← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أما إن تيقَّن الحَدَث، أي عدم الوضوء، وشك هل توضأ أم لا، لزمه الوضوء، وهو أيضاً رأي جميع المسلمين، وهذا وما قبله يدخل في القاعدة الشرعية المسمَّاة بقاعدة الاستصحاب، وهي أن الحكم باق على أصله الأول لا يزول بالشك. قال الشيخ تقي الدين النبهاني في كتابه في الأُصول (المراد بالاستصحاب استصحابُ الحال، وقد عرَّفه علماء الأصول بأنه عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول، أي هو ثبوتُ أمرٍ في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى، فكل أمر ثبت وجوده ثم طرأ الشك في عدمه فالأصل بقاؤه، والأمر الذي عُلم عدمه ثم طرأ الشك على وجوده فالأصل استمراره في حال العدم) وقال ابن المبارك: إذا شك في الحَدَث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه، أما إذا تيقَّن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. وأنا وإن كنت لا أقول بإجماع المسلمين كدليل، إلا أن ذكر إجماع المسلمين في المسائل يفيدها قوة ويزيدنا اطمئناناً. المسألة الرابعة ذهب قطاع واسع من العلماء إلى أن زوال العقل بجنون أو إغماء أو سُكْر أو دواء ينقض الوضوء قياساً على النوم، وقالوا إن الذهول عند هذه الأسباب أبلغ من النوم. وأنا لا أرى هذا الرأي لأن القياس في العبادات لا يجوز إلا إن وجدت علَّة في النص، ولا علَّة في نقض النوم للوضوء فلا قياس. وأما الذين قاسوا فكانوا قد جعلوا نقض النوم للوضوء لعلَّة خروج الريح، فقالوا إن الجنون والإغماء والسُّكْر مظنَّةٌ لخروج الريح تماماً كالنوم وأنا لا أطيل في هذه النقطة، وحسبي أنني لم أجد نصاً ولو ضعيفاً يفيد نقض الإغماء أو زوال العقل للوضوء، وهذه عبادة، والعبادة يقام بها كما وردت، لا نزيد فيها ولا ننقص منها. المسألة الخامسة: لمس المرأة لا ينقض الوضوء

стр. 492

اختلف الأئمة والفقهاء في لمس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا ينقض، على أقوال: فذهب عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر والزُّهري وربيعة والشافعي إلى أن لمس المرأة ينقض الوضوء. وذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبيُّ بن كعب والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وطاووس وأبو حنيفة وأبو يوسف وابن جرير الطبري إلى أنه غير ناقض. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر الذَّكَر وإن لم يُمْذٍ. وذهب مالك وأحمد وإسحق بن راهُويه إلى أن اللمس بشهوة ناقض. وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسألة ونقف على الرأي الراجح نستعرض الأدلة كلها: ١- قوله تعالى ﴿أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلم تجِدُوا ماءً فتيَمَّمُوا﴾ وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقُريء ﴿أو لَمَسْتُم﴾ وهي قراءة حمزة والكِسائي. ٢- عن معاذ بن جبل ﵁ قال «أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله ما تقول في رجلٍ لقي امرأةً لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ قال فأنزل الله هذه الآية ﴿أَقِم الصَّلاةَ طَرَفيِ النَّهارِ وزُلَفاً من الليلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذهبنَ السَّيِّئاتِ﴾ الآية، قال: فقال له النبي- ﷺ : توضأ ثم صلٍّ، قال معاذ فقلت: يا رسول الله أَلَه خاصةً أم للمؤمنين عامةً؟ قال: بل للمؤمنين عامةً» رواه أحمد والترمذي والدارقطني والبيهقي والحاكم. ٣- عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عُروة: قلت لها: مَن هي إلا أنتِ؟ فضحكت» رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني.

стр. 493

٤- عن عائشة قالت «إنْ كان رسولُ الله ﷺ لَيُصلِّي، وإني لَمعترضةٌ بين يديه اعتراضَ الجنازة، حتى إذا أراد أن يُوتِر مسَّني برجله» رواه النَّسائي وأحمد. ٥- عن عائشة قالت «فقدتُ رسول الله ﷺ ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك» رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنَّسائي وأحمد. ٦- عن عائشة قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة» رواه مسلم والبخاري. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ «كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد نضع أيدينا معاً» ورواه النَّسائي بلفظ « ... من إناء واحد نغترف منه جميعاً» وله أيضاً بلفظ «قالت لقد رأيتُني أُنازع رسول الله ﷺ الإناء أغتسل أنا وهو منه» ورواه ابن حِبّان بلفظ «إني كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه وتلتقي» . ٧- عن أم سلمة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلها وهو صائم ثم لا يُفطر ولا يُحدث وضوءاً» رواه ابن جرير الطبري وصحَّحه. ٨- عن عائشة ﵂ قالت «كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قِبْلته، فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجليَّ، فإذا قام بسطتهما» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي.

стр. 494

الحديث الثاني منقطع لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قال الترمذي (هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ ابن جبل) فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، أعني به الحديث الذي فيه زيادةُ الأمر بالوضوء والصلاة. والحديث الثالث ضعَّفه ناسٌ وصحَّحه آخرون، والحق أن هذا الحديث قد ضُعِّف لأنهم اعتبروا عُروة المذكور هو عُروة المُزَني كما جاء في سنن أبي داود، والمُزَني مجهول، إلا أن أحمد وابن ماجة والدارقطني قد صرَّحوا بأن عُروة هذا هو عُروة بن الزبير، فانتفى بذلك تضعيفهم لهذا الحديث، وأما تضعيف بعضهم للحديث بأن حبيباً لم يرو عن عُروة فغير مسلَّم به، لأن أبا داود قد أورد حديثاً صحيحاً رواه حبيب عن عروة، وهكذا يتضح أن تضعيف هذا الحديث غير صحيح، فيُقبَل ويصح الاستدلال به. والحديث الرابع قال الحافظ ابن حجر فيه (إسناده صحيح) والحديث الخامس صحيح هو الآخر. والأحاديث الثلاثة الأخيرة صحيحة. وبذلك يُطرح الحديث الثاني فحسب، وتبقى الأحاديث الأخرى.

стр. 495

نبدأ بالنص الأول لأنه الأصل، قوله ﴿أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا﴾ جاء في الآية ٣٤ من سورة النساء، وفي الآية ٦ من سورة المائدة. آية النساء هي ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارى حتى تَعْلَمُوا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ حتى تغتسلوا وإنْ كُنتم مَرضَى أَو على سَفَرٍ أو جاء أَحَدٌ منكُمْ مِن الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُم وأَيْدِيْكُمْ إنَّ الله كان عَفُوَّاً غَفُوراً﴾ وآية المائدة هي ﴿يا أيُّها الذين آمنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيدِيَكُم إلى المرافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرجُلَكُم إلى الكَعْبَينِ وإنْ كُنْتُم جُنُباً فاطَّهَّروا وإنْ كُنتم مَرضَى أَو على سَفَرٍ أَو جاء أَحَدٌ مِنْكُم مِن الغَائِطِ أو لامَسْتُمُ النِّساءَ فلم تَجِدُوا ماءً فتيمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُم منه ما يرِيدُ اللهُ ليجْعَلَ عليكُمْ مِن حَرَجٍ ولكنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُم ولِيُتِمَّ نِعمتَهُ عليكُم لعلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ .

стр. 496

آية النساء خطابٌ للمؤمنين أن لا يقربوا مواضع الصلاة ـ أي المساجد ـ وهم سُكارى وأن لا يقربوها إذا كانوا جُنُباً إلا مروراً فقط حتى يغتسلوا من الجنابة. هذا هو صدر الآية، وأما نصفها الثاني فإنه أراد أن يبين للمسلمين حكم التيمُّمِ عند فقْد الماء، فأتى بالحالات التي يكون فيها المسلم محتاجاً إلى التيمُّم عند فَقْد الماء، فقال النِّصفُ الثاني ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي حالة المرض ﴿أو على سفرٍ﴾ أي حالة السَّفر، ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي حالة الحَدَث الأصغر ﴿أو لامستم النِّساء﴾ أي حالة ... ، فلم تجدوا ماء فتيمَّموا. فالناظر في سياق الآية يجد أن الفراغ عقب ﴿أو لامستم النساء﴾ لا تناسبه إلا حالةُ الحَدَثِ الأكبر، ولا تناسبه حالة الحَدَثِ الأصغر، فبوضعِ حالة الحَدَثِ الأكبر في الفراغ تكتمل جميع حالات التيمم عند فَقْدِ الماء، ولكن إن وضعنا حالة الحَدَثِ الأصغر فإنَّ الحالات لا تكتمل، ويكون في الآية تكرارٌ لا يفيد معنى جديداً. ولذا فإن الأصل والأكرم للتعبير القرآني أن يُؤوَّل بما يفيد الكمال والتمام. فالصحيح إذن أن نقول إن الفراغ ينبغي ملؤُه بحالة الحَدَثِ الأكبر، أو حالة الجنابة هنا، وإذا كان ذلك كذلك فإنَّ لامستم تُفسَّر بالجماع، ولا تُفسَّر بمسِّ بدن المرأة. أجل إن تركيب الآية وأسلوبها يقتضيان أن يكون المراد بالملامسة الجماع، فإنه سبحانه عدَّ من مقتضيات التيمُّمِ المجيءَ من الغائط تنبيهاً على الحَدَث الأصغر، وعدَّ الملامسة تنبيهاً على الحَدَثِ الأكبر، وهو مقابلٌ لقوله تعالى في الأمر بالغُسل بالماء ﴿ولا جُنُباً إلا عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا﴾ ولو حُملت الملامسة على اللمس الناقض للوضوء لفات التنبيه على أن التراب يقوم مقام الماء في رفع الحدث الأكبر.

