← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما الوضوء الأكمل فهو كالتالي: ينوي رفع الحَدَث الأصغر، ثم يسمي الله، ثُم يغسل كفيه بالماء ثلاثاً، ثم يتمضمض باليمين ثلاثاً، ويتسوَّك ولو بإصبع يده، ثم يستنشق باليمين ويستنثر بالشمال ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويُخلِّل لحيَتَه، ويتعاهد المأْقين، ثم يغسل يده اليمنى حتى يشرع في العضد ثلاثاً، ثم يغسل يده اليسرى حتى يشرع في العضد ثلاثاً، ثم يمسح رأسه يبدأ بمُقدَّم رأسه بيديه الاثنتين حتى تصلا إلى قفاه ويعيدهما إلى مُقدَّم رأسه، ثم يمسح أُذنيه بيديه ظاهرهما وباطنهما، ثم يغسل رجله اليمنى ويخلل أصابعها بخِنْصَر يده اليسرى حتى يشرع في الساق ثلاثاً، ثم يغسل رجلَه اليسرى كما فعل في اليمنى، ويفعل كل ما سبق بالترتيب نفسه، ويبدأ باليمين ثم بالشمال، ويوالي بين أعضاء الوضوء في الغسل والمسح، ثم يقول (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوَّابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفِرُك وأتوب إليك) . هذه هي أعمال الوضوء الأكمل ولا مزيد عليها، فهي تجمع الأمور التالية: ١- النية. ٢- التسمية. ٣- غسل الكفين. ٤- المضمضة. ٥- التسوُّك. ٦- الاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال. ٧- غسل الوجهِ وجزءٍ من شعر الرأس وتعاهد المأْقين وتخليل اللحية. ٨- غسل اليدين إلى المرفقين والوصول في الغسل حتى الشروع في العضدين وتخليل الأصابع. ٩- مسح الرأس ذهاباً وإياباً. ١٠- مسح الأُذنين ظاهرهما وباطنهما. ١١- غسل الرجلين إلى الكعبين والتخليل بخِنصر اليد اليسرى بين الأصابع. ١٢- غسل الأعضاء سوى الرأس والأُذنين ثلاثاً ثلاثاً. ١٣- الترتيب. ١٤- التيمُّن. ١٥- الموالاة. فمن توضأ هذا الوضوء فقد أتى على جميع فروض الوضوء ومندوباته، ونال أعظم ثواب يناله متوضئ بإذن الله. وقد أتى على معظم هذه الأمور الحديثان التاليان:

стр. 352

١- أخبر حُمْران مولى عثمان «أن عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه. قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغُ ما يتوضأ به أحدٌ للصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ٢- عن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة قال «قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء فاكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ » رواه مسلم والبخاري ومالك وأحمد. وعلى هذين الحديثين مدار البحث إلا قليلاً. ونشرع في تفصيل القول في هذه الأعمال وسَوْقِ بقية الأدلة، والمرور بخلافات الأئمة بنداً بنداً، فنقول:

стр. 353

١ـ النِّيَّة: معناها القصد يقال: نوى فلان السفر أي قصده، والنية شرط من شروط الطهارة للأحداث كلها، بحيث لا يصح وضوء ولا غسل إلا بها، وممن أوجب النية عليٌّ وربيعة ومالك والشافعي والليث وإسحق وابن المنذر وأحمد وابن قُدامة، ودليلهم حديث عمر ﵁ «إنما الأعمال بالنية» رواه الشيخان وأحمد والنَّسائي. وفي رواية «إنما الأعمال بالنيات» رواها البخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. والوضوء عمل فلا بد له من نية. وخالفهم الثوري وأصحاب الرأي، ودليلهم قوله تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدَيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُم إلى الكَعْبَيْن﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. فقالوا: إن الآية ذكرت الفروض في الوضوء ولم تذكر النية، ولو كانت النية شرطاً لذكرتها. والرد عليهم هو أن النية جاءت في الأحاديث ولم تأت في الآية، وهذا جائز ومعلوم عند الأصوليين، وهذا القدر كاف للرد. والنية محلها القلب فلا يجب التلفظ بها وإنما يجب استحضارها في القلب، فلو تلفظ بها المسلم ولم يستحضرها قلبه لم تنعقد، ولو تلفظ بألفاظ النية إلا أنَّه أخطأ فقال غير ما يريده ويقصده وكانت النية منعقدة في القلب فإنه لا يضيره خطأ اللفظ. وإذن فاللفظ ما دام غير مطلوب فإنه لا لزوم له، وما يفعله الناس من التلفظ إنما هو عادة اعتادوها وألزموا بها أنفسهم دون سند شرعي أو دليل، وكل ما قاله بعض الفقهاء من التلفظ بالنية إنما قصدوا به إعانةَ القلب على استحضارها لا غير.

стр. 354

وصفة نية الوضوء هي أن يقصد الوضوء الشرعي، أو يقصد رفع الحدث الأصغر، أو يقصد التَّطهُّر لاستباحة الصلاة والطواف ومسِّ المصحف، أو يقصد إزالة المانع من فعل الصلاة فأية صيغة أو صفة من هذه الصفات تجزيء، ولا يجب جمع صفتين أو أكثر معاً للوضوء الواحد فلو نوى بقلبه أن يتوضأ، أو نوى رفع الحدث الأصغر، أو نوى التطهر للصلاة، أو نوى إزالة المانع من الصلاة كفاه ذلك. ويُشترط في النية استصحابُها طيلة فترة قيامه بأعمال الوضوء، إلا أن ذلك لا يعني دوام أن تبقى ماثلةً في الذهن، وإنما يعني عدم قطعها في أثناء الوضوء. فلو أنه نوى عند بدء الوضوء التطهر لاستباحة الصلاة، ثم في أثناء غسل الأعضاء قلب نيته وجعل الغسل للتبرد والنظافة، فإن وضوءه يبطل لأنه بذلك قطع النية، أما إن لم يقطعها اعتُبرت نيَّتُهُ مستمرة طيلة الفعل. أما وقت النية فهو قبل بدء الوضوء ولو بلحظة، وإن نوى قبل سُنَّة من سُنن الوضوء الأولى دخلت السُّنَّة في الوضوء، وإن نوى بعد سُنَّة الوضوء الأولى وقبل الفروض صح وضوؤه وخرجت السُّنَّة الأولى من الوضوء. فما يؤديه المسلم من سنن قبل النية يخرج من الوضوء، وما يؤدِّيه من سنن بعد النية يدخل فيه، أما إن نوى عقب فرض من الفروض، كأن نوى عقب غسل الوجه خرج غسل الوجه من الوضوء، وحيث أنه فرض فإن الوضوء حينئذ يبطُل، ولا يُجبر بإعادة غسل الوجه، بل لا بد من إعادة الوضوء من جديد، وإذا غسل الوجه وبدأ بغسل اليدين مثلاً ثم شك في النية هل عقدها أم لا أعاد الوضوء من أوله وجوباً، لأن الوضوء باطل. ٢ـ التسمية: أي قول (بسم الله) وقتها عقب استحضار النية وقبل الشروع في الفعل. وقد ذهب إلى وجوب التسمية أهل الظاهر وإسحق بن راهُويه والحسن. وذهب إلى أنها سُنَّة الشافعية والحنفية ومالك وربيعة وأحمد والثوري وأبو عبيد. وقد وردت في التسمية للوضوء الأحاديث التالية:

стр. 355

أ- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي. ب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يا أبا هريرة إذا توضأت فقل بسم الله والحمدُ لله، فإنَّ حفَظَتَكَ لا تبرحُ تكتب لك الحسنات حتى تُحْدِث من ذلك الوضوءِ» رواه الطبراني. ج - عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «من توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه» رواه الدارقطني والبيهقي. وروياه أيضاً من طريق أبي هريرة وعبد الله بن مسعود. د- عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ إذا بدأ بالوضوء سمَّى» رواه البزَّار. هـ- عن أنس قال «نظر أصحاب رسول الله ﷺ وَضوءاً فلم يجدوه، قال: فقال رسول الله ﷺ : ها هنا، فرأيت رسول الله ﷺ وضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: توضأوا بسم الله، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، والقوم يتوضأون حتى توضأوا عن آخرهم ... » رواه البيهقي. وقد رُويت أحاديثُ أخرى عديدة اكتفينا بإيراد هذه عنها. وقد اختلف علماء الحديث في رد هذه الأحاديث وإثباتها، فمنهم مَن ردها كلها ومنهم من أثبت شيئاً منها. فمثلاً قال أحمد: ليس في هذا الباب شيءٌ يثبت. وقال: لا أعلم في التسمية حديثاً صحيحاً. وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين. وبالمقابل قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ قاله. وقال ابن سيد الناس: لا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح. وقال ابن حجر (والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً) .

