← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أما أن هذا الاغتسال سُنة وليس فرضاً فلِما روى ابنُ خُزَيمة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه «صُبُّوا عليَّ من سبع قرب لم تُحْلل أَوكِيَتُهُنَّ لَعلِّي أستريح فأعهد إلى الناس، قالت عائشة: فأجلسناه في مِخْضَبٍ لحفصة من نحاس، وسكبنا عليه الماء منهن، حتى طفق يُشير إلينا أن قد فعلتنَّ، ثم خرج» فقوله ﵊ «لعلِّي أستريح» يدل على القصد من اغتساله، وأنه بالتالي لم يكن اغتسالَ فرضٍ واجب. غُسل من غسَّل ميتاً وردت فيه الأحاديث التالية: ١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من غَسَّل مَيْتاً فلْيغتسل، ومن حمله فلْيتوضأ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي. ٢- عن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة أنها حدَّثته أن النبي ﷺ قال «يُغتَسَلُ من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة وغُسل الميت والحِجامة» رواه ابن خُزَيمة والبيهقي وأبو داود. ٣- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وحسنه. وصحَّحه ابن حزم. ٤- عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ليس عليكم في غُسل ميتكم غُسل إذا غسَّلتموه، إنه مسلم مؤمن طاهر، وإن المسلم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه البيهقي. ٥- عن عبد الله بن أبي بكر «أنَّ أسماء بنت عُمَيس غَسَّلت أبا بكر الصِّدِّيق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة وإنَّ هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ مِن غُسل؟ فقالوا: لا» رواه مالك.

стр. 247

٦- عن أسامة بن زيد ﵁ قال «دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ ، فأخبره بموت أبي طالب، فقال: اذهب فاغسله، ولا تُحْدِثنَّ شيئاً حتى تأتيني، فغسلته وواريته ثم أتيته، فقال: اذهب فاغتسل» رواه البيهقي. ٧- عن ابن عمر ﵁ قال «كنا نغسل الميت فمنَّا مَن يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» رواه البيهقي والخطيب. وصححه ابن حجر. وقد اختلف الأئمة في حكم الاغتسال من غسل الميت، فذهب علي وأبو هريرة في رواية عنهما، وابن حزم إلى وجوب الاغتسال. وذهب مالك وأحمد وأصحاب الشافعي إلى أن الاغتسال مُستحبٌّ، وذهب أبو حنيفة والليث إلى أن الاغتسال لا يجب ولا يُستحب. وقبل أن نعمد إلى استنباط الحكم، لِننْظُر في هذه النصوص حتى نتبين الصالح منها للاستدلال من غير الصالح. الحديث الأول قال فيه البيهقي (قال البخاري: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا لا يصح في هذا الباب شيء) ، وقال (هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة كما أشار إليه البخاري) . والحديث الثاني ضعَّفه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود. والحديث الرابع رواه البيهقي من طريقين، وقال عن إحداهما (لا يصح رفعه) ، وقال عن الأخرى (هذا ضعيف) . والحديث السادس ضعَّفه البيهقي، فقد قال (فيه علي بن أبي علي اللهبي، ضعيفٌ جرَّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وجرَّحه البخاري وأبو عبد الرحمن النَّسائي) . وإذن فإن الأحاديث: الأول والثاني والرابع والسادس ضعيفة، فتسقط عن مرتبة صلاحها للاستدلال، فيبقى عندنا الحديث الثالث والحديث الخامس والحديث السابع.

стр. 248

أما الحديث الثالث فيقول «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» فهو يأمر بالاغتسال، والأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تحدِّد أياً مِن أنواع الطلب هو المقصود، وليس في هذا الحديث قرينة، ولكننا نجد القرينة في الحديث الخامس والحديث السابع. أما الخامس فإن عدداً من الصحابة المهاجرين أفتَوْا زوجة أبي بكر الصدِّيق ﵄ بأنه لا غُسل عليها من تغسيل الميت، وقد أفتَوْها بعد أن قالت «إني صائمة وإن هذا يومٌ شديد البرد» وهذا الجواب من الصحابة ينفي وجوب الغُسل. وأما السابع فهو أن ابن عمر قال «منا من يغتسل ومنا من لا يغتسل» وهذا الفعل من أصحاب رسول الله ﷺ ينفي أيضاً وجوب الغسل، فلا يبقى أمامنا إلا الإباحة وإلا الندب فحسب. وحيث أن الغُسل مندوب لأنه تنظيف، فإن قوله ﵊ «مَن غسَّل ميتاً فلْيغتسل» يجعله يُحمَل على الندب والاستحباب، والمندوب يصح تركه، وهذا ما يفسر ترك ناس من الصحابة لهذا الغسل، وما يفسر فتواهم لامرأة أبي بكر - وكانت صائمة وكان اليوم آنذاك شديد البرد - بأن لا غُسل عليها. ومن ذلك يترجح رأي مالك وأحمد والشافعية القائل بالاستحباب. الفصل الثامن الغُسل الغُسل بالضم اسم للاغتسال، والماء الذي يُغتسل به، وبالفتح المصدر، وحقيقة الغُسل جريان الماء على الأعضاء دون الحاجة إلى الدلك. وقد جاء الأمر به في القرآن الكريم، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنتم سُكَارى حتى تَعلَمُوا ما تَقُولُون ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تَغْتَسِلوا﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. كما جاءت الأحاديث تأمر به وتبيِّن صفته وكيفيته. صفة الغُسل وردت في صفة الغسل الأحاديث التالية:

стр. 249

١- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله فيغسل فَرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيُدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» رواه مسلم والبخاري. وفي روايةٍ للبخاري « ... ثم يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ... » . ٢- عن ميمونة ﵂ قالت «وضعتُ لرسول الله ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيرَه، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحَّى من مقامه فغسل قدميه» رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ للبخاري عن ميمونة ﵂ « ... قالت: فأتيته بخِرقة فلم يُرِدْها، فجعل ينفض بيده» . وفي روايةٍ لمسلم « ... ثم أتيته بالمنديل فردَّه» . ٣- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل» رواه النَّسائي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وقال: حسن صحيح. ٤- عن أم سلمة ﵂ قالت «قلت يا رسول الله إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ٥- عن ثوبان أنهم استفتَوْا النبي ﷺ عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال «أما الرجل فلْينشر رأسه فلْيغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضَه، لتغرف على رأسها ثلاث غَرَفات بكفَّيها» رواه أبو داود بسند قوَّاه الشوكاني.

стр. 250

٦- عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أنها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، وفيه « ... ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ثم صبَّ على رأسه وجسده الماء، فإذا فرغ غسل قدميه» رواه البيهقي وصححه ابن حجر. ٧- عن أبي سلمة قال «دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة فسألها أخوها عن غسل النبي ﷺ ، فدعت بإناءٍ نحوٍ من صاع فاغتسلتْ وأفاضتْ على رأسها، وبيننا وبينها حجاب» رواه البخاري. ٨- عن ابن عباس ﵁ قال: قالت ميمونة «وضعتُ للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه» رواه البخاري. وفي رواية أخرى له عنها «توضأ رسول الله ﷺ وضوءَه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما ... » . وفي رواية ثالثة له عنها «أفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحَّى فغسل قدميه ... » . وفي رواية رابعة له عنها «فصبَّ على يده فغسلها مرة أو مرتين، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثم صبَّ على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه..» .

стр. 251

٩- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحِلاب فأخذ بكفِّه، بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه» رواه مسلم والبخاري. قوله الحِلاب: أي إناءٌ يُحلَب فيه. وبالنظر والتدقيق في هذه الأحاديث التسعة يتبين أن الغسل منه ما هو مُجْزِئ ومنه ما هو أعلى وأكمل، وكلاهما مشروع. الغُسل المُجْزئ أما الغسل المُجزئ فهو كالتالي: ينوي المغتسل رفع الحدث الأكبر، ثم يفيض الماء على رأسه، ثم على سائر بدنه، يفعل ذلك مرة واحدة. وقد استُخلِص هذا الغسل من الأدلة الآتية: أ- حديث «إنما الأعمال بالنية» وقد مرَّ في أول الكتاب، وهو صالح لإثبات النية لكل عبادة ومنها الوضوء والغسل. ب- حديث ميمونة برواياته المتعددة: ١- «ثم أفاض على جسده» ولم يذكر عدداً، ولم يذكر الرأس، فيدخل غسل الرأس في غسل الجسد ويأخذ حكمه وصفته. ٢- «ثم أفاض عليه الماء» ولم يذكر الجسد ولم يذكر عدداً، فدلَّ على أن الرأس وسائر الجسد شيء واحد. ٣- «وأفاض على رأسه» فذكر الإفاضة على الرأس، ولم يذكر الجسد ولم يذكر عدداً، فدل على أن الرأس له حكم الجسد، والجسد له حكم الرأس. ٤- «وغسل رأسه ثم صب على جسده» فذكر غسل الرأس وصبَّ الماء على الجسد، ولم يذكر عدداً. وإذن فإن إفاضة الماء إنما تكون على الرأس وعلى سائر الجسد دون تحديد عدد. ج- حديث أم سَلَمة الرابع «ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين» ولم يذكر غسل الرجلين أو تنحيتهما، فدل على أن ذلك يدخل في غسل البدن، ودل حديث ميمونة برواياته المتعددة على أن غسل الرأس ثلاثاً الوارد في أحاديث أخرى لا يجب.