стр. 497

وآية المائدة تزيد الموضوع وضوحاً وتقوِّي هذا التفسير لآية النساء، فصدر الآية طلب الوضوء وبيَّنه، ثم طلب إزالة الجنابة، أي طلب رفع الحدثين الأصغر والأكبر، وذلك باستعمال الماء، ثم جاء الشطر الثاني للآية ليبيِّن حكم التيمُّم عند فقْدِ الماء، وليُستوفَى البحثُ كله، فقالت الآية ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي حالة المرض ﴿أو على سفرٍ﴾ أي حالة السفر ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي حالة الحَدَث الأصغر ﴿أو لامستم النساء﴾ أي حالة الجنابة أو الحَدَث الأكبر ﴿فلم تجدوا ماء فتيمَّموا﴾ أي تيمَّموا لحالتي الحَدَث الأكبر والحَدَث الأصغر، وهما الحالتان المذكورتان في صدر الآية واستُعْمِل فيهما الماء وأضاف إليهما العُذرين المبيحين للتيمُّمِ وهما حالة المرض وحالة السَّفر. وبذلك تكون الآية تامة أتت على جميع الحالات والأعذار للتيمُّم، ويُستبعد بهذا التفسير النقصُ في ذكر الحالات فيما لو فُسِّرت ﴿أو لامستم﴾ بالمسِّ باليد.

стр. 498

وكان يمكن تصوُّرُ آيةٍ من الآيتين تنقُص فيها حالاتُ التيمُّم، أما وأنَّ الآيتين جاءتا لبيان حكم الوضوء والجنابة والتيمُّم، وذكرتا الحالات التي يُستعمل فيها التراب بدل الماء، وكانتا على نسقٍ واحدٍ، فإن النقص في الآيتين للحالات مستبعَدٌ تماماً. وعليه فإن لامستم لا يناسبها إلا تفسيرُها بالجماع. وممن ذهب إلى هذا التفسير علي بن أبي طالب وأبيُّ بن كعب وعبد الله بن عباس وهم أعلم الصحابة بتأويل كتاب الله، وفسَّرها كذلك أبوحنيفة ومجاهد وطاووس والحسن وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والطبري والشوكاني وهم من أشهر المفسرين لكتاب الله من السلف والخلف ومن أشهر الفقهاء. وهذا التفسير فضلاً عن أنه تفسيرٌ فقهي فهو أيضاً تفسير تحتمله اللغة وورد مثله في عدد من آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى ﴿ثم طلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي تجامعوهن، وقوله ﴿وإنْ طلَّقْتُموهنَّ مِن قَبْلِ أِنْ تَمَسُّوهُن﴾ أي تجامعوهن، وقوله ﴿ولم يَمْسَسْني بَشرٌ﴾ أي لم يجامعْني، ومثلها أو قريبٌ منها قوله تعالى ﴿فالآن باشروهن﴾ أي جامعوهُنَّ. وورد في الحديث عن المرأة التي تزني «لا تردُّ يدَ لامس» كناية عن الجماع بالسفاح. فالقرآن الكريم والسنة النبوية ذكرا اللمس والمسَّ والمباشرة بمعنى الجماع، فهي لغةٌ وهي شرعٌ وهي فقهٌ، وقد جاءت الآيتان الكريمتان بقراءتين ﴿لامَسْتم﴾ و ﴿لمسْتم﴾ وفرَّق محمد بن زيد بينهما في المعنى فقال: الأَولى في اللغة أن يكون لامستم بمعنى قبَّلتم أو نظيره لأن لكل واحد منهما فعلاً. وقال: ولمستم بمعنى غشِيتم ومسستم، وليس للمرأة في هذا فعلٌ. فصارت الآيتان تحتملان المعنيين لغة.

стр. 499

وما دام اللمس يحتمل الجماع لغة، كما يحتمل المس باليد لغة أيضاً، فإن القرينة هي التي تحدِّد أيَّاً من المعنيين لهذه اللفظة، وما ذكرناه من سياق الآية الفقهي هو قرينة على أن المعنى المراد من لامستم هو الجماع، وهذا ما تستريح له النفوس. أما تفسيرها بالمس باليد فهو تفسير لغوي دون نظرٍ في القرينة، ودون إنعامِ نظرٍ في سياق الآيتين الكريمتين. والملفت أن الذين فسَّروها بالمس باليد ساقوا أحاديث تثبت أن اللمس يعني المس باليد لغة، وكأن هذه قضية مختلَفٌ عليها يراد الإتيان بالبراهين عليها، فنحن نوافقهم على أن اللمس يعني المسَّ باليد لغة دون حاجة للإتيان بالبراهين عليه، وإنما الواجب عليهم أن يأتوا بالقرائن على أن الآية عنت هذا المعنى دون المعنى الآخر. إذن الآية تفيد الجماع، ولكن حتى لا نغلق بسرعة باب النقاش لننظر في الأحاديث التي تصلح لبيان وتفسير هذه اللفظة القرآنية، وتصلح من ثم كقرائن على المعنى المقصود. استدلوا بالحديث الثاني على أن اللمس ينقض الوضوء، فقالوا إن الرجل في الحديث لمس المرأة وأوشك أن يجامعها إلا أنه لم يفعل، فأمره الرسول ﷺ أن يتوضأ، وهذا عندهم دليل على أن اللمس ينقض الوضوء. فنرد عليهم بأن هذا الحديث منقطع وضعيف كما أسلفنا فلا يصلح للاستدلال، وأن أصل القصة في الصحيحين، وأن الرسول ﵊ لم يُرو عنه أنه أمر الرجل بالوضوء ولا حتى بالصلاة، فالحادثة واحدة رُويت في الصحاح بدون طلب الوضوء، ورُويت في الحديث الضعيف بالأمر بالوضوء، فتُؤخذ الأحاديث الصحيحة ويُردُّ الحديث الضعيف، فهذا الحديث إذن لا يُسعفهم. واستدلوا أيضاً بقول عمر ﵁ «إن القبلة من اللمس فتوضأ منها» وبأن ابن عمر «كان يرى القُبلة من اللمس، ويأمر فيها بالوضوء» وبقول ابن مسعود «القُبلة من اللمس وفيها الوضوء» روى هذه الآثار الثلاثة الدارقطني والبيهقي.

стр. 500

فنقول إن هذه الآثار هي أقوال صحابة، وأقوال الصحابة ليست أدلة، وواقعها أنها أفهام لهم واجتهادات نحن غير ملزَمين به، سيما إذا علمنا أن عدداً من الصحابة والتابعين قالوا بخلاف ذلك، منهم حبر هذه الأمَّة وترجمان القرآن ابن عباس ﵁، فعن سعيد بن جبير قال «تذاكرنا اللمس فقال أُناس من الموالي: ليس من الجماع، وقال أُناس من العرب: هي من الجماع، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: مع أيِّهم كنتَ؟ قلت: مع الموالي، قال: غُلبت الموالي، إن اللمس والمباشرة من الجماع ولكن الله يَكْني ما شاء بما شاء» رواه البيهقي. ورواه عبد الرزاق ولفظه « ... أخطأ الموليان وأصاب العربي، وهو الجماع ولكن الله يعفُّ ويَكْنِي» . فهذه تعادل تلك، وهي كلها أفهامٌ واجتهادات وليست أدلة ونصوصاً صالحة للبيان والقرائن. والأدلة هي القرآن وأحاديث الرسول ﷺ . ... وقد نظرنا في القرآن الكريم، وننظر الآن في الأحاديث الشريفة المتبقية. الحديث الثالث «قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» والحديث الرابع «إذا أراد أن يوتِر مسَّني برجله» والحديث الخامس «فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان» والحديث السادس «مِن إناءٍ واحد تختلف أيدينا فيه» ، «من أناء واحد نضع أيدينا معاً» ، «من إناء واحد نغترف منه جميعاً» ، «لقد رأيتُني أُنازع رسول الله ﷺ الإناء» ، «من إناء واحد تختلف أيدينا فيه وتلتقي» والحديث السابع «كان يُقبِّلها وهو صائم، ثم لا يُفطر ولا يُحدث وضوءاً» والحديث الثامن «فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ، فإذا قام بسطتهما» .