стр. 356

والذي أريد قوله هو أن التسمية عند الوضوء ليست بحاجة إلى دليل حتى نُكثر أحاديثها ونغرق في الخلافات فيها، فالتسمية عند كل أمر ذي بال سُنَّة، نسمي الله عند الأكل وعند الزرع وعند الذبح وعند بدء الكلام، وما إلى ذلك من الأعمال، فلماذا لا نسمي الله عند الوضوء؟ أجل كان بإمكان الفقهاء أن يتفقوا على أن التسمية سُنَّة عند الوضوء كغيره من الأعمال، ثم إن وجدوا حديثاً صحيحاً أو حسناً ذكروه، وإن لم يجدوا ظلوا يقولون باستحباب التسمية. فالتسمية للوضوء كالتسمية لكل أمر ذي بال بديهية من بديهيات الإسلام. وعلى أية حال فإن كان لا بد من مناقشة الأحاديث الستة الواردة فإني أقول بإيجاز: أما الحديث الأول فقد رُوي من طريق يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، قال البخاري (لا يُعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة) فهو إذن منقطع بل مُعْضَل فيترك. ورواه أحمد وابن ماجة من طريق ربيح بن عبد الرحمن، قال البخاري عنه (إنَّه منكر الحديث) وقال أحمد: إنه مجهول هو وأبوه. والحديث الثاني قال عنه الهيثمي (إِسناده حسن) والحديث الثالث فيه عبد الله بن حكيم وهو أيضاً متروك ومنسوب إلى الوضع فيترك الحديث. والحديث الرابع فيه حارثة قال البزَّار (ليِّن الحديث) وقال ابن حجر (ضعيف) فيترك. والحديث الخامس قال البيهقي عنه (هذا أصحُّ ما في التسمية) وهكذا فقد وجدنا حديثين صالحين للاستدلال هنا هما الحديث الثاني والحديث الخامس، وهما يفيدان أن التسمية للوضوء سُنَّة. ولا يصح رأي من أوجب التسمية لأن حديثهم الأول الذي استشهدوا به ضعيف لا يصح. فالتسمية للوضوء ولغيره سنة، وهذا ما سار عليه الصحابة وسائر المسلمين من افتتاح كل أمر من الأمور بالبسملة.

стр. 357

٣ ـ غسل الكفين: أي غسل الكفين قبل المضمضة - وهو سُنَّة لما روى أوس بن حُذيفة الثقفي قال «رأيت رسول الله ﷺ توضأ واسْتَوْكفَ ثلاثاً، أي غسل كفيه» رواه أحمد والنَّسائي وإسناده جيد. ولما روى حُمْران مولى عثمان، وقد مرَّ « ... فغسل كفيه ثلاث مرات ... » . ولما روى عبد الله الأنصاري وقد مرَّ أيضاً « ... فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً ... » . والدليل على أن هذه الأحاديث تفيد الندب وليس الوجوب قوله سبحانه ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وجُوْهَكُم﴾ فبدأ بغسل الوجوه ولم يطلب غسل الكفين، أي أن الآية الكريمة لم تُدخل غسل الكفين في الوضوء المُجْزِيء فدل ذلك على عدم الوجوب. وقد ذهب إلى هذا الرأي أبو حنيفة ومالك والشافعي وعطاء وإسحق وابن المنذر وابن قدامة.

стр. 358

أمّا ما درج عليه الفقهاء من الاستدلال على غسل الكفين في الوضوء بالحديث الذي رواه مسلم والبخاري وأهل السنن من طريق أبي هريرة أن النبي ﵌ قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه - وفي رواية للترمذي وابن ماجة من الليل - فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنَّه لا يدري أين باتت يده» - إلا أن البخاري لم يذكر العدد- وما نتج عن هذا الاستدلال من اختلافهم في حكم غسل الكفين في الوضوء، فذهب مَن ذكرناهم إلى أنه سُنَّة لأن تعليل غسل اليدين في الحديث بوهم النجاسة يخرجه عن الوجوب إلى الندب. وذهب أحمد وابن عمر وأبو هريرة والحسن البصري فيما رُوي عنهم إلى أنه واجب مستدلين بهذا الحديث، لأن الأمر عندهم يقتضي الوجوب والنهي يقتضي التحريم، والحديث فيه نهيٌ عن غمس اليدين في الماء قبل أن يغسلهما ثلاثاً، وإذن فغسل الكفين في الوضوء واجب، فإنهم جميعاً جانبوا الصواب، لأن الصحيح هو أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال على الموضوع أصلاً، لأنه لم يجيء في موضوع الوضوء، ولذا فإن اختلافهم في هذا الأمر هو في غير محله. فالحديث هو في موضوع الاستيقاظ من النوم، فإنَّ ألفاظ الحديث صريحة في ذلك ولم يأت الحديث على ذكر الوضوء، ولذا يجب استبعاد هذا الحديث من الاستدلال على موضوعنا والاقتصار على الأحاديث السابقة الكافية.

стр. 359

أما ما رواه الشافعي «فلْيغسل يده قبل أن يُدخلها في وَضوئه» وابن ماجة «فلا يُدخل يده في وَضوئه حتى يغسلها» فإنه لا يغير من الأمر شيئاً، ولا ينقل الحديث إلى موضوع الوضوء، فهذا اللفظ يدل على أن على المسلم أن يغسل كفيه حين الاستيقاظ، وأنَّ غُسلهما يكون قبل البدء بالوضوء. وبمعنى آخر فإن من أراد الوضوء وغمس يديه في الماء المعد له عليه أن يكون قد غسل كفيه قبل ذلك، فلفظة (وضوء) في هذا الحديث ليست صارفة له عن غسل الاستيقاظ إلى غسل الوضوء. فغسل الكفين أو اليدين في هذا الحديث غير غسل الكفين الوارد في أحاديث الوضوء السابقة، فهذا الغسل شيء، وذاك شيء آخر. ولسنا نريد الخوض في خضمِّ اختلافات الفقهاء واستنباطاتهم من هذا الحديث من مثل أنه عبادة تفتقر إلى نية، أو أنه تنظيف من وهم النجاسة لا يحتاج إلى نية، وهل الحديث في نوم الليل فحسب فيقتصر عليه، أم هو عام في كل نوم؟ وهل من يغمس يده في الماء قبل الغسل ينجسه أم لا؟ إلى غير ذلك مما اختلف الفقهاء فيه، فهذا كله لا يلزمنا. وإذا كان لا بد من كلمة في الموضوع فإنَّا نقول إن الحديث يحث على غسل الكفين عند الاستيقاظ من النوم أيِّ نوم، لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار وإن من يغمس يده في الإناء لا ينجِّس الماء ولا يأثم. فالعلة «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» عامة في كل نوم، وهي تعليل بوهم النجاسة وليست تعليلاً بتحقُّق النجاسة، والأصل في الشيء أنه طاهر ولا يحكم عليه بالنجاسة إلا بالتحقق واليقين، ولا يقين هنا. ٤ ـ المضمضة: المضمضة لغة: تحريك الماء في الفم، قاله صاحب القاموس. وهو معناها الشرعي. فالتحريك في اللغة شرط فيها، فيظهر من ذلك خطأ ما عليه الجمهور من عدم اشتراط إدارة الماء في الفم. ودليل المضمضة في الوضوء حديث حُمْران « ... ثم مضمض ... » وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري « ... فمضمض ... » وقد مرَّا.

