← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بقيت آخر نقطة في البحث،وهي هل في وطء الحائض كفارة أم لا؟ فذهب عطاء والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأبو الزناد وربيعة وسفيان الثوري والليث ومالك وأبو حنيفة والشافعي في أصح الروايتين عنه إلى أن من وطئ زوجته وهي حائض فلا كفارة عليه والواجب الاستغفار والتوبة، وهؤلاء حجتهم أن الأحاديث الواردة في طلب الكفارة مضطربة لا تصلح للاحتجاج، وأن الأصل البراءة فلا يُنقل عنها إلا بحجة، والحجة ضعيفة. كما استشهدوا بما رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من أتى حائضاً أو امرأةً في دُبُرِها أو كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» . فقالوا إن الحديث لم يذكر كفارة، وإنه نَهْيٌ نُهِيَ عنه لأجل الأذى أشبه الوطء في الدبر. وذهب عبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعي وإسحق بن راهُوَيه وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في القديم إلى وجوب الكفارة، واستشهدوا بما ورد من الأحاديث الدالة على ذلك. وحتى نناقش هذين الرأيين لمعرفة الصحيح منهما لا بد من استعراض الأحاديث الواردة: ١- حديث ابن ماجة السابق «من أتى حائضاً أو امرأة في دُبُرها ... » . ٢- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينارٍ أو بنصف دينارٍ» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة. ورواه أبو داود وقال (هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار) ورواه الترمذي بلفظ «إذا كان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار» . ٣- عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال «إذا أتى أحدُكم امرأتَه في الدم فلْيتصدق بدينار، وإذا وطِيَها وقد رأت الطُّهرَ ولم تغتسل فلْيتصدَّق بنصف دينار» رواه البيهقي.

стр. 317

الحديث الأول ضعيف ضعفه البخاري فلا يصلح للاحتجاج فيرد، وبرده يرد الاستشهاد به. فالقول إن الرسول ﵊ لم يذكر كفارة بناء على هذا الحديث قول ساقط لسقوط الحديث عن مرتبة الاحتجاج. أما قياسهم بالقول: قد نُهي عنه لأجل الأذى، أشبه الوطء في الدبر، فهو قياس لا يصح لعدم صحة الحديث أولاً، ولعدم الاشتراك في العلة ثانياً، فالنهي عن الوطء في الحيض إنما هو لعلة الأذى كما جاء في الآية، أما تحريم الوطء في الدبر فليس لعلة الأذى، وإنما لأن الدبر ليس محلاً للزرع والولد، فاختلفت العلتان فلا قياس. الحديث الثاني رواه أيضاً الدارقطني وابن الجارود، وكل رواته مخرَّجٌ لهم في الصحيح إلا مقسماً الراوي عن ابن عباس انفرد به البخاري. وقد اختلف العلماء اختلافاً كبيراً في هذا الحديث. فذهبت جماعة إلى وصمه بالاضطراب، قال ابن حجر (والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً) . وقال غيره إن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس، وقال النووي (إن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه، وإنَّ الحق أنه ضعيف باتفاقهم) وتابعه ابن الصلاح. والصواب الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن هذا الحديث صحيح وليس ضعيفاً، وأن النووي وابن الصلاح وابن حجر قد أخطأوا في تضعيفِه ووصمِه بالاضطراب. فهذا الحديث صححه الحاكم كما ذكر النووي، وصحَّحه أبو داود، وحسَّنه أحمد واحتج به، وصحَّحه أبو الحسن بن القطان، وأجاب على دعوى الاضطراب بأن الإعلال بالاضطراب خطأ، والصواب أن يُنظر إلى رواية كلِّ راو بحسبها، ويُعلم ما خرج عنه فيها، فإن صح من طريق قُبل، ولا يضره أن يُروى من طرق أُخَر ضعيفة وقد صحَّت لهذا لحديث رواية دون غيرها من الروايات.

стр. 318

أما عن دعوى الإرسال أو الوقف على ابن عباس، فقال الخطابي: والأصح أنه متصل مرفوع. ويُجاب أيضاً على دعوى الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي رفعوه عن شعبة، وكذلك ذهب ابن جرير وسعيد بن عامر والنَّضْر بن شميل وعبد الوهاب الخفاف. وقال ابن سيد الناس: من رفعه عن شُعبة أجلُّ وأكثر وأحفظ ممن وقفه. وقال أبو بكر الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً، وهو مذهب أهل الأصول، لأن إحدى الروايتين ليست مكذِّبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أخذٌ بالزيادة وهي واجبةُ القبول. فالحديث إذن صحيح ويصلح للاحتجاج. أما رواية الترمذي «إذا كان دماً أحمر فدينار أو كان دماً أصفر فنصف دينار» فهي ضعيفة، لأن في رواتها عدداً فيهم مقال. قال البيهقي عن ابن أبي المخارق عبد الكريم (هو مُجمع على ضعفه) . والحديث الثالث يصح الاحتجاج به. وإذن فإن عندنا حديثين صالحين للاحتجاج، بمعنى أن عندنا الحجة، وهم يقولون (والأصل البراءة فلا ينتقل عنها إلا بحجَّة) وقد صحت عندنا الحجة، فالواجب عليهم الانتقال إلى حيث تدل الأحاديث. وهكذا تسقط حججهم كلها، ويثبت الحكم المستنبط من نصَّين صالحين، وهو أنه لا بد من كفارة على من وطئ الحائض. وهذا الوطء الذي تجب فيه الكفارة لم يأت من الشرع ما يقيده بحالة العمد، أو يستثني منه النسيان والسهو، فيجب القول بالكفارة على من وطئ الحائض عمداً أو سهواً. إلا أن العامد آثم ويخرج كفارة، والساهي غير آثم ولكنه يخرج هو الآخر كفارة، لأن النص عام في الاثنين ولا مخصِّص. ثم إن الكفارة واجبة على الرجل والأنثى إلا أن تكون الأنثى مكرهة فلا كفارة عليها.

стр. 319

قلنا إن الحديث الأول لابن عباس، والحديث الأخير للبيهقي يصلحان للاحتجاج، الحديث الأول يقول «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» على التخيير والإطلاق، والحديث الأخير يقول «إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فلْيتصدق بدينار، وإذا وطِيَها وقد رأت الطُّهر ولم تغتسل فلْيتصدق بنصف دينار» الحديث الأول أطلق الدينار ونصف الدينار، والحديث الثاني قيَّد الدينار بالوطء في فورة الدم، ونصف الدينار بالوطء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، فيُحمل المطلق على المقيد. وعلى هذا فإن من وطيء الحائض ودمها يسيل كفَّر بدينار، وإن وطئها قبل الاغتسال وبعد انقطاع الدم كفَّر بنصف دينار. والدينار الشرعي من الذهب الخالص، ويعادل أربعة غرامات وربع الغرام، ويعادل نصفه غرامين وثمن الغرام. وبمعرفة سعر الغرام من الذهب في وقت الوطء والكفارة يعرف المسلم مقدار الكفارة بعملة بلده. ٣- يَحْرُم على الزوج أن يطلق زوجته في فترة حيضها، بدليل ما روي عن ابن عمر «أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ فقال: مُرْه فلْيراجعها، ثم لِيطلقها طاهراً أو حاملاً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. وفي رواية ثانية أن عبد الله بن عمر قال «طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر ذلك عمرُ للنبي ﷺ ، فتغيَّظ رسول الله ﷺ ثم قال: مُرْهُ فلْيراجعها حتى تحيض حيضة أخرى مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها فلْيطلقها طاهراً من حيضتها قبل أن يمسَّها، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله. وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة فحُسِبت من طلاقها ... » رواه مسلم. وروى قريباً منه البخاري وأحمد والنَّسائي وأبو داود.