стр. 501

الحديث الرابع فيه أن الرسول ﷺ مسَّ عائشة برجله وهو يصلي، والحديث الثامن فيه أنه غمزها وهو يصلي، أي أن الحديثين يدلان على أن الرسول ﵊ مسَّ عائشة وهو في الصلاة ولم يقطع صلاته. والحديث الخامس فيه أن عائشة مسَّت الرسول ﷺ بيدها وهو في الصلاة فلم يقطعها. والحديث الثالث والحديث السابع فيهما أن الرسول ﵊ كان يقبِّل نساءه ولا يتوضأ، أي أن التقبيل لا ينقض وضوءه. والحديث السادس فيه دلالة على أنه كان يلمس زوجته وتلمسه زوجته ولا ينتقض وضوؤهما. وهذا الحديث بحاجة إلى شرحٍ وبيانِ وجهِ الاستدلال لخفائه فأقول:

стр. 502

إن لمس المرأة لو كان ينقض الوضوء لما سمحا لأيديهما بالاغتراف معاً في أثناء الغسل حتى لا يلمس أحدهما الآخر فينتقض وضوؤُهما، فيخرجان من الغُسل غير طاهرين طهارة صغرى، أي يكونان حينئذ قد اغتسلا وخرجا دون وضوء. والمعلوم أن الرسول ﵊ قد ثبت عنه أنه لم يكن يتوضأ عقب الغسل، فقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «كان رسول الله- ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة» رواه ابن ماجة والنَّسائي والبيهقي. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) ورواه الحاكم وقال (هذا حديث صحيح) . والرسول ﵊ قد أرشد أمته إلى أن الغسل يكفي للصلاة، وأن الوضوء يدخل فيه، فكونه يغتسل مع زوجته من إناء واحد تمتد إليه أيديهما معاً ويتنازعان الإناء وتلتقي أيديهما فيه ثم لا يتوضأ ولا يأمر زوجته بالوضوء، هو دليلٌ وحجةٌ على أن التقاء الأيدي لا ينقض الوضوء، لأنه لا يجوز السكوت في معرَض الحاجة والبيان. فهذا الحديث دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو فِعلٌ منه ﵊ وفعلٌ من زوجته، وسكوت منه على ذلك وإقرار. فإذا كان الحديث الثالث ـ وهو فعلٌ منه ﵊ والحديث الرابع ـ وهو فعلٌ ـ والحديث السابع ـ وهو فعلٌ ـ والحديث الثامن ـ وهو فعلٌ ـ تفيد كلها أن الرسول ﵊ كان يلمس نساءه ولا يتوضأ، أي إذا كانت أربعة أحاديث تقرر أن الرسول ﵊ لمس النساء ولم يتوضأ، فإن ذلك دليل صريح على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، فثبوت لمس الرسول ﵊ للنساء وعدم وضوئه حصل بأربعة أحاديث صحيحة وصالحة للاحتجاج، وهذا من أقوى أنواع الإثبات.

стр. 503

وفي المقابل لا يوجد حديث واحد من فعله ﵊ أو حتى من فعل صحابي أَمامه أنه لمس وتوضأ، أي لمس صحابي وتوضأ بإقرارٍ من الرسول ﵊، فهذا قرينةٌ صالحة لتعيين المراد من الآيتين الكريمتين، وأنهما تعنيان الجماع، أو قُل تنفيان النقض من مجرد اللمس بأشكاله المتعددة من التقبيل والمس باليد والغمز بالرِّجل. وقد يقول قائل إن الآيتين أتتا بنقض اللمس باليد، والأحاديث فعلٌ منه ﵊ بعدم النقض، فتحمَل الأحاديثُ على أنها من خصوصياته ﵊، فنرد عليه: إنَّا لا نسلِّم بهذا القول، لأننا لا نسلِّم بأن الآيتين أتتا بالنقض، بل إنَّا بالتساهل نقول إن الآيتين محتملتان، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، فأحرى أن لا يُبنى على أيٍّ من المعنيين وتُحمَل الأحاديثُ على دلالة محتملة. فهذا لا يصح القول به. أجل لو كانت الآيتان لا تفيدان إلا النقض، وجاءت أفعال الرسول ﵊ بعدم النقض، فإن الفعل أو الأفعال منه ﵊ يصح حملها على أنها من خصوصياته، أما في حالتنا هذه فلا يصح الحمل. والثانية إنَّ الأحاديث تفسر القرآن ولا تتعارض معه، وكون الآيتين بالتساهل تحتملان المعنيين، فإن الأحاديث إذا جاءت بفعل أو بقول صلحت لتفسير الآيتين وتعيين المراد من المعنيين المحتملين، وهنا أفعال الرسول ﵊ صالحة لبيان معنى الآيتين، وتحديد المعنى المقصود منهما، وهذا القول أولى من القول بوجود التعارض بين القرآن والحديث حتى نُضطر للُّجوء إلى القول بخصوصية الأفعال للرسول ﵊، ذلك أنَّ القول بالخصوصية لا يُلجأ إليه عادة إلا إذا تحقق التعارض ولم يمكن الجمع والتوفيق، وهنا أمكن الجمع والتوفيق.

стр. 504

والثالثة إن الأحاديث لم تقتصر على فعله ﵊ بل أتت بأفعال غيره وإقرارِ منه لها، فقد أبانت الأحاديث عن أنَّ نساءه كنَّ يلمسن الرسول ﵊ بالتقبيل وغيره، ولم يكن يبين لهن أن وضوءهن قد نُقض، مع وجود الدواعي لهذا البيان لو كان اللمس ينقض وضوءهن، فهذا أيضاً قرينة على صحة ما نذهب إليه. والرابعة إن عندنا نصاً يفيد أن نساء الرسول ﷺ كن يفهمن أن تقبيل الرسول ﷺ لهنَّ دون أن ينتقض وضوؤه ليس من خصوصياته، بل يشمل سائر المسلمين، فقد روى الدارقطني بسند جوَّده الحافظ آبادي عن عائشة ﵂ «أنها بلغها قول ابن عمر: في القُبلة الوضوءُ، فقالت: كان رسول الله ﷺ يقبِّل وهو صائم ثم لا يتوضأ» . بل إن الدارقطني روى عن عائشة ما هو أصرح وأقطع في الحجة، فقد روى عنها بسند سكت عنه، كما سكت عنه الحافظ آبادي «أن النبي ﷺ قال: ليس في القُبلة وضوءٌ» . قال ابن جرير الطبري في تفسيره (وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ من قال عَنَى الله بقوله أو لامستم النساء الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلَّى ولم يتوضأ) ثم ساق الأحاديث: عن عائشة حديثين، وعن زينب السهمية حديثاً، وعن أم سلمة حديثاً وهو المذكور تحت بند ٧، وعقب على ذلك فقال (ففي صحة الخبر فيما ذكرنا عن رسول الله ﷺ الدلالة الواضحة على أن اللمس في هذا الموضع لمس الجماع لا جميع معاني اللمس) .

стр. 505

لهذا كله فإن لمس المرأة بيدها أو بفمها أو برجلها أو بأيِّ عضو منها لا ينقض الوضوء وإن الناقض هو الجماع لا غير. وبهذا الرأي نكون قد أعملنا الآيتين وجميع الأحاديث الصحيحة والصالحة للاستدلال، سواء منها ما جاء من فعله ﵊ أو من قوله، أو من فعل صحابته بإقرارٍ منه وسكوت، ونكون قد ابتعدنا عن القول بالتعارض الذي يُلجئنا إلى التأويل أو ادِّعاء الخصوصية. ونحن وقد خطَّأنا الرأي القائل بأن اللمس ينقض نكون قد أظهرنا خطأ الرأي القائل إن اللمس بشهوة ينقض الوضوء، إذ ما دام التقبيل الذي يكون عادة بشهوة لا ينقض، وهو أعلى درجات اللمس بشهوة، فإن اللمس بشهوة لا شك أنه غير ناقض. وأما الرأي القائل إنَّ مَن جلس إلى زوجته وتباشر الفرجان وانتشر الذَّكَر انتقض وضوؤه وإن لم يُمْذِ، فهو رأي لا سند له سوى حديث معاذ، وقد بيَّنا ضعفه وعدم صلاحه للاستدلال والاحتجاج. وبذلك نفرغ من هذه المسألة، ونخلُص إلى الرأي القائل إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بدون شهوة. الفصل الثالث عشر التَّيمُّم تعريف التيمُّم ومشروعيته تعريف التيمُّم التيمُّم لغةً القصد والتَّوجُّه، يقال تيمَّمتُ فلاناً أي قصدته وتوجَّهت إليه، قال تعالى ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيْثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ولا تقصدوا. وقال امرؤ القيس: تيمَّمتُها مِن أَذْرُعاتٍ وأهلُها ...بيثربَ أَدنى دارِها نَظَرٌ عالي قوله تيممتها: أي قصدتها.

