Полный текст (1 205 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قال الزَّجَّاج والخليل وابن الأعرابي وصاحب المصباح: الصعيد: هو وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن. وزاد الزَّجَّاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة. وبهذا المعنى فسَّر الصعيد كلٌّ من أبي حنيفة ومالك والثوري. وقال قتادة والطبري: هو وجهُ الأرضِ الخاليةِ من النبات والغروس والبناء. وقال ابن زيد: الصعيد المستوي. والراجح هو رأي الزَّجَّاج وجماعته، وبمقتضى فقه اللغة فالصعيد هو ما تصاعد من الأرض، وقد سُمِّي بهذا الاسم لأنه نهاية ما يُصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صُعُدات، وتطلق الصُّعُدات على الطرق والسبُل، ومنه الحديث «إياكم والجلوس على الصُّعُدات ... » رواه أحمد من طريق أبي سعيد. وإذن فإن الصعيد هو وجه الأرض أو هو سطحها أو ما يظهر منها، سواء كان صخراً أو حجارة أو تراباً أو جصاً أو أية مادة من مواد الأرض المعروفة.
قلنا من قبل إن الآية والأحاديث أتت بالألفاظ (الأرض كلها، والصعيد، والتراب، والجدار) وهذا يعني أن النصوص طلبت التيمُّم بالأرض ظاهرها وباطنها، وطلبت التيمُّم بالصعيد وهو ظاهرها فقط، وطلبت التيمٌّم بالتراب، وهو ما نعُم من أديم الأرض ـ قاله القاموس الوسيط ـ. وجعلت الجدار مما يُتيمَّم به. فالذين أجازوا التيمُّم بالصخور والمعادن والحجارة والأتربة والرمال إنما أَعملوا لفظة الأرض ولفظة الصعيد، وأما الذين قصروا التيمُّم على التراب فقد قالوا بالتخصيص، أي بتخصيص العام وهو الأرض أو الصعيد بالخاص وهو التراب. والسؤال هو: أي الرأيين هو الصحيح؟.
стр. 527
إن النصوص حين ذكرت التراب لم تخصِّص به العام وهو الصعيد، وإن النصوص حين ذكرت الصعيد لم تكن تريد تخصيص العام وهو الأرض، كما أن النصوص حين ذكرت الجدار لم تكن تريد تخصيص الأرض أو الصعيد أو التراب به، وكل ما حصل هو أن النصوص ذكرت ألفاظاً عامة، وذكرت أفراداً من هذا العام لا غير، وإنَّ ذكرَ فردٍ من أفراد العام لا يعني تخصيص هذا العام بهذا الفرد، وإنَّ ذكر التراب لا يخرج عن كونه إنما خرج على الأغلب لأنه الجزء الغالب المستعمل من الأرض، وما ذُكِرَ الجدارُ ليكون مخصِّصاً، وإنما هو فرد من أفراد العام، أو قُل هو حالة حصل فيها التيمُّم لا غير. فالقول إن التراب مخصِّص أو مقيِّد هو قولٌ غير صحيح، بل الصحيح هو أن التراب فرد من أفراد العام لا غير، فلا تخصيص ولا تقييد، ويظل العام على عمومه، وتظل الآية التي طلبت الصعيد على عمومها، وتظل الأحاديث التي طلبت الصعيد أو الأرض على عمومها هي الأخرى لم يقع فيها تخصيص ولا تقييد.
فالنصوص قد أجازت التيمُّم بالأرض، وبسطحها، وبترابها، وبالجدران، فيُعمل بها كلها. نعم لو جاءت نصوص تقْصُرُ التيمُّمَ على التراب لقلنا بالتخصيص، ولو جاءت نصوص تنهى عما سوى التراب لقلنا بالتخصيص، أمَّا وأن شيئاً من ذلك لم يحصل فلا يصح القول بالتخصيص، فالشافعي وأحمد ومن ذهب مذهبهما أخطأوا حين لم يفرِّقوا هنا بين التخصيص وبين التنصيص على فرد من أفراد العام، رغم أن الفرق بينهما واضح. فقولهم إنه لا يجوز التيمُّم إلا بالتراب اعتماداً على القول بالتخصيص خطأ.
стр. 528
والزمخشري في كتاب التفسير المسمَّى الكشاف اجتهد في هذه المسألة ونحا منحى آخر غير منحى الشافعي وأحمد، ومع ذلك وصل إلى ما وصل إليه الإمامان، فقد ذكر في تفسير آية التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيْدَاً طَيِّباً فامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأِيْدِيْكُمْ مِنْهُ﴾ أن كلمة (من) للتبعيض وأنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن التراب إلا معنى التبعيض. فقد فهم من الآية أنها تفيد التيمُّم بالتراب فحسب، وأنه هو البعض المقصود، وهو رأي الإمامين نفسه وإن خالفهما في كيفية الاستنباط.
والصحيح هو أن الزمخشري جانبه التوفيق في الاستنباط كما جانب الإمامين وإن اختلفوا في وجه الاستدلال. أجل إنَّ (مِن) هنا للتبعيض ولكن أيَّ بعضٍ هو الواجب في التيمُّم؟ هل هو بعضٌ مما ضربت اليد عليه أم هو بعضٌ من أصناف الصعيد؟ بمعنى هل المقصود ذلك الشيء العالق باليد وهو بعضٌ مما ضربت اليد عليه أم هو صنفٌ من أصناف الصعيد كالرمل والتراب والصخور؟ فإن قال هو بالاحتمال الثاني قلنا نحن بالاحتمال الأول، فكما أن الاحتمال الثاني ممكن فكذلك الاحتمال الأول ممكن هو الآخر، أرأيت لو قالت الآية: تيمَّموا تراباً طيباً، أما كان يجوز لغة أن يقال بعد ذلك فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه؟ بالقطع يجوز، بل هو المعنى الراجح من التبعيض هنا، فالاحتمال الأول أرجح وهو أدنى من الثاني إلى قواعد العربية.
ولكنَّ كلَّ ذلك وأنَّ وجوه الاستدلال غير صحيحة وغير منطبقة شيءٌ، والقول بأن التراب هو المُجْزيء في التيمُّم شيء آخر. فلئن لم أُوافق الشافعي وأحمد والزمخشري في وجه الاستدلال إلا أن ذلك لا يمنع من الذهاب إلى الرأي نفسه الذي يذهبون إليه، وهو أن التراب وبشكل أدق ما نعُم من أديم الأرض هو المُجْزيء في التيمُّم. أما كيف؟ فهاكم الجواب:
стр. 529
إن الله سبحانه بين لنا في آية التيمُّم أنْ نضرب أيدينا على الأرض أو على الصعيد لتحمل أيدينا منه شيئاً نمسح به وجوهنا وأيدينا، ونوَّه بهذا الشيء بتعبيرين اثنين وإن كان واحد يكفي، وذلك اهتماماً منه سبحانه ولفت نظر. فقال ﴿فامْسَحُوا بوُجُوْهِكُمْ﴾ ولم يقل فامسحوا وجوهَكم، فأدخل حرف الباء على وجوهِكم ليدلِّل ـ وهو أعلم ـ على شيء يُمسح به، ولم يكتف بذلك بل أضاف ﴿مِنْهُ﴾ لينوِّه بالشيء الذي يعلق بالأيدي، فالمسح للوجه والكفَّين إنما هو بما يعلق باليد من مادة الصعيد. هذا هو مدلول الآية، وهذا هو مفتاح الرأي، فالصعيد أيُّ صعيد، والأرضُ أيةُ أرض، وظاهرها وباطنها، إذا ضربنا اليد عليه فحملت شيئاً منه جاز التيمُّم، وإن لم تحمل فلا مسحَ ولا تيمُّم. هذا هو المقياس الدقيق لتحديد الجزء الصالح من الصعيد ومن الأرض في التيمُّم.
стр. 530
وبالتطبيق نقول إن اليد إذا ضربت على التراب الطيني حملت منه، وإذا ضربت على الرمل حملت منه، وإذا ضربت على الجِصِّ حملت منه، فجاز التيمُّم بالرمل كما جاز بالتراب وبالجِص، في حين أننا إن ضربنا اليد على الصخر لم تحمل منه، وإن ضربنا اليد على الحجارة أو على الحصى لم تحمل منه فامتنع التيمُّم به، وهذا ينسحب على حديث أبي جُهَيم الذي ذكر الجدار، فلا بد من أن يكون الجدار من تراب الأرض حتى إذا ضربت اليد عليه حملت منه شيئاً، ومما يقوي هذا الفهم ويؤكده أن الإمام الشافعي روى الحديث بزيادة «فحتَّه بعصا كانت معه» فهذه الزيادة تزيل الإشكال تماماً، وتجعل الحديث يتَّسق مع هذه القاعدة. فالجدار حتى يجوز التيمُّم به لا بد من أن تحمل اليد منه شيئاً، ولا يتأتى ذلك إلا بحتِّه أو أن يكون قديماً ليصلح للتيمُّم. وعلى ذلك تفهم أحاديث الأرض كلها، وأحاديث الصعيد، وأحاديث التراب، وبذلك نفهم أن التراب الوارد في الأحاديث إنما هو بيانٌ للصعيد الصالح في التيمُّم، ولكنْ ليس حصراً وقصراً، وإنما هو من باب الأعمِّ الأغلب ومن باب المثال لا غير.
стр. 531
هذا هو الرأي، وهذا هو وجه الاستدلال، وهذا هو ما ينسحب على الحديث الرابع «فتيمَّمتُ وصلَّيتُ» دون ذكر الصعيد أو التراب، إذ لو كان التراب هو المطلوب دون الرمل لسأله الرسول ﵊ عن المادة التي تيمَّم بها، فلما لم يفعل دل ذلك على أنه لا فرق بين التراب والرمل وشبههما. وكذلك يُفهم حديث عمار بن ياسر في صحيح مسلم: قال «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبتُ فلم أجد الماء، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة، ثم أتيتُ النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهِرَ كفَّيه ووجهَه ... » فلم يسأله الرسول ﷺ عن نوع الصعيد الذي تمرَّغَ عليه، مما يدل على عدم الفرق بين صعيد وصعيد ما دامت اليد تحمل منه شيئاً. فهذا هو معنى التَّمرُّغ، لأن الصخر لا يصلح للتَّمرُّغ.
стр. 532
ونلفت النظر إلى أن الجزيرة العربية وهي مهد الإسلام وموطن رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم هي في مجملها أرض رملية، ونزل القرآن الكريم وجاءت السنة النبوية في هذه الجزيرة العربية الرملية، فلم يُنْقَل أنَّ صحابياً واحداً سأل الرسول ﵊ عن حكم التيمُّم بالرمل، ولم يُنقل في ذلك إلا حديثٌ واحد رواه أحمد وسعيد بن منصور وعبد الرزاق عن أبي هريرة قال «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر فيكون فينا النفساء والحائض والجُنُب فما ترى؟ قال: عليك بالتراب» . ولكنَّ هذا الحديث ضعيف لضعف المثنَّى بن الصباح، قاله ابن معين، وقال الهيثمي (الأكثر على تضعيفه) وقال ابن قيِّم الجوزية (كان ـ أي الرسول ﷺ ـ يتيمَّم بالأرض التي يصلي عليها، تراباً كانت أو سبخة أو رملاً، وصح عنه أنه قال: حيثما أدركتْ رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطَهورُه، وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طَهور، ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة، ولم يُرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز الرِّمالَ أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا قطع بأنه كان يتيمَّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور) .
стр. 533
نخلص من كل ما سبق إلى أن وجه الأرض، أو الصعيد في أي مكان من الأرض يصح التيمُّم به إن كانت اليد تحمل منه شيئاً إذا ضربت عليه، وبتعبير آخر فالأرض الرملية والأرض الطينية السوداء والحمراء والأرض البيضاء والأرض الكبريتية والأرض الملحية كلها تصلح للتيمُّم، ولا يخرج من أديم الأرض سوى المناطق الصخرية وذوات الحجارة. ولو أننا أخذنا بتفسير القاموس الوسيط للتراب من أنه ما نَعُمَ من أديم الأرض، لأمكننا القول بأن التيمُّم يكون بالتراب وحده لشموله كلَّ أنواع الأرض سوى الصخرية والحجرية فحسب.
وبفراغنا من تحديد المادة الصالحة للتيمُّم نكون قد استجمعنا جميع عناصر كيفية التيمُّم، فنقول إن كيفية التيمُّم أو صفته هي كما يلي:
١- النيَّةُ.
٢- التسميةُ.
٣- ضربُ باطن الكفين على ما نعُم من أديم الأرض ضربة واحدة.
٤- تخفيفُ ما يَعْلق بالكفَّين من غبارٍ بالنفخ أو بالنفض أو بالتفل، أو بمسح باطن الكفِّ اليمنى بباطن الكفِّ اليسرى.
٥- مسحُ جميع الوجه بباطن كفٍّ واحدة أو بباطن كفَّيه الاثنتين ما ظهر منه، مرة واحدة.
٦- إمرارُ باطن الكفِّ اليسرى على ظاهر الكفِّ اليمنى من أطراف الأصابع إلى الرُّسغين، أو من الرُّسغين إلى أطراف الأصابع، ويكون ذلك مرة واحدة.
٧- إمرارُ باطن الكفِّ اليمنى على ظاهر الكفِّ اليسرى من أطراف الأصابع إلى الرُّسغين، أو من الرُّسغين إلى أطراف الأصابع مرة واحدة.
٨- الترتيبُ، بحيث يمسح الوجه قبل ظاهر الكفَّين.
٩- الموالاةُ.
أما النية والتسمية والموالاة فما قلناه عنها في الوضوء يصلح للقول هنا دون إضافة، فلا نعيد. والباقي سبق بحثه في النقاط الثماني السَّابقة.
والفروض منها ستة هي: النية، وضرب الكفَّين على الأرض، ومسح جميع الوجه، ومسح ظاهر الكفَّين، والترتيب، والموالاة.
والمندوبات ثلاثة هي: التسمية، وتخفيف الغبار عن الكفَّين، ومسح ظاهر الكفِّ اليمنى قبل ظاهر الكفِّ اليسرى.
стр. 534
هل يشترطُ لصحة التيمُّمِ دخولُ الوقت ؟.
قال الأحناف: يصح التيمُّم قبل دخول الوقت. وذهب مالك والشافعي وأحمد وداود إلى عدم صحة التيمُّم قبل دخول الوقت مستدلين بما يلي:
١- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله ﷺ قال «جُعلت لي الأرضُ مساجد وطَهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصليتُ ... » رواه أحمد والبيهقي.
٢- حديث أبي أُمامة ـ وقد سبق ـ وفيه أن رسول الله ﷺ قال «جُعِلَت الأرضُ كلُّها لي ولأمتي مسجداً وطَهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وعنده طَهوره» رواه أحمد والبيهقي. وقد مرَّ.
٣- عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ « ... وجُعلت لي الأرض طيِّبة طَهوراً ومسجداً، فأيُما رجلٍ أدركته الصلاة صلى حيث كان ... » رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي.
٤- الآية ٦ من سورة المائدة.
٥- قالوا إن التيمُّم طهارةُ ضرورةٍ، ولا ضرورةَ إليه قبل دخول وقت الصلاة. وقالوا إن الحديث الأول ومثله الحديث الثاني والحديث رقم ٣ قيَّدت التيمُّم بإدراك الصلاة، وإدراك الصلاة لا يكون إلا بدخول وقتها، فالأحاديث طلبت التيمُّم حين إدراك الصلاة، ومفهومها عدم طلب التيمُّم قبل إدراك الصلاة أي قبل دخول وقتها. وعن الآية الكريمة قالوا: القيام إلى الصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها، وإنما صح الوضوء قبل دخول الوقت لفعله ﷺ ، وبقي التيمُّم على ظاهر الآية. والبند الخامس واضح. هذه أدلة وحجج من اشترطوا لصحة التيمُّم دخول وقت الصلاة.
стр. 535
والحق أن هذه الأدلة والحجج لا تصلح لإثبات دعواهم، وأن الاستدلال بها على اشتراط دخول الوقت استدلال بعيد، وليٌّ لها عن ظاهر دلالاتها، وصرفٌ لها إلى غير ما سيقت له. الحديثان الأول والثاني جاء فيهما «أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصليتُ» ، «أينما أدركَتْ رجلاً من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده، وعنده طَهوره» . إنَّ هذين القولين قد صُدِّرا بـ (أين) وأين هنا مكانية وليست زمانية، فلا تفيد توقيتاً ولا تفيد زمناً، ولو أردنا تبسيط القول لقلنا: في أي مكان أدركتني الصلاة فيه تيمَّمت، فهذا القول يفهم منه التيمُّم في أي مكان للصلاة. هكذا يجب فهم النصين أو الحديثين الأولين، فهما قد سيقا لبيان كون التيمُّم للصلاة يقع في أي مكان من الأرض، ولم يأتيا إطلاقاً لبيان توقيت التيمُّم فضلاً عن أن يأتيا لبيان توقيت التيمُّم بدخول الوقت، فهذا التقييد لا يحتمله النصان، وهو اجتهاد غير صحيح لا يستند إلى قواعد اللغة. ثم إن الحديثين قد صُدِّرا بـ «جُعلت لي الأرض مساجد وطَهوراً» و «جُعلت الأرض كلُّها لي ولأُمتي مسجداً وطَهوراً» وهذا يعني أن الرسول ﷺ أراد بيان أن الأرض كلها مكان صالح للصلاة والتيمُّم، وحتى يركِّز هذا المعنى أتى ببيان هو: إذا كنتم في أية بقعة من هذه الأرض أمكنكم أن تُصلُّوا فيها وتتيمَّموا. فأواخر النصَّين سيقت لتثبيت أوائلها وتوكيدها ولم تأت لشيء آخر. هكذا يجب فهم هذين الحديثين، وهكذا نجد أنهما لا يفيدان زمانيَّة التيمُّم وتوقيته فضلاً عن توقيته بدخول الوقت.