стр. 360

وقد اختلف الأئمة والفقهاء في حكم المضمضة في الوضوء، فذهب أحمد وإسحق وأبو عبيد ومجاهد وأبو ثور وابن المنذر والشوكاني إلى وجوب المضمضة، وقالوا إن المضمضة من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله هو أمر بها، وإن حديث لقيط بن صَبَرة الذي رواه أبو داود والبيهقي بإسناد صححه ابن حجر والنووي فيه «إذا توضأت فمَضْمِض» يأمر بالمضمضة، والأمر يفيد الوجوب. وذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن والزهري وعطاء إلى أن المضمضة في الوضوء سُنَّة. وهؤلاء استدلوا على رأيهم بما يلي: ١- حديث «عشر من الفطرة» وجاء فيه « ... إلا أن تكون المضمضة» وقد مرَّ في فصل سُنن الفطرة بتمامه. ٢- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «المضمضة والاستنشاق سنة» رواه الدارقطني. ٣- ليس في آيات القرآن الكريم ذكرٌ للمضمضة، ولو كانت واجبة لذُكرت. والذي يترجح لديَّ أن المضمضة سنة وليست فرضاً، وأن الحديث الذي استدل به من قالوا بالوجوب يُصرف إلى الندب، لأنه أمرٌ في غير الوضوء المجزيء. ونحن لا نُسلِّم لهم بأن الأمر يفيد الوجوب، والأصح أن يقال إن الأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تعين المراد منه، وهنا القرينة تصرفه إلى الندب.

стр. 361

أما قولهم (إن المضمضة من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله هو أمرٌ بها) فلا نسلم لهم فيه هو الآخر، ذلك أن الوجه يطلق على ما يظهر دون ما يخفى، فوجه الشيء ظاهره الأمامي ومنه المواجهة والواجهة. فداخل الفم ليس من الوجه، أرأيت لو حصل جرح في داخل الفم أيصح لغة أن يقال إن الجرح في الوجه؟ أيصح لغةً أن يقال إن الأسنان تنبت في الوجه؟ إن الأمر بغسل الوجه ينسحب على غسل الوجنتين والشفتين والحاجبين والجبهة والذقن والأنف الخارجي وما يظهر فحسب، ولا ينسحب على غسل الأسنان واللسان وتجويفي الأنف، ولو كانت المضمضة جزءاً من غسل الوجه لما أمر الرسول ﷺ بها في العديد من الأحاديث، ولاكتفى بالأمر بغسل الوجه. فمثلاً لم يُرو عنه ﵊ أنه أمر بغسل الشفتين أو غسل الحاجبين، فدل كل ذلك على أن داخل الفم له حكم مستقل، وأنه أمر مستقل.

стр. 362

وأيضاً فإن الحديث الآتي يدل على أن داخل الفم وداخل الأنف ليسا من الوجه، عن عمر بن عبسة قال « ... قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرَّت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله تعالى إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ... » رواه أحمد. فهذا الحديث فرَّق بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل الوجه، ودلالته واضحة. وأيضاً حديث عبد الله الصُنَابِحي عند النَّسائي وأحمد ومالك وابن ماجة، وقد مر بتمامه في بحث فضل الوضوء، وفيه «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه ... » ودلالته واضحة كذلك. وبذلك يظهر خطأ القول إن الأمر بغسل الوجه هو أمرٌ بالمضمضة. على أن أدلة القائلين بأن المضمضة سُنَّة هي أيضاً ليست بذاك وإن كان رأيهم صحيحاً، فحديث عشر من الفطرة، وذِكرُ المضمضةِ فيه لا يصلح للاستدلال هنا، لأن الحديث لم يأت في موضوع الوضوء، وكل ما جاء فيه يجب فصله عن الوضوء، فالمضمضة الواردة في الحديث هي من الفطرة كنتف الإبط وحلق الحانة، فهي صنف من أصناف التنظيف، وما جرت عليه عادة المرسَلين والناس سابقاً ولاحقاً لأنها من جِبِلَّة البشر، وهي ليست مضمضة وضوء ولا مضمضة عبادة. وأما حديث ابن عباس «المضمضة والاستنشاق سُنَّة» ففيه إسماعيل بن مسلم ضعيف قاله الدارقطني. وضعفه ابن حجر. فليس يبقى لهم سوى الآية كدليل صالح للاحتجاج والدلالة وهي كافية. فالمضمضة سُنَّة، والوضوء دونها مُجزئ، ولا إعادة على تاركها.

стр. 363

قال الطبري (الوجه الذي أمر الله جلَّ ذكره بغسله القائم إلى صلاته كل ما انحدر عن منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً مما هو ظاهر لعين الناظر دون ما بطن من الفم والأنف والعين، ودون ما غطَّاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين ودون الأذنين، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان وجهاً يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته) . أما أخذُ الماء للمضمضة فإن المسلم بالخيار بين المضمضة ثلاثاً من غرفة واحدة وبينها ثلاثاً من غرفات ثلاث، فحديث عبد الله بن زيد ذكر أن النبي ﷺ مضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثاً، وفي لفظ للشيخين « ... ثم أدخل يده في التَّوْر فمضمض واستنشق واستنثر بثلاث غرفات ... » .

стр. 364

ويسن الابتداء بالمضمضة ثم بالاستنشاق قبل غسل الوجه، لأن جميع الأحاديث الصحيحة وردت به. وأما ما ورد من أحاديث خلاف ذلك مثل ما رواه المقدام بن معد يكرب قال «أُتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثاً» رواه أحمد وأبوداود والطحاوي. وما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل عن الرُّبيِّع بنت معوّذ بن عفراء قال «فأتيتها فأخرجت إليَّ إناءً فقالت: في هذا كنت أُخرج الوضوء لرسول الله ﷺ فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثاً، ثم يتوضأ فيغسل وجه ثلاثاً، ثم يمضمض ويستنشق ثلاثاً، ثم يغسل يديه، ثم يمسح برأسه مقبلاً ومدبراً، ثم يغسل رجليه» رواه الدراقطني. فهذان الحديثان يخالفان جميع الأحاديث الصحيحة الواردة في وضوء رسول الله ﷺ ، فيتركان ويُعمَل بالأحاديث الصحيحة، هذا فضلاً عن أن حديث الدارقطني الذي رواه أيضاً أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد جميع طرقه مدارها على عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال، فالحديث لا يصلح للاستدلال هنا. والأحاديث الصحيحة تقول: ١- عن عثمان بن عفان ﵁ «أنه دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثَ مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى ... وقال - أي عثمان - رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وُضوئي هذا» رواه مسلم والبخاري وأحمد. وقد مرَّ.

стр. 365

٢- عن عبد الله الأنصاري قال «قيل له توضأ لنا وُضوء رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً ... ثم قال - أي عبد الله - هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ » رواه مسلم. وقد مرَّ. ٣- عن ابن عباس ﵁ «أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غَرفةً من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غَرفةً من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه ثم أخذ غَرفةً من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غَرفةً من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غَرفةً من ماء فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرفةً أخرى فغسل بها رجله - يعني اليسرى - ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» رواه البخاري. وفي هذا الحديث إشكال، إذ ورد فيه غسل الوجه مرتين، ولولا أنه أعاد غسل الوجه مرة ثانية بغَرفة مستقلة لأمكن القول إن المضمضة والاستنشاق هما من غسل الوجه، ولكان ذلك داعماً للرأي القائل بوجوب المضمضة والاستنشاق، فإعادة ذِكر الوجه قد نفت هذا الاحتمال. وعلى أيَّة حال فإن الأشبه أن يُروى الحديث بوضع لفظة (كفَّيْه) بدل (وجهه) في المرة الأولى فيزول الإشكال، ويتفق مع سائر الأحاديث. وفي هذا الحديث يذكر ابن عباس أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ كما توضأ. ٤- عن أبي حيَّة قال «رأيت علياً توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قام، فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم ثم قال: أحببتُ أن أُريَكم كيف كان طُهور رسول الله ﷺ » رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) .

стр. 366

الحديث الأول فيه شهادة عثمان، والثاني فيه شهادة عبد الله الأنصاري، وفي الثالث شهادة ابن عباس، والرابع حمل شهادة علي، وهؤلاء كبار الصحابة يروون ويشهدون أن المضمضة والاستنشاق هما قبل غسل الوجه في وضوء الرسول ﵊، فكيف نترك هذه الأحاديث التي هي في قمة الصحة وحوت شهادات أربعة من كبار الصحابة لحديث أحمد السابق، وحديث الدارقطني الضعيف؟. ٥- التَّسوُّك: يُسن التَّسَوُّك في الوضوء لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك مع الوضوء» رواه أحمد ومالك وأبو داود وابن ماجة وابن حِبَّان. ويكفي فيه إمرار الأصابع على الأسنان لما رُوي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال «تُجْزِيء من السواك الأصابع» رواه البيهقي من عدة طرق. ورواه الدارقطني. وقال فيه ابن حجر (لا أرى بسنده بأساً) ولما روى أحمد عن أبي مطر يذكر وضوء عليٍّ ﵁، وفي الحديث « ... وتمضمض ثلاثاً فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً ... فقال ... كذا كان وضوء نبي الله ﷺ » وقد مرَّا. ٦- الاستنشاق والاستنثار: الاستنشاق إدخال الماء في الأنف، والاستنثار إخراج الماء منه. وقد يطلق الاستنثار فيعم الاستنشاق أيضاً، فيكون الاستنثار إدخال الماء في الأنف وإخراجه منه، فالاستنثار أعم من الاستنشاق، وقد وردت الأحاديث بكل منهما. والأدلة على الاستنثار هي الأدلة التي أوردناها في بحث المضمضة نفسها، وأيضاً: أ- عن عليٍّ ﵁ «أنَّه دعا بوَضوء، فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى ففعل هذا ثلاثاً ثم قال: هذا طُهور نبي الله ﷺ » رواه النَّسائي وأحمد. ورجاله ثقات. ب- عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال « ... وإذا توضأ أحدكم فلْيجعل في أنفه ماء ثم لِينتثر» رواه مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود.