стр. 252

وحيث أن الغسل المُجزئ هو الغسل الأدنى، أي هو الذي يتضمن ما يجب في الغسل فقط دون زيادات وإضافات مسنونة، فإن هذه الأحاديث الثلاثة قد أتت على أدنى الغسل، وبالتالي تبين منها أن الغسل المُجزئ هو: النية، وغسل الرأس مرة، وغسل سائر البدن مرة فقط، دون أية إضافة أخرى، فمن أتى به فقد أزال الجنابة وجازت له به الصلاة ومسُّ المصحف والطواف دون أن يحتاج معه إلى وضوء، يدل على ذلك حديث عائشة الثالث «كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل» . ورب قائل يقول: إن الأحاديث في عمومها ذكرت غسل الرأس ثلاثاً والبدن مرة، فلِمَ لا يكون غسل الرأس ثلاثاً هو المُجزئ، سيما وأن حديث أم سلمة يقول «إنما يكيفك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» فأدخل غسل الرأس ثلاثاً في الغسل الذي وُصف بالكفاية، بمعنى أن ما هو أقل منه غير كافٍ؟ والجواب هو أن حديث عائشة التاسع يقول «فأخذ بكفه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه» فهو يبين بشكل صريح أن الجزء الواحد من الرأس لم يغسل ثلاثاً، لأن ما أُفيض من الماء على ميمنة الرأس لم يصب الميسرة، وهذا ينفي وجوب غسل الرأس ثلاثاً، وبالتالي يفهم منه أن التثليث غير واجب. هذا هو الغسل المُجزئ. الغُسل الأكمل

стр. 253

أما الغسل الأكمل فصفته أو كيفيته كما يلي: ينوي رفع الحَدَث الأكبر، ثم يسمِّي الله، ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم يغسل فرجه، ثم يتمضمض ثلاثاً، ثم يستنشق ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويخلل لحيته، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم يخلل شعر رأسه حتى يبلغ البلل أصول الشعر، ويصب الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض الماء على سائر بدنه مرة واحدة، ثم يغسل رجليه. وبذلك يرتفع الحدث الأكبر، ويكون قد اغتسل أفضل غسل وأكمله. هذا الغسل حوى واجبات الغسل وسننه كلها، لذا فإن المسلم يُندب له أن يغتسل هذا الغسل، وإذا اختار أحدٌ هذا الغسل ولكنه فعله مرة واحدة فإنه يكون قد أتى بغسلٍ أدنى من الأكمل وأعلى من المُجزئ. والمرأة في الغسل كالرجل، إلا أن الرجل يُندب له أن يخلل شعر رأسه ولا يُندب ذلك للمرأة، فحديث أم سلمة الرابع يقول «أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا» فقوله ﵊ «لا» يدل على أن النقض غير واجب وغير مستحب. تفصيلات تتعلق بالغسل ١- اختلف العلماء في موضوع الوضوء أو ما سُمِّي بالوضوء للصلاة الوارد في حديث عائشة الأول، هل هو وضوءٌ مستقل أم هو جزء من الغسل، اختلفوا على رأيين: فذهب أبو ثور وداود إلى أن الوضوء مستقل، وأوجبوا على المسلم أن ينوي له نية رفع الحدث الأصغر، ثم إذا أفاض الماء على رأسه وبدنه نوى رفع الحدث الأكبر، أي هم أوجبوا عليه نيتين لفعلين أحدُهما مستقلٌّ عن الآخر. وذهب سائر العلماء إلى أن أفعال الوضوء ليست مستقلة عن أفعال الغسل، ولذا أوجبوا لهما نية واحدة. وتردد ابن حجر في هذه المسألة فقال (يُحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سُنَّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى) .

стр. 254

والذي أرجِّحه هو أنه لا يلزمه إلاَّ نيَّة واحدة فحسب، وهي تُستحضر عند غسل أول عضو من البدن، وأن ما سمته عائشة وضوءاً وجاءت ميمونة على ذكره فليس هو الوضوء المعروف، لأن الوضوء المعروف فيه مسح الرأس، وهذا الذي يسمونه وضوءاً لا مسح للرأس فيه كما يظهر في جميع الأحاديث، وهو ما تمسك به الإمام مالك، ثم إنَّ رواية ميمونة ذكرت غسل الرجلين بعد إفاضة الماء على البدن، وبذلك فصلت أعمال الوضوء بعضها عن بعض، وهذا أمرٌ لا يرد في الوضوء، ولا يرد إلا في الغسل. لهذه الفروق أقول إن ما سمَّته عائشة وضوءاً هو سُنة من سنن الغُسل، وإن هذه السُّنَّة لا مسح للرأس فيها، ولا موالاة بين أجزائها، ودخلت تحت غسل الجنابة كجزءٍ مسنون منه، وكل ما في الأمر أن سُنَّة الغسل تشابهت في معظمها مع أعمال الوضوء. وأزيد فارقاً آخر هو أن من يفعل هذه السنَّة لا يجب حين يفيض الماء على جميع بدنه أن يُفيض الماء على ما غسل من أعضاء الوضوء أو أعضاء هذه السُّنة، وتُجزئه إفاضة الماء على ما سواها من أعضاء البدن. وربما كانت الدقة والوضوح أن يقال: يبدأ المغتسل بمواضع الوضوء بدل أن يقال: يبدأ بالوضوء، يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم وأهل السنن عن أم عطية قالت: قال النبي ﷺ لهنَّ في غسل ابنته «ابدأْنَ بميامنِها ومواضعِ الوضوء منها» . وهذا قول منه ﷺ ، قاله لمن كنَّ يغسلن إحدى بناته عند وفاتها، في حين أن جميع الروايات التي ذكرت الوضوء هي أقوال صحابة، وقول الرسول الله ﷺ هو الحجة. ولقد أفرد البخاري باباً سماه (من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء منه مرة أخرى) .

стр. 255

٢- اختلف العلماء في تكرار الغسل للبدن، فقال بعضهم يُستحب ذلك قياساً على غسل الرأس ثلاثاً، وقال بعضهم لا يُستحب ذلك وهو الصحيح، لأنه لم تُنقل أية رواية صحيحة أو حسنة أنه ﷺ قد أفاض الماء على جسده أكثر من إفاضة واحدة، في حين أن رواياتٍ صحيحةً عديدةً ذكرت إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً، ما يدلُّ على المغايرة بين الإفاضتين، فالسُّنة غسل الرأس ثلاثاً، وغسل سائر الجسد مرة واحدة. ٣- اختلف الأئمة في موضوع غُسل الرِّجْلين على رأيين، فقال الشافعي إنَّ غسل الرجلين قبل إفاضة الماء على الرأس أفضل حتى يكتمل الوضوء أولاً ويتصل بعضه ببعض، واستدلَّ بحديث عائشة الأول. وقال الجمهور إن غُسل الرجلين في نهاية الغُسل أفضل، لأن قول ميمونة صريح في ذلك، وحتى قول عائشة في الحديث الأول فإنه يذكر تأخر غسل الرجلين. وقال بعض علماء المالكية بتأخير غسل الرجلين إن كان الموضع وسخاً، قاله ابن الحاجب وغيره. وقال الأحناف إنْ كان في مستنقع أَخَّر رجليه وإلا فلا، فالتقى بعضُ المالكية مع الأحناف على أن علَّة تأخير غسل الرجلين هي النظافة. والصواب هو أن الحديث الذي روته عائشة، والحديث الذي روته ميمونة بل وجميع الأحاديث الواردة في الغسل لم تأت على ذكر النظافة أو المستنقعات، فهذه إضافة أضافوها من عند أنفسهم، ذلك أن الأحاديث قد أخرت غسل الرجلين نصاً، فهو منطوق، والأحاديث التي لم تذكر ذلك كان تقديم غسل الرجلين فيها مفهوماً محتملاً، والمنطوق يُقدَّم على المفهوم المحتمل، وإذا وجد النص وجب المصير إليه والوقوف عنده، ولا يصح القول بما يخالفه.

стр. 256

وقد يقال إن حديث عائشة ذكر الوضوء في أول الغسل ولم يستثن غسل الرجلين، ثم ذكر غسل الرجلين في آخر الغسل، فصار المطلوب غسل الرجلين مرتين: مرة في الوضوء، وأخرى في نهاية الغسل، فنقول: كلا، لأن حديث ميمونة ذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين فقط، ولم يذكر مسح الرأس كما لم يذكر غسل الرجلين، وحديث ميمونة الثامن في إحدى رواياته جاء أصرح من حديثها الثاني حين قال «يتوضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه» . بل إن عائشة في الحديث السادس ذكرت المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ولم تذكر مسح الرأس ولا غسل الرجلين، تماماً كما ذكرت ميمونة، ما يدل على أن غسل الرجلين لا يُطلب منا مرتين، وليس في الأحاديث إلا غسلهما مرة واحدة وفي نهاية الغسل فقط. إذن فالواجب حمل الحديث الأول على الأحاديث الأخرى، والقول بغسل الرجلين فقط في نهاية الغسل. ٤- ورب قائل يقول إن صفة الغسل هي كالآتي: يغسل يديه أولاً ويغسل أعضاء الوضوء المذكورة ثانياً ثم يغسل فرجه، ثم يُفيض الماء على رأسه وسائر بدنه، أي يؤخر غسل الذَّكَر أو الفرج إلى ما بعد الوضوء أو ما يسمى بالوضوء، ويستدل على ذلك بحديث رواه ابن عباس عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت «توضَّأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما، هذا غُسله من الجنابة» رواه البخاري. فهذا الحديث ذكر غسل الفرج عقب الوضوء.

стр. 257

فنرد عليه بأنَّ في هذا الحديث تأخيراً وتقديماً، وأنَّ الواو في هذا الحديث لا تفيد الترتيب، وذلك لأنَّ الأحاديث الصحيحة المارة ذكرت غسل الفرج قبل الوضوء، وكذلك الحديث الآتي الذي رواه ابن عباس عن ميمونة ﵂ قالت «سترتُ النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه، ثم صبَّ بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءَه للصلاة غيرَ رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحَّى فغسل قدميه» رواه البخاري. وله من طريقها روايات عديدة تجدون أربعاً منها في البند الثامن، وكلها باستثناء هذه الرواية تجعل غسل الفرج قبل غسل أعضاء الوضوء، فيُعمل بالروايات العديدة، وتُحمل هذه الرواية عليها. وعلى أية حال فنحن نتحدث هنا عن مندوبات الغسل، لأن الترتيب في الغسل مندوبٌ وليس بواجب. فمن شاء الإتيان بالمندوب جاء بالغسل مرتباً كما ورد في الأحاديث. ٥- بخصوص نقض شعر الرأس: اختلفوا على مذاهب شتى. فقال الحسن وطاووس وأحمد: يجب النقض في الحيض دون غسل الجنابة، ورجَّح جماعة من أصحاب أحمد أن النقض في غسل الحيض هو للاستحباب، وكذلك النقض في غسل الجنابة. وقال ابن قُدامة (لا أعلم أحداً قال بوجوبٍ فيهما إلا ما رُوي عن عبد الله بن عمر) فأضاف ابن عمر إلى أصحاب هذا الرأي، وقال النووي (حكاه أصحابنا عن النخعي) يعني الوجوب، فأضاف النخعي اليهم.

стр. 258

وقد استدل هؤلاء على دعواهم بحديث عائشة «أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضاً: انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. وقال الجمهور بعدم وجوب النقض مطلقاً، واستدلوا على رأيهم بالحديثين الرابع والخامس، وهو الصحيح، وذلك لأن الحديث الرابع يقول «أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا» وهو منطوق في عدم النقض في غسل الجنابة. وقد وقع في بعض ألفاظ حديث أم سَلَمة قالت «قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفانقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تَحثي على رأسك ثلاث حَثَيَات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» رواه مسلم. وهذا منطوق في عدم النقض بغسل الحيض أيضاً، وهذه الزيادة يتعين قبولها والمصير إليها، وهو صريح في نفي الوجوب. ومثله ما روت عائشة ﵂ «أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسِدْرتها فتَطَّهَّر فتُحسن الطُّهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء ... وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطَّهَّر فتحسن الطُّهور أو تبلغ الطُّهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسها، ثم تفيض عليها الماء ... » رواه مسلم. فلم يطلب الرسول ﷺ منها أن تنقض شعرها في غسل المحيض وفي غسل الجنابة، ولو كان واجباً لطلبه. والحديث الخامس يقول «فلا عليها أن لا تنقضه» وهو منطوق أيضاً في عدم النقض، وهذا كله رد حاسم على من أوجبوا نقض شعر المرأة في غسل الجنابة وغسل المحيض.

стр. 259

أما القائلون بوجوب النقض فسندهم كما أسلفنا حديث عائشة المار، وفيه «انقضي شعرك واغتسلي» فنرد عليهم بأن هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به على دعواهم، لأنه جاء في غير الموضوع الذي تكلموا عليه، فموضوعه غسل الحائض عند الإهلال بالحج، وقد رواه ابن ماجة مبتوراً، وتمامُه أن عائشة أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول مكة، فأمرها الرسول الكريم ﷺ أن تنقض شعرها وتمتشط وتغتسل، وتُهِلَّ بالحج وهي ما زالت في حيضتها، فهذا الغُسل ليس غسل المحيض الذي تكلموا عليه، فلا يصلح لمعارضة حديث أم سَلَمة. فقد روى النَّسائي وأبو داود وأحمد عن عائشة ﵂ قالت « ... فقدمتُ مكة وأنا حائض فلم أطُفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأَهِلِّي بالحج ودَعِي العُمرة ... » . فالحديث ينص على أنها تغتسل وهي حائض، وأن هذا الغسل إنما هو لأجل الإهلال بالحج، ومثله أو قريب منه ما روى أبو داود عن عائشة قالت «نُفِست أسماء بنت عُميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن تغتسل فتُهِلَّ» . فهو غُسلُ حجٍّ للنفساء وليس غُسلَ تطهُّر من النفاس. وهذان الغسلان يُحملان على أنهما لأجل النظافة وأنهما مستحبان، فلا يصلحان للاحتجاج على ما ذهبوا إليه من وجوب النقض في غُسل المحيض. قال البيهقي بعد أن روى حديث عائشة الأول (وهي أن اغتسلت للإهلال بالحج وكان غُسلها غُسلاً مسنوناً، وقد أُمرت فيه بنقض رأسها وامتشاط شعرها، وكأنها أُمرت بذلك استحباباً كما أُمرت أسماء بنت عُميس بالغسل للإهلال على النفاس استحباباً) .

стр. 260

أما ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والدارقطني في الإفراد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها وغسلته بخَطْمِيٍّ وأُشْنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته» والخَطْمِيُّ - بفتح الخاء وسكون الطاء وتشديد الياء -: هو نبات يُدقُّ ورقه يابساً ويُغسل به الرأس. والأشنان -بضم أوله وكسره- هي مادة تُغسل بها الأيدي. فهذا الطلب يُحمل على أنه للاستحباب، لقرينةِ طلب الخطمي والأشنان، وهو طلب ندب لأجل النظافة، ولقرينة حديث أم سَلَمة القائل «إنما يكفيك» . ويدل أيضاً على عدم وجوب النقض ما رواه مسلم وأحمد «بلَغَ عائشةَ أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات» . فهذا الحديث ينص على أن ابن عمرو كان يأمر النساء بنقض الشعر دون تفريق بين حيض وجنابة، وجواب عائشة وإن كان في الجنابة إلا أنها أنكرت عليه مطلق قوله ولم تُقيده ولم تخصِّصه، ولو كان النقض في الحيض واجباً لنوَّهت به ولَما أنكرت على ابن عمرو قوله كله. وهذا يدل على عدم وجوب نقض الشعر في غسل الحيض وغسل الجنابة. ومثله في الدلالة الحديث المروي من طريق عائشة ﵂ «أنَّ امرأة سألت

стр. 261

النبي ﷺ عن غُسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: خذي فِرْصةً من مِسك فتطهَّري بها. قالت: كيف أتطهَّر؟ قال: تطهَّري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهَّري، فاجتذبتُها إليَّ فقلت: تتبَّعي بها أثر الدم» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. قوله الفِرصة: هي القطعة من كل شيء. فهذا الحديث يذكر صنفاً آخر من التنظيف عند الاغتسال من الحيض، وهو كغيره تنظيفٌ مستحب ليس غير. وما قلناه في نقض الشعر وتخليل شعر الرأس للرجل نقوله في تخليل شعر اللحية، فهو مندوب لما روى عثمان ﵁ «أن النبي ﷺ كان يُخلل لحيته» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذا الحكم عام في الغسل وفي الوضوء، وهو رأي الإمام مالك. أما الآخرون فقد فرقوا بين الوضوء والغسل، فقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد والأوزاعي والليث وإسحق وأبو ثور وداود والطبري إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة دون الوضوء، وهؤلاء استدلوا على رأيهم بما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأَنْقُوا البَشَر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي. وبما رُوي عن عليٌّ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فُعل بها كذا وكذا من النار. قال عليٌّ: فمن ثمَّ عاديت رأسي، وكان يجزُّ شعره» رواه الدارمي وأبو داود وأحمد. وجوابنا على الحديث الأول قول راويه أبي داود (الحارث بن وجيه حديثه منكرٌ، وهو ضعيف) وعلى الحديث الثاني إن الصواب وقفه على عليٍّ، والحديث ضعَّفه النووي، وذكر ثلاثة ضعافاً في سنده. ثم إن حديث أم سلمة ردٌّ عليهم.

стр. 262

٦- واختلفوا في الدلك وإمرار اليد على الجسد في الغسل، فذهب الإمام مالك إلى وجوب الدلك باليد إلى حيث تصل من بدنه، وبمثل قوله هذا في وجوب الدلك قال أبو العالية وعطاء ودليلهم قوله تعالى ﴿حتى تغْتَسِلوا﴾ وقالوا: لا يقال اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وقال الحسن والنخعي والشعبي وحمَّاد والثوري والأوزاعي وإسحق وأصحاب الرأي والشافعي والحنابلة إنه لا يجب إمرار اليد على الجسد في الغسل والوضوء، وهو الصحيح، لأن الأحاديث الشريفة ذكرت إفاضة الماء، فحديث أم سَلَمة «ثم تُفيضين عليك الماء فَتَطهُرين» وليس فيه ذِكرُ الدلك، ثم إن الغسل لغة لا يتضمن الدلك يقال: غسل الإناء إذا صب عليه الماء وإن لم يُمِرَّ يده عليه، والسَّيل يُسمى غاسولاً، ويقال عن الشيء: غسلته الأمطار إذا سقطت عليه. قال الشوكاني (لم نجد في كتب اللغة ما يُشْعِر بأن الدلك داخل في مسمَّى الغسل، فالجواب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة، اللهم إلا أَنْ يقال حديث «بلُّوا الشعر وأنقوا البشر» - على فرض صحته - مُشعرٌ بوجوب الدلك لأن الإنقاء لا يحصل لمجرد الإفاضة. ولا يقال إذا لم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل والمسح، لأنَّا نقول إنَّ المسح هو الإمرار على الشيء باليد يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ فلا يجب فيه الاستيعاب بخلاف الغسل فإنه يجب فيه الاستيعاب) . ٧- والسنَّة في الغسل استعمال القليل من الماء لما رُوي عن سفينة قال «كان رسول

стр. 263

الله ﷺ يُغَسُّله الصاع من الماء من الجنابة ويوضِّئه المُدُّ» رواه مسلم. ولما رُوي عن أنس قال «كان النبي ﷺ يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ» رواه مسلم وأحمد. ولما رُوي عن عائشة ﵂ قالت «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق» رواه البخاري ومسلم وأحمد. والفرق ـ بتسكين الراء وفتحها - ستةَ عشرَ رطلاً بالعراقي. والمُدُّ: حفنة بكفَّي الرجل المتوسطتين. والصاع: أربعة أمدادٍ وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والمدُّ ربع ذلك وهو رطل وثلث. وهذا قول الحنابلة ومالك والشافعي وإسحق وأبي عبيد وأبي يوسف. أما أبو حنيفة فقال: الصاع ثمانية أرطال. ولسنا نريد الدخول في تفاصيل ليست بذات موضوع، لأن الأمر كله لأجل التقريب. وباختصار نقول: بمعادلة هذه المكاييل بالمكاييل الحديثة نجد أن المُدَّ يعادل ربع لِتر تقريباً، والصاع يعادل حوالي اللتر الواحد. وبتقريب أكثر نقول إن المُدَّ يعادل حوالي سدس قارورة ماء من قوارير المياه المعدنية، وهذه الكمية تكفي للوضوء، في حين أن حوالي قارورة واحدة من الماء تكفي للغسل، وهذا على رأي الحنابلة والشافعية والمالكية. غير أن أم المؤمنين عائشة ﵂ روت الحديث «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق» . وبما أن الفرق ستة عشر رطلاً، فيكون نصيب الواحد منهما ثمانية أرطال، وهو تقدير أبي حنيفة، وبمعادلتها بالمكاييل الحديثة نجد أن الأرطال الثمانية تعادل قارورة ونصف القارورة تقريباً، هي الكمية التي كان يستعملها الرسول ﷺ في غسله من الجنابة حسب حديث عائشة، وإذن فالغسل يكفي له من الماء ما بين قارورة واحدة وقارورة ونصف، ويكفي للوضوء سدس قارورة ماء فحسب.

стр. 264

وقد ذكرتُ هذه المكاييل والمقادير على وجه التقريب وذلك لعدم الحاجة لأكثر من ذلك وهذه المقادير لا يجب التقيد بها، وهي لم تُذكر إلا لمعرفة حدود الاعتدال في استعمال الماء للوضوء والغسل، واستعمال الماء باعتدال خير من تجاوزه بزيادة أو نقص سيما إن كانا كبيرين. ٨- الترتيب في الغُسل مندوب، ويدخل فيه من حيث الحكم غسل أعضاء الوضوء، فلا يجب الترتيب فيه، لأنه جزء من الغسل وليس هو وضوءاً حتى يجب فيه الترتيب بل هو مندوب، فيُندب البدء بغسل الميامن قبل المياسر، لما روت عائشة ﵂ قالت «أنْ كان رسولُ الله ﷺ ليُحب التَّيَمُّنَ في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجِّله إذا ترجَّل - وفي انتعاله إذا انتعل» رواه مسلم. ويبدأ برأسه أولاً ثم يُفيض الماء على سائر بدنه. أمّا الموالاة فواجبة، وحدُّها أن يباشر بغسل العضو التالي قبل جفاف العضو السابق، أي يباشر بغسل التالي والبلل لا يزال في العضو السابق. ولا يعجبني قول من قال إن الموالاة لا تجب لأن الترتيب في الغُسل لا يجب، فاعتبروا الموالاة تابعة للترتيب. والصحيح أن الموالاة أمر مستقل عن الترتيب، فالترتيب في الغسل لا يجب كما يقول الجمهور، وهذا صحيح، لكن الموالاة لا بد منها وتظل واجبة، ولكن بالكيفية التي ذكرت، وإلا جاز للمسلم أن يغسل رأسه ويخرج من الحمام، ثم بعد ساعة يعود فيغسل صدره ثم يخرج، وهكذا حتى يفرغ من غسل جميع بدنه، وهذا كما لا يخفى ليس غُسلاً، بل لا بد من غسل العضو اللاحق قبل جفاف ماء العضو السابق حتى يصح اعتبار العملية كلها فعلاً واحداً هو الغسل وهذا لا يحتاج إلى نصٍّ، وإنما هو من باب تحقيق واقع ما يسمَّى غُسلاً. ٩- هناك أمور بسيطة أودُّ ذكرها هنا تتميماً للبحث هي: أ- يجوز للمسلم الاستعانة بغيره في الغسل، لما روت ميمونةُ ﵂ زوجُ

стр. 265

النبي ﷺ قالت «أدنيتُ لرسول الله ﷺ غُسله من الجنابة ... » رواه مسلم. ب- يجوز للزوج وزوجته الاغتسال معاً من إناء واحد، لما روت معاذة عن عائشة ﵂ قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ بيني وبينه واحدٍ، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي. قالت: وهما جنبان» رواه مسلم. ج- لا يجوز لمسلم ولا لمسلمة الاغتسال على مرأى من الآخرين، لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» رواه مسلم. ولما روى يعلى «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبَرَاز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ﷺ : إن الله حَييٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فلْيستتر» رواه أبو داود والنَّسائي ورجاله رجال الصحيح. والبَرَاز: هو الفضاء الواسع الخالي من الشجر. د- يجب حين البدء بالغسل أن ينوي رفع الحدث الأكبر، لما روى عمر بن الخطاب ﵁ أن الرسول ﵌ قال «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى ... » رواه مسلم والبخاري. هـ- إذا أجنب المسلم مرة ولم يغتسل، ثم أجنب ثانية أو ثالثة ولم يغتسل اغتسل مرة واحدة فحسب، ولا يجب عليه الاغتسال مرتين أو ثلاثاً بعدد المرات التي أجنب فيها، وذلك لما روى أنس «أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغُسل واحد» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «أن رسول الله ﷺ كان يطوف على جميع نسائه في ليلة، ثم يغتسل غُسلاً واحداً» .

стр. 266

و يُسَنُّ للمغتسل أن يذكر اسم الله عند بدء الاغتسال، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم وهذه التسمية ليست بحاجة إلى دليل خاص بها، وإنما المسلم يسمى الله عند كل فعل ذي بال. ز- إن قلَّم أظافره ونتف إبطه وحلق عانته وأخذ من شاربه وتسوَّك وتطيَّب عند غسله كان ذلك أبلغ في النظافة وكان جمع سُنناً إلى الفرض. ح- لا يُجزئ في الوضوء والغسل سوى الماء دون سائر المانعات، خلافاً لإزالة النجاسات التي يجوز فيها غير الماء مما يصلح للإزالة. قال تعالى ﴿فلم تَجِدُوا ماءً فتيَمَّمُوا﴾ فالله سبحانه لم يتركنا نختار أي مائع عند فقد الماء، وإنما طلب منا حينذاك التيمُّمَ. وقد روى أبو ذر أن رسول الله ﷺ قال «إن الصعيد الطيب طَهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّه بشرته فإن ذلك خير» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. ورواه أحمد وابن ماجة. وهذا الحديث يفيد المعنى نفسه المستفاد من الآية الكريمة، فالوضوء والأغسال محصورة في استعمال الماء دون سائر السوائل والمائعات، فإن عدم الماء انتقلنا إلى التيمم بالتراب، وهذا القول لا أعلم أحداً قال بخلافه. الفصل التاسع مُوجباتُ الغُسل يجب الغسل للأسباب الآتية: ١) الجنابة: وتكون بالتقاء الختانين في الجماع، وتكون بنزول المني في الاحتلام، وتكون بنزول المني في حالة اليقظة. ٢) إسلام الكافر. ٣) الموت. ٤) الحيض. ٥) النفاس والولادة. أولاً: الجنابة وجوب الغسل من الجنابة مُجمعٌ عليه من المسلمين، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد دلَّت عليه النصوص من القرآن الكريم والسُّنة النبوية المشرفة، نذكر منها ما يلي: ١- ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تغتسلوا..﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء.

стр. 267

٢- ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قُمْتُم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وجوهَكُم وأيديَكُم إلى المرافق وامْسَحُوا برؤوسِكُم وأَرْجُلكم إلى الكعبين وإنْ كُنتم جُنُباً فاطَّهَّروا ... ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. ٣- عن خولة بنت حكيم قالت «سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم في منامها فقال: إذا رأت الماء فلْتغتسل» رواه النَّسائي وأحمد. وروى النَّسائي ومسلم عن أنس «أنَّ أم سُلَيم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: إذا أنزلت الماء فلْتغتسل» . ٤- عن عليٍّ ﵁ قال «سألت النبي ﷺ عن المذي؟ فقال: مِن المذي الوضوء ومِن المني الغُسل» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النَّسائي وأبو داود. ولفظ النَّسائي «قال: كنت رجلاً مذَّاء فسألتُ النبي ﷺ فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذَكَرَك، وإذا رأيت فضخَ الماء فاغتسل» . ٥- عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسل» رواه مسلم وأحمد. ورواه الترمذي ولفظه «إذا جاوز الختان الختان وجب الغُسل» وقال: حديث حسن صحيح. الآيتان الكريمتان قد ذكرتا الغُسل من الجنابة ﴿ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تغتسِلوا﴾ ، ﴿وإنْ كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾ وجاءتا بإجمالٍ دون تفصيل، والأحاديث جاءت مُجملة ومفصلة، فحديثا خولة وأم سُلَيم ذكرا الاحتلام مع الإنزال للرجل وللمرأة، وحديث علي بروايتيه ذكر إنزال المني مطلقاً دون تقييده بجماعٍ، أو احتلامٍ أو يقظةٍ دون جماع، وحديث عائشة ذكر مسَّ الختان للختان ومجاوزة الختان للختان، وهذا في الجماع دون ذكر الإنزال.

стр. 268

فهذه الأحاديث الشريفة قد ذكرت الأنواع التي تشكِّل الجنابة، فالجنابة تكون بالتقاء الختانين - حديث عائشة - وتكون بالاحتلام مع نزول المني - حديثا خولة وأم سُلَيم - وتكون بنزول المني مطلقاً - حديث علي-. هذه هي الجنابة، وهذه هي الحالات الثلاث التي تحصل فيها الجنابة التي يجب منها الغسل، فلو تفكَّر رجل بامرأة أو نظر إليها، أو قبَّل زوجته فأمنى، فقد وجب عليه الغسل، ولو جامع زوجته فأمنى أو لم يُمن فقد وجب عليه الغسل، ولو احتلم فأمنى فقد وجب عليه الغسل وكلُّ ذلك جنابة. وبالتدقيق نجد أن هذه الحالات يمكن دمجها في حالتين اثنتين فقط هما إنزال المني، وتغييب الحَشَفة في فرج الأنثى أو ما يسمى بمسِّ الختان الختان أو الإيلاج، فإنزال المني والإيلاج هما الحالتان الجامعتان للجنابة، وفيهما الغسل. فعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» رواه مسلم. فهو نصٌّ صريح واضح في الإيلاج دون إنزال، وفيه الغسل بالنص. أما ما يقوله بعضهم من أن الإيلاجَ أو الجماعَ أو مسَّ الختان للختان إذا كان دون إنزال فيكفي فيه الوضوء، ولا يجب منه الغسل، مستدلين على ذلك بحديث عثمان ﵁ الذي رواه زيد بن خالد الجهني «أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبيَّ بن كعب رضى الله عنهم، فأمروه بذلك» رواه البخاري. وبالحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري قال «خرجت مع رسول

стр. 269

الله ﷺ يوم الإثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عِتبان، فصرخ به فخرج يجرُّ إزاره، فقال رسول الله ﷺ : أعجلنا الرجلَ، فقال عِتْبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يُعْجل عن امرأته ولم يُمْنِ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : إنما الماء من الماء» رواه مسلم. ومعنى «إنما الماء من الماء» : إنما الغسل من المني. فالرد عليه من وجوه: ١- إن حديث عائشة «ثم مسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل» لم يذكر الإنزال، وأوجب الغسل من الجماع فحسب، ولو كان الإنزال واجباً لبيَّنه ﷺ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وربما يقال إن هذا غير صريح ولا دلالة فيه، فنأتي لهم بحديث أبي هريرة «إن نبي الله ﷺ قال: إذا جلس بين شُعَبها الأربع ثم جَهَدها فقد وجب عليه الغسل وإنْ لم يُنْزل» رواه مسلم وأحمد. وهو نصٌّ صريح الدلالة على ما نقول. ٢- روى جابر عن أم كلثوم عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «إن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسل - أي يضعُفُ عن الإنزال - هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» وقد مرَّ، فهذا نص صريح في الغسل من الجنابة بمجرد الجماع دون إنزال. ٣- إن حديث «الماء من الماء» كان معمولاً به فترة ثم نُسخ لما يلي:

стр. 270

أ- عن أبيِّ بن كعب قال «إن الفُتيا التي كانوا يُفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخَّصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد» رواه أبو داود وأحمد. وفي لفظ «إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نُهِيَ عنها» رواه ابن حِبَّان وابن ماجة وابن خُزَيمة. ورواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) . وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري. وقد كان النسخ عقب فتح مكة لما روي عن الزًّهري قال «سألت عُروة عن الذي يجامع ولا يُنْزِل؟ قال: على الناس أن يأخذوا بالآخِر، والآخِر من أمر رسول الله ﷺ : حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك، وأمر الناس بالغسل» رواه ابن حِبَّان. ب- عن أبي موسى قال «اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أَستحييكِ، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل» رواه مسلم. فهذان حديثان صحيحان ينسخان الحكم المأخوذ من حديث «إنما الماء من الماء» وحديث عثمان عند البخاري. وبذلك يظهر بوضوح لا لبس فيه أن قولهم إن الجماع دون إنزال لا يوجب الغسل هو خطأ بعد أن ثبت نسخُ دليلهم. وقد ذهب إلى ما نقول الخلفاء الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

стр. 271

قال ابن عبد البر: إن بعضهم قال انعقد إجماع الصحابة على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، وليس ذلك عندنا كذلك، ولكنا نقول إن الاختلاف في هذا ضعيف، وإن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجابِ الغسل من التقاء الختانين، أو مجاوزة الختان الختان، وأما القائلون بأن الإنزال فقط هو السبب لوجوب الغسل فهم أبو سعيد الخدري وزيد بن خالد وسعد ومعاذ ورافع ابن خديج وعمر بن عبد العزيز وداود الظاهري، ولا يبعد أن يكون هؤلاء الصحابة والتابعون لم يصلهم خبر النسخ. انتهى قوله. أحكامُ الجُنُب للجُنُب أحكام نفصلها كما يلي: ١- لا يجوز للجُنُب أن يمكث في المسجد، ويُرخَّص له في اجتيازه والمرور منه فقط أخذاً من الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكَارى حتى تَعْلَموا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ حتى تغتسلوا وإنْ كُنتم مَرضى أو على سَفَرٍ أو جاء أحدٌ منكم مِن الغائِطِ أو لامستم النساءَ فلم تجدوا ماءً فتيمَّمُوا صَعيداً طيِّباً فامسحوا بوجوهِكم وأيديكُم إنَّ اللهَ كان عفُوَّاً غفوراً﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. فالآية الكريمة تقول ﴿ولا جُنُباً إلا عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا﴾ أي إذا كنتم جُنُباً فاعبروا المساجد عبوراً فقط حتى تغتسلوا، وآنذاك يمكنكم المُكث فيها والصلاة، هذا هو التفسير الراجح، وليس هو تفسير عابري سبيل بالمسافرين.

стр. 272

وقد أعجبني تفسير ابن جرير الطبري لهذه الآية أنقله لكم من كتابه [جامع البيان] (وأَولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوَّله ولا جُنُبَاً إلا عابري سبيل إلا مجتازي طريقٍ فيه وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جُنُب في قوله وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، فكان معلوم بذلك أنَّ قوله ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا لو كان معنيَّاً به المسافر لم يكن لإعادة ذلك في قوله وإن كنتم مرضى أو على سفر معنى مفهوم، وقد مضى ذِكْرُ حكمه قبل ذلك، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مُصلِّين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جُنُباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، والعابر السبيل المجتاز مَرَّاً وقطعاً) . وقد أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب «أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد فأنزال الله ﵎ ﴿ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ﴾ » . وهذا يوضح ويقوي رأينا السابق.

стр. 273

ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه جابر قال «كان الجُنُب يمر في المسجد مُجْتَازاً» رواه ابن أبي شيبة. ورواه ابن المنذر ولفظه «كان أحدنا يمر في المسجد وهو جُنُب» . أما ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» رواه أبو داود وابن خُزَيمة. وما رُوي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت «دخل رسول الله ﷺ صَرْحةَ هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: إنَّ المسجد لا يحلُّ لجُنُب ولا لحائض» رواه ابن ماجة والطبراني. فأقول: حديث ابن ماجة هذا ضعيف، جاء في الزوائد (إسناده ضعيف، محدوج لم يوثَّق، وأبو الخطَّاب مجهول) فلا يصلح للاحتجاج. فيبقى الحديث الأول الذي رواه أبو داود، فهذا الحديث يجب حمله على المُكث دون المرور، لأن هذا عام وأحاديث المرور مخصِّصة، والخاص يُعمل به. وممن ذهب إلى جواز مرور الجنب في المسجد ابن مسعود وابن عباس والشافعي والطبري. أما من ذهب إلى عدم الجواز فمالك وأبو حنيفة. وقال أحمد وإسحق بالجواز للجُنب إنْ توضأ، واستدلا بحديث رواه عطاء بن يسار «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله- ﷺ يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبون إذا توضأوا وضوءَ الصلاة» عزاه الشوكاني لسعيد بن منصور. فنرد عليهما بأن في الحديث هشام بن سعد قال عنه أبو حاتم إنه لا يُحتجُّ به، وضعَّفه يحيى بن مُعين والنَّسائي وأحمد، فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وهكذا يثبت أن الجُنُب يجوز له أن يجتاز المسجد ويمر منه مروراً دون مُكْث. وهكذا أيضاً يظهر خطأ الرأيين الآخرين.

стр. 274

٢- يجوز للجُنُب الاختلاط بالناس ومصافحتهم ومحادثتهم وما إلى ذلك، لما روى أبو هريرة ﵁ «أنه لقيه النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جُنُب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﷺ ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتَني وأنا جُنُب، فكرهتُ أن أُجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله إنَّ المؤمن لا ينجس» رواه مسلم. الرسول ﵊ أنكر على أبي هريرة انسلاله مِن أمامِهِ كراهةَ مجالسته لأنه جُنُب، وهذا الإنكار منه يفيد جواز مصافحة الجُنُب ومجالسته ومحادثته. ٣- يجوز للجُنُب أن يجاهد، وقصة غسيل الملائكة مشهورة، ففي سيرة ابن هشام «فقال رسول الله ﷺ : إنَّ صاحبكم، يعني حنظلة، لتُغَسِّلُه الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه، فسُئلت صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله ﷺ : لذلك غسلته الملائكة» . ورواه أيضاً ابن حِبَّان من طريق عبد الله بن الزبير ﵁. قوله الهاتفة: أي الصوت الشديد. ٤- يجوز لمن أصبح جُنُباً أن يُتِمَّ صومه، لما رُوي عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ أنهما قالتا «إنْ كان رسولُ الله ﷺ ليصبح جُنُباً من جِماعٍ غير احتلام في رمضان ثم يصوم» رواه مسلم والبخاري وأحمد. وهو رأي الجمهور، ويكاد يبلغ حد الإجماع بين الفقهاء.

стр. 275

أما ما رُوي بأن أبا هريرة كان يفتي بأن من أدرك الفجر جُنُباً فلا صوم له، فإنه قد رجع عنه، فهذه الفتوى وهذا الرجوع ذكرهما مسلم في صحيحه في حديث واحد رواه من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر، وكذلك روى ابن أبي شيبة أن أبا هريرة قد رجع عنه، فيُترك العمل به، وهذا في الجُنُب من جماع. أما جواز الصوم لمن أصبح جُنُباً من احتلام فلم يختلف عليه اثنان من العلماء، ولست أُطيل أكثر، لأن هذا البحث مكانه باب الصوم وليس باب الطهارة. ٥- يجوز للجُنُب أن يأكل ويشرب دون أن يتوضأ، قالت عائشة ﵂ «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جُنُب توضأ وضوءَه للصلاة، فإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل كفيه ثم يأكل أو يشرب إن شاء» رواه أحمد والنَّسائي ومسلم. وروى ابن خُزَيمة من طريق عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يطعم وهو جُنُب غسل يديه ثم طعِم» . فالرسول ﵊ كان يغسل يديه وهو جُنُب ثم يأكل.

стр. 276

وكذلك يجوز للجُنُب أن يجامع أهله وينام دون أن يتوضأ، لما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «كان رسول الله ﷺ يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل» رواه أحمد وأصحاب السُّنن. وعن عائشة بلفظ «أن النبي ﷺ كان ينام وهو جُنُب ولا يمسُّ ماء» رواه البيهقي وصححه. والحديث هذا ضعَّفه عدد من أئمة الحديث بقولهم إن الحديث من رواية أبي إسحق عن الأسود عن عائشة، وإن أبا إسحق لم يسمعه من الأسود، ولكن البيهقي قال (إن أبا إسحق بيَّن سماعه من الأسود) وأضاف (قد صح عندنا حديث الثوري عن أبي إسحق عن الأسود) فيُعمَل به إذن. فهذه الأحاديث لم تذكر وضوءاً ولا غُسلاً لمعادوة الجماع أو للنوم أو للأكل أو للشرب، إلا أن الأفضل لهذه الأفعال أن يتوضأ وضوءه للصلاة، لما رُوي عن عائشة أنها قالت «كان رسول الله ﷺ إذا كان جُنُباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» رواه مسلم والبخاري. ولما رُوي عن عبد الله بن أبي قيس أنه قال «سألت عائشة عن وِتْر رسول الله ﷺ فذكر الحديث، قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة» رواه مسلم. ولما رُوي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتى أحدُكم أهلَه ثم أراد أن يعود فلْيتوضأ» رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن. ولما رُوي عن ابن عمر ﵁ أنه قال «استفتى عمر النبي ﷺ أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: نعم إذا توضأ» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن. ولما روى ابن عمر عن عمر ﵁ «أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ قال:

