← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١- عن صفوان بن عسَّال قال» كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي وأحمد والنَّسائي. وقال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح) . وقد مرَّ في بحث [ما يُلبس في القدم] في [الفصل الحادي عشر] بلفظ أحمد. ٢- عن همَّام قال «بال جرير ثم توضأ ومسح على خُفَّيه فقيل: تفعل هكذا؟ فقال نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه» رواه مسلم وأبو داود أحمد والنَّسائي والترمذي. وقد مرَّ. ٣- قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الغَائِطِ﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. الحديث الأول نصٌّ في البول والغائط، والحديث الثاني نصٌّ في البول، والنص الثالث يتناول البول كما يتناول البراز، لأن الغائط هو المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة، وهي تشمل البول والبراز. والبول والغائط كناقِضَيْن معلومان من الدين بالضرورة لا يختلف فيهما مسلمان، ووجه الدلالة في كل نص واضح. ب. المني: المني ليس ناقضاً للوضوء فحسب بل هو ناقض أيضاً للطهارة الكبرى ويُوجب الغُسل. وقد مرَّ بحثه في بحث [الجنابة] في [الفصل التاسع] . ج. المذي: الأدلة على أن المذي ناقض للوضوء هي: ١- عن سهل بن حنيف قال «كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أُكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما يُجْزِيك من ذلك الوضوء ... » رواه أبو داود وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) . ٢- عن علي بن أبي طالب ﵁ قال «كنت رجلاً مذَّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء» رواه البخاري ومسلم، وفي روايةٍ لمسلم «يغسل ذَكَره ويتوضأ» وسيأتي في بحث القيء حديث ابن جُرَيج الدال على أن المذي ينقض الوضوء. د. الودي:

стр. 457

دليله دليل البول لأنه يقطرُ من الذَّكَر عُقَيْبَ البول مختلطاً به. وعن ابن عباس ﵁ قال «المني والمذي والودي، فالمني منه الغُسل، ومن هذين الوضوء، يغسل ذَكَره ويتوضأ» رواه البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة عن عائشة مثله، وأقوال الصحابة أحكام شرعية يصح أخذها وتقليدها. هـ. الريح: الأدلة عليه ما يلي: ١- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تُقبل صلاةُ مَن أحدث حتى يتوضأ، قال رجل من حضرموت: ما الحَدَثُ يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضراط» رواه البخاري وأحمد ومسلم. قوله لا تُقبل: أي لا تُجْزِيء ولا تصح. ٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخَرَج منه شيء أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» رواه مسلم والترمذي وأبو داود. وروى البخاري ومسلم قريباً منه من طريق عباد بن تميم عن عمه. ٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) . ورواه أحمد وابن ماجة. مسألة البول والغائط ناقضان للوضوء، سواء خرجا من السبيلين أو من غيرهما، فقول الحديث «لكن من غائط وبول ونوم» مطلق غير مقيد بالسبيلين، ولذا لو أُجرِيَتْ لمريضٍ عمليةُ شقِّ البطن وركبَّ الطبيب له أنبوباً لإخراج البول أو الغائط من البطن عن طريقه، فإن البول والغائط الخارجين منه ينقضان وضوء المريض. فالبول والغائط ناقضان على إطلاقهما. ٢) خروج الدم

стр. 458

الدم إما أن يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، أو من الدبر في حالة المرض بالباسور أو غيره، أو من الفم في حالة مرض السُّل مثلاً، أو من الأنف وهو ما يسمى بالرعاف، أو من سائر أعضاء البدن، فإنَّ هذا الدم الخارج كلَّه ناقض للوضوء. والدليل على ذلك ما روت عائشة ﵂ أنها قالت «جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ورواه الترمذي وزاد «قال أبو معاوية في حديثه: وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» . كما روى الأمر بالوضوء لكل صلاةٍ أحمد والدارمي. وقد سبق إثبات وجوب الوضوء للمستحاضة في بحث [المستحاضة وأحكامها] في [الفصل التاسع] فيراجع هناك. وهنا نَعرض لخروج الدم من عموم البدن سواء من الفرج أو غيره فنقول: ذهب إلى أن خروج الدم من البدن ناقض للوضوء أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تلميذاه، وأحمد بن حنبل وإسحق، فيما ذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيِّب ومكحول وربيعة - ورُوي عن ابن عباس وأبي هريرة - إلى أن الدم غير ناقض. والذي يترجح لدينا هو أن خروج الدم من أي جزء من البدن ناقض للوضوء، بدليل حديث عائشة المذكور. أما وجه الاستدلال به على دعوانا فهو أن الحديث يقول «إنما ذلك عِرق» أي أن دم الاستحاضة هو دم نازف من عِرق، ومع هذا الوصف أمرها الرسول ﵊ بأمرين: أن تغسل الدم «فاغسلي عنك الدم» وأن تتوضأ «وتوضئي لكل صلاة» . وإذن فإن الدم إن هو خرج من أيِّ عِرقٍ بدليل تنكير (عِرق) فإن الواجب فيه أن يُغسل، والوضوء. أما الغُسل فلأنه نجس، وأما الوضوء فلأنه ناقض.

стр. 459

ولا يقال إن هذا في موضوع الاستحاضة فيقصر عليه، أو يقال إن هذا الدم خرج من الفرج فيقصر عليه، لا يقال ذلك لأن العبرة بألفاظ الحديث وهي تفيد العموم، وهذه الألفاظ وصفت الدم بأنه من عِرق، وحيث أن أي دم ينزف من البدن إنما يخرج من عِرق مقطوع، فإنه يدخل تحت هذا الوصف ويأخذ حكمه، وهذا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب تطبيق العام على أفراده. فالحديث يشمل دم الاستحاضة ودم الجروح ودم الرعاف سواء بسواء، لأن كل ذلك دم عرق، ودم العِرق يُغسل ويَنقُض. هذا هو وجه الاستدلال وهذا هو وجه الفقه فيه. أما أن يقال إنه خرج من الفرج فلا يقاس عليه غيره فهو خطأ، لأن الحديث لو لم يذكر أنه دم عرق، وقال إن دم الاستحاضة يُغسل ويَنقض، أو قال إن دم الفرج يُغسل ويَنقض لكان هذا القول في محله ولانتفى الشمول، أما وأن الحديث ذكر دم الاستحاضة بأنه يخرج من عرق، وأنه نجس وناقض، فإنَّ كل دم يدخل تحت هذا الوصف يأخذ حكمه في النجاسة والنقض، وحيث أن كل الدم الخارج من البدن إنما يخرج من عروق فإن كل دم خارج من البدن يشمله الحديث وينقض الوضوء، ولذا فنحن لسنا في حاجة إلى دليل خاص على أن الرعاف ناقض لأن دليلنا الصحيح هذا كافٍ للدلالة على أنه ناقض للوضوء. أما ما رواه الدارقطني والبيهقي من طريق ابن جريج عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ «من قَلَسَ أو قاء أو رعفَ فلينصرف فليتوضأ، وليُتِمَّ على صلاته» وما رواه الدارقطني وابن ماجة والبيهقي من طريق ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن عائشة، فذكر الحديث أعلاه، وما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن سلمان ﵁ قال «رعفتُ عندَ النبي ﷺ فقال لي: توضأ» . فهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا تصلح للاستدلال.

стр. 460

أما الحديثان عند الدارقطني وغيره فرواهما إسماعيل بن عياش، وإسماعيل هذا إذا روى عن الحجازيين ضُعِّفت رواياته، وفي هذين الحديثين نجده يروي عن الحجازيين. ثم إن الشافعي قال عن الرواية الأولى [ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي ﷺ ] وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى قوله عن هذه الرواية [إن رواية ابن جريج عن أبيه مرسلة غير متصلة] وقد ضَعِّف يحيى بن معين هذا الحديث بطريقيه، فلا يصلح هذا الحديث للاحتجاج. وأما الحديث الثالث عند الطبراني وابن عدي ففي سنده حسين الاشقر ضعيف، وجعفر بن زياد الأحمر متشيع، فلا يصلح هو الآخر للاحتجاج. على أن مالكاً قد روى عن نافع «أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم» فهذا الفعل من عبد الله بن عمر يشهد لما ذهبنا إليه. وما قلناه عن الرعاف نقوله عن دم الجروح، لأن واقعهما واحد وهو خروج الدم من عروق في البدن، ومن ثم فإن حكمهما واحد، وهو نقض الوضوء. أما ما استدل به أصحاب الرأي الآخر من أن أنس بن مالك روى «أن النبيَّ ﷺ احتجم، فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجِمِه» رواه الدارقطني والبيهقي. فأخذوا منه حكم عدم النقض لخروج الدم، فنقول إن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، قال ابن حجر (في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف) وقد ادعى ابن العربي أن الدارقطني صححه وليس كذلك، بل قال عقبه في السنن (صالح بن مقاتل ليس بالقوي) وضعَّفه النووي أيضاً.