стр. 320

والتطليق في الحيض يدعى الطلاق البدعي، وعكسه يدعى الطلاق السُّنِّي، وهو الواقع على الوجه الشرعي، وذلك أن يطلق الزوج زوجته في طهرٍ لم يَمَسَّها فيه. والطلاق البدعي فضلا عن كونه حراماً لا يقع عند الظاهرية وابن عقيل وابن تيميَّة وابن القيم وأبي قُلابة وطاووس وسعيد بن المسيب شيخ التابعين، وهو ما أراه أنا، ويقع عند جمهور الأئمة والفقهاء. ولسنا هنا بصدد بحث أحكام الطلاق، فبابه غير باب الطهارة، فقط أحببنا الإشارة إلى بعض هذه الأحكام هنا. دمُ الحيض ومدَّته لقد كثرت الآراء وتشعَّبت في تحديد أقلِّ الحيض وأكثره، وإني أكتفي باستعراض أقوال الأئمة الأربعة، وأضرب صفحاً عما سواها، لا سيما وأن معظم تلك الأقوال لا دليل عليها: ١- قال أبو حنيفة: إن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة. ٢- وقال مالك إنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره، والعبرة بعادة النساء. ٣- وقال الشافعي وأحمد إن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً. والصحيح هو أن الشرع الحنيف لم يحدد مدةً لأقلِّ الحيض ولا لأكثره يجب الالتزام بها، وإنما جعل ذلك راجعاً لما عليه عادة كل امرأةٍ في كل عصر وفي كل مكان، فلكلِّ امرأةٍ عادةٌ خاصةٌ بها يجب عليها أن تلتزم بها. ولكن عندما نستعرض النصوص نجدها تذكر أن غالب الحيض عند النساء هو ستة أيام أو سبعة، فعن حمنة بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال لها « ... فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي ... » رواه أبو داود والترمذي وأحمد. وسيأتي بعد قليل بإذن الله تعالى في بحث [المستحاضة] . وقد ورد في لون الدم أحاديث نذكرها كما يلي:

стр. 321

١- عن فاطمة بنت أبي حبيش «أنها كانت تُستحاض، فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يُعرف، فإذا كان ذلِكِ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي فإنما هو عِرق» رواه أبو داود والبيهقي وابن حِبَّان. ورواه الحاكم وصححه. ٢- عن أم عطية - وكانت بايعت النبي ﷺ - قالت «كنا لا نعدُّ الكُدرة والصُّفرة بعد الطُّهر شيئاً» رواه أبو داود. ٣- عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت «كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدِّرَجةِ فيها الكُرْسُفُ فيه الصُّفرةُ من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تَعْجَلْن حتى ترين القَصَّة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة» رواه مالك. وذكره البخاري تعليقاً. الدِّرَجة: وعاء. القَصَّة: القطعة من قطن توضع في الفرج لمعرفة أثر الحيض.

стр. 322

الحديث الأول يفيد أن دم الحيض أسود، وقوله يُعْرَف بضم فسكون ففتح يعني أن ذلك معروف لدى النساء. والحديث الثاني وإن روي موقوفاً على أم عطية إلا أنَّ له حكم الرفع إلى الرسول ﷺ ، لأن قولها «كنا لا نعدُّ» لا يُتصور أن يكون باجتهاد منهن دون علم من الرسول ﵊. والحديث ذكر أن الصُّفرة والكدرة بعد الطهر ليستا من الحيض منطوقاً، ومفهومه أنهما من الحيض في أثناء فترة الحيض. وأثر علقمة مفهومه أن ما قبل انقطاع السائل الملون يكون حيضاً، وهذا أعمُّ من السابق، فالأسود والأحمر والأصفر والكَدِر إن كان في أثناء فترة الحيض فهو حيض، وما دامت الأحاديث تذكر أن دم الحيض له هذه الألوان، فإن المرأة ذات العادة المتكررة إن استمر السائل ينزل منها وله لونٌ خلال فترة عادتها اعتبرت ذلك حيضاً وأن أيامه أيام حيض، فإذا زال اللون وصار ما تضعه المرأة في فرجها يخرج أبيض دون لون فإنَّ ذلك يعني أن الحيض انتهى وانتهت فترته، وأن واجبها آنذاك أن تغتسل وتصلي وتصوم. والمرأة الحائض لا تعدو أن تكون إحدى ثلاث: مُبتدَأة، ومعتادة، وذات تلفيق. أ- أما المُبتَدَأة - أي المُبْتَدَأُ بها الدم - فلها الحالات التالية: ١- المُبتَدَأُ بها الدم في سنٍّ تحيض النساء لمثله إذا نزل منها دم أسود تدع الصوم والصلاة، وترصد الأيام التي تمضي على ذلك النزول، وتبقى جالسة ما دام الدم ينزل فإن تكرَّر نزول الدم في الشهر التالي كما حصل في الشهر الفائت علمت أن ذلك حيضُها وعادتُها فانتقلت إليه وأخذت الأحكام بموجبه. وانقطاع الدم قد يكون لأسبوعين، وقد يكون لعشرة أيام، وقد يكون لسبعة، أو لثلاثة أو لأقل، فما مضى على نزوله في المرة الأولى إن تكرَّر فهو العادة، وآنئذ تنتقل من حالة المبتدَأة إلى حالة المعتادة.

стр. 323

٢- ثمَّ إن عبَر الدمُ بعد ذلك حيضها وعادتها وكان لونه أحمر علمت أنها مستحاضة فتغتسل وتقضي ما قد يكون فاتها من صلاة وصوم في الأيام التي تلت مدة حيضها، ولكن إنْ نزل الدم وتكرر نزوله وكان أسود بعد انقضاء مدة حيضها وعادتها فإنها تجلس ريثما ينقطع الدم الأسود فحسب، ثم تغتسل وتصلي ولو استمر نزول الدم أحمر أو أصفر، وآنذاك تنتقل إلى عادتها الجديدة، وتتصرف في الحيض بغير ما تتصرف به في الاستحاضة. والدليل على ذلك ما روت عائشة ﵂ «أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تُستحاض، فسألت النبي ﷺ فقال: ذلك عِرْق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري. وإقبال الحيضة: سواد الدم ونتنه. وإدبارها: رقة الدم وحمرته. ٣- وهذا كله إن كانت الحائض مميِّزةً تستطيع تمييز دم الحيض من دم الاستحاضة، فإنها تجلس ستة أيام أو سبعة أيام مثلاً ثم تغتسل وتصلى، لما روت حمنة بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال لها - بعد أن استفتته في استحاضتها الشديدة – « ... إنما هذه رَكْضةٌ من ركضات الشيطان، فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيتِ أنكِ قد طَهُرتِ واستنقأتِ فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يَطهُرن ... » رواه أبو داود. ورواه الترمذي وأحمد وصحَّحاه.

стр. 324

ب- أما المعتادة - وهي الحائض التي استقرت عادتها على كيفية ثابتة ومدة محددة كل شهر - فإن ما تراه من ألوان خلال فترة حيضها فهو حيض، لا فرق بين الأسود والأحمر والأصفر، ولا بين الثخين والرقيق، ما دام خلال فترة عادتها المستقرة، لما روى علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين أنها قالت «كان النساء يبعثن إلى عائشة أمِّ المؤمنين بالدِّرَجةِ فيها الكُرْسُف فيه الصُفرةُ من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القَصَّة البيضاء، تريد بذلك الطُّهر من الحيضة» رواه مالك. وقد مرَّ قبل قليل. أما إن كان اللون أصفر أو ذا كُدرة عقب فترة الحيض المعتادة فإنه ليس حيضاً، وتظل صاحبته طاهرة لما روت أم عطية - وكانت بايعت النبي ﷺ - قالت «كنا لا نعد الكُدرة والصُّفرة بعد الطُّهر شيئاً» رواه أبو داود. وقد مرَّ قبل قليل. أما إن تغيرت عادة المعتادة فإنها لا تخرج عن إحدى الحالات التالية: ١- أن ترى الطُّهر - أي انقطاع الدم - تماماً قبل تمام فترة الحيض المعتادة، ففي هذه الحالة تغتسل وتصلي لأنها صارت طاهرة بانقطاع الدم، فلا يحل لها أن تبقى جالسة دون اغتسال وصلاة. فإن عاودها الدم في خلال عادتها فإنها تتحيَّض فيه لأنه دم صادف العادةَ فكان حيضاً فتجلس، حتى إذا انقطع اغتسلت ثانية وصلَّت. أما إن عاودها الدم بعد انقضاء فترة حيضها فهو استحاضة، فتجلس مدَّة عادتها فحسب، وتغتسل وتصلِّي بقية المدَّة التي يظلُّ الدم فيها ينزل. أما إن استمر نزول الدم وكان أسود، كأن يستمر نزوله ثلاثة أيام أخرى وتكرر في الشهر التالي فهو حيض وتنتقل الحائض إلى عادتها الجديدة هذه، وإن لم يتكرر فليس بحيض، فتقضي ما قد يكون فاتها من صوم في تلك الأيام الثلاثة وتقضي ما فاتها من صلاة.

