← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأيضاً فإن عندنا العديد من النصوص التي تطلب طهارة البدن وطهارة الثوب من النجاسة، وتُبرز هذه النصوص الحالةَ المقصودة من الحالتين في كل مرة، فالآية الكريمة تقول ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فنصَّت على الثياب، والحديث يقول «كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك» فذكر الثوب مرتين، والحديث يقول «فتغسل من ذلك فرجك وأُنثييك» فذكر الجزء المقصود من البدن، والحديث يقول «فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض» ولم يقل إحدانا يصيبها من دم الحيض، والحديث يقول «سألت عائشة عن الحيض يصيب ثوبها الدم» والحديث يقول «فاغسلي موضع الدم» وهكذا يذكر نجاسة الموضع ويعيِّنه بصريح اللفظ، فمن تأمَّل النصوص وكانت عنده دراية بها فَهِم أن الطهارة لا تأتي بمعنى غسل النجاسة، إلا مقرونة بقرينة تصرفها إلى إزالة النجاسة، وحديثنا يجب فهمه على ضوء هذه الملاحظات. فلم يبق وقد استُبعد تفسير الطاهر بالمؤمن وبالمتطهِّر من النجاسة إلا الحَدَث بشقيه الأكبر والأصغر فحسب، وجاء الحديث يطلب أحد الشقين أو يطلبهما معاً، ولا ثالث لهذين الاحتمالين.

стр. 282

وبالوصول إلى هذه النقطة نجد أن المسألة صارت سهلة متقاربة، لأن أياً من المعنيين ليس منفصلاً عن الآخر ولا بعيداً عنه، فإنَّ ما بينهما من فارق ليس كما بين الحَدَث والمؤمن، وليس كما بين المؤمن والمتطهِّر من النجاسة، وإنما هما شيء واحد أو جنس واحد من شقين، ولذا سُميا الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فكلاهما حدث، ويدخل الأصغر في الأكبر حين القيام بالأكبر إلى غير ذلك، فحين يريد الشرع أن يطلبهما يقول: تطهَّروا أو ارفعوا الحدث مثلاً، أما إن أراد أحدهما نص عليه وعيَّنه فقال: توضأوا للأصغر، وارفعوا الجنابة للأكبر وهكذا، فحين يقول الحديث أيها المؤمن لا تمسَّ المصحف إلا إذا تطهَّرت، أو إلا إذا كنت طاهراً يجب صرفه إلى الإثنين وعدم صرفه إلى أحدهما إلا بقرينة، ولا قرينة هنا لهذا الصرف. ثم إنَّ الطهارة من الحَدَث الأكبر هي طهارة ناقصة لا تصلح وحدها للصلاة ولا للطواف، وهذا معلوم، وبرفع الحدث الأصغر تكتمل الطهارة وتتم، فحين يطلب الحديث شيئاً فإن المعنى الذي ينبغي أن يقفز إلى الذهن هو الشيء بتمامه، ولا يصح فهمُه على النقص إلا بقرينة، فالرسول ﵊ يطلب منا أن لا نمس المصحف إلا ونحن طاهرون، وحيث أن طهارتنا تكتمل بالوضوء، فالأصل وسلامة الفهم تدفعنا إلى القول بكامل الطهارة، سيما وأنه لا قرينة هنا على صرفها إلى النقص. من كل ما سلف يترجح لدينا أن مسَّ المصحف لا يصح إلا من رافعٍ للحدث بشقيه الأكبر والأصغر، وهذا هو رأي جمهور الأئمة والفقهاء.

стр. 283

بقي أن أشير إلى أن عدداً من الفقهاء لم يكتفوا بالاستدلال بالحديث السابق، وإنما استدلوا على هذا الرأي بالقرآن الكريم قائلين إنَّ الآيات التي تقول ﴿إنَّه لَقُرآنٌ كريمٌ. في كتابٍ مكنونٍ. لا يمسُّه إلا المُطهَّرون. تَنْزيلٌ مِن ربِّ العَالمين﴾ الآيات من ٧٧-٨٠ من سورة الواقعة. تدل على أن المسلم يجب أن يتطهر لمسِّ المصحف ﴿لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ وقالوا إن الآيات صُدِّرت بلفظ (القرآن الكريم) ثم أتت على أوصافه الثلاثة وهي أن القرآن ﴿في كتابٍ مَكْنُونٍ﴾ وأنه ﴿لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ وأنه ﴿تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العَالمين﴾ جاعلين الضمير في يمسُّه يعود إلى القرآن، واعتبروا هذه الآيات دليلاً لهم. والذي أراه هو أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وكان الأَولى بهم الاقتصار في الاستدلال على الحديث السابق. وقد ذهب ابن تيمية في الاستدلال بهذه الآيات مذهباً غريباً بقوله (إنَّ الآية تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله ﵎ يخبر أن الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسَّها إلا طاهر) فهو يقرر أن الآيات لا تدل على رأيه إلا من باب الإشارة، وذلك لأنها في الحقيقة تدل على الملائكة المطهرين وليس البشر المتطهرين لمسِّ المصحف. وقد أخطأ حين لم يقف عند مدلولات هذه الآيات وقام بعملية قياس غير صحيحة، إذ قاس البشر على الملائكة من حيث الطهارة، والمعلوم أن الإشارة هذه لها باب في أصول الفقه يسمونه باب مفهوم الإشارة، وهذا المفهوم لا يُعمل به هنا، لأن الأصوليين لم يقولوا بقياس الإنسان على الملائكة فأتى بقوله هذا غريباً من القول، وهو بيِّن الضعف.

стр. 284

وبالنظر في هؤلاء الآيات الكريمات نجد أن الآية ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون﴾ تتحدث عن الكتاب المكنون الموجود في السماء، والذي تمسه الملائكة المطهَّرون، وليس عن القرآن الكريم الذي يمسه المسلمون المتطهِّرون، والدليل على ذلك ما يلي: أ- المعلوم أن الضمائر في اللغة تعود إلى أقرب اسم يصلح لعودتها إليه، ويمكن للضمائر أن تعود إلى اسم أبعد إن كان الاسم الأقرب لا يصلح لعودتها إليه، أو كانت هناك قرينة تعيِّن الاسم الأبعد ليعود الضمير إليه، وما عدا هاتين الحالتين فالأصل في الضمير ما ذكرنا، وفي هذه الآيات الكريمات نجد أن ضمير يمسُّه - وهو مذكَّر غائب - قد سبقه اسمان: القرآن وكتاب، والقرآن هو الاسم البعيد، والكتاب هو الاسم القريب، والضمير المذكر الغائب يصلح أن يعود إلى الكتاب، وحيث أنه هو الاسم الأقرب، فالأصل أن يعود الضمير إليه لهذين السبين، ولأنه لا توجد قرينة تصرف عودته إلى القرآن، بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب، وبذلك يكون معنى الآيات كما يلي: إنَّه لقرآنٌ موجود في كتاب، هذا الكتاب لا يمسُّه إلا المطهَّرون. أما الآية الأخيرة ﴿تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العالمين﴾ فهي وصفٌ للقرآن وليس للكتاب لقرينة ﴿تنزيل﴾ فهذا المعنى لا يصلح لوصف الكتاب المكنون به، لأن الكتاب المكنون لم ينزل، ولم ينزل إلا القرآن، فاستحق وصفه به دون وصف الكتاب المكنون. قلنا قبل قليل (بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب) ونقول هنا إنَّ هذه القرينة هي لفظة ﴿المُطهَّرون﴾ فهذه اللفظة وصفٌ للملائكة وليست وصفاً للإنسان، وحتى نقف على الدليل على ذلك لننظر في الآيات القرآنية التالية: ١- ﴿ولهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ وهم فيها خالدون﴾ الآية ٢٥ من سورة البقرة. ٢- ﴿خالدين فيها وأزواجٌ مُطهَّرةٌ ورِضْوانٌ مِن الله﴾ الآية ١٥ من سورة آل عمران.

стр. 285

٣- ﴿لهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ ونُدْخِلُهم ظِلاً ظليلاً﴾ الآية ٥٧ من سورة النساء. ٤- ﴿فمن شاء ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكرَّمةٍ. مرفوعةٍ مُطهَّرةٍ﴾ الآيات ١٢، ١٣، ١٤ من سورة عبس. ٥- ﴿رسول من الله يتلو صحفاً مُطهَّرة﴾ الآية ٢ من سورة البيِّنة. ٦- ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطهَّرون﴾ الآية ٧٩ من سورة الواقعة. لنجد أن الآية الأولى وصفت نساء الجنة بأنهنَّ مطهَّرات، وكذلك الآية الثانية والآية الثالثة. أما الآيات في البند الرابع فوصفت الصحف بأنها مطهَّرة، وكذلك الآية الخامسة. والآية السادسة وصفت من يمسُّون بأنهم مطَهَّرون. وبالتدقيق نجد أن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه الكلمات، وهو أن هذا التطهير حصل بفعل من الله دون مشاركة من غيره، فأزواج الجنة طهَّرهن الله فهن مطهَّرات أبداً، والصحف طهَّرهن الله، والملائكة طهَّرهم الله، ولم تشارك الأزواج ولا الصحف ولا الملائكة بفعل التطهير، فجاء الوصف كما رأيتم. ثم لننظر في الآيتين القرآنيتين التاليتين: ١- ﴿فإذا تطهَّرنَ فأْتوهنَّ مِنْ حيثُ أَمَرَكُمُ الله إنَّ الله يحبُّ التَّوابين ويحبُّ المُتَطَهِّرين﴾ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة. ٢- ﴿فيه رجالٌ يُحِبُّون أنْ يَتَطَهَّروا والله يُحِبُّ المُطَّهِّرين﴾ الآية ١٠٨ من سورة التوبة. لنجد أن الآية الأولى ذكرت النساء في الدنيا بقولها ﴿تطهَّرن﴾ واسم الفاعل من تطهَّر هو مُتطهِّر، ووصفت المسلمين بقولها ﴿المتطهرين﴾ وأن الآية الثانية وصفت الرجال الذين يتطهرون بأنهم [المُطَّهِّرين﴾ بتشديد الطاء المفتوحة والهاء المكسورة.