стр. 367

ج - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً» رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، وصححه ابن القطان. ومع التفريق بين الاستنشاق والاستنثار نقول: إن السُّنَّة قد مضت في الاستنشاق باليمين والاستنثار بالشمال، لحديث عليٍّ الأول وفيه «فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى» وهذا اللفظ يدل على أنه تمضمض بيده اليمنى ونثر بيده اليسرى. والسُّنَّة في الاستنشاق الإبلاغ فيه إلا أن يكون المتوضيء صائماً، فيُسَنُّ له عدم الإبلاغ، لما روى لقيط ابن صبرة أن رسول الله ﷺ قال « ... وبالِغْ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» رواه أبو داود وابن ماجة، وصححه ابن حجر. ٧- غسل الوجه: هو الفرض الثاني من فروض الوضوء بعد النية. دليله الآية ﴿فاغْسِلُوا وجوهَكم﴾ والوجه الواجب غسله هو ما انحدر من منابت شعر الرأس إلى ما انتهى في أسفل الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً مما يظهر دون ما يخفى، فيخرج ما غطاه شعرُ اللحية والشاربان الكثيفان وباطن الفم والأنف، ولا اعتبار للأصلع أو الأقرع أو الأفرع. فالأصلع - وهو من انحسر شعر رأسه عن مُقدَّم رأسه -، والأقرع - وهو من سقط شعر رأسه لآفةٍ ومرض - والأفرع - وهو من نزل شعر رأسه على جبينه -، كلُّ هؤلاء يغسلون الوجه على غالب الناس. فالأصلع والأقرع يغسلان من منبت شعر الرأس قبل سقوطه أو انحساره، والأفرع يغسل الشعر النابت على الجبهة. هذا من حيث الوجوبُ والإجزاءُ، إلا أنَّ المستحب غسل الشعر المجاور للجبهة لدلالة حديث أبي هريرة المار الذي رواه مسلم وجاء فيه

стр. 368

« ... أنتم الغُرُّ المُحَجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فلْيُطِل غُرَّته وتحجيله» والمعلوم أن الغُرَّة هي شعر الرأس المجاور للجبهة، وأن إطالة الغُرَّة في الوضوء إنما تكون بغسل شيء من مُقَدَّم الرأس أو ما يجاوز الوجه زائداً على الجزء الذي يجب غسله، فكون غسل شيء يزيد على الوجه من أعلاه يزيد في طول الغرَّة فهو داخل تحت طلب الرسول ﵌ «فلْيُطِل غُرَّته» وحيث أن الطلب هو فيما هو خارج عن محل الفرض فهو دال على أن زيادة الغسل وإطالة الغُرَّة مندوبة.

стр. 369

ومن السُنَّة تعاهدُ المأْقين، لما رُوي عن أبي أُمامة أنَّه وصف وضوء رسول الله ﷺ ، ومما جاء في الحديث « ... وكان يمسح المأْقين من العين ... » رواه أحمد وابن ماجة. وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني هذا الحديث ولم يرمه بضعف ولا علَّة، ورواه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير وإسناده حسن، ذكر ذلك الهيثمي. والمأقان - مثنى مُؤق العين - هو مجرى الدمع منها أو مُقدَّمها أو مُؤخَّرها. قاله صاحب القاموس، والجمع آماق. وقال الأزهري: أجمع أهل اللغة على أن المُؤق والمأق مؤخر العين الذي يلي الأنف. فيُندب للمسلم أن ينظف أطراف عينيه حين الوضوء. ولا يجب ولا حتى يندب مسح أو غسل الأذنين مع غسل الوجه خلافاً لمن قال ذلك، وحجة هؤلاء الحديث الذي رواه ابن عباس أن علياً ﵁ قال «يا ابن عباس ألا أتوضأ لك وضوءَ رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى فداك أبي وأمي، قال: فوضع له إناء فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصكَّ بهما وجهه، وأَلْقَمَ إبهاميه ما أقبل من أذنيه، قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثاً، ثم أخذ كفاً من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم يده الأخرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه وأذنيه من ظهورهما، ثم أخذ بكفيه من الماء فصكَّ بهما على قدميه وفيهما النعل ثم قلبها بها، ثم على الرِّجل الأخرى مثل ذلك، قال: فقلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين» رواه أحمد. ورواه أبو داود بمعناه، ورواه ابن حِبَّان مختصراً. فهذا الحديث قال عنه المنذري: في هذا الحديث مقال. وقال الترمذي (سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عنه فضعَّفه وقال: ما أدري ما هذا) فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. ثم إن متن هذا الحديث مخالف لما جاء في الأحاديث الصحيحة، فكون

стр. 370

الحديث يذكر أن علياً غسل وجهه ثلاثاً ثم زاد بأن أخذ كفاً بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه - وهذه غسلة رابعة - فهذا يخالف ما جاء في الأحاديث الصحيحة من عدم الزيادة على ثلاث، ويخالف ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدَّى وظلم» رواه النَّسائي وابن ماجة وأحمد. ورواه ابن خُزَيمة، وصححه هو وابن حجر. وما جاء في الحديث من مسح النعل فهذا شاذ، قال ابن حجر (إن رواية المسح على النعل شاذة لأنها من طريق هشام بن سعد ولا يحتج بما تفرد به، وأبو داود لم يروها من طريقه، ولكن رواها من طريق محمد بن إسحق عنعنةً وفيه مقال مشهور إذا عنعن) فالحديث لا يصلح للاحتجاج مطلقاً. وعليه فلا يصح القول بغسل الأذنين مع الوجه. بقيت اللحيةُ وأحكامُها في الوضوء: اللحية إمَّا كثيفة تستر البشرة وإما خفيفة تَظْهَر البشرةُ من خلالها، وهي إما طويلة تزيد على الذقن وإما قصيرة تظل ضمن حدود الوجه، ولهذه الحالات الأحكام التالية:

стр. 371

١ـ إن كانت اللحية كثيفة تستر البشرة فإنها تغسل ولا يغسل ما تحتها، لأن كثافة الشَّعر تقوم مقام الجزء المستور من الوجه فتأخذ حكمه، والدليل على ذلك ما رواه ابن عباس ﵁ من حديث أخرجه البخاري - وقد مرَّ في بحث المضمضة - وجاء فيه « ... ثم أخذ غَرفةً من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه ... » . ووجه الدلالة لهذا الحديث أن الرسول ﵊ وكانت لحيته كَثَّةً - قال القاضي عياض: ورد ذلك في أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة. ورُوي عن جابر بن سمرة وصفُه لرسول الله ﷺ فقال « ... وكان كثير شعر اللحية ... » رواه مسلم. وعن علي قال «كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير ضخم الرأس واللحية ... » رواه أحمد. وكثيرٌ غير ذلك ـ قد غسل وجهه ومن ثم لحيته العظيمة الكثة بغَرفة يد واحدة، مما يجعلنا لا نتصور أن يكون قد استوعب بها غسل الوجه وظاهر اللحية وباطنها، ولا بد من أن يكون الغسل للوجه وظاهر اللحية فحسب. وممن قال بذلك أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري والليث. وخالفهم عطاء وسعيد بن جبير وأبو ثور وإسحق وأهل الظاهر. وحجة هؤلاء هو ما جاء من تخليل اللحية في الأحاديث مثل: عن عثمان ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته» رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) وحسنه البخاري. ومثل: عن أنس «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي » رواه أبو داود. وعن هؤلاء أن هذين الحديثين يفيدان وجوب تخليل اللحية، وهذا غير صحيح، ذلك أن الله سبحانه لم يأمر به في كتابه حين أمر بواجبات الوضوء، ثم إن الأحاديث التي ذكرت وضوء رسول الله ﷺ لم تذكره، ولو كان واجباً لذُكر هنا وهناك، وغاية ما في الحديثين

