقبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مَن أمَّ الناس فأصاب الوقت واتمَّ الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم» رواه ابن حِبَّان وابن خُزيمة وأحمد وأبو داود والطبراني.
الإمام يستخلف في صلاته
للإمام أن يستخلف أحداً ممن يقفون خلفه يقدِّمه عليهم ليؤمهم بدله، وله أن لا يستخلف، وإنما ينصرف من صلاته لإزالة العارض الذي يحول دون مواصلة الصلاة، ثم يعود لإمامتهم، كأن يتذكر أنه جنب، أو على غير وضوء، أو على ثيابه نجاسة دون أن يكون ذهابه لإزالة العارض يحتاج إلى زمن طويل يشق على المصلين، فعن أبي بكرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ استفتح الصلاة فكبَّر، ثم أومأ إليهم أنْ مكانَكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشر وإني كنت جنباً» رواه أحمد. وروى نحوه أبو داود وابن حِبَّان والبيهقي. فالرسول ﷺ عندما تذكر أنه جُنُب وهو في الصلاة لم يستخلف أحداً، بل ذهب مسرعاً لإزالة العارض وهو الجنابة، ثم عاد فأمَّ الناس.
стр. 1193
أما الدليل على جواز الاستخلاف فما رواه أبو رزين قال «أمَّنا عليٌّ فرعف، فأخذ رجلاً فقدَّمه وتأخَّر» رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور. وهذا الفعل وإن كان من صحابي، إلا أنه حصل على مرأى ومسمع من الصحابة فلم ينكروه، فكان ذلك دليلاً على صحة الاستخلاف.
الإمام يكرهه المصلون
إمامة الإمام الذي يكرهه المصلون حرام لا تحلُّ له، ولكن الصلاة خلفه جائزة وصحيحة، فعن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبدُ الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمامُ قومٍ وهم له كارهون» رواه الترمذي. وعن ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً، رجلٌ أمَّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأَخَوان متصارمان» رواه ابن ماجة. فمن كانت صلاته لا تجاوز الأذن، ولا ترتفع فوق الرأس فإن هذه الصلاة لا شك حرام، وليست مكروهة فحسب كما قال بذلك عدد من الفقهاء، والمقصود بكُرْهِ المصلين للإمام كره الكثرةِ منهم، ولا يضير هذه الإمامة أن يكرهها شخصان أو ثلاثة مثلاً من بين جمهور المصلين، فالعبرة بالكثرة.
ب. موقف الإمام والمصلين
أين يقف الواحد وأين يقف الإثنان فصاعداً
стр. 1194
يقف الواحد إذا كان رجلاً عن يمين الإمام دون أن يتقدم عليه الإمام بشئ، فإذا جاء رجل ثانٍ اصطف الاثنان خلف الإمام، وكذلك يفعلون إن كانوا أكثر من اثنين، وإذا كان المأمومون رجلاً وطفلاً فحسب اصطفَّا خلف الإمام كذلك، وإذا كانوا رجلاً وطفلاً وامرأة اصطفَّ الرجل والطفل خلف الإمام، ووقفت المرأة خلفهما وحدها، وإذا كانوا رجلاً وامرأة فقط وقف الرجل عن يمين الإمام ووقفت المرأة خلفهما وحدها. فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كنت مع رسول الله ﷺ في سفر ... فجاء فتوضأ، ثم قام فصلى في ثوب واحد خالف بين طرفيه، فقمت خلفه فأخذ بأذني فجعلني عن يمينه» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والبيهقي. وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال «بعثني العباس إلى النبي ﷺ وهو في بيت خالتي ميمونة، فبتُّ معه تلك الليلة، فقام يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فتناولني من خلف ظهره فجعلني على يمينه» رواه مسلم. وعنه ﵄ قال «أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرَّني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنستُ، فصلى رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال لي: ما شأني أجعلك حذائي فتخنُسُ؟ فقلت: يا رسول الله أَوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله؟ قال: فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً ... » رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. وقد مرَّ ذكر هذا الحديث ووجه الاستدلال به في بحث [تنعقد الجماعة بإمام ومأموم واحد] فصل [صلاة الجماعة] . وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «قام النبي ﷺ يصلي المغرب، فجئت فقمت إلى جنبه عن يساره، فنهاني فجعلني عن يمينه، فجاء صاحبٌ لي فصففنا خلفه، فصلى بنا رسول الله ﷺ في ثوب واحد مخالفاً بين
стр. 1195
طرفيه» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي رواية مسلم «فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه» . وعن أنس ابن مالك ﵁ «أن جدَّته مُلَيْكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه ثم قال: قوموا فلأُصَلِّ لكم، قال أنس: فقمتُ إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس، فنضحته بماء فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف ﷺ » رواه أبو داود وأحمد والبخاري ومسلم ومالك. وعن عبد الله بن عباس ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ ، وعائشة خلفنا وأنا إلى جنب النبي ﷺ أُصلي معه» رواه أحمد والنَّسائي.
موقف الصبيان والنساء
следующие страницы →