стр. 536
أما الحديث الثالث فهو وإن جاء بلفظ مغاير قليلاً إلا أنه يفيد المعنى نفسه الذي يفيده الحديثان الأولان، فبعد أن صُدِّر بما صُدِّر به الحديثان الأولان «جُعلت لي الأرض طيِّبةً طَهوراً ومسجداً» قال «فأيُما رجلٍ أدركته الصلاة صلى حيث كان» انظروا إلى لفظة (حيث) فهي ظرفية مكانية، أي هي مماثلة لـ (أينما) في الحديثين الأولين، فيكون معنى الحديث هو: إن الله جعل الأرض صالحة لتكون مسجداً وتكون طَهوراً، وكل رجل أدركته صلاته صلى على هذه الأرض حيثما كان. فالحديث يتحدث عن الأرض وصلاحها للصلاة وللتيمُّم، ولم يُؤت به لتوقيت تيمُّمٍ وزمانِه قطعاً. فالأحاديث الثلاثة لا تصلح لتحديد زمان التيمُّم وتوقيته، والشبهة التي عندهم آتية من الفعل (أدرك) الوارد في الأحاديث الثلاثة، فقالوا إن التيمُّم يحصل حين إدراك الصلاة ولا يكون إدراكٌ دون دخول الوقت، فإذا دخل الوقت بدأ التيمُّم. هكذا منطقوا الحديث بمقدِّمات ونتائج لم تكن صحيحة بلا شك، ولو هم وسَّعوا مجال النظر لما وقعوا فيما وقعوا فيه من خطأ الاستدلال.
стр. 537
أما استنباطهم التوقيت من آية التيمم فهو أيضاً استنباط غير صحيح. فالآية تفسَّر بأن المسلم لا يصلي إلا إذا كان على وضوء، فجاءت بصياغة تفيد أنه إذا أردتم الصلاة فتوضأوا، ومفهومها إذا لم تكونوا على وضوء فلا تصلوا حتى تتوضأوا. وبمعنى آخر إذا كنتم على وضوء فصلُّوا. فالآية سِيقت لبيان الوضوء وأنه شرط لصحة الصلاة، ولم تأت لبيان أن يتوضأ المسلم لكل صلاة، أو أن يتوضأ لدخول وقت كل صلاة. وهذا القول ينسحب على التيمُّم الوارد في آخر الآية، فالآية أرادت أن تبين حكم التيمُّم للصلاة، ولم تأت لطلب التيمُّم لدخول الوقت مطلقاً. بل أكثر من ذلك لم يرد في آخر الآية ذِكْرُ الصلاة فضلاً عن ذِكْرِ دخول الوقت، وإن الآية لم تأت إلا لبيان أنَّ مَن كان مريضاً أو مسافراً، أو أحدث بغائط حَدَثاً أصغر، أو أحدث بالجماع حَدَثاً أكبر فلم يجد الماء تيمَّم. هكذا تُفهم الآية، وهذا ما يحتمله النص، وصرفُ هذا النص إلى بيان حكم التيمُّم لدخول وقت الصلاة هو تحميلٌ للنص أكثر مما يحتمل. ولا أطيل أكثر من ذلك، فالأمر واضح، فالآية لا تُثْبِتُ دعواهم.
أما قولهم في البند الخامس فهو ليس دليلاً ولا يصمد أمام النقد، وإني لأتساءل: من أين لكم القول بعدم ضرورة التيمُّم قبل دخول الوقت؟ هل التيمُّم عندكم لا يكون إلا للصلاة فحسب؟ ألا يلزم التيمُّم لمسِّ المصحف؟ ألا يلزم للطواف حول الكعبة؟ بل ألا
يُشرع التيمُّم للمسلم الذي يحبَّ أن يكون دائماً على طهارة؟ أما قرأتم الحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ تيمَّم ليردَّ على مسلم السَّلام؟ فلماذا قصرتم التيمُّم على الصلاة هنا فأوجبتم التيمُّم حين دخول الوقت؟ لا شك في أنه نوع من التحكُّم والتَّعَسُّف.
стр. 538
من هذا الاستعراض نصل إلى عدم صلاح الأدلة والحجج السابقة على دعوى اشتراط دخول الوقت لصحة التيمُّم. وبسقوط هذا الاستدلال يثبت قول أبي حنيفة ومَن قال بقوله، حتى ولو لم يكن عندهم دليل على ما ذهبوا إليه، لأن قولهم يدخل في عموم الأدلة القاضية بأن التيمُّم طهارة، وأنها طهارة صالحة للصلاة وغيرها كصلاح الوضوء سواء بسواء، وأن نواقض الوضوء هي نواقض التيمُّم باستثناء وجدان الماء من بعد فقده للمتيمِّم، وما سواه فالنواقض هي والطهارة هي.
وقد جاءت الأحاديث الشريفة تصف التيمُّم بأنه طُهور، فعن أبي ذر قال «أتيت النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر إن الصعيد طَهور لمن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأَمِسَّه بشرتَك» رواه الدارقطني. ورواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح) . بل جاءت الأحاديث تصف التيمُّم بأنه وضوء.
١- عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال «الصعيد الطيب وَضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جِلْدَك، فإن ذلك خير» رواه أبو داود وابن حِبَّان. ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
٢- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الصعيد وَضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فلْيتق الله وليُمسَّه بَشَرَه، فإن ذلك خير» رواه البزَّار وصححه ابن القطَّان. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
стр. 539
فقد أطلقت الأحاديث لفظة الوضوء على التيمُّم، فهو وضوء لا يختلف عنه إلا بأن وجدان الماء ناقض له، فقد جاء الحديث بلفظ «فإذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك» ومعنى ذلك أنه يظل متيمِّماً أي طاهراً ما دام الماء مفقوداً، ولو كان خروج وقت الصلاة ناقضاً لذُكر هنا، فلما لم يُذكر دل ذلك على عدم وجوده، ثم إن الأصل في التيمُّم أنه قائم مقام الوضوء في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل. والوضوء لا ينتقض بخروج وقت الصلاة، ويجوز قبل دخول الوقت، فكذلك التيمُّم، إلا أن يُؤتَى بدليل صالح. وليس من الأدلة الصالحة ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «من السُّنَّة أن لا يصلِّي الرجل بالتيمُّم إلا صلاة واحدة ثم يتيمَّم للصلاة الأخرى» رواه الدارقطني وعبد الرزاق والبيهقي. أو ما روي عن علي ﵁ قوله «يتيمَّم لكل صلاة» رواه الدارقطني والبيهقي، لأن الحديث الأول مرويٌّ من طريق الحسن بن عمارة وهو ضعيف وقال بعضهم: متروك. وأما قول علي فهو مروي من طريق الحارث الأعور والحارث ضعيف بل كذبه بعضهم، قال البيهقي (إسناده ضعيف) ومثلهما ما رُوي عن ابن عمر أنه كان يتيمَّم لكل صلاة كما رواه عنه الدارقطني والبيهقي، فإن فيه عامر الأحول عن نافع، وعامر ضعَّفه ابن عُيينة وأحمد، وفي سماعه من نافع نظر، وقال ابن حزم (الرواية فيه عن ابن عمر لا تصح) .
وجدانُ الماء بعد فقده
أبنَّا من قبل أن التيمُّم كالوضوء باستثناءٍ واحد هو أن وجدان الماء من بعد فقده ينقض التيمُّم، إلا أن الأئمة والفقهاء قد اختلفوا في هذا الناقض من حيث التوقيت: هل وجدان الماء عقب أداء الصلاة وقبل خروج الوقت يبطل التيمُّم والصلاة ويوجب الإعادة؟ وهل وجدان الماء في أثناء الصلاة مبطلٌ للتيمُّم وللصلاة وموجبٌ للانصراف عنها وإعادتها؟ وهل وجدان الماء قبل الصلاة مبطلٌ للتيمُّم وموجبٌ للوضوء للصلاة؟ أم أن التيمُّم باق وتصح الصلاة به؟.
стр. 540
فذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد إلى أن من صلى بالتيمُّم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا تجب عليه الإعادة، وخالفهم طاووس وعطاء والقاسم بن محمد ابن أبي بكر ومكحول وابن سيرين والزُّهري وربيعة فقالوا إنها تجب مع بقاء الوقت. وذهب جمهور الفقهاء والأئمة إلى أن المتيمِّم إذا وجد الماء قبل الصلاة وجب عليه الوضوء ولا تصح صلاته بالتيمُّم. وخالفهم داود وسلمة بن عبد الرحمن فذهبا إلى عدم الوجوب. وذهب أبو حنيفة والأوزاعي والثوري إلى أن المتيمِّم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها وجب عليه الخروج منها وإعادتها، وخالفهم مالك وداود فقالا لا يجب عليه الخروج بل يحرم، والصلاة صحيحة.