стр. 286

وبالتدقيق في هذه الألفاظ نجد أن بينها قاسماً مشتركاً هو التطهُّر الذي حصل بفعل الإنسان نفسه، ولذلك جاءت الألفاظ ﴿المُطَّهِّرين﴾ و ﴿المُتَطَهِّرين﴾ و ﴿تطهَّرْنَ﴾ ، واسم الفاعل هو متطهرات، أي أن من قام بتطهير نفسه وُصف بأنه متطهِّر أو مُطَّهِّر، ولم يوصف بأنه مُطَهَّر، في حين أنَّ من طهَّرهم الله لم يوصف أحد منهم بأن متطهِّر أو مُطَّهِّر، وإنما مُطَهَّر ومُطَهَّرون، وهكذا، والفرق واضح تماماً، وإذن فكل من طهَّره الله دون مشاركة من غيره فهو مُطَهَّر، وكل من طهَّر نفسه فهو مُتَطَهِّر ومُطَّهِّر. هذه هي استعمالات القرآن الكريم وبتطبيقها على آية سورة الواقعة نجد أن قوله تعالى ﴿لا يمسُّه إلا المُطَهَّرون﴾ يعني الذين طهَّرهم الله، وبذلك يتعين تفسير هذه اللفظة بالملائكة وليس بالناس. من ذلك كله يتضح أن آية الواقعة عنت الملائكة ولم تَعنِ الناس، وإلى هذا المعنى مال الإمام مالك فيما رواه عنه القرطبي في تفسيره (وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله ﴿لا يمسه إلا المُطهَّرون﴾ أنها بمنزلة الآية التي في عبس وتولى ﴿فمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكَرَّمةٍ. مَرْفُوعةٍ مُطهَّرةٍ. بأَيْدِي سَفَرةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ يريد أن المُطهَّرين هم الملائكة الذين وُصفوا بالطهارة في سورة عبس) . وممن فسَّروا الآية ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون﴾ بأنهم الملائكة وأن الكتاب المكنون هو الذي في السماء فيما رواه عنهم الطبري في تفسيره هم: ابن عباس ومجاهد والضحاك وجابر بن زيد وابن نهيك وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية. وقد سبق أن ذكرنا أن ابن تيمية قال بذلك وإن خالف هؤلاء في الاستدلال. وبذلك يظهر بوضوح أن آيات القرآن الكريم فيها دلالة على أن مس المصحف يحتاج إلى وضوء، فلم يبق إذن سوى الحديث المشار إليه وفيه الغُنية.

стр. 287

والخلاصة هي أن مس المصحف يحتاج إلى وضوء وليس فقط إلى رفع الحدث الأكبر الذي هو موضوع بحثنا. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمسَّ المصحف، ولم يخالف في ذلك سوى داود. أما الذين اشترطوا لمس المصحف أن يكون طاهراً من الحَدَثين معاً فهم: علي وابن مسعود وسعد وسعيد وابن عمر والحسن وعطاء وطاووس والقاسم بن محمد ومالك والزُّهري والحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد. وقال ابن قُدامة (ولا نعلم مخالفاً لهم إلا داود فإنه أباح مسَّه، واحتج بأن النبي ﷺ كتب في كتابه آية إلى قيصر. وأباح الحكم وحماد مسَّه بظاهر الكف لأن آلةَ المس باطنُ اليد فينصرف النهي إليه دون غيره) . أما الحكم وحماد فهما مع القائلين بعدم جواز المسِّ إلا أنهما قصراه على باطن اليد دون ظاهرها. أما دليل داود فهو ضعيف جداً لأننا نتحدث عن مس المصحف وليس عن مسِّ ورقة فيها آية أو بضع آيات، والمصحف كلمة لها دلالة معلومة، فما كان مصحفاً حرم مسه دون وضوء، وما لا فلا، فتخرج كتب التفسير وكتب الفقه رغم ما فيها من آيات من القرآن لأنها ليست مصاحف فيجوز مسُّها، وكتاب رسول الله ﷺ لهرقل ليس مصحفاً فجاز مسُّه، وكلامنا كله هو في مسِّ المصحف دون سواه، فما سوى المسِّ يجوز على إطلاقه فالنظر إليه وحمله بعلاَّقة ومسُّه بعود كل ذلك جائز، وهو رأي أبي حنيفة وابن قدامة، ورُوي عن الحسن وعطاء وطاووس والشعبي والقاسم والحكم وأبي وائل وحماد. ومنعه الأوزاعي ومالك والشافعي قياساً للحمل على المسِّ وتعظيماً للقرآن، ولا يصح قياسهم، لأن حمله بعلاَّقة ومسَّه بعود لا يشاركان المسَّ في العلة، ثم هما فعلان لا ينافيان التعظيم للقرآن. وفي مسِّ طلاب المدارس رأيان أرجحهما عندي المنع إلا إن كانوا دون البلوغ فلا بأس لأنهم غير مكلفين. ٨- ورد في قراءة الجُنُب للقرآن الكريم حديثان هما:

стр. 288

أ- عن علي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ورواه النَّسائي بلفظ «كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة» وحسنه ابن حجر. ب- عن علي ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجُنُب، فأما الجُنُب فلا ولا آية» رواه أحمد وأبو يعلى. وقال الهيثمي (رجاله موثَّقون) . وقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى تحريم قراءة القرآن على الجُنُب، وروي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاووس، وقال الشافعي بتحريم قراءة الآية وما دونها وما فوقها، وقال أبو حنيفة بتحريم قراءة آية فما فوقها وأجاز قراءة دون آية إذ ليس بقرآن، وأجاز بعض أصحابه قراءة القرآن للجُنُب لغير التلاوة، وخالفهم آخرون قائلين بجواز قراءة الجُنُب للقرآن منهم ابن عباس والشعبي والضحاك والبخاري والطبري وابن المنذر وداود، والشوكاني وقال (إنه لم يصح خبرٌ عن رسول الله ﷺ يصلح لتحريم قراءة القرآن) واستشهد بما روى البخاري عن ابن عباس أنه لم ير في القراءة للجُنُب بأساً، وبما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» رواه مسلم. وأضاف (وبالبراءة الأصلية حتى يصح ما يصلح لتخصيص هذا العموم وللنقل عن هذه البراءة) . والذي أذهب إليه أن الجُنُب يحرم عليه أن يقرأ القرآن، وأن الشوكاني ومن يقول بقوله لم يصيبوا فيما ذهبوا إليه، وذلك: ١- إن قول الشوكاني إنه لم يصح خبرٌ عن رسول الله ﷺ يصلح لتحريم قراءة القرآن مردود بحديث علي الأول الذي رواه أحمد وغيره وصححه ابن حِبَّان وابن السكن والبغوي، وحسَّنه ابن حجر، ومثل هذا الحديث يصلح للاحتجاج.

стр. 289

٢- إن استشهاده بما روي عن عبد الله بن عباس أنه لم ير في القراءة للجُنُب بأساً هو استشهاد لا يصح، لأن قول الصحابي ليس دليلاً، خاصة إذا عارضه حديث مرفوع صحيح أو حسن كحديث علي الأول وحديث علي الثاني. ٣- أما استشهاده بما روته عائشة ﵂ أن الرسول ﵊ كان يذكر الله على كل أحيانه، فهو استشهادٌ مخصَّص بحديثي علي السابقين، لأن حديث عائشة عام بينما حديثا علي مُخصِّصان، والمخصِّص مقدَّم على العام، ولا تعارض بين الأحاديث، فالرسول ﵊ كان يذكر الله على كل أحيانه ومنها حالة الجنابة بشتى أنواع الذكر إلا بالقرآن. ٤- أما قوله (وبالبراءة الأصلية حتى يصح ما يصلح لتخصيص هذا العموم) فنرد عليه من وجهين: أ- لقد صح ما يخصص هذا العموم كما أسلفنا. ب- إن قوله بالبراءة الأصلية هنا غير صحيح، لأن البراءة الأصلية إنما تكون في الأشياء والموجودات من حيث الحكم دون الأفعال، فالشيء إن لم نجد له حكماً ورد بدليل ألحقناه بالبراءة الأصلية أي بالإباحة، أما الأفعال فلا بد من أن يكون لها أحكامٌ بنصوص أو بقياس، فالقاعدة الأصولية تقول (الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الأفعال التقيُّد) ولم يخالف هذه القاعدة إلا القليل من العلماء، ولست هنا بصدد إثبات صحة هذه القاعدة، لأن الأصل في المسلم التقيد في الأفعال بحكم الشرع، فإن عرفنا حكم الفعل التزمنا به، وإن لم نعرف توقفنا عنه حتى نجد نصاً أو نجد قياساً، ولا يُتصور وجود فعل لا نصَّ فيه ولا قياس لأن الشريعة كاملة، وهنا قراءة الجُنُب فعل، فلا بد من أن يكون فيها نصٌّ أو قياس. وبذلك يظهر ضعف رأي الشوكاني ومن وافقه، ويكون رأي الجمهور هو الصحيح.