стр. 461

وأما ما يستدلون به أيضاً على دعواهم من أقوال الصحابة أو أفعالهم مثل أن صحابياً من الأنصار أصيب بسهام وهو يصلي فاستمرَّ في صلاته، روى قصَّته أبو داود وابن خُزَيمة والبيهقي، ومثل أن ابن عباس ﵁ قال «اغسلوا أثر المحاجم عنكم وحسبَكم» رواه البيهقي. فهذه ليست أدلة أولاً، لأن قول الصحابي أو فعله ليس دليلاً، ثم إن الحديث الأول فيه عقيل بن جابر قال عنه الذهبي: لا يُعرف. وفي الحديث الثاني رجل مجهول، فالحديثان ضعيفان. ثم إن ما سبق وسقناه من فعل ابن عمر أنه كان يتوضأ من الرعاف يخالف ما ذكروه وكلا الأمرين أفعال صحابة. فإذا كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة فإن الدواعي تكون أكبر لعدم الاستدلال بآرائهم سيما وأن الحديث النبوي الصحيح يغنينا عن أقوالهم وافعالهم. ويمكن مراجعة بحث نجاسة الدم في [أعيان النجاسات] في [الفصل الثاني] ففيه مزيد بيان وتفصيل. مسألة لم يرد في القيح والصديد نصٌّ يفيد نجاستهما أو نقضهما للوضوء، إلا أننا بتحقيق المناط نتوصل إلى أن القيح نجس وناقض وليس كذلك الصديد، ذلك أن واقع القيح أنه دم فاسد أو متخلق من الدم، وحيث أن أصله نجس وناقض، فإن الفرع يتبع الأصل ويأخذ حكمه، وهذا رأي قتادة ومجاهد، ذكر ذلك عبد الرزاق. أما الصديد فليس كذلك، ولا يندرج تحت أي ناقض للوضوء، ولا تحت أية مادة نجسة، فيأخذ حكم الطاهر وغير الناقض. ٣) القَيء

стр. 462

القيء ينقض الوضوء لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له وَضوءه» رواه الترمذي وقال (هذا أصح شيء في هذا الباب) . ورواه أحمد والبيهقي والدارقطني بلفظ «.. قاء فأفطر، قال: صدق، أنا صببت له وَضوءه» قال ابن منده: إسناده صحيح متصل. وجوَّد أحمد إسناده. ورواه أحمد وعبد الرزاق بلفظ آخر هكذا: عن أبي الدرداء قال «استقاء رسول الله ﷺ فأفطر، فأُتي بماء فتوضأ» . ولما روى ابن جُريج عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قاء أحدكم أو قلس أو وجد منيَّاً وهو في الصلاة فلينصرف فليتوضأ، وليرجع فلْيَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم» رواه الدارقطني وقال (قال لنا أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا هو الصحيح عن ابن جريج، وهو مرسل) . ورواه أيضاً البيهقي مرسلاً وقال (هذا هو الصحيح عن ابن جريج) . وقد صحح هذه الطريقة المرسلة أيضاً أحمد والذهلي. والحديث المرسل الذي سقط منه اسم الصحابي يصح الاستدلال به، لأن جهالة الصحابي لا تضر، فالحديث صالح للاحتجاج.

стр. 463

الحديث الأول فعلٌ، والحديث الثاني قولٌ، وهما يفيدان أن القيء ناقض للوضوء، وهو ما عليه أبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي، خلافاً لمالك والشافعي وأصحابهما، وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بان المراد بالوضوء غسل اليدين، ويردُّ بأن الوضوء من الحقائق الشرعية، ولا يصرف عن الوضوء الشرعي إلا بقرينة. قالوا: القرينة أنه استقاء بيده، كما ثبت في بعض الألفاظ، فيقال لهم هذه قرينة لا تكفي، إذ ما المانع من أن يستعمل يده في القيء وأن يتوضأ وضوءه للصلاة من ذلك؟ فلو كان القيء باستعمال اليد يمنع من الوضوء الشرعي لكان قرينة كافية، أما وأنه ليس كذلك فإن القرينة غير صالحة لما يذهبون إليه. وأجابوا عن الحديث أيضاً بأنه فِعلٌ وهو لا ينتهض للوجوب، فنرد عليهم بأنكم بهذا لا تنفون عن الحديث كونه في الوضوء الشرعي، وإلا لما أوردتم هذه الحجة. نعم إن الصحيح هو أن الفعل أو القول لا ينتهضان للوجوب إلا بقرينة، وأن القول وحده والفعل وحده لا يكفيان للوجوب، ولذا فإن تقييده بأنه فعل لا يغير من الأمر شيئاً. أما الدليل على وجوب الوضوء من القيء فهو حديث ابن جريج، فإن قوله «إذا قاء أحدكم أو قَلَس أو وجد منيَّاً وهو في الصلاة فلْينصرف فلْيتوضأ» أمرٌ بالانصراف من الصلاة من أجل الوضوء، ولا يكون هذا الطلب إلا لأنه واجب، ولا يصح اعتباره طلباً للندب، أي لا يصح القول إن الحديث طلب ممن أحرم بالصلاة أن يقطعها للقيام بوضوء مندوب، وهذا واضح الدلالة فلا نطيل فيه، وهذا الحديث قرينة أيضاً على أن الفعل الوارد في حديث أبي الدرداء يفيد الوجوب، وبذلك فإن الحديثين كافيان للرد على الشافعية والمالكية ومن يقول بقولهم.

стр. 464

نعود للحديث الثاني فنقول: القَلس ـ بفتح القاف واللام، ويُروى بسكونها ـ قال الخليل: هو ما خرج من الحلق ملءَ الفم أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو قيء. فالحديث يفيد أن ما يخرج من المعدة إلى الفم ينقض الوضوء سواء خرج دفقة واحدة أو عدة دفقات، أي سواء خرج قليلاً أو كثيراً. ٤) مسُّ الفرْج وردت في مس الفرج الأحاديث التالية: أ- عن بُسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال «من مسَّ ذَكرَه فلا يصلِّ حتى يتوضأ» رواه الترمذيُّ وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة ومالك، وصححه الترمذي وأحمد والدارقطني والبيهقي والحاكم. وفي روايةٍ للنَّسائي عن بُسرة «أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر ما يُتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ : ويُتوضأُ من مسِّ الذَّكر» . وفي رواية لابن حِبَّان عن بُسرة عن النبي ﷺ قال «إذا مسَّ أحدُكم فرجه فلْيتوضأ، والمرأة مثل ذلك» . وفي رواية للطبراني عن بُسرة قالت: قال رسول الله ﷺ «من مسَّ فرجه فقد وجب عليه الوضوء» . ب- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما سِتر ولا حجاب فلْيتوضأ» رواه ابن حِبَّان والحاكم من طريق نافع بن أبي نعيم عن المقبري عن أبي هريرة. وصححه ابن حِبَّان والحاكم وابن عبد البر. ج - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال «أيُّما رجلٍ مسَّ فرجه فلْيتوضأ، وأيُّما امرأةٍ مسَّت فرجها فلْتتوضأ» رواه الدارقطني وأحمد والبيهقي. ونقل الترمذي عن البخاري قوله (هو عندي صحيح) وقال الحازمي: هذا إسناد صحيح. وقوَّاه الذهبي.