стр. 277

ينام ويتوضأ إن شاء» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان. فهذه الأحاديث تذكر تارة أنه ﵊ كان يأكل وهو جُنُب ولا يزيد على غسل يديه، وتذكر تارة أخرى أنه كان يأكل وهو جُنُب بعد أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ما يدل على أن المسلم بالخيار بين الوضوء وتركه، يؤكد ذلك الحديث الذي رواه ابن عمر المار وفيه «ويتوضأ إن شاء» وكذلك كان ﵊ يأمر الجُنُب إذا أراد المعاودة بالوضوء، وكان هو يفعل ذلك أحياناً، ولكنه كان أحياناً أخرى يعاود دون وضوء «يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله» . وإنما قلنا بالاستحباب، لأن الوضوء نفسه مندوب في كل حال، وما دام مندوباً فهو في حالة الجنابة مندوب، وهذا طبعاً غير الوضوء الواجب، فالجُنُب يباح له الأكل والشرب ومعاودة الجماع والنوم دون وضوء، إلا أنه إن توضأ كان أفضل. ٦- لا يجوز للجُنُب أن يصلي، ومن الصلاة سجود الشكر وسجود التلاوة، والطواف حول الكعبة. أما الصلاة عموماً فلقوله جلَّ وعزَّ ﴿ولا جُنُباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ . هذا عدا عن الأحاديث الكثيرة، وهذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة. أما الطواف حول الكعبة خاصة، فلأنه صلاة فيأخذ حكمها، وذلك لما روى طاووس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال «إنما الطواف صلاة، فإذا طُفتم فأقِلُّوا الكلام» رواه أحمد والنَّسائي. ولما روى عبد الله بن عباس رفعه إلى النبي ﷺ قال «إن الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه ابن خُزَيمة والدارمي، ورواه الحاكم وصحَّحه.

стр. 278

٧- لا يجوز للجُنُب مسُّ المصحف، وقد ورد فيه الحديث التالي: عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ «أنه كتب إلى أهل اليمن بكتابٍ فيه الفرائضُ والسننُ والدياتُ، وبعث فيه مع عمرو بن حزم، فذكر الحديث، وفيه: ولا يمس القرآنَ إلا طاهراً» رواه البيهقي والدارقطني والحاكم والطبراني، وحسَّنه الحازمي. هذا الحديث طعن فيه كثيرون وضعَّفوه، ولكن في المقابل صححه كثيرون وقبلوه، فابن حجر قال فيه (كتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول) وقال ابن عبد البر: إنَّه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتاباً أصحَّ من هذا الكتاب فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويَدَعُون رأيهم. وقال الحاكم (قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة) فكفى بعمر بن عبد العزيز والزهري شاهدين على صحة هذا الحديث فالحديث صالح للاحتجاج. بقي وجه الدلالة فيه. قال الشوكاني مُعقِّباً على كلمة طاهر (إن الراجح كون المشترك مُجمَلاً في معانيه فلا يعين حتى يبين، وقد دلَّ الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث «المؤمن لا ينجس» ولو سُلِّم عدم وجود دليل يمنع من إرادته، لكان تعيينه لمحلِّ النزاع ترجيحاً بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سُلِّم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث «المؤمن لا ينجس» ) .

стр. 279

فالشوكاني يعتبر كلمة طاهر لفظةً مشتركةً، ولا بد من وجود دليل يعين المراد منها، لأنها تشمل المؤمن، وتشمل مَن تطهَّر من الجنابة، وتشمل مَن توضأ، وتشمل مَن غسل النجاسة عن بدنه، وكل هذه المعاني يفيدها لفظ طاهر، فلا بد من معرفة أي هذه المعاني هو المقصود من الحديث. هذا مجمل رأي الشوكاني في رد الاحتجاج بهذا الحديث على موضوعنا وهو مثال على رأي القائلين بقوله. ونرد عليه بما يلي: صحيح أن كلمة طاهر تشمل المعاني المذكورة كلها، ولكن لا بد من وجود قرينة تُعيِّن المعنى المراد، أو تصرف اللفظة عن معنى معين أو معان معينة، ولا يُتصور أن يكون هذا الحديث خالياً من قرينةٍ فيه، أو في غيره من الأحاديث، وإنَّ حديثاً يكاد يبلغ التواتر لشُهرته وتلقِّي الناسِ صحابةً وغيرَ صحابةٍ له بالقبول لا يُتصور أن لا تكون فيه ولا في غيره قرينة تعين المعنى المقصود، لأن تلقي الناس له بالقبول يدل على أنهم أخذوه وعملوا به، ولا يدل على أنهم سمعوه فقط واحتاروا في فهمه، وما كان لهذا الحديث أن يكون مشهوراً ويُتلقَّى بالقبول لو كان معناه محتمَلاً ودلالته مجمَلَة غامضة، فهذا افتراض مرفوض. وقد اتفق المسلمون أو كادوا على أن معناه لا يمس القرآن إلا من رفع الحدثين الأكبر والأصغر، وحتى الأئمة الذين يُجيزون لفاقد الوضوء مسَّ المصحف لم ينكروا هذا التفسير، وإنما ردوا الحديث ووصفوه بالضعف، ولم يحتجوا به.

стр. 280

أما أن من معاني لفظ [الطاهر] المؤمن، أخذاً بالحديث «المؤمن لا ينجس» كما يقول الشوكاني فهو صحيح، ولكن القرينة تصرفه عن هذا المعنى، فالحديث قولٌ أرسله الرسول ﵊ لليمن وأهله مسلمون، أي وأهله طاهرون، وهو خطاب لهم، فعلى تفسير لفظ الطاهر بالمؤمن يكون الحديث كالآتي: أيها الطاهرون لا يمس المصحف أحد منكم إلا إذا كان طاهراً. وبصيغة المفرد: لا تمس أيها الطاهر المصحف إلا إذا كنت طاهراً. وهذا من التأويل الفاسد وهو مردود، إذ لو كان الرسول ﵊ أراد هذا المعنى، أي لو أراد أن لا يمسَّه إلا المؤمنون لقال: لا يمسّ القرآنَ مشركٌ، أو لا يمسّ المصحف كافرٌ، فلما عدل عن هذا التعبير دل على أن للحديث معنى آخر. وأما أن من معاني لفظ (الطاهر) مَن تطهَّر من النجاسة كما يقول الشوكاني فهو أيضاً صحيح، ولكن من تطهر من النجاسة اثنان وليس واحداً، فالذي أزال النجاسة عن بدنه متطهِّر وطاهر، والذي أزالها عن ثوبه طاهر أيضاً ومتطهِّر، فهل الحديث أراد من المتطهِّر مِن النجاسة الأول أم الثاني؟ إنه ليس من صحابي ولا تابعي قال إن مسَّ المصحف يحتاج إلى طهارة البدن والثوب أو طهارة أحدهما مستدلاً بهذا الحديث، فقد اتفقت كلمة المسلمين سلفاً وخلفاً على اطِّراح هذا المعنى لهذا الحديث، فإيراد الشوكاني لهذا الاحتمال إيراد نظري.

стр. 281

وأيضاً فإن عندنا العديد من النصوص التي تطلب طهارة البدن وطهارة الثوب من النجاسة، وتُبرز هذه النصوص الحالةَ المقصودة من الحالتين في كل مرة، فالآية الكريمة تقول ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فنصَّت على الثياب، والحديث يقول «كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك» فذكر الثوب مرتين، والحديث يقول «فتغسل من ذلك فرجك وأُنثييك» فذكر الجزء المقصود من البدن، والحديث يقول «فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض» ولم يقل إحدانا يصيبها من دم الحيض، والحديث يقول «سألت عائشة عن الحيض يصيب ثوبها الدم» والحديث يقول «فاغسلي موضع الدم» وهكذا يذكر نجاسة الموضع ويعيِّنه بصريح اللفظ، فمن تأمَّل النصوص وكانت عنده دراية بها فَهِم أن الطهارة لا تأتي بمعنى غسل النجاسة، إلا مقرونة بقرينة تصرفها إلى إزالة النجاسة، وحديثنا يجب فهمه على ضوء هذه الملاحظات. فلم يبق وقد استُبعد تفسير الطاهر بالمؤمن وبالمتطهِّر من النجاسة إلا الحَدَث بشقيه الأكبر والأصغر فحسب، وجاء الحديث يطلب أحد الشقين أو يطلبهما معاً، ولا ثالث لهذين الاحتمالين.