стр. 290

وننتقل إلى بحث ما اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة في القدر الذي يجوز للجُنُب قراءته من القرآن، فالشافعي يمنع الجُنُب من أن يقرأ آية وما دونها، أما أبو حنيفة فيبيح قراءة ما دون الآية. والحق الذي يجب الأخذ به هو أن نقول إن الجُنُب ممنوع من قراءة القرآن، أي من قراءة ما يطلق عليه اسم القرآن، ويباح له قراءة ما لا يطلق عليه اسم القرآن. هذا هو الرأي الذي يجب المصير إليه، لأن الحديث يقول «لم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة» ولكن يبقى علينا معرفة القدر الذي يطلق عليه اسم القرآن لنستطيع من ثَمَّ معرفة الصواب والخطأ في رأيي أبي حنيفة والشافعي.

стр. 291

إن آيات القرآن الكريم تتفاوت في الطول والقصر، ففي حين أن آية الديْن أو آية الكرسي مثلاً في سورة البقرة تتضمن العديد من الأسطر، فإنَّ هناك آيات مثل آية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وآية ﴿فسبِّح بحمدِ ربِّك واستغفره إنَّه كان توَّاباً﴾ تتضمن سطراً أو بعض سطر، فنحن إذا قرأنا نصف آية الديْن أو ربعها فإن السامع يتحقق من أننا قرأنا قرآناً، وكذلك قل في قراءة نصف آية الكرسي أو ربعها مثلاً، فلو قرأنا منها ﴿الله لا إله إلا هُو الحيُّ القيُّومُ لا تأْخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ له ما في السَّمَواتِ وما في الأرض﴾ فإننا نكون قد قرأنا قرآناً، ويكون السامع قد تحقق أننا قرأنا قرآناً وإن كان المقروء جزءاً من آية، ولكن إن قرأنا (يا أيها الكافرون) أو قرأنا (سبح بحمد ربك) أو (إنه كان تواباً) فإن السامع لا يفهم أننا قرأنا قرآناً، وحيث أن المُحرَّم على الجُنُب قراءة القرآن، أي قراءة ما يُطلق عليه أنه قرآن فإن الجُنُب يَحرُم عليه أن يقرأ ما سبق من آية الكرسي وما هو من مثله من أجزاء الآيات الطويلة، ولا يحرم عليه قراءة ما لا يطلق عليه أنَّه قرآن من أجزاء الآيات القصيرة من مثل أجزاء آية سورة [الكافرون] وآية سورة [النصر] وغيرهما مما هو مثلهما في القِصَر، وهكذا فالعبرة هو في القدر المسمى قرآناً، وهذا كله في أجزاء الآيات. أما الآيات الكاملة وما هو أكثر منها فإن الحديث الشريف قطع علينا البحث حين قال «فلا ولا آية» فأيَّة آية مهما صغرت وقصرت لا يحلُّ للجُنُب أن يقرأها كاملة مطلقاً، وعلى هذا فإن الشافعي مصيب إنْ هو عنى الآياتِ الطويلة التي إن اجتُزِيء منها قدر ظل القدر المتبقي قرآناً، وأبو حنيفة مصيب إنْ هو عنى الآيات القصيرة التي إن اجتُزِيء منها قدر كان القدر المتبقي غير قرآن، وما سوى ذلك فالقولان غير دقيقين. هذا ما ترجَّح لدىَّ، وهذا ما يدل عليه الحديثان الشريفان.

стр. 292

٩- إن الجنابة تكون من التقاء الختانين، أي من ولوج حَشَفة الذكر في فرج الأنثى بإنزال وبدون إنزال، وتكون من الإنزال مطلقاً في اليقظة وفي المنام. وخروج المني من ذَكَر الرجل ومن فرج المرأة يدل على البلوغ، ويعتبر علامة على أن الذكر والأنثى قد دخلا مرحلة التكليف الشرعي. فعن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال «رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» رواه أبو داود والبخاري والترمذي وابن ماجة والدارمي. وإذا بلغ الذكر أو الأنثى نبتت عانتاهما بالشعر الخشن، فكان هذا الشعر علامة ثانية على البلوغ، فعن عطية القُرَظي قال «كنت من سَبْي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِل، ومن لم يُنبت لم يقتل، فكنت فيمن لم يُنبت» رواه أبو داود وابن ماجة والدرامي وأحمد. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) وكان هذا عند الحكم على رجال بني قريظة بالقتل عقب هزيمتهم أمام رسول الله ﷺ ، فكان المسلمون يكشفون عن عانات غلمان يهود بني قريظة، فمن وجدوه أنبت - أي بلغ - قتلوه، ومن لم ينبت اعتبروه صبياً وكفوا عن قتله وضموه إلى السَّبْي. فخروج المني من القبل، وظهور الشعر الخشن حول الذكر والفرج هما علامتان دالتان على البلوغ عند الذكر والأنثى على السواء. إلا أن الأنثى لها علامتان أُخريان خاصتان بها إضافة إلى ما سبق هما الحيض والحمل، فمن حاضت أو حملت حكمنا عليها بأنها بلغت، وصارت امرأةً مكلَّفة.

стр. 293

هذه هي العلامات الحسية الدالة على انتقال الصبيان إلى مرحلة البلوغ والتكليف، وهي علامات اتفق عليها الأئمة الأربعة باستثناء الإنبات الذي رفضه أبو حنيفة كدليلٍ على البلوغ، وحديث عطية السابق يرد عليه، كما يرد عليه ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ من العمل به، فقد روى أبو عُبيد في كتابه [الأموال] عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى» . أمّا من حيث السن الدالة على البلوغ، فالذي عليه الجمهور أن من بلغ خمس عشرة سنة ذكراً كان أو أنثى فقد بلغ، وخالفهم أبو حنيفة فأوجب مرور ثماني عشرة سنة على الذكر وسبع عشرة سنة على الأنثى للحكم ببلوغهما، والصحيح هو رأي الجمهور، والدليل عليه ما رُوي عن ابن عمر أنه قال «عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» رواه مسلم والبخاري وأبو داود أحمد. وفي لفظ أصرح «عُرضتُ على رسول الله ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني ولم يرني بلغتُ، ثم عُرضت عليه وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً فأجازني» رواه ابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الترمذي وأضاف (قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: هذا حدُّ ما بين الصغير والكبير ثم كتب أن يُفرض لمن بلغ الخمسَ عشرة) .

стр. 294

وهذه السن هي العلامة التي أرى أن تعتبرها الدولة في أحكامها، فمن بلغ الخامسة عشرة من عمره فرضت عليه دولة الخلافة التدريب العسكري وأوجبت عليه الجهاد، وطالبته بسائر التكاليف الشرعية، في حين أن العلامات الحسية السابقة هي العلامات المعتبرة في حق أصحابها، فمن احتلم بأن أمنى، أو من حاضت ألزم نفسه بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وغضِّ نظر عن العورات وستر العورة وغيرها، ولو لم يبلغ السن التي تعتبرها الخلافة، لأن الدولة تحكم بالظاهر وتعمم الحكم الواحد على الجميع، والاحتلام والحيض هي أمور خاصة بأصحابها لا يكاد يطلع عليها أحد، وتختلف من شخص لآخر. وقد اختلف الأئمة والعلماء في أقل السن التي تبلغ فيه الأنثى، فذهب كثيرون إلى أن الأنثى قد تحيض لتسع سنين، لما روى الربيع عن الشافعي قال (أعجلُ ما سمعتُ به من النساء يحضن، نساءٌ بتهامة، يحضن لتسع سنين) . ولما رُوي عن عائشة أنها قالت «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» . ولما روى حرملة عن الشافعي قوله (رأيت بصنعاء جدة بنت إحدى وعشرين سنة، حاضت ابنة تسع وولدت ابنة عشر، وحاضت البنت ابنة تسع وولدت ابنة عشر) . روى هذه الأقوال الثلاثة البيهقي في السنن الكبرى. والصحيح هو أنه لا حدَّ لأقل سنٍ للحيض، فمنطقة حارة كتهامة يمكن أن تحيض فيها الأنثى وهي بنت تسع سنين، ولكن منطقة باردة كتركية يغلب أن تحيض الإناث فيها بعد هذه السن بعدد من السنين، وقد حصلت في إفريقية حالات حيض لإناث بلغن ستَّ سنين فقط، وإذن فإن تعيين أقل سنٍّ للحيض والبلوغ غير ممكن، ولم يَجْرِ في الشرع تحديد له. أما أعلى سنٍّ لانقطاع الحيض فقد اختلفوا فيه أيضاً، وغالبيتهم يقدرونه بما بين الخمسين والستين، والأصح عدم التحديد، فأيَّة أنثى ترى الدم فهي حائض سواء بلغت الأربعين أو السبعين ما دام الدم دم حيض. ثانياً: إسلام الكافر

стр. 295

وهذا البحث يشمل من أسلم من الكفار ابتداءً ومن أسلم بعد ردَّةٍ سواء كان ذكراً أو أنثى. وقد اختلف الأئمة في حكم اغتسال الكافر إذا أسلم على ثلاثة آراء رئيسية: ١- فذهب أبو حنيفة والشافعي في رواية عنه إلى استحباب غسل الكافر إذا أسلم عموماً. وفي رواية عن أبي حنيفة الوجوب على من أجنب ولم يغتسل حال كفره، فإن اغتسل لم يجب. ٢- وذهب الشافعي في رواية ثانية إلى وجوب الغسل على الكافر إن أجنب سواء اغتسل أو لم يغتسل. ٣- وذهب أحمد ومالك وأبو ثور والشوكاني إلى وجوب اغتسال الكافر إطلاقاً سواء أجنب أو لم يجنب، اغتسل أو لم يغتسل. وبالتدقيق في هذه الآراء الثلاثة نجد أن مدار البحث إنما هو على جنابة الكافر، فالرأي الأول عمَّم استحباب اغتسال الكفار، وحيث أن الاغتسال حكم شرعي وتكليف، وأن الصبيان غير مكلفين، فيتخرج عندنا أن استحباب الاغتسال قد عُمم على البالغين من الكفار، والبالغ منهم جُنُب كما لا يخفى، فيكون الرأي الأول قد عُمِّم على من أجنب من الكفار، ورواية أبي حنيفة في الرأي الأول واضح فيها أن مدار الاغتسال إنما هو على الجنابة. أما الرأي الثاني فواضح فيه أن مدار البحث هو جنابة الكفار. وأما الرأي الثالث فمداره على الجنابة سلباً وإثباتاً (أجنب أو لم يجنب) ، أمَّا إثباتاً فواضح، وهو يماثل الرأي الثاني، وأما سلباً فهو يُخرج البحث عن مدار الجنابة وإن بقي له تعلُّق بها. وهذا التدقيق يوصلنا إلى أن الاغتسال هنا إنما هو اغتسال من الجنابة عند الكفار إذا أسلموا، ولولا الجنابة لما كان اغتسال. والواجب هنا هو أن البحث يجب أن يُحصر في البالغين من الكفار وعدم إدخال صبيان الكفار فيه، لأن الاغتسال كما أسلفنا قبل قليل هو تكليف، والصبي الكافر غير مكلَّف، وجميع النصوص الواردة في هذا الاغتسال يجب أن تُحمل على البالغين فحسب، ولا يوجد نصٌّ واحد يطلب من صبي كافر أن يغتسل إذا أسلم.