стр. 325

٢- أن ترى الدم في غير عادتها، إما قبل الفترة وإما بعدها مع استمرار عادتها على حالها فإنها تجلس، فإن تكرر منها في مستقبل أيامها ولو مرة واحدة قادمة صارت عادةً جديدةً لها، وإن لم تتكرر قضت ما فاتها من صلاة وصوم. ٣- أن ينضم إلى عادتها ما إذا جُمع معها زادا بمجموعهما على أكثر الحيض لديها، فإن كانت تعرف عادتها جلست قدر العادة ثم اغتسلت وصلت، لما روى البخاري ومسلم أن الرسول ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش « ... ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» . وقد مرَّ بتمامه في بحث أحكام الحائض. أما إن لم تعد تذكر عادتها - أي نسيتها - فإنها تسمى متحيِّرة، ففي هذه الحالة تجلس سبعة أيام، ثم تغتسل وتصلي، وتستمر على ذلك إلا أن تعود الناسية فتذكر عادتها، ففي هذه الحالة تجلس قدر عادتها. ج - بقيت حالة قليلة تسمى حالة التلفيق، ومعناها ضم الدم إلى الدم الذي يفصله عنه طهر. وهذه الحالة هي كالتالي: ١- إذا رأت الحائض يوماً دماً ويوماً طهراً، أو رأت يومين دماً ويوماً طهراً أو يومين، ثم رأت يومين دماً يعقبهما يوم طهر أو يومان وهكذا، فإن الحائض في هذه الحالة تغتسل عقب كل حيض أو في كل طهر يتخلل فترة الحيض، وتصلي وتصوم، وإذا استمر ذلك في خلال أكثر حيضها، أي عادتها، فجميعه حيض تغتسل عقب كل يوم أو يومين نزل فيهما الدم. أما إن عبر أكثر حيضها، أي عادتها، فهي مستحاضة تُردُّ إلى عادتها، فإن كانت عادتها خمسة أيام مثلاً جلست في هذه الأيام الخمسة التي ينزل فيها الدم، واغتسلت وصلت في أيام الطهر، وإن كانت مميِّزة ترى مرة دماً أسود وأخرى دماً أحمر أو أصفر رُدَّت إلى التمييز، فيكون حيضها زمن الدم الأسود فحسب، فتجلس فيه وتغتسل وتصلي فيما سواه. المستحاضة وأحكامها

стр. 326

المستحاضة هي التي ينزف دمها من فرجها في غير فترة حيضها، أو هي التي ترى دماً ليس بحيض ولا نفاس. والمستحاضة حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات من صلاة وصوم وطواف، لأن الاستحاضة نجاسة غير معتادة مثلها مثل سلس البول، وقد مرَّ في بحث دم الحيض ومدته أنواع الاستحاضات كلها، فلا نعيد، وللمستحاضة الأحكام التالية: ١- الغُسل: اختلف العلماء والأئمة في غسل المستحاضة على رأيين رئيسيين، وثالث صغير. فذهب ابن مسعود، وعلي وابن عباس في رواية عنهما، وعائشة في رواية، وعُروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن والأئمة الأربعة إلى وجوب غسل المستحاضة مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها. وذهب ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وعلي وابن عباس في رواية أخرى إلى وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة. وانفرد سعيد بن المسيب والحسن بالقول إن المستحاضة تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر في اليوم التالي، أي مرة كل يوم وليلة. وروى أبو داود عن عائشة أنها قالت «تغتسل كل يوم مرة» . وحتى يتبين لنا صواب الرأي الأول نستعرض الأحاديث التي تعالج هذا الموضوع: أ- عن عائشة ﵂ «أن فاطمة بنت أبي حُبَيش كانت تُستحاض، فسألت النبي ﷺ فقال: ذلك عِرْق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد. ب - عن عائشة قالت «إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتُكِ ثم اغتسلي، فكانت تغتسل عند كلِّ صلاة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.

стр. 327

ج - عن أم سلمة ﵂ «أن امرأة كانت تُهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة زوج النبي ﷺ فقال: لِتنظر عِدَّةَ الليالي والأيام التي كانت تحيضُهن من الشهر، فإذا بلغت ذلك فلْتغتسل ثم تَسْتَثْفِر بثوب ثم تصلي» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. د- عن حمنة بنت جحش قالت «كنت أُستحاض حيضةً شديدةً كثيرةً، فجئت رسول الله ﷺ استفتيه وأُخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش، قالت: فقلت يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: وما هي؟ فقلت: يا رسول الله إني أُستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصيام؟ قال: أنعتُ لك الكُرْسُف فانه يُذهب الدم قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلَجَّمي، قالت: إنما أثجُّ ثجاً، فقال لها: سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ فقد أجزأ عنك من الآخر فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيَّضي ستة أيام أو سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامَها وصومي فإن ذلك يُجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطُهْرِهن، وإنْ قَويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي وصلي وصومي إنْ قدرتِ على ذلك. وقال: قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلي» رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وحسنه البخاري والذهبي، قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح ... وهكذا قال أحمد بن حنبل) .

стр. 328

حديث عائشة الأول يقول «وإذا أدبرت فاغتسلي وصلِّي» وحديث عائشة الثاني يقول «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» وحديث أم سلمة يقول «فإذا بلغت ذلك فلْتَغْتسل ثم تستثفر بثوب ثم تصلِّي» . أما حديثا عائشة فصحيحان، وأما حديث أم سلمة فالنووي يقول: إسناده على شرطهما، إلا أن هذا الحديث ضعَّفه البيهقي وقال (إن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة) وأيده المنذري بقوله: لم يسمعه سليمان. وساق الدارقطني الحديث بسند هكذا: عن صخر بن جويرية عن نافع عن سليمان بن يسار أنه حدثه رجل عن أم سلمة، فهؤلاء أثبتوا ضعف هذا الحديث لأن فيه مجهولاً. إلا أن موسى بن عقبة قال: عن نافع عن سليمان عن مرجانة عن أم سلمة، فوضع بدل الرجل المجهول امرأة وسماها مرجانة، وهذا مخالف لسند الدارقطني وغيره، فالحديث ضعيف على كل حال فنطرحه، ونكتفي بحديثي عائشة الصحيحين، وندع حديث حمنة إلى وقت لاحق. الحديثان يفيدان اغتسال المستحاضة مرة واحدة عقب انتهاء فترة حيضها، ولو كان الاغتسال لكل صلاة لنصَّت الأحاديث على ذلك كما نصَّت على الوضوء لكل صلاة، كما جاء مثلاً عن عائشة قالت «جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاضُ فلا أَطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عِرْق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» ، قال أبو معاوية في حديثه

стр. 329

«وقال توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . ودافع الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذه الزيادة، وروى الأمر بالوضوء لكل صلاة أحمد والدارمي. فهذا الحديث جاء فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة، فحديثا عائشة ذكرا الاغتسال ولم يذكرا الوضوء، وذكرا الاغتسال دون تقييده بكل صلاة، في حين أن الحديث عندما ذكر الوضوء قيده بقوله «لكل صلاة» مما يدل على وجود فارق بين الأمر بالاغتسال والأمر بالوضوء. فالاغتسال يجب مرة واحدة، والوضوء يجب عند كل صلاة. قد يقال إن حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال «المستحاضة تدع الصلاة أيام أَقْرائِها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي» الذي رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي، يأمر بالاغتسال والوضوء لكل صلاة، قد يقال ذلك، فنقول إن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للنظر والاحتجاج لضعف راويه عن عدي وهو أبو اليقظان، قال عنه يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ترك ابن مهدي حديثه. وقال عنه أيضاً: إنه ضعيف الحديث منكر الحديث. وكذلك ضعَّفه الحاكم ويحيى بن سعيد والنَّسائي والدارقطني على اختلاف بينهم في العبارة. يتضح مما سبق أن المطلوب من المستحاضة هو أن تغتسل عند انقضاء فترة حيضها مرة واحدة فحسب، ثم تصلي بوضوء لكل صلاة. أما ما رواه الآخرون عن عائشة ﵂ «أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة» رواه أبو داود، فهذا الحديث فيه محمد بن إسحق وقد عنعن، فالحديث إذن ضعيف، وما رواه أحمد والنَّسائي عن عائشة رفعته بلفظ. «.. فلْتنظر قدر قَرئِها التي كانت تحيَّض له فلْتترك الصلاة، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلْتغتسل عند كل صلاة ولتُصَل» فهو مخالف للحديث الصحيح.

стр. 330

٢- «فتحيضي ستة أيام إلى سبعةٍ في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستيقنت واستنقأت فصلي ... فإن ذلك يُجْزِئُك» . ٣- «وإن قويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصر فتغتسلين، ثم تصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، وكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك ... وهذا أعجب الأمرين إليَّ» . فقد خيَّر الرسول ﵊ حمنة في العبارة الأولى بين فعلين، مبيناً أنها إن فعلت أحدهما سقط عنها وجوب الآخر، وهي عبارة جد واضحة. ونجد في العبارة الثانية الخيار الأول، وفيه أمرها بالغسل عقب انتهاء الحيض ثم الصلاة، وليس في العبارة أي أمر بتكرار الغسل، وأكد بقوله «فإن ذلك يُجْزِئُك» . ونجد في العبارة الثالثة الخيار الثاني، وفيه أمرها بالاغتسال لكل صلاتين من الصلوات الأربع الأولى والاغتسال لصلاة الفجر كلَّ يوم وحبَّبه إليها بقوله «وهذا أعجب الأمرين إلي» إذن فالخيار الأول هو ما قلناه من قبل وهو الغسل مرة واحدة، وأن هذا مُجْزِئ، والخيار الثاني الغسل ثلاث مرات كل يوم وأنه أفضل، ولكنه غير لازم. هذا هو مجمل حديث حمنة، فليس فيه وجوب تكرار الغسل، وإنما فيه استحبابه فحسب، فهو دليل لنا أيضاً على أن الواجب يسقط بالغسل مرة واحدة. إذن حديث حمنة يفيد أن الغسل مرة واحدة يُجْزِيء، وأنَّ غُسلها كل صلاتين في الجمع أفضل، وإذن فإن الغسل لكل صلاتين مندوب. وبالرجوع إلى ما مرَّ فانَّا لو تساهلنا في حديث عائشة السابق الذي فيه «اغتسلي لكل صلاة» واعتبرناه يصلح للاحتجاج كما مال إلى ذلك عدد من الأئمة، فإن غاية ما يفيده استحباب الغسل لكل صلاة، تماماً كاستحباب الغسل لكل صلاتين، وهذا القول أعدل الأقوال وأَوْلاها بالأخذ جمْعاً بين الأدلة وإعمالاً لها.