стр. 282

وبالوصول إلى هذه النقطة نجد أن المسألة صارت سهلة متقاربة، لأن أياً من المعنيين ليس منفصلاً عن الآخر ولا بعيداً عنه، فإنَّ ما بينهما من فارق ليس كما بين الحَدَث والمؤمن، وليس كما بين المؤمن والمتطهِّر من النجاسة، وإنما هما شيء واحد أو جنس واحد من شقين، ولذا سُميا الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فكلاهما حدث، ويدخل الأصغر في الأكبر حين القيام بالأكبر إلى غير ذلك، فحين يريد الشرع أن يطلبهما يقول: تطهَّروا أو ارفعوا الحدث مثلاً، أما إن أراد أحدهما نص عليه وعيَّنه فقال: توضأوا للأصغر، وارفعوا الجنابة للأكبر وهكذا، فحين يقول الحديث أيها المؤمن لا تمسَّ المصحف إلا إذا تطهَّرت، أو إلا إذا كنت طاهراً يجب صرفه إلى الإثنين وعدم صرفه إلى أحدهما إلا بقرينة، ولا قرينة هنا لهذا الصرف. ثم إنَّ الطهارة من الحَدَث الأكبر هي طهارة ناقصة لا تصلح وحدها للصلاة ولا للطواف، وهذا معلوم، وبرفع الحدث الأصغر تكتمل الطهارة وتتم، فحين يطلب الحديث شيئاً فإن المعنى الذي ينبغي أن يقفز إلى الذهن هو الشيء بتمامه، ولا يصح فهمُه على النقص إلا بقرينة، فالرسول ﵊ يطلب منا أن لا نمس المصحف إلا ونحن طاهرون، وحيث أن طهارتنا تكتمل بالوضوء، فالأصل وسلامة الفهم تدفعنا إلى القول بكامل الطهارة، سيما وأنه لا قرينة هنا على صرفها إلى النقص. من كل ما سلف يترجح لدينا أن مسَّ المصحف لا يصح إلا من رافعٍ للحدث بشقيه الأكبر والأصغر، وهذا هو رأي جمهور الأئمة والفقهاء.

стр. 283

بقي أن أشير إلى أن عدداً من الفقهاء لم يكتفوا بالاستدلال بالحديث السابق، وإنما استدلوا على هذا الرأي بالقرآن الكريم قائلين إنَّ الآيات التي تقول ﴿إنَّه لَقُرآنٌ كريمٌ. في كتابٍ مكنونٍ. لا يمسُّه إلا المُطهَّرون. تَنْزيلٌ مِن ربِّ العَالمين﴾ الآيات من ٧٧-٨٠ من سورة الواقعة. تدل على أن المسلم يجب أن يتطهر لمسِّ المصحف ﴿لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ وقالوا إن الآيات صُدِّرت بلفظ (القرآن الكريم) ثم أتت على أوصافه الثلاثة وهي أن القرآن ﴿في كتابٍ مَكْنُونٍ﴾ وأنه ﴿لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ وأنه ﴿تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العَالمين﴾ جاعلين الضمير في يمسُّه يعود إلى القرآن، واعتبروا هذه الآيات دليلاً لهم. والذي أراه هو أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وكان الأَولى بهم الاقتصار في الاستدلال على الحديث السابق. وقد ذهب ابن تيمية في الاستدلال بهذه الآيات مذهباً غريباً بقوله (إنَّ الآية تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله ﵎ يخبر أن الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسَّها إلا طاهر) فهو يقرر أن الآيات لا تدل على رأيه إلا من باب الإشارة، وذلك لأنها في الحقيقة تدل على الملائكة المطهرين وليس البشر المتطهرين لمسِّ المصحف. وقد أخطأ حين لم يقف عند مدلولات هذه الآيات وقام بعملية قياس غير صحيحة، إذ قاس البشر على الملائكة من حيث الطهارة، والمعلوم أن الإشارة هذه لها باب في أصول الفقه يسمونه باب مفهوم الإشارة، وهذا المفهوم لا يُعمل به هنا، لأن الأصوليين لم يقولوا بقياس الإنسان على الملائكة فأتى بقوله هذا غريباً من القول، وهو بيِّن الضعف.

стр. 284

وبالنظر في هؤلاء الآيات الكريمات نجد أن الآية ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون﴾ تتحدث عن الكتاب المكنون الموجود في السماء، والذي تمسه الملائكة المطهَّرون، وليس عن القرآن الكريم الذي يمسه المسلمون المتطهِّرون، والدليل على ذلك ما يلي: أ- المعلوم أن الضمائر في اللغة تعود إلى أقرب اسم يصلح لعودتها إليه، ويمكن للضمائر أن تعود إلى اسم أبعد إن كان الاسم الأقرب لا يصلح لعودتها إليه، أو كانت هناك قرينة تعيِّن الاسم الأبعد ليعود الضمير إليه، وما عدا هاتين الحالتين فالأصل في الضمير ما ذكرنا، وفي هذه الآيات الكريمات نجد أن ضمير يمسُّه - وهو مذكَّر غائب - قد سبقه اسمان: القرآن وكتاب، والقرآن هو الاسم البعيد، والكتاب هو الاسم القريب، والضمير المذكر الغائب يصلح أن يعود إلى الكتاب، وحيث أنه هو الاسم الأقرب، فالأصل أن يعود الضمير إليه لهذين السبين، ولأنه لا توجد قرينة تصرف عودته إلى القرآن، بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب، وبذلك يكون معنى الآيات كما يلي: إنَّه لقرآنٌ موجود في كتاب، هذا الكتاب لا يمسُّه إلا المطهَّرون. أما الآية الأخيرة ﴿تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العالمين﴾ فهي وصفٌ للقرآن وليس للكتاب لقرينة ﴿تنزيل﴾ فهذا المعنى لا يصلح لوصف الكتاب المكنون به، لأن الكتاب المكنون لم ينزل، ولم ينزل إلا القرآن، فاستحق وصفه به دون وصف الكتاب المكنون. قلنا قبل قليل (بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب) ونقول هنا إنَّ هذه القرينة هي لفظة ﴿المُطهَّرون﴾ فهذه اللفظة وصفٌ للملائكة وليست وصفاً للإنسان، وحتى نقف على الدليل على ذلك لننظر في الآيات القرآنية التالية: ١- ﴿ولهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ وهم فيها خالدون﴾ الآية ٢٥ من سورة البقرة. ٢- ﴿خالدين فيها وأزواجٌ مُطهَّرةٌ ورِضْوانٌ مِن الله﴾ الآية ١٥ من سورة آل عمران.

стр. 285

٣- ﴿لهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ ونُدْخِلُهم ظِلاً ظليلاً﴾ الآية ٥٧ من سورة النساء. ٤- ﴿فمن شاء ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكرَّمةٍ. مرفوعةٍ مُطهَّرةٍ﴾ الآيات ١٢، ١٣، ١٤ من سورة عبس. ٥- ﴿رسول من الله يتلو صحفاً مُطهَّرة﴾ الآية ٢ من سورة البيِّنة. ٦- ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ الآية ٧٩ من سورة الواقعة. لنجد أن الآية الأولى وصفت نساء الجنة بأنهنَّ مطهَّرات، وكذلك الآية الثانية والآية الثالثة. أما الآيات في البند الرابع فوصفت الصحف بأنها مطهَّرة، وكذلك الآية الخامسة. والآية السادسة وصفت من يمسُّون بأنهم مطَهَّرون. وبالتدقيق نجد أن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه الكلمات، وهو أن هذا التطهير حصل بفعل من الله دون مشاركة من غيره، فأزواج الجنة طهَّرهن الله فهن مطهَّرات أبداً، والصحف طهَّرهن الله، والملائكة طهَّرهم الله، ولم تشارك الأزواج ولا الصحف ولا الملائكة بفعل التطهير، فجاء الوصف كما رأيتم. ثم لننظر في الآيتين القرآنيتين التاليتين: ١- ﴿فإذا تطهَّرنَ فأْتوهنَّ مِنْ حيثُ أَمَرَكُمُ الله إنَّ الله يحبُّ التَّوابين ويحبُّ المُتَطَهِّرين﴾ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة. ٢- ﴿فيه رجالٌ يُحِبُّون أنْ يَتَطَهَّروا والله يُحِبُّ المُطَّهِّرين﴾ الآية ١٠٨ من سورة التوبة. لنجد أن الآية الأولى ذكرت النساء في الدنيا بقولها ﴿تطهَّرن﴾ واسم الفاعل من تطهَّر هو مُتطهِّر، ووصفت المسلمين بقولها ﴿المتطهرين﴾ وأن الآية الثانية وصفت الرجال الذين يتطهرون بأنهم [المُطَّهِّرين﴾ بتشديد الطاء المفتوحة والهاء المكسورة.
следующие страницы →