стр. 296

وبالتسليم بهذا الرأي نقول إن أصحاب الرأي الثالث قد أخطأوا حينما قالوا (أو لم يجنب) لأن هذا القول يعني الصبيان، والأصل عدم إدخال الصبيان، سيما وأنهم جعلوا الاغتسال واجباً، ولا يصح أن يُوجبوا على الصبيان تكليفاً، وهذا الخطأ هو قسم السلب الذي أشرنا إليه، فإذا أخرجناه من البحث لم يبق سوى القول إن الآراء الثلاثة مدارها على جنابة الكفار. هذه واحدة. أما الثانية فهي أن الرواية عن أبي حنيفة ضمن الرأي الأول قد تضمنت خطأ بيِّناً، هذا الخطأ هو اعتبار غسل الكفار غسلاً شرعياً، والمعلوم الذي ينبغي أن لا يغيب عن ذهن فقيه هو أن الغسل عبادة، والعبادة لا تصح من كافر، فالأصل أن لا يُعتبر غسل الكفار غسلاً شرعياً سيما وأنه يحتاج إلى نية، والكفار حين يغتسلون إنما يغتسلون لأجل النظافة وليس تعبُّداً مقروناً بنيَّة، وحتى لو جاء من يقول إن الكفار أهل الكتاب يغتسلون بنية ويغتسلون تعبُّداً فإنا نقول له إن الإسلام لا يعتبر عبادتهم عبادة شرعية. نعم إن الإسلام يعترف لأهل الأديان بحقهم في التعبُّد، ولكن هذا الاعتراف معناه السماح لهم به وعدم منعهم منه، ولا يعني أنه يعتبره عبادة تصح شرعاً ويترتب عليها ما يترتب على عبادتنا، فكان الأصل في أبي حنيفة ومن يقول بقوله أن لا يرتِّب نتيجة على عبادة باطلة، وحيث أن الكفار لا قيمة لغسلهم، فإننا نعتبر غُسلهم وعدمه سواء دون أي فارق مطلقاً. وبالتسليم بهذه الفكرة نقول إن هذه الرواية يبقى منها الوجوب على من أجنب، وهذا الباقي داخل في الرأي الثالث. وبذلك يبقى عندنا رأيان اثنان فحسب يستحقان الوقوف والمناقشة: الأول يقول باستحباب غسل الكافر إذا أسلم، والثاني يقول بوجوب غسله. وحتى نعرف أياً من هذين الرأيين هو الصحيح يتوجب علينا استعراض النصوص التي تعالج هذه المسألة، وهذه النصوص هي:

стр. 297

١- عن أبي هريرة ﵁ «أنَّ ثمامة بن اُثال أو أُثالة أسلم، فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمُرُوه أن يغتسل» رواه أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. ٢- عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم عن أبيه «أن جده قيس بن عاصم أسلم على عهد النبي ﷺ ، فأمره أن يغتسل بماء وسِدْر» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن حِبَّان. ٣- جاء في سيرة ابن هشام فيما رواه محمد بن إسحق من قصة إسلام أُسيد بن حضير قول أُسيد «كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا- أي مصعب ابن عُمَير وأسعد بن زُرارة - تغتسل فتطَّهَّر وتُطهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي» . ونحن نكتفي بهذه النصوص الثلاثة ونطرح حديثين رواهما الطبراني في إسلام واثلة وقتادة الرَّهاوي، وحديثاً رواه الحاكم في إسلام عقيل بن أبي طالب، لأن هذه الأحاديث الثلاثة ضعيفة الإسناد كما ذكر الحافظ ابن حجر، فلا تصلح للاحتجاج. الحديث الأول فيه أمرٌ من الرسول ﷺ لمن أسلم - وهو ثُمامة - بالاغتسال، وحينما رجعنا إلى أصل الحديث في الصحيحين وجدنا أن ثُمامة قد ذهب فاغتسل أولاً، ثم عاد فأسلم على يد رسول الله ﷺ ، وهذا يعني أن اغتسال ثُمامة حصل قبل النطق بالشهادتين، ودلالة هذا الحديث في الصحيحين لا تختلف عنها في النص المروي عند أحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن حِبَّان وابن خُزَيمة، لأنه لا يُتصور أن يكون ثُمامة قد اغتسل دون أمرٍ من رسول الله ﷺ ، أو أمرٍ من صحابته وإقرار منه ﵊، فيكون الاغتسال منه قد سبقه أمرٌ شرعي، وهذا هو مستفاد رواية أحمد وغيره.

стр. 298

والحديث الثاني فيه أمرٌ من الرسول ﵊ لمن أسلم، وهو قيس بن عاصم بالاغتسال. وأنا لا اذهب إلى قول من يقول إن الأمر يفيد الوجوب إلا أن تصرفه قرينة إلى الندب أو الإباحة، وإلا لانتهى الأمر ولبان أن الاغتسال واجب، ولكني أذهب إلى القول إن الأمر يفيد مطلق الطلب، والقرينة هي التي تصرفه إلى الإيجاب أو الندب أو الإباحة، وعلى ذلك أقول: الحديثان فيهما أمرٌ، والأمر فيهما يفيد الطلب، ولذا وجب البحث عن قرينة تحدد الحكم المستفاد، أما القرينة على أن هذا الأمر في الحديثين يفيد الوجوب فهي موجودة في حديث السيرة، فهذا الحديث وإن كان موقوفاً على صحابيين إلا أن له حكم الرفع، إذ يبعد جداً أن يكون الصحابيان قد قالا ما قالا اجتهاداً منهما، فالحديث يقول «تغتسل فتَطَّهَّر وتطهِّر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي» ومن هذا الحديث يُؤخذ ما يلي: ١- هذا القول ردٌّ على من أسقطوا عن الكافر إذا أسلم الغسل من الجنابة مستدلين بما رواه أحمد من طريق عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال له « ... إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله» لأن حديثهم عام، وحديثنا هذا خاص، والمعلوم بداهة تقديمُ العمل بالخاص. ٢- وهو دليل على أن الغسل إنما هو غسلٌ من الجنابة، لأن الحديث أمر بالقيام بعدة أعمال قبل الصلاة، فجعل الاغتسال والتَّطهُّر وغسل الثوب والنطق بالشهادة تسبق الصلاة، مما يفيد أنه لا صلاة إلا بالاغتسال والتَّطهُّر وغسل الثوب والإسلام، فإذا اقترن الأمر بالاغتسال بأداء الصلاة دل على أن الغسل هو غسل الجنابة، أو ما في حكمه بالنسبة للنساء وهو غسل الحيض، فإذا علمنا أن الغسل من الجنابة والغسل من الحيض شرط لصحة الصلاة أدركنا أن هذا الغُسل واجب.

стр. 299

٣- إن الطلب من الكافر إذا أسلم أن يغسل ثوبه يدل على أن الكافر هذا يُطلب منه القيام بكامل التَّطهُّر قبل أداء الصلاة، وكاملُ التَّطهُّرِ يعني الغسل من الجنابة وغسل الثوب والبدن من النجاسة، والوضوء يدخل كما لا يخفي في الغسل وإلا لنُصَّ عليه، وهذا يفيد أن الكافر يجب عليه أن يأتي بمستلزمات الصلاة قبل القيام بها، والطلب منه أن يغسل ثوبه ردٌّ حاسم على من قالوا إن الكافر لا يجب عليه شيء قبل إسلامه مستدلين بحديث «إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله» إذ لو كان هذا الحديث يُعمل به في هذا الموضوع لما طلب منه أن يغتسل، ولما طلب منه أن يتطهر ولما طلب منه أن يغسل ثوبه، بل إن رسول الله ﷺ حين نزلت عليه الرسالة وأُمر بالتبليغ عن ربه نزل عليه قوله تعالى ﴿وثيابَكَ فطَهِّر﴾ . لهذه البنود الثلاثة نقول إن الغسل هو غسل الجنابة وإنه لا يسقط عن الكافر إذا أسلم، وحيث أن هذا الغسل هو غسل الجنابة، فإن الأمر الوارد في حديثي رسول الله ﷺ ينبغي أن يُحمل على الوجوب. وهكذا يتبين وجه الحق في هذه المسألة. أما قول القائلين بالاستحباب: إنَّ كثيرين ممن أسلموا من الكفار لم يُرْوَ عنهم أنهم اغتسلوا أو طُلب منهم الاغتسال، وإن ذلك دليل على أن الاغتسال غير واجب وأنه مندوب فحسب، فنرد عليهم بأننا لو سلَّمنا بصحة ما قالوا لكان الاغتسال يتردد بين المندوب والمباح، فمن أين لهم حكم الندب وردُّ الإباحة؟ اللهم إلا أن يستشهدوا بأحاديثنا هذه؟ وهذه الأحاديث واضح فيها أنها تفيد الوجوب، فغسل الكافر إذا أسلم هو غُسل واجب لا شك فيه.