стр. 465

د- عن طلق بن علي قال «قدِمْنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مسِّ الرجل ذَكَرَه بعدما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مُضغة منه، أو قال: بَضعة منه؟» رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والترمذي. وصححه ابن حِبَّان والطبراني وابن حزم. ويُروى أنَّ ابن المديني قال: هو عندنا أحسن من حديث بُسرة. وضعَّفه الشافعي وأبوحاتم وأبو زُرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادَّعى ابن حِبَّان والطبراني وابن العربي والحازمي أنه منسوخ. اختلف الأئمة والعلماء ومِنْ قبلهم الصحابةُ في نقض الوضوء من مسِّ الفرج، فذكر الحازمي أن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وابن عباس في إحدى الروايتين عنه، وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبا الدرداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين عنه، وسعيد بن المسيِّب في إحدى الروايتين عنه، وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وربيعة بن عبد الرحمن وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأصحابه رأوا ترك الوضوء من مسِّ الذَّكر. وخالفهم آخرون ذاهبين إلى إيجاب الوضوء من مسِّه، وممن رُوي عنهم الإيجاب من الصحابة - حسب ما ذكر الحازمي - عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وعائشة وأم حبيبة وبُسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص في الرواية الثانية عنه وابن عباس في الرواية الثانية عنه، ومن التابعين عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزُّهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير وسعيد بن المسيِّب في أصح الروايتين عنه وهشام بن عروة والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق والمشهور من قول مالك.

стр. 466

وقال الشافعيون إن النقض إنما يكون إذا مُسَّ الذكر بباطن الكف لما يعطيه لفظ الإفضاء، وروي عن مالك القول بندب الوضوء من مسِّ الذَّكر، ورُوي عن جابر بن زيد أنه قال بالنقض إن وقع المسُّ عمداً لا إن وقع سهواً. هذه خلاصة الآراء في هذه المسألة. ونستعرض الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة، ونستنبط منها الأحكام بإذن الله كما يلي: الحديث الأول: الرواية الأولى تقول «مَن مسَّ ذَكَره فلا يُصلِّ حتى يتوضأ» والرواية الثانية تقول «ويُتوضأ من مسِّ الذَّكر» والرواية الثالثة تقول «إذا مسَّ أحدُكم فرجَه فلْيتوضأ، والمرأة مثل ذلك» والرواية الرابعة تقول «من مسَّ فرجه فقد وجب عليه الوضوء» والحديث الثاني يقول «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ... فلْيتوضأ» والحديث الثالث يقول «أيُّما رجلٍ مسَّ فرجه فلْيتوضأ وأيُّما امرأةٍ مسَّت فرجها فلْتتوضأ» والحديث الرابع يقول «هل هو إلا مُضغة منه، أو قال: بَضعة منه؟» .

стр. 467

من هذا الاستعراض يتبين أن من مسَّ ذَكَره أو فرجه أو ذَكَراً توضأ، وأن ذلك عام في الرجال والنساء، فمن مسَّ ذَكره أو ذَكَر غيره بدلالة الرواية الثانية من الحديث الأول، أو مسَّ فرجه توضأ، والمرأة إن مسَّت فرجها توضأت، ونجد أن الأحاديث ذكرت الذَّكَر وذكرت الفرج، أما الذَّكر فهو قُبُل الرجل، وأما الفرج فيطلق على القُبُل وعلى الدُّبُر للرجال والنساء، لأنه العورة كما في القاموس ولسان العرب، وألفاظ الأحاديث تُفسر باللغة ما لم يكن لها حقائق شرعية مغايرة، وهنا كلمة الفرج وكلمة الذَّكَر ليس لهما في الشرع معنى مغاير لما هو في اللغة فتُفسَّران تفسيراً لغوياً، والقاموس ولسان العرب فسَّرا الفرج بأنه العورة وهي تشمل القبل والدُّبر، فيُعمل بهذا التفسير. وبذلك تكون الأحاديث قد أفادت أن مسَّ القُبُل والدُّبُر للرجل والمرأة ينقض الوضوء، والأحاديث صحيحة تصلح للاحتجاج، وهي أعطت هذا الحكم، أي حكم النقض للوضوء من مسِّ القُبُل والدُّبُر للذَّكَر والأنثى. أما الحديث الرابع فقد استدل به من قالوا بعدم النقض، وهم من ذكرنا من الصحابة والأئمة والعلماء، ولكن الحديث لا يُسعفهم، ولا يصمد أمام أحاديث النقض، قال البيهقي (يكفي في ترجيح حديث بُسرة ـ أي الأول ـ على حديث طلق ـ أي الرابع ـ أن حديث طلق لم يحتجَّ الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته) فهذه أولى الحجج في ترجيح الإيجاب على عدمه.

стр. 468

والثانية: إن إسلام بُسرة متأخر وإسلام طَلْقٍ متقدِّم. قال ابن حِبَّان الذي روى الحديث (خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ، لأن طلق بن علي كان قدومه على النبي ﷺ أول سنة من سِنِي الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة) . في حين أن بسرة أسلمت بعد ذلك بكثير كما هو معلوم عند أئمة الحديث، وحديث أبي هريرة الثاني يعضد حديث بُسرة لأن أبا هريرة هو الآخر متأخر الإسلام كبُسرة. قال ابن حِبَّان (أبو هريرة أسلم سنة سبعٍ من الهجرة، والمتأخر أقوى وأوجب في الأخذ والعمل من المتقدم، والذي يزيد حديث بُسرة قوة أنها حدَّثت بالحديث في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون) . والثالثة: إن حديث طلق ضعَّفه عدد كبير من الأئمة المعتبرين. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه. وقال أبو حاتم وأبو زُرعة: قيس بن طلق ممن لا تقوم به حجة. والمعلوم أن حديث طلق بن علي هو من رواية ابنه قيس بن طلق، في حين أن الأئمة الذين ضعَّفوا حديث بسرة إنما ضعَّفوه من طريق عروة عن مروان عن بُسرة، ومروان مطعون في عدالته، ولكن ابن خُزَيمة وغيره جزموا بأن عُروة سمعه من بُسرة مباشرة، ففي صحيح ابن حِبَّان وسنن الدارقطني «قال عروة فسألت بُسرة فصدَّقته» . وبمثل هذا أجاب ابن خُزَيمة والحاكم، فيسقط تضعيفهم هذا. ثم هم قد ضعَّفوه بقولهم إن هشاماً لم يسمع من أبيه عروة، قاله النَّسائي والطَّحاوي، ونحن ندفع هذا التضعيف بأن هشاماً قد رواه مرة عن أبيه عروة، ومرة عن أبي بكر بن محمد، وقد صرَّح أحمد في روايةٍ بأن أباه حدثه، وصرَّح الترمذي في رواية بأن أباه أخبره، وبذلك يكون هشام قد رواه مرة عن أبيه مباشرة، ومرة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، فحدَّث بهذا وحدَّث بهذا، وهذا لا يضعِّف الحديث. فالحديث غير ضعيف بل هو صحيح، في حين أن حديث طلق مشكوك في صحته.

стр. 469

والرابعة: إن عدم وجوب الوضوء من مسِّ الفرج أُخذ من حديث طلق بالمفهوم، في حين أن أحاديثنا تفيد الوجوب منطوقاً، والمنطوق أقوى من المفهوم. لهذه الأسباب يترجح حديث بُسرة والأحاديث الأخرى القائلة بإيجاب النقض، ويُترك العمل بحديث طلق لأنه لا يصلح للاستدلال به على هذه المسألة بعد أن بان ما بان. وبذلك يظهر وجه الحق في إيجاب الوضوء من مسِّ الفرج قُبُلاً كان أو دُبُراً، لرجل أو لامرأة، لفرجِهِ أو لفرجِ غيرِهِ. أما رأي الشافعية من أن النقض إنما يكون بباطن الكف دون ظهره فضعيف، قال عالم اللغة ابن سيده في المحكم: أفضى فلان إلى فلان وصل إليه، والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف أو باطنها. وقال ابن حزم (الإفضاء يكون بظاهر الكف كما يكون بباطنها، قال: ولا دليل على ما قالوه من التخصيص بالباطن من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأي صحيح) أجل إما أن يأتي الشافعيون بدليل على ما يقولون وإما أن رأيهم غير صحيح، فالأدلة الشرعية لا تقول بما يقولون، واللغة لا تسعفهم فيما ذهبوا إليه. أما ما يُروى عن مالك من القول باستحباب الوضوء من المسِّ دون الوجوب، فحديث بُسرة القائل «فقد وجب عليه الوضوء» يردُّه. وأما رأي جابر بن زيد القائل إن النقض إنما يكون بالمسِّ المتعمَّد دون المسِّ سهواً فإن الأحاديث كلها تردُّه، إذ لم تُفرِّق الأحاديث بين العمد والسَّهو.