стр. 506

وفي الشرع [التطهُّر بما نَعُم من أديم الأرض بكيفيةٍ مخصوصةٍ لعدم الماء أو لعذرٍ مانعٍ من استعماله] وهذا التعريف جامع مانع مختصر، وهو أصحُّ من تعاريف أتى بها عدد من الفقهاء من مثل: طهارة بالتراب يقوم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله لعدمٍ أو مرض. ومثل: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنيَّة استباحة الصلاة ونحوها. ومثل: إيصال التراب الطهور إلى الوجه واليدين بشرائطَ مخصوصةٍ. فهذه تعاريف غير دقيقة وغامضة. فالتعريف الأول لم يجمع الأسباب والأعذار المبيحة للتيمم. والتعريف الثاني لم يتطرق لهذه الأسباب والأعذار. والتعريف الثالث استعمل لفظة الشرائط وهي هنا غامضة لأنه أدخل تحتها الكيفية والأعذار وهما متغايران. إضافة إلى أن كلمة التراب في التعريف الأول والتعريف الثاني بحاجة إلى بيان، وكذلك القول في اليدين في التعريفين الثاني والثالث، وكان الأحق أن يقال (الكفين) بدل اليدين. مشروعية التيمُّم الكتاب الكريم والسنة الشريفة وإجماع الصحابة. والتيمُّم معلوم من الدين بالضرورة، بمعنى أن منكره كافر، والنصوص الشرعية الدالة على مشروعيته كثيرة نجتزيء منها ما يلي: ١- عن عائشة ﵂ «أنها استعارت من أسماء قلادةً فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتَوا النبي ﷺ شكَوْا ذلك إليه، فنزلت آية التيمُّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود وابن ماجة.

стр. 507

٢- آية التيمُّم وهي قوله تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المرافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطَّهَّروا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو على سَفَرٍ أَو جَاء أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الغَائِطِ أو لامَسْتُم النِّسَاءَ فلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْدَاً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيْكُمْ مِنْهُ ما يُرِيْدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عليكُمْ مِنْ حَرَجٍ ولكِنْ يُرِيْدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عليْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. ٣- قوله تعالى في الآية ٤٣ من سورة النساء ﴿ ... فلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْدَاً طَيِّبَاً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيْكُمْ إنَّ اللهَ كانَ عَفُوَّاً غَفُورَاً﴾ . ٤- عن أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال «جُعِلت الأرضُ كلها لي ولأُمتي مسجداً وطَهوراً، فأينما أدركتْ رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وعنده طَهورُه ... » رواه أحمد بسند رواته ثقات إلا سيَّاراً الأموي وهو صدوق. ورواه البيهقي. ٥- عن جابر أن النبي ﷺ قال «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً، فأيُّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فلْيصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس عامَّة» رواه البخاري وأحمد ومسلم والنَّسائي.

стр. 508

٦- عن عمران بن حصين قال «كنا في سفر مع النبي ﷺ ... ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزل لم يُصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ... » رواه البخاري وأحمد. ورواه النَّسائي وابن أبي شيبة مختصراً. وجه الاستدلال بهذه النصوص ظاهر، وأُلفت النظر إلى أن الحديث الأول جاء فيه أن الله سبحانه أنزل آية التيمم. وإنني أثبتُّ آية المائدة وليس آية النساء على أنها هي المقصودة، وأنها هي آية التيمم. وقد وقع بين المفسرين والفقهاء خلاف في هذه المسألة، فقال ناس إن آية النساء هي آية التيمُّم، وقال آخرون إن آية المائدة هي آية التيمُّم، وتردد آخرون بين الآيتين ولم يقطعوا برأي. والصحيح هو ما أثبته ابنُ حجر من أنها هي آيةُ المائدة، فهو بعد أن ساق حديث عائشة في البخاري عن التيمُّم قال (قال ابن العربي هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنَّا لا نعلم أيَّ الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال هي آية النساء أو أية المائدة، وقال القرطبي هي آية النساء، وكذلك قال الواحدي هي آية النساء، وقد خَفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله: فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، أخرجها البخاري في التفسير) . وأزيد على قول ابن حجر ما رواه البخاري من طريق شقيق قال «كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال له أبو موسى: لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أمَا كان يتيمَّم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً

стр. 509

طيباً ... » الحديث وهو طويل، رواه البخاري في باب التيمُّم تحت عنوان [التيمُّم ضربة] . فقد جاء في هذا الحديث أن الصحابة حين يذكرون التيمُّم يذكرون سورة المائدة، مما يدل على أنها دون سورة النساء هي سورة التيمُّم رغم أن النَّصَّين متشابهان. وقد أجمع الصحابة على مشروعية التيمم، وأجمع من بعدهم العلماءُ لم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف، إلا أنه حصل خلاف في: هل التيمُّم يكون لرفع الحَدَث الأكبر والحَدَث الأصغر، أم لرفع الحَدَث الأصغر فقط؟ فذهب جمهور الصحابة وسائر المسلمين إلى مشروعية التيمُّم للصلاة من غير فرق بين الجنب وغيره، ولم يخالف في ذلك إلا ما رُوي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ من عدم جوازه للجُنُب، ذكر ذلك عنهما ابن أبي شيبة. إلا أن ابن أبي شيبة روى عن الضحاك أنه قال «رجع عبد الله عن قوله في التيمُّم» . وقيل إن عمر بن الخطاب ﵁ قد رجع عن قوله هو الآخر. وعلى أية حال فقد جاءت الأحاديث الصحيحة بجوازه فيتعين القول به وطرح ما سواه وقد مر الحديث السادس الصحيح الذي يفيد التيمُّم للجنب، وكذلك روى عمار بن ياسر قال «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبتُ، فلم أجد الماء فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة، ثم أتيت النبيَّ ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» رواه مسلم. ورواه البخاري بألفاظ قريبة منه. أما أنه مشروع لرفع الحَدَث الأصغر فلم يختلف فيه مسلمان اثنان، ويكفي أن أشير إلى أن الحديث الأول الذي روته عائشة ﵂ يفيد ذلك إضافةً إلى آية التيمُّم.

стр. 510

والتيمُّم اختصت به هذه الأمة دون سائر الأمم السابقة، يدل عليه الحديث الخامس الذي رواه جابر، فقول الرسول ﵊ في أول الحديث «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي» ثم ذكر «وجُعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً» صريح الدلالة على ذلك. أما سبب نزول آية التيمُّم ـ وهي الآية السادسة من سورة المائدة ـ فهو ما ذكرته عائشة ﵂ قالت «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء ـ أو بذات الجيش ـ انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضعٌ رأسَه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسولِ الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمُّم فتيمَّموا، فقال أُسيد بن الحُضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العِقد تحته» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. كيفية التيمُّم وردت كيفية التيمم في مجموعتين رئيسيتين هما: مجموعة الأحاديث المروية من طريق عمار بن ياسر، ومجموعة الأحاديث المروية من طريق عبد الله بن عمر. ووردت الكيفية من طريق أخرى غيرهما نذكرها كلها بإذن الله كما يلي: أ- مجموعة عمار بن ياسر:

стр. 511

١- قال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب ﵁ «أما تذكر أنَّا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصلِّ وأما أنا فتمعَّكْتُ فصليتُ، فذكرتُ للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : إنَّما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي ﷺ بكفَّيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفَّيه» رواه البخاري ومسلم. ٢- عن عمار بن ياسر ﵁ قال لعمر ﵁ «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فأجنبتُ فلم أجد الماء، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفَّيه ضربة على الأرض ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفِّه بشماله أو ظهر شماله بكفِّه، ثم مسح بهما وجهه ... » رواه البخاري. ٣- وفي روايةٍ للبخاري «عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه شهد عمر وقال له عمَّار: كنا في سرية فأجنبنا وقال: تفل فيهما» . ٤- وفي روايةٍ للبخاري «عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن قال: قال عمَّار لعمر: تمعَّكْتُ فأتيتُ النبي ﷺ فقال: يكفيك الوجه والكفان» . ٥- وفي رواية للبخاري عن عمَّار قال «فضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه» . ٦- عن عمار بن ياسر ﵁ قال «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبتُ، فلم أجد الماء فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرتُ ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه ... » رواه مسلم والنَّسائي وأحمد. ٧- وفي رواية للبخاري عن عمار «أتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: إنما كان يكفيك هكذا، ومسح وجهه وكفَّيه واحدة» .

