Полный текст (1 205 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فقتال المسلم والطعن في النسب والنياحة على الميت وادّعاء الشخص لغير أبيه وكتمان العطاء وجحود المرأة فضل زوجها وإحسانه هي بلا شك معاصٍ فحسب وليست أفعالاً تُخرج من الملة، وما إطلاق الكفر عليها إلا لمجرد التغليظ الشديد عليها. وقد أُستُعملت لفظة الكفر هنا بمعناها اللغوي وتعني السّتر والغطاء، يقال كفر الشّئ إذا ستره وغطاه، ويقال كفر الزارع البذر بالتراب إذا غطّاه، وقد ورد استعمال هذه اللفظة في كتاب الله بهذا المعنى، فقال تعالى ﴿وَعَدَ اللهُ الذّينَ آمنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصّالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهمْ في الأرضِ ... ومنْ كَفَرَ بعْدَ ذلك فَأولئِكَ هُمُ الفَاسِقون﴾ الآية ٥٥ من سورة النور. فقوله - ومن كفر - فسّرها المفسرون بأنها كُفر النعمة، وقال سبحانه ﴿أَفَبِالباطِلِ يؤْمِنون وَبِنِعْمَةِ اللهِ همْ يكْفُرون﴾ الآية ٧٢ من سورة النحل. فسّرتها الآية التي قبلها ﴿ ... أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدون﴾ .
فالكفر يطلق على الخروج من الملّة، وقد يطلق على أفعالٍ محرّمة لا تُخْرِجُ من الملّة، والقرينةُ هي التي تحددُ أيّاً من المعنيين هو المقصود، وحيث أن النصوص التي وصفت ترك الصلاة بأنهُ كفر قد وُجِدت قرينةٌ منها تصرفها إلى المعنى اللغوي فحسب، وهي التي ذكرناها سابقاً، فإنه لا يصح معها أن نعتبر ترك الصلاة خروجاً من الملة، وأن من اعتبروا ترك الصلاة كفراً إنما أخطأوا فيما ذهبوا إليه.
الصلوات المكتوبة ومواقيتها
стр. 562
فرَض الله سبحانه على المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة هي صلاة الفجر أو صلاة الصبح أو صلاة الغداة وهي ركعتان، وصلاة الظهر وهي أربع ركعات، وصلاة العصر أو الصلاة الوسطى وهي أربع ركعات، وصلاة المغرب وهي ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أو صلاة العَتَمَة وهي أربع ركعات، فعن معاذ ﵁ قال «بعثني رسول الله ﷺ قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأَعْلمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ... » رواه مسلم.
стр. 563
وقد عين الشرع لكل صلاة من هذه الصلوات الخمس ميقاتاً، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فَصَلِّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين برق الفجر، أو قال حين سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فَصَلِّه، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثلَه، ثم جاءه للعصر فقال: قم فصَلِّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مِثْليه، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثم جاءه للعشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثُلُث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جداً فقال: قم فصَلِّه، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين وقت» رواه أحمد والنَّسائي. وقال البخاري (هو أصح شئ في المواقيت) . وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ قال «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يَسقط ثَوْرُ الشَّفَق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي.
وبالنظر في هذين الحديثين يتبين أن مواقيت الصلاة هنا هي المواقيت المختارة دون المواقيت الجائزة، أي هي المواقيت التي يُندَب للمسلمين أداء الصلوات فيها، وهي المواقيت نفسها التي واظب رسول الله ﷺ على أداء الصلوات المفروضة فيها، فعن عائشة ﵂ قالت «ما صلى رسول الله ﷺ الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله» رواه الحاكم.
стр. 564
أما ما زاد عن هذه المواقيت مما جاء في نصوص أخرى ستأتي لاحقاً فهي المواقيت التي يجوز للمسلمين فيها أداء صلواتهم، وهي التي تُسمى أوقات الجواز أو أوقات الضرورة أو أوقات الكراهة. ونذكر الآن ميقات كل صلاة من هذه الصلوات الخمس بشئ من التفصيل:
١ــ وقت صلاة الظهر:
يبدأ وقت صلاة الظهر من زوال الشمس - أي من صُعود الشمس إلى قُبَّة السماء - وينتهي عندما يصير ظل كل شئ مثله في الطول، أي عندما يبدأ وقت صلاة العصر كما جاء في حديث جابر المار. وصلاة الظهر هذه لها وقت واحد كله وقت اختيار، فتؤدَّى هذه الصلاة في أيِّ حينٍ خلال هذه الفترة دون وجود فضل لأي منه على الآخر. وصلاة الظهر هي الصلاة الأولى من الصلوات المفروضة التي صلاها رسول الله ﷺ بإمامةِ جبريل ﵇ في مكة بدلالة حديث جابر، وبما روى نافع بن جبير وغيره «لما أصبح النبي ﷺ من ليلته التي أُسري به فيها لم يَرُعْه إلا جبرئيل، فنزل حين زاغت الشمس، فلذلك سُمِّيت الأولى، قام فصاح بأصحابه: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى جبرئيل بالنبي ﷺ ، وصلى رسول الله ﷺ بالناس، طوَّل الركعتين الأوليين ثم قصَّر الباقيتين، ثم سلَّم جبرئيل على النبي ﷺ ، وسلَّم النبي ﷺ على الناس، ثم نزل في العصر على مثله ... » رواه عبد الرزاق. وبما روى نافع بن جُبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشِّراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرُم الطعام والشراب على الصائم ... » رواه أبو داود وابن المنذر والترمذي والحاكم وابن أبي شيبة. فقد بدأ بصلاة الظهر. قوله قدر
стр. 565
الشِّراك: الشِّراك هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. والمراد بذلك بيان أقل ما يكون من الظل وقت الزوال.
وحيث أن صلاة الظهر تكون في منتصف النهار، فإنها تكون في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحرارة في البلاد الحارة، مما يجعل الصلاة تشق على المصلين، لهذا ودفعاً للمشقة، ولِكَوْنِ وقتِ هذه الصلاة كله وقت اختيار فإنه يُسن تأخير صلاة الظهر في أيام الحر إلى أن تنكسر حدَّته، وهو المسمى بالإبراد، لا فرق في ذلك بين المنفرد والجماعة، ولا بين مَن هم في المسجد ومَن هم خارجه، فحكم الندب عام في جميع الحالات، فعن أنس ﵁ قال «كان رسول الله- ﷺ إذا كان الحر أَبْرَدَ بالصلاة وإذا كان البرد عجَّل» رواه النَّسائي وابن عبد البر. وعن أبي ذرٍّ قال «أذَّن مؤذن رسول الله ﷺ بالظهر، فقال النبي ﷺ : أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أو قال: انتظر انتظر وقال: إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر فأبْرِدوا عن الصلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي باختلاف في الألفاظ.
٢ــ وقت صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى:
يبدأ وقت صلاة العصر من حين يصير ظل كل شئ مثله في الطول وينتهي بغروب الشمس. وإنما قلنا بغروب الشمس وليس باصفرارها كما جاء في حديث مسلم المار، ولا بصيرورة ظل كلِّ شئ مثليه كما جاء في حديث أحمد المار، لأن هذين الحديثين كما أسلفنا حدَّدا للعصر وقت الاختيار فحسب، دون تمام الوقت، كما جاء في نصوص أخرى. فالعصر له وقت اختيار ينتهي باصفرار الشمس، وله وقت ضرورة أو وقت جواز يبدأ باصفرار الشمس إلى أن تغرب في الأفق الغربي، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «.. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» رواه مسلم.
стр. 566
فأفضل وقت لصلاة العصر يقع ما بين أول الوقت إلى أن يبدأ اصفرار قُرص الشمس، فهو الوقت المختار، وهو الذي صلى فيه جبريل ﵇ الصلاتين برسول الله ﷺ ، ثم يعقبه الوقت الجائز الذي يمتد إلى غياب الشمس، ويُسمى وقت الضرورة، أو وقت الكراهة. ونقصد بالغروب غيابَ كاملِ قرصِ الشمس، بمعنى أن وقت العصر يمتد حتى يتوارى قرص الشمس كله.
وقد سميت صلاة العصر بالصلاة الوسطى لفضلها، فهي الصلاة الوسطى على الرأي الراجح الأصح، فعن عليٌّ ﵁ أنه قال «لمَّا كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : ملأ الله قُبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» رواه مسلم والبخاري. ووقع عند مسلم التصريح بصلاة العصر في حديثين: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ... » وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ... » .
كما وقع التصريح بصلاة العصر عند البخاري في رواية له عن علي ﵁ «كنا مع النبي ﷺ يوم الخندق، فقال: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر» . ووقع التصريح بها عند ابن المنذر وعبد الرزاق والبيهقي عن علي ﵁ «لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي ﷺ : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً» . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «صلاة الوسطى صلاة العصر» رواه الترمذي. ورواه أحمد والبيهقي من طريق سمرة.
стр. 567
وقد خصها الله سبحانه بمزيد ذِكْرٍ فقال ﴿حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وقُوْمُوا لله قَانِتِيْنَ﴾ الآية ٢٣٨ من سورة البقرة. كما خصها الرسول الكريم ﷺ بمزيد ذِكْرٍ وتفضيل، فقال «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» رواه مسلم من طريق ابن عمر. وعن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ العصر بالمُخَمَّص فقال: إن هذه الصلاة عُرِضت على مَن كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أجرُهُ مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد - والشاهد النجم» رواه مسلم والنسائي وأحمد.
٣ــ وقت صلاة المغرب:
стр. 568
جاء في حديث جابر المارِّ في المواقيت أن للمغرب وقتاً واحداً صلى فيه جبريل ﵇ في يومين متتاليين هو «حين غابت الشمس» وجاء ذلك أيضاً في الحديث الذي رواه ابن عباس ﵁ «أن جبرئيل أتى النبي ