Полный текст (1 205 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
والذي حصل هو أنَّ من قالوا بإجزاء مسح الجزء إنما أجازوا الاستدلال بالأحاديث الضعيفة ونحن لا نقرُّهم على ذلك، ولا نأخذ إلا بالصحيح والحسن فحسب، وممن رُوي عنهم جواز مسح الجزء: ابن عمر وسفيان وإبراهيم النخعي والشعبي والشافعي والطبري وأبو حنيفة وتلميذاه أبو يوسف ومحمد، والحسن والثوري والأوزاعي. وهؤلاء اختلفوا في قدر الممسوح، فأبو حنيفة قال: يجزيء مسح ربعه. والشافعي قال: يجزيء مسح ما يقع عليه الاسم وأقله ثلاث شعرات، وحُكي عنه أقلُّه شعرةٌ واحدة. وأجاز الثوري والشافعي مسح الرأس بإصبع واحدة. وهذه الخلافات بينهم هي في تحقيق مناط الحكم وليس في الحكم نفسه.
وممن ذهب إلى وجوب مسح جميع الرأس مالك بن أنس والمُزَني وأحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر، وأدلتهم على ذلك أن الآية طلبت مسح الرأس، والأحاديث الصحيحة جاءت ببيان المسح وأنه يشمل جميع الرأس. وهذه الأحاديث هي:
١- لبيان وضوء الرسول ﵌ رُوي عن عبد الله بن زيد « ... ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمُقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» رواه البخاري ومسلم.
٢- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن زيد «أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل أو مضمض واستنشق من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ » رواه البخاري، ولم يذكر فيه غسل الوجه.
٣- حديث المغيرة السابق وفيه «ومسح بناصيته وعلى العمامة» .
стр. 387
الحديث الأول فيه أن الرسول ﷺ مسح رأسه بيديه الاثنتين فأقبل بهما وأدبر، بادئاً بمُقدَّم الرأس حتى وصل إلى قفاه، ولم يكتف بذلك بل ردهما إلى مُقدَّم رأسه، وهذا دليل على مسح جميع الرأس. وأصرح منه ما جاء في الحديث الثاني «مسح برأسه ما أقبل وما أدبر» أي أوله وآخره، أو أعلاه وأسفله، وهذا يشمل الكل، ولذلك جعل البخاري في صحيحه باباً سماه [باب مسح الرأس كله] وساق حديث عبد الله بن زيد، وقال البخاري (سُئل مالك أيُجْزِيء أن يمسح بعض الرأس؟ فاحتج بحديث عبد الله بن زيد) . قال ابن حجر في فتح الباري (قوله وسئل مالك: السائل له عن ذلك هو إسحق ابن عيسى بن الطباع، بيَّنه ابن خُزَيمة في صحيحه من طريقه، ولفظه: سألت مالكاً عن الرجل يمسح مُقدَّم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم ردَّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله) . وحديث المغيرة يفيد مسح الرأس كله ظاهره وما علاه من العمامة، ولو كان مسحُ مُقدَّم الرأس أي الناصية يُجزيء لما أكمل الرسول ﵊ المسح على العمامة.
стр. 388
فهذه الأحاديث تدل على أن الرسول ﵊ قد بيَّن المسح الواجب في الآية، وبيانُه شرحٌ للآية، وأن المسح الواجب هو مسح الرأس كلِّه، ولم يُرْوَ عنه ﵊ أنه مسح جزءاً من رأسه مطلقاً في حديث صحيح أو حسن، وحيث أن الآية مجملة والسنة قد بينتها بمسح الكل، وأن هذا الفعل لم يقع فيما زاد على الوضوء المُجْزِيء، فإن ذلك كله قرينة على أنَّ هذا المسح لجميع الرأس هو الواجب وهو المتعيِّن. فالآية ذكرت غسل الوجه ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والسُّنَّة جاءت تبين غسل الوجه كله، فصار غسل الوجه كلِّه واجباً لأنه بيانٌ لمُجْمَلٍ واجبٍ في الآية، ولم يقل أحد من الفقهاء قديماً وحديثاً إن غسل بعض الوجه مُجْزِيء، وكان ينبغي عليهم أن لا يقولوا ذلك بخصوص مسح الرأس، لأن الآية أجملت غسل الوجه كما أجملت مسح الرأس، فلماذا يُصار إلى إيجاب بيان السُّنَّة لغسل جميع الوجه، دون ايجابها لمسح جميع الرأس؟ الحال واحدة والحكم يجب أن يكون واحداً.
إلا أن قولي هذا لا يعني استيعاب كل شعرة من شعر الرأس في المسح كاستيعاب كل بقعة في بشرة الوجه في الغسل، وذلك لأن واقع الغسل أنه يستوعب، في حين أن المسح لا يستوعب، وهذا يعني أن مسح الرأس ليس على سبيل الاستيعاب الكامل لكل شعرة، وإنما على سبيل مسح الجميع من الشعر إلا ما لا يستوعبه المسح بطبيعته، تماماً كالمسح على الجبيرة وكالمسح على ظاهر الخُفِّ، وكتيمُّمِ الوجه بالتراب، فكله لا يستوعب الممسوح، لأن المسح لا يستوعب الأجزاء كلَّها بطبيعته، والواجب هو إمرارُ اليدين على جميع الرأس، وليصل البللُ إلى ما يصل من شعر، وهذا شيءٌ، ومسحُ جزء من الشعر وترك جزء شيء آخَر. هذا هو المسح الواجب، وهذه هي كيفيته.
أما كم مرةً يُمسح الرأس كله؟ فالجواب عليه نؤخره حتى نستعرض الأحاديث المتعلقة به. روى البخاري حديث عبد الله بن زيد كما يلي:
стр. 389
١- الرواية الأولى جاء فيها «ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمُقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» .
٢- الرواية الثانية جاء فيها «ثم أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» .
٣- الرواية الثالثة جاء فيه «ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر» .
٤- الرواية الرابعة ساقها البخاري في باب [مسح الرأس مرة] أنقلها بكاملها: «حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا وهيب قال حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بتورٍ من ماء، فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً، بثلاث غرفات من ماء، ثم أدخل يده في الإناء فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر بهما، ثم أدخل يده في الإناء فغسل رجليه» وقال البخاري عند هذا الحديث: حدثنا موسى قال حدثنا وهيب قال «مسح رأسه مرة» .
٦- وقد روى مسلم هذا الحديث، وجاء فيه «فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر» .
٧- عن عثمان ﵁ أنه «دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاثَ مِرارٍ فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مِرارٍ، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مِرارٍ إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومسلم وأحمد.
стр. 390
٨- عن أبي حيَّة قال «رأيت علياً توضأ، فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أُريكم كيف كان طُهور رسول الله ﷺ » رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) .
٩- عن ابن عباس ﵁ «أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه مسحةً واحدة» رواه أحمد وأبو داود. قال الحسن ابن القطان: إن هذا الحديث إما صحيح أو حسن.
ووردت أحاديث أخرى عديدة تذكر المسح مرة واحدة، إلا أننا نكتفي بما أوردناه لأنه يكفي لإثبات أن المسح المشروع في الوضوء هو مسحةٌ واحدةٌ فحسب، فحديث عبد الله بن زيد برواياته الأربع عند البخاري، ورواية مسلم وصف وضوء رسول الله ﷺ ، وذكر المسح مرة واحدة فهماً من الروايات: الأولى والثالثة والرابعة عند البخاري والسادسة عند مسلم، ونُطقاً في الرواية الثانية، وهذا ما أخذ به البخاري حتى إنه عقد باباً في صحيحه أطلق عليه باب مسح الرأس مرة، مستشهداً براوي الحديث وهيب في قوله «مسح رأسه مرة» ومثل هذا الحديث برواياته المختلفة حديث عثمان البند ٧، فقد ذكر هذا الحديث عدداً لأفعال الوضوء باستثناء مسح الرأس. أما حديث أبي حية البند ٨ فهو منطوقٌ في المسح مرة واحدة «ومسح برأسه مرة» وكذلك حديث ابن عباس البند٩، فقد ذكر المسح مرة واحدة.
стр. 391
فهذا الحشد من الأحاديث الصالحة للاحتجاج يفيد الاقتصار في المسح على واحدة فحسب، وهذه المرة الواحدة وردت بكيفية محددة هي بَلُّ اليدين الاثنتين بالماء، ثم إمرارُهما على الرأس بَدءاً بالناصية وصولاً إلى القفا، ثم العودة من القفا إلى الناصية، وكل ذلك عُدَّ مرةً واحدة، وهو الشائع المعروف عند الفقهاء والمحَدِّثين، ولم تخالف هذه الكيفية سوى رواية البخاري الرابعة من طريق عبد الله بن زيد، فقد ذكرت الكيفية بشكل معكوس «فأدبر به وأقبل» وهذه رواية واحدة تعارض سائر الروايات عن عبد الله ابن زيد نفسه، فالواجب ترجيح الروايات العديدة وترك هذه الرواية، ولا نحتاج إلى التأويل والتحويم لنحاول التوفيق بين هذه الروايات، كما فعل ابن حجر بقوله (إن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطرفين متَّحد فهما بمعنى واحد، وعينت رواية مالك البداءة بالمُقدَّم، فيُحمل قوله أقبل على أنه من تسمية الفعل بابتدائه أي بدأ بمُقدَّم الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك) فحار ولم يقطع برأي.