والصحيح هو أن وجدان الماء ناقضٌ للتيمُّم. والمعلوم أن الناقض متى وجد نَقَض، لا فرق في ذلك بين كونه وُجِد قبل دخول الوقت أو بعده، ولا فرق بين كونه وُجد قبل الصلاة أو في أثنائها أو بعدها، فكل هذه الحالات حكمها واحد، والتفريق تكلُّفٌ لا دليل عليه. وعليه فإن من صلى بالتيمُّم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة فصلاته صحيحه ولا إعادة عليه، وأن المتيمِّم إن وجد الماء قبل الصلاة بطل تيمُّمه ووجب عليه الوضوء للصلاة، وصلاته دون وضوء باطلة، وأن المتيمِّم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة قبل الفراغ منها وجب عليه الخروج منها وإعادتها. وهذا كله مبني على أن التيمُّم كالوضوء ناقضه كناقضه سواء بسواء، والتفريق بينهما في النواقض تفريق لا دليل عليه، وغاية ما يتمسك به الذاهبون إليه شُبُهات وتأويلات ودلالات بعيدة لا تصمد أمام النقاش.
стр. 541
فمثلاً قال عطاء والقاسم ومكحول وابن سيرين والزُّهري وربيعة وطاووس: تجب الإعادة مع بقاء الوقت، لتوجُّه الخطاب مع بقائه، لقوله تعالى ﴿أَقِم الصَّلاةَ﴾ مع قوله تعالى ﴿إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ فشرط في صحتها الوضوء، وقد أمكن في وقتها، ولقوله ﷺ «فإذا وجد الماء فلْيتق الله ولْيُمِسَّه بَشَره» . وقال داود ومالك: لا يجب الانصراف من الصلاة بل يحرم. مستدلين بقوله تعالى ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وقالا: ما دامت الصلاة قد افتتحت افتتاحاً صحيحاً فلا يجوز نقضها والانصراف منها. وقال داود: إن المتيمِّم إذا وجد الماء قبل الصلاة لم يجب عليه الوضوء لقوله تعالى ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ . وتردد الشوكاني في هذه المسألة، وعلَّق على الحديث الذي جاء بلفظ «فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّه بشرته فإن ذلك خير» علَّق عليه بقوله (يُشكِل عليَّ الاستدلال بهذا الحديث قوله ـ فإن ذلك خير ـ فإنه يدلُّ على عدم الوجوب المدَّعى) . هذه أقوالهم وهذه شبهاتهم.
وقد ورد في هذا الموضوع من النصوص ما يلي:
١- عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت ـ فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعِد: أصبت السُّنَّة وأجزأتك صلاتُك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجْرُ مرتين» رواه أبو داود والدارمي والحاكم والدارقطني. ورواه النَّسائي بلفظ «.. فقال للذي لم يُعِد: أصبت السُّنَّة وأجزأتك صلاتُك، وقال للآخر: أما أنت فلك مثل سَهْمِ جَمْع» قوله سَهم جمع: يعني جَمَعَ أجرَ الصلاتين.
стр. 542
٢- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الصعيد وَضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فلْيتق الله ولْيُمِسَّه بَشَرَه فإن ذلك خير» رواه البزَّار ورجاله رجال الصحيح. وصححه ابن القطان.
الحديث الأول رَدٌّ صريح على من أوجب الإعادة مع بقاء الوقت، والمعلوم أنه لا اجتهاد في موضع النص، وهذا نص فلا يحلُّ القول بخلافه، فقول الرسول ﵊ للذي لم يُعِدْ «أصبت السُّنة وأجزأئك صلاتك» منطوق في عدم وجوب الإعادة، فيسقط رأيهم أو اجتهادهم. والحديث الثاني ردٌّ على من قال إن المتيمِّم إذا وجد الماء قبل الصلاة لم يجب عليه الوضوء، وعلى من قال إنه لا يجب الانصراف من الصلاة إن وجد الماء في أثنائها. فقوله ﵊ «فإذا وجد الماء فليتق الله ولْيُمِسَّه بَشَره» عام في كل حالة من حالات وجدان الماء لا فرق بين حالة الصلاة، وحالة ما قبلها وحالة ما بعدها. فوجدان الماء ناقض للتيمُّم كالبول الناقض للوضوء، فكما أن من بال انتقض وضؤوه سواء كان قبل صلاة أو في الصلاة أو بعدها، وسواء كان في وقت الصلاة أو قبل دخول الوقت أو قبل خروجه، فكذلك المتيمِّم إن وجد الماء انتقض تيمُّمُه، سواء كان قبل الصلاة أو في الصلاة أو بعدها، وسواء كان في وقت الصلاة أو قبل دخول الوقت أو قبل خروجه، ومن ادعى التخصيص بحالة من الحالات فليأت بدليل، لا بشبهة ولا بتأويل.
أما من كان قبل الصلاة فهو ظاهرٌ جداً، فالتيمُّم ينتقضُ بوجدان الماء، فكيف يصح له أن يصلي دون وضوء؟ وأما من كان في الصلاة فكيف يُتِمُّ صلاته وقد بطل تيمُّمه بوجدان الماء؟ وهل من أخرج ريحاً وهو يصلي يُتِم صلاته مستدلاً بالآية الكريمة ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ؟ فما شأننا وقد بطلت طهارتنا في إبطال الأعمال؟ ثم أي إبطال للأعمال هذا ونحن نوجب إعادة الصلاة؟.
стр. 543
أما ما يستحق الرد فعلاً، فهو تردد الشوكاني في القول بوجوب الوضوء على من يجد الماء، ومبعث تردده راجع إلى أن حديث أبي ذر يقول في إحدى الروايات «فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّه بشرته فإن ذلك خير» فقد عقَّب الرسول ﷺ على طلبه مس البشرة بالماء أي الوضوء بقوله «فإن ذلك خير» فاعتبرها الشوكاني صارفةً الطلبَ عن الوجوب، فقال ما قال، والحق معه لو لم يكن لهذا الحديث لفظٌ فيه زيادة تزيل التردد وتلغي قرينة الصرف عن الوجوب، وقد غفل الشوكاني عن هذه الزيادة الواردة في حديث البزَّار، وهي: «فلْيتق الله» رغم أنه أورد هذا الحديث بهذه الزيادة في مكان، ثم غفل عن الاستدلال به فتردد. ذلك أن قوله ﵊ «فليتق الله» قرينة تفيد وجوب الوضوء لمن وجد الماء، لأنه لا يقال اتَّق الله إلا في معرض الواجب أو المحرَّم، ولا يقال ذلك في المندوبات والمباحات والمكروهات، فهذه اللفظة عند البزَّار قرينة تصلح لصرف الأمر إلى الوجوب، وهي مسقطةٌ لرأي من قالوا بالندب وعدم الوجوب.
أما استدلاتهم بالآية الكريمة ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ على وجوب الإعادة لمن صلى بالتيمُّم ثم وجد الماء في الوقت، فهو استدلال بمفهوم يعارضه منطوق حديث أبي سعيد، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق، وقد روى نافع عن ابن عمر «أنه أقبل من الجُرف، حتى إذا كان بالمربد تيمَّم، فمسح وجهه ويديه وصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِد الصلاة» رواه الشافعي بسند حسن. ورواه عبد الرزاق بلفظ « ... فتيمَّم بالصعيد وصلى، ولم يُعِدْ تلك الصلاة» . والجُرف مكان قريب من المدينة.
مسألة
стр. 544
يكون التيمُّم من الجنابة والحيض والنفاس كما يكون من الحَدَث الأصغر، والتيمُّم من الجنابة والحيض والنفاس ينقضه ما ينقض الغسل سواء بسواء، والتيمُّم من الحَدَث الأصغر ينقضه ما ينقض الوضوء سواء بسواء باستثناء وجدان الماء، فهو ناقض لكليهما، ثم زوال العذر المبيح للتيمُّم، فإذا تيمم من الجنابة ثم أحدث حَدَثاً أصغر كأن بال أو تغوَّط انتقض تيمُّمه عن الحَدَث الأصغر، ولم ينتقض تيمُّمه عن الجنابة، وذلك أن ناقض الحَدَث الأصغر ينقض الوضوء لا الغُسل، وبالتالي ينقض ما يقابله، والجماع مثلاً ينقض الطهارة من الحَدَث الأكبر، ولا يصح أن يقال إن البول ينقض التيمُّم القائم مقام الغُسل من الجنابة، كما يقول المالكية الذين قالوا إن البول مثلاً ينقض التيمُّم من الجنابة ومن الحَدَث الأصغر معاً، أي يعود جُنُباً.
ولست أريد أن أرد على رأي المالكيين هذا بأكثر من أن أقول إن التيمُّم من الجنابة يقوم مؤقتاً مقام الغُسل من الجنابة ويأخذ أحكامه، والمعلوم أن البول مثلاً ينقض الوضوء ولا ينقض الغُسل، فوجب القول بذلك أيضاً بخصوص التيمُّم من الحدثين الأكبر والأصغر.