стр. 470

والأحاديث تفيد أن نقض الوضوء إنما هو من مسِّ فرج الآدمي، فيخرج فرج البهيمة، فمسُّ فرج البهيمة لا ينقض الوضوء، وتخرج كذلك العانة، فلا ينقض مسُّها لعدم انطباق الدليل عليها، أما مسُّ الخصيتين فناقض لما روى البيهقي والطبراني والدارقطني عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من مسَّ ذَكَرَه أو أُنثييه أو رُفُغَه فلْيتوضأ وضوءه للصلاة» . والرُّفُغ: أصل الفخذ القريب من الذَّكر، والأُنثييان: الخصيتان. وهذا الحديث وإن ضعَّفه ناس فقد حسَّنه آخرون فيصح الاستدلال به. والفرج الذي ينقض مسُّه الوضوء هو أي فرجِ آدميٍّ، لا فرق بين فرج الكبير البالغ والصغير دون البلوغ وحتى الرضيع ما دام كل ذلك يدخل تحت لفظ فرج الآدمي، كما أنه لا فرق بين المسِّ بشهوة والمسِّ بدون شهوة لأن الأحاديث لم تُخصِّص أياً من ذلك، فيظل الحكم على عمومه. والمقصود باليد هنا ما كانت إلى الكوع أي الرسغ، وهذا رأي جميع العلماء فيما أعلم، لأن هذه اليد هي أداة المسِّ دون الساعد أو العضد. ٥) النوم اختلف العلماء والأئمة اختلافاً واسعاً في حكم النوم من حيث نقض الوضوء على ثمانية مذاهب جمعها النووي في شرح صحيح مسلم كما يلي: الأول: إن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهو رأي أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج وشعبة. الثاني: إن النوم ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري والمُزَني وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم وإسحق بن راهُوَيه وابن المنذر، وروي عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة. الثالث: إن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهو مذهب الزُّهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.

стр. 471

الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المُصلِّين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود، وهو قول للشافعي غريب. الخامس: إنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. السادس: إنه لا ينقض إلا نوم الساجد، ورُوي أيضاً عن أحمد ﵁. السابع: لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيفٌ للشافعي. الثامن: إنه إذا نام جالساً ممكِّناً مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض سواء قلَّ أو كثر، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. ونحن سنورد الأحاديث الواردة في موضوع النوم، ونبين صحيحها وحسنها من ضعيفها، ثم نستنبط منها الحكم الراجح بإذن الله: ١- عن صفوان بن عسَّال قال «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . ورواه أحمد والنَّسائي. وقد مرَّ قبل قليل. ٢- عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال «العين وِكاء السَّهِ فمن نام فلْيتوضأ» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد والدارقطني. ٣- عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال «إنما العينان وِكاءُ السَّهِ فإذا نامت العين استطلق الوكاءُ» رواه الدارمي والدارقطني والبيهقي وأحمد والطبراني. والسَّهُ: اسمٌ لحلقة الدُّبُر.

стр. 472

٤- عن ابن عباس ﵁ قال «بتُّ ليلةً عند خالتي ميمونة بنت الحارث، فقلت لها: إذا قام رسول الله ﷺ فأيقظيني، فقام رسول الله ﷺ ، فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة ثم احتبى، حتى إني لأسمعُ نَفَسه راقداً، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين» رواه مسلم. وفي روايةٍ للبخاري عن ابن عباس ﵁ بلفظ «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلةً، فقام النبي ﷺ من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي ﷺ فتوضأ من شَنٍّ معلَّق وضوءاً خفيفاً ـ يخفِّفه عمرو ويُقلِّله ـ وقام يصلي فتوضأت نحواً مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره ـ وربما قال سفيان عن شماله ـ فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلَّى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ ... » . وفي رواية ثانية لمسلم عن ابن عباس ﵁ بلفظ « ... فقام فصلى فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه، فتتامَّت صلاةُ رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلَّى ولم يتوضأ ... » وفي رواية ثانية للبخاري عن ابن عباس ﵁ بلفظ « ... ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه، ثم خرج إلى الصلاة» .

стр. 473

٥- عن أنس قال «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلُّون ولا يتوضأون» رواه أبو داود والشافعي والبيهقي ومسلم والدارقطني. وفي رواية «لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوقَظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يصلون ولا يتوضأون» رواها الدارقطني والبيهقي والترمذي. وفي رواية ثالثة عند البزَّار والخلاَّل بلفظ «إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ» . وهذا الحديث بجميع رواياته صحيح أو حسن. ٦- عن يزيد بن عبد الرحمن [الدالاني] عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال «ليس على من نام ساجداً وضوء حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» رواه أحمد. ورواه أبو داود عن ابن عباس ﵁ بلفظ « ... قال: فقلت له: صليتَ ولم تتوضأ وقد نمتَ؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» ورواه الترمذي والبيهقي قريباً منه. وللبيهقي أيضاً «لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه، فإنه إذا وضع جنبه استرخت مفاصله» . ٧- عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال «كنت في مسجد المدينة جالساً أخفق، فاحتضنني رجل من خلفي، فالتفتُّ فإذا أنا بالنبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله هل وجب عليَّ وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك» رواه البيهقي. ٨- عن يزيد بن قسيط قال إنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول «ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ» رواه البيهقي. ٩- عن أبي هريرة ﵁ قال «من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء» رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح موقوفاً على أبي هريرة وقال (لا يصح رفعه) . ورواه الدارقطني وقال (وقفُه أصح) .

стр. 474

الحديث الأول صحيح، والحديث الثاني سُئل أحمد عنه وعن الحديث الثالث فقال: حديث علي أثبت وأقوى. وقال الجوزجاني: واهٍ. والحديث ضعَّفه أبو زُرعة وأبو حاتم. ولكن المنذري وابن الصلاح والنووي حسَّنوه. ودافع ابن حجر عنه. فالحديث حسن يصلح للاحتجاج، خاصة إذا علمنا أن تضعيف أبي زُرعة له آت من قوله إن عبد الرحمن بن عائذٍ لم يسمع من عليٍّ، وهو قول ردَّه ابن حجر. والحديث الثالث ضعيف، لأن في إسناده بقية عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، فالحديث لا يصلح للاحتجاج. والحديث الرابع صحيح. والحديث الخامس أيضاً صحيح. والحديث السادس ضعَّفه أحمد والبخاري وأبوداود وإبراهيم الحربي والترمذي، وقال البيهقي (تفرَّد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه جميع أئمة الحديث، وأنكروا سماعه من قتادة) وقال ابن حِبَّان (لا يجوز الاحتجاج به) فالحديث ضعيف فيترك. والحديث السابع تفرَّد به بحر بن كنبز وهو ضعيف، ولا يُحتج بروايته، قاله البيهقي. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. والحديث الثامن قال عنه الحافظ ابن حجر (إسناده جيد وهو موقوف) وقال البيهقي (هذا موقوف) أي ليس بحديث مرفوع، أي ليس بدليل، لأن أقوال الصحابة وأفعالهم وإن جاز تقليدها واتِّباعُها إلا أنه لا يجوز اعتبارها أدلة. والحديث التاسع موقوف على أبي هريرة، فلا يصلح دليلاً هو الآخر. فيبقى عندنا الحديث الأول والثاني والرابع بألفاظه الأربعة، والخامس برواياته الثلاث، وندع الأحاديث الأخرى وهي الثالث والسادس والسابع والثامن والتاسع.

стр. 475

والآن لنستعرض الأحاديث التي ترجح لدينا صلاحها للاحتجاج فنقول: الحديث الأول فيه «ولكن من غائط وبول ونوم» والحديث الثاني فيه «فمن نام فليتوضأ» والحديث الرابع لفظ مسلم فيه «فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمه أُذني» ولفظ البخاري فيه «ثم اضطجع ـ أي رسول الله ﷺ ـ فنام حتى نفخ ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ» ومثله لفظ مسلم. ولفظ البخاري الثاني «ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ثم خرج إلى الصلاة» والحديث الخامس فيه «ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون» واللفظ الآخر «يُوقَظون للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يصلون ولا يتوضأون» واللفظ الثالث «كانوا يضعون جنوبهم، فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ» . الحديثان الأول والثاني يدلان على أن النوم ينقض الوضوء، الأول بمفهومه والثاني بمنطوقه، والحديث الرابع ـ لفظ مسلم الأول ـ يدل على أن الإغفاء في أثناء الصلاة لا ينقض الوضوء، ووجه الاستدلال ظاهر. والحديث الخامس بلفظه الأول يدل على أن النوم في انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء، وكذلك اللفظ الثاني ولكن بزيادة الغطيط، أي أن النوم الذي يصحبه غطيط في أثناء انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء. وبجمع ألفاظ الحديث الخامس ولفظي البخاري ومسلم في الحديث الرابع «ثم اضطجع» أقول إن النوم الذي يصحبه خفق الرؤوس والغطيط ووضع الجنوب والاضطجاع في انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء.

стр. 476

والخلاصة هي أنه بينما جاء الحديثان الأول والثاني بأن النوم ينقض الوضوء، فقد جاء الحديث الرابع بألفاظه والخامس بألفاظه بأن النوم لا ينقض الوضوء وصاحب هذا النوم إغفاءٌ في أثناء الصلاة، أو خفق رؤوس وغطيط ووضع جنوب واضطجاع في انتظار الصلاة، والأحاديث كلها صحيحة أو حسنة، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو إهمال أحدها أو بعضها، وهنا إعمال الأدلة ممكنه بل ظاهر، ولا حاجة بنا هنا إلى القول بالتعارض وعدم إمكان الجمع بينها. وبإعمال الأدلة وبالتدقيق والتَّفحُّص نجد أن الأحاديث التي دلت على النقض أفادت مطلق النوم، والأحاديث التي أفادت عدم النقض جاءت مقيدة بحالة الصلاة وانتظار الصلاة، وإنما قلنا حالة ولم نقل حالتين، لأن انتظار الصلاة صلاة كما جاء في الأحاديث، فعن أنس قال «أخَّر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أمَا إنكم في صلاة ما انتظرتموها» رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يُحْدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم أيضاً من طريقه « ... فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تُب عليه، ما لم يُؤْذ فيه، ما لم يُحْدِث فيه» . فقد اعتبرت هذه الأحاديث انتظار الصلاة صلاة.

стр. 477

فانتظار الصلاة صلاة، ويعني ذلك أنها صلاة حكماً وليست فعلاً، فالصلاة المعهودة صلاة فعلاً، وانتظارُها صلاةٌ حكماً فكانتا حالة واحدة في الوصف، وجاءت أحاديث عدم النقض تسوِّي بين الصلاة حكماً والصلاة فعلاً، وتجعلهما شيئاً واحداً من حيث عدم نقض النوم للوضوء فيهما. وإذن فإن هذه الأحاديث قد استثنت النوم في حالة الصلاة من كونه ناقضاً، ويبقى النوم ناقضاً على عمومه وعلى إطلاقه. وعليه فإن النوم ينقض الوضوء لا شك في ذلك، ويستثنى منه النوم في حالة الصلاة. هذا هو الحكم الراجح المستفاد من الأحاديث. وهنا نسجل ملاحظة لا بد منها هي أن النوم الناقض هو ما يستحق وصفه بالنوم، أما نوم الخفقة والخفقتين فقد عفى الشرع عنه ولم يجعله ناقضاً، وهذا ليس نوماً آخر، وإنما هو عفو من الشرع عن القليل منه، تماماً كالدم الناقض للوضوء يُعفى عن يسيره وقليله، ولا يكون صنفاً من الدم لا ينقض، فالشرع عفى عن الأشياء والأفعال القليلة اليسيرة، فالنجاسة اليسيرة عفو، والدم اليسير الخارج من البدن عفو، والنوم يندرج تحت هذه القاعدة، فما كان منه يسيراً فهو عفو. وفي هذا المعنى روى عبد الرزاق عن ابن عباس ﵁ أنه قال «وجب الوضوء على كل نائم إلا من أخفق خفقة برأسه» . والخفقة: هي النعسة. وخَفَق برأسه من النعاس: أماله. فهذا لا ينقض الوضوء.

стр. 478

والآن لنعد إلى الآراء الثمانية السابقة. الرأي الأول يقول إن النوم لا ينقض على أي حال بدلالة حديث أنس، وقد تبين مما سبق أن هذا الحديث بألفاظه الثلاثة لا يفيدهم، بل يفيد عدم نقض النوم في حالة الصلاة، والخطأ آت من كون أصحاب هذا الرأي قد عمموه وأطلقوه. والرأي الثاني لم يستثن حالة الصلاة وانتظارها. والرأي الثالث أيضاً لم يستثن حالة الصلاة وانتظارها، ويقل الخطأ إنْ عنَوا بالقليل من النوم ما أخرجناه منه. أما الرأي الرابع فهو خطأ، فإن إخراج النوم على هيئة من هيئات الصلاة في غير الصلاة من نواقض الوضوء خطأ، والخطأ آت من استدلالهم بحديث ضعيف، ومن تعميم ما جاء فيه على الصلاة وعلى غيرها. والرأي الخامس أيضاً خطأ، فقد قالوا إن الراكع والساجد يكونان في وضع لا يتمكنان فيه من منع خروج الريح، وهذا منهم استدلال فاسد، ولا يسعفهم فيه نص. وأما الرأي السادس فخطأ لما بيَّنَّاه في تخطئة الرأي الخامس. وأما الرأي السابع فصحيح جملة، وليتهم جعلوا النوم في انتظار الصلاة غير ناقض، ورغم أن هذا الرأي صحيح جملة كما قلنا إلا أن الدليل الذي استدلوا به هو الحديث الضعيف جداً الذي رواه الديلمي وابن عساكر من طريق أنس «إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ملائكته يقول: انظروا إلى عبدي روحُه عندي وجسدُه في طاعتي» . وأما الرأي الثامن فأراه خطأ، وقد استدلوا عليه بحديث علي ومعاوية وأنس، أما حديث معاوية فضعيف لا يصلح للاحتجاج، وأما حديث أنس فهو لا يسعفهم، فهم قد استدلوا باللفظ الأول «تخفق رؤوسهم ثم يصلون» فحملوه على نوم الجالس، ولم ينظروا في اللفظ الثالث «كانوا يضعون جنوبهم» فهو نص صريح في غير الجلوس ولا أراهم يستطيعون تأويله إلا بتكلُّف.

стр. 479

وحتى تلمسوا مدى الاضطراب في الاستدلال عندهم أسوق لكم فقرة جاءت في ذيل سنن الدارقطني لأبي الطيب آبادي (ولفظ الترمذي من طريق شعبة «لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوقَظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون» . قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. قال البيهقي: على هذا حمله عبد الرحمن ابن مهدي والشافعي. وقال ابن القطان: هذا الحديث سياقه في مسلم يحتمل أن ينزل على نوم الجالس، وعلى ذلك نزَّله أكثر الناس، لكن فيه زيادة تمنع من ذلك رواها يحيى بن القطان عن شعبة عن قتادة عن أنس قال «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة» . وقال ابن دقيق العيد: يُحمل على النوم الخفيف، لكن يعارضه رواية الترمذي التي ذكر فيها الغطيط) . فالاضطراب جدُّ واضح، فهم كلما ربطوا ناحية انفرطت أُخرى، فالحديث كما قلنا لا يسعفهم. أما حديث عليٍّ «العين وكاء السَّهِ فمن نام فلْيتوضأ» فقد أخذوا منه أن النوم ليس حدثاً في نفسه وإنما هو حالة يخرج فيها الريح، وقالوا بناء على ذلك إن النائم الجالس لا يُخرج ريحاً فلا ينتقض وضوؤه بالنوم جالساً، أي أنهم استنبطوا من الحديث علةً لنقض النوم للوضوء هي خروج الريح. فنقول: أولاً: إن حديث أنس يرد عليهم فهمهم للحديث، لأنهم كانوا ينامون مضطجعين ولم يكونوا يتوضأون. ثانياً: إن حديث العين وكاءُ السَّهِ لا يصلح للاستدلال به على تعليل نقض النوم بخروج الريح، فإن ألفاظه لا تفيد العِلِّيَّة.