стр. 331

أما رأي ابن المسيَّب والحسن، وعائشة فيما رُوي عنها، وهو وجوب الاغتسال مرة كل يوم أو كل يوم وليلة، فلم أجد له نصاً صحيحاً ولا حسناً يدل عليه فيترك. ٢- الوضوء: ذهب الجمهور إلى وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، وانفرد مالك بالقول: إنَّ الوضوء لكل صلاة مستحب، ولا يجب إلا بحدث آخر. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لأن النصوص تدل عليه. وقد سبق حديث الترمذي الحسن الصحيح «توضئي لكلِّ صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» فهو نص صريح في الوضوء لكل صلاة، فيجب المصير إليه والعمل بموجبه. أما أنه فرض وليس سنة، فذلك أن نزول الدم من الفرج ناقضٌ للوضوء لا أعلم فيه خِلافَاً، والمستحاضة ينزف دمها باستمرار، فهي في حالة نقضٍ دائم للوضوء لا تطهر منه، وبالتالي لا تستطيع الصلاة، فجاء الشرع يطالبها بالصلاة وبالوضوء لكل صلاة، ولو استمر الدم في النزول في أثناء الصلاة، فمطالبتها بالوضوء لكل صلاة إنما هو لأجل قيامها بواجب الصلاة، وإذن فلا يتصور أن يكون سنة، لأن السُّنَّة يجوز تركها، وهنا لا يجوز ترك الوضوء لأنه لو ترك لكان الناقض مستمراً ولما جازت معه الصلاة، وهذه الحالة هي حالة ضرورة وحالة عذر، تماماً كَسَلَسِ البول والريح، فهي قرينة على أن الأمر هنا يفيد الوجوب.

стр. 332

أما قول مالك الذي شاركه فيه عكرمة وربيعة باستحباب الوضوء للمستحاضة، فقد استدلوا عليه بحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش « ... ثم اغتسلي وصلي» قائلين إن الرسول ﵊ لم يأمرها بالوضوء لكل صلاة، ولأنه ليس بمنصوص عليه، فنرد عليهم بأن حديث عائشة السابق جاء فيه «توضئي لكل صلاة» وهذه زيادة يجب قبولها ويتعين المصير إليها، وهي ردُّ على قولهم (ليس بمنصوص عليه) وكما أن روايتهم صالحة - فقد رواها البخاري - فروايتنا هي أيضاً صالحة رواها الترمذي وقال (حسن صحيح) ثم إن روايتهم فيها سكوت وروايتنا فيها نطق، والنطق مقدَّم على السكوت. أما إن جاء من يجادل في أن نزول الدم للمستحاضة لا شيء فيه، وأنه ليس بناقض فلا يجب له الوضوء، قلنا: وكيف تفسر أمر رسول الله ﷺ لحمنة بنت جحش «أنعت لك الكُرْسُف» أي ضعي قطناً لمنع نزول الدم؟ فلما قالت: هو أكثر من ذلك - أي لا يمنع القطنُ نزوله - قال «فتلجَّمي» أي أكثري من وضع ما يحول دون نزوله أجل كيف تفسر هذين الأمرين إن كان نزول الدم من الفرج غير ناقض؟ وحيث أن الوضوء هنا مشروعٌ لعذر وضرورة فإنه يقيَّد بقدرهما، فيكون هذا الوضوء المشروع لكل صلاةِ فريضةٍ صالحاً طيلة وقت الصلاة المفروضة، فبالوضوء الواحد تصلي في وقت الصلاة ما شاءت من صلوات، فإذا انتهى الوقت بطل وضوؤها، فإذا أرادت صلاة جديدة توضأت لها وضوءاً جديداً، وهكذا.

стр. 333

ثم يجب أن تتوضأ بعد دخول الوقت لا قبله، حتى يصح القول أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، ولو جاز وضوؤها قبل دخول الوقت لكان هذا الوضوء قد جاز لوقتين وهذا لا يجوز، لأنه يخالف كونه وضوء عذر وضرورة يُقدَّر بقدرهما. وهذا رأي الأحناف وابن قُدامة من الحنابلة، وهو الصحيح. قال ابن حجر في فتح الباري (وعند الحنفية أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله «وتوضئي لكل صلاة» أي لوقت كل صلاة) . والآخرون قالوا بالوضوء لكل صلاةِ فريضةٍ ولكل صلاةٍ مقضية أخذاً بظاهر الحديث، وهذا تشدد في الأخذ بالظاهر، لأنَّا لو أردنا مجاراتهم في قولهم هذا لقلنا لهم كيف أجزتم بوضوء واحد أداءَ صلاة الظهر مثلاً وركعتين قبلها، أو ركعتين بعدها؟ وهذه ثلاث صلوات وليست صلاة واحدة؟ فإن قالوا: دخلت في مسمى واحد هو صلاة الظهر، قلنا: وأين النص في ذلك؟ وما الفرق بين هذه الصلوات الثلاث وصلاة الظهر وقضاء صلاة الفجر في وقت واحد؟ لا هذه فيها نصٌ ولا تلك. فإن توسعتم في فهم النص قلنا: ليكن التوسع بشكل يشمل الصلوات المؤدَّاة في وقت الصلاة الواحدة. ثم إن حديث حمنة فيه الأمر بالجمع بين الصلاتين، صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب وصلاة العشاء، ولم يأمرها الرسول ﷺ بوضوء، واكتفى بطلب الغسل للصلاتين، ولو كان أَمَرَها بالوضوء للصلاة الثانية لنُقِل، فلما لم يحصل دل ذلك على أن الوضوء غير لازم، ودل الحديث على أن الغسل أو الوضوء يقام فيه بصلاتين، وهذا دليل آخر على أن الوضوء يكفي لأكثر من صلاة في الوقت الواحد، وينقض قولهم المذكور.

стр. 334

ولسنا نريد التشدد فنقول إن هذا الحديث يفيد أن الوضوء يكفي لوقتين وفريضتين، لأن الجمع الذي أمرت به حمنة كان جمعاً صورياً، بحيث تصلي الظهر في آخر وقت الظهر وتصلي العصر في أول وقت العصر، وكلُّ ذلك بغسل، أو بوضوء واحد، لسنا نقول هذا القول لأن الجمع الذي أمرت به حمنة ليس مقطوعاً به أنه جمع صُوْرِيٌّ وإنما هو محتمل، فلا يصلح للاستدلال. فبالوضوء الواحد تصلي المستحاضة صلاة الفريضة وسننها والصلوات المقضَّية وما تشاء من النوافل، وتقرأ القرآن وتمس المصحف ما دام ذلك كله في وقت صلاة فريضة. فإن أذَّن المؤذن لصلاة جديدة فإن وضوءها يبطل، ويلزمها وضوء جديد تفعل فيه ما فعلته في وضوئها السابق، ويتعلق بهذا الوضوء ما سبق وأتينا عليه من وجوب غسل الفرج مما أصابه من دم، ثم تحفُّظها بشكل تجتهد به أن تمنع نزف الدم، فإن نزف بعد بذل الوسع فلا بأس. ٣- الوطء: يجوز لزوج المستحاضة أن يطأها ولو كان الدم ساعة الوطء يسيل، وهو رأي الأئمة الأربعة خلافاً لرأي ابن سيرين والشعبي والنخعي والحاكم وأحمد في رواية عنه، فقد قالوا بالمنع إلا أن يخاف الزوج العنت والوقوع في محذور. وقد استدل مَن قالوا بالتحريم بما رواه الحاكم في كتابه [معرفة علوم الحديث] والخلاَّل بإسناده عن عائشة أنها قالت «المستحاضة لا يغشاها زوجها» وقالوا إن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض، فقد قاسوا المستحاضة على الحائض للعلة المشتركة بينهما وهي الأذى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النِّساءَ في المحيض﴾ وهذا الرأي ظاهر الضعف لأن ما رووه عن عائشة هو قولٌ لصحابية، وقول الصحابي أو الصحابية ليس دليلاً. أما قياسهم المستحاضة على الحائض فلا يصح، لأن واقع الحيض يختلف عن واقع الاستحاضة، فدم الحيض أسود نتن، في حين أن دم الاستحاضة أحمر عادي غير فاسد، فهذا فارق، ثم إن الله حرم على الحائض الصلاة في حين أمر المستحاضة بالصلاة، فهذا فارق ثانٍ، فالقياس لا يصح.