стр. 512

٨- عن عمار قال «سألت النبي ﷺ عن التيمُّم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفَّين» رواه أبو داود وأحمد. ورواه الدارمي وقال (قال عبد الله صحَّ إسناده) . ٩- عن عمار «أن النبي ﷺ أمره بالتيمُّم للوجه والكفين» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح) . ب- مجموعة عبد الله بن عمر: ١ - عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «التيمُّم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي. ٢- عن نافع قال «انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ في سِكَّة من السِّكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السِّكَّة ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردَّ على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك السلام إلا أني لم أكن على طُهر» رواه أبوداود. ٣- عن ابن عمر قال «تيمَّمنا مع النبي ﷺ ، ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا، فمسحنا بأيدينا من المرافق إلى الأكفِّ على منابت الشعر من ظاهر وباطن» رواه الدارقطني. ج - طريق ثالثة: عن أبي جُهَيم بن الحارث بن الصِّمَّة الأنصاري قال «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جَمَل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردَّ ﵇» رواه البخاري وأحمد وأبو داود ومسلم.

стр. 513

الأحاديث التسعة لعمَّار صالحة للاحتجاج وكذلك حديث أبي جُهَيم بند (ج) . أما الحديث الأول في مجموعة ابن عمر ففي إسناده علي بن ظبيان قال الحافظ ابن حجر (هو ضعيف ضعَّفه القطان وابن معين وغير واحد) وقال عنه أبو داود (ليس بشيء) وقال النَّسائي وأبو حاتم: متروك. وقال ابن حِبَّان (يسقط الاحتجاج بأخباره) . ورواه الدارقطني أيضاً من طريق شَبَّابة، قال أبو حاتم: صدوق يُكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وكان أحمد لا يرضاه ويرميه بالإرجاء. وأما الحديث الثاني ففيه محمد بن ثابت وهو ضعيف ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد، وقال أبو داود بعد أن روى هذا الحديث (سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمُّم) . أما الحديث الثالث ففيه سليمان بن أرقم وهو متروك الحديث، قاله أبو داود. وقال أحمد بن حنبل وابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري (تركوه) . من ذلك يظهر أن جميع أحاديث ابن عمر ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج، فتُطرح ولا يُعمل بها. قال ابن حجر (إن الأحاديث الواردة في صفة التيمُّم لم يصح منها سوى حديث أبي جُهَيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه) . فلم يبق عندنا سوى عشرة أحاديث هي أحاديث عمار التسعة الأولى، وحديث أبي جُهَيم. فلْنستعرض هذه الأحاديث:

стр. 514

الحديث الأول فيه «ضرب النبي ﷺ بكفَّيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه» والحديث الثاني فيه «ضرب بكفَّيه ضربة على الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما ظهر كفِّه بشماله أو ظهر شماله بكفِّه ثم مسح بهما وجهه» والحديث الثالث فيه «وقال تفل فيهما» والحديث الرابع فيه «يكفيك الوجه والكفان» والحديث الخامس فيه «ضرب النبي ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه» والحديث السادس فيه «ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» والحديث السابع فيه «ومسح وجهه وكفيه واحدة» والحديث الثامن فيه «ضربة واحدة للوجه والكفين» والحديث التاسع فيه «أمره بالتيمم للوجه والكفين» .

стр. 515

أما حديث أبي جُهَيم «فمسح بوجهه ويديه» فقد وردت فيه لفظة (اليدين) ، بينما وردت في سائر الأحاديث لفظة (الكفين) . فأقول: أما لفظة (اليدين) فهي مجملة، وجاءت لفظة (الكفَّين) فبيَّنت المقصود من اليدين وأنهما ما بين أطراف الأصابع إلى الرُّسغين، والمبين يُعمل به ويُحْمَل المجمل عليه، وبذلك يظهر أنه لا تعارض بين هذه النصوص، ونحن نعلم أن النصوص يفسِّر بعضها بعضاً، فالنصوص التي ذكرت الكفَّين تفسِّر النصوص التي ذكرت اليدين، فيكون المقصود من اليدين الكفَّين فحسب. ويشبه هذا أن آية السرقة ﴿والسَّارقُ والسَّارِقَةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فسرتها الأحاديث النبوية بأن اليدين اللتين تقطعان في السرقة هما الكفان، أي اليدان إلى الرسغين فحسب، في حين أنه حينما أُريد غسل ما هو أكثر من الكفين في الوضوء لم يأت ذكر اليدين إلا مقيَّدتين بـ ﴿إلى المَرَافِقِ﴾ وإذن فإن الواجب في التيمُّم هو مسح الكفين فقط، أي مسح اليدين إلى الرسغين، وأنه لا يجب مسح ما هو أكثر من ذلك مطلقاً. فهذا هو ما ترشد إله الأحاديث الصحيحة الصالحة للاحتجاج. وممن ذهب إلى هذا الرأي، أي الاقتصار على مسح الكفين، عطاء ومكحول والأوزاعي والطبري ومالك وإسحق وأحمد وابن المنذر والشافعي في القديم. وذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي والحسن والشافعي في الجديد، وعلي وابن عمر وابنه سالم فيما رُوي عنهم إلى وجوب مسح اليدين إلى المرفقين، واستدلوا بالأحاديث التالية: ١- عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال «التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين» رواه الدراقطني والحاكم. ٢- عن الأسلع قال «أراني رسول الله ﷺ كيف أمسح فمسحت، قال فضرب بكفَّيه الأرض ثم رفعهما لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه باطنهما وظاهرهما حتى مسَّ بيديه المرفقين» رواه الدارقطني والبيهقي والطبراني.

стр. 516

٣- عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «في التيمُّم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه البزَّار وابن عديٍّ. ٤- عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي، وقد مر قبل قليل. ٥- عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ « ... ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ... » رواه أبو داود. وقد مرَّ أيضاً قبل قليل. فنرد عليهم بأن هذه الأحاديث جميعها ضعيفة لا ترقى إلى الصلاح في الاحتجاج، أما الحديثان الرابع والخامس فقد بيَّنَّا ضعفهما عند ذكرهما قبل قليل، وأما الحديث الأول فقال عنه ابن دقيق العيد: رواية عثمان بن محمد هذه شاذة. وقال الدارقطني (والصواب موقوف) أي هو قول صحابي فلا يصلح دليلاً. وأما الحديث الثاني ففيه الربيع بن بدر ضعَّفه الحافظ ابن حجر. وأما الحديث الثالث فقال عنه أبو حاتم: حديث منكر والحريش شيخ لا يُحتج بحديثه. وضعفه أيضاً أبو زُرعة والبخاري. وبذلك يسقط رأيهم بوجوب مسح اليدين إلى المرفقين. وانفرد الزهري بالقول بوجوب المسح إلى الإبطين مستدلاً بأحاديث تأمر بذلك، وقد عقب ابن حجر على هذا الرأي بقوله (وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره إنْ كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكلُّ تيمُّم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوِّي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد من غيره ولا سيما الصحابي المجتهد) .

стр. 517

ومقتضى كلام الشافعي أن المسح يقتصر على الكفَّين لأن أحاديث الكفَّين قد صحَّت وتأخر القول بها، حتى إن الشوكاني قد ذكر صراحة أن الشافعي قد قال بأن حديث إلى الآباط منسوخ. وعقَّب النووي من الشافعية على هذه المسألة أيضاً فقال (إنه ـ أي مسح الكفَّين ـ أقوى في الدليل وأقرب إلى ظاهر السنة الصحيحة) . وأضعف من هذا الاستدلال القول إن المسح إلى المرفقين إنما يكون بالقياس على الوضوء لأنه بدل منه، فهذا القياس باطل، لأن القياس في العبادات لا يصح أولاً، ولأننا لو أردنا القياس كما يقولون لوجب القول بمسح الرجلين في التيمُّم ما دامت البدلية هي العلة، وكم يريحنا الفقهاء الذي لا يقيسون في العبادات ويقفون عند دلالات النصوص. والصحيح الذي لا مندوحة عنه أن الأحاديث الصحيحة ذكرت الكفَّين ولم تذكر اليدين إلى المرفقين ولا اليدين إلى الإبطين فيوقف عندها، لا سيما وقد جاء حديث منها يقول «يكفيك الوجه والكفان» فالكفاية ضد إيجاب مسح الذراعين قطعاً، إلا أن يدَّعوا أن هذه الأحاديث منسوخة، أو أن أحاديثهم أصح منها، وهم لم يقولوا بهذا ولا بذاك. ٢- المجزيء في التيمم ضربة واحدة: ذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحق وابن المنذر وجمهور العلماء إلى أن المُجْزِيء في التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين. وذهب سعيد بن المسيِّب وابن سيرين إلى وجوب الإتيان بثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين. وذهب الأحناف والشافعيون إلى وجوب ضربتين اثنتين، واحدة للوجه، وأخرى للكفين أو لليدين إلى المرفقين. والصحيح هو ما ذهب إليه مَن يقولون بالاقتصار على ضربة واحدة، لأن الأحاديث الصحيحة والصالحة للاستدلال لا تذكر سوى ضربة واحدة، ولم يصحَّ أيُّ حديث في الضربتين أو في الثلاث، ولذا فإنه لا يجب سوى ضربة واحدة، لأنها هي المذكورة والمطلوبة في الأحاديث.