стр. 480

ثالثاً: إن الشرع جعل النوم ناقضاً تماماً كما جعل خروج الريح ناقضاً، فجعلهما الشرع ناقضَيْن، ولم يجعل أحدهما علَّة للآخر، لأن من شأن ذلك أن يكون الناقض واحداً ويُلغَى الآخر، وهذا الإلغاء نسخ ولا يملكه أحد من المسلمين سوى رسول الله ﷺ ، ولم يُرو عنه ﵊ أنه ألغى أو أبطل أو نسخ النوم كناقض، فالقول إن النوم معلَّل بخروج الريح فإذا انتفى الخروج بالنوم جالساً زال حكم النوم، هذا القول غير صحيح لما أسلفنا، ما دامت في الشرع نصوص كثيرة تفيد حكم النقض للنوم ولم تُنسخ، بل إن آخر حديثهم يرد على فهمهم لأوَّله، فالحديث يقول «العين وِكاءُ السَّهِ فمن نام فلْيتوضأ» فإن آخر الحديث يقول «فمن نام» ، فلم يقيِّد ولم يخصِّص ولم يفصِّل، والنوم جالساً داخل لا شك في النص، والأشبه أن يقال إن خروج الريح من النائم هو مصاحب محتمل للنوم، فلا يصلح أن يكون علَّة. هذه آراء العلماء والأئمة وهذه أدلتهم، وقد فشلوا في التوفيق والجمع بين الأدلة كلها إلا بتأويل متعسّف، وقد تبين لكم أنه لا يُجمع بين الأحاديث كلها إلا بالقول الذي قلناه، وهو أن النوم في الصلاة الفعلية، وفي الصلاة حكماً لا ينقض، وما سواه ينقض، فهو جمعٌ صحيح وجميلٌ فيه القناعة والطمأنينة، وهو الجمع الوحيد الذي فيه إعمالٌ للأدلة كلها. ٦) أكل لحم الجَزور

стр. 481

لحم الجَزُور هو لحم الجمال. وقد اختلف المسلمون في أكل لحم الجمال من حيث نقضُ الوضوء على رأيين: فنُسب إلى الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأُبيِّ بن كعب وابن عباس وأبي الدرداء وأبي أمامة ومالك وأبي حنيفة والشافعي أن أكل لحم الجَزور لا ينقض الوضوء. وذهب أحمد وإسحق بن راهُوَيه وابن المنذر وابن خُزَيمة والبيهقي وأصحاب الحديث مطلقاً، وجماعةٌ من الصحابة إلى أن أكل لحم الجَزُور ينقض الوضوء، ونُسب هذا الرأي إلى الشافعي في قول له، وإلى محمد بن الحسن من الأحناف. هذا وقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال: إن صحَّ الحديث في لحوم الإبل قلنا به. ونحن نقول نعم قد صح الحديث. قال البيهقي وهو شافعيُّ المذهب (بلغني عن أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم الحنظلي ـ أي ابن راهُوَيه ـ أنهما قالا قد صح في هذا الباب حديثان عن النبي ﷺ حديث البراء بن عازب وحديث جابر بن سمرة) ونحن نذكر الأحاديث كما يلي: ١- عن جابر بن سمرة «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضَّأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضَّأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا» رواه مسلم وأحمد وابن خُزَيمة. ٢- عن البراء بن عازب قال «سُئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضأوا منها، وسُئل عن لحوم الغنم فقال: لا تتوضأوا منها، وسُئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين، وسُئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة» رواه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن حِبَّان، ورواه ابن خُزَيمة وقال (لم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه) .

стр. 482

٣- عن ذي الغرَّة قال «عرض أعرابيٌّ لرسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ يسير فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل أفنصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: نعم، قال: أفنصلي في مرابض الغنم؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: لا» رواه أحمد والطبراني. قال الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (رجال أحمد مُوثَّقون) . ٤- عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال «إنما أتوضَّأ من أثوار أَقِطٍ أكلتها، لأنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضأوا مما مسَّت النار» رواه مسلم والنَّسائي. قوله أثوار ـ جمع ثور ـ: هي القطعة من الأقِط. وقوله الأقِط: هو اللبن الجامد المتحجِّر. وعن عائشة عن النبي ﷺ قال «توضأوا مما مسَّت النار» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ٥- عن جابر قال «أكلت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر خبزاً ولحماً، فصلوا ولم يتوضأوا» رواه أحمد وابن أبي شيبة. ورواه عبد الرزاق مطوَّلاً. ٦- عن جابر قال «كان آخِرَ الأمرين من رسول الله ﷺ تركُ الوضوء مما مسَّت النار» رواه النَّسائي وأبو داود وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. ٧- عن بُشَير بن يسار أن سويد بن النعمان أخبره «أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء، وهي أدنى خيبر، فصلى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يُؤتَ إلا بالسَّويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ» رواه البخاري وابن ماجة ومالك. قوله ثُري ـ بالتشديد والتخفيف ـ: أي بُلَّ بالماء لما لحقه من اليبس. والسَّويق: هو دقيق الشعير.

стр. 483

٨- عن ميمونة ﵂ «أن النبي ﷺ أكل عندها كتفاً، ثم صلَّى ولم يتوضأ» رواه البخاري. في هذه الأحاديث مسألتان أو مسألة ذات شقين هما: الوضوء من أكل لحوم الإبل، والوضوء من أكل ما مسَّته النار. وقد ذكرنا من قبلُ الفريقين المختلفين في الشق الأول، ونذكر الآن الفريقين المختلفين في الشق الثاني. إن من ذهبوا إلى أن الوضوء من أكل ما مسَّته النار لا يجب، أي أن أكل ما مسَّته النار لا ينقض الوضوء هم الخلفاء الراشدون الأربعة وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبيُّ بن كعب وأبو أمامة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله وعائشة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحق بن راهُوَيه وأبوثور وسفيان الثوري. قال النووي (إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسَّته النار) . أما من ذهبوا إلى أن أكل ما مسَّته النار ينقض الوضوء فهم عمر بن عبد العزيز وأبو قلابة والحسن البصري والزُّهري، ورواية ثانية عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي موسى وعائشة وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وإنما قلت رواية ثانية عن عبد الله بن عمر ... إلى أبي هريرة، لأن هؤلاء قد روي عنهم القول الأول وذُكروا مع الفريق الأول.

стр. 484

الأحاديث الثمانية تصلح للاحتجاج باستثناء السادس منها الذي رواه النَّسائي وغيره، فقد أعلَّه ابن حجر بعلَّتين فنطرحه. الحديث الأول «أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل» والحديث الثاني «سُئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل فقال توضأوا منها» والحديث الثالث «أفنتوضأ من لحومها؟ قال: نعم» والحديث الرابع «توضأوا مما مسَّت النار» والحديث الخامس «أكلت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر خبزاً ولحماً، فصلوا ولم يتوضأوا» والحديث السابع «فلم يُؤتَ إلا بالسَّويق فأمر به فَثُرِّي، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا.... ثم صلى ولم يتوضأ» والحديث الثامن «أكل عندها كتفاً ثم صلى ولم يتوضأ» . الأحاديث الثلاثة الأولى فيها أنَّ الأكل من لحوم الإبل ينقض الوضوء منطوقاً وصراحة، والحديث الرابع فيه الوضُوءُ مما مسَّت النار، والحديث الخامس فيه أنَّ أكلَ اللحم من فعل النبي ﷺ وفعل أبي بكر وعمر لا ينقض الوضوء، والحديث السابع فيه أن أكل السَّوِيق من فعل الرسول ﷺ وصحابته لا ينقض الوضوء، والحديث الثامن فيه أن أكل اللحم المطبوخ لا ينقض الوضوء. الأحاديث الثلاثة الأولى تأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، والحديث الرابع وحده يأمر بالوضوء من أكل ما مست النار، والأحاديث ٥، ٧، ٨ فيها أن أكل ما مسَّته النار لا ينقض الوضوء باختلاف الأحوال، فتارة اللحم، وتارة السَّوِيق ـ وهما مما مسته النار ـ وتارة من فعله ﵊، وتارة من فعل أصحابه رضوان الله عليهم، وتارة من فعله وفعل الصحابة معاً. من هذا الاستعراض نستخلص أن الوضوء من أكل ما مسته النار كان مطلوباً، ثم جاءت أحاديث متأخرة تبطل هذا الطلب وتنسخه. فحديث السَّوِيق كان في غزوة خيبر، وغزوة خيبر متأخرة، فيصلح ناسخاً، يشهد لذلك ما روى محمد بن مسلمة «أكل رسول