стр. 335

وقد يُسأل عن دليل جواز وطء المستحاضة، فأجيب بأنه لا يلزم دليلٌ لذلك لأن المستحاضة زوجةٌ تُوطأ، ولا يُمنع الزوج من وطء زوجته إلا في حالة الحيض والنفاس، وما سواهما لا يوجد دليل بالحظر والتحريم، والأصل إباحةُ الوطء لعموم الأدلة، ولا يصار إلى التحريم إلا بدليل ولا دليل. وقد روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» وإسناده حسن. وحمنة زوجة طلحة بن عبيد الله، وروى أبو داود عن عكرمة أيضاً «كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها» وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف كما ذكر مسلم في صحيحه. وروى عبد الرزاق في مصنَّفه في باب المستحاضة عن عكرمة عن ابن عباس قال «لابأس أن يجامعها زوجها» فهذه المرويات من الآثار وإن كانت ليست أدلة لأنها أقوالُ صحابةٍ إلا أنها يُستَأنَسُ بها ويُطمئَنُّ بها على سلامة الرأي. ٤- المستحاضة تصلي وتصوم، وتفعل كل شيء كما تفعل الطاهرات سواء بسواء: وقد مرَّ في الأحاديث الأمر بالصلاة وبالصوم، ففي حديث حمنة السابق «وكذلك فافعلي وصلِّي وصومي» وحيث أن الصلاة والصوم شرطهما الطهارة، وقد طُلِبا من المستحاضة فقد دل ذلك على أن المستحاضة طاهرة كسائر الطاهرات، تفعل ما تفعله الطاهرات دون أي تمييز. وهذا رأي العلماء والأئمة دون مخالف. خامساً: النفاس والولادة أ- النِّفاس: هو الدم الخارج من الفرج بسبب الولادة شرط أن يتبين في المولود خلق إنسان سواء ولد حياً أو ميتاً. فيخرج من هذا التعريف ما يقذفه الرحم من نطفة أو علقة أو بداية مضغة، فهذا ليس ولادة وليس نفاساً، ولا تندرج النطفة أو العلقة أو بداية المضغة تحت لفظ المولود. والدليل على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية.

стр. 336

أما القرآن الكريم فقد قال الله في سورة الحج، الآية ٥ ﴿يا أيها الناسُ إنْ كُنتم في رَيْبٍ مِن البَعْثِ فإنَّا خَلَقْنَاكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقةٍ وغيْرِ مُخَلَّقَةٍ لنُبَيِّنَ لكم ونُقِرُّ في الأَرحَامِ ما نَشَاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ فجعلت الآية التخلق في مرحلة المضغة، وبالتالي فقد نفته عن النطفة والعلقة، فالمضغة بدء التخلُّق، أي بدء خلق الإنسان، وما قبلها ليس تخلُّقاً، وليس بدء إنسان، والولادة هي إنزال مولود مُخلَّق، وليس إنزال دم سائل أو جامد، لأن النطفة معناها المني، والعلقة معناها الدم الجامد، في حين أن المضغة هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ، فما كان دماً فليس بمولود، وما صار لحماً فهو مولود، وإن أردنا الدقة أكثر قلنا إن المضغة هي بداية مولود.

стр. 337

وأما الحديث فقد رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال «حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إنَّ أحدكم يُجمع خلْقُه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغَةً مثل ذلك، ثم يُرسَلُ المَلَكُ فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات بِكَتْبِ رزقِه وأجَلِهِ وعملِهِ وشقيٌّ أو سعيدٌ ... » رواه مسلم والبخاري. فالحديث فسر الآية وبيَّن أن نفخ الروح إنما يحصل عقب تحوُّل العلقة إلى مضغة، بل عقب اكتمال تخلق المضغة، فالحديث يقول «ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يُرْسَل المَلَكُ فينفخ فيه الروح» فقد قال «ثم» وهي تفيد التعقيب والترتيب، فنفخُ الروح إنما يتم عقب حصول المضغة، أي عقب التَّخلُّق الحاصل في المضغة وليس في أثناء تخلُّقها، فلا تُنفخ الروح إلا بعد اكتمال خلق المضغة، فالتَّخلُّق مُصاحِبٌ للمُضغة تماماً، بمعنى أن العلقة بمجرد تحولها تدريجياً إلى مضغة يحصل التَّخلُّق تدريجياً، فالمضغة مصاحبة للتَّخلُّق، ولا يقال لها مضغة إلا إذا اكتملت، ولا تكتمل إلا إذا اكتمل تخلقها، وإذا اكتملت أو اكتمل تخلقها، فقد آن أوان نفخ الروح.

стр. 338

ومن هذا الفهم نخرج بالرأي التالي: إن المرأة إن أسقطت نُطفة أي عقب مرور أربعين يوماً كأقصى وقت لبدء الحمل، فإنها لا تكون قد أسقطت مولوداً، وإن أسقطت علقة أي عقب مرور ثمانين يوماً كأقصى وقت لبدء الحمل، فإنها أيضاً لا تكون قد أسقطت مولوداً، وهذا أمر ظاهر الوضوح. أما إن أسقطت مضغةً كاملةً التَّخلُّقِ بعد مرور ما يزيد على مائة وعشرين يوماً ولو بيوم واحد، فإنها تكون قد أسقطت مولوداً فيه روح، وهذا إسقاطٌ لإنسان وهو نفاس قطعاً لا شك فيه. فتبقى الفترة ما بين ثمانين يوماً ومائة وعشرين يوماً، وهي فترة تخلق المضغة، فهذه الفترة مرحلة انتقالية من جسم لا شك في أنه ليس مولوداً، ولم تحل فيه الروح، لأنه قطعة دم جامد كالكبد والطحال وليس لحماً، إلى جسم من لحم مخلَّق حلَّت فيه الروح. هذه الفترة اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من اعتبر إسقاط المضغة قبل اكتمال تخلقها إسقاط مولود، وبالتالي سمَّوْه نفاساً، ومنهم من اعتبر إسقاطها إسقاطاً مماثلاً لإسقاط النطفة والعلقة، أي ليس إسقاط مولود وليس نفاساً، والصحيح هو أن المضغة قبل اكتمال تخلُّقِها حكمُها حكم ما قبلها، لأن الروح لا تحل فيها قبل التَّخلُّق. أما ما يتعلق بالنفاس من حيث الحكم للصلاة والطهارة والجماع فإنَّا نقول إن المرأة إن أسقطت بعد مائة يوم فَحَصْنا الساقط، فإن تبيَّنَّا فيه تخلق المولود بشكل بيِّن اعتبرناها في حالة نفاس وإلا فلا. قال ابن قدامة في المغني (إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق الإنسان فهو نفاس نُصَّ عليه، وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس، وإن كان الملقى بضعة لم يتبين فيها شيء من خلق الإنسان ففيها وجهان - أحدهما - هو نفاس لأنه بدء خلق آدمي فكان نفاساً كما لو تبين فيها خلق آدمي - والثاني- ليس بنفاس لأنه لم يتبين فيها خلق آدمي فأشبهت النطفة) .

стр. 339

ب- مدة النفاس: اختلف الأئمة والفقهاء في أكثر النفاس، فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يوماً، وقد رُوي عن الأوزاعي أنه قال: عندنا امرأة ترى النفاس شهرين. ورُوي مثله عن عطاء. وقال الشافعي: غالبه أربعون يوماً. وذهب علي وعمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وأنس وأم سلمة والشعبي والثوري وإسحق وأصحاب الرأي وأحمد والشوكاني والمزني وأبو عبيد إلى أن أكثره أربعون يوماً. وهذا الرأي الأخير هو الصحيح، والدليل عليه ما يلي: ١- قال الترمذي (قد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومَن بعدهم على أن النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصلاة أربعين يوماً، إلا أن ترى الطُّهْر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي) فهو إذن إجماع الصحابة، وهذا دليل. ٢- عن علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مُسَّة الأزديَّة عن أم سلمة ﵂ قالت «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوماً، فكنا نطلي وجوهنا بالوَرْس من الكلف» رواه الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة. قال المُباركْفُوري شارح الترمذي (الحديث حسن صالح) . وقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث. والحديث صححه الحاكم. ٣- عن أم سلمة ﵂ قالت « ... كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس» رواه أبو داود.