стр. 518

٣- النفخ في الكفين قبل البدء بالمسح: الحديث الأول فيه «نفخ فيهما ثم مسح» والحديث الثاني فيه «ثم نفضهما ثم مسح» والحديث الثالث فيه «تفل فيهما» . في هذه الروايات جاء النفخ والنفض والتفل، وهي ذوات معان متقاربة، والغاية منها هي التخفيف من كمية التراب والغبار العالق باليدين قبل المسح. والنفخ وما في معناه وإن لم يَرِد في عدد من النصوص الصحيحة إلا أن هذه النصوص سكتت فلم تنْفِ، والفرق واضح بين المعنيين. فسكوت بعض النصوص عن النفخ لا يعني النهي عنه أو حتى عدم فعله. والحاصل أنَّ نصوصاً سكتت عن النفخ، وأنَّ نصوصاً أُخرى ذكرت النفخ، وفي هذه الحالة نقول إن النصوص الذاكرة فيها زيادةٌ يُصار إليها ويُعمَل بها، وهذه النصوص لا تتعارض مع النصوص الساكتة، وبالتالي فإنَّا نقول إن النصوص جاءت بالنفخ دون وجود معارضة، وبذلك فإنَّه من السُّنَّة للمسلم أن ينفخ أو ينفض أو يتفل أو ما شابه ذلك، ثم يمسح. ٤- هل يجب الترتيب في التيمُّم؟ لِننظر في النصوص: الآيتان من سورتي المائدة والنساء جاءتا بتقديم الوجه على اليدين ﴿فامْسَحُوا بوُجُوْهِكُمْ وأَيْدِيْكُمْ مِنْهُ﴾ ﴿فامْسَحُوا بوُجُوْهِكُمْ وأَيْدِيْكُمْ﴾ والروايات العديدة المروية عن عمار جاءت كالتالي «مسح بهما وجهه وكفيه» ، «مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه» ، «يكفيك الوجه والكفان» ، «مسح وجهه وكفيه» ، «مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» ، «مسح وجهه وكفيه واحدة» ، «ضربة واحدة للوجه والكفين» ، «التيمم للوجه والكفين» . ورواية أبي جُهَيم هي «مسح بوجهه ويديه» .

стр. 519

فعمار بن ياسر رويت عنه ست روايات فيها تقديم الوجه على الكفين، وروايتان اثنتان فقط فيهما تقديم الكفين على الوجه، ورواية أبي جُهَيم عند البخاري ورد فيها تقديم الوجه على اليدين. والملفت للنظر أن الروايتين الوحيدتين اللتين ذكرتا تقديم الكفين على الوجه هما اللتان جاءتا بكيفية مسح الكفين، ونحن لا نتصور أن يكون عمَّار نفسه راوي هذه الروايات العديدة يخالف نفسه ويناقض نفسه، أي لا يُتصوَّر أن يروي عمار هذه الروايات المتعارضة لاسيما وأنه يروي حادثة واحدة، فلا يخرج التفسير عن احتمالين لا غير: إما أنَّ الخطأ والتعارض قد حصل من قِبَلِ الرواة ولم يحصل من عمار، وإمَّا أنَّ عمَّاراً أراد بالروايتين الاثنتين المغايرتين لسائر الروايات أن يركِّز على شرح كيفية مسح الكفين، فقدَّمهما للأهمية ولعدم الخشية من اللبس، وذلك لأن الوجه جاء بنصوص القرآن والأحاديث مقَدَّماً على الكفَّين، أي أنَّه حين كان يريد ذِكْر الكيفية لمسح الكفين يبدأ بهما للأهمية، وحين كان لا يريد ذِكر الكيفية يأتي على ذِكر الوجه أولاً، ثم على ذِكر الكفَّين كالمعتاد في التيمُّم، ولا أتصور احتمالاً ثالثاً. ولا يقال إن الرسول ﵊ قد مسح الكفين أولاً مرة أو مرتين، ومسح الوجه أولاً مرات أخرى، وأنَّ ذلك منه يدلُّ على التخيير، لا يقال ذلك، لأن الحادثة واحدة والراوي واحد، فلا بد من الترجيح أو التأويل، فبالترجيح نرجِّح روايات تقديم الوجه على الكفين لأنها الأكثر، وبالتأويل نقول ما قلناه من قبل من أن عمَّاراً قدم الكفَّين حين أراد ذِكر كيفية مسحهما للأهمية، ونحن نرجح الاحتمال الثاني.

стр. 520

ومما يزيدنا اطمئناناً أن الآيتين الكريمتين بدأتا بالوجه، فنقرر مطمئنين أن التيمُّم ينبغي أن يكون بمسح الوجه أولاً ثم مسح الكفين. فالروايات السَّبع والآيتان الكريمتان تبدأ كلها بذكر الوجه، ولا يعارضها سوى روايتين اثنتين فقط جاء فيهما ذِكرُ كيفية مسح الكفَّين، فيُعملُ بالنصوص التسعة ويُترك العمل بنصين. وهذا القول هو مع افتراض وجود التعارض، أما مع تأويل الروايتين بما سبق فلا تعارض، ويُعمل بمجمل النصوص من تقديم الوجه على الكفين. وعليه فإن الواجب في التيمُّم البدءُ بالوجه ثم بالكفين «ابدأوا بما بدأ الله به» وبهذا الرأي تمسك الشافعي وأحمد. أما أبو حنيفة ومالك فقد اعتبرا البدء بالوجه سُنَّة، ولا وجه لهذا الرأي، لأنهما إما أن يقولا بالوجوب مستدلين بما استدللنا به، وإما أن يقولا بالإباحة استدلالاً بالروايات الصحيحة المتعارضة. ٥- كيفية مسح الكفين: وردت الكيفية كما يلي: «ضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه» ، «مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه» . الرواية الأولى جاءت بمسح ظهر الكف بالشمال، أو مسح ظهر الشمال بالكف. والحقيقة أن هذه العبارة غامضة، اللهمَّ إلا أن تُفسَّر (أو) بـ (و) . لأن المسح لا بد من أن يكون للكفَّين وليس لكفٍّ واحدة، فيكون الحديث قد أفاد مسح ظاهر الكفَّين بدءاً بالكف اليمنى ثم اليسرى فقوله «ظهر كفه بشماله» يفيد ظهر الكف اليمنى، وقوله «ظهر شماله بكفه» يفيد مسح ظهر الكف اليسرى. أما الرواية الثانية فاقتصرت على القول «ظاهر كفيه» أما ما سبق ذلك من القول «مسح الشمال على اليمين» فيُحمل على أنه لتخفيف الغُبار العالق بباطن اليدين قبل البدء بالمسح، مثله مثل النفخ والتَّفْل.

стр. 521

وقد أفادت هاتان الروايتان أن كيفية مسح الكفين هي أن يمرِّر باطن كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى، ويمرِّر باطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى، أي يبدأ باليمين ويثنِّي بالشمال، وقد روى أبو داود عن شقيق عن عمار أن النبي ﷺ قال «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا: فضرب بيده على الأرض فنفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه» والروايتان بل وجميع الروايات التي تذكر مسح الكفين لم تأت على ذكرٍ آخرَ في الكيفية، بمعنى أنه لم يأت ذكر البدء حين المسح بالأصابع أو بالرسغ، ولذا فالمسلم بالخيار بين أن يبدأ بأطراف الأصابع ثم ينتهي بالرسغ، أو يبدأ بالرسغ وينتهي بأطراف الأصابع. ٦- المشروع في المسح أن يكون مرة واحدة لكلا الكفَّين وللوجه، ولا يصح التكرار والعدد، فجميع الأحاديث لم تذكر عدداً للمسح، ولو كان العدد مطلوباً لذكر، والحديث السابع صريح في ذلك «ومسح وجهه وكفيه واحدة» فيُقتَصرُ على واحدة ولا يزاد عليها. ثم إن الأصل في المسح أن يكون مرة واحدة، فهذا حال المسح على الخفين ومسح الرأس والمسح على الجبيرة، فالمسح تخفيف فلا يتكرر بحال، ومن قال بتكرار المسح فعليه الإتيان بدليل ولا دليل. ٧- مسح الوجه: لم يرد في النصوص ذكرٌ لكيفيةٍ مخصوصةٍ لمسح الوجه، ولم يرد سوى مسح الوجه على إطلاقه، ولذا فإن الواجب مسحُ جميع الوجه ولا يُجْزِيء مسحُ بعضه وتركُ بعضه الآخر، وهذا القول مماثل لما قلناه في الوضوء عن غسل الوجه ومسح الرأس، ويُعفى عن مسح داخل الأنف وداخل الفم وداخل العينين وما تحت شعر اللحية والعارضَيْن، ويُكتفى بمسح ما يظهر من الوجه من جلد وشعر دون ما يخفى.