стр. 372

أنهما يفيدان استحباب التخليل فحسب. قال الشوكاني (والإنصاف أن أحاديث الباب ـ أي أحاديث التخليل - بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله ﷺ «هكذا أمرني ربي» لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول، هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، والحكم على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحكم على ما فرضه بعدمها لا شك في ذلك، لأن كل واحد منهما من التَّقوُّل على الله بما لم يقل، ولا شك أن الغَرفة الواحدة لا تكفي كثَّ اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان مكابرة منه. نعم الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته، لكن بدون مجاراةٍ على الحكم بالوجوب) . وأُلفت النظر إلى أن قوله (والفرائض لا تثبت إلا بيقين) لا يعني يقين ثبوت الدليل، وإنما يقين دلالة النص. وممن رُوي عنهم أنهم لم يكونوا يخللون لحاهم إبراهيم النخعي والحسن البصري ومحمد بن الحنفية وأبو العالية والشعبي والقاسم وابن أبي ليلى. وأما ما رُوي من أن ابن عباس وابن عمر وأنساً وعلياً وسعيد بن جبير وأبا قُلابة والضحاك وابن سيرين كانوا يخللون لحاهم، فإن ذلك يُحمل على الأخذ بالاستحباب، وهذا مشهور عن هؤلاء وأمثالهم، فضلا عن أن أفعالهم ليست أدلة. ٢- أما إن كانت اللحية خفيفة بحيث تَظهر البشرةُ من خلالها فإنها في هذه الحالة تُغسل ويُغسل ما تحتها من البشرة، لأن اللحية في هذه الحالة لم تقم مقام البشرة في المواجهة.

стр. 373

٣- وإذا كانت اللحية طويلة تزيد على الذقن فالواجب منها في الغسل ما حاذى الوجه دون ما زاد وناف، وهذا رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وهو الصحيح، لأن ما زاد عن الوجه من شعر اللحية خرج من الوجه، وحيث أن اللحية تُغسل لأنها تقوم مقام الجزء المستور بها من الوجه، وحيث أن ما زاد منها عن الوجه لا يستر شيئاً منه، فإن غسله يصبح غير واجب وغير مطلوب وليس في النصوص غسل اللحية لذاتها. ٤- ولا خلاف في وجوب غسل اللحية إن كانت قصيرة لا تزيد عن الوجه. ٨- غسل اليدين إلى المرفقين: هذا ثالث فرضٍ من فروض الوضوء. وأدلته كثيرة كثرةَ الأحاديث التي ذكرت صفة الوضوء، وقد مرَّ العديد منها، إضافةً إلى أن آية الوضوء ذكرته ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ والمرفق فيه وجهان: كسر الميم وفتح الفاء وفتح الميم وكسر الفاء. وقد اختلف العلماء في حكم غسل المرفقين، فذهب زُفَر وابن جرير الطبري وداود إلى أن غسل المرفقين غير واجب عند غسل اليدين. وذهب جمهور العلماء إلى وجوب غسل المرفقين. قال زُفَر: إنما أوجب الله بقوله ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ غسل اليدين إلى المرفقين، فالمرفقان غايةٌ لما أوجب الله غسله من آخر اليد، والغاية غير داخلة في الحد، كما الليل غير داخل فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى الليلِ﴾ لأن الليل غايةٌ لصوم الصائم إذا بلغه فقد قضى ما عليه، فكذلك المرافق في قوله ﴿فاغْسِلُوا وجوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ غاية لما أوجب الله غسله من اليد. انتهى قوله. وقال الطبري (فأما المرفقان وما وراءهما فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه ﷺ أمته بقوله أمتي الغُرُّ المُحجَّلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فلْيفعل، فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما لما قد بينا فيما مضى من أن كل غاية حُدَّتْ

стр. 374

بـ[إلى] فقد تحتمل من كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه، وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه إلا لمن لا يجوِّز خلافه فيما بيَّن وحكم، ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه) . فزُفَر والطبري قالا بعدم وجوب غسل المرفقين، وشاركهما داود الرأيَ، والحجة في ذلك عند زُفَر غيرها عند الطبري، فزُفَر أخذ حرف [إلى] على أن ما بعده غير داخل فيما قبله، بمعنى عدم دخول الغاية في المُغَيَّى، أي أن الآية الكريمة التي تقول ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ أخرجت المرافق من الطلب، لأن المرافق غاية وهي خارجة عن الطلب، فيكون معنى الآية عنده اغسلوا أيديكم حتى تَصِلوا أوائلَ المرافق، وشبه ذلك بآية ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إلى الليلِ﴾ ، فالليل غاية وهي خارجة عن طلب الصوم كما هو معلوم. أما الطبري فقد جعل لحرف [إلى] معنيين أحدهما أن إلى بمعنى مع، كالآية التي تقول ﴿ولا تأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي مع أموالكم، وكالآية القائلة ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ أي مع الله. والثاني أن [إلى] يخرج ما بعدها عما قبلها، وهذا الأخير هو رأي زُفَر السابق. وبعد أن ذكر الطبري أن [إلى] تفيد المعنيين لغةً قال إن الكلام صار محتملاً، وما دام ذلك كذلك فإنه لا يجوز لأحد أن يقضي بأحد المعنيين دون الآخر إلا الشرع نفسه، ولا شرع في التعيين، فيسقط عنده القول بالوجوب، ويبقى الندب الوارد بحديث الغُرِّ المُحجَّلين.

стр. 375

أما أصحاب الرأي الآخر فاستدلوا على دعواهم بوجوب غسل المرفقين بحديث نعيم ابن عبد الله الذي أخرجه مسلم وقد مرَّ، وفيه «ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد» . والإشراع في العضد يفيد قطعاً غسل المرفقين، وهذا عندهم بيان من الرسول ﵊ بتعيين أحد المعنيين اللغويين لحرف إلى، وهو أن إلى بمعنى مع. واستدلوا أيضاً بحديث عثمان ﵁ قال «هلموا أتوضأ لكم وُضوءَ رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضدين، ثم مسح برأسه، ثم أمَرَّ يديه على أذنيه ولحيته، ثم غسل رجليه» رواه الدارقطني. وبحديث جابر ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» رواه الدارقطني. قال إسحق ابن راهُويه: [إلى] في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى [مع] ، فبيَّنت السُّنَّة أنها بمعنى [مع] . ورداً على أصحاب الرأيين أقول ما يلي: إن حرف [إلى] يفيد انتهاء الغاية ويفيد معنى [مع] فتحديد زُفَر أحد هذين المعنيين مستدلاً بآية الصوم تحديدٌ منقوضٌ بآية ﴿ولا تَأْكُلُوا أِمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ وبآية ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى الله﴾ وقد رد الطبري عليه تحديده رغم أنه يخلص إلى رأيه نفسه، فبيَّن أنَّ حرف [إلى] في آية ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ يحتمل المعنيين، فيسقط استدلال زُفَر. أما استدلال الطبري فهو لا شك أعدل وأنصف من استدلال سابقه، وهذا الاستدلال يرد بالإتيان بإثبات أن حرف [إلى] في الآية يفيد أحد المعنيين وإلا ظلَّ صحيحاً، وسوف أؤخر الرد على هذا الاستدلال إلى ما بعد الرد على أصحاب الرأي المخالف.