стр. 340

أما إجماع الصحابة فهو كاف كدليل على أن حدَّ النفاس الأعلى أربعون يوماً، وهذا وحده كافٍ للرد على أصحاب الرأي الأول، كما أن حديث أم سلمة الأول صريح الدلالة على الأربعين. وهذا القول من أُم سلمة يأخذ حكم الرفع لأنها قالت «كانت النُّفَسَاء تجلس على عهد رسول الله ﷺ » فهي قد أضافت الفعل إلى عهد الرسول ﷺ ، وهذه الإضافة تجعل الحديث يأخذ حكم الرفع كما يقول جمهور المُحدِّثين والأُصوليين. أما أصحاب الرأي الأول فقد قالوا به بالاستقراء، وبِردِّ حديث أم سلمة الثاني واصفين إياه بأنه مُنْكَرُ المتن، لأن أزواج النبي ﷺ ما منهن مَن كانت نُفَسَاء أيام كونها معه سوى خديجة، وخديجة كانت زوجة له قبل الهجرة، وإذن فلا معنى لقول أم سلمة هذا كما يقولون.

стр. 341

أما الاستقراء فإنه لا يفيدهم، لأن الصعيد الذي بحثوه عليه هو غير الصعيد الذي كان عليهم بحثه عليه، وذلك أنهم علَّقوا أحكام النفاس على ما توصلوا إليه من دراسة ما عليه النساء، مِن حيثُ أكثرُ ما يكون نزول الدم عندهن دون أي اعتبار آخر، وهذا خطأ وقعوا فيه، وأوقعهم من ثَمَّ في خطأ الحكم المترتب عليه، ذلك أن الشرع نفسه قد حسم هذه المسألة حسماً قاطعاً، فقال إن حكم النفاس أقصاه أربعون يوماً كما جاء بإجماع الصحابة وهو دليل، وكما جاء بالحديث أيضاً، وكان ينبغي عليهم وقد قال الشرع كلمته أن يتوقفوا عن البحث عن أكثر زمنٍ لنزول دم النفاس إنْ هم أرادوا من ذلك تعليق حكم النفاس به، أما لو هم أرادوا مطلق المعرفة بأكثر وقت النفاس من حيث الواقع دون ربط ذلك بحكم النفاس فلا بأس، ولكنهم بحثوا عن أقصى النفاس، فوجوده عند عدد من النساء يزيد على الخمسين، وقد يصل إلى الستين والسبعين، فقالوا إن المرأة تدع الصلاة والصوم والجماع طيلة هذه الفترة الطويلة، وهذا خطأ لأن هذا القول معاندٌ صريحٌ للشرع، فالشرع علق الحكم بأربعين كحدٍّ أقصى، وما دام علق الحكم بالأربعين فإن تعليقه بالخمسين أو بالستين أو بالسبعين هو نسخ له، وهم لا يملكون النسخ. أما ردهم حديث أم سلمة الثاني الذي فيه «كانت المرأة من نساء النبي» واصفين إياه بأنه مُنْكَر المتن، فرغم أن الشوكاني أوَّله بقوله (نساؤه أعمُّ من الزوجات لدخول البنات وسائر القرابات تحت ذلك) فإني أُقرُّهم على هذا الرد ولا أميل إلى تأويل الشوكاني، وبالتالي يُترك الحديث ولا يُحتج به. ولكن هذا الرد لا يفيدهم لأن الحديث الأول لا يمكن إنكار متنه لأن النفساء فيه غير مقيدة بكونها من نساء الرسول ﵊، وحيث أن الحديث صحيح وصريح فلا يجوز تركه وإعمال الذهن فيما جاء فيه نص، أو الاجتهاد في مورد النص.

стр. 342

لكن تبقى تساؤلات لا بد من الإجابة عليها وهي: هل الشرع حدد الأربعين على اعتبار أن الدم لا ينزل أكثر من أربعين؟ أم أن الشرع حدد الأربعين وهو يعلم أن الدم قد يحتاج لدى بعض النساء إلى أكثر من ذلك ولكنه عفى عن الزيادة؟ وهل هذه الزيادة على الأربعين نفاس معفى عنه أم هو شيء آخر؟. الذي يترجح لديَّ هو أن دم النفاس فعلاً لا يزيد على أربعين يوماً، فإذا استمر نزول الدم أكثر من ذلك كان إمَّا مرضاً وهو استحاضة - أي انقطاعُ عرقٍ نتيجة ما قاسته الوالدة من تشنجات عضلية وعصبية - وإمَّا أنَّه صادف فترة الحيض، وحينئذ ينزل أسود يُعرف، فيكون في هذه الحالة حيضاً يأخذ حكمه، وليس في حاجة للنص عليه في حالة النفاس، لأن النص عليه موجود في حالة الحيض، فلا تصلي المرأة عقب انقضاء الأربعين، وإنما تستمر على عدم الطهارة وعدم الصلاة حتى تنتهي حالة الحيض، وهذا لا يخالف ما سبق من تحديد النفاس بالأربعين لأنه ليس نفاساً. قال الإمام أحمد: إذا استمر بها الدم فإن كان في أيام حيضها الذي تقعده أمسكت عن الصلاة ولم يأتها زوجها، وإن لم يكن لها أيام كانت بمنزلة المستحاضة يأتيها زوجها وتتوضأ لكل صلاة وتصوم، وتصلي إن أدركها رمضان ولا تقضي. وهو تلخيص جيد، وأحمد كما سبق بيانه هو ممن يقولون بالأربعين كحدٍّ أقصى للنفاس.

стр. 343

هذا هو الحدُّ الأعلى للنفاس. أما الحد الأدنى فقد قال محمد بن الحسن من الأحناف، وأبو ثور: أقلُّه ساعة. وقال أبو عبيد: أقلُّه خمسة وعشرون يوماً. وقال الأئمة الأربعة والثوري والأوزاعي: إذا لم تر دماً تغتسل وتصلي. أي هم لم يحدوا حداً لأقله وهو الصحيح. وذلك لأن الشرع لم يحد له حداً معلوماً فوجب الرجوع فيه إلى أحوال النساء. فلو ولدت امرأة وتوقف نزول الدم بعد مضي ثلاثة أيام فإنها تغتسل وتصلي، بل لو ولدت وتوقف نزول الدم مباشرة نهضت واغتسلت وصلت. فقد رُوي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله ﷺ فلم تر دماً فسميت ذات الجفوف، وهذه حالة نادرة طبعاً. أما إن نزل الدم عشرة أيام مثلاً وتوقف عشرة أيام اغتسلت فيها وصلت، ثم إن عاودها الدم بعد توقف العشرة الأيام هذه فإنه دم نفاس، تتوقف فيه عن الصلاة ما دام ينزل، فإن توقف اغتسلت وصلَّت. وقد استغربت تناول الأئمة لهذه المسألة واختلافاتهم فيها، فقد قال مالك: إنْ رأت الدم بعد يومين أو ثلاثة فهو نفاس، وإن تباعد ما بينهما فهو حيض. وقال أصحاب الشافعي: إذا رأت الدم يوماً وليلة بعد طُهر خمسة عشرة يوماً ففيه رأيان: أحدهما يكون حيضاً، والثاني يكون نفاساً. ونُقل عن أحمد روايتان: إحداهما أنه حيض، والأخرى أنه نفاس. وأنا لا أدري ما وجه الحكمة في هذا الخلاف؟ وما قيمة اعتبار الدم هذا حيضاً أو نفاساً؟ إذ لو كان للحيض حكم غير حكم النفاس لوجب الاهتمام بهذه المسألة، أما وأنه لا فرق بين أن يكون الدم حيضاً أو نفاساً فلماذا هذا البحث وهذا الخلاف؟.

стр. 344

بقيت نقطة أخيرة اختلف فيها الفقهاء هي: إذا ولدت المرأة توأمين فكيف تحسب فترة النفاس؟ أيكون النفاس كله من المولود الأول أوله وآخره، أم يكون من المولود الأول أوله ومن الآخر آخره؟ أم يكون من الآخر أوله وآخره؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه إلى أن النفاس من الأول كله أوله وآخره، وعللوا ذلك بقولهم: متى انقضت مدة النفاس من حين وضعت الأول لم يكن ما بعده نفاساً، لأن ما بعد ولادة الأول دم بعد الولادة فكان نفاساً كالمنفرد وآخره منه، لأن أوله منه فكان آخره منه كالمنفرد. وقال أبو الخطاب والشريف أبو جعفر من الحنابلة: إن أوله من الأول وآخره من الثاني. وقالا: إن الثاني ولد فلا تنتهي مدة النفاس قبل انتهائها منه كالمنفرد، فعلى هذا تزيد مدة النفاس على الأربعين في حق من ولدت توأمين. وقال القاضي أبو الحسين من الحنابلة وزُفَر من الأحناف: إن النفاس من الثاني فقط لأن مدة النفاس مدة تتعلق بالولادة فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثاني كمدة العدة. ولأصحاب الشافعي ثلاثة أقوال كالسابقة. والذي أراه هو الرأي القائل بأن النفاس يبدأ بولادة الأول، وهذا ظاهر تماماً والأصل أن نفاسه هو النفاس في أوله وآخره، وأول نفاسه لم يجر عليه ما يلغيه أو يغيره فيستمر، ولكن طرأ على آخر نفاسه نفاس آخر لمولود آخر، وحيث أن الآخر مولود فإن له نفاساً له أول وله آخر، أما أوله فقد دخل في نفاس أخيه الأول، وظل آخره قائماً لم يغيره شيء أما آخر نفاس الأول فقد دخل في نفاس أخيه الثاني، فنفاس ذات التوأمين يبدأ بأول نفاس الأول وينتهي بآخر نفاس الثاني.