قلنا إن كل ذلك عُدَّ مرة واحدة، إلا أن النَّسائي ذكر المسح مرتين من رواية عبد الله ابن زيد، فيُحمل قوله على أنه اعتبر مسح الرأس من الناصية إلى القفا مرة، والعودة من القفا إلى الناصية مرة ثانية، فهذا لا يهم لأن العبرة بصفة المسح المشروع وليس بالتعبير عنه، فلك أن تعتبر ما فعله الرسول الله ﷺ مسحة واحدة أو مسحتين ما دامت الكيفية هي هي.
والقائلون بالمسح مرة واحدة هم أكثر العلماء والأئمة سلفاً وخلفاً، رُوي ذلك عن عبد الله بن عمر وابنه سالم والحسن وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه. قال الترمذي (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم) وقال ابن عبد البر: كلهم يقول مسح الرأس مسحة واحدة.
стр. 392
وذهب عطاء والشافعي وأحمد في رواية إلى القول باستحباب مسح الرأس ثلاثاً. فلنستعرض أدلتهم وشبهاتهم كلها:
١- عن شقيق بن سلمة قال «رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا» رواه أبو داود والبيهقي والدارقطني.
٢- عن عبد خير عن علي رضى الله عنه «أنَّه توضأ فغسل يديه ثلاثاً، ومضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: من أحبَّ أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ كاملاً فلْينظر إلى هذا» رواه الدارقطني والطبراني.
٣- قالوا إن كلاً من علي وعثمان وابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن أبي أوفى وأبي مالك والربيع وأُبيِّ بن كعب قد روى عن الرسول ﷺ أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً. هذا ما استدلوا به على استحباب مسح الرأس ثلاثاً. فلْنناقش هذه البنود بنداً بنداً:
стр. 393
الحديث الأول إسناده ضعيف ففي رواية أبي داود والبيهقي والدارقطني عامر بن شقيق، يعني ابن جمرة، وهو مختلف فيه، ورواية للبيهقي وأحمد والدارقطني وابن السكن من طريق ابن دارة وهو مجهول الحال، وللبيهقي رواية من طريق عطاء عن عثمان وفيها انقطاع، وللدارقطني رواية أخرى من طريق ابن البيلماني وهو ضعيف جداً، عن أبيه وهو ضعيف، فهذا الحديث بجميع طرقه ضعيف لا يصلح للاحتجاج. قال البيهقي (وقد رُوي من أوجهٍ غريبة عن عثمان ﵁ ذكر التكرار في مسح الرأس إلا أنها مع خلاف الحُفَّاظ الثِّقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتجُّ بها) قال أبو داود (أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنَّه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) والحديث الثاني عند الدارقطني من طريق عبد خير من رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن علي، وقال (لا نعلم أحداً منهم قال في حديثه إنه مسح رأسه ثلاثاً غير أبي حنيفة، ومع خلاف أبي حنيفة فيما روى لسائر من روى هذا الحديث، فقد خالف في حكم المسح فيما رُوي عن علي رضى الله عنه عن النبي ﷺ فقال: إن السُّنَّة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة) فهو إذن شاذ لا يصلح للاحتجاج. ورواية الطبراني فيها عبد العزيز بن عبيد الله، قال ابن حجر: هو ضعيف، لذا فالحديث شاذ وضعيف فلا يحتج به. وقد رُويت أحاديث أخرى تذكر مسح الرأس ثلاثاً، وهي ضعيفة كلها لا تصلح للاستدلال، ولا حاجة لاستعراضها كلها.
стр. 394
أما البند الثالث فإن قولهم إن عدداً من الصحابة ـ وذكروهم ـ رووا أن الرسول ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، هذا القول صحيح ولكنه مجمَل، وجاءت الأحاديث الصحيحة تفسر هذا المجمَل وتبينه، وتجعل العدد في المغسول دون الممسوح، وأن الممسوح يُمسح مرة واحدة. والمعلوم أن الأحاديث المُجْمَلة تُحمَل على الأحاديث المُفصِّلة، وهنا أحاديثهم مجمَلة وأحاديثنا مفصِّلة، فتحمل أحاديثهم على أحاديثنا التي جعلت العدد في المغسول واستثنت منه الممسوح. قال ابن قُدامة (الأحاديث التي ذكروا فيها أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً أرادوا بها ما سوى المسح، فإن رواتها حين فصَّلوها قالوا ومسح برأسه مرة واحدة، والتفصيل يُحكم به على الإجمال ويكون تفسيراً له، ولا يعارض به كالخاص مع العام) وقال الشوكاني (والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله ابن زيد وغيرهما هو المتعيِّن، لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة، وحديث «من زاد على هذا فقد أساء وظلم» الذي صححه ابن خُزَيمة وغيره قاضٍ بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي ﷺ هذه المقالة، كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ثم قال: مَن زاد) وقال ابن المنذر (إن الثابت عن النبي ﷺ في المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبنيٌّ على التخفيف، فلا يقاس على الغُسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتُبر في المسح لصار في صورة الغُسل، إذ حقيقةُ الغُسل جرَيانُ الماء، والدلك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء) .
стр. 395
وبهذا يتبين وجه الحق فيما ذهبنا إليه من قبل من أن المسح المشروع هو مرة واحدة، وأن الزيادة على المرة مخالفة للسنة النبوية، وتدخل تحت النهي. والمشروع في الرأس المسح دون الغُسل خلافاً لسائر الأعضاء، فلو غسل أحدهم رأسه بدل المسْح لما أجزأه ولبطل وضوؤه خلافاً لمن أجاز ذلك، لأن العبادة هذه لا يصح تعليلها بالنظافة، وأنَّ الغُسلَ أنظف من المسح، فهذا وإنْ كان صحيحاً في التنظيف إلا أن الله سبحانه أراد المسح فوجب الوقوف عند النص وعدم الاجتهاد فيه، لأن الاجتهاد هذا يعطِّل النص ويلغيه، وهو حرام لا يجوز.
أما هل يُمسح الرأس بماء جديد أم بما يفضل مِن ماء في اليدين؟ فللجواب على ذلك نستعرض الأحاديث المتعلقة به:
١- عن واسع الأنصاري أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه «رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأُذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه» رواه البيهقي وصححه.
٢- عن عبد الله بن زيد ـ في صفة وضوء رسول الله ﷺ ـ «ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يده ... » رواه مسلم والترمذي والدارمي وأحمد وأبو داود.
٣- عن نمران بن جارية عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «خذوا للرأس ماءً جديداً» رواه الطبراني في المعجم الكبير.
٤- عن عبد الله بن زيد ـ في صفة وضوء رسول الله ﷺ ـ «ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر» رواه مسلم.
٥- عن عبد الله بن زيد ـ في صفة وضوء رسول الله ﷺ ـ «ثم أخذ بيده ماءً فمسح رأسه فأدبر به وأقبل» رواه البخاري.
٦- عن عبد الله بن محمد بن عقيل: حدثتني الرُبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء أن رسول
стр. 396
الله ﷺ « ... مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه مرتين، بدأ بمُؤَخَّرِه ثم رد يده إلى ناصيته ... » رواه أحمد. ورواه أبو داود بلفظ «أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده» قال الترمذيُّ (عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، ولكن تكلم فيه بعضهم من قِبَل حفظه) وقال فيه البخاري (كان أحمد وإسحق والحميدي يحتجون بحديثه) وبذلك صلح هذا الحديث للاحتجاج.
الحديث الأول فيه أن الرسول ﵊ أخذ ماء لمسح رأسه منطوقاً، لأن قوله «خلاف الماء الذي أخذ لرأسه» إثبات أن الرأس أُخذ له ماء، والثاني يفيد الشيء نفسه والحديثان الرابع والخامس أفادا أن الرأس يُؤخذ له ماءٌ جديد.