متى يُشرع التيمُّم ؟
يُشرع التيمم في حالتين اثنتين: حالة فقد الماء، وحالة وجود العذر المانع من استعمال الماء مع وجوده. ونفصِّل القول في هاتين الحالتين:
стр. 545
أولاً: حالة فقد الماء وهي الأصل. وهذه الحالة كما تكون في السفر تكون في الحضر وإن كان الأصل فيها أن تكون في السَّفر، لأنه قَلَّما يُفقد الماء في حالة الحضر، ولذا إذا أريد ذِكْرُ فَقْدِ الماء ذُكِرَ بدلَه السفرُ للتغليب، وإذا أريد ذِكر وجود الماء ذُكر بدله الحضر للتغليب كذلك، وهذا يعني أنه إذا ذُكِر السَّفر كسببٍ مبيحٍ للتيمُّم فإن ذلك لا يعني أن السفر بذاته سبب مبيح، وإنما السبب هو فقد الماء فيه، وإذا ذُكر الحضر كسببٍ مانع من التيمُّم فإن ذلك لا يعني أن الحضر في ذاته مانع، وإنما المانع هو وجود الماء فيه. هكذا ينبغي أن تفهم النصوص الشرعية من آيات وأحاديث، وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال الأئمة والفقهاء. والأدلة على أن فقد الماء سببٌ مبيحٌ للتيمُّم هي:
١- قوله تعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو على سَفَرٍ أو جَاء أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الغَائِطِ أَو لامَسْتُم النِّساءَ فلم تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً﴾ الآية ٦ من سورة المائدة.
٢- عن عمران بن حصين قال «كنا في سفَر مع النبي ﷺ ... فصلى بالناس فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزل لم يُصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلى مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك ... » رواه البخاري وأحمد. وقد مرَّ.
стр. 546
٣- عن أبي ذر قال «إني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله ﷺ بذَودٍ من إبلٍ وغنمٍ فكنت أكون فيها، فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتُصيبني الجنابة، فوقع في نفسي أني قد هلكت، فقعدت على بعير منها، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ ... وقلت: يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ فحدثته فضحك ... فأمر رسول الله ﷺ رجلاً من القوم فسترني، فاغتسلت ثم أتيته، فقال: إن الصعيد الطيب طَهورٌ ما لم تجد الماء ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأَمِسَّ بشرتك» رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والنَّسائي. والرجل المجهول في سند أحمد هو عمرو بن بجدان كما جاء في رواية النَّسائي والدارقطني.
قوله في حديث عمران «أصابتني جنابة ولا ماء» يدل على أن فقد الماء هو سبب قوله «عليك بالصعيد» وقولُه تعالى ﴿فلم تَجِدُوا ماءً﴾ هو ذكرٌ لسبب قوله تعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً﴾ . وقولُه في حديث أبي ذر «فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة» سببٌ لقوله «إن الصعيد الطيب طَهور ما لم تجد الماء» بل إن الجواب نفسه يحمل السبب أيضاً، فقد جعلت هذه النصوص فَقْدَ الماء سبباً للتيمُّم كما هو ظاهر، وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.
стр. 547
وتشمل حالة فَقْدِ الماء عدم وجوده في المكان فعلاً، أو وجوده في مكانٍ ناءٍ لا يُوصَل إليه إلا بفَوْت الصلاة، أو حصول مشقة في الوصول إليه لبعده، أو فَوْت الرفقة فيما لو طلبه، أو وجود زحام مانع من الحصول عليه خلال الوقت، أو وجود عدوٍّ من إنسان أو حيوان يحول بينه وبين الحصول عليه، أو وجوده في بئر لا يوصل إلى مائها إلا بدلو وحبل ولا دلو ولا حبل لديه، أو أن يكون سجيناً محجوزاً عن الماء القريب منه، أو وجود قلَّة منه لا تكفي لغير شربه وتحضير طعامه أو طعام رفقائه في سفره أو شُرب دوابه، ويدخل في هذه الحالة ما إذا كان الماء موجوداً ولكن لا يحصل عليه إلا بثمن أكثر من ثمن المثل، فهذه كلها تدخل تحت حالة فقد الماء المبيحة للتيمُّم.
ثانياً: وجود العذر المانع من استعمال الماء. وهذه الحالة تشمل:
أ- المريض الذي يتضرر من استعمال الماء بزيادة العلَّة أو تأخُّر الشفاء.
ب- الجريح الذي يخشى من تأخر التئام جُرحه أو زيادة العلَّة، أو حصول أَلمٍ بليغ من ملامسة الماء لجراحه.
ج- من كان في ليلة شديدة البرد ولا يجد سوى ماء شديد البرودة، وليست عنده نار لتسخينه، بحيث لو اغتسل منه ناله ضرر في بدنه، أو خشي على نفسه الهلاك.
والأدلة على ذلك ما يلي:
١- قوله تعالى ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ﴾ .
٢- عن جابر قال «خرجنا في سفَر، فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشجَّه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شِفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود والبيهقي. وصححه ابن السكن.
стр. 548
٣- عن عمرو بن العاص قال «احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقتُ إنْ اغتسلتُ أن أهلك فتيمَّمت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول ـ ولا تقتلوا أنفسَكم إن الله كان بكم رحيماً ـ فضحك رسول الله ﷺ ، ولم يقل شيئاً» رواه أبو داود والدارقطني وابن حِبَّان والحاكم. ورواه البخاري تعليقاً.
الآية الكريمة في البند الأول دليل على العذر الأول. والحديث رقم ٢ دليل على العذر الثاني. والحديث رقم ٣ دليل على العذر الثالث. ويستفاد من هذه النصوص أيضاً ما يلي:
١- إن العذر الثالث يختص بالتيمُّم بدل الغُسل، وليس بدل الوضوء، لأن الوضوء بالماء البارد لا يُتصور فيه أن يلحق الضرر في البدن أو يهلك النفس.
٢- إن الجرح لا يكفيه أن يُتيمَّم له فحسب، بل لا بد من أن يضم إلى التيمُّم عَصْب الجرح والمسحَ عليه، ثم غسل سائر جسده في الغسل من الجنابة ونحوها، أو المسح عليه والإتيان بسائر أفعال الوضوء، ودليله النص الثاني. أما إن كان الغسل يُلحق ضرراً بالجرح كمن أُجريت له عمليةُ شقِّ بطنٍ أو صدر فإن التيمُّم يكفيه لإزالة الجنابة، ودليله النص الثالث.
مسألة
إذا زال العذر المانع من استعمال الماء بطل التيمُّم فوراً، ووجب أن يغتسل بالماء، أو يتوضأ بالماء على حسب حاله.
مسألة
التراب والرمل وسواهما مما يُتَيمَّم به يجوز التَّيمُّم به مرَّات ومرَّات، ولا يُفقده استعماله في التيمُّم طُهوريته وصلاحه للتيمُّم ثانية وثالثة، ولم يرِد أيُّ دليل يمنع من استعماله أكثر من مرة، فيبقى على طُهوريته.
مسألة
стр. 549
قال عدد من الفقهاء منهم ابن قُدامة: إن كانت على بدن المسلم نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله تيمَّم لها وصلى، واستدلوا بالحديث: الصعيد الطيب طَهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. وهذا استدلال فاسد لا يصح، لأن التيمُّم هو عبادة تقوم مقام الغُسل والوضوء، فيقتصر على ما ورد لأجله. أما قولهم هو داخل في عموم الأخبار، فهو قول لا يفيد شيئاً، لأن هذا القول هو من العموم بحيث يستطيع المسلم أن يضع تحته ما يشاء من الفرضيات والتأويلات.
صلاة فاقد الطَّهُورين
المقصود بالطَّهورين الماء والصعيد، وقد جاءت النصوص بوجوب الوضوء بالماء، فإن لم يوجد الماء أو منع مانع من استعماله فبالتيمُّم بالصعيد. ونحن نبحث الآن حالة ثالثة هي حالة فَقْدِ الماء وفَقْدِ الصعيد معاً. وكمثالٍ على هذه الحالة أنْ يُوجَد سجينٌ في حاشرة لا ماء عنده ولا صعيد، ولا جدار لحاشرته يصلح للتيمُّم، وأراد هذا السجين الصلاة، فماذا يفعل؟ هل يصلي دون طهور أم لا يصلي؟ وهل إذا صلى ثم بعد حين وجد أحد الطَّهورين، تجب عليه إعادة الصلاة؟ هذه هي المسألة. وقد اختلف الأئمة الأربعة فيها على النحو التالي:
стр. 550
الأحناف قالوا: يصلي صلاة صُورية، أي يقوم المصلي بحركات الصلاة من وقوف وركوع وسجود وجلوس دون قراءة أو تسبيح أو تشهُّد، ودون نيَّة، وتبقى الصلاة في ذمته، يقضيها متى وجد الماء أو الصعيد، وشاركهم في وجوب القضاء الثوري والأوزاعي. والمالكيون قالوا: تسقط عنه الصلاة، فلا يصلي ولا يقضي إذا وجد الماء أو الصعيد. والشافعيون قالوا: إن كان جُنُباً يصلي الصلاة، ولكن يقتصر على قراءة الفاتحة فقط، ويعيدها إذا وجد الماء أو التراب، وإن كان مُحْدِثاً حَدَثاً أصغر يصلي صلاة تامة معتادة، ويعيدها متى وجد الماء أو التراب. والحنابلة قالوا يصلي ولا يعيد إذا وجد الماء أو التراب، ولكن يقتصر في صلاته على الفروض، وشاركهم في عدم وجوب الإعادة المُزَني وسَحنون وابن المنذر والشوكاني.