стр. 345

ج - حكم النفساء حكم الحائض سواء بسواء من حيث عدم الطهارة، وسقوط الصلاة والصوم، وتحريم الجماع دون أي فرق لا اعلم في هذا خلافاً بين الأئمة. والدليل إجماع الصحابة وقد مرَّ. إنما الخلاف في الكفارة على من وطيء زوجته في نفاسها، والذي يترجح لدي هو أنه لا كفارة عليه، لأنه لم يرد في الكفارة نص، وما ورد من نصٍّ في كفارة وطء الحائض لا يشمل النفساء، ولا يصح القياس لاختلاف الحالتين. د- أما غسل النُّفَسَاء فهو غسل الجنب وغسل الحائض نفسه، وما جاء من استحباب زيادة التنظيف في غسل الحائض نقول به في غسل النفساء لإزالة أثر الدم، ومثل هذا لا يحتاج إلى نص يخصه بالذكر لاندراجه تحت عموم الأدلة الحاثة على النظافة. والدليل على غسل النفساء إجماع الصحابة وقد مرَّ. الفصل العاشر الوضوء تعريف الوضوء ومشروعيته أـ تعريف الوضوء: الوضوء بضم الواو مصدر وَضُؤَ بمعنى حَسُنَ، ويطلق على الفعل، والوضوء بفتح الواو: الماء الذي يُتَطهَّر به. هذا في اللغة. وفي الشرع: غسل الوجه بالماء واليدين إلى المرفقين والرِّجلين إلى الكعبين ومسح الرأس بترتيب مخصوص وموالاة مع سبق النية لرفع الحدث الأصغر المبيح للصلاة ومسِّ المصحف والطواف. ب ـ مشروعيته: الوضوء مشروع بالقرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الصحابة، ففي القرآن الكريم قوله ﴿يا أيها الذينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجوهَكم وأَيْدِيَكُم إلى المرَافِقِ واْمْسَحُوا برؤوسِكم وأرجلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. وفي السنة الشريفة ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تُقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» رواه مسلم والبخاري وأبو داود والترمذي وأحمد. وقد انعقد إجماع الصحابة على وجوب الوضوء للصلاة، ولم يخالف فيه أحد منهم بل ولم يخالف فيه أحد من المسلمين، فهو معلوم من الدين بالضرورة.

стр. 346

فضلُ الوضوء وردت في فضل الوضوء أحاديث كثيرة نذكر منها ما يلي: أـ عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر قال «رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضُد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضُد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغُرُّ المُحَجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فلْيُطل غُرَّته وتحجيله» رواه مسلم. ب- عن أبي هريرة «أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنَّا قد رأينا إخواننا، قالوا: أَوَ لَسْنا إخوانَك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعدُ من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أنَّ رجلاً له خيلٌ غُرٌّ محجَّلة بين ظَهرَيْ خيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غُرَّاً مُحجَّلين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، ألا ليُذادَنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أُناديهم: ألا هَلُمَّ، فيقال إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً» رواه مسلم وابن ماجة ومالك. قوله دُهمٌ بُهمٌ: أي سُودٌ لم يخالط لونَها لونٌ آخر. ج - عن أبي حازم قال «كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى تبلغ إِبطَه، فقلت له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» رواه مسلم. قوله يا بني فَرُّوخ: أراد بهذا النداء الموالي.

стр. 347

د- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ألا أدلكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» رواه مسلم ومالك والترمذي والنَّسائي. هـ- عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مَن توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه» رواه مسلم. و عن عبد الله الصُنَابِحِيِّ أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فِيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشْفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أُذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيُه إلى المسجد وصلاتُه نافلةً له» رواه النَّسائي وأحمد ومالك وابن ماجة. ز- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ، يضرب كل عقدة مكانها عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُهُ كلُّها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي ومالك.

стр. 348

الأحاديث الثلاثة الأولى بينت أن المسلمين يتميزون بالوضوء عن سائر الناس يوم القيامة بما أنعم الله به عليهم من إلباسهم الزينة والحلية على قدر ما أسبغوا وضوءهم بحيث يبدون غُرَّاً مُحجَّلين. والأحاديث الثلاثة التالية ذكرت أن الوضوء يكفِّر الخطايا والذنوب. والحديث الأخير ذكر أن الوضوء يحل عقدة من عُقَد الشيطان الثلاث، فكفى بما يجلبه الوضوء في الآخرة من حلية، وبما يكفِّر من الخطايا والذنوب، وما يحل من عُقَدِ الشيطان من فضل وأي فضل! صفةُ الوضوء كما أن الغُسل منه المُجْزِيء ومنه الأكمل، فكذلك الوضوء منه المُجْزِيء ومنه الأكمل، والمُجْزِيء يُقتصر فيه على الفروض بحيث لو نقص منها فرض واحد بطل والأكمل يضم زيادة على الفروض السنن كلها. والوضوء المُجْزِئ هو: استحضارُ نيَّةِ رفع الحَدَث الأصغر، وغسل الوجه بالماء، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والموالاة، والترتيب. فمن أتى بهذه الفروض فقد أتى بالوضوء المُجْزِئ، وصح به الطواف ومسُّ المصحف والصلاة واكتملت به طهارته. والأدلة على ذلك ما يلي: ١- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرِئ ما نوى، فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه مسلم وأحمد والبخاري. وحيث أن الوضوء عبادة وأنه عمل فإنه يدخل في هذا الحديث، فهذا دليل فرض النية.

стр. 349

٢- قوله تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وجوهَكُم وأَيْدِيَكُم إلى المرافِقِ وامْسَحُوا برؤوسِكُمْ وأَرْجُلَكم إلى الكعبين﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. فهذه الآية أتت على الفروض الأربعة (غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين) . وقد قلت (غسل الوجه بالماء) فذكرت الماء لأُخرج سائر المائعات، فالوضوء لا يصح بغير الماء كما أن الغسل لا يصح بغير الماء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ٣- ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتى تَعْلَمُوا ما تقُولُون ولا جُنُباً إلا عابرِي سبيلٍ حتى تَغْتَسِلوا وإنْ كنتم مرضى أو على سَفَرٍ أو جاءَ أحدٌ منكم مِن الغَائِطِ أو لامَسْتُم النِّساءَ فلم تَجِدوا ماءً فتيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبَاً فامْسَحُوا بوجُوهِكُم وأَيْدِيكُم إنَّ الله كان عَفُوَّاً غَفُوراً﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. فهذه الآية الكريمة أمرت بالتَّيمُّم عند فقد الماء، ومفهومها أن الماء هو المستعمل في الغسل والوضوء، وأنه لا يُصار إلى التراب إلا إذا عدم الماء. وقلت في الوضوء المُجْزِيء (والموالاة) لأُبيِّن أن الموالاة فرض، بحيث إن لم توجد لا يصح الوضوء، والدليل عليها:

стр. 350

٤- عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدَمِهِ لمعةٌ قدرَ الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء» رواه أحمد وأبو داود وزاد «والصلاة» . قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناده جيد؟ قال: جيد. ودلالة الحديث على وجوب الموالاة واضحة، فالرجل حين تبين الرسول ﵊ أن بظهر قدمه قدر الدرهم لم يصبه الماء أمره أن يعيد الوضوء ولم يأمره بغسل اللمعة فحسب، مما يدل على أن الوضوء باطل وأنه لا يكفي لتصحيحه أن يعود لغسل رجله، لأن غسلها بعد المدة الطويلة يجعله بدون موالاة، فلما حصل ذلك فهمنا أن الموالاة واجبة. وختمتُ الفروض بـ (الترتيب) والدليل عليه الآية الكريمة التي جعلت مسح الرأس يتوسط غسل اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، ولا يكون هذا التوسط وقطعُ النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولا فائدة هنا سوى الترتيب. وبذلك يظهر أن الوضوء المُجْزِيء يجب أن يتحقق فيه ما يلي: ١- النِّيَّة. ٢- استعمال الماء. ٣- غسل الوجه. ٤- غسل اليدين. ٥- مسح الرأس. ٦- غسل الرِّجلين. ٧- الموالاة. ٨- الترتيب. فإن نقص واحد من هذه الثمانية فقد بطل الوضوء ووجبت إعادته. أما الوضوء الأكمل فهو هذه الفروض مضافة إليها السنن. وهذه السنن هي ما حوته النصوص بخصوص الوضوء مما زاد على الفروض. والمعلوم أن أعمال العبادة إما أن تكون فروضاً، وإما أن تكون سُنناً. وحيث أن النصوص قد ذكرت أعمالاً في الوضوء غير ما جاء من الفروض فإن هذه الأعمال لا شك أنها سنن ومندوبات، وقد ذكرت هذه الملاحظة اكتفاءً من وصف كل عملٍ مُقبل منها بأنه سنة، وآخذ في التدليل على ذلك.

