← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولا أريد أن أقول بقول بعضهم إن هذه المخالفات في الترتيب قد حصلت في مندوبات الوضوء، وإنما الترتيب في الفروض، أجل لا أريد أن أقول بهذا القول، لأن الواجب في الترتيب هو في فروض الوضوء ومندوباته، فالوضوء عبادة، وأيَّة عبادة سواء كانت فرضاً أو مندوباً إن أُريد الإتيان بها وجب الإتيان بها بكيفيتها على سواء بين الواجب والمندوب، فصلاة الظهر أربع، وصلاة الاستسقاء ركعتان، الظهر فرض، والاستسقاء سنة، فإن أُتي بهما وجب أن يصلي الظهر أربعاً والاستسقاء اثنتين، وبالكيفية المعهودة. وهكذا كل العبادات ذوات الكيفيات لا بد لإقامتها أو للقيام بها من الالتزام بكيفياتها. فالوضوء فيه فروض وفيه سنن، فإن أُريد الإتيان بسننه وجب الإتيان بها بكيفيتها، فإن أَتَى بها بغير ذلك أثم، فهو إما أن يأتي بسنن الوضوء كما وردت، وإما أن لا يأتي بها مطلقاً.

стр. 422

أما ما يستدل به القائلون بعدم الوجوب بما روي عن علي ﵁ قال «ما أبالي إذا تمَّمت وضوئي بأي أعضائي بدأت» وبما رُوي عن ابن مسعود ﵁ قال «لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» رواهما ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي. فنقول: أما الحديث الأول فهو قولُ صحابي، وأقوال الصحابة ليست أدلة، هذه واحدة. والثانية أن هذا الحديث فيه عبد الله بن عمرو بن هند قال عنه الدارقطني (ليس بقوي) وقال البيهقي عن هذا الحديث (والله أعلم على أنه منقطع ... قال عوف ولم يسمعه من علي ﵁ . فالحديث إذن ضعيف لا يصلح للاستدلال. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال «ما أُبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت» رواه الدارقطني والبيهقي. فهذا الحديث أيضاً ضعيف وإن كان معناه مقبولاً، ففي إسناده زياد مولى بني مخزوم قال عنه يحيى بن معين: لا شيء. وأما الحديث الثاني فهو أيضاً قول صحابي، وأقوال الصحابة كما قلنا ليست أدلة، ثم إن هذا الحديث ضعيف هو الآخر، فقد قال عنه الدارقطني (هذا مرسَل ولا يثبت) ونقل البيهقي كلام الدارقطني وأضاف (وهذا لأن مجاهداً لم يدرك عبد الله بن مسعود) فالحديث ضعيف لأنه منقطع فلا يصلح للاستدلال. وبذلك يظهر أن الترتيب في الوضوء واجب لا فرق بين فروضه وسننه، وأن مخالفة الترتيب فيهما إثم ولا يجوز. إلا أن مخالفة الترتيب في فروض الوضوء يختلف عنها في سننه من حيث الإجزاء، فمخالفة الترتيب في الفروض فضلاً عن كونها إثماً تبطل الوضوء، لأنها تعني عدم إتيانٍ بالفروض على وجهها، فكأنه بذلك لا يكون أتى بالفروض، في حين أن مخالفة الترتيب في السنن إثم فقط، وهي تعني الإتيان بالسنن على غير وجهها، وما دام الإِتيان بالسنن ليس واجباً، وليست هي من الوضوء المُجْزِيء، فإن مخالفة الترتيب التي تبطل هذه السنن وتسقطها لا تؤثر في الوضوء من حيث إجزاؤُه.

стр. 423

١٤- التيمُّن: ونعني به غسل اليد اليمنى قبل اليد اليسرى، وغسل الرِّجل اليمنى قبل الرِّجل اليسرى في الوضوء، ولا يكون التيمُّن في غير اليدين والرِّجلين، فليس في غسل الوجه ولا في مسح الرأس يمين ولا شمال. والتيمُّن سنة وليس فرضاً، وهو ما اتفق عليه العلماء. قال النووي (أجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سُنَّة، من خالفها فاته الفضل وتمَّ وضوؤه) وعلق ابن حجر على هذا القول بالقول (ومراده بالعلماء أهل السُنَّة، وإلا فمذهب الشيعة الوجوب) وقال ابن قُدامة في المغني (لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً) . وقد وردت في التيمُّن النصوص التالية: ١- عن عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطُهوره وفي شأنه كله» رواه البخاري ومسلم. والتَّرجُّل: تسريح الشعر وتمشيطه. ٢- وروى أحمد الحديث السابق بلفظ «كان يحب التيمُّن في الوضوء والترجَّل والتنعُّل» ورواه ابن مندة وصحَّحه. ٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد وابن خُزَيمة وابن حِبَّان، وصحَّحه ابن دقيق العيد وابن عبد البَرِّ. الأحاديث الثلاثة كلها صحيحة تصلح للاحتجاج على المسألة، فقوله «يعجبه التيمُّن في تنعله وترجله وطُهوره» واضح في الاستحباب لقرينة (يُعجب) ولو كان التيمُّن واجباً لما كان اللفظ هكذا. وكلمة (طُهوره) تشمل الغُسل وتشمل الوضوء، لأن كلا الفعلين طهارة وطهور، وأصرح منه الحديث الثاني «يحب التيمُّن في الوضوء» فهو منطوق في الوضوء، وأنه مستحب لقرينة (كان يحب) وللقرينة في الحديث السابق (يُعجب) . أما الحديث الثالث «إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم» فهو أمرٌ منه ﵊ بالبدء باليمين حين الوضوء، وهذا الأمر يفيد الندب للقرينة في الحديثين السابقين.

стр. 424

١٥- الموالاة: هي تتابع غسل الأعضاء بعضِها إثْرَ بعض بحيث لا يؤخر المتوضيء غسل العضو التالي إلى أن يجف ماء غسل العضو السابق، وبحيث لا يقطع وضوءه بعملٍ أجنبي يُعدُّ في العُرف انصرافاً عنه. وهذه الموالاة واجبة في الوضوء. وممن ذهب إلى وجوبها مالك والشافعي في قولٍ له، وأحمد والأوزاعي، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولٍ آخر له. ولنستعرض النصوص لنتبين وجه الصحة في وجوبها: ١- عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي- ﷺ «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعةٌ قدرَ الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبيُّ ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» رواه أبو داود. ورواه أحمد بدون «والصلاة» . قال أحمد: هذا إسناده جيد. ٢- عن عمر بن الخطاب ﵁ «أنه رأى رجلاً توضأ فترك موضع ظُفر على ظهر قدمه فأبصره النبي ﷺ فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع فتوضأ ثم صلَّى» رواه أحمد. ورواه مسلم بلفظ « ... فرجع ثم صلى» . ٣- عن أنس بن مالك «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظُّفْر، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسن وضوؤك» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن ماجة وابن خُزَيمة. وجوَّد أحمد إسناده. ٤- عن ابن عمر عن أبي بكر وعمر ﵄ قالا «جاء رجل قد توضأ وبقي على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسَّه الماء، فقال النبي ﷺ : ارجع فأتمَّ وضوءك ففعل» رواه الدارقطني. ورواه الطبراني عن أبي بكر ﵁.

стр. 425

الحديث الأول أعلَّه المنذري بالراوي بقية بن الوليد واتهمه بالتدليس إذا عنعن، ولكن أحمد قد روى الحديث مصرِّحاً بتحديث بقية، وبذلك يظهر أن لا وجه لإعلال المنذري، وقال ابن القطان والبيهقي هو مرسل، ورد عليهما الحافظ ابن حجر بقوله (فيه بحث) وذلك أن البحث في ذلك من جهة أن خالد بن معدان قال «عن بعض أصحاب النبي ﷺ » وهذا لقول منه وصلٌ وليس إرسالاً، ثم إن جهالة الصحابي غير قادحة، فالحديث غير معلول وغير ضعيف ويصلح للاحتجاج. والحديث الثاني صالح للاحتجاج، فقد رواه مسلم دون ذِكر (فتوضأ) ورواه أحمد بسند مقبول بزيادة (فتوضأ) والزيادة يتعين المصير إليها، فيُعمل بحديث أحمد. والحديث الثالث هو مثل الحديث الأول جوَّد أحمد إسناده، فالحديث صالح للاحتجاج. أما الحديث الرابع ففيه المغيرة بن سقلاب عن الوازع بن نافع، قال الدارقطني (الوازع بن نافع ضعيف الحديث) وذكره العقيلي في الضعفاء، فالحديث إذن لا يصلح للاحتجاج. فلم يبق إذن سوى الأحاديث الثلاثة الأولى. إنَّ الحديث الأول يقول «فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة» والحديث الثاني يقول «ارجع فأحسن وضوءك، قال فرجع فتوضأ ثم صلَّى» والحديث الثالث يقول «ارجع فأحسن وضوءك» وهو جزء من الحديث الثاني، بمعنى أن الحديث الثاني يقوم مقامه، فيبقى معنا حديثان اثنان فقط: الأول والثاني.