стр. 300

بقيت نقطة جديدة هي قول بعضهم إن المستحب هو حلق شعر الكافر إذا أسلم مستدلين بحديث عُثَيم بن كليب عن أبيه عن جده «أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: قد أسلمت، فقال له النبي ﷺ : ألق عنك شعر الكفر، يقول: احلق. قال: وأخبرني آخر أن النبي ﷺ قال لآخر معه: ألق عنك شعر الكفر واختتن» رواه أبو داود والطبراني وأحمد. فنقول إن هذا الحديث ضعيف لأن فيه مجهولاً، فابن جُريج أبهم اسم الشخص الذي أخبره بالحديث عن عثيم، ولم يرد من طريق صحيح حديث واحد يُحتج به على أن الكافر إذا أسلم يحلق رأسه. ثالثاً: الموت يفترق غُسل الميت عما سواه من الأغسال الواجبة بما يلي: ١- إن وجوبه يقع على غير صاحبه في حين أن الأغسال الأخرى يقع وجوبها على أصحابها. ٢- هو فرضٌ على الكفاية في حين أن الأغسال الأخرى فروض عين. ٣- يكون واجباً أحياناً - وهو لعموم الأموات - ويكون غير واجب أحياناً أخرى - وهو للشهيد - في حين أن الأغسال الأخرى واجبة في كل حين. وقد ذهب جمهور الأئمة والفقهاء إلى وجوب غسل الميت، وخالفهم المالكيون فقالوا: هو مستحب فقط لأنه غسل تنظيف وليس غسل عبادة، والصحيح هو أن غسل الميت فرض، وأنه حق واجب على الأحياء تجاه الأموات لا بد من الوفاء به. وقد ورد في هذا الغسل أحاديث أذكر منها:

стр. 301

١- عن أم عطية قالت «دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: اغسِلْنَها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، إنْ رأيتُنَّ ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغْتُنَّ فآذِنَّني، فلما فرغنا آذنَّاه، فألقى إلينا حَقْوه فقال: أشْعِرْنَها إياه» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأهل السنن. وروى البخاري ومسلم عن أم عطية رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ في غسل ابنته «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» . وفي رواية قالت « ... فَضَفَرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها» رواه البخاري. والحَقْو: هو الإزار. وقوله أشعِرْنها: أي أُلْفُفْنَها فيه، والشِّعار من الثياب: هو ما يلي الجسد. وهذا الحديث برواياته أصلٌ في غسل الميت. ٢- عن ابن عباس ﵁ قال «بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع من راحلته فأقْصَعته - أو قال فأقعصته - فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبين، ولا تُحنِّطوه، ولا تُخَمِّروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة مُلبِّياً» رواه البخاري ومسلم. وهو أصلٌ في غسل المُحْرِم، وأنه يُكفَّن في ملابس الإحرام ولا يحنَّط ولا يُغطى رأسه.

стр. 302

٣- عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلِّ عليهم ولم يغسِّلهم» رواه البخاري والنَّسائي والترمذي. وروى أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنَّه قال في قتلى أُحُد «لا تُغَسِّلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مِسكاً يوم القيامة، ولم يصل عليهم» . وهذا الحديث أصلٌ في عدم غسل الشهيد، وأنه يُدفن بثيابه ولا يُصلى عليه، فإن دماءه ستفوح مِسكاً يوم القيامة. الحديث الأول يبين كيف يغسل الميت، وأن الغاسل له يبدأ بميامنه ومواضع الوضوء منه ثم يغسل سائر بدنه، ويُستحب أن يُغسل ثلاثاً أو أكثر ولا يُزاد على السبع، ويُجعل في الماء القليلُ من السدر للتنظيف وهو اليوم الصابون، والقليل من الكافور للتحنيط والتطييب، ولا بأس بوضع أي طيب آخر. ولإتمام الفائدة أذكر عدداً من أحكام غُسل الميت، رغم أن هذا الموضوع مكانه كتاب الجنائز وليس كتاب الطهارة، فأقول: يلي غسلَ الميت زوجتُه إن كان متزوجاً، أو زوجها إن كانت متزوجة، والأقارب: الأقرب فالأقرب، وإن كان المتوفَّى في غير أهله غسَّله الرجال إن كان رجلاً، والنساء إن كانت امرأة، ولا يحل لهؤلاء النظر إلى عورته، لأن حُرمة العورة سواء للحي والميت، ويَلُفُّ الغاسلُ على يده خرقةً يغسل بها عورته حتى لا يمسَّها، وتكون العورة مغطَّاة، فيُدخل يده من تحت الغطاء. والحديث الثاني يبين كيفية غسل من مات وهو مُحْرِمٌ بالحج، وكذا العمرة، وهو واضح لا حاجة إلى شرحه. والحديث الثالث يبين أن الشهيد لا يُغسَّل ولا تُنزع ثيابه، وإنما يدفن بها بما عليها من دماء، ولا يُصلَّى عليه. رابعاً: الحيض

стр. 303

الحيضُ لغةً: السيلان والجريان، فيقال حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً ومحاضاً إذا سال دمها، والمرأة حائض وحائضة، ومنه يقال للحوض حوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل ويجري. وفي الشرع: جريان دم المرأة من رحمها بعد بلوغها في أوقات معتادة. والحيض يجب له الغسل بلا خلاف، وهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد وردت في غسل الحيض النصوص التالية: ١- عن أنس بن مالك «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحابُ النبي ﷺ النبيَّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المَحيضِ قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساءَ في المَحِيض﴾ ، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حُضَير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن، فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننَّا أن قد وَجَدَ عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أنْ لم يَجِدْ عليهما» رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. قوله: لم يجامعوهن: أي يتركونهن وحدهن. وقوله: وَجَد عليهما: أي غضب عليهما.

стр. 304

٢- عن عائشة ﵂ «أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض فقال: تأخذ إِحداكنَّ ماءها وسِدْرتها فتطَّهَّر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصةً مُمَسَّكةً فتطَّهَّر بها فقالت أسماء: وكيف تَطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله تطهَّرين بها، فقالت عائشة كأنها تُخفي ذلك: تَتَبَّعين أثَر الدم ... » رواه مسلم. وفي لفظٍ « ... قال: خذي فِرصة مُمَسَّكةً فتوضَّئي ثلاثاً، ثم إنَّ النبي ﷺ استحيا، فأعرض بوجهه أو قال: توضَّئي بها، فأخذتُها فجذبتُها، فأخبرتُها بما يريد النبي ﷺ » رواه البخاري. قوله شؤون رأسها: أي أصول شعر رأسها. وقوله الفرصة - مثلَّثة -: أي القطعةٌ من الصوف أو القطن أو ما إلى ذلك. وقوله مُمسَّكة: أي مُطيَّبة بالمسك. وأسماء الواردة في الحديث هي أسماء بنت شَكَل الأنصارية. ٣- عن أم سلمة ﵂ قالت «قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْر رأسي أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تُفيضين عليك بالماء فتَطْهُرين» رواه مسلم. وقد مرَّ. ووردت في الحيض أحاديث أخرى منها الصحيح ومنها الضعيف، إلا أننا اكتفينا بهذه الأحاديث الثلاثة لأنها تفي بالغرض. الحديث الثالث يدل على أنَّ صفة الغسل من الحيض تماثل تماماً صفة الغسل من الجنابة، ففي الحديث إجابة واحدة من الرسول ﵊ على سؤال أم سلمة عن غسل الجنابة والحيض. فالحائض تغتسل كما تغتسل من الجنابة ولا يجب عليها نقض شعرها في غسل الحيض، كما لا يجب عليها نقضه في غسل الجنابة. وقد مرَّ بحثُه فلا نعيد.

стр. 305

والحديث الثاني فيه حث الحائض على المبالغة في التنظيف والتطيُّب حتى يزول أثر الدم ورائحته، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسِدرتها، فتطَّهَّر فتحسن الطهور ... فتدلكه دلكاً شديداً ... ثم تأخذ فِرصة مُمَسَّكة ... فالرسول ﵊ طلب استعمال السدر إلى جانب الماء، وهو يعادل الصابون في زمننا، وقال تطَّهَّر، ثم أضاف: فتحسن الطهور، وقال: تدلكه، وأكده بقوله: دلكاً شديداً، وطلب تطييب الموضع بالطيب لتذهب رائحة الدم، ولكن هذه الطلبات كلها مندوبات وليست واجبة لأنها تنظيف وتطييب. أما الحديث الأول فدلالته من دلالة الآية الكريمة التي تضمَّنها، وهي قوله سبحانه تعالى ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ المَحِيض قُلْ هو أذىً فاعتَزِلوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبوهن حتى يَطْهُرن فإذا تطهَّرنَ فأْتُوهنَّ مِن حيثُ أَمَرَكُم اللهُ إنَّ اللهَ يُحبُّ التَّوابين ويُحبُّ المُتطهِّرين﴾ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة. والتَّطهُّر في هذه الآية هو الغسل من الحيض. أحكام الحائض تشترك الحائض مع الجُنُب في جميع أحكامه التي مرَّت، وتختلف عنه في الصوم والوطء والطلاق، فالجُنُب إن أصبح صائماً أتمَّ صومه، في حين أن الحائض لا تُتمُّ صومها، والجُنُب من الرجال والنساء يجوز لهم الجماع في حين يحرم وطء الحائض، والجُنُب من النساء يجوز طلاقها، في حين أن الحائض لا يحل طلاقها. ونذكر أحكام الحائض بشيء من التفصيل:

стр. 306

١- عدم المُكث في المسجد وجواز المرور فيه فقط. دليل عدم المُكث هو ما روته عائشة ﵂ قالت «جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً رجاءَ أن تنزل فيهم رُخْصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» رواه أبو داود وابن خُزَيمة وحسَّنه ابن القطَّان. وقد مرَّ في بحث [أحكام الجُنُب] . أما دليل جواز اجتياز الحائض المسجد فما رُوي عن ميمونة ﵂ أنها قالت «كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حِجْرها، فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخُمْرته فتضعها في المسجد وهي حائض ... » رواه أحمد والنَّسائي. وما رُويَ عن عائشة ﵂ أنها قالت «قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخُمْرة من المسجد، قالت: فقلت إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. والخُمْرة هي السجادة أو الحصير الذي يُسجد أو يُصلى عليه. والاستدلال واضح بالحديثين. وقد ذهب إلى ما ذهبنا إليه زيد بن ثابت ومالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر. وذهب سفيان وأبو حنيفة ومالك في رواية عنه إلى عدم جواز العبور للحائض مستدلين بقوله ﷺ «لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» فنرد عليهم بأن هذا الحديث عام، وحديثا ميمونة وعائشة يستثنيان الاجتياز من عموم النهي، والأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى وقفة أطول. ٢- تجوز للحائض مخالطة الناس ومحادثتهم والأكل والشرب والنوم وسائر الأعمال المعاشية إلا ما استثناه الشرع مما يأتي من المحظورات، والأدلة من الأحاديث ما يلي:

стр. 307

أ- الحديث المار الذي رواه أنس عن سبب نزول الآية ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ الذي يقول «إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت ... » أي لم يأكلوا معهن، ولم يخالطوهن، فنزلت الآية، وفسرها الرسول ﵊ بقوله: اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح، أي افعلوا ما كانت تتركه يهود مما ذُكر في صدر الحديث وأكثر منه سوى النكاح. ب- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْق وأنا حائض، ثم أُناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيَّ» رواه مسلم وأحمد. قوله أتعرَّقُ العَرْق: أي آكل ما على العظم من لحم. ج - عن عبد الله بن سعد قال «سألت رسول الله ﷺ عن مؤاكلة الحائض، فقال: واْكِلْها» رواه أحمد. ورواه الترمذي وقال (حسن غريب) . والحديث يدل على مؤاكلة الحائض. ٣- لا يجوز للحائض الصلاة والطواف ومسُّ المصحف وقراءة القرآن. دليل ترك الصلاة ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «إن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إن ذلك عِرْق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلِّي» رواه البخاري ومسلم.

стр. 308

أما ما الذي تصليه الحائض بعد الطُّهر، فقد أجاب عن هذا السؤال ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف ﵄، فابن عباس قال (إذا طهُرت الحائض بعد العصر صلَّت الظهر والعصر وإذا طهُرت بعد العشاء صلَّت المغرب والعشاء) وعبد الرحمن قال (إذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس صلَّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء) . قال الإمام أحمد مُعقِّباً على القولين: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن. فسماهما قولاً، وهو صحيح، وذلك أنهما طلبا من الحائض أن تصلي الفرضين الذين يسبقان الطهر، ولا أرى ذلك منهما إلا أخذاً بالأحوط، وإلا فإن الواجب عليها صلاة الفرض الذي يعقب الطهر لا الذي يسبقه. ودليل عدم الطواف هو ما مر في فصل الجنابة من أن الطواف صلاة فيرجع إليه، وأيضاً ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سَرِفَ فطمِثتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال ما يُبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: مالكِ لعلكِ نَفِستِ؟ قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ... » رواه مسلم وأحمد. وروى أحمد وأبو داود والترمذي من طريق عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ «أن النُّفَسَاء الحائض تغتسل وتُحْرِم وتقضي المناسك كلها غير أن لا تطوف بالبيت حتى تطهر» وقال الترمذي (حسن غريب) . ودليل عدم مسِّ المصحف هو دليل عدم مسِّ الجُنُب للمصحف «لا يمس القرآن إلا طاهر» والحائض ليست طاهرة لقوله تعالى ﴿حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنََ فأْتُوهُنَّ مِن حيثُ أمركم الله﴾ وللحديث المار وفيه «لا تطوفي بالبيت حتى تطهُري» .

стр. 309

أما أن الحائض لا تقرأ القرآن، فقال الترمذي (هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومَن بعدهم مثل: سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجُنُب من القرآن شيئاً إلا طرفَ الآية والحرفَ ونحوَ ذلك ... ) وروى الدارمي في سننه بطريق الرواية عن إبراهيم وسعيد بن جبير وعامر، وعن عمر بن الخطاب وأبي العالية قولهم بمثل قول من ذكرهم الترمذي، أي لا تقرأ الحائض شيئاً من القرآن. ولسنا نستدل بما رُوي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «لا يقرأ الجُنُب ولا الحائض شيئاً من القرآن» رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني. لأنه حديث ضعيف لضعف إسماعيل بن عيَّاش إذا روى عن الحجازيين أو العراقيين، وفي هذا الحديث روى عن موسى بن عقبة وهو حجازي، فلا يصلح للاحتجاج. ورواه الدارقطني أيضاً من طريق عبد الملك بن مسلمة وهو ضعيف، ومن طريق جابر وفيه يحيى بن أبي أنيسة وهو ضعيف. ٤- ذكرنا في أحكام الجُنُب أن الذَّكَر إذا أنزل أول مرة انتقل لمرحلة الرجولة ودخل في جماعة المكلَّفين، ونذكر هنا أن الأنثى إذا حاضت حيضتها الأولى انتقلت لمرحلة البلوغ ودخلت في جماعة النساء المكلَّفات، وجرى عليها ما يجري على سائر النساء من أحكام. فقذفُ المنيِّ من الذَّكَر، وحيض الأنثى كلاهما علامة على البلوغ والدخول في مرحلة التكاليف الشرعية، فيحرم على الأنثى عندئذ كشف ما سوى الوجه والكفين لقوله تعالى ﴿ولا يُبدين زينتَهنَّ إلا ما ظهر منها﴾ وقد رُوي بطرق صحيحة عن عمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس أنهم فسروها بالوجه والكفين. ويَحْرُم على الحائض - أي من بلغت سن البلوغ - الخَلوة بالرجال الأجانب، لما روى ابن عباس عن النبي ﵌ قال «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ... » رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من التكاليف والأحكام.

стр. 310

وقد سبق في بحث أحكام الجُنُب البند التاسع علامات البلوغ عند الذَّكَر والأنثى، وأقل سنٍّ للحيض وأعلى سنٍّ لانقطاع الحيض، وما أرى أن تعتبره دولة الخلافة وعلماء المسلمين من السنٍّ الدالة على البلوغ، فيُرجع إليه. الأمور الثلاثة التي تختلف فيها الحائض عن الجُنُب هذه الأمور الثلاثة هي ما يلي بالتفصيل: ١- لا يجب على الحائض الصوم، ولا يحلُّ لها ذلك، لما روته معاذة قالت: «سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحَرُوريةٌ أنت؟ قلت: لستُ بحَرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأصحاب السُّنن. قولها أحَرورية أنت؟: أي هل أنت من الخوارج؟ والخوارج يقولون بوجوب إِعادة الصلاة على الحائض. ودلالة الحديث أن الحائض لا تصوم خلال حيضها، وتقضي صومها عقب طُهرها، ولو كانت الحائض تصوم لما ورد القول بقضاء الصوم عليها. ولما روته حمنة بنت جحش قالت «كنت أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأُخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، فقلت يا رسول الله: إِني امرأة أُستحاضُ حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنعَتُ لك الكُرْسفُ فإِنه يُذهب الدم ... » الحديث، وهو طويل، رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وصحَّحاه، والكُرْسفُ هو القطن. فقولها «قد منعتني الصلاة والصوم» وعدم إِنكار الرسول ﵊ لقولها وإِرشادها فقط لما تفعل، هو إِقرار لها ودليل على أن الحائض لا تصوم. وأصرح من الحديثين ما رواه أبو سعيد أنَّ النبي ﷺ قال للنساء « ... أليس شهادة المرآة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى: قال: فذلك من نقصان دينها» رواه البخاري.