وهذه الأحاديث كلها أفادت أن الرسول ﵊ قد فعل ذلك فعلاً، وهي أحاديث تصلح كلها للاحتجاج، وجاء الحديث السادس الذي فيه «مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه» حسبما جاء في رواية أحمد، و «مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده» حسبما جاء في رواية أبي داود. وهذان اللفظان لهذا الحديث يفيدان أن مسح الرأس يصح من فضل الماء، وهما أيضاً فعلٌ من أفعاله ﷺ ، وبذلك تكون عندنا نصوص تفيد مسح الرأس بماء جديد، وأخرى تفيد مسح الرأس بفضل الماء، وذلك دالٌّ على أن المسلم بالخيار بين أن يمسح رأسه في الوضوء بماء جديد وبين أن يمسحه بماء يفضل في يديه عقب غسلهما، فكلا الفعلين جائز.
стр. 397
ورب قائل يقول: إن كونه ﷺ أخذ لرأسه ماء جديداً كما وقع في هذه الروايات ينافي ما جاء في حديث ابن عقيل من أنه ﷺ مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يده، فنجيبه بأن التنصيص على فعلٍ بصيغة يدل على مجرد الوقوع، ولا يستلزم عدم وقوع غيره لأنه لا يفيد حصراً للمنصوص عليه ولا نفياً عمّا سواه. والخلاصة أنه يجوز في مسح الرأس أن يكون بماءٍ جديد وأن يكون بفضل ماء، ولا ينافي هذا الخيار قول الحديث في البند الثالث «خذوا للرأس ماءً جديداً» لسببين: أحدهما أن هذا الأمر لا توجد فيه قرينة دالة على الوجوب، وثانيهما أن الحديث فيه ضعف كما جاء في بحث [الماء المستعمل] فلا يصلح لصرف حكم الاختيار إلى إيجاب أحدهما.
١٠- مسح الأذنين: يُسنُّ مسحُ الأذنين للأحاديث التالية:
١- عن ابن عباس ﵁ أنه «رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً، قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة» رواه أبو داود وأحمد.
٢- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ مسح أُذنيه داخلَهما بالسَّبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أُذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما» رواه ابن ماجة والنَّسائي وابن حِبَّان والحاكم وابن خُزيمة.
٣- عن الصُّنابِحِيِّ أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه ... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أُذنيه ... » رواه مالك. ورواه النَّسائي ورجاله رجال الصحيح.
٤- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ مسح برأسه وأُذنيه ظاهرَهما وباطنَهما» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) .
стр. 398
٥- عن عبد الله بن زيد «أنَّه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ لأُذنيه ماءً خلافَ الماء الذي أَخذ لرأسه» رواه البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح. ورواه الحاكم بلفظ « ... فأخذ ماء لأُذنيه خلافَ الماء الذي مسح به رأسه» وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
الأحاديث: ١، ٢، ٤ تفيد مشروعية مسح الأُذنين منطوقاً، والحديث الثالث يفيد ذلك مفهوماً، لأنَّ مسح الرأس بالماء الذي ينتج عنه خروج الخطايا من الأذنين يشير إلى أن الأُذنين تتبعان الرأس في المسح، وأنه لولا مسحهما لما خرجت الخطايا منهما. هذه واحدة. أما الثانية فإن هذه الأحاديث بينت كيفية مسحهما وأنهما تتبعان الرأس في المسح، ولا يُحتاج لهما إلى ماءٍ جديد، وأنهما يُمسحان من الداخل والخارج، الداخل بالسَّبابتين أو المُسبِّحتين، والخارج بالإبهامين، وأنهما تُمسحان مرة واحدة كالرأس، فمن أراد السُّنَّة عمل بكل هذا. أما الحديث الخامس الذي يفيد أخذ ماء جديد للأُذنين غير ماء الرأس فإنه مختلَف في تصحيحه، فمنهم من صححه كابن حجر، ومنهم من أعلَّه كابن دقيق العيد، وابن القيم يقول (لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديداً، وإنما صح ذلك عن ابن عمر) على أن هذا الحديث لو ثبتت صحته فإنه يدل على جواز أخذ ماء جديد للأُذنين، وإذن فإنَّ من شاء أخذ لهما ماء جديداً، ومن شاء مسحهما بما يتبقى في يديه من فضل ماءِ مسح الرأس، أيَّاً من ذلك فعل جاز.
стр. 399
وقد ذهب إسحق بن راهُويه وأحمد في رواية عنه، إلى أن مسح الأُذنين واجب، وذهب غيرهما إلى عدم الوجوب. واستدل القائلان بالوجوب بهذه الأحاديث التي فيها فِعلُ الرسول ﵊ بمسح الأذنين، وعندهما أن أفعاله ﵊ تفيد الوجوب كأقواله، واستدلا كذلك بحديثٍ رواه ابن ماجة وغيره عن النبي ﷺ قال «الأذنان من الرأس» وقالا: إن هذا الحديث يقول إن الأُذنين من الرأس، فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما فيثبت وجوبه بالنص القرآني.
стр. 400
والجواب على ذلك هو أن أفعال الرسول ﵊ لا تفيد الوجوب إلا بقرينة ولا قرينة هنا، بل القرينة هي على عدم الوجوب، وهي كون الفعل هنا في غير الوضوء المُجْزِئ، ولذا قلنا باستحباب مسح الأُذنين ولم نقل بوجوبه، وأما أنَّ الأُذنين من الرأس فإن هذا الحديث بجميع طرقه ضعيف لا يصلح للاحتجاج، بل قال ابن حجر (قد ثبت أنه مُدْرَج) أي أنه من قول الرواة وليس من قول الرسول ﵊. قال الترمذي (قال قتيبة قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي ﷺ أو من قول أبي أمامة) وفي رواية أبي هريرة عند ابن ماجة عمرو بن حصين وهو متروك، ومحمد بن عبد الله بن علاثة وهو ضعيف، وفي رواية أبي أمامة عند ابن ماجة شهر بن حَوشَب وهو ضعيف. والرواية الثالثة لابن ماجة من طريق عبد الله بن زيد حسنة، إلا أنَّ القول «الأذنان من الرأس» مُدْرَج. وفي روايات ابن عمر عند الدارقطني الصحيح منها أنها كلها موقوفة، كما أفاد ذلك الدارقطني نفسه. وفي رواية أبي موسى عند الدارقطني اختلافٌ في الوقف والرفع، وصوَّب ابن حجر الوقف، أي أنَّه من قول الصحابي وزاد (وهو منقطع) وفي رواية عائشة ﵂ عند الدارقطني محمد بن الأزهر وقد كذبه أحمد. قال ابن الصلاح: إن ضعفها كثير لا ينجبر بكثرة الطرق. وإذن فإنه لا يصح الاستدلال بهذه الأحاديث على وجوب مسح الأذنين. قال الشوكاني معقِّباً على هذا القول (وأُجيب بعدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب فلا يُصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، وإلا كان من التَّقُّول على الله بما لم يقل) والرواية الثانية عن أحمد أنه لا يجب مسح الأُذنين، قال ابن قُدامة في المغني (وقال الخلاَّل كلهم حكوا عن أبي عبد الله - أي أحمد- فيمن ترك مسحهما عامداً أو ناسياً أنه يُجزِئُه، وذلك لأنهما تبعٌ للرأس، لا يُفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس،
стр. 401
ولذلك لم يُجْزِهِ مسحُهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه والأَولى مسحهما معه) وهذا يفيد استحبابه لمسحهما دون وجوبه.
[مسألة]
لم يرد في مسح الرقبة حديث صحيح ولا حسن يصلح للاحتجاج، فما رُوي عن طلحة ابن مصرِّف عن أبيه عن جده «أنه رأى رسول الله ﷺ يمسح رأسه حتى بلغ القُذال وما يليه من مُقدَّم العنق بمَرَّة. قال القُذال السالفة العنق» رواه أحمد. ففيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، قال ابن حِبَّان (كان ليث يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه ابن القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد) ، وقال النووي (اتفق العلماء على ضعفه) . وما عزاه الألباني للجُوَيني والغزالي من حديث «مسح الرقبة أمانٌ من الغِلِّ» قال عنه ابن الصلاح: هذا الحديث غير معروف عن النبي ﷺ ، وهو من قول بعض السلف. وقال النووي (هذا حديث موضوع) وقال (لم يصح عن النبي ﷺ فيه شيء) ، وأضاف (وليس هو بسنَّة بل بدعة) وقال ابن القيم: لم يصح عنه في مسح العنق حديثٌ البتة. ولذا فإن مسح الرقبة غير مشروع، وهو ليس بواجب ولا مندوب، وينبغي تركه.
١١- غسل الرِّجلين إلى الكعبين: وهو الفرض الخامس من فروض الوضوء. والأدلة عليه قوله تعالى ﴿وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ وكذلك إجماع الصحابة، والأحاديث الصحيحة الكثيرة وقد مرت.