стр. 426

أما الثاني ففيه الأمر بإحسان الوضوء، وأما الأول ففيه الأمر بإعادة الوضوء، والأمر بإعادة الوضوء منطوق، وهو قوي في دلالته على الموالاة، في حين أن الأمر بإِحسان الوضوء في الحديث الثاني محتمِلٌ الإعادة ومحتمِلٌ الإتمام والإسباغ، والمحتمِل يُحمل على الصريح، ويقوِّي جانب الإعادة في هذا الحديث القول «فرجع فتوضأ» ولو كان الصحابي يعلم كفاية الإسباغ أو الإتمام لما توضأ من جديد. فإن قيل ربما أراد الصحابي مزيد ثواب قلنا: حتى يثبت ذلك نقول به. وبذلك يظهر أن حديث الإعادة يجب المصير إليه ويتعين العمل به، وتُحمل أحاديث الإحسان عليه. وحيث أن الرسول ﵊ أمر من ترك شيئاً من رجله دون غسل أن يعيد الوضوء، فإن ذلك دليل على وجوب الموالاة. وبذلك يترجح لدينا رأي من قالوا بوجوب الموالاة. ولا يقال إنَّ أمره ﵊ بإعادة الوضوء هو للندب، لا يقال ذلك لأن أمره بالإعادة فيه دلالة على أن الوضوء السابق باطل، وذلك لأن المعلوم أن من توضأ على وضوء صحيح لا يقال عنه إنه أعاد الوضوء، وإنما يقال عنه إنه توضأ ثانية، فالأمر بالإعادة فيه كامل الدلالة على بطلان الوضوء السابق، وكونه باطلاً هو دليل على وجوب الوضوء وليس على الندب. هذا ونُذكِّر بأنَّ الرسول ﵊ لم يُرْوَ عنه ولا مرة أنه لم يُوال في وضوئه ولو أراد أن يبين جواز ترك الموالاة لفعل ذلك ولو مرة واحدة، لأن البيان في معرض الحاجة واجب، ولم يأت بيانٌ لترك الموالاة فوجب المصير إلى ما جرت عليه عادته ﵊ في وضوئه من دوام التزامه بالموالاة.

стр. 427

أما ما نراه من الحد الفاصل بين الموالاة وعدمها، فهو أن لا يُؤخِّر المتوضيء غسل العضو التالي إلى أن يجفَّ ماءُ العضو السابق في الظروف الاعتيادية، فلو غسل وجهه ثم توقف عن غسل يديه حتى جف ماء وجهه بطل وضوؤه، ووجب أن يبدأ الوضوء من جديد، إلا أن ينشغل في إزالة الوسخ أو الدلك فلا بأس. وثمَّة شيءٌ آخر يُخلُّ بالموالاة هو أن يقطع المتوضيء وضوءه بعملٍ أجنبي لا علاقة له بالوضوء بشكل يُظهر المتوضيء على أنه انصرف عن إتمامه، كأن يغسل وجهه ثم يترك الماء ليذهب إلى طاولة ويبدأ يخط رسالة، فإن هذا الفعل وأشباهه يبطل الوضوء حتى ولو لم يَنْشَف ماء الوجه في هذه الحالة. أما وجه دلالة الحديثين على الموالاة فهو أن الرسول ﷺ لم يأمر من رأى على قدمه جفافاً يدل على أن الماء لم يصله، لم يأمره بغسل ذلك العضو فقط، ولم يأمره بأن يتم ما نقص من وضوئه، بل أمره بالإعادة، وذلك لأن الموالاة قد انتفت، فوجب البدء بالوضوء من جديد. الدعاءُ عقب الفراغ من الوضوء:

стр. 428

يسنُّ للمتوضِّيء عقب الفراغ من وضوئه أن يقول [أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوَّابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك] فعن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ، أو فيُسْبِغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّها شاء» رواه مسلم وأحمد. وعن عقبة بن عامر الجهني «أن رسول الله ﷺ قال، فذكر مثله، غير أنه قال: من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» رواه مسلم. ورواه الترمذي والبزَّار والطبراني بزيادة «اللهم اجعلني من التَّوَّابين واجعلني من المتطهرين» . أما ما رواه الطبراني في كتاب [الدعاء] والنَّسائي في كتاب [عمل اليوم والليلة] والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال «من قال إذا توضأ بسم الله وإذا فرغ قال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، طُبع عليها بطابع، ثم وُضعت تحت العرش فلم تُكْسَر إلى يوم القيامة» فهي صحيحة إن اعتُبرت موقوفة، ومختلفٌ على صحتها إن اعتُبرت مرفوعة للنبي ﵊. ذلك أن النَّسائي صحَّح الموقوف فقط، وضعَّف الحازمي الرواية المرفوعة، وكذلك فعل غيرهما. أما الحاكم فقد قال (صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه) . وأما ابن حجر العسقلاني فقال (أما المرفوع فيمكن أن يضعَّف بالاختلاف والشذوذ، وأما الموقوف فلا شك ولا ريب في صحته، ورجاله من رجال الصحيحين فلا معنى للحكم عليه بالضعف) . والذي أراه هو أن الحديث صالح للاستدلال، أعني بذلك الحديث المرفوع، ذلك أن يحيى بن كثير الذي رفع الحديث هو من رجال

стр. 429

الصحيحين، والزيادة من الثقة مقبولة، ثم إن هذا القول الوارد في الحديث لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. هذا هو الوارد في باب الدعاء عقب الوضوء من نصوص صالحة للاحتجاج وللاستشهاد وما سواها لا يصلح ولا يُلتفت إليه، من مثل ما ذكره بعض الشافعية والحنفية من الدعاء عند كل عضو كقولهم عند غسل الوجه (اللهم بيِّض وجهي ... إلخ) قال النووي في الروضة (هذا الدعاء لا أصل له) وقال ابن الصلاح: لم يصحَّ فيه حديث. وقال ابن حجر (رُوي فيه عن علي من طرق ضعيفة جداً) وقال (في إسناده من لا يُعرف) وقال ابن قيم الجوزية (ولم يُحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئاً غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله ﷺ شيئاً منه ولا علَّمه لأمته، ولا يثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره) . ويبدو أن ابن القيم لم يصحَّ عنده حديث الطبراني الأخير كما صح عندنا فقال ما قال. الصلاة ركعتين عقب الفراغ من الوضوء:

стр. 430

يسنُّ للمتوضِّيء أن يصلى ركعتين بعد الوضوء لما روى عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه مسلم والبخاري وأبو داود. وقد مرَّ بتمامه في بند الترتيب. ولما روى أبو هريرة «أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدِّثْني بأرجى عملٍ عملتَه في الإسلام، فإني سمعت دُفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة، قال: ما عملتُ عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طُهوراً في ساعةِ ليلٍ أو نهار إلا صلَّيتُ بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن أصلي» رواه البخاري ومسلم وأحمد. ولما روى عقبة بن عامر ﵁ قال « ... فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدِّث الناس، فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة ... » رواه مسلم وأبو داود وابن خُزَيمة والنَّسائي. فهذه الأحاديث الثلاثة الصحيحة تندب إلى الإتيان بركعتين على الأقل عقب الفراغ من الوضوء، وأنهما تجلبان المغفرة وتُدخلان صاحبهما الجنة. مسائل المسألة الأولى

стр. 431

يُسن للمسلم أن يتوضأ لكل صلاة، كما يسن له أن لا يبقى دون وضوء فترة طويلة بل يظل على وضوء، وهذا ما كان يفعله ﷺ ، فقد روى بريدة «أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خُفَّيه، فقال له عمر: لقد صنعتَ اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعتُه يا عمر» رواه مسلم. وقد مرَّ الحديث ووجه الاستدلال به في بند الترتيب ورواه أحمد بلفظ «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: إني عمداً فعلت يا عمر» . وعن أنس قال «كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يُجزيء أحدَنا الوضوءُ ما لم يُحدِث» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك» رواه أحمد بسند صحيح. وروى ابن حِبَّان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل صلاة» . المسألة الثانية