стр. 485

الله ﷺ مما غيرت النار ثم صلى ولم يتوضأ، وكان آخر أمريه» رواه البيهقي. فهو مصرِّح بالتأخر. وإذا وجد تعارض بين الأحاديث أُخذ بالمتأخر، وأحاديثُ إِبطال الوضوء متأخرة فيُعمل بها، وتعتبر ناسخة لأحاديث طلب الوضوء. ولا يقال إن أحاديث الوضوء قول، وأحاديث الترك فعل، لا يقال ذلك لأن حديث السَّويق فعلٌ من الصحابة على مرأى ومسمع من الرسول ﵊، بل فعلٌ منهم ومشاركة منه ﵊، فهو إقرار منه على فعلهم، إضافة إلى كونه فعلاً منه أيضاً، والإقرار منه يأخذ حكم القول منه، فيكون الموضوع أمراً منه أولاً بالوضوء ثم أمراً منه بالترك، أي يكون حكم الوضوء مما مسته النار منسوخاً. وبذلك يظهر أن القائلين بعدم الوضوء مما مسته النار هم المصيبون. ولا يبعد أن يكون الاختلاف في الصدر الأول على هذا الحكم ناتجاً عن كون القائلين بالوضوء لم يصلهم النسخ لأنه متأخر، ثم لما وصلهم رجعوا إليه وأجمعوا عليه إلا القليل منهم. هذا هو حكم أكل ما مسته النار، وقد بينا أنه لا ينقض الوضوء.

стр. 486

أما أكل لحم الإبل فإنه لا يوجد أي نص ينسخ حكم الوضوء منه. وقد أشكل على عدد من الأئمة كالشافعي قولُ جابر ترك الوضوء مما مست النار، وهو المُعلُّ بعلَّتين وهو «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار» فقالوا إن حديث جابر متأخر وهو نص في ترك الوضوء مما مسته النار، وإن لحم الجَزور يدخل في ما مسَّته النار، فيكون منسوخاً بهذا الحديث، ومنهم من أوَّلوا الأحاديث الثلاثة بأنها تعني الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين فحسب، وذلك لعلة الدَّسَم والزُّهُومة، فنجيبهم بأن حديث جابر ضعيف، فإن فيه انقطاعاً بين ابن المنكدر وجابر، فهو منقطع، وفيه عمرو بن منصور ضعفه أبو حاتم الرازي وذكر الخطيب أنه روى عن عليّ بن المديني خبراً منكراً، وفي سند أبي داود موسى بن سهم ضعيف، فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج.

стр. 487

قال الشوكاني في كتابه المسمى [إرشاد الفُحول] (قال الشافعية: إن تأخَّر العام عن وقت العمل بالخاص يُبنى العام على الخاص، لأن ما تناوله الخاص متيقن، وما تناوله العام ظاهر مظنون، والمتيقن أولى) فلو حكَّم الشافعيون قاعدتهم الأصولية لما قالوا بعدم نقض الأكل من لحوم الإبل للوضوء. أجل إن قاعدة الشافعي الأصولية صحيحة، وإعمالها يؤدي إلى القول بأن لحم الجَزور ينقض الوضوء. فالنووي وهو من الفقهاء الشافعيين قال (أما النسخ فضعيف أو باطل، لأن حديث ترك الوضوء مما مست النار عام، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص يقدَّم على العام سواء وقع قبله أو بعده) وعقَّب الشوكاني على قوله هذا بقوله (وهو مبنيٌّ على أنه يُبنى العام على الخاص مطلقاً كما ذهب إليه الشافعي وجماعة من أئمة الأصول وهو الحق) وقال الشوكاني في [إرشاد الفُحول] وهو كتابه في علم الأصول (وما احتجَّ به بأن العام المتأخر ناسخ من قولهم دليلان تعارضا وعُلِم التاريخ بينهما، فوجب تسليط المتأخر على السابق كما لو كان المتأخر خاصاً، فيجاب عنه بأن العام المتأخر ضعيف الدلالة فلا ينتهض لترجيحه على قويِّ الدلالة، وأيضاً في البناء جمعٌ وفي العمل بالعام ترجيحٌ، والجمع مقدَّم على الترجيح، وأيضاً في العمل بالعام إهمالٌ للخاص وليس في التخصيص إهمالٌ للعام كما تقدم) ثم إن الإمام الشافعي يقول: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. فهذا قول صريح في أنه لا يذهب إلى أن العام ينسخ الخاص، وإلا لما كان لقوله هذا معنى.

стр. 488

والحق أن الشافعية كلهم الذين يلتزمون بأصول إمامهم ينبغي عليهم القول بالوضوء من لحوم الإبل بعد أن ثبت أكثر من حديث صحيح في لحوم الإبل، وأن أتباعه لا ينبغي لهم ترك الوضوء من أكل لحوم الإبل بعد ثبوت الدليل، بل الأدلة التي لم تثبت عند الشافعي، وهذا ما تنبَّه له كثير من فقهاء الشافعية، فأخذوا بحكم النقض كابن المنذر والبيهقي وابن خُزَيمة. والنووي الشافعي يقول في كتابه [المجموع] عن حكم النقض (هو القوي أو الصحيح من حيث الدليل، وهو الذي أعتقد رجحانه) . أما الذين تأوَّلوا الأحاديث وعلَّلوها بأنها لأجل الزُّهومة، فنجيبهم بأن الزُّهومة كما هي موجودة في لحوم الإبل، فهي موجودة في لحوم الغنم، ولم يأمر الرسول ﷺ بالوضوء منها، فتنتفي حجتهم وتعليلهم. وأما قولهم إن الرسول ﷺ أراد الوضوء اللغوي أي غسل اليد، فنرد عليهم بقول النووي وهو أحدهم (أما حمل الوضوء على اللغوي فضعيف، لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدَّم على اللغوي كما هو معروف في كتب الأصول) وأيضاً إن القول بأن الأحاديث أرادت غسل اليدين يحتاج إلى دليل ولا دليل، وأيضاً إن الأحاديث لو أرادت غسل اليدين لما ترك الرسول ﵊ الأمر بذلك في لحوم الغنم في الأحاديث الآمرة بالوضوء من أكل لحم الجزور نفسها. والحق أن هذه التأويلات فاسدة وتركٌ للقول بالنقض الوارد في الأحاديث. والخلاصة أن لحم الجزور ناقض للوضوء، وأن أكل ما مسته النار من سائر اللحوم الأخرى ومن أصناف الأطعمة والأشربة لا ينقض بحال. ويدخل في لحوم الإبل كبدها وطحالها دون لبنها وحليبها.

стр. 489

أما ما استدل به بعضهم على نقض الوضوء من ألبان الإبل، وهو ما رواه ابن ماجة عن أسيد بن حضير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا توضئوا من ألبان الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل» . وما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم، وتوضئوا من ألبان الإبل، ولا توضئوا من ألبان الغنم، وصلُّوا في مُراح الغنم ولا تصلوا في معاطن الابل» . فهما حديثان ضعيفان، في الأول حجَّاج بن أرطأة ضعيف، وفي الثاني بقية بن الوليد ضعيف، وخالد بن يزيد بن عمر مجهول الحال، فلا يصلحان للاحتجاج، فيسقط قولهم. مسائل المسألة الأولى ما ينقض الطهارة الكبرى يعتبر ناقضاً للوضوء كالجماع وإنزال المني والردة عن الأسلام والحيض والنفاس، ولم نذكرها في نواقض الوضوء مكتفين بإدراجها في موجبات الغسل، وقد مرَّت. المسألة الثانية إذا شفي دائم الحَدَث مثل مَن به سَلَسُ البول أو الريح أو المستحاضة انتقض وضؤوه بمجرد حصول الشفاء، لأن طهارة هؤلاء طهارة ضرورة تقَدَّر بقدرها، ومثلهم صاحب الجبيرة فإنه إذا شفي جرحه أو جُبر كسره انتقض وضؤوه. وهذه الحالات كحال المتيمِّم طهارتهُ مرهونةٌ بوجود الماء، فإذا وجد الماء بطلت طهارته وبطل تيمُّمه. المسألة الثالثة من تيقَّن الطهارة، أي الوضوء، ثم شك هل انتقض وضؤوه أم لا فهو على طهارته، باق وضؤوُه، لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخَرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً

стр. 490

أو يجد ريحاً» رواه مسلم والترمذي وأبو داود. ولما روى عباد ابن تميم عن عمه «شُكي إلى النبي ﷺ الرجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي. قوله حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً: لا يعني وقوعَ الشيئين بالضبط بقدر ما يعني تيقن الخروج، فقد يحِسُّ بخروج الريح دون أن يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، فينتقض وضؤوه في هذه الحالة أيضاً. والحديثان يفيدان اطِّراح الشكوك والوساوس، والبناءَ على المتيقن، وهما إن ذكرا الريح كناقض فإنما ذكراه كمثالٍ فحسب، وإلا فكلٌّ ناقض يشمله الحديثان أيضاً. فلو شك في أنَّه بال أو شك في أنه تغوَّط، أو شك في أنه مسَّ فرجه فإن وضوءه باق، وهكذا. وأما ذِكْرُ المسجد في الحديث الأول فليس يفيد التقييد، وكذلك القول في ذِكْرِ الصلاة في الحديث الثاني، فالوضوء باق ولا يُنقض بالشك سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو خارجه، وهذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف، إلا أن عبد الرزاق روى عن الحسن وإبراهيم النخعي قولهما إنه يلزمه الوضوء إن كان الشك حصل خارج الصلاة، ولا يلزمه الوضوء إن كان شكُّه في الصلاة، وهذا رأيٌ ظاهرُ الضعف.