والرأي الذي يترجح لدينا هو رأي الحنابلة ومَن شاركهم، فالسجين الذي لا ماء عنده ولا صعيد، والمريض الذي لا يقوى على مغادرة فراشه لوضوء أو تيمُّم، ولا أحدَ عنده يستعين به على إحضار الماء أو الصعيد، يصليان صلاة تامة صحيحة معتادة، ويكونان قد أدَّيا واجبهما، ولا يلزمهما قضاء الصلاة أو إعادتها بعد خروج الوقت، ويمكنهما أن يصليا دون طهارة ما شاءا من النوافل أيضاً.
والدليل على ذلك ما روت عائشة ﵂ «أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلُّوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شَكَوْا ذلك إليه، فنزلت آية التيمُّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ودلالة هذا الحديث أن صحابة رسول الله ﷺ قد صلوا دون وضوء، وطبعاً دون تيمُّم، لأن التيمُّم لم يكن قد شُرع بعد، فلم ينكر الرسول ﷺ ذلك عليهم فكان ذلك إقراراً منه لفعلهم.
стр. 551
والآن وبعد أن شُرع التيمُّم لا يكون أحد يشبههم في فعلهم إلا مَن صلى دون وضوء ودون تيمُّم لعدم وجود الماء والصعيد، أي إلا من كان فاقد الطَّهورين معاً، وحينئذ يكون قد صلى دون طهارة مثلهم، وبمعنى آخر فإن إقرار الرسول ﷺ لصلاة الأوَّلين هو إقرار ينسحب على من صلى وهو فاقد الطَّهورين.
وإلى هذا الاستدلال ذهب العديد من الفقهاء، فابن حجر يقول (الحديث ليس فيه أنهم فقدوا التراب، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطَّهورين، ووجهه أنهم صلُّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ) والشوكاني يقول (ليس في الحديث أنهم فقدوا التراب، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ولكن عدم الماء في ذلك الوقت كعدم الماء والتراب لأنه لا مُطهِّر سواه) .
فالفاقد للطَّهورين يصلي دون طهارة، وهذا الدليل يردُّ رأي أبي حنيفة ورأي مالك. أما بخصوص رأي مالك فواضح، وأما بخصوص رأي أبي حنفية فهو أن الإتيان بحركات الصلاة دون نية ودون قراءة ليس صلاة، بمعنى أن من يفعل ذلك لا يكون صلَّى، فرأيه في النتيجة هو رأي مالك، والحديث ردٌّ عليهما.
يبقى سؤال: هل يعيد من صلى دون طهارة أم لا يعيد؟ يدلُّ هذا الحديث على أن الإعادة غير واجبة، وإلا لبيَّنها النبي ﷺ ، فلما لم يبيِّن ذلك فقد دل على عدم وجوب الإعادة، لأن الحاجة اقتضت منه أن يُبيِّن وجوب الإعادة لو كانت واجبة، فلما سكت دل ذلك على عدم الوجوب، وبذلك يُرَدُّ رأي أبي حنيفة والشافعي في وجوب الإعادة.
الفهرس
الموضوع ..................... الصفحة
مقدمة... ٦
تمهيد... ٨
الفصل الأول
أحكام المياه... ٩
الماء الطَّهور... ١٠
الماء النجس... ١٢
الماء المستعمل... ١٨
تطبيقات على الماء... ٣٠
سُوْر الحيوان... ٣٢
الفصل الثاني
أعيان النجاسات... ٤٢
النجاسات من الإنسان... ٤٣
أ. البول... ٤٣
ب. الغائط... ٤٤
стр. 552
ج. المذي... ٤٤
د. الودي... ٤٤
النجاسات من الحيوان... ٤٤
١- الكلب... ٤٤
٢- الخنزير... ٤٥
٣- الميتة... ٤٥
النجاسة المشتركة بين الإنسان والحيوان – الدم المسفوح... ٤٥
النجاسة من غير الإِنسان والحيوان – الخمر... ٧٦
شُبُهات: أولاً- بول ما يُؤكل لحمه وما لا يُؤكل... ٤٦
ثانياً- الميتة وأجزاؤها من حيث النجاسة... ٥٥
ثالثاً- نجاسة الدم... ٦٢
رابعاً- ما يُظنُّ أنه نجس... ٦٣
الفصل الثالث
أحكام النجاسة... ٦٨
تمهيد... ٦٨
حكم الانتفاع بالنجس... ٦٩
هل يجب العدد في إزالة النجاسة؟ ... ٧٢
المواطن الثلاثة التي ورد فيها عدد... ٧٢
ما يُستعمل في إِزالة النجس... ٧٥
تطهير المتنجِّس... ٧٨
الاستحالة... ٧٩
الفصل الرابع
أحكام وآداب قضاء الحاجة... ٨٣
أحكام وآداب قضاء الحاجة في الخلاء... ٨٣
أحكام وآداب قضاء الحاجة في البيوت والعمران... ٨٧
الفصل الخامس
سُنن الفطرة... ٨٩
السواك... ٨٩
قصُّ الشارب... ٩١
إعفاء اللحية... ٩٣
نتف الإبط... ٩٩
قصُّ الأظفار... ١٠٠
غسل البراجم... ١٠٠
حلق العانة... ١٠١
الختان... ١٠١
الفصل السادس
السنن الملحقة بالفطرة... ١٠٥
أحكام الشَّعَر... ١٠٥
١) إكرام الشَّعَر... ١٠٥
٢) نتف الشَّعَر الأبيض... ١٠٧
٣) صبغ الشَّعَر الأبيض... ١٠٧
٤) وصل الشَّعَر... ١٠٩
٥) نفش الشَّعَر... ١١١
٦) فرق الشَّعَر... ١١١
٧) حكم الاكتحال والتَّطيُّب... ١١١
الفصل السابع
الأغسال المستحبَّة بالنصوص... ١١٥
غُسل يوم الجمعة... ١١٦
غُسل الإِحرام ودخول مكة... ١٢٠
غُسل من أُغمي عليه... ١٢٠
غُسل من غسَّل ميتاً... ١٢١
الفصل الثامن
الغُسل... ١٢٣
صفة الغُسل... ١٢٣
الغُسل المُجزْيء... ١٢٤
الغُسل الأكمل... ١٢٥
تفصيلات تتعلق بالغُسل... ١٢٥
الفصل التاسع
موجبات الغُسل... ١٣٢
أولاً: الجنابة... ١٣٢
أحكام الجنب... ١٣٤
ثانياً: إسلام الكافر... ١٤٥
ثالثاً: الموت... ١٤٧
رابعاً: الحيض... ١٤٩
أحكام الحائض... ١٥٠
الأمور الثلاثة التي تختلف فيها الحائض عن الجُنُب... ١٥٢
دم الحيض ومدَّته... ١٥٧
المستحاضة وأحكامها ... ١٦٠
стр. 553
خامساً: النفاس والولادة... ١٦٥
الفصل العاشر
الوضوء... ١٦٩
تعريف الوضوء ومشروعيته... ١٦٩
فضل الوضوء... ١٦٩
صفة الوضوء... ١٧٠
الدعاء عقب الفراغ من الوضوء... ٢٠٥
الصلاة ركعتين عقب من الوضوء... ٢٠٦
مسائل... ٢٠٧
ما يُستحبُّ له الوضوء... ٢٠٨
الفصل الحادي عشر
المسح على الملبوس الساتر... ٢٠٩
ما يُلبس على الرأس... ٢٠٩
ما يُعصب على الجُرح والجبيرة... ٢١١
ما يُلبس في القدم... ٢١٢
الفصل الثاني عشر
نواقض الوضوء... ٢٢٠
١) الخارج من السبيلين... ٢٢٠
٢) خروج الدم... ٢٢٢
٣) القيء... ٢٢٤
٤) مسُّ الفرج... ٢٢٥
٥) النوم... ٢٢٧
٦) أكل لحم الجَزور... ٢٣٢
مسائل... ٢٣٦
المسألة الخامسة: لمس المرأة لا ينقض الوضوء... ٢٣٧
الفصل الثالث عشر
التيمم... ٢٤٤
تعريف التيمم ومشروعيته... ٢٤٤
تعريف التيمم... ٢٤٤
مشروعية التيمم... ٢٤٤
كيفية التيمم... ٢٤٦
هل يُشترط لصحة التيمم دخول الوقت... ٢٥٧
وجدان الماء بعد فقده... ٢٥٩
متى يُشرع التيمم؟ ... ٢٦٢
صلاة فاقد الطَّهورين... ٢٦٤
الطبعة الأولى ٢٠٠١م
الطبعة الثانية ٢٠٠٢م
الطبعة الثالثة ٢٠٠٣م
الطبعة الأخيرة
مزيدة ومنقحة
المملكة الأردنية الهاشمية
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية (٢٦٨٠/١٢/٢٠٠٣)
٢٦٢,٢
عويضة، محمود عبد اللطيف
الجامع لأحكام الصلاة/ محمود عبد اللطيف عويضة.-
ط ٣.- عمان: المؤلف، ٢٠٠٤.
٨٨٠ص.
ر. إ.: ٢٦٨٠/١٢/٢٠٠٣
الواصفات: /الصلوات//الإسلام//العبادات/
رقم الإجازة المتسلسل لدى دائرة المطبوعات والنشر ٣٤١/٢/٢٠٠١
هذا الكتاب يوزع مجاناً، ولا حقوق محفوظة لصاحبه،
فيصح لأي شخص أن يطبعه طبعة جديدة ويقوم
بنشره وتسويقه وبيعه متى شاء شرط أن يطبعه كما
هو دون أي تغيير مطلقاً، فلا يزيد عليه كلمة ولا
يحذف منه كلمة.