стр. 376

أما قول الشافعي من أنه لا يعلم خلافاً، فإني أوردت أسماء ثلاثة من كبار الأئمة خالفوه الرأي، وأما قول إسحق إن السُّنَّة بينت أن [إلى] معناها [مع] فدعوى تحتاج إلى إثبات، وهذه الدعوى قد استدلوا عليها بحديث نعيم بن عبد الله الذي أخرجه مسلم «حتى أشرع في العَضُد» . والحق أن هذا الحديث لا يفيدهم في إثبات دعواهم، لأن غاية ما فيه أنه ندب وليس وجوباً، فالحديث يقول «فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضُد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العَضُد، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ... إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغُرُّ المُحجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فلْيُطِل غُرَّته وتحجيله» فقد بدأ الحديث بقوله «فأسبغ الوضوء» وعقِب ذلك شرع في ذكر كيفية الإسباغ، فذكر الشروع في غسل العضد عند غسل اليدين، والشروع في غسل الساق عند غسل الرجلين، مشيراً إلى أن هذا الشروع هو الإسباغ، وعقب ذلك بين الرسول ﵊ أن هذا الإسباغ يؤدي إلى زيادة الغرة وزيادة التحجيل، ثم عطف على ذلك بقوله «فمن استطاع منكم فلْيُطِل غُرَّتَه وتحجيله» وهذا القول يفيد استحباب إطالة الغُرَّة والتحجيل، لأنه لم يعزم عليه، وإذن فالشروع في العضد والشروع في الساق مندوبان غير واجبين. وما دام الحديث يتحدث عن الإسباغ المندوب فإن ما فعله الرسول ﵊ من غسل العضد والمرفق إنما هو أخذٌ بالاستحباب فحسب، فلا يصلح الحديث هذا دليلاً يسند دعواهم على وجوب غسل المرفق.

стр. 377

أما حديث عثمان ﵁ الذي رواه الدارقطني فلا يصلح للاحتجاج، لأن راويه محمد بن إسحق، وقد عنعن، وإذا عنعن ابن إسحق ضُعِّف حديثُه، فالإسناد ضعيف. ثم إنَّ متن الحديث قد شذ عن الأحاديث الصحيحة المعتبرة، فهذا الحديث يذكر غسل اللحية عقب مسح الرأس ومسح الأذنين، في حين أن الأحاديث الصحيحة تذكر غسل اللحية مع غسل الوجه، فالحديث ضعيف الإسناد، شاذ المتن لا يصلح للاحتجاج. أما حديث جابر الذي رواه الدارقطني فهو أيضاً ضعيف، لأن مداره على القاسم بن محمد بن عبد الله. قال أبو حاتم: متروك. وقال أبو زُرْعة: أحاديثه منكرة. وقال أحمد: ليس بشيء. وضعفه ابن معين والمنذري وابن الجَوْزي وابن الصَّلاح والنووي، ولم يوثِّقه غير ابن حِبَّان، ولا يُلتفت لتوثيقه مع تضعيف الأئمة له تضعيفاً شديداً بحيث وصفوه بأنه متروك ومنكر. وبذلك يسقط قول إسحق بن راهُويه: فبيَّنت السنة أنها بمعنى [مع] . قال الزمخشري وأصاب (لفظ [إلى] يفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمرٌ يدور مع الدليل) إلى أن قال (وقوله تعالى إلى المرافق لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ العلماء بالأحوط، ووقف زُفَر مع المتيقَّن) . والخلاصة هي أنَّ قول الجمهور بأن غسل المرفق كله واجب استناداً إلى الأحاديث غير صحيح.

стр. 378

أما قول الطبري بأن غسل المرفق غير واجب فهو قول غير دقيق، وإليكم البيان: إن الصحيح الذي ترجَّح لديَّ هو أن غسل جزء من المرفق واجب عملاً بالقاعدة الشرعية _ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] . أما وجه الاستدلال بها على الدعوى فهو أن اليد متصلة تماماً بالمرفق، ولا يوجد حدٌّ فاصل بينهما معلوم بالنظر، وحيث أن الواجب هو غسل جميع اليد دون استثناءِ أيِّ جزء، فإنه لا يتأتَّى أن تُغسل اليدُ كلها دون غسل جزء من المرفق، فبغسل جزء منه يُطمئَنُّ إلى الوصول إلى تحقيق الواجب، فيكون غسل هذا الجزء واجباً، وما عداه يدخل في الندب كسائر الأفعال الزائدة على الوضوء المُجْزِيء كما أسلفنا أكثر من مرَّة، وهذا القول وهذه القاعدة هما ما أخَّرتُ ذكرَهما عند تناول استدلال الطبري. وإذن فغسل جزء من المرفق يعني التَّثبُّتَ من غسل جميع اليد الواجب في الوضوء، ولا يتم غسل جميع اليد حتماً إلا بغسل جزء من المرفق، فوجب غسله لذلك. قال تقي الدين النبهاني ﵀ في كتابه في الأصول ما يلي (قوله تعالى ﴿فاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ و ﴿ثم أَتِمُّوا الصِّيامَ إلى الليلِ﴾ فإلى في قوله ﴿إلى المَرَافِقِ﴾ وفي قوله ﴿إلى الليلِ﴾ أفادت أنه ما لم يُغسلْ جُزءٌ من المرفق لا يتم غسل اليد إلى المرفق، فلا بد أن يتحقق حصول الغاية لا أن تدخل الغاية في المُغيَّا، وأنه ما لم يدخل جزء من الليل ولو دقيقة لا يتحقق إتمام الصيام، فصار غسل جزء مهما قلَّ من المرافق، وصيام جزء مهما قلَّ من الليل واجباً، بدلالة الآيتين لأنه لا يتم ما أوجبه - وهو غسل اليدين وصيام النهار - إلا بالقيام به) .

стр. 379

وإنما قلت ما قلت سيراً مع البحث الفقهي المجرد، وإلا فإنَّ الأصل في المسلم أن يغسل كلَّ المرفق وقسماً من العضد ابتغاء إطالة التحجيل يوم القيامة، لأن ذلك سُنَّة وهو من إسباغ الوضوء، فالناحية العملية هي أن المسلم يغسل المرفقين، سواء قال بالوجوب أو بالندب، أو بما قلت. ويُسن تخليل أصابع اليدين لأنه أبلغ في إيصال الماء، وإذا خللها بخنصر يده اليسرى كان أولى، لما روى ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأت فخلِّل بين أصابع يديك ورجليك» رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد وحسنه البخاري. ولما روى المستورِد بن شداد قال «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره» رواه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجة. وصحَّحه ابن القطان، ولما روى لقيط بن صبرة قال «.. فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: أَسبغ الوضوء وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» رواه أبو داود والنَّسائي وأحمد وابن ماجة. ورواه الترمذي وصححه، وصححه أيضاً البغوي وابن القطان. وإذا كان الرجل أو المرأة يلبس خاتماً فالواجب تحريكه حتى ينفذ الماء إلى ما تحته، ومثل الخاتم الأساور في اليد والخلاخيل في الرِّجل، إلا أن ينفذ الماء من دون تحريك فلا يجب، فالعلة إيصال الماء إلى جميع أعضاء الوضوء، وما يحقق ذلك واجب وما يحول دونه إثم وغير مُجْزِئ. أما ما تفعله النساء هذه الأيام من وضع الأصباغ الشمعية على أظفار أصابع اليدين والرجلين فإنه يمنع وصول الماء إلى الأظفار في الوضوء وفي الغسل، وهذا لا يجوز، فلا

стр. 380

يصح وضوء النساء اللواتي يضعن هذه الأصباغ الشمعية، ووضوؤهن مع وجود هذه الأصباغ باطل وصلاتهن باطلة. والدليل على ذلك ما رواه خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعَةٌ قدرَ الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» رواه أبو داود. ورواه أحمد بدون «والصلاة» قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناده جيد؟ قال: جيد. فترك قدر الدرهم في الرِّجل أبطل الوضوء، فما هو أكثر منه وهو ترك عشرة أظفار أو عشرين يبطل الوضوء بلا شك. ٩- مسح الرأس: وهو الفرض الرابع من فروض الوضوء. المسح لغةً: تحرُّك العضو الماسح ملتصقاً بالعضو الممسوح. ومنه القول: مسحت رأس اليتيم: إذا أمررتُ اليد على رأسه وهي ملتصقةٌ به. ومسحُ الرأس في الوضوء: تحرُّك اليد أو اليدين المبتلتين بالماء ملتصقتين بشعر الرأس. والفارق بين التعريفين هو إضافة الابتلال بالماء في التعريف الثاني. والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ﴾ فقد أضاف سبحانه (الباء) إلى (رؤوسِكم) ولم يقل وامسحوا رؤوسَكم. وقد اختلف أهل اللغة وأهل الفقه في المعنى المستفاد من وجود الباء فقال بعض الفقهاء إن الباء تفيد التبعيض، فيكون معنى الآية وامسحوا بعضَ رؤوسكم، وتعقَّبهم ابن برهان بقوله: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. وأنكره سيبويه. وقال القرطبي (الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها، كقولك مسحت رأس اليتيم ومسحت برأسه) وقال ابن قدامة (الباء للإلصاق فكأنه قال وامسحوا رؤوسكم أي امسحوا جميع الرأس) وقال الشافعي: احتمل قوله تعالى ﴿وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزيء.