стр. 402
ولنقف وِقفةً متأنيَّة عند الآية الكريمة ﴿يا أيُّها الذينَ آمنُوا إذا قمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. قوله إذا قمتم: أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، كقوله تعالى ﴿فإذا قَرَأْتَ القُرآنَ فاسْتَعِذْ باللهِ﴾ أي إذا أردت قراءة القرآن. وقد فهم بعضهم من هذه الآية فرض النية للوضوء، فقد قالوا: إن قوله إذا قمتم معناه إذا نويتم القيام، ولكنَّ هذا الفهم ضعيف، ويكفي في النية حديث عمر «إنما الأعمال بالنية» والآية تقول ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ بالجمع للمرفق، وتقول ﴿وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ بالتثنية للكعب. والذي يترجح لديَّ أن سبب ذلك هو ما قاله ابن عطية صاحب التفسير الجليل [المُحرَّر الوجيز] في تفسيره (ويظهر ذلك من الآية من قوله في الأيدي ﴿إلى المَرَافِقِ﴾ أي في كل يد مرفق، ولو كان كذلك في الأرجل لقيل إلى الكعوب، فلما كان في كل رجل كعبان خُصَّا بالذكر) . وقد قرأ نافع والحسن البصري والأعمش ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب وقرأها بالجر حمزة وابن كثير وأبوعمرو. أما قراءتها بالنصب فبعطف أرجلكم على أيديكم، وحيث أن الأيدي طُلب غسلها فكذلك الأرجل تُغسل، وعلى هذا التفسير وأن الأرجل تُغسل جمهرةُ المسلمين قديماً وحديثاً والأئمة الأربعة. قال النووي (اختلف الناس على مذاهب، فذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يُجْزِيء مسحُها، ولا يجب المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتدُّ به في الإجماع) وقال ابن حجر (لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك) وخالف في ذلك الطبري قائلاً إن الأرجل فيها الغُسل أخذاً بقراءة نصب أرجلكم، وفيها المسح أخذاً بقراءة جرِّ
стр. 403
أرجلكم لأنها بالجر تكون معطوفة على رؤوسكم التي طُلب مسحها. وهذا القول منه يعتبر معتدلاً، ولكن رُوي عن عكرمة والشعبي وقتادة غير ذلك، فقد رُوي عن عكرمة أنه قال: ليس في الرِّجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح. ورُوي عن الشعبي أنه قال: نزل جبريل بالمسح. وقال قتادة: افترض الله مسحتين وغسلتين. فهؤلاء لم يأخذوا بالقراءة الصحيحة بنصب أرجلكم، وتمسكوا بالقراءة الصحيحة الأخرى بجر أرجلكم وقد أخطأوا في ذلك.
وقد تأثّر بقولهم هذا ابن حزم والطحاوي، فقالا بأن المفروض في الأرجل كان المسح في بدء الإسلام ثم نُسخ. وهذه دعوى ينقصها البرهان. وقد رُوي أن علياً وأنساً وابن عباس كانوا يقولون بالمسح، ثم ثبت رجوعهم عنه إلى القول بالغسل، ولم يبق صحابي واحد يقول بالمسح. وللرد على الطبري وقتادة وعكرمة والشعبي أقول إن الأحاديث كلها أفادت غسل الأرجل، ولم يُرو حديث واحد صحيح واضح الدلالة على أن المسلمين كانوا يمسحون أرجلهم في الوضوء، والمعلوم أن السُّنَّة تبين القرآن: تفصِّل مُجمَله، وتقيِّد مطلَقه، وتخصِّص عمومه، ولا تتعارض معه. وجميع الأحاديث تقول بالغسل، فوجب القول إن الآية تُوجب هي الأخرى الغسل، وإنه لا إشكال في الجمع بين القرآن والسُّنَّة هنا بقراءة أرجلَكم بالنصب، وهي قراءة صحيحة قطعية. فهذه القراءة والأحاديث تفيد غسل الأرجل، فلا تعارض.
стр. 404
أما القراءة بالجر فهي التي أشكلت على عدد من الفقهاء، وكان ينبغي الأخذ بالقاعدة التي تقرِّر أن السُّنَّة لا يمكن أن تتعارض مع القرآن، لأن الرسول ﵊ لا يأتي بأمر من عنده، وما دام قد ثبت أنه أمر بالغسل فإن ذلك دليل أكيد على أن القرآن قد أتى هو الآخر بالغسل، فوجب تفسير الآية بحسب ذلك، وأنَّ قراءة الجر لا تخرج عن هذا الفهم، ذلك أن جرَّ أرجلكم لا يعني عطفها على رؤوسكم، وبالتالي لا يعني وجوب إلحاقها بالرؤوس في المسح، وإنما جاء الجر للمجاورة لا أكثر، فهي تظل معطوفة على وجوهكم وأيديكم التي طلب فيها الغسل، وبذلك تكون الآية بالقراءتين تفيد الغسل تماماً كما تفيد الأحاديث، وبذلك أيضاً يزول التعارض وتنتفي الشبهة.
أما أخذ بعضهم بقراءة الجر وترك قراءة النصب على اعتبار تعارضهما فإنه لا يجوز، لأن القراءتين صحيحتان، وكل قراءة منهما قرآن لا ينبغي هجرة وتركه، ثُم إن هؤلاء كان ينبغي عليهم عدم القول بتعارض القرآن مع السنة، فما دامت السنة تقول بالغسل، فإن الواجب عليهم أن لا يقولوا إن القرآن يخالفها ويأمر بالمسح، بل يجب أخذ الآية بقراءة الجر وحملها على أنها للمجاورة ليظل عطفها على ما سبق من المغسول دون الممسوح. وفي هذا الخطأ وقع القائلون بأن الآية أفادت غسلاً ومسحاً أخذاً بظاهر القراءتين، وخطأ هؤلاء أنهم اعتبروا الآية الواحدة تطلب شيئين مختلفين في موضوع واحد، فكأنهم اعتبروا الآية بقراءتيها متعارضة، ولو حكَّموا القاعدة بأن السُّنَّة والقرآن لا يتعارضان، وأن القرآن لا يعارض نفسه لأمكنهم فهم الآية بالقراءتين وبالسُّنَّة فهماً واحداً، وأنها كلها تفيد غسل الأرجل.
стр. 405
قد يقال إن المجاورة تضعف إن كان هناك فاصل كما هو الحال في هذه الآية بوجود الواو العاطفة، وأن المجاورة الشائعة تكون بدون فواصل، فنجيب بأن القرآن وقد استعملها فإنَّه يجب قبولها، لأنه لا يمكننا التوفيق بين القراءتين، ولا بينهما وبين الأحاديث إلا بالأخذ بالمجاورةِ إيماناً منا بأن القرآن لا يعارض نفسه، ولا تعارضه السُّنَّة.
إن ابن هشام في كتابه [شذور الذهب] ذهب إلى أن المجاورة مع وجود فاصل أمر شاذ عند العرب، وأن الأصح أن تكون المجاورة حين لا يكون فاصل، ولكنه لم يقطع بخطأ القاعدة، ثم قال إن المجاورة تحصل بوجود فاصل محذوف مقدَّر، فنقول إن القرآن أتى بالمجاورة مع وجود فاصل غير محذوف، وقد جاءت على لسان شاعر:
كأنَّ ثبيراً في عرانينِ وبْلِهِ ... كبيرُ أُناسٍ في بجادٍ مُزمَّل
فظل طُهاةُ اللحم مِن بين مُنضجٍ ... صفيفَ شُواء أو قديرٍ معجَّل
فـ (قدير) حكمها أن تكون منصوبة لأنها معطوفة بـ (أو) على (صفيف) المنصوبة على الحال، فالواجب أن يقال (صفيفَ شواءٍ أو قديراً معجَّلاً) ولكنه جرَّ (قديراً) لمجاورة (شُواءٍ) المجرورة. وهذا مثال على جواز المجاورة مع وجود الفاصل غير المحذوف وهو العاطف هنا. ويكفينا سيبويه كبير أئمة الإعراب، وكذلك الاخفش، فقد حكما بجواز المجاورة مع وجود العطف، فبالأخذ بقاعدة المجاورة نكون قد أعملنا جميع الأدلة، وأزلنا شبهة القائلين بوجود التعارض.
أما ما تمسك به القائلون بالمسح من أحاديث فإنه لا يصمد أمام المناقشة، فهؤلاء استدلوا على شبهتهم بما يلي:
١- عن عبد الله بن عمرو قال «تخلَّف النبي ﷺ عنا في سَفْرة سافرناها، فأَدرَكَنا وقد أرهَقَنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويلٌ للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً» رواه البخاري ومسلم. قوله أرهقنا العصر: أي اقترب وقت العصر.
стр. 406
٢- عن عبد الله بن عمرو قال «رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء الطريق تعجَّل قومٌ عند العصر، فتوضَّأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسَّها الماء، فقال رسول الله ﷺ : ويلٌ للأعقاب مِن النار أسبغوا الوضوء» رواه مسلم.