دار الوضاح للنشر والتوزيع – عمان الأردن - ٤٦١٣٠٧٦
الجَامِع لأَحْكَامِ الصَّلاة
لأبي إياس مَحمُود بن عَبدالَّلطيف بن مَحمُود (عُويضَة)
الجزُء الثَّاني
أحْكَام الصَّلاة
دار الوضاح مؤسسة الرسالة
عمان - الأردن
стр. 554
الفصل الأول
الصلاةُ: حكمُها ومواقيتُها
فرضُ الصلاة
الصلاةُ لغةً الدعاءُ، ورجلٌ صلَّى إذا دعا، وسُميت الصلاة المشروعة صلاةً لاشتمالها على الدعاء. وقد فُرضت الصلاة ليلة الإسراء خمسين في اليوم والليلة، ثم خُفِّضت إلى خمس صلوات تَعْدل في ثوابها الخمسين، فعن أنس ﵁ قال: «فُرضت على النبي ﷺ ليلةَ أُسْرِي به الصلواتُ خمسين ثم نقصت حتى جُعلت خمساً، ثم نُودي يا محمد إنه لا يُبدَّل القولُ لديَّ وإنَّ لك بهذه الخمس خمسين» رواه الترمذي وابن المنذر وعبد الرزاق. وروى البخاري وأحمد والنَّسائي عن أنس حديثاً طويلاً عن الإسراء، وجاء فيه « ... هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون، لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ ... » وروى أحمد عن ابن عباس ﵁ أنه قال «فُرض على نبيكم ﷺ خمسون صلاة، فسأل ربه فجعلها خمساً» .
فالصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، وهذه معلومة من الدين بالضرورة، وحسبي أن أذكر حديثاً واحداً يذكرهنَّ هو ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أنه قال «جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس يُسمَع دويُّ صوتِه ولا يُفقَه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يَسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمسُ صلوات في اليوم والليلة فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا إلا أنْ تَطوَّع ... » رواه البخاري ومالك والبيهقي وابن المنذر.
فضلُ الصلاة
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد ركن الشهادتين، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي.
стр. 555
وهي أول ما يحاسَب به الناسُ يوم القيامة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «أول شئ مما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة صلاتُه المكتوبة، فإن أتمَّها وإلا زِيد فيها من تطوُّعه، ثم يُفعَلُ بسائر الأعمال المفروضة كذلك» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والنَّسائي.
والصلاة أحبُّ الأعمال إلى الله سبحانه، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «سألت النبي ﷺ : أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاةُ على وقتها، قال: ثم أيُّ؟ قال: ثم بِرُّ الوالدين، قال: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهنَّ ولو استزدتُه لزادني» رواه البخاري. ورواه أحمد بمعناه عن رجل من الصحابة.
والصلاةُ تمحو الخطايا وتُذهب السيئات، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كلَّ يوم خمساً ما تقول ذلك يُبقي من دَرَنِه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول «إن العبد إذا قام يصلي أُتيَ بذنوبه فوُضعت على رأسه أو عاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» رواه ابن حِبَّان والبيهقي. وعن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مَن جاء بالصلوات الخمس قد أكملهن لم ينقص من حقهن شيئاً كان له عند الله عهدٌ أن لا يُعذِّبه ... » رواه ابن حِبَّان.
حكمُ الصلاة المكتوبة
стр. 556
الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي فرضٌ واجبةٌ على كل مسلم عاقل بالغ ذكراً كان أو أنثى، أما الصبي الذي لم يبلغ الحُلُم فهو غير مكلَّف شرعاً بأي تكليف، ومع ذلك فإنه فيما يتعلق بالصلاة قد طُلب من وليِّ أمره أن يأمره بأداء الصلاة، ولا شئ على وليِّ أمره أكثر من الأمر حتى يبلغ الصبي عشر سنين، فحينئذ يُطلب من وليِّ الأمر أن يضرب صبيه إن هو لم يمتثل للأمر ولم يصلِّ، ليدل كلُّ ذلك على ما للصلاة من أهمية ومكانة عند المسلمين، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود وأحمد والحاكم. وعن سبرة قال: قال رسول الله ﷺ «علِّموا الصبي الصلاةَ ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشرة» رواه الترمذي. ورواه أحمد بألفاظ مختلفة.
فالصبي ابن سبع سنوات يؤمر شرعاً بالصلاة، ويُضرب عليها إن هو بلغ عشر سنوات، رغم أنه غير مكلَّف شرعاً لأن البلوغ شرطٌ في التكليف، وهذا الأمر وهذا الضرب إنما هما لتعويد الصبي على الصلاة وتمرينه عليها وليس ذلك تكليفاً له بها، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «رُفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقِل» رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسائي.
стр. 557
أما تارك الصلاة فهو إما أن يكون تَرَكها كسلاً وتهاوناً، وإما أن يكون تركها إنْكَاراً لوجوبها وجحوداً لها، فأَما إن هو تركهاً كسلاً وتهاوناً فهو فاسق عاصٍ يُعاقَب على فعله تعزيراً بعقوبةٍ يراها الحاكم والقاضي زاجرة، وأَما إنْ هو تركها جحوداً وإنكاراً فهو كافر مرتد عن دين الله سبحانه، وهذا يُستتابُ ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، فعن عُبادة بن الصامت ﵁ قال «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيِّع منهن شيئاً لقيه وله عنده عهد يُدخِله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهنَّ لقيه ولا عهد له، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» رواه أحمد وابن ماجة. ورواه أبو داود بلفظ «خمسُ صلوات افترضهن الله تعالى، مَن أحسن وضوءَهنَّ وصلاَّهنَّ لوقتهنَّ وأتمَّ ركوعهنَّ وخشوعهنَّ كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» فلو كان ترك الصلاة كفراً كما يقول بذلك عدد من الأئمة لما قال رسول الله ﷺ «إن شاء غفر له» لمن يترك الصلاة بالانتقاص منها كما يفيد النص الأول، وبعدم الفعل لها كما يفيد النص الثاني، فالانتقاص ترك لقسم منها، وعدم الفعل ترك لها كلها، وهذا وذاك يبقيان تحت رحمة الله ومشيئته بالمغفرة، فإذا علمنا أن الله سبحانه لا يغفر للكافر ولا يغفر للمشرك ولا يغفر للمرتد عن دينه، وأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، وأن في القرآن دليل ذلك - فالله سبحانه يقول ﴿إن الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلك لِمْنْ يَشَاءُ ومَنْ يُشْرِكْ باللهِ فَقَد افْتَرَى إثْمَاً عَظِيْمَاً﴾ الآية ٤٨ من سورة النساء، ويقول ﴿إنَّ الذين كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيْلِ الله ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهم﴾ الآية ٣٤ من سورة محمد، ويقول سبحانه ﴿ ... ومَنْ يَرْتَدِدْ
стр. 558
مِنْكُمْ عَنْ دِيْنه فَيَمُتْ وهُو كَافِرٌ فأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ﴾ الآية ٢١٧ من سورة البقرة - أدركنا أنَّ تارك الصلاة جزئياً أو كلياً غير كافر وغير مشرك وغير مرتد، فلم يبق إلا أن يكون مسلماً عاصياً وفاسقاً فحسب.
ورب قائل يقول إن النص الأول وهو الانتقاص لا يدل على الترك جزئياً للصلاة وإنما يدل على لحوق النقص في صلواته من خشوع وقنوت واطمئنان وما إلى ذلك، وإن النص الثاني لا يدل كذلك على الترك الكلي، وإن قوله «ومن لم يفعل» ينصرف إلى عدم إحسان الوضوء والصلاة في غير وقتها، وعدم إتمام الركوع والخشوع، فنقول له إنَّ عندنا نصاً فيصلاً لا يحتمل إلا الترك الكلي للصلاة، وهذا هو: عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمَن جاء بهنَّ لم يضيِّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومَن لم يأت بهنَّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذَّبه وإن شاء أدخله الجنة» رواه مالك وأبو داود والنَّسائي والبيهقي. ورواه أحمد ولفظه « ... إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» . وتحضرني في هذا المقام أحاديث صحيحة انصرف الكثيرون من الفقهاء عنها ولا أقول جميعهم، واضطربوا في فهم دلالاتها، ولم يقفوا عندها أذكر منها ما يلي:
أ - عن أبي بكر عن أبيه أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال «من صلى البَرْدَين دخل الجنة» رواه مسلم والبخاري ومالك وعبد الله بن أحمد. والبردان هما صلاتا الفجر والعصر.
ب - عن عمارة بن رُؤيبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني الفجر والعصر» رواه مسلم وأبو داود وابن خُزَيمة وأحمد والنَّسائي.
стр. 559
ج - عن فُضالة ﵁ قال: علَّمني رسول الله ﷺ ، فكان فيما علمني «وحافِظْ على الصلوات الخمس، قال قلت: إنَّ هذه ساعاتٌ لي فيها أشغالٌ فمُرْني بأمرٍ جامعٍ إذا أنا فعلتُه أَجْزأ عني، فقال: حافظ على العصرين، وما كانت من لغتنا، فقلت: وما العصران؟ فقال: صلاةٌ قبل طلوع الشمس وصلاةٌ قبل غروبها» رواه أبو داود وأحمد. فأقول: أليس من اقتصر على صلاتي الفجر والعصر يُعتبر تاركاً للصلوات الخمس تركاً جزئياً ومع ذلك يبقى مسلماً؟.
стр. 560
أمَّا الأحاديث التي هي من مثل ما رواه بُرَيدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد وابن ماجة والنَّسائي والترمذي. وما رواه جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «بين الرجل وبين الشِّرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم وأحمد والترمذي. فإنها تُحمل على التغليظ الشديد على من ترك الصلاة، فهي من مثل ما رُوي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الرسول ﷺ قال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» رواه البخاري ومسلم. وما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» رواه مسلم وأحمد. وما رُوي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله ... » رواه البخاري ومسلم. وما رُوي عن جابر أن النبي ﷺ قال «من أُعطي عطاءً فوجَدَ فلْيَجْزِ به، ومن لم يجد فَلْيُثْنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر ... » رواه الترمذي وأبو داود وابن حِبَّان والبيهقي. وقال الترمذي (ومعنى قوله ــ ومن كتم فقد كفر ــ يقول: كفر تلك النعمة) . وما رُوي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال « ... وأُريتُ النارَ فلم أرَ منظراً كاليومِ قطُّ أفظعَ، ورأيتُ أكثر أهلِها النساء، قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: بكفرهنّ، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرنَ العشير ويكفرن الإحسان ... » رواه البخاري ومسلم.
стр. 561
فقتال المسلم والطعن في النسب والنياحة على الميت وادّعاء الشخص لغير أبيه وكتمان العطاء وجحود المرأة فضل زوجها وإحسانه هي بلا شك معاصٍ فحسب وليست أفعالاً تُخرج من الملة، وما إطلاق الكفر عليها إلا لمجرد التغليظ الشديد عليها. وقد أُستُعملت لفظة الكفر هنا بمعناها اللغوي وتعني السّتر والغطاء، يقال كفر الشّئ إذا ستره وغطاه، ويقال كفر الزارع البذر بالتراب إذا غطّاه، وقد ورد استعمال هذه اللفظة في كتاب الله بهذا المعنى، فقال تعالى ﴿وَعَدَ اللهُ الذّينَ آمنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصّالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهمْ في الأرضِ ... ومنْ كَفَرَ بعْدَ ذلك فَأولئِكَ هُمُ الفَاسِقون﴾ الآية ٥٥ من سورة النور. فقوله - ومن كفر - فسّرها المفسرون بأنها كُفر النعمة، وقال سبحانه ﴿أَفَبِالباطِلِ يؤْمِنون وَبِنِعْمَةِ اللهِ همْ يكْفُرون﴾ الآية ٧٢ من سورة النحل. فسّرتها الآية التي قبلها ﴿ ... أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدون﴾ .
فالكفر يطلق على الخروج من الملّة، وقد يطلق على أفعالٍ محرّمة لا تُخْرِجُ من الملّة، والقرينةُ هي التي تحددُ أيّاً من المعنيين هو المقصود، وحيث أن النصوص التي وصفت ترك الصلاة بأنهُ كفر قد وُجِدت قرينةٌ منها تصرفها إلى المعنى اللغوي فحسب، وهي التي ذكرناها سابقاً، فإنه لا يصح معها أن نعتبر ترك الصلاة خروجاً من الملة، وأن من اعتبروا ترك الصلاة كفراً إنما أخطأوا فيما ذهبوا إليه.
الصلوات المكتوبة ومواقيتها
стр. 562
فرَض الله سبحانه على المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة هي صلاة الفجر أو صلاة الصبح أو صلاة الغداة وهي ركعتان، وصلاة الظهر وهي أربع ركعات، وصلاة العصر أو الصلاة الوسطى وهي أربع ركعات، وصلاة المغرب وهي ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أو صلاة العَتَمَة وهي أربع ركعات، فعن معاذ ﵁ قال «بعثني رسول الله ﷺ قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأَعْلمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... » رواه مسلم.
стр. 563
وقد عين الشرع لكل صلاة من هذه الصلوات الخمس ميقاتاً، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فَصَلِّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين برق الفجر، أو قال حين سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثلَه، ثم جاءه للعصر فقال: قم فصَلِّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مِثْليه، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثم جاءه للعشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثُلُث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جداً فقال: قم فصَلِّه، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين وقت» رواه أحمد والنَّسائي. وقال البخاري (هو أصح شئ في المواقيت) . وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يَسقط ثَوْرُ الشَّفَق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي.
وبالنظر في هذين الحديثين يتبين أن مواقيت الصلاة هنا هي المواقيت المختارة دون المواقيت الجائزة، أي هي المواقيت التي يُندَب للمسلمين أداء الصلوات فيها، وهي المواقيت نفسها التي واظب رسول الله ﷺ على أداء الصلوات المفروضة فيها، فعن عائشة ﵂ قالت «ما صلى رسول الله ﷺ الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله» رواه الحاكم.
стр. 564
أما ما زاد عن هذه المواقيت مما جاء في نصوص أخرى ستأتي لاحقاً فهي المواقيت التي يجوز للمسلمين فيها أداء صلواتهم، وهي التي تُسمى أوقات الجواز أو أوقات الضرورة أو أوقات الكراهة. ونذكر الآن ميقات كل صلاة من هذه الصلوات الخمس بشئ من التفصيل:
١ــ وقت صلاة الظهر:
يبدأ وقت صلاة الظهر من زوال الشمس - أي من صُعود الشمس إلى قُبَّة السماء - وينتهي عندما يصير ظل كل شئ مثله في الطول، أي عندما يبدأ وقت صلاة العصر كما جاء في حديث جابر المار. وصلاة الظهر هذه لها وقت واحد كله وقت اختيار، فتؤدَّى هذه الصلاة في أيِّ حينٍ خلال هذه الفترة دون وجود فضل لأي منه على الآخر. وصلاة الظهر هي الصلاة الأولى من الصلوات المفروضة التي صلاها رسول الله ﷺ بإمامةِ جبريل ﵇ في مكة بدلالة حديث جابر، وبما روى نافع بن جبير وغيره «لما أصبح النبي ﷺ من ليلته التي أُسري به فيها لم يَرُعْه إلا جبرئيل، فنزل حين زاغت الشمس، فلذلك سُمِّيت الأولى، قام فصاح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى جبرئيل بالنبي ﷺ ، وصلى رسول الله ﷺ بالناس، طوَّل الركعتين الأوليين ثم قصَّر الباقيتين، ثم سلَّم جبرئيل على النبي ﷺ ، وسلَّم النبي ﷺ على الناس، ثم نزل في العصر على مثله ... » رواه عبد الرزاق. وبما روى نافع بن جُبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشِّراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرُم الطعام والشراب على الصائم ... » رواه أبو داود وابن المنذر والترمذي والحاكم وابن أبي شيبة. فقد بدأ بصلاة الظهر. قوله قدر
стр. 565
الشِّراك: الشِّراك هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. والمراد بذلك بيان أقل ما يكون من الظل وقت الزوال.
وحيث أن صلاة الظهر تكون في منتصف النهار، فإنها تكون في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحرارة في البلاد الحارة، مما يجعل الصلاة تشق على المصلين، لهذا ودفعاً للمشقة، ولِكَوْنِ وقتِ هذه الصلاة كله وقت اختيار فإنه يُسن تأخير صلاة الظهر في أيام الحر إلى أن تنكسر حدَّته، وهو المسمى بالإبراد، لا فرق في ذلك بين المنفرد والجماعة، ولا بين مَن هم في المسجد ومَن هم خارجه، فحكم الندب عام في جميع الحالات، فعن أنس ﵁ قال «كان رسول الله- ﷺ إذا كان الحر أَبْرَدَ بالصلاة وإذا كان البرد عجَّل» رواه النَّسائي وابن عبد البر. وعن أبي ذرٍّ قال «أذَّن مؤذن رسول الله ﷺ بالظهر، فقال النبي ﷺ : أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أو قال: انتظر انتظر وقال: إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر فأبْرِدوا عن الصلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي باختلاف في الألفاظ.
٢ــ وقت صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى:
يبدأ وقت صلاة العصر من حين يصير ظل كل شئ مثله في الطول وينتهي بغروب الشمس. وإنما قلنا بغروب الشمس وليس باصفرارها كما جاء في حديث مسلم المار، ولا بصيرورة ظل كلِّ شئ مثليه كما جاء في حديث أحمد المار، لأن هذين الحديثين كما أسلفنا حدَّدا للعصر وقت الاختيار فحسب، دون تمام الوقت، كما جاء في نصوص أخرى. فالعصر له وقت اختيار ينتهي باصفرار الشمس، وله وقت ضرورة أو وقت جواز يبدأ باصفرار الشمس إلى أن تغرب في الأفق الغربي، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «.. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» رواه مسلم.
следующие страницы →