стр. 432

يجوز للمسلم أن يستعين بغيره في الوضوء لما روى المغيرة بن شعبة قال «بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم جاء فصببتُ عليه من إداوةٍ كانت معي، فتوضأ ومسح على خُفَّيه» رواه مسلم والبخاري. وهذا الحديث ردٌّ على من قالوا بكراهة المعاونة في الوضوء مثل الغزالي وغيره من أصحاب الشافعي، الذين استدلوا على الكراهة بما روى البزَّار وأبو يعلى عن عمر ﵁ أنه قال «رأيت رسول الله ﷺ يستقي ماءً لوضوئه، فقلت: ألا أُعينك عليه؟ قال: لا أُحب أن يعينني على وضوئي أحدٌ» . فهذا حديث باطل لا أصل له، قاله النووي. وهذا الحديث هو من طريق النضر ابن منصور عن أبي الجنوب، وأبو الجنوب والنضر ضعيفان لا يُحتجُّ بحديثهما، قال عثمان الدارمي (قلت لابن معين: النضر بن منصور عن أبي الجنوب وعنه عن ابن أبي معشر تعرفه؟ قال: هؤلاء حمَّالة الحطب) . فحديثهم هذا باطل لا يصلح للاحتجاج والعمل، فضلاً عن أن يصمد أمام حديث الشيخين. وقد استدلوا أيضاً بحديث ابن عباس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ لا يَكِلُ طهوره إلى أحد ... » رواه ابن ماجة. ولكن هذا الحديث ضعيف، لأن فيه مطهر بن الهيثم وهو ضعيف. فمثل هذا الحديث والذي قبله لا يصلحان بحال من الأحوال للاستدلال بهما على كراهة المعاونة. وقد ثبت أنه ﷺ استعان بأسامة بن زيد والربيِّع بنت مُعوِّذ وصفوان بن عسال في صب الماء، إضافة إلى حديث المغيرة الصحيح السابق، وهذا كافٍ في إثبات جواز المعاونة في الوضوء. المسألة الثالثة

стр. 433

يجوز للمتوضيء أن يستعمل المنديل لتنشيف الماء عقب الفراغ من الوضوء، كما يجوز له ترك التنشيف، رُوي ذلك عن الحسن بن علي وأنس وعثمان ومالك والثوري وغيرهم. والدليل على جواز التنشيف ما رواه قيس بن سعد قال «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا ... فأمر له سعد بغُسل فوُضع، فاغتسل، ثم ناوله، أو قال ناولوه، ملحفةً مصبوغة بزعفران ووَرْسٍ فاشتمل بها ... » رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. وما رواه سلمان الفارسي «أن رسول الله ﷺ توضأ، فقلب جُبَّة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه» رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. وعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان له خرقة ينشِّف بها بعد الوضوء» رواه الحاكم. والدليل على جواز ترك التنشيف أن ميمونة ﵂ وصفت غسل النبي ﷺ وقالت « ... ثم أُتي بمنديل فلم ينفض بها» رواه البخاري. وفي لفظ ثانٍ له « ... فناولته خرقة فقال بيده هكذا ولم يُرِدْها» . وفي لفظ ثالث له « ... فناولته ثوباً فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه» . ورواه مسلم بلفظ « ... ثم أتيته بالمنديل فردَّه» ورواه أيضاً عن ميمونة ﵂ «أن النبي ﷺ أُتي بمنديل فلم يمسَّه، وجعل يقول بالماء هكذا يعني نفضه» . ما يُستحبُّ له الوضوء ١- النوم: إذا أراد المسلم أن ينام استُحب له أن يتوضأ فينام على وضوء، لما روى البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ «إذا أتيتَ مضجعَك فتوضأ وضوءك للصلاة ... » رواه البخاري ومسلم وأبو داود. ويتأكد استحباب الوضوء قبل النوم للجنب. وإنما قلنا بالاستحباب ولم نقل بالوجوب لما روى ابن عمر عن عمر ﵄ «أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم ويتوضأ إن شاء» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة. ودلالة الحديث واضحة.

стр. 434

٢- ذِكرُ الله : لما روى المهاجر بن قنفذ «أنه سلَّم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ فلم يردَّ عليه حتى توضأ، فرد عليه وقال: إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك إلا أني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهارة» رواه الإمام أحمد. ولما روى أبو جهيم بن الحارث قال «أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَلٍ، فلقيه رجل فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه رسول الله ﷺ ، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه رسول الله ﷺ » رواه أحمد. وبئر جَمَل: هو موضع قرب المدينة. والدليل على أن ذلك مندوب وليس فرضاً هو أن الرسول ﷺ كان يذكر الله أحياناً دون وضوء ويقرأ القرآن - وهو من الذِّكر - دون وضوء، فقد قالت عائشة ﵂ «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وقال علي ﵁ «كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حالٍ، ليس الجنابة» رواه النَّسائي. ورواه الترمذي، وقال (حديثٌ حسنٌ صحيح) . ٣- معاودة الجماع: أي إذا أراد من جامع أهله مرة أن يعاود الجماع قبل أن يغتسل، استُحبَّ له الوضوء، لما رُوي عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أتى أحدُكم أهلَه ثم أراد أن يعود فلْيتوضأ» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ورواه الحاكم والبيهقي بزيادة «فإنه أنشطُ للعَوْد» وهذه اللفظة تفرَّد بها شُعبة والتفردُ من الثقات مقبول. فقول الرسول ﵊ «فإنه أنشط للعَوْد» يصرف الأمر إلى الندب.

стр. 435

وهذا هو ما عليه جمهور المسلمين إلا أهل الظاهر، فقد ذهبوا إلى وجوب الوضوء على المعاود متمسكين بالحديث في روايته الأولى، وهو وقوف جامد على اللفظ غير مقبول ولا مستساغ، أعني به قوله «فلْيتوضأ» الذي يفيد الوجوب عندهم غير ناظرين في الروايات الأخرى. الفصل الحادي عشر المسحُ على الملبوس السَّاتر ما يُلبس على الرأس نستعرض الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بهذه المسألة لنستخلص منها حكم المسح على ملبوس الرأس في الوضوء: أ- عن المغيرة بن شعبة قال «تخلَّف رسول الله- ﷺ وتخلَّفت معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمِطْهَرةٍ فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كُمُّ الجُبَّة، فأخرج يده من تحت الجُبَّة وألقى الجُبَّة على منكبيه، وغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خُفَّيه، ثم ركب وركبتُ، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة، يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحسَّ بالنبي ﷺ ذهب يتأخر، فأومأ إليه فصلَّى بهم، فلما سلَّم قام النبي ﷺ وقمت، فركعنا الركعة التي سبقتنا» رواه مسلم والبخاري. وقد مرَّ. ب- عن بلال «أن رسول الله ﷺ مسح على الخُفَّين والخِمار» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ج- عن عمرو بن أمية قال «رأيت النبي ﷺ يمسح على عِمامته وخُفَّيه» رواه البخاري وابن ماجة وأحمد والدارمي. د- عن المغيرة بن شعبة قال «توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعِمامة» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . هـ- عن ثوبان قال «رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ومسح على الخُفَّين وعلى الخِمار ثم العِمامة» رواه أحمد والحاكم والطبراني وأبو داود.

стр. 436

هذه الأحاديث الخمسة هي التي صحَّت عند أئمة الحديث وحسنت، بحيث كانت صالحة للاحتجاج، نكتفي بها ونضرب صفحاً عن الأحاديث الأخرى التي لم تصح ولم تسلم من المطاعن، لأنَّ هذه الأحاديث الخمسة فيها الكفاية أولاً، وحتى لا يطعن أحد في الحكم الذي نستنبطه منها ثانياً. الحديث الأول يقول «ومسح بناصيته وعلى العِمامة» والحديث الثاني يقول «مسح على الخُفَّين والخِمار» والحديث الثالث يقول «يمسح على عِمامته وخُفَّيه» والحديث الرابع يقول «ومسح على الخُفَّين والعِمامة» والحديث الخامس يقول «ومسح على الخُفَّين وعلى الخِمار ثم العِمامة» . من استعراض هذه النصوص نجد أن المسح المتعلق بغطاء الرأس ورد بثلاث حالات: إحداها المسح على العِمامة أو الخِمار فحسب - الثاني والثالث والرابع - والثانية المسح على الناصية وعلى العِمامة معاً - الحديث الأول - والثالثة المسح على الخِمار والعِمامة معاً - الحديث الخامس - وطبعاً نحن أخرجنا المسح على الخُفَّين لأنه هنا ليس موضع بحثنا.