٣- عن أوس بن أبي أوس الثقفي «رأيت رسول الله ﷺ أتى كِظامَةَ قومٍ، فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه» رواه أبو داود. والكِظامة: هي بئر الماء.
٤- عن عبَّاد بن تميم عن أبيه قال «رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، ويسمح على رجليه» رواه الطبراني.
٥- عن ابن عباس ﵁ قال «توضأ رسول الله ﷺ فأدخل يده في الإناء فاستنشق ومضمض مرة واحدة، ثم أدخل يده فصبَّ على وجهه مرة واحدة، وصبَّ على يديه مرتين مرتين ومسح رأسه مرة، ثم أخذ حفنةً من ماء فرشَّ على قدميه وهو متنعل» رواه البيهقي.
٦ - إضافة إلى قراءة آية الوضوء بجرِّ (أرجُلِكم) عطفاً على (رؤوسكم) .
الحديث الأول استدلوا به على المسح لقوله «فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا» وهذا استدلالٌ فاسدٌ لأنهم قطعوا هذه العبارة عن سابقها وعن لاحقها واقتصروا عليها، والواجب عليهم النظر في هذه العبارة بعد وضعها في جوِّها ليسهل فهمها ويصح الاستدلال بها. قال ابن بطَّال: كأن الصحابة أخروا الصلاة عن أول الوقت طمعاً أن يلحقهم النبي ﷺ فيصَّلوا معه، فلما ضاق الوقت بادروا إلى الوضوء، ولعجلتهم لم يُسبغوه فأدركهم على ذلك فأنكر عليهم.
стр. 407
هذا هو جو العبارة، وفي هذا الجو صارت العبارة مفهومة، فصارت غير مفيدة لهم، وغير دالة على دعواهم. إن قول الحديث «فأدْرَكَنا وقد أرهَقَنا العصر» صريحٌ في أنهم كانوا على أشدِّ ما تكون العجلة، والمستعجل لا يحسن الوضوء ولا يتقنه، فوصف ابن عمرو حالة القوم بأنهم كانوا لشدة السرعة يظهر عليهم أنهم يمسحون أرجلهم ولا يغسلونها، وفي هذه الحالة وصل النبي ﷺ فرآهم كأنهم يمسحون، ورأى أماكن مِن أرجلهم لم يصبها الماء فقال بغضب - بأعلى صوته – «ويلٌ للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً» والتدقيق في هذا الحديث يوصل إلى أنَّهم كانوا يغسلون ولم يكونوا يمسحون، ولكنْ لسرعة الغسل بدت أجزاء من الأرجل دون ماء، فأنكر الرسول ﵊ ذلك منهم، بينما لو أنهم كانوا يمسحون، ولو كان المسح جائزاً لما أبرز ابن عمرو مسح الأرجل كدليل على السرعة دون سائر أفعال الوضوء. فقوله «نتوضأ ونمسح على أرجلنا» واضح فيه التركيز على مسح الأرجل فحسب وأن المسح دليل على السرعة، وهذه دقيقةٌ تحتاج إلى تدبُّر. هذه واحدة.
والثانية أن شأن المسح كما لا يخفى لا يستوعب الممسوح عادة، وأن الشيء المطلوب مسحه يجري التخفيف فيه في الإسباغ والاستيعاب، أما إنْ أُريد استيعابه فإنه يُطلب غسله، وهذا ظاهر تماماً، فلو كان المطلوب مسح الأرجل لما أنكر الرسول ﵊ عليهم ترك استيعاب الأرجل من حيث إصابتها بالماء، فلما أنكر عليهم ترك جُزء وهو يراهم مستعجلين دل ذلك على وجوب الاستيعاب، وهذا يعني بالضرورة وجوبَ الغسل.
والثالثة إنَّ عملية المسح حصلت من الصحابة ولم تحصل إلا والرسول ﵊ غائب عنهم، فلما حضر أنكر عليهم ولم يقرَّهم عليه، واستعمل أشد ألفاظ الإنكار بتوعدهم بالويل المكرَّر، فكيف يستدلُّون بهذا الحديث على جواز المسح؟
стр. 408
والرابعة إن ابن عمرو نفسه - وهو راوي الحديث - لا يقول بالمسح بل يقول بالغسل فكيف يقول بالغسل ثم يروي هذا الحديث ويعني به المسح، إلا أن يكون قد عنى بالمسح الغسل الخفيف بسبب السرعة، فأطلق هذه اللفظة عليه؟ وهذا الرد يقال بخصوص رواية مسلم «فتوضأوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسَّها ماء» فإنه لا يدل على المسح وإنما يدل على الغُسل السريع غير التامِّ. ومما يزيد الأمر وضوحاً وتأكيداً ما روى أبو هريرة في صحيح مسلم «أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبيه فقال: ويل للأعقاب من النار» فقد صرَّح بالغسل. وما روى جرير بن حازم عن قتادة عن أنس بن مالك «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ قد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسِن وضوءك» رواه أحمد وابن خُزَيمة. وروى أحمد ومسلم مثله من طريق عمر بن الخطاب ﵁، وما روى بجير - هو ابن سعد - عن خالد عن بعض أصحاب النبي ﷺ «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعةٌ قدرَ الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» رواه أبو داود. ورواه أحمد بدون «والصلاة» وقد مر. فهذه الأحاديث تفيد وجوب الاستيعاب، ولا يكون استيعابٌ إلا إذا كان غسلٌ، لأن المسح من شأنه أن يخلف شيئاً من الممسوح، فلما حذر الرسول ﵊ من ترك قدر ظفر أو قدر درهم أو ترك العقب، دل تحذيره على أن المطلوب الغسل لا غير.
стр. 409
وقد يقول أحدهم: لماذا لا نقول بالمسح المستوعِب؟. فنجيبه بأن المسح لا يستوعب عادة، وإذا أردنا الاستيعاب قمنا بالغسل. والقول بالمسح المستوعِب لا يختلف في جوهره عن القول بالغسل، فلما طُلب الاستيعاب فقد دل ذلك على أن المراد هو الغُسل لا المسح، إذ لو كان المسح هو المطلوب لما حذرنا ﵊ من ترك قدر درهم أو قدر ظفر. أما حديث أوس - البند الثالث - فهو ضعيف أعلَّه ابن القطان بالجهالة في عطاء راوي الحديث عن أبيه، وأيضاً في إسناده هُشيم عن يعلى، قال أحمد: لم يسمع هُشيم هذا من يعلى مع ما عرف من تدليس هُشيم. وضعَّفه أيضاً ابن عبد البر. وأما حديث عباد الذي رواه الطبراني فقد ضعَّفه ابن عبد البر وشكَّك في صحبة راوي الحديث لرسول الله ﷺ . وأما حديث ابن عباس البند الخامس «أخذ حفنة من ماء فرشَّ على قدميه وهو متنعل» فهو ليس دليلاً على المسح بقدر ما هو دليل على الغُسل، ولكنه الغُسل الخفيف، لأن المسح لا يكون برشِّ الماء وإنما يكون بالبلل العالق باليد، فالرشُّ دليل على الغُسل وليس على المسح.
وإذا استحضرنا في الذهن أن الوضوء يكفي فيه مُدٌّ من ماء - هذه الكمية القليلة هي ما كان يستهلكها المسلم في وضوئه - ازداد إدراكنا لمعنى أخذ حفنة ماء للرِّجل أو للرِّجلين للغسل، وأيضاً فإنه جاء حديث صريح بأن الرش يكون في الغُسل، هو ما رواه ابن عباس ﵁ من صفة وضوء نبي الله ﷺ ، وجاء فيه « ... ثم أخذ غَرْفةً من ماء فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرفة أخرى فغسل بها رِجله - يعني اليسرى - ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ» رواه البخاري، وقد مرَّ.
стр. 410
فإذا علمنا أن أحاديث الغسل جاءت كثيرة وفي أعلى درجات الصحة، وقابلناها مع هذه الأحاديث المُعلَّة والضعيفة أدركنا ضعف الرأي القائل بمسح الأرجل، فإذا نحن أضفنا إجماعَ الصحابة كدليلٍ على فرض الغسل دون المسح ازداد اقتناعنا بصواب ما ذهبنا إليه.