стр. 381

والواجب القول إن الباء لم تدخل على الآية عبثاً، وإنما لمعنى مستفادٍ ما كان ليكون بدونها، فقوله ﴿وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ﴾ لا بد من أن يكون له معنى غير المعنى المستفاد من قول وامسحوا رؤوسَكم، لأن الزيادة في التعبير القرآني لا تكون عبثاً، وهذه الزيادة تمنع مسح الرأس باليد دون بلل، وهو معنى المسح اللغوي، وأنها تفيد مسح الرأس باليد المبتلة بالماء، فالباء أفادت البلل، أي الماء العالق باليد حين المسح، ولو كانت الآية بدون الباء لكفى في الوضوء إمرارُ اليد الجافة على الرأس، لأن هذا هو معنى المسح، فلما أراد سبحانه إمرار اليد المبتلَّة بالماء على الرأس أتى بالباء، والله تعالى أعلم. وإلى هذا المعنى أشار ابن حجر في فتح الباري (وقيل دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به، فلو قال: وامسحوا رؤوسَكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال وامسحوا بروؤسِكم الماء، فهو على القلب، والتقدير امسحوا رؤوسكم بالماء) . هذا هو الحق، وهو من دقيق الفهم، يشهد له ما روى عبد الله بن زيد من حديثٍ رواه البخاري عن صفة وضوء النبي ﷺ ، وجاء فيه «ثم أخذ بيده ماء فمسح رأسه فأدبر به وأقبل ... » فهذا النص في غاية الوضوح، فقد جاء بلفظ «أخذ بيده ماء فمسح رأسه» أي مسح رأسه بالماء، فإذا حذفت لفظة الماء من الجملة انتقلت الباء منها إلى رأسه فصارت الجملة هكذا (مسح برأسه) للتدليل على وجود محذوف، وهذا بالضبط ما يُقدَّر في الآية ﴿وامسَحُوا برُؤُوسِكُمْ﴾ فتقديرها هو (وامسحوا بالماء رؤوسكم) ثم بعد حذف الماء انتقلت الباء إلى رؤوسكم، فصارت الآية ﴿وامْسَحُوا برُوُؤسِكُمْ﴾ وتكون الباء أفادت وجود محذوف هو الماء الذي يُمسح به.

стр. 382

نعود للأقوال السابقة للأئمة. أما قول من قال إن الباء تفيد التبعيض فهو قول ساقطٌ، لأنه لا أصل له في لغة العرب، وأما قول القرطبي إن الباء للتعدية فهو قول لا يفيد معنى، وهو يدخل في بحث الإعراب فلا قيمة له هنا، وأما قول ابن قُدامة إن الباء للإلصاق فله وجه، ولكنه استنبط حكماً منه لا يفيده هو وجوب مسح جميع الرأس، لأن (امسحوا رؤوسَكم) لا يفيد لغةً مسحَ جميع الرأس، فلم يبق إلا قول الشافعي، وهذا القول هو ما سنناقشه، والمناقشة إنما هي لقوله (فدلَّت السُّنَّة على أن بعضه يُجْزِئ) . إن الآية أفادت لوجود الباء فيها معنى مستفاداً هو أن المسح يكون بيد مبتلَّة، ولم تفد أكثر من ذلك، فيبقى إتيان الدليل على أن البلل يجب أن يكون من الماء، وإتيان الدليل على أن مسح بعض الرأس يُجْزِئ، أو إتيان الدليل على أن مسح كل الرأس هو المُجْزِئ، هذا هو صعيد البحث والمناقشة.

стр. 383

أما أنَّ البلل يجب أن يكون من الماء دون سواه من المائعات فقد قام الدليل عليه من القرآن والسنة، أما من القرآن فقوله تعالى ﴿فلَمْ تجِدُوا مَاءً فتيَمَّمُوا﴾ وقد سبق وجه الاستدلال به على المطلوب، وأما من السُّنَّة فكثير من الأحاديث نكتفي منها بحديث واحد. روى عمران بن حصين قال «كنا في سفر مع النبي ﷺ ... فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ... » رواه البخاري وأحمد. فهذا الانتقال من الماء إلى التراب دليل على أنه لا يزيل الجنابة إلا الماء، وأنه إن عدم الماء تيمم بالتراب، وهذا دليل واضح على أن غير الماء لا يُجْزِئ في الطهارات التعبُّدية كالوضوء والغسل من الجنابة، والغسل من الحيض والنفاس. وهذه المسألة خالف فيها أبو حنيفة ومَن قال بقوله، وقد سبقت مناقشة رأيه وإظهار خطئه. فلم يبق إلا الإتيان بالدليل على أن مسح جميع الرأس هو المطلب، أو بالدليل على إجزاء مسح الجزء منه. إنَّ مَن قالوا بإجزاء مسح الجزء إنما استدلوا على دعواهم بتفسير الباء في الآية بأنها للتبعيض، وهذا الاستدلال بيَّنَّا فساده. ثم أتوا بأدلة أُخرى نذكرها ثم نناقشها: ١- عن أنس قال «رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيَّة، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقَدَّم رأسه ولم ينقض العمامة» رواه أبو داود وابن ماجة.

стр. 384

٢- عن المغيرة بن شعبة قال «تخلَّف رسول الله ﷺ وتخلَّفتُ معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بِمِطْهَرَة، فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسِر عن ذراعيه فضاق كُمُّ الجُبَّة، فأخرج يده من تحت الجُبَّة، وألقى الجُبَّة على منكبيه وغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خُفَّيه، ثم ركب وركبت، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة، يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر، فأومأ إليه فصلى بهم، فلما سلَّم قام النبي ﷺ وقمت، فركعنا الركعة التي سبقتنا» رواه مسلم. وفي لفظ آخر لمسلم «ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» . ٣- عن عطاء «أن رسول الله ﷺ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدَّم رأسه - أو قال ناصيته- بالماء» رواه الشافعي مرسلاً. ٤- عن نافع عن ابن عمر «أنَّه كان يمسح مُقَدَّم رأسه مرة واحدة» رواه ابن أبي شيبة. أما حديث أنس الأول ففي إسناده أبو معقِل لا يُعرف حالُه، قاله الحافظ ابن حجر، فالحديث فيه مجهولٌ، فهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وأما حديث المغيرة وفيه «ومسح بناصيته وعلى العمامة» أو «ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» فإنه لا يعضد دعواهم، إذ لو لم يكن فيه «وعلى العمامة» أو «وعلى عمامته» لكان دالاً على المطلوب، أما وأنَّ الرسول ﵊ قد مسح الناصية أو مُقَدَّم رأسه، ومسح العمامة معاً، فإن ذلك يدل على حكم جديد لواقع جديد هو جواز المسح على العمامة كجواز المسح على الخفِّ، فلما كان يجوز المسح على العمامة فقد مسحها ﵊، ولما كان يظهر من الشعر الناصية فقد مسحها هي الأخرى، وبذلك يكون قد مسح جميع الرأس ما ظهر منه وما خفي، وهذا ليس دليلاً لهم، بل هو في حقيقته حجةٌ عليهم.

стр. 385

وأما الحديث الثالث فهو مثل حديث أنس إلا أنه يخالفه في حسر العمامة، وهذا الحديث المرسل اضطر معه ابن حجر لأن يبحث عن حديث آخر يعضده، فوجد حديث أنس الضعيف المار، ثم قال (قد اعتضد كلٌّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة) . فهو بهذا يعترف أن هذا الحديث المرسل يحتاج إلى دعم، فلم يجد ما يدعمه سوى حديث آخر ضعيف، وهذه القاعدة التي يأخذ بها ابن حجر غير مُسلَّم بها، لأن الحديث غير الصحيح وغير الحسن يحتاج إلى حديث صحيح أو حسن وليس إلى حديث ضعيف لدعمه، وفي هذه الحالة فإن الاحتجاج يكون بهذا الصحيح أو بهذا الحسن، فكيف وأنَّ حديث أنس وحديث عطاء مختلفان؟ الأول يقول إن العمامة لم تُنقض، والثاني يقول بحسرها، فكيف يعضد حديث أنس حديث عطاء؟ وعلى فرض صلاح هذا الحديث للاحتجاج فإنه يُحمل على أنه ﷺ قد حسر العمامة عن مقدَّم رأسه، ومسح مقدَّم رأسه ثم مسح على العمامة، ليتوافق هذا الحديث مع حديث مسلم «ومسح بناصيته وعلى العمامة» أو «ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته» . وأما الحديث الرابع فهو فعلُ صحابي، وفعل الصحابي يصلح للتقليد، ولا يصلح كدليل، فمن أراد تقليد ابن عمر فلْيكتفِ بمسح مُقَدَّم رأسه، أما من أراد الاجتهاد فإنه لا يستدل به. قال ابن القيم (إنه لم يصح عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة) .

стр. 386

والذي حصل هو أنَّ من قالوا بإجزاء مسح الجزء إنما أجازوا الاستدلال بالأحاديث الضعيفة ونحن لا نقرُّهم على ذلك، ولا نأخذ إلا بالصحيح والحسن فحسب، وممن رُوي عنهم جواز مسح الجزء: ابن عمر وسفيان وإبراهيم النخعي والشعبي والشافعي والطبري وأبو حنيفة وتلميذاه أبو يوسف ومحمد، والحسن والثوري والأوزاعي. وهؤلاء اختلفوا في قدر الممسوح، فأبو حنيفة قال: يجزيء مسح ربعه. والشافعي قال: يجزيء مسح ما يقع عليه الاسم وأقله ثلاث شعرات، وحُكي عنه أقلُّه شعرةٌ واحدة. وأجاز الثوري والشافعي مسح الرأس بإصبع واحدة. وهذه الخلافات بينهم هي في تحقيق مناط الحكم وليس في الحكم نفسه. وممن ذهب إلى وجوب مسح جميع الرأس مالك بن أنس والمُزَني وأحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر، وأدلتهم على ذلك أن الآية طلبت مسح الرأس، والأحاديث الصحيحة جاءت ببيان المسح وأنه يشمل جميع الرأس. وهذه الأحاديث هي: ١- لبيان وضوء الرسول ﵌ رُوي عن عبد الله بن زيد « ... ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمُقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» رواه البخاري ومسلم. ٢- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن زيد «أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل أو مضمض واستنشق من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ » رواه البخاري، ولم يذكر فيه غسل الوجه. ٣- حديث المغيرة السابق وفيه «ومسح بناصيته وعلى العمامة» .

стр. 387

الحديث الأول فيه أن الرسول ﷺ مسح رأسه بيديه الاثنتين فأقبل بهما وأدبر، بادئاً بمُقدَّم الرأس حتى وصل إلى قفاه، ولم يكتف بذلك بل ردهما إلى مُقدَّم رأسه، وهذا دليل على مسح جميع الرأس. وأصرح منه ما جاء في الحديث الثاني «مسح برأسه ما أقبل وما أدبر» أي أوله وآخره، أو أعلاه وأسفله، وهذا يشمل الكل، ولذلك جعل البخاري في صحيحه باباً سماه [باب مسح الرأس كله] وساق حديث عبد الله بن زيد، وقال البخاري (سُئل مالك أيُجْزِيء أن يمسح بعض الرأس؟ فاحتج بحديث عبد الله بن زيد) . قال ابن حجر في فتح الباري (قوله وسئل مالك: السائل له عن ذلك هو إسحق ابن عيسى بن الطباع، بيَّنه ابن خُزَيمة في صحيحه من طريقه، ولفظه: سألت مالكاً عن الرجل يمسح مُقدَّم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم ردَّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله) . وحديث المغيرة يفيد مسح الرأس كله ظاهره وما علاه من العمامة، ولو كان مسحُ مُقدَّم الرأس أي الناصية يُجزيء لما أكمل الرسول ﵊ المسح على العمامة.

стр. 388

فهذه الأحاديث تدل على أن الرسول ﵊ قد بيَّن المسح الواجب في الآية، وبيانُه شرحٌ للآية، وأن المسح الواجب هو مسح الرأس كلِّه، ولم يُرْوَ عنه ﵊ أنه مسح جزءاً من رأسه مطلقاً في حديث صحيح أو حسن، وحيث أن الآية مجملة والسنة قد بينتها بمسح الكل، وأن هذا الفعل لم يقع فيما زاد على الوضوء المُجْزِيء، فإن ذلك كله قرينة على أنَّ هذا المسح لجميع الرأس هو الواجب وهو المتعيِّن. فالآية ذكرت غسل الوجه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والسُّنَّة جاءت تبين غسل الوجه كله، فصار غسل الوجه كلِّه واجباً لأنه بيانٌ لمُجْمَلٍ واجبٍ في الآية، ولم يقل أحد من الفقهاء قديماً وحديثاً إن غسل بعض الوجه مُجْزِيء، وكان ينبغي عليهم أن لا يقولوا ذلك بخصوص مسح الرأس، لأن الآية أجملت غسل الوجه كما أجملت مسح الرأس، فلماذا يُصار إلى إيجاب بيان السُّنَّة لغسل جميع الوجه، دون ايجابها لمسح جميع الرأس؟ الحال واحدة والحكم يجب أن يكون واحداً. إلا أن قولي هذا لا يعني استيعاب كل شعرة من شعر الرأس في المسح كاستيعاب كل بقعة في بشرة الوجه في الغسل، وذلك لأن واقع الغسل أنه يستوعب، في حين أن المسح لا يستوعب، وهذا يعني أن مسح الرأس ليس على سبيل الاستيعاب الكامل لكل شعرة، وإنما على سبيل مسح الجميع من الشعر إلا ما لا يستوعبه المسح بطبيعته، تماماً كالمسح على الجبيرة وكالمسح على ظاهر الخُفِّ، وكتيمُّمِ الوجه بالتراب، فكله لا يستوعب الممسوح، لأن المسح لا يستوعب الأجزاء كلَّها بطبيعته، والواجب هو إمرارُ اليدين على جميع الرأس، وليصل البللُ إلى ما يصل من شعر، وهذا شيءٌ، ومسحُ جزء من الشعر وترك جزء شيء آخَر. هذا هو المسح الواجب، وهذه هي كيفيته. أما كم مرةً يُمسح الرأس كله؟ فالجواب عليه نؤخره حتى نستعرض الأحاديث المتعلقة به. روى البخاري حديث عبد الله بن زيد كما يلي:

стр. 389

١- الرواية الأولى جاء فيها «ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمُقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» . ٢- الرواية الثانية جاء فيها «ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» . ٣- الرواية الثالثة جاء فيه «ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر» . ٤- الرواية الرابعة ساقها البخاري في باب [مسح الرأس مرة] أنقلها بكاملها: «حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا وهيب قال حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بتورٍ من ماء، فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً، بثلاث غرفات من ماء، ثم أدخل يده في الإناء فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر بهما، ثم أدخل يده في الإناء فغسل رجليه» وقال البخاري عند هذا الحديث: حدثنا موسى قال حدثنا وهيب قال «مسح رأسه مرة» . ٦- وقد روى مسلم هذا الحديث، وجاء فيه «فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر» . ٧- عن عثمان ﵁ أنه «دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاثَ مِرارٍ فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مِرارٍ، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مِرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم وأحمد.

стр. 390

٨- عن أبي حيَّة قال «رأيت علياً توضأ، فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أُريكم كيف كان طُهور رسول الله ﷺ » رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) . ٩- عن ابن عباس ﵁ «أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه مسحةً واحدة» رواه أحمد وأبو داود. قال الحسن ابن القطان: إن هذا الحديث إما صحيح أو حسن. ووردت أحاديث أخرى عديدة تذكر المسح مرة واحدة، إلا أننا نكتفي بما أوردناه لأنه يكفي لإثبات أن المسح المشروع في الوضوء هو مسحةٌ واحدةٌ فحسب، فحديث عبد الله بن زيد برواياته الأربع عند البخاري، ورواية مسلم وصف وضوء رسول الله ﷺ ، وذكر المسح مرة واحدة فهماً من الروايات: الأولى والثالثة والرابعة عند البخاري والسادسة عند مسلم، ونُطقاً في الرواية الثانية، وهذا ما أخذ به البخاري حتى إنه عقد باباً في صحيحه أطلق عليه باب مسح الرأس مرة، مستشهداً براوي الحديث وهيب في قوله «مسح رأسه مرة» ومثل هذا الحديث برواياته المختلفة حديث عثمان البند ٧، فقد ذكر هذا الحديث عدداً لأفعال الوضوء باستثناء مسح الرأس. أما حديث أبي حية البند ٨ فهو منطوقٌ في المسح مرة واحدة «ومسح برأسه مرة» وكذلك حديث ابن عباس البند٩، فقد ذكر المسح مرة واحدة.
следующие страницы →