стр. 437

ونقول إن الأول والثالث والرابع والخامس من الأحاديث ورد فيها لفظ العِمامة، والثاني والخامس ورد فيهما لفظ الخِمار، ليدلَّ ذلك على أن حكم المسح لا يتعلق بالعمائم فقط، بل بكل ما يُلبس على الرأس، وجاءت لفظة الخِمار تعمُّ كل غطاءٍ للرأس، فيدخل في ذلك القَلَنْسُوَةُ والطَّاقيةُ والطربوش وغيرها مما يُلبس على الرأس، والحديث الأول جاء بالمسح على العِمامة وعلى الناصية معاً، والحديث الخامس جاء بالمسح على العِمامة وعلى الخِمار. ومن هذين الحديثين يؤخذ حكمان: الأول أنه لا يجب في ملبوس الرأس الذي يُمسح عليه أن يغطي كامل الرأس ويواري جميع الشعر بدليل ورود المسح على الناصية لأنها كانت ظاهرة غير مغطاة، والثاني أن المسح على العمامة لا يكفي بل لا بد من المسح على بقية الرأس مما لم تغطِّه العِمامة. وأخيراً يُفهم من هذه النصوص حكم جواز المسح على العمائم في الوضوء وكل نص من هذه النصوص يفيد هذا الحكم. وقد مرَّ في بند مسح الرأس في الوضوء أن المسح المُجْزيءَ للرأس ينبغي أن يكون لجميع الرأس، واستدللنا من ضمن ما استدللنا به بالحديث الذي يقول بالمسح على الناصية وعلى العِمامة معاً، فلو كان مسح بعض الرأس يُجْزيء لمسح الرسول ﵊ على الناصية فحسب ولما مسح على العِمامة، أو لَعَكَس فمسح على العِمامة دون الناصية فكونه مسح عليهما معاً فهو دليل على مشروعية مسح الرأس كله، سواء كان مكشوفاً أو مغطَّى، أو مكشوف الجزء ومغطَّى الجزء الآخر، إذ لا بد من أن يُمِرَّ يديه على رأسه كله دون اعتبارٍ للغطاء أو عدمه.

стр. 438

هذه الأحكام استخلصناها من النصوص الصالحة للاستدلال، وهو استخلاص بيِّن الصحَّة، ولا ينبغي العدول عنه والقول بسواه. والمسح على العِمامة كان معلوماً لدى صحابة رسول الله ﷺ ، فقد روى ابن أبي شيبة «أن أبا بكر وأبا موسى وأبا أمامة وأم سلمة قد مسحوا على العِمامة والخِمار، وأن عمر وسلمان قد أمرا بالمسح» . وقال الترمذي (وهو قول غير واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس) ورواه ابن حجر في فتح الباري عن الطبري وابن خُزَيمة وابن المنذر، وهو رأي أحمد والأوزاعي ومالك وإسحق وأبي ثور وداود بن علي وابن حزم. وتوقف الشافعي في هذه المسألة وقال: إن صح الخبر عن رسول الله ﷺ فبه أقول. وقد صح الخبر، فوجب ضم الشافعي إلى أصحاب هذا الرأي، أو على الأقل إخراجه من الفريق المعارض. وقد اختلف الأئمة في مشروعية الاقتصار على مسح العِمامة، فذهب سفيان الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو حنيفة إلى عدم جواز الاقتصار على مسح العِمامة، وأنه لا بدَّ مع مسحها من مسح جزء من الرأس، واحتجُّوا بأن الله سبحانه فرض المسح على الرأس، والحديث في العِمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العِمامة ليس بمسح على الرأس.

стр. 439

فنقول إن هذا القول هو رفضٌ للمسح على العِمامة من أساسه، لأن قولهم إن المسح على العِمامة ليس بمسحٍ على الرأس، واضح فيه الرفض، إضافة إلى أن وجوب مسح جزء من الرأس مع مسح العِمامة هو رفضٌ آخر له، لأنهم يجيزون مسح الجزء من الرأس على إطلاقه، وهذا الرفض منهم مناهضٌ للنصوص الواضحة الصريحة، وهو إِعمالٌ للعقل فيما قال فيه الشرع قوله. فالمسح على العِمامة جائز ومشروعٌ في الوضوء، فإن كانت العِمامة تغطي جميع الرأس اكتُفي بمسحها وحدَها، وإن كانت تغطي جزءاً وتكشف جزءاً مُسح عليها وعلى الجزء المكشوف، ولا يُجْزيء مسح الجزء المكشوف فقط. قال ابن القيم (إنه لم يصح عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته أكمل على العِمامة) . أما كيفية المسح على العِمامة فإن ما قلناه عن مسح شَعَر الرأس نقوله عن مسح العِمامة تماماً، فالواجب إمرار اليدين على سائر العِمامة دون أن يصل البللُ بالضرورة إلى كل جزء منها، لأن المسح من شأنه عدمُ الاستيعاب كما ذكرنا من قبل، وما قلناه ينطبق على النساء كما ينطبق على الرجال سواء بسواء، فالرجل يمسح على ما يعتاده من غطاء الرأس، والمرأة تمسح على ما تعتاده من غطاء رأسها. أما هل يُمسح على العِمامة إذا لُبست على طهارة فحسب، أم يمسح عليها إطلاقاً؟ وهل للمسح على العِمامة توقيت؟ فالجواب أنه لم يرد نصٌّ من القرآن أو الحديث أو إجماعُ صحابةٍ على أيٍّ من الأمرين، فالمسلم فيهما في سعة من الأمر، وأنا لا أقول بقول ابن قُدامة وأبي ثور من اشتراط الطهارة قبل لبس العِمامة إذا أريد المسح عليها قياساً على الخفين، لأنه لا يصح هنا القياس، فالعبادات غير معلَّلة، ولا يصح فيها القياس إلا إذا جاءت معلَّلة، وهنا لم يجيء المسح معلَّلاً. ما يُعْصَب على الجُرح والجَبيرة

стр. 440

يتناول هذا البحث ما يُعصب على الجرح من لفائف القطن وأنواع القماش وغيره، وما يُلفُّ به العضو المكسور من قماش وخشب وغير ذلك، وهو المسمى بالجبيرة وجمعها جبائر. إنَّ الواجب في اللفائف أن لا تزيد على موضع الجرح أو الكسر إذا أريد المسح عليها إلا ما تقتضيه الضرورة والعادة ويتطلبه الشدُّ والتثبيت، وهذه العصائب واللفائف إن كانت على عضو من أعضاء الوضوء مسح عليها كالمسح على الخف، وإن كانت على غير أعضاء الوضوء كأن كانت على الصدر أو الساق أو العضد فهي غير داخلة في هذا البحث. وهذه المسألة لم يرد فيها حديث صحيح سوى حديث جابر الوارد في الغسل وهو: عن جابر ﵁ قال «خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشجَّه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله، أَلاَ سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود والبيهقي. وصحَّحه ابن السكن. أما ما قال عليٌّ ﵁ «انكسرت إحدى زنديَّ فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر» رواه ابن ماجة. ففيه عمرو بن خالد كذَّبه أحمد وابن معين، وقال البخاري (منكر الحديث) . وحديث جابر وإن كان في الغُسل إلا أنه يصلح للاستدلال به على الوضوء، لأن الغُسل والوضوء شيء واحد فيما يتعلق بالجبيرة، والحديث يقول «يتيمَّم ويعصر أو يعصب على جُرحه خِرقة ثم يمسح عليها» فالجرح إذا غُطِّي بلفافة أو جبيرة مسح عليها بدل غسله، وينتقض وضوؤه بنزعها. والمسح على الجبيرة والعصابة يختلف عن المسح على الخف من ثلاث نواحٍ:

стр. 441

إحداها: أنه لا يجب للمسح على الجبيرة أن تكون موضوعة على طهارة كما هو الحال في الخُفِّ. الثانية: أنه لا وقت للمسح عليها بخلاف المسح على الخُفِّ فإنه مؤقَّتٌ بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. والثالثة: أنه لا بد من التيممِّ عند المسح على الجبيرة بخلاف المسح على الخُفِّ الذي لا يجب معه التيمُّم. أما أنه لا يجب أن تكون الجبيرة موضوعة على طهارة، فلأن حديث جابر لم يشترطها، ولو كانت لازمة لذكرها، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأن الغاية من المسح عليها إنما هي منع الضرر من وصول الماء في الغُسل وفي الوضوء إلى الكسر أو الجرح، وهذه الغاية لا تتحقق بإلزام صاحب الجبيرة بتطهير الجرح بالماء قبل لفِّه بها، إذ لو وجب تطهيرُ الجرح بالماء لما كانت هناك حاجة للمسح أصلاً، ويستوي في هذا أن يكون التطهير المقصود هو إزالة نجاسة الدم أو أن يكون قد أُصيب وهو على وضوء، فكل ذلك لا يلزم، لأن من تكسر يده أو تجرح قد يحصل ذلك له وهو على غير وضوء، ولو كانت الطهارة لازمة لوجب أن نطلب منه أن يتوضأ ويغسل جرحه في أثناء الوضوء قبل أن يضع الجبيرة أو اللفافة، وهذا ينافي الغاية من المسح. وإذن فإنَّ مَن كان على غير وضوء إذا جُرح عَصَب على موضع الأذى ومسح عليه وتيممَّ، ولا يجب عليه إيصال الماء لجرحه لتنظيفٍ أو لوضوء. وأما أنه لا وقت للمسح عليها فللغاية السابقة نفسها، إذ لا توقيت لشفاء الجرح أو جبر الكسر بوقت معلوم، فالتوقيت يتنافى مع الغاية من المسح، فما دام الجرح جرحاً والكسر كسراً والماء يضرُّهما فإنه يتيمَّم ويمسح حتى تزول العلة ويتم الشفاء. وأما أنه لا بد من التيمُّم، فواضحٌ من حديث جابر، فقد أضافه إلى المسح على الجرح.

стр. 442

وقد رُوي عن الشافعي اشتراط أن توضع الجبيرة أو العصابة على طُهر، وكذلك رُوي عن أبي حنيفة، واختلفا فيما سوى ذلك، فذهب الشافعي إلى أن الجبيرة إنْ وضعت على غير طهارة لا يُمسح عليها ويلزم لها التيمُّم، وذهب أبو حنيفة إلى أن الجبيرة إن وضعت على غير طهارة لا يمسح عليها ولا تحلُّ بل تسقط كعبادةٍ تعذَّرت، ولأن الجبيرة كعضوٍ آخر، وآية الوضوء لم تتناول ذلك، واعتذر عن حديث جابر بأن فيه مقالاً، فنقول: أما قول الشافعي إنه لا يمسح عليها ويلزمه التيمُّم فقط، فإن حديث جابر يردُّ عليه، وحديث جابر لم يذكر إن كان الجرح قد عُصب على طهارة أو لا، مما يدلُّ على عدم الفارق بينهما، ولم يُسأل الرسول ﷺ عن ذلك ولم يبينِّه، فلا فرق إذن بين أن يكون وضع العصابة على طهارة أو غير طهارة، فالتفريق بينهما تحكُّمٌ بالنصِّ بدون وجه حق. وأما قول أبي حنيفة إنها عبادة تعذَّرت فسقطت فكذلك حديث جابر يردُّ عليه، إذ لو سقطت هذه العبادة لما أمر الرسول ﷺ بالتيمُّم لها وبالمسح عليها، وأما أنه اعتذر عن حديث جابر بأن فيه مقالاً أو ضعفاً - والمقصود بالضعف هنا أنَّ في سنده الزبير بن مخارق - فإن ابن السكن قد صحَّح هذا الحديث، وابن حِبَّان قد ذكر الزبير في الثقات، فيصلح للاستدلال. والخلاصة أن الجبيرة توضع على الموضع حال الحاجة إليها دون وجوب تطهير الموضع بالماء، أو الوضوء وغسل الموضع في أثنائه، وإذا وضعت وأريد الغُسل أو الوضوء وجب التيمُّم ومسحها وإتمام الغسل وإتمام الوضوء فيما سوى ذلك. ما يُلبس في القدم

стр. 443

وهو الحذاء أو النعل، والخُفُّ، والجُرموق، والجورب. أما الحذاء فمعلوم، وأما الخُفُّ فهو نعلٌ من جلد يغطي الكعبين، والجُرموق أكبر من الخُفِّ يُلبس فوقه، وأما الجَوْرب فقال صاحب القاموس: هو لِفافة الرِّجل. وقال ابن العربي: هو ما يلبسه أهل البلاد الشديدة البرد من غزل الصوف. فعن خالد بن سعد قال «كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له من شعر ونعليه» رواه عبد الرزاق. وروى ابن أبي شيبة «عن عُقبة بن عمرو أنه مسح على جوربين من شعر» . وجامع هذه الأسماء هو ما يلبسه الشخص في رجله من حذاء أو شبهه مما يستر به قدمه ويدفئها ويسِّهل عليها المشي، لا فرق بين أن يكون الملبوس من جلد أو صوف أو كتان أو مواد صناعية حديثة، ولا فرق بين أن يكون صلباً أو ليناً ما دام يستر القدم ويدفئها ويُسهِّل عليها المشي. وإنما قلنا بالستر والتدفئة والتسهيل لأن العادة جرت بأن تتوفر هذه الأوصاف في ملبوس القدم. وهذه الملبوسات منها ما يكون متيناً يتحمل وعورة الأرض في أثناء السير كالنعال، ومنها ما يكون أدنى من ذلك مما يكون من جلدٍ ناعم رقيق أو شعر أو وبَر أو صوف أو قماش، ومنها ما يكون واسعاً يُلبس على غيره، ومنها ما يكون ضيقاً يلبس عليه غيره، وكل هذه الأشياء تدخل في بحث المسح.

стр. 444

وقد وردت مشروعية المسح على الأحذية في السنة النبوية المطهرة، ونُقلت عن جمهرة الصحابة واشتهرت في هذه الأمة الإسلامية شهرة واسعة. قال النووي (قد روى المسح على الخفين خلائقُ لا يُحصَوْن من الصحابة) وقال إبراهيم النخعي (مسحَ على الخفين من أصحاب رسول الله ﷺ عمرُ بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وأبو مسعود الأنصاري وحذيفة والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب) رواه ابن أبي شيبة. وقال ابن حجر (قد صرَّح جمعٌ من الحُفَّاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضُهم رواتِه فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة) وقال أحمد: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة. وقال ابن المبارك (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب النبي ﷺ أنه كره المسح على الخفين، فقد رُوي عنه غير ذلك) ذكره ابن المنذر، وقال ابن عبد البَر: لا أعلم من روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك مع أن الروايات الصحيحة مُصرِّحة عنه بإثباته. أما ما رُوي عن عائشة وأبي هريرة من إنكار المسح فقال ابن عبد البر: لا يثبت. وقال أحمد: لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل. وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي ﵁ من القول بعدم المسح فمنقوض بما روي من طريق صحيحة عن علي من القول بالمسح، فعن شريح بن هانيء قال «أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم» رواه مسلم والنَّسائي.

стр. 445

ورغم كل ما سلف فقد ذهب أبو بكر بن داود الظاهري وغيره إلى إنكار المسح على الخفين، واستدلوا على دعواهم بآية المائدة التي ذكرت الوضوء وفيه غُسل الرِّجلين، وأمره ﷺ بالغسل «واغسل رِجلك» وقوله بعد غُسل الرِّجلين «لا يقبل الله الصلاة من دونه» ، وقوله «ويل للأعقاب من النار» ، وردوا أحاديث المسح بالقول إنها منسوخة بآية المائدة. وهؤلاء قد أخطأوا خطأً كبيراً وتعسَّفوا في الاستنباط والاستدلال. ولقد أحسن الشوكاني في الرد عليهم بقوله (أما الآية فقد ثبت عنه ﷺ المسح بعدها كما في حديث جرير المذكور في الباب، وأما حديث «واغسل رِجلك» فغاية ما فيه الأمر بالغسل وليس فيه ما يشعِر بالقصر، ولو سلم وجود ما يدل على ذلك لكان مخصصاً بأحاديث المسح المتواترة، وأما حديث لا يقبل الله الصلاة بدونه فلا ينتهض للاحتجاج به، فكيف يصلح لمعارضة الأحاديث المتواترة مع أنَّا لم نجده بهذا اللفظ من وجه يُعتدُّ به، وأما حديث «ويل للأعقاب من النار» فهو وعيد لمن مسح رجليه ولم يغسلهما، ولم يَرِد في مسح الخفين، فإن قلت هو عام فلا يقصر على السبب، قلت لا نسلِّم شموله لمن مسح على الخفين، فإنه يدع رجله كلها ولا يدع العقب فقط، سلَّمنا، فأحاديث المسح على الخفين مخصصة للماسح من ذلك الوعيد، أما دعوى النسخ فالجواب أن الآية عامة مطلقة باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصصة أو مقيدة، فلا نسخ ... ) .