وإذن فالأحاديث لا تسعف أصحاب الرأي هذا، ولذا نرى ناساً منهم يستدلون بالآية بقراءة النصب على دعواهم، فهؤلاء يقولون إن قراءة نصب أرجلكم تكون بعطف أرجلكم على محل ﴿برُؤُوسِكُمْ﴾ أي أن الآية تقول ﴿وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ﴾ وفعل امسحوا يتعدى إلى مفعول، والمفعول هو (برؤوسكم) أي الجار والمجرور، والجار والمجرور في محل نصب مفعول به لفعل امسحوا، وأرجلكم معطوفة على محل الجار والمجرور فجاءت منصوبة. وقال ناس من هؤلاء إن الباء في (برؤوسكم) زائدة، وإن الأصل امسحوا رؤوسكم، فجاءت أرجلكم بالنصب عطفاً عليها. ولا يخفى أن هؤلاء قد سلكوا طريقاً وعرةً وأن هذه الإعرابات فيها من البعد ما هو أكبر مما يتهمون به إعراب المجاورة. ولو أننا أردنا أن نقف في منتصف الطريق بيننا وبينهم، وقلنا بأن الآية محتملة، وأنها لا تكفي في الاستدلال على أيٍّ من الرأيين لوجب الاحتكام إلى الأحاديث، والأحاديث الصحيحة قاضية عليهم عدا عن إجماع الصحابة.
стр. 411
والواجب في الغسل استغراق القدم بالكامل، والاستغراق الكامل لا يتم إلا بغسل الكعبين أو جزء من الكعبين على الأقل تماماً كغُسل المرفقين أو جزء من المرفقين في غُسل اليدين، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأقل من ذلك لا يتحقق فيه تمام الغُسل. والكعبان هما عظمان ناتئان في جانبي كل قدم خلافاً لقول محمد بن الحسن إنهما في مشط القدم عند معقد الشِّراك من الرِّجل، فهذا القول خطأ ويُخرج جزءاً كبيراً من الرِّجل من الغسل. فقد رُوي عن النعمان بن بشير أنه قال « ... فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه» رواه أحمد وأبو داود. وذكره البخاري تعليقاً أي بدون سند. وهذا دليل على صحة ما ذهبنا إليه وخطأ ما قال به محمد بن الحسن، ذلك أن إلزاق الكعاب لا يتم إلا إذا كانت الكعاب هي العظام الناتئة في جوانب الأرجل وليس في أمشاطها.
ويسنُّ إسباغ غسل القدمين ومجاوزة الكعبين حتى جزء من الساق أخذاً من حديث الإسباغ وجاء فيه « ... ثم غسل رجله اليمنى حتى أَشْرَع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ... إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : أنتم الغُرُّ المُحجَّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فلْيُطِلْ غُرَّته وتحجيله» رواه مسلم. وقد مر في بحث [فضل الوضوء] .
كما يسن تخليل الأصابع، وإذا كان التخليل بخنصر اليد اليسرى فهو أولى، لحديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأت فخلِّل بين أصابع يديك ورجليك» رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد. وحسنه البخاري، ولحديث المستورد ابن شدَّاد قال «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخِنْصَره» رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجة والترمذي، وصححه ابن القطان.
стр. 412
١٢- غسل الأعضاء سوى الرأس والأُذنين ثلاثاً: قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه توضأ حيناً مرة مرة، وحيناً آخر مرتين مرتين، وحيناً ثالثاً ثلاثاً ثلاثاً، وحيناً رابعاً يغاير بين الأعضاء في العدد. فعن ابن عباس ﵁ قال «توضأ ﷺ مرة مرة» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وعن عبد الله بن زيد «أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين» رواه البخاري وأحمد. وعن عثمان ﵁ قال «ألا أُريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً ... » رواه مسلم والترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وقد مرَّ الحديث الذي رواه مسلم والبخاري عن عبد الله بن زيد، وجاء فيه « ... فدعا بإناءٍ فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ » .
الحديث الأول دليل الغسل مرة مرة، والثاني مرتين مرتين، والثالث ثلاثاً ثلاثاً، والرابع مغايرة في العدد بين الأعضاء، فغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والوجه ثلاثاً ثلاثاً وغسل اليدين إلى المرفقين مرتين مرتين، وغسل الرجلين دون أن يذكر العدد. وهذه الأحاديث تدل على أن كل ذلك يجوز، وكل ذلك يصيب السُّنَّة.
стр. 413
إلا أن الواجب في العدد هو مرة واحدة، وأنَّ أعلى المندوب هو ثلاث مرات، وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدَّى وظلم» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة. ورواه ابن خُزَيمة وصححه. قال ابن حجر (رُوي من طرق صحيحة) فالزيادة على الثلاث إساءةٌ وتعدٍّ وظُلم، وهذه الألفاظ تفيد في مجموعها التحريم لأن التَّعدِّي حرام، والظلم حرام، والإساءة محتملة، فمن توضأ أربعاً أو أكثر كان آثماً متعدِّياً ظالماً مسيئاً. قال النووي (أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وعلى أن الثلاث سُنَّة) وقال عبد الله بن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم. وقال أحمد وإسحق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى. لكن روى أبو داود الحديث الأخير بلفظ « ... فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» وقد أشكل هذا اللفظ على العلماء، لأنَّ أحداً منهم لا يخالف أن مرة مرة، ومرتين مرتين، جائزان ومُجزئان، بينما الحديث يقول «أو نقص» أي نقص عن الثلاث «فقد أساء وظلم» وهذا لا يقول به فقيه، ولذلك أخذوا في التأويل فأغربوا فيه. جاء في نيل الاوطار (وقد أشكل ما في رواية أبي داود من زيادة لفظ (أو نقص) على جماعة، قال الحافظ - أي ابن حجر - في التلخيص ( [تنبيه] يجوز أن تكون الإساءة والظلم مما ذكر مجموعاً لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق والله أعلم، ويمكن توجيه الظلم في النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوَّتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث، وكذلك الإساءة لأن تارك السُّنَّة مُسيء، وأما الاعتداء في النقصان فمُشكل فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث) .
стр. 414
والصحيح أنه لا حاجة لهذه التأويلات البعيدة التي لا تغني شيئاً، والواجب ردُّ هذه الزيادة الشاذة في حديث أبي داود لأنها تخالف الأحاديث العديدة الصحيحة التي تجيز المرة وتجيز المرتين، فالحديث يُردُّ لمعارضة الأحاديث الصحيحة. ثم إن هذا الحديث ليس من الأحاديث الصحيحة ولا حتى من الحسنة، فهذا الحديث هو مما سكت عنه أبو داود فلم يصحِّحه ولم يحسِّنه، ومثل هذه الأحاديث المسكوت عنها ربما صلحت للاحتجاج إلا أن يعارضها حديث صحيح أو حسن فترد، وما نحن بصدده هو من هذا القبيل.
стр. 415
وقد قرأت رأيا منسوباً لأبي بكر بن العربي مغايراً لما عليه عامة الفقهاء أنقله وأناقشه، وهو (ظن بعض الناس بل كلهم أن الواحدة فرض والثانية فضل والثالثة مثلها والرابعة تعدٍّ، وليس كما زعموا وإن كثروا، وإنما رأى الراوي أن النبي ﷺ قد غرف لكل عضو مرة فقال توضأ مرة، وهذا صحيح صورة أو معنى صورة، إنَّا نعلم قطعاً أنه لو لم يُوعب العضو بمرَّةٍ لأعاد، وأما ما زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين فإنَّا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة، وجاء ما بعدها فضلاً، أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنتين، حتى زاد عليها بحسب الماء وحال العضو في النظافة، وتأتَّى حضور التلطُّف في إدارة الماء القليل والكثير عليها، فيشبه والله أعلم أن النبي ﷺ أراد أن يوسِّع على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لا يستطيع أن يُوعب بغرفة واحدة، ولأجل هذا لم يوقِّت مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً إلا ما أسبغ ... ) إلى آخر ما قال. وغفر الله له، فقد أراد الانتصار لمذهبه المالكي بمثل هذا التأويل البعيد، فإن تحويله المرات في الوضوء إلى غرفات بقدرها هو تحويلٌ لا يصح، وذلك لأن الغرفة الواحدة إن لم تكف غسل العضو كله لا يقال إنه توضأ مرة، أو غسل العضو مرة، لأنه في حالة عدم كفاية الماء لغسل العضو كله لا يكون وضوءٌ ولا يكون غسلٌ، ومن ثم لا يكون مرة، وحين جاءت الأحاديث بالوضوء مرة ومرتين وثلاثاً فُهم منها أن الوضوء يتمَّ بمرة وبمرتين وبثلاث، وأنه لو افترضنا أنه غرف للوجه غرفة فلم تكف فأوعبه بغرفة ثانية لا يقال إنه توضأ مرتين وإنما يقال توضأ مرة بغرفتين، والفارق واضح جداً، ولم تأت الأحاديث بالغرفات ثم ربطتها بالمرات، وإنما أطلقت المرات وربطتها بالوضوء، فبان الفارق بينهما، فحين يقول الحديث توضأ مرتين فإنه يعني غسل وجهه مثلاً مرتين، ولا يعني غسل وجهه مرة بغرفتين، وهذا
стр. 416
كاف في إسقاط هذا الرأي، ولسنا في حاجة لمزيد، فإن الأمر من الوضوح والظهور بحيث لا يخفى.