стр. 522

٨- المادة المستعملة في التيمُّم: بعد أن استنبطنا الأحكام السابقة من النصوص السابقة بقي أن نبحث مسألة أساسية في التيمُّم لها علاقة بالكيفية، هي المادة التي يُمسح بها، هل هي التراب بمعناه المتعارف عليه عند جمهرة الفقهاء، أم هي مطلق وجه الأرض بما فيه من صخور وتراب وحجارة ورمال؟ هذه المسألة اختلفت فيها المذاهب وجمهور العلماء على الشكل التالي: ذهب الأحناف إلى أن الصعيد الطَّهور الذي طُلب التيمُّم به هو كل ما كان من جنس الأرض من تراب ورمل وحصى وحجر ولو أملس، ولم يجيزوا التيمُّم بالثلج والأشجار والزجاج والمعادن المنقولة واللؤلؤ وإن كان مسحوقاً، والدقيق والرماد والكُحل والكبريت، والتراب إذا خالطه شيء من جنس الأرض وغلب عليه، فإن لم يغلب عليه أو تساويا صح التيمُّم به. وذهب المالكيون إلى أن الصعيد ما صعد أي ظهر من أجزاء الأرض فيشمل التراب وهو الأفضل، والرمل والحجر والثلج والطين والجص وهو عندهم الحجر إذا احترق وصار جيراً، والمعادن إلا الذهب والفضة، والجواهر والمنقول من المعادن كالشَّبِّ والملح والطوب غير المحترق فإن احترق لم يجُز التيمُّم به، ولم يجيزوا التيمُّم بما ليس من أجزاء الأرض كالخشب والحشيش. وإذن فالأحناف والمالكيون اشتركوا في أصل المسألة دون التفاصيل، فقد اشتركوا في أن التيمُّم يجوز بما يعلو سطح الأرض من تراب ورمل وحجارة وغيرها، وبهذا الرأي قال عطاء والأوزاعي والثوري. وذهب الشافعيون إلى أن الصعيد الطَّهور هو التراب الذي له غبار إلا ناساً منهم أجازوا استعمال الرمل، فإن لم يكن له غبار فلا يصح التيمُّم به، والتراب المحترق إلا إذا صار رماداً، وإن اختلط التراب أو الرمل بشيء آخر كدقيق وإن قلَّ لم يجز التيمُّم به، واشترطوا أن لا يكون التراب مستعمَلاً، وعنوا بذلك ما يبقى على العضو الممسوح أو يتناثر منه عند المسح.

стр. 523

وذهب الحنابلة إلى أن الصعيد هو التراب الذي له غبار أيضاً، وأن يكون التراب مباحاً فلا يصح بمغصوب، وأن لا يكون محترقاً، فلا يصح بما دق من خزف ونحوه لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب، واشترطوا أن يَعْلَقَ غبارُه لأن ما لا غبار له لا يُمسح بشيء منه، وإن خالطه ذو غبار كالجِصِّ والنُّورة كان حكمه حكم الماء الطَّهور الذي خالطه طاهر، فإن كانت الغلبة للتراب جاز التيمُّم به، وإن كان للمخالط الغَلَبَةُ نُظِر، فإن كان المخالط لا غبار له يمنع التيمُّم بالتراب وذلك كبُرٍّ وشعيرٍ وإن كثُر جاز التيمُّم به، ولا يصح التيمُّم بطينٍ لم يمكن تجفيفه، والتيمُّم به جائز إن كان قبل خروج الوقت لا بعده. وإذن فالشافعية والحنابلة اشتركوا في أن التيمُّم لا يكون إلا بالتراب الذي له غبار ولا يصح بغيره، وبهذا الحكم أخذ داود. والآن لنستعرض النصوص ودلالات الألفاظ لغةً وشرعاً لاستنباط الرأي الراجح بإذن الله سبحانه: ١- عن أبي أُمامة أن رسول الله ﷺ قال «جُعلت الأرض كلها لي ولأُمتي مسجداً وطَهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجده وعنده طَهوره ... » رواه أحمد بسند جيد. ورواه البيهقي، وقد مرَّ في بحث [تعريف التيمُّم ومشروعيته] . ٢- قوله تعالى ﴿فلم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طيباً﴾ من الآية ٣٤ من سورة النساء. ٣- عن عمران بن حصين قال «كنا في سفر مع النبي ﷺ ... فصلَّى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يُصلِّ مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ... » رواه البخاري وأحمد. ورواه النَّسائي وابن أبي شيبة مختصراً، وقد مرَّ.

стр. 524

٤- عن عمرو بن العاص قال «احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل، فأشفقتُ إنْ اغتسلت أن أهلك فتيمَّمتُ، ثم صليتُ بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو صليتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقُلْ شيئاً» رواه أبو داود والدارقطني وابن حِبَّان والحاكم. ٥- عن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أُعطيتُ ما لم يُعطَ أحدٌ من الأنبياء فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرتُ بالرعب، وأُعطيتُ مفاتيحَ الأرض، وسُمِّيتُ أحمد، وجُعل التراب لي طَهوراً، وجُعلت أمتي خير الأمم» رواه أحمد والبيهقي بسند حسَّنه الهيثمي. ٦- عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجُعلت تربتها لنا طَهوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خَصْلة أخرى» رواه مسلم وأحمد والبيهقي. ٧- حديث أبي جُهَيم وقد سبق وجاء فيه «أقبل النبي ﷺ ... حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردَّ ﵇» رواه البخاري ومسلم. وفي لفظٍ للدارقطني من طريق ابن إسحق عن الأعرج «حتى وضع يده على الجدار» وفي لفظٍ للشافعي من طريق ابن الصِّمَّة « ... قام إلى جدار فحتَّه بعصا كانت معه ثم وضع يده على الجدار ... » .

стр. 525

الحديث الأول فيه «جُعلت الأرض كلها لي ولأُمتي مسجداً وطَهوراً» والآية الكريمة فيها ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً﴾ والحديث رقم ٣ فيه «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» ، والحديث رقم ٤ فيه «فتيمَّمتُ ثم صليتُ» ، والحديث رقم ٥ فيه «جُعِل التراب لي طَهوراً» ، والحديث رقم ٦ فيه «جُعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجُعلت تربتها لنا طَهوراً» ، والحديث رقم ٧ فيه «أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه» . لقد تردَّدت في هذه النصوص الألفاظ التالية: (الأرض كلها، والصعيد، والتراب، والجدار) كموادَّ يُتيمَّمُّ بها، وأغفلت المواد كلها في الحديث رقم ٤. وقد اختلف المسلمون في الاستدلال بهذه النصوص واختلفوا في تفسير الصعيد، كما اختلفوا في التراب هل هو مخصِّص أم مقيِّد للصعيد، أم هو قد خرج مخرج الأغلب وأنه مجرد فردٍ من أفراد العام وهو الصعيد؟ وهل التراب يشمل الرمل أم لا يشمله؟ ونتج عن هذه الخلافات الآراء الأربعة للأئمة الأربعة التي ذكرناها من قبل، وشاركهم فيها غيرهم. وحتى نتوصل إلى الرأي الراجح لا بد من معرفة مدلول كلمة الصعيد وآراء أهل اللغة ثم ننظر في النصوص على ضوء ذلك.

стр. 526

قال الزَّجَّاج والخليل وابن الأعرابي وصاحب المصباح: الصعيد: هو وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن. وزاد الزَّجَّاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة. وبهذا المعنى فسَّر الصعيد كلٌّ من أبي حنيفة ومالك والثوري. وقال قتادة والطبري: هو وجهُ الأرضِ الخاليةِ من النبات والغروس والبناء. وقال ابن زيد: الصعيد المستوي. والراجح هو رأي الزَّجَّاج وجماعته، وبمقتضى فقه اللغة فالصعيد هو ما تصاعد من الأرض، وقد سُمِّي بهذا الاسم لأنه نهاية ما يُصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صُعُدات، وتطلق الصُّعُدات على الطرق والسبُل، ومنه الحديث «إياكم والجلوس على الصُّعُدات ... » رواه أحمد من طريق أبي سعيد. وإذن فإن الصعيد هو وجه الأرض أو هو سطحها أو ما يظهر منها، سواء كان صخراً أو حجارة أو تراباً أو جصاً أو أية مادة من مواد الأرض المعروفة. قلنا من قبل إن الآية والأحاديث أتت بالألفاظ (الأرض كلها، والصعيد، والتراب، والجدار) وهذا يعني أن النصوص طلبت التيمُّم بالأرض ظاهرها وباطنها، وطلبت التيمُّم بالصعيد وهو ظاهرها فقط، وطلبت التيمٌّم بالتراب، وهو ما نعُم من أديم الأرض ـ قاله القاموس الوسيط ـ. وجعلت الجدار مما يُتيمَّم به. فالذين أجازوا التيمُّم بالصخور والمعادن والحجارة والأتربة والرمال إنما أَعملوا لفظة الأرض ولفظة الصعيد، وأما الذين قصروا التيمُّم على التراب فقد قالوا بالتخصيص، أي بتخصيص العام وهو الأرض أو الصعيد بالخاص وهو التراب. والسؤال هو: أي الرأيين هو الصحيح؟.

стр. 527

إن النصوص حين ذكرت التراب لم تخصِّص به العام وهو الصعيد، وإن النصوص حين ذكرت الصعيد لم تكن تريد تخصيص العام وهو الأرض، كما أن النصوص حين ذكرت الجدار لم تكن تريد تخصيص الأرض أو الصعيد أو التراب به، وكل ما حصل هو أن النصوص ذكرت ألفاظاً عامة، وذكرت أفراداً من هذا العام لا غير، وإنَّ ذكرَ فردٍ من أفراد العام لا يعني تخصيص هذا العام بهذا الفرد، وإنَّ ذكر التراب لا يخرج عن كونه إنما خرج على الأغلب لأنه الجزء الغالب المستعمل من الأرض، وما ذُكِرَ الجدارُ ليكون مخصِّصاً، وإنما هو فرد من أفراد العام، أو قُل هو حالة حصل فيها التيمُّم لا غير. فالقول إن التراب مخصِّص أو مقيِّد هو قولٌ غير صحيح، بل الصحيح هو أن التراب فرد من أفراد العام لا غير، فلا تخصيص ولا تقييد، ويظل العام على عمومه، وتظل الآية التي طلبت الصعيد على عمومها، وتظل الأحاديث التي طلبت الصعيد أو الأرض على عمومها هي الأخرى لم يقع فيها تخصيص ولا تقييد. فالنصوص قد أجازت التيمُّم بالأرض، وبسطحها، وبترابها، وبالجدران، فيُعمل بها كلها. نعم لو جاءت نصوص تقْصُرُ التيمُّمَ على التراب لقلنا بالتخصيص، ولو جاءت نصوص تنهى عما سوى التراب لقلنا بالتخصيص، أمَّا وأن شيئاً من ذلك لم يحصل فلا يصح القول بالتخصيص، فالشافعي وأحمد ومن ذهب مذهبهما أخطأوا حين لم يفرِّقوا هنا بين التخصيص وبين التنصيص على فرد من أفراد العام، رغم أن الفرق بينهما واضح. فقولهم إنه لا يجوز التيمُّم إلا بالتراب اعتماداً على القول بالتخصيص خطأ.

стр. 528

والزمخشري في كتاب التفسير المسمَّى الكشاف اجتهد في هذه المسألة ونحا منحى آخر غير منحى الشافعي وأحمد، ومع ذلك وصل إلى ما وصل إليه الإمامان، فقد ذكر في تفسير آية التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيْدَاً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأِيْدِيْكُمْ مِنْهُ﴾ أن كلمة (من) للتبعيض وأنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن التراب إلا معنى التبعيض. فقد فهم من الآية أنها تفيد التيمُّم بالتراب فحسب، وأنه هو البعض المقصود، وهو رأي الإمامين نفسه وإن خالفهما في كيفية الاستنباط. والصحيح هو أن الزمخشري جانبه التوفيق في الاستنباط كما جانب الإمامين وإن اختلفوا في وجه الاستدلال. أجل إنَّ (مِن) هنا للتبعيض ولكن أيَّ بعضٍ هو الواجب في التيمُّم؟ هل هو بعضٌ مما ضربت اليد عليه أم هو بعضٌ من أصناف الصعيد؟ بمعنى هل المقصود ذلك الشيء العالق باليد وهو بعضٌ مما ضربت اليد عليه أم هو صنفٌ من أصناف الصعيد كالرمل والتراب والصخور؟ فإن قال هو بالاحتمال الثاني قلنا نحن بالاحتمال الأول، فكما أن الاحتمال الثاني ممكن فكذلك الاحتمال الأول ممكن هو الآخر، أرأيت لو قالت الآية: تيمَّموا تراباً طيباً، أما كان يجوز لغة أن يقال بعد ذلك فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه؟ بالقطع يجوز، بل هو المعنى الراجح من التبعيض هنا، فالاحتمال الأول أرجح وهو أدنى من الثاني إلى قواعد العربية. ولكنَّ كلَّ ذلك وأنَّ وجوه الاستدلال غير صحيحة وغير منطبقة شيءٌ، والقول بأن التراب هو المُجْزيء في التيمُّم شيء آخر. فلئن لم أُوافق الشافعي وأحمد والزمخشري في وجه الاستدلال إلا أن ذلك لا يمنع من الذهاب إلى الرأي نفسه الذي يذهبون إليه، وهو أن التراب وبشكل أدق ما نعُم من أديم الأرض هو المُجْزيء في التيمُّم. أما كيف؟ فهاكم الجواب:

стр. 529

إن الله سبحانه بين لنا في آية التيمُّم أنْ نضرب أيدينا على الأرض أو على الصعيد لتحمل أيدينا منه شيئاً نمسح به وجوهنا وأيدينا، ونوَّه بهذا الشيء بتعبيرين اثنين وإن كان واحد يكفي، وذلك اهتماماً منه سبحانه ولفت نظر. فقال ﴿فامْسَحُوا بوُجُوْهِكُمْ﴾ ولم يقل فامسحوا وجوهَكم، فأدخل حرف الباء على وجوهِكم ليدلِّل ـ وهو أعلم ـ على شيء يُمسح به، ولم يكتف بذلك بل أضاف ﴿مِنْهُ﴾ لينوِّه بالشيء الذي يعلق بالأيدي، فالمسح للوجه والكفَّين إنما هو بما يعلق باليد من مادة الصعيد. هذا هو مدلول الآية، وهذا هو مفتاح الرأي، فالصعيد أيُّ صعيد، والأرضُ أيةُ أرض، وظاهرها وباطنها، إذا ضربنا اليد عليه فحملت شيئاً منه جاز التيمُّم، وإن لم تحمل فلا مسحَ ولا تيمُّم. هذا هو المقياس الدقيق لتحديد الجزء الصالح من الصعيد ومن الأرض في التيمُّم.

стр. 530

وبالتطبيق نقول إن اليد إذا ضربت على التراب الطيني حملت منه، وإذا ضربت على الرمل حملت منه، وإذا ضربت على الجِصِّ حملت منه، فجاز التيمُّم بالرمل كما جاز بالتراب وبالجِص، في حين أننا إن ضربنا اليد على الصخر لم تحمل منه، وإن ضربنا اليد على الحجارة أو على الحصى لم تحمل منه فامتنع التيمُّم به، وهذا ينسحب على حديث أبي جُهَيم الذي ذكر الجدار، فلا بد من أن يكون الجدار من تراب الأرض حتى إذا ضربت اليد عليه حملت منه شيئاً، ومما يقوي هذا الفهم ويؤكده أن الإمام الشافعي روى الحديث بزيادة «فحتَّه بعصا كانت معه» فهذه الزيادة تزيل الإشكال تماماً، وتجعل الحديث يتَّسق مع هذه القاعدة. فالجدار حتى يجوز التيمُّم به لا بد من أن تحمل اليد منه شيئاً، ولا يتأتى ذلك إلا بحتِّه أو أن يكون قديماً ليصلح للتيمُّم. وعلى ذلك تفهم أحاديث الأرض كلها، وأحاديث الصعيد، وأحاديث التراب، وبذلك نفهم أن التراب الوارد في الأحاديث إنما هو بيانٌ للصعيد الصالح في التيمُّم، ولكنْ ليس حصراً وقصراً، وإنما هو من باب الأعمِّ الأغلب ومن باب المثال لا غير.
следующие страницы →