стр. 446

وقال ابن حجر في فتح الباري (إن آية المائدة نزلت في غزوة المُرَيْسيع، وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك، وتبوك متأخرة بالاتفاق) . وصرَّح أبو داود ومالك بأن حديث المغيرة في غزوة تبوك، وكذلك صرح الشافعي في مسنده. وروى البزَّار والطبراني وأحمد عن عوف بن مالك قال «أمرنا رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم» . أما حديث جرير وحديث المغيرة اللذان وردا في قولي الشوكاني وابن حجر فسنُوردهما بإذن الله مع غيرهما من الأحاديث الشريفة للتدليل على مشروعية المسح على الخفين. ١- عن همام قال «بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والنَّسائي والترمذي. ٢- عن عبد الرحمن بن أبي نُعم عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي» رواه أبو داود بإسناد صحيح. ٣- عن المغيرة بن شعبة عند مسلم بلفظ « ... فغسل ذراعيه ومسح برأسه، ثم أهويتُ لأنزع خُفَّيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما» . ٤- عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ «أنه مسح على الخفين، وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئاً سعدٌ عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره» رواه البخاري وأحمد وابن خُزَيمة ومالك. ٥- عن المغيرة قال «توضأ النبي ﷺ ، ومسح على الجوربين والنعلين» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . ورواه ابن ماجة. ٦- وسبق في بحث ما يُلبس على الرأس أحاديث بلال وثوبان وعمرو بن أمية.

стр. 447

هذه الأحاديث الصحيحة تفيد مشروعية المسح على الخفين والنعلين والجوربين، وهذا صار معلوماً عند الفقهاء السابقين والمتأخرين، فلا يؤبه بقول من خالف ذلك، ويكفي حديث جرير دليلاً على أن الآية لا تفيد النسخ لأن جريراً متأخر الإسلام، فقد روى أبو داود حديث جرير وزاد «قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة؟ قال: ما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة» . وروى الطبراني عن جرير قال «رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول المائدة» . فهذا الحديث متأخر عن آية المائدة القائلة بغسل الأرجل، فلا تكون ناسخة له قطعاً، وكذلك حديث المغيرة متأخر عن نزول سورة المائدة لوقوعه في غزوة تبوك، ذكر ذلك أبو داود. وكذلك ما رواه عوف بن مالك عند البزَّار والطبراني وأحمد « ... أَمَرَنا رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ... » وقد مرَّ قبل قليل بتمامه، قال أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين. وحسَّنه البخاري. وقال الهيثمي (رجاله رجال الصحيح) وهو نصٌّ في وقوع المسح في غزوة تبوك. ثم إن مالكاً روى في الموطأ حديث المغيرة «عن المغيرة بن شُعبة أن رسول الله ﷺ ذهب لحاجته في غزوة تبوك ... فغسل يديه ومسح برأسه ومسح على الخفين ... » فهذا أيضاً نص صريح، فلا معنى للقول بنسخ الآية الكريمة لهذه الأحاديث، لأن المتقدم - وهو هنا الآية الكريمة - لا ينسخ المتأخر - وهو هنا الأحاديث - هذا في المسح عموماً.

стр. 448

أما المسح على الجوربين بشكل خاص فقد توقف فيه بعض العلماء والفقهاء، منهم أبو حنيفة طيلة حياته إلا في الأسبوع الأخير، فقال بجواز المسح على الجوربين، وقال لعُوَّاده قبل موته بثلاثة أيام أو بسبعة: فعلت ما كنت أنهى عنه. إلا أن جمهرة العلماء والأئمة جوَّزوا المسح على الجوربين، ونُقل ذلك عن جمهور الصحابة. قال أبو داود (ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس) ورُوي المسح على الجوربين عن عمار وبلال بن عبد الله وابن عمر، وقال الترمذي (وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكن نعلين إذا كانا ثخينين) . أما توقيت المسح على الأحذية والنعال فنذكر له الأحاديث التالية: ١- حديث عوف بن مالك المار قبل هنيهة، وفيه «ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم» . ٢- عن القاسم بن مخيمِرة عن شريح بن هانيء قال «أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم» رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة والنَّسائي. ٣- عن صفوان بن عسَّال قال «أمَرَنا - يعني النبي ﷺ - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهر، ثلاثاً إذا سافرنا ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة» رواه أحمد وابن خُزَيمة. وفي روايةٍ لأحمد والترمذي والنَّسائي « ... إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» . قال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) وقال (قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان) .

стр. 449

٤- عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ «أنه رخَّص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة إذا تطهَّر ولبس خُفَّيه أن يمسح عليهما» رواه الدارقطني وابن خُزَيمة والطبراني وابن حِبَّان والبيهقي. وصححه الشافعي والخطَّابي وابن خُزَيمة. وقال البخاري (حديث أبي بكرة حديث حسن) . ٥- عن خُزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ قال «المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة» رواه أبو داود وأحمد. ورواه الترمذي وصححه، وكذلك صححه يحيى بن معين. فهذه الأحاديث الخمسة الصحيحة تبين أن مدة المسح على الأحذية للمقيم في الحضر يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ومع ذلك فقد اختلف العلماء والأئمة في توقيت المسح، فذهب مالك والليث إلى أنه لا وقت للمسح على الخفين، وأن للمسلم أن يمسح ما بدا له من وقت سواء في ذلك المسافر والمقيم، وروي مثل ذلك عن عمر في رواية، وابنه عبد الله وعقبة بن عامر والحسن البصري. وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه وداود والطبري إلى التوقيت، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وحذيفة والمغيرة وأبي زيد الأنصاري وعمر في الرواية الثانية، ومن التابعين شريح القاضي وعطاء والشعبي وعمر ابن عبد العزيز. قال ابن عبد البر: أكثر التابعين والفقهاء على ذلك. وأدلة هؤلاء هي الأدلة التي ذكرناها من قبل.

стр. 450

أما أدلة النافين للتوقيت، فمنها ما أخرجه أبو داود من حديث أبيِّ بن عمارة، أنه قال «يا رسول الله أمسحُ على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: يوماً: قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت» وفي رواية له «حتى بلغ سبعاً، قال رسول الله ﷺ : نعم وما بدا لك» وما رواه ابن حِبَّان عن خُزَيمة بن ثابت أنه قال «رخَّص لنا رسول الله ﷺ أن نمسح ثلاثاً، ولو استزدناه لزادنا» وما رواه ابن حِبَّان وابن ماجة « ... ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً» . حديث أبي داود من طريق ابن عمارة ضعيف، قال أحمد: رجاله لا يُعرفون. وقال الدارقطني (هذا إسناد لا يثبت، وفي إسناده ثلاثة مجاهيل) وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم. وقال أبو داود (إسناده ليس بالقوي) وعدَّه الجوزجاني في الموضوعات. وأما حديث خزيمة بن ثابت بالزيادة المذكورة فلا تقوم به حجة، لأن الزيادة على التوقيت مظنونة، فقوله «ولو استزدناه لزادنا» وقوله «ولو مضى السائل على مسألته» صريح في أنهم لم يسألوا ولم يُزادوا، فلا يصلح للاستدلال على عدم التوقيت. فمثل هذه النصوص الضعيفة وغير المفيدة لمزيدِ رأي لا تصمد أمام الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرت التوقيت، فيسقط قولهم ويثبت قول القائلين بالتوقيت. أما بدء مدة المسح، فمن حين الحدث وهو لابس وليس من حين المسح، لأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتُبر أول وقتها من حين جواز فعلها وليس من حين المسح، وإن كان القول الآخر محتملاً، وليست لدينا نصوص ناطقة بترجيح أيٍّ من الرأيين.