стр. 311

٢- يَحْرُم على الزوج وطءُ زوجته الحائض دون زوجته الجُنُب، وهذا الحكم معلوم من الدين بالضرورة، وهو أمرٌ تنفر منه الطباع السليمة، والدليل على ذلك قوله ﴿يَسْأَلونَكَ عن المحيضِ قُل هو أذىً فاعتزلوا النِّساءَ في المَحيضِ ولا تَقْربوهنَّ حتى يَطْهُرن فإِذا تطهَّرنَ فأْتوهنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يحبُّ التَّوَّابين ويحبُّ المُتطهِّرين﴾ الآية ٢٢٢ من سورة البقرة. هذه الآية الكريمة تطلب اعتزال النساء في الميحض، أي عدم وطئهن ريثما يَطْهُرن بانقطاع الدم ويتطهَّرن بالغسل، فِإذا تم ذلك حل حينئذ وطؤُهن. وسيأتي بإِذن الله مزيد تفصيل في دلالة هذه الآية بعد قليل. والدليل أيضاً قوله ﷺ «اصنعوا كل شيء إِلا النكاح» وقد مرَّ. ويعني الحديث: دعوا نكاح الحائض وافعلوا بها ما تشاءون من تقبيل وضم وعناق ومباشر، تشهد ذلك الأحاديث التالية: ١- عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ «أن النبي ﷺ كان إِذا أراد من الحائض شيئاً أمرها، فألقت على فرجها ثوباً، ثم صنع ما أراد» رواه البيهقي وأبو داود بسند رجاله ثقات. ٢- عن حكيم بن عقال أنَّه قال: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين « ... ما يحرم عليَّ من امرأتي إذا حاضت؟ قالت: فرجها» رواه البيهقي. ورواه البخاري في تاريخه من طريق مسروق. ٣- عن جُمَيع بن عُمَير قال: دخلت على عائشة مع أُمي وخالتي فسأَلتاها «كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إِذا حاضت إِحداكن؟ قالت: كان يأمرنا إِذا حاضت إِحدانا أن تتَّزر بإِزار واسع، ثم يلتزم صدرها وثدييها» رواه النَّسائي فهذه الأحاديث تدل على تحريم جماع الحائض في الفرج، وجواز مباشرتها فيما سواه على الإِطلاق، لا فرق بين ما هو فوق السرة وما هو تحتها، ولا ما هو فوق الركبة وما هو تحتها، فللزوج أن يتمتع بجميع جسد زوجته الحائض باستثناء الفرج فحسب.

стр. 312

وثَمَّةَ مسألةٌ أُخرى هي أن أبا حنيفة يقول: إِذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤُها، وإِلا لم يحل حتى تغتسل أو تتيمَّم أو يمضي عليها وقت صلاة، لأن وجوب الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة. وقد رد على هذا الرأي شمسُ الدين بنُ قُدامة بقوله (ولنا قوله تعالى ﴿ولا تَقْرَبوهُنَّ حتى يَطْهُرنَ فإِذا تطَهَّرنَ فأْتُوهُنَّ﴾ قال مجاهد: حتى يغتسلن، وقال ابن عباس فإِذا اغتسلن، ولأنه قال ﴿فإِذا تطَهَّرنَ﴾ والتَّطهُّر تفعُّل والتفعُّل إِذا أضيف إِلى من يصح منه الفعل اقتضى إِيجاد الفعل منه كما في النظائر وانقطاع الدم غير منسوب إِليها، ولأن الله شرط لحل الوطء شرطين – انقطاع الدم والغسل- فلا يباح بدونهما، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحديث الحيض فمنع وطؤها كما لو انقطع لأقلِّ الحيض، وبهذا ينتقض قياسهم، وحَدَثُ الحيضِ آكدُ من حدث الجنابة، فلا يصح الإلحاق) . وبتوضيح أكثر أقول إن الآية الكريمة طلبت عدم إتيان الحُيَّض ﴿حتى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ﴾ فقولها ﴿حتى يَطْهُرْنَ﴾ يعني: حتى ينقطع دمهن، ولم تكتف الآية الكريمة بذلك بل أضافت قيداً آخر هو القول ﴿فإذا تطَهَّرْنَ﴾ والتطهُّر هنا الاغتسال، فكان إتيان الحائض حراماً حتى ينقطع دمها، وحتى تغتسل، والاقتصار على أحد الاثنين إلغاءٌ للآخر، وهذا معارض ومعاند للآية الكريمة، وقد جاء الفعل الأول يَطْهُرن من طَهُر، وجاء الفعل الثاني تطَهَّرن من تطهَّر، أما طَهُر فمعناها صار طاهراً، وأما تطهَّر فمعناها جلب لنفسه الطهارة.

стр. 313

أما ما يقوله بعضهم من الاكتفاء بالوضوء أو حتى بغسل الفرج بدل الغسل، وحجتهم أن التطهُّرَ كلمةٌ عامة تشمل الوضوء وتشمل الغسل وتشمل غسل النجاسة، فبأيِّها أتت الحائض فإنها تكون قد تطهرت وحل حينئذ وطؤُها، فهو قول مَن لم يُحِط بالموضوع إحاطة كافية، ذلك أنَّ هذا القول هو أخذُ جزءٍ من النص وفصله عن أجزائه الأخرى فصلاً تاماً حيث لا يصح الفصل، لأن الآخر له تعلقٌ بالأول، ذلك أن الآية تتحدث عن الحائض من حيث الاعتزال، وانقطاع الدم والتطهُّر، والإتيان، ففصل أي معنى من هذه المعاني عن حالة الحيض خطأ، فهذه الآية جعلت كل هذه المعاني في موضوع الحيض، فوجب قصرها عليه وربطها به، فإذا قيل اعتزلوا وجب قصرُه على الحائض، وإذا قيل يَطْهُرن وجب قصر الطهارة عليه، وإذا قيل تطهَّرن وجب قصر التَّطهُّر عليها، وهذا القصر على الحائض إنما هو قصرٌ عليها بوصفها حائضاً وليس بوصفها أنثى فقط، فإذا قيل ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ﴾ وجب تفسيره بأن الحائض بوصفها حائضاً تتطهر، أي أن التَّطهُّر مطلوب منها بوصفها حائضاً، أي هو مربوط بحيضها، وأنه يجب قصره على حالة الحيض، وبمعنى آخر جعله مُزيلاً لحالة الحيض، وليس لأية حالة أخرى كحالات نقض الوضوء أو التنجيس أو التنظيف. أرأيت لو قيل: الجُنُب يتطهَّر، أيُفهم منه أن الجُنُب يغسل ثوبه؟ أكان يصح هذا الفهم؟ أرأيت لو قيل: صاحب الثوب النجس يتطهر، أيفهم منه غير إزالة نجاسة ثوبه؟ فكذلك القول: الحائض تتطهَّر لا يصح أن يفهم منه أن على الحائض إزالة دم الفرج، أو أن عليها أن تتوضأ، تماماً كما لا يصح أن يفهم من قوله تعالى ﴿وإِنْ كُنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾ غير أمر الجُنُب بالاغتسال، وهذا ما جاء صريحاً في القرآن الكريم في الآية الكريمة ﴿ولا جُنُباً إلا عابِرِي سَبيلٍ حتى تَغْتَسِلوا﴾ فالقرينة هنا - وهي حالة حيض الحائض- هي التي تحدد أي المعاني المقصودة لكلمة تطهر.

стр. 314

أما ما يقوله أبو بكر الجصَّاص في تفسير هذه الآية من أن معناها إباحة وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم فهو قولٌ لا تحتمله هذه الآية الكريمة، فقد قال ما يلي (قوله تعالى ﴿حتى يَطْهُرن﴾ إِذا قريء بالتخفيف فإنما هو انقطاع الدم لا الاغتسال، لأنها لو اغتسلت وهي حائض لم تطهر فلا يحتمل قوله ﴿حتى يَطْهُرن﴾ إلا معنى واحداً، وهو انقطاع الدم الذي به يكون الخروج من الحيض، وإذا قُرئ بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل لما وصفنا آنفاً، فصارت قراءة التخفيف محكمةً، وقراءة التشديد متشابهة، وحكم المتشابه أن يُحمل على المحكم ويرد إليه، فحصل معنى القراءتين على وجه واحد، وظاهرهما يقتضي إباحة الوطء بانقطاع الدم) فهذا القول مضطرب وناقص. أما أنه مضطرب فهو قوله إن قراءة يطَّهَّرن بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل، وعدَّ ذلك من المتشابه، وهذا خطأ، لأن قراءة يطَّهَّرن - بالتشديد - لا تحتمل إلا معنى واحداً فحسب وهو الغسل، ولا تحتمل انقطاع الدم مطلقاً، فهو فعل من أفعال الإنسان، وانقطاع الدم ليس فعلاً من الإنسان، فيسقط القول بالتشابه، فقوله إن هذا الفعل متشابه قول فاسدٌ، وقوله بحمل المتشابه على المُحكم فاسد هنا، لأن ما بُني على فاسد فهو فاسد. وثانياً: إن اجتهاده في إثبات معنى ﴿يَطْهُرن﴾ بأنه انقطاع الدم لا يكفيه ولا يثبت حجته إلا أن تكون الآية قد انتهت عند هذا الحد، ولكن حيث أن الآية أضافت ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنَّ ... ﴾ وحيث أن الله لا يقول شيئاً عبثاً، فما يقول فيه غير أن التَّطهُّر هنا يفيد الاغتسال؟ أليس تركه شطر الآية هذا نقصاً؟ وهل في الآية تناقض؟ ذلك أن أول الآية علَّق الوطء على انقطاع الدم، ونحن نسلم له به، ولكن آخر الآية طلب الغسل قبل الوطء، فما يقول فيه؟ إن إغفاله لهذا الشطر الأخير نقص واضح ما كان ينبغي عليه أن يقع فيه. إن معنى الآية هو: لا تقربوهن حتى ينقطع

стр. 315

دمهن، فإذا انقطع الدم واغتسلن منه فاقربوهن، هذا هو معنى الآية، ولا معنى لها غير هذا. أما ما الذي يُستفاد من كون الآية بهذه الصياغة، فهو أنه تحذيرٌ للمسلمين من الطلب من الحُيَّض الاغتسال في أثناء الحيض لنكاحهن، فبيَّنت الآية أن الاغتسال المُبيح للوطء له وقت هو عقب انقطاع الدم، فالآية الكريمة إذن طلبت الغسل المبيح للوطء وبينت وقته، فقوله تعالى ﴿حتى يَطْهُرْنَ﴾ يفيد التوقيت، وقوله ﴿فإذا تطَهَّرْنَ﴾ يفيد طلب الفعل، فالآية وحدة واحدة لا يجوز فصل جزئها الأول عن جزئها الثاني. وبذلك يظهر صواب القول إن وطء الحائض لا يجوز إلا بعد اغتسالها عقب انقطاع دمها. ويشهد لهذا الفهم ما قاله ابن عباس ﵁ «إذا أصابها في أول الدم فدينارٌ، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصفُ دينار» رواه أبو داود. فهو يقرِّر أن من أتى الحائض في انقطاع الدم كفَّر بنصف دينار.