١٣- الترتيب: وهو الفرض السادس من فروض الوضوء. وقد ذهب الأئمة فيه مذهبين، فذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن قُدامة إلى وجوب الترتيب. وذهب النخعي ومكحول وأبو حنيفة وداود ومالك والثوري وابن المسيِّب والزهري وعطاء والحسن إلى أنه غير واجب. والصحيح أن الترتيب واجب، ولندخل في المناقشة لبيان صحة هذا الرأي.
استدل القائلون بالوجوب بالأدلة التالية:
١- قوله تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة.
٢- عن حُمران مولى عثمان ﵁ «أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مِرارٍ فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات، ثم قال: قال رسول الله: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه مسلم والبخاري وأبو داود، وقد مرَّ.
٣- عن عمرو بن عبسة قال «.. فقلت يا نبي الله فالوضوء حدثني عنه، قال: ما منكم رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر، إلا خرَّث خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء ... » رواه مسلم. ورواه أحمد وفيه « ... ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ... » .
стр. 417
الآية الكريمة تدل على وجوب الترتيب، فإنه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولا فائدة هنا سوى الترتيب. فإن قيل إن هذا القطع يفيد الاستحباب للترتيب دون الوجوب، قلنا إن الآية الكريمة قد جاءت تبين الواجب في الوضوء فقط، ولم تأت على ذِكْر أيِّ مندوب من مندوبات الوضوء، وهذا الترتيب جاء في أثناء بيان الوضوء المُجْزِيء، فكان ذلك قرينة على إفادة الوجوب، ثم إن كل من حكى وُضوء رسول الله ﷺ قد حكاه مرتباً، وهو مُفسِّر لما أجملته الآية الكريمة.
والحديث السابق الذي رواه عثمان ﵁ ظاهرٌ فيه الترتيب، وكذلك حديث عمرو بن عبسة، وكثير غيرهما كلها جاءت بترتيب مقصود، فهذه الأحاديث يظهر فيها الترتيب لوجود حرف (ثم) وهذا الحرف كما هو معلوم يفيد الترتيب، فحديث عثمان ﵁ جاء فيه «ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض ... ثم غسل وجهه ... ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ... » وحديث عمرو بن عبسة كذلك «ثم إذا غسل وجهه ... ثم يغسل يديه ... ثم يمسح رأسه ... ثم يغسل قدميه ... » وهكذا الأحاديث الأُخر وقد مرت، ولم تكتف هذه الأحاديث بترتيب الأفعال بـ (ثم) بل أضافت «من توضأ نحو وضوئي هذا» فهذا نصٌّ من رسول الله ﷺ في الكيفية، لأن كلمة (نحو) تفيدها، فالغسل للوجه واليدين والرِّجلين من الكيفية، ومسح الرأس من الكيفية، والترتيب يدخل في الكيفية، ولا يخرج منها إلا بدليل ولا دليل.
стр. 418
فالرسول ﵊ غسل وجهه، وبعد غسل الوجه غسل اليدين، وبعد غسل اليدين مسح الرأس، وبعد مسح الرأس غسل الرِّجلين، وقال: توضأوا هكذا، أي توضَّأوا بهذه الكيفية، فلو مسح أحدنا وجهه فإنه يخالف الكيفية، ولو غسل أحدنا رأسه لخالف الكيفية، ولو غسل الرِّجلين قبل الوجه لخالف الكيفية ولما صح وضوؤه. ثم إن حديث عمرو بن عبسة يقول في موضعين (كما أمره الله) هكذا «ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله ... ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ... » فهذا النص وإن كان صريحاً في كيفية الأفعال بذاتها دون ترتيبها، فإنه يفيد أيضاً ترتيب هذه الأفعال، لأن غسلها ومسحها إنما كان بأمرٍ من الله، وأن الله سبحانه الذي أمر بهذه الأفعال بكيفيتها هذه قد رتب هذه الأفعال نفسها في الآية الكريمة، فهو قد أمر بأفعال أربعة وأوجبها، وأمر رسوله ﷺ بفعلها، ولم يكتف منه بفعلها دون أن يأمره بفعلها على كيفية معنية، وجاء فعله ﵊ لتحقيق أمر الله سبحانه، فرتَّبها كترتيب الآية في كل مرة توضأ فيها، ولم تتخلف هذه الكيفية، مما يدل على التزامه بها وإيجابه إياها.
فمثلاً كان ﷺ يتوضأ لكل صلاة، ثم روى بريدة «أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعتَ اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعتُه يا عمر» رواه مسلم. وقد دل الحديث على أنه ﵊ أراد أن لا يُوهم المسلمين بأن الوضوء يجب لكل صلاة لكونه يتوضأ لكل صلاة، فحتى يزيل الإشكال وينفي الوجوب تخلف عن عادته في التزام الوضوء لكل صلاة في فتح مكة، وهذا مثل ذاك، فالرسول ﵊ التزم بترتيب أفعال الوضوء في كل مرة حتى قُبض، فدلَّ ذلك على أنه واجب. فإذا قيل بل ورد عنه ﵊ أنه توضأ خلاف هذا الترتيب كما يلي:
стр. 419
١- عن المقدام بن معد يكرب قال «أُتي رسولُ الله ﷺ بوَضوء، فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً» رواه أحمد.
٢- عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيِّع بنت معوَّذ بن عفراء قالت «كان رسول الله ﷺ يأتينا فحدثتنا أنه قال: اسكبي لي وضوءاً، فذكرت وضوء رسول الله ﷺ ، قالت فيه: فغسل كفيه ثلاثاً، ووضَّأ وجهه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة، ووضَّأ يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرتين، يبدأ بمؤخَّر رأسه ثم بمقَدَّمه وبأُذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضَّأ رجليه ثلاثاً ثلاثاً» رواه أبو داود. وروى الدارقطني والترمذي وابن ماجة وأحمد قريباً منه.
٣- عن عثمان ﵁ قال «هلمُّوا أتوضأ لكم وضوء رسول الله ﷺ ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مسَّ أطراف العضُدين، ثم مسح برأسه، ثمَّ أمرَّ يديه على أذنيه ولحيته، ثم غسل رجليه» رواه الدارقطني.
وقالوا إن الحديث الأول جعل المضمضة والاستنشاق عقب غسل الوجه وغسل اليدين، وإن الحديث الثاني جعل المضمضة والاستنشاق عقب غسل الوجه، وإن الحديث الثالث جعل إمرار اليدين على اللحية عقب مسح الرأس، وهذا مغاير للترتيب. أجل، فإن قيل هذا القول رددنا عليه بما يلي:
стр. 420
الحديث الأول رواه حريز عن عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، وعن عبد الرحمن هذا قال ابن المُدَيني: مجهولٌ لم يرو عنه غير حريز. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج فيُرد. والحديث الثاني رواه خمسة من رجال الحديث، ولكن جميع هذه الروايات عند الخمسة مدارها على عبد الله بن محمد بن عقيل، قال عنه الشوكاني (فيه مقال) وقال العباس بن يزيد: هذه المرأة التي حدَّثت عن النبي ﷺ أنه بدأ بالوجه قبل المضمضة والاستنشاق وقد حدَّث به أهل بدر منهم عثمان وعليٌّ أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه والناس عليه. ولا يبعد أن يكون ذلك من قبل عبد الله بن محمد ابن عقيل وليس من قبل المرأة، فقد قال ابن حِبَّان عنه (رديء الحفظ يجيء بالحديث على غير سُننه فوجبت مجانبةُ أخباره) . وقال أبو زُرعة: يختلف عنه في الأسانيد. وقال البخاري (هو مقارب الحديث) . وقال ابن خُزَيمة (لا يُحتجُّ به) . فحديث ابن عقيل ربما صلح للاحتجاج ولكن على أن لا يخالف ما عليه الثقات وهنا قد خالفهم، فوجب طرح هذا الحديث. والحديث الثالث في إسناده محمد بن اسحق وهو ضعيف إذا عنعن، وهنا قد عنعن، فيكون الحديث ضعيفاً، ثم هو معارِضٌ لما رواه عثمان نفسه بالإسناد الصحيح، وعثمان هناك ذكر أنه وضوء رسول الله ﷺ ، وهنا يذكر أنه أيضاً وضوء رسول الله ﷺ ، وحيث أن الراوي واحد والاختلاف موجود بين الروايتين، فيجب أخذ الرواية الصحيحة وردُّ الرواية الضعيفة المخالفة. فهذه الأحاديث الثلاثة إما ضعيفة وإما أنها غير صحيحة، وكلها تعارض الأحاديث الصحيحة فلا تنتهض لمعارضتها والوقوف أمامها.