стр. 491

أما إن تيقَّن الحَدَث، أي عدم الوضوء، وشك هل توضأ أم لا، لزمه الوضوء، وهو أيضاً رأي جميع المسلمين، وهذا وما قبله يدخل في القاعدة الشرعية المسمَّاة بقاعدة الاستصحاب، وهي أن الحكم باق على أصله الأول لا يزول بالشك. قال الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه في الأُصول (المراد بالاستصحاب استصحابُ الحال، وقد عرَّفه علماء الأصول بأنه عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول، أي هو ثبوتُ أمرٍ في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى، فكل أمر ثبت وجوده ثم طرأ الشك في عدمه فالأصل بقاؤه، والأمر الذي عُلم عدمه ثم طرأ الشك على وجوده فالأصل استمراره في حال العدم) وقال ابن المبارك: إذا شك في الحَدَث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه، أما إذا تيقَّن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. وأنا وإن كنت لا أقول بإجماع المسلمين كدليل، إلا أن ذكر إجماع المسلمين في المسائل يفيدها قوة ويزيدنا اطمئناناً. المسألة الرابعة ذهب قطاع واسع من العلماء إلى أن زوال العقل بجنون أو إغماء أو سُكْر أو دواء ينقض الوضوء قياساً على النوم، وقالوا إن الذهول عند هذه الأسباب أبلغ من النوم. وأنا لا أرى هذا الرأي لأن القياس في العبادات لا يجوز إلا إن وجدت علَّة في النص، ولا علَّة في نقض النوم للوضوء فلا قياس. وأما الذين قاسوا فكانوا قد جعلوا نقض النوم للوضوء لعلَّة خروج الريح، فقالوا إن الجنون والإغماء والسُّكْر مظنَّةٌ لخروج الريح تماماً كالنوم وأنا لا أطيل في هذه النقطة، وحسبي أنني لم أجد نصاً ولو ضعيفاً يفيد نقض الإغماء أو زوال العقل للوضوء، وهذه عبادة، والعبادة يقام بها كما وردت، لا نزيد فيها ولا ننقص منها. المسألة الخامسة: لمس المرأة لا ينقض الوضوء

стр. 492

اختلف الأئمة والفقهاء في لمس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا ينقض، على أقوال: فذهب عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر والزُّهري وربيعة والشافعي إلى أن لمس المرأة ينقض الوضوء. وذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبيُّ بن كعب والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وطاووس وأبو حنيفة وأبو يوسف وابن جرير الطبري إلى أنه غير ناقض. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر الذَّكَر وإن لم يُمْذٍ. وذهب مالك وأحمد وإسحق بن راهُويه إلى أن اللمس بشهوة ناقض. وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسألة ونقف على الرأي الراجح نستعرض الأدلة كلها: ١- قوله تعالى ﴿أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلم تجِدُوا ماءً فتيَمَّمُوا﴾ وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقُريء ﴿أو لَمَسْتُم﴾ وهي قراءة حمزة والكِسائي. ٢- عن معاذ بن جبل ﵁ قال «أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله ما تقول في رجلٍ لقي امرأةً لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ قال فأنزل الله هذه الآية ﴿أَقِم الصَّلاةَ طَرَفيِ النَّهارِ وزُلَفاً من الليلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذهبنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية، قال: فقال له النبي- ﷺ : توضأ ثم صلٍّ، قال معاذ فقلت: يا رسول الله أَلَه خاصةً أم للمؤمنين عامةً؟ قال: بل للمؤمنين عامةً» رواه أحمد والترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم. ٣- عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عُروة: قلت لها: مَن هي إلا أنتِ؟ فضحكت» رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني.

стр. 493

٤- عن عائشة قالت «إنْ كان رسولُ الله ﷺ لَيُصلِّي، وإني لَمعترضةٌ بين يديه اعتراضَ الجنازة، حتى إذا أراد أن يُوتِر مسَّني برجله» رواه النَّسائي وأحمد. ٥- عن عائشة قالت «فقدتُ رسول الله ﷺ ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك» رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنَّسائي وأحمد. ٦- عن عائشة قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة» رواه مسلم والبخاري. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد نضع أيدينا معاً» ورواه النَّسائي بلفظ « ... من إناء واحد نغترف منه جميعاً» وله أيضاً بلفظ «قالت لقد رأيتُني أُنازع رسول الله ﷺ الإناء أغتسل أنا وهو منه» ورواه ابن حِبّان بلفظ «إني كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه وتلتقي» . ٧- عن أم سلمة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلها وهو صائم ثم لا يُفطر ولا يُحدث وضوءاً» رواه ابن جرير الطبري وصحَّحه. ٨- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قِبْلته، فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجليَّ، فإذا قام بسطتهما» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي.

стр. 494

الحديث الثاني منقطع لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قال الترمذي (هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ابن جبل) فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، أعني به الحديث الذي فيه زيادةُ الأمر بالوضوء والصلاة. والحديث الثالث ضعَّفه ناسٌ وصحَّحه آخرون، والحق أن هذا الحديث قد ضُعِّف لأنهم اعتبروا عُروة المذكور هو عُروة المُزَني كما جاء في سنن أبي داود، والمُزَني مجهول، إلا أن أحمد وابن ماجة والدارقطني قد صرَّحوا بأن عُروة هذا هو عُروة بن الزبير، فانتفى بذلك تضعيفهم لهذا الحديث، وأما تضعيف بعضهم للحديث بأن حبيباً لم يرو عن عُروة فغير مسلَّم به، لأن أبا داود قد أورد حديثاً صحيحاً رواه حبيب عن عروة، وهكذا يتضح أن تضعيف هذا الحديث غير صحيح، فيُقبَل ويصح الاستدلال به. والحديث الرابع قال الحافظ ابن حجر فيه (إسناده صحيح) والحديث الخامس صحيح هو الآخر. والأحاديث الثلاثة الأخيرة صحيحة. وبذلك يُطرح الحديث الثاني فحسب، وتبقى الأحاديث الأخرى.

стр. 495

نبدأ بالنص الأول لأنه الأصل، قوله ﴿أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا﴾ جاء في الآية ٣٤ من سورة النساء، وفي الآية ٦ من سورة المائدة. آية النساء هي ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارى حتى تَعْلَمُوا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ حتى تغتسلوا وإنْ كُنتم مَرضَى أَو على سَفَرٍ أو جاء أَحَدٌ منكُمْ مِن الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُم وأَيْدِيْكُمْ إنَّ الله كان عَفُوَّاً غَفُوراً﴾ وآية المائدة هي ﴿يا أيُّها الذين آمنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيدِيَكُم إلى المرافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرجُلَكُم إلى الكَعْبَينِ وإنْ كُنْتُم جُنُباً فاطَّهَّروا وإنْ كُنتم مَرضَى أَو على سَفَرٍ أَو جاء أَحَدٌ مِنْكُم مِن الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم منه ما يرِيدُ اللهُ ليجْعَلَ عليكُمْ مِن حَرَجٍ ولكنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُم ولِيُتِمَّ نِعمتَهُ عليكُم لعلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ .
следующие страницы →