стр. 316

بقيت آخر نقطة في البحث،وهي هل في وطء الحائض كفارة أم لا؟ فذهب عطاء والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبو الزناد وربيعة وسفيان الثوري والليث ومالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح الروايتين عنه إلى أن من وطئ زوجته وهي حائض فلا كفارة عليه والواجب الاستغفار والتوبة، وهؤلاء حجتهم أن الأحاديث الواردة في طلب الكفارة مضطربة لا تصلح للاحتجاج، وأن الأصل البراءة فلا يُنقل عنها إلا بحجة، والحجة ضعيفة. كما استشهدوا بما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى حائضاً أو امرأةً في دُبُرِها أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» . فقالوا إن الحديث لم يذكر كفارة، وإنه نَهْيٌ نُهِيَ عنه لأجل الأذى أشبه الوطء في الدبر. وذهب عبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحق بن راهُوَيه وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في القديم إلى وجوب الكفارة، واستشهدوا بما ورد من الأحاديث الدالة على ذلك. وحتى نناقش هذين الرأيين لمعرفة الصحيح منهما لا بد من استعراض الأحاديث الواردة: ١- حديث ابن ماجة السابق «من أتى حائضاً أو امرأة في دُبُرها ... » . ٢- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينارٍ أو بنصف دينارٍ» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة. ورواه أبو داود وقال (هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار) ورواه الترمذي بلفظ «إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار» . ٣- عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال «إذا أتى أحدُكم امرأتَه في الدم فلْيتصدق بدينار، وإذا وطِيَها وقد رأت الطُّهرَ ولم تغتسل فلْيتصدَّق بنصف دينار» رواه البيهقي.

стр. 317

الحديث الأول ضعيف ضعفه البخاري فلا يصلح للاحتجاج فيرد، وبرده يرد الاستشهاد به. فالقول إن الرسول ﵊ لم يذكر كفارة بناء على هذا الحديث قول ساقط لسقوط الحديث عن مرتبة الاحتجاج. أما قياسهم بالقول: قد نُهي عنه لأجل الأذى، أشبه الوطء في الدبر، فهو قياس لا يصح لعدم صحة الحديث أولاً، ولعدم الاشتراك في العلة ثانياً، فالنهي عن الوطء في الحيض إنما هو لعلة الأذى كما جاء في الآية، أما تحريم الوطء في الدبر فليس لعلة الأذى، وإنما لأن الدبر ليس محلاً للزرع والولد، فاختلفت العلتان فلا قياس. الحديث الثاني رواه أيضاً الدارقطني وابن الجارود، وكل رواته مخرَّجٌ لهم في الصحيح إلا مقسماً الراوي عن ابن عباس انفرد به البخاري. وقد اختلف العلماء اختلافاً كبيراً في هذا الحديث. فذهبت جماعة إلى وصمه بالاضطراب، قال ابن حجر (والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً) . وقال غيره إن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس، وقال النووي (إن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وإنَّ الحق أنه ضعيف باتفاقهم) وتابعه ابن الصلاح. والصواب الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن هذا الحديث صحيح وليس ضعيفاً، وأن النووي وابن الصلاح وابن حجر قد أخطأوا في تضعيفِه ووصمِه بالاضطراب. فهذا الحديث صححه الحاكم كما ذكر النووي، وصحَّحه أبو داود، وحسَّنه أحمد واحتج به، وصحَّحه أبو الحسن بن القطان، وأجاب على دعوى الاضطراب بأن الإعلال بالاضطراب خطأ، والصواب أن يُنظر إلى رواية كلِّ راو بحسبها، ويُعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قُبل، ولا يضره أن يُروى من طرق أُخَر ضعيفة وقد صحَّت لهذا لحديث رواية دون غيرها من الروايات.

стр. 318

أما عن دعوى الإرسال أو الوقف على ابن عباس، فقال الخطابي: والأصح أنه متصل مرفوع. ويُجاب أيضاً على دعوى الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي رفعوه عن شعبة، وكذلك ذهب ابن جرير وسعيد بن عامر والنَّضْر بن شميل وعبد الوهاب الخفاف. وقال ابن سيد الناس: من رفعه عن شُعبة أجلُّ وأكثر وأحفظ ممن وقفه. وقال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً، وهو مذهب أهل الأصول، لأن إحدى الروايتين ليست مكذِّبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذٌ بالزيادة وهي واجبةُ القبول. فالحديث إذن صحيح ويصلح للاحتجاج. أما رواية الترمذي «إذا كان دماً أحمر فدينار أو كان دماً أصفر فنصف دينار» فهي ضعيفة، لأن في رواتها عدداً فيهم مقال. قال البيهقي عن ابن أبي المخارق عبد الكريم (هو مُجمع على ضعفه) . والحديث الثالث يصح الاحتجاج به. وإذن فإن عندنا حديثين صالحين للاحتجاج، بمعنى أن عندنا الحجة، وهم يقولون (والأصل البراءة فلا ينتقل عنها إلا بحجَّة) وقد صحت عندنا الحجة، فالواجب عليهم الانتقال إلى حيث تدل الأحاديث. وهكذا تسقط حججهم كلها، ويثبت الحكم المستنبط من نصَّين صالحين، وهو أنه لا بد من كفارة على من وطئ الحائض. وهذا الوطء الذي تجب فيه الكفارة لم يأت من الشرع ما يقيده بحالة العمد، أو يستثني منه النسيان والسهو، فيجب القول بالكفارة على من وطئ الحائض عمداً أو سهواً. إلا أن العامد آثم ويخرج كفارة، والساهي غير آثم ولكنه يخرج هو الآخر كفارة، لأن النص عام في الاثنين ولا مخصِّص. ثم إن الكفارة واجبة على الرجل والأنثى إلا أن تكون الأنثى مكرهة فلا كفارة عليها.

стр. 319

قلنا إن الحديث الأول لابن عباس، والحديث الأخير للبيهقي يصلحان للاحتجاج، الحديث الأول يقول «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» على التخيير والإطلاق، والحديث الأخير يقول «إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فلْيتصدق بدينار، وإذا وطِيَها وقد رأت الطُّهر ولم تغتسل فلْيتصدق بنصف دينار» الحديث الأول أطلق الدينار ونصف الدينار، والحديث الثاني قيَّد الدينار بالوطء في فورة الدم، ونصف الدينار بالوطء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، فيُحمل المطلق على المقيد. وعلى هذا فإن من وطيء الحائض ودمها يسيل كفَّر بدينار، وإن وطئها قبل الاغتسال وبعد انقطاع الدم كفَّر بنصف دينار. والدينار الشرعي من الذهب الخالص، ويعادل أربعة غرامات وربع الغرام، ويعادل نصفه غرامين وثمن الغرام. وبمعرفة سعر الغرام من الذهب في وقت الوطء والكفارة يعرف المسلم مقدار الكفارة بعملة بلده. ٣- يَحْرُم على الزوج أن يطلق زوجته في فترة حيضها، بدليل ما روي عن ابن عمر «أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ فقال: مُرْه فلْيراجعها، ثم لِيطلقها طاهراً أو حاملاً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. وفي رواية ثانية أن عبد الله بن عمر قال «طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ ، فتغيَّظ رسول الله ﷺ ثم قال: مُرْهُ فلْيراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فلْيطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يمسَّها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله. وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة فحُسِبت من طلاقها ... » رواه مسلم. وروى قريباً منه البخاري وأحمد والنَّسائي وأبو داود.

стр. 320

والتطليق في الحيض يدعى الطلاق البدعي، وعكسه يدعى الطلاق السُّنِّي، وهو الواقع على الوجه الشرعي، وذلك أن يطلق الزوج زوجته في طهرٍ لم يَمَسَّها فيه. والطلاق البدعي فضلا عن كونه حراماً لا يقع عند الظاهرية وابن عقيل وابن تيميَّة وابن القيم وأبي قُلابة وطاووس وسعيد بن المسيب شيخ التابعين، وهو ما أراه أنا، ويقع عند جمهور الأئمة والفقهاء. ولسنا هنا بصدد بحث أحكام الطلاق، فبابه غير باب الطهارة، فقط أحببنا الإشارة إلى بعض هذه الأحكام هنا. دمُ الحيض ومدَّته لقد كثرت الآراء وتشعَّبت في تحديد أقلِّ الحيض وأكثره، وإني أكتفي باستعراض أقوال الأئمة الأربعة، وأضرب صفحاً عما سواها، لا سيما وأن معظم تلك الأقوال لا دليل عليها: ١- قال أبو حنيفة: إن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة. ٢- وقال مالك إنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره، والعبرة بعادة النساء. ٣- وقال الشافعي وأحمد إن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً. والصحيح هو أن الشرع الحنيف لم يحدد مدةً لأقلِّ الحيض ولا لأكثره يجب الالتزام بها، وإنما جعل ذلك راجعاً لما عليه عادة كل امرأةٍ في كل عصر وفي كل مكان، فلكلِّ امرأةٍ عادةٌ خاصةٌ بها يجب عليها أن تلتزم بها. ولكن عندما نستعرض النصوص نجدها تذكر أن غالب الحيض عند النساء هو ستة أيام أو سبعة، فعن حمنة بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال لها « ... فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي ... » رواه أبو داود والترمذي وأحمد. وسيأتي بعد قليل بإذن الله تعالى في بحث [المستحاضة] . وقد ورد في لون الدم أحاديث نذكرها كما يلي:
следующие страницы →