стр. 421
ولا أريد أن أقول بقول بعضهم إن هذه المخالفات في الترتيب قد حصلت في مندوبات الوضوء، وإنما الترتيب في الفروض، أجل لا أريد أن أقول بهذا القول، لأن الواجب في الترتيب هو في فروض الوضوء ومندوباته، فالوضوء عبادة، وأيَّة عبادة سواء كانت فرضاً أو مندوباً إن أُريد الإتيان بها وجب الإتيان بها بكيفيتها على سواء بين الواجب والمندوب، فصلاة الظهر أربع، وصلاة الاستسقاء ركعتان، الظهر فرض، والاستسقاء سنة، فإن أُتي بهما وجب أن يصلي الظهر أربعاً والاستسقاء اثنتين، وبالكيفية المعهودة. وهكذا كل العبادات ذوات الكيفيات لا بد لإقامتها أو للقيام بها من الالتزام بكيفياتها. فالوضوء فيه فروض وفيه سنن، فإن أُريد الإتيان بسننه وجب الإتيان بها بكيفيتها، فإن أَتَى بها بغير ذلك أثم، فهو إما أن يأتي بسنن الوضوء كما وردت، وإما أن لا يأتي بها مطلقاً.
стр. 422
أما ما يستدل به القائلون بعدم الوجوب بما روي عن علي ﵁ قال «ما أبالي إذا تمَّمت وضوئي بأي أعضائي بدأت» وبما رُوي عن ابن مسعود ﵁ قال «لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» رواهما ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي. فنقول: أما الحديث الأول فهو قولُ صحابي، وأقوال الصحابة ليست أدلة، هذه واحدة. والثانية أن هذا الحديث فيه عبد الله بن عمرو بن هند قال عنه الدارقطني (ليس بقوي) وقال البيهقي عن هذا الحديث (والله أعلم على أنه منقطع ... قال عوف ولم يسمعه من علي ﵁ . فالحديث إذن ضعيف لا يصلح للاستدلال. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال «ما أُبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت» رواه الدارقطني والبيهقي. فهذا الحديث أيضاً ضعيف وإن كان معناه مقبولاً، ففي إسناده زياد مولى بني مخزوم قال عنه يحيى بن معين: لا شيء. وأما الحديث الثاني فهو أيضاً قول صحابي، وأقوال الصحابة كما قلنا ليست أدلة، ثم إن هذا الحديث ضعيف هو الآخر، فقد قال عنه الدارقطني (هذا مرسَل ولا يثبت) ونقل البيهقي كلام الدارقطني وأضاف (وهذا لأن مجاهداً لم يدرك عبد الله بن مسعود) فالحديث ضعيف لأنه منقطع فلا يصلح للاستدلال.
وبذلك يظهر أن الترتيب في الوضوء واجب لا فرق بين فروضه وسننه، وأن مخالفة الترتيب فيهما إثم ولا يجوز. إلا أن مخالفة الترتيب في فروض الوضوء يختلف عنها في سننه من حيث الإجزاء، فمخالفة الترتيب في الفروض فضلاً عن كونها إثماً تبطل الوضوء، لأنها تعني عدم إتيانٍ بالفروض على وجهها، فكأنه بذلك لا يكون أتى بالفروض، في حين أن مخالفة الترتيب في السنن إثم فقط، وهي تعني الإتيان بالسنن على غير وجهها، وما دام الإِتيان بالسنن ليس واجباً، وليست هي من الوضوء المُجْزِيء، فإن مخالفة الترتيب التي تبطل هذه السنن وتسقطها لا تؤثر في الوضوء من حيث إجزاؤُه.
стр. 423
١٤- التيمُّن: ونعني به غسل اليد اليمنى قبل اليد اليسرى، وغسل الرِّجل اليمنى قبل الرِّجل اليسرى في الوضوء، ولا يكون التيمُّن في غير اليدين والرِّجلين، فليس في غسل الوجه ولا في مسح الرأس يمين ولا شمال. والتيمُّن سنة وليس فرضاً، وهو ما اتفق عليه العلماء. قال النووي (أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سُنَّة، من خالفها فاته الفضل وتمَّ وضوؤه) وعلق ابن حجر على هذا القول بالقول (ومراده بالعلماء أهل السُنَّة، وإلا فمذهب الشيعة الوجوب) وقال ابن قُدامة في المغني (لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً) .
وقد وردت في التيمُّن النصوص التالية:
١- عن عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطُهوره وفي شأنه كله» رواه البخاري ومسلم. والتَّرجُّل: تسريح الشعر وتمشيطه.
٢- وروى أحمد الحديث السابق بلفظ «كان يحب التيمُّن في الوضوء والترجَّل والتنعُّل» ورواه ابن مندة وصحَّحه.
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد وابن خُزَيمة وابن حِبَّان، وصحَّحه ابن دقيق العيد وابن عبد البَرِّ.
الأحاديث الثلاثة كلها صحيحة تصلح للاحتجاج على المسألة، فقوله «يعجبه التيمُّن في تنعله وترجله وطُهوره» واضح في الاستحباب لقرينة (يُعجب) ولو كان التيمُّن واجباً لما كان اللفظ هكذا. وكلمة (طُهوره) تشمل الغُسل وتشمل الوضوء، لأن كلا الفعلين طهارة وطهور، وأصرح منه الحديث الثاني «يحب التيمُّن في الوضوء» فهو منطوق في الوضوء، وأنه مستحب لقرينة (كان يحب) وللقرينة في الحديث السابق (يُعجب) .
أما الحديث الثالث «إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم» فهو أمرٌ منه ﵊ بالبدء باليمين حين الوضوء، وهذا الأمر يفيد الندب للقرينة في الحديثين السابقين.
стр. 424
١٥- الموالاة: هي تتابع غسل الأعضاء بعضِها إثْرَ بعض بحيث لا يؤخر المتوضيء غسل العضو التالي إلى أن يجف ماء غسل العضو السابق، وبحيث لا يقطع وضوءه بعملٍ أجنبي يُعدُّ في العُرف انصرافاً عنه. وهذه الموالاة واجبة في الوضوء. وممن ذهب إلى وجوبها مالك والشافعي في قولٍ له، وأحمد والأوزاعي، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولٍ آخر له.
ولنستعرض النصوص لنتبين وجه الصحة في وجوبها:
١- عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي- ﷺ «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعةٌ قدرَ الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبيُّ ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» رواه أبو داود. ورواه أحمد بدون «والصلاة» . قال أحمد: هذا إسناده جيد.
٢- عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه رأى رجلاً توضأ فترك موضع ظُفر على ظهر قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع فتوضأ ثم صلَّى» رواه أحمد. ورواه مسلم بلفظ « ... فرجع ثم صلى» .
٣- عن أنس بن مالك «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظُّفْر، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسن وضوؤك» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن ماجة وابن خُزَيمة. وجوَّد أحمد إسناده.
٤- عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر ﵄ قالا «جاء رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسَّه الماء، فقال النبي ﷺ : ارجع فأتمَّ وضوءك ففعل» رواه الدارقطني. ورواه الطبراني عن أبي بكر ﵁.
стр. 425
الحديث الأول أعلَّه المنذري بالراوي بقية بن الوليد واتهمه بالتدليس إذا عنعن، ولكن أحمد قد روى الحديث مصرِّحاً بتحديث بقية، وبذلك يظهر أن لا وجه لإعلال المنذري، وقال ابن القطان والبيهقي هو مرسل، ورد عليهما الحافظ ابن حجر بقوله (فيه بحث) وذلك أن البحث في ذلك من جهة أن خالد بن معدان قال «عن بعض أصحاب النبي ﷺ » وهذا لقول منه وصلٌ وليس إرسالاً، ثم إن جهالة الصحابي غير قادحة، فالحديث غير معلول وغير ضعيف ويصلح للاحتجاج. والحديث الثاني صالح للاحتجاج، فقد رواه مسلم دون ذِكر (فتوضأ) ورواه أحمد بسند مقبول بزيادة (فتوضأ) والزيادة يتعين المصير إليها، فيُعمل بحديث أحمد. والحديث الثالث هو مثل الحديث الأول جوَّد أحمد إسناده، فالحديث صالح للاحتجاج. أما الحديث الرابع ففيه المغيرة بن سقلاب عن الوازع بن نافع، قال الدارقطني (الوازع بن نافع ضعيف الحديث) وذكره العقيلي في الضعفاء، فالحديث إذن لا يصلح للاحتجاج. فلم يبق إذن سوى الأحاديث الثلاثة الأولى.
إنَّ الحديث الأول يقول «فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» والحديث الثاني يقول «ارجع فأحسن وضوءك، قال فرجع فتوضأ ثم صلَّى» والحديث الثالث يقول «ارجع فأحسن وضوءك» وهو جزء من الحديث الثاني، بمعنى أن الحديث الثاني يقوم مقامه، فيبقى معنا حديثان اثنان فقط: الأول والثاني.
следующие страницы →