стр. 351

أما الوضوء الأكمل فهو كالتالي: ينوي رفع الحَدَث الأصغر، ثم يسمي الله، ثُم يغسل كفيه بالماء ثلاثاً، ثم يتمضمض باليمين ثلاثاً، ويتسوَّك ولو بإصبع يده، ثم يستنشق باليمين ويستنثر بالشمال ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويُخلِّل لحيَتَه، ويتعاهد المأْقين، ثم يغسل يده اليمنى حتى يشرع في العضد ثلاثاً، ثم يغسل يده اليسرى حتى يشرع في العضد ثلاثاً، ثم يمسح رأسه يبدأ بمُقدَّم رأسه بيديه الاثنتين حتى تصلا إلى قفاه ويعيدهما إلى مُقدَّم رأسه، ثم يمسح أُذنيه بيديه ظاهرهما وباطنهما، ثم يغسل رجله اليمنى ويخلل أصابعها بخِنْصَر يده اليسرى حتى يشرع في الساق ثلاثاً، ثم يغسل رجلَه اليسرى كما فعل في اليمنى، ويفعل كل ما سبق بالترتيب نفسه، ويبدأ باليمين ثم بالشمال، ويوالي بين أعضاء الوضوء في الغسل والمسح، ثم يقول (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوَّابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفِرُك وأتوب إليك) . هذه هي أعمال الوضوء الأكمل ولا مزيد عليها، فهي تجمع الأمور التالية: ١- النية. ٢- التسمية. ٣- غسل الكفين. ٤- المضمضة. ٥- التسوُّك. ٦- الاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال. ٧- غسل الوجهِ وجزءٍ من شعر الرأس وتعاهد المأْقين وتخليل اللحية. ٨- غسل اليدين إلى المرفقين والوصول في الغسل حتى الشروع في العضدين وتخليل الأصابع. ٩- مسح الرأس ذهاباً وإياباً. ١٠- مسح الأُذنين ظاهرهما وباطنهما. ١١- غسل الرجلين إلى الكعبين والتخليل بخِنصر اليد اليسرى بين الأصابع. ١٢- غسل الأعضاء سوى الرأس والأُذنين ثلاثاً ثلاثاً. ١٣- الترتيب. ١٤- التيمُّن. ١٥- الموالاة. فمن توضأ هذا الوضوء فقد أتى على جميع فروض الوضوء ومندوباته، ونال أعظم ثواب يناله متوضئ بإذن الله. وقد أتى على معظم هذه الأمور الحديثان التاليان:

стр. 352

١- أخبر حُمْران مولى عثمان «أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه. قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغُ ما يتوضأ به أحدٌ للصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ٢- عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال «قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء فاكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ » رواه مسلم والبخاري ومالك وأحمد. وعلى هذين الحديثين مدار البحث إلا قليلاً. ونشرع في تفصيل القول في هذه الأعمال وسَوْقِ بقية الأدلة، والمرور بخلافات الأئمة بنداً بنداً، فنقول:

стр. 353

١ـ النِّيَّة: معناها القصد يقال: نوى فلان السفر أي قصده، والنية شرط من شروط الطهارة للأحداث كلها، بحيث لا يصح وضوء ولا غسل إلا بها، وممن أوجب النية عليٌّ وربيعة ومالك والشافعي والليث وإسحق وابن المنذر وأحمد وابن قُدامة، ودليلهم حديث عمر ﵁ «إنما الأعمال بالنية» رواه الشيخان وأحمد والنَّسائي. وفي رواية «إنما الأعمال بالنيات» رواها البخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. والوضوء عمل فلا بد له من نية. وخالفهم الثوري وأصحاب الرأي، ودليلهم قوله تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدَيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْن﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. فقالوا: إن الآية ذكرت الفروض في الوضوء ولم تذكر النية، ولو كانت النية شرطاً لذكرتها. والرد عليهم هو أن النية جاءت في الأحاديث ولم تأت في الآية، وهذا جائز ومعلوم عند الأصوليين، وهذا القدر كاف للرد. والنية محلها القلب فلا يجب التلفظ بها وإنما يجب استحضارها في القلب، فلو تلفظ بها المسلم ولم يستحضرها قلبه لم تنعقد، ولو تلفظ بألفاظ النية إلا أنَّه أخطأ فقال غير ما يريده ويقصده وكانت النية منعقدة في القلب فإنه لا يضيره خطأ اللفظ. وإذن فاللفظ ما دام غير مطلوب فإنه لا لزوم له، وما يفعله الناس من التلفظ إنما هو عادة اعتادوها وألزموا بها أنفسهم دون سند شرعي أو دليل، وكل ما قاله بعض الفقهاء من التلفظ بالنية إنما قصدوا به إعانةَ القلب على استحضارها لا غير.

стр. 354

وصفة نية الوضوء هي أن يقصد الوضوء الشرعي، أو يقصد رفع الحدث الأصغر، أو يقصد التَّطهُّر لاستباحة الصلاة والطواف ومسِّ المصحف، أو يقصد إزالة المانع من فعل الصلاة فأية صيغة أو صفة من هذه الصفات تجزيء، ولا يجب جمع صفتين أو أكثر معاً للوضوء الواحد فلو نوى بقلبه أن يتوضأ، أو نوى رفع الحدث الأصغر، أو نوى التطهر للصلاة، أو نوى إزالة المانع من الصلاة كفاه ذلك. ويُشترط في النية استصحابُها طيلة فترة قيامه بأعمال الوضوء، إلا أن ذلك لا يعني دوام أن تبقى ماثلةً في الذهن، وإنما يعني عدم قطعها في أثناء الوضوء. فلو أنه نوى عند بدء الوضوء التطهر لاستباحة الصلاة، ثم في أثناء غسل الأعضاء قلب نيته وجعل الغسل للتبرد والنظافة، فإن وضوءه يبطل لأنه بذلك قطع النية، أما إن لم يقطعها اعتُبرت نيَّتُهُ مستمرة طيلة الفعل. أما وقت النية فهو قبل بدء الوضوء ولو بلحظة، وإن نوى قبل سُنَّة من سُنن الوضوء الأولى دخلت السُّنَّة في الوضوء، وإن نوى بعد سُنَّة الوضوء الأولى وقبل الفروض صح وضوؤه وخرجت السُّنَّة الأولى من الوضوء. فما يؤديه المسلم من سنن قبل النية يخرج من الوضوء، وما يؤدِّيه من سنن بعد النية يدخل فيه، أما إن نوى عقب فرض من الفروض، كأن نوى عقب غسل الوجه خرج غسل الوجه من الوضوء، وحيث أنه فرض فإن الوضوء حينئذ يبطُل، ولا يُجبر بإعادة غسل الوجه، بل لا بد من إعادة الوضوء من جديد، وإذا غسل الوجه وبدأ بغسل اليدين مثلاً ثم شك في النية هل عقدها أم لا أعاد الوضوء من أوله وجوباً، لأن الوضوء باطل. ٢ـ التسمية: أي قول (بسم الله) وقتها عقب استحضار النية وقبل الشروع في الفعل. وقد ذهب إلى وجوب التسمية أهل الظاهر وإسحق بن راهُويه والحسن. وذهب إلى أنها سُنَّة الشافعية والحنفية ومالك وربيعة وأحمد والثوري وأبو عبيد. وقد وردت في التسمية للوضوء الأحاديث التالية:

стр. 355

أ- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي. ب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمدُ لله، فإنَّ حفَظَتَكَ لا تبرحُ تكتب لك الحسنات حتى تُحْدِث من ذلك الوضوءِ» رواه الطبراني. ج - عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «من توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه» رواه الدارقطني والبيهقي. وروياه أيضاً من طريق أبي هريرة وعبد الله بن مسعود. د- عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ إذا بدأ بالوضوء سمَّى» رواه البزَّار. هـ- عن أنس قال «نظر أصحاب رسول الله ﷺ وَضوءاً فلم يجدوه، قال: فقال رسول الله ﷺ : ها هنا، فرأيت رسول الله ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: توضأوا بسم الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضأون حتى توضأوا عن آخرهم ... » رواه البيهقي. وقد رُويت أحاديثُ أخرى عديدة اكتفينا بإيراد هذه عنها. وقد اختلف علماء الحديث في رد هذه الأحاديث وإثباتها، فمنهم مَن ردها كلها ومنهم من أثبت شيئاً منها. فمثلاً قال أحمد: ليس في هذا الباب شيءٌ يثبت. وقال: لا أعلم في التسمية حديثاً صحيحاً. وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين. وبالمقابل قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله. وقال ابن سيد الناس: لا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح. وقال ابن حجر (والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً) .
следующие страницы →