стр. 451

والواجب عند المسح على النعال والخفاف أن تكون ملبوسة على طهارة، أي على وضوء، والأدلة على ذلك حديث صفوان بن عسَّال السابق وفيه «نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهْر» وحديث المغيرة الأسبق وفيه «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» ورواه أبو داود بلفظ «دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان، فمسح عليهما» فهذه النصوص تدل على اشتراط الطهارة عند اللبس، ومقتضاه أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي عدم المسح. وهذا رأي مالك والشافعي وأحمد وإسحق. وخالفهم أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني وأبو ثور وداود، إذ قالوا يجوز اللبس على حدث ثم يكمل طهارته، وحملوا الأحاديث السابقة على اشتراط الطهارة من النجاسة، وليس الطهارة من الحدث. نعم إن لفظ الطهارة يشمل رفع الحدث ويشمل إزالة النجاسة ويشمل غيرهما، وإن القرينة هي التي تعين المعنى المقصود، وهنا القرينة ورود النصوص في موضوع الوضوء والمسح له، وليس في موضوع التطهُّر من النجاسات وغيرها، فكون النصوص جاءت في موضوع الوضوء فهي قرينة على أن المراد من الطهارةِ الطهارةُ من الحَدَث لا غير، ولا قرينة لديهم على صرف الطهارة إلى إزالة النجاسة، وإنما هو تعيين بدون معيِّن وتحديد بدون محدِّد. واختلف الأئمة في حالة غسل الرجل اليمنى في الوضوء ولبس الخف قبل أن تُغسل الرجل اليسرى ويُلبس الخف الأيسر، هل يجوز مستقبلاً لمن فعل ذلك أن يمسح على خفيه؟ على رأيين الأصح منهما أنه لا يجوز، لأنه بفعله هذا يكون قد لبس الخف الأيمن قبل تمام الطهارة أي قبل تمام الوضوء، في حين أن الواجب على الماسح على الخفين أن يكون قد أدخل رجليه الخفين على طهارة، والطهارة لا تكون قبل اكتمال الوضوء. وقد نصر ابن حجر والنووي هذا الرأي خلافاً للثوري والمزني وابن المنذر. ويَبطُل المسح على الخفين ومن ثم الوضوء بثلاثة أمور:

стр. 452

أولها: خلع الخفين أو أحدهما ولو لحظة، ويندرج تحته تمزُّق الخف وتخرُّمه بحيث لا يعود يصلح للبس عادة. وخالف المزني وأبو ثور فقالا إنْ نَزَع الخفين غسَل قدميه وصح وضوؤه، وكذا قال مالك والليث إلا إنْ تطاول النزع، وقال الحسن وابن أبي ليلى وغيرهما ليس عليه غسل قدميه ويظل وضوؤه صحيحاً، وقاسوه على من مسح رأسه ثم حلقه أنه لا تجب عليه إعادة المسح، ويظل وضوؤه صحيحاً. وهذا قياس لا يصح، وذلك أن الشعر لا يلبس، ولا يخلع ليعاد لبسه بخلاف الخف الذي من شأنه اللبس والنزع، ثم إن الشعر جزء من الرأس بخلاف الخف، فالواقعان مختلفان، ثم إنَّ القياس في العبادات لا يصح إلا أن وُجدت علةٌ ظاهر. وعلق ابن حجر على هذا القياس بقوله (فيه نظر) . وثانيها: انقضاء مدة المسح التي ذكرناها آنفاً.

стр. 453

وثالثها: الجنابة، لحديث صفوان السابق وفيه «ولا يخلعهما إلا من جنابة» وإذا كان المسلم يلبس خفاً فوقه حذاء ومسح على الحذاء ثم خلعه وبقي الخف بطل وضوؤه، لأن شرط بقاء الوضوء بقاء الممسوح عليه، وإن كان يلبس خفاً ومسح عليه، ثم لبس فوقه خفاً آخر أو حذاء استمر وضوؤه، وإذا كان الخف شديد التَّخرُّق لا يصلح للمسح ولبس فوقه خفاً آخر شديد التَّخرُّق بحيث صار من الخفين المتخرِّقين ملبوس ساتر جاز المسح عليهما وبطل الوضوء بنزع أحدهما، وإنما قلنا (شديد التَّخرُّق) تقييداً، حتى لا نُخرج الأحذية ذات الخروق اليسيرة المعتادة، فالخف أو الحذاء أو الجورب أو النعل إن كانت بها خروق معتادة جاز المسح عليها ما دامت تُلبس عادة. قال الثوري: كانت خِفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ولنقل عنهم. وإن كان الخف غير ساتر لمحل الفرض كأن يكون حذاء دون الكعبين لا يصح المسح عليه، لأن الجزء المكشوف من القدم يجب غسله في الوضوء، والخف يمسح عليه، ولا يجتمع غسلٌ ومسحٌ لعضو واحد في الوضوء، والواجب حينئذ خلع الحذاء وغسل الرِّجل. أما كيفية المسح على الخفين فنورد لها الأحاديث التي عالجتها، ونبيِّن الحكم الصحيح المستفاد منها بعون الله: ١- عن علي ﵁ قال «لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه» رواه أبو داود والدارقطني. ٢- عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة «أنَّ رسول الله ﷺ كان يمسح على ظهر الخفين» رواه أبو داود وأحمد. ورواه الترمذي وحسَّنه ولفظه «رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما» .

стр. 454

٣- عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة ابن شعبة «أن رسول الله ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد والترمذي والدارقطني. الحديث الأول حسَّنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وصححه في التلخيص. والحديث الثاني قال البخاري عنه في كتابه التاريخ (هو بهذا اللفظ أصح من حديث رجاء بن حيوة) أي الحديث الثالث. وعن الحديث الثالث قال الأثرم عن أحمد إنه كان يضعِّفه، وقال نعيم بن حماد: اضربوا على هذا الحديث. وقال أبو داود (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء) فهو إذن منقطع، فالحديث لا يصلح للاحتجاج. يبقى الحديثان الأول والثاني فحسب، وهذان الحديثان يفيدان المسح على ظاهر الخف، وليس فيهما المسح على باطنه. وممن ذهب إلى ذلك وأن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه أو أسفله: الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد بن حنبل. وذهب مالك والشافعي والزهري وابن المبارك إلى مسح الظهور والبطون، ورُوي عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن عبد العزيز، إلا أن الشافعي ومالكاً قالا: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه. وقالا: من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يُجزئه وكان عليه الإعادة وليس هو بماسح. فيكون مالك والشافعي يحملان رأي أبي حنيفة وأحمد نفسَه، وهو أن المسح المشروع المُجْزيء هو مسح ظاهر الخفين فحسب. والخلاف إنما هو في مسح الباطن، فعند أحمد وأبي حنيفة لا يُمسح، وعند مالك والشافعي يُمسح استحباباً فقط، فالخلاف يسير. وكما سبق فإن الأحاديث الواردة الصالحة للاحتجاج لا تفيد سوى مسح الظاهر دون الباطن، وأن مسح الباطن لم يرد فيه حديث صحيح يُعتدُّ به. وأما ما روى الشافعي والبيهقي عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله فهو فعل صحابي وليس هو بدليل، ولا يصلح إلا عند من يريد تقليد ابن عمر في هذه المسألة والأصل الوقوف عند الأدلة.

стр. 455

أما كيف يمسح ظاهر الخف فأبو حنيفة يوجب مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد. وأحمد يوجب مسح أكثر الخُفِّ. والشافعي لم يحدد وقال: الواجب ما يسمَّى مسحاً. وابن عقيل قال: سنَّة المسح أن يمسح خفيه بيديه، اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى. وهو ما أقول أنا به. والدليل هو ما روي أن المغيرة ذكر وضوء النبي ﷺ فقال « ... ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» رواه الخلاَّل. ذكر ذلك صاحب المغني. أما قدر الممسوح من ظاهر الخف فليس في الأحاديث تحديد له، ولذا فإن رأي الشافعي في هذا الأمر هو الأصح، وهو أن يمسح قدراً من ظاهر الخف يصح به القول إنه مسح ظاهر الخف، والأَوْلى والأكمل أن يمسح جميع الظاهر خروجاً من الخلاف وأخذاً بالأحوط. مسألة المسح على الخفين والجوربين والنعلين خاص بالوضوء دون الغُسل، بمعنى أن الغسل من الجنابة لا يصح فيه مسح الخفين مطلقاً، لا أعلم أحداً خالف ذلك، وادَّعى ابن حجر الإجماع فيه، ومثله المسح على العمامة وما يلحق بها كالطاقية والقلنسوة والطربوش، أما المسح على الجبيرة وعصابة الجرح فعامٌّ في الغُسل والوضوء. الفصل الثاني عشرنواقض الوضوء ١) الخارج من السبيلين الخارج من السبيلين يشمل: أ- البول من القُبُل، والبراز أو الغائط من الدُّبُر. ب- المني من القبل. ج- المذي من القبل. د- الودي من القبل. هـ- الريح - وهو الفُساء أو الضراط- من الدُّبُر. والأدلة على كل ذلك ما يلي: أ. البول والغائط:

стр. 456

١- عن صفوان بن عسَّال قال» كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي وأحمد والنَّسائي. وقال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) . وقد مرَّ في بحث [ما يُلبس في القدم] في [الفصل الحادي عشر] بلفظ أحمد. ٢- عن همَّام قال «بال جرير ثم توضأ ومسح على خُفَّيه فقيل: تفعل هكذا؟ فقال نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه» رواه مسلم وأبو داود أحمد والنَّسائي والترمذي. وقد مرَّ. ٣- قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الغَائِطِ﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. الحديث الأول نصٌّ في البول والغائط، والحديث الثاني نصٌّ في البول، والنص الثالث يتناول البول كما يتناول البراز، لأن الغائط هو المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة، وهي تشمل البول والبراز. والبول والغائط كناقِضَيْن معلومان من الدين بالضرورة لا يختلف فيهما مسلمان، ووجه الدلالة في كل نص واضح. ب. المني: المني ليس ناقضاً للوضوء فحسب بل هو ناقض أيضاً للطهارة الكبرى ويُوجب الغُسل. وقد مرَّ بحثه في بحث [الجنابة] في [الفصل التاسع] . ج. المذي: الأدلة على أن المذي ناقض للوضوء هي: ١- عن سهل بن حنيف قال «كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أُكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما يُجْزِيك من ذلك الوضوء ... » رواه أبو داود وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) . ٢- عن علي بن أبي طالب ﵁ قال «كنت رجلاً مذَّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء» رواه البخاري ومسلم، وفي روايةٍ لمسلم «يغسل ذَكَره ويتوضأ» وسيأتي في بحث القيء حديث ابن جُرَيج الدال على أن المذي ينقض الوضوء. د. الودي:

стр. 457

دليله دليل البول لأنه يقطرُ من الذَّكَر عُقَيْبَ البول مختلطاً به. وعن ابن عباس ﵁ قال «المني والمذي والودي، فالمني منه الغُسل، ومن هذين الوضوء، يغسل ذَكَره ويتوضأ» رواه البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة عن عائشة مثله، وأقوال الصحابة أحكام شرعية يصح أخذها وتقليدها. هـ. الريح: الأدلة عليه ما يلي: ١- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تُقبل صلاةُ مَن أحدث حتى يتوضأ، قال رجل من حضرموت: ما الحَدَثُ يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضراط» رواه البخاري وأحمد ومسلم. قوله لا تُقبل: أي لا تُجْزِيء ولا تصح. ٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخَرَج منه شيء أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» رواه مسلم والترمذي وأبو داود. وروى البخاري ومسلم قريباً منه من طريق عباد بن تميم عن عمه. ٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) . ورواه أحمد وابن ماجة. مسألة البول والغائط ناقضان للوضوء، سواء خرجا من السبيلين أو من غيرهما، فقول الحديث «لكن من غائط وبول ونوم» مطلق غير مقيد بالسبيلين، ولذا لو أُجرِيَتْ لمريضٍ عمليةُ شقِّ البطن وركبَّ الطبيب له أنبوباً لإخراج البول أو الغائط من البطن عن طريقه، فإن البول والغائط الخارجين منه ينقضان وضوء المريض. فالبول والغائط ناقضان على إطلاقهما. ٢) خروج الدم

стр. 458

الدم إما أن يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، أو من الدبر في حالة المرض بالباسور أو غيره، أو من الفم في حالة مرض السُّل مثلاً، أو من الأنف وهو ما يسمى بالرعاف، أو من سائر أعضاء البدن، فإنَّ هذا الدم الخارج كلَّه ناقض للوضوء. والدليل على ذلك ما روت عائشة ﵂ أنها قالت «جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ورواه الترمذي وزاد «قال أبو معاوية في حديثه: وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» . كما روى الأمر بالوضوء لكل صلاةٍ أحمد والدارمي. وقد سبق إثبات وجوب الوضوء للمستحاضة في بحث [المستحاضة وأحكامها] في [الفصل التاسع] فيراجع هناك. وهنا نَعرض لخروج الدم من عموم البدن سواء من الفرج أو غيره فنقول: ذهب إلى أن خروج الدم من البدن ناقض للوضوء أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تلميذاه، وأحمد بن حنبل وإسحق، فيما ذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيِّب ومكحول وربيعة - ورُوي عن ابن عباس وأبي هريرة - إلى أن الدم غير ناقض. والذي يترجح لدينا هو أن خروج الدم من أي جزء من البدن ناقض للوضوء، بدليل حديث عائشة المذكور. أما وجه الاستدلال به على دعوانا فهو أن الحديث يقول «إنما ذلك عِرق» أي أن دم الاستحاضة هو دم نازف من عِرق، ومع هذا الوصف أمرها الرسول ﵊ بأمرين: أن تغسل الدم «فاغسلي عنك الدم» وأن تتوضأ «وتوضئي لكل صلاة» . وإذن فإن الدم إن هو خرج من أيِّ عِرقٍ بدليل تنكير (عِرق) فإن الواجب فيه أن يُغسل، والوضوء. أما الغُسل فلأنه نجس، وأما الوضوء فلأنه ناقض.

стр. 459

ولا يقال إن هذا في موضوع الاستحاضة فيقصر عليه، أو يقال إن هذا الدم خرج من الفرج فيقصر عليه، لا يقال ذلك لأن العبرة بألفاظ الحديث وهي تفيد العموم، وهذه الألفاظ وصفت الدم بأنه من عِرق، وحيث أن أي دم ينزف من البدن إنما يخرج من عِرق مقطوع، فإنه يدخل تحت هذا الوصف ويأخذ حكمه، وهذا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب تطبيق العام على أفراده. فالحديث يشمل دم الاستحاضة ودم الجروح ودم الرعاف سواء بسواء، لأن كل ذلك دم عرق، ودم العِرق يُغسل ويَنقُض. هذا هو وجه الاستدلال وهذا هو وجه الفقه فيه. أما أن يقال إنه خرج من الفرج فلا يقاس عليه غيره فهو خطأ، لأن الحديث لو لم يذكر أنه دم عرق، وقال إن دم الاستحاضة يُغسل ويَنقض، أو قال إن دم الفرج يُغسل ويَنقض لكان هذا القول في محله ولانتفى الشمول، أما وأن الحديث ذكر دم الاستحاضة بأنه يخرج من عرق، وأنه نجس وناقض، فإنَّ كل دم يدخل تحت هذا الوصف يأخذ حكمه في النجاسة والنقض، وحيث أن كل الدم الخارج من البدن إنما يخرج من عروق فإن كل دم خارج من البدن يشمله الحديث وينقض الوضوء، ولذا فنحن لسنا في حاجة إلى دليل خاص على أن الرعاف ناقض لأن دليلنا الصحيح هذا كافٍ للدلالة على أنه ناقض للوضوء. أما ما رواه الدارقطني والبيهقي من طريق ابن جريج عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ «من قَلَسَ أو قاء أو رعفَ فلينصرف فليتوضأ، وليُتِمَّ على صلاته» وما رواه الدارقطني وابن ماجة والبيهقي من طريق ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن عائشة، فذكر الحديث أعلاه، وما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن سلمان ﵁ قال «رعفتُ عندَ النبي ﷺ فقال لي: توضأ» . فهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا تصلح للاستدلال.

стр. 460

أما الحديثان عند الدارقطني وغيره فرواهما إسماعيل بن عياش، وإسماعيل هذا إذا روى عن الحجازيين ضُعِّفت رواياته، وفي هذين الحديثين نجده يروي عن الحجازيين. ثم إن الشافعي قال عن الرواية الأولى [ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي ﷺ ] وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى قوله عن هذه الرواية [إن رواية ابن جريج عن أبيه مرسلة غير متصلة] وقد ضَعِّف يحيى بن معين هذا الحديث بطريقيه، فلا يصلح هذا الحديث للاحتجاج. وأما الحديث الثالث عند الطبراني وابن عدي ففي سنده حسين الاشقر ضعيف، وجعفر بن زياد الأحمر متشيع، فلا يصلح هو الآخر للاحتجاج. على أن مالكاً قد روى عن نافع «أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم» فهذا الفعل من عبد الله بن عمر يشهد لما ذهبنا إليه. وما قلناه عن الرعاف نقوله عن دم الجروح، لأن واقعهما واحد وهو خروج الدم من عروق في البدن، ومن ثم فإن حكمهما واحد، وهو نقض الوضوء. أما ما استدل به أصحاب الرأي الآخر من أن أنس بن مالك روى «أن النبيَّ ﷺ احتجم، فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجِمِه» رواه الدارقطني والبيهقي. فأخذوا منه حكم عدم النقض لخروج الدم، فنقول إن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، قال ابن حجر (في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف) وقد ادعى ابن العربي أن الدارقطني صححه وليس كذلك، بل قال عقبه في السنن (صالح بن مقاتل ليس بالقوي) وضعَّفه النووي أيضاً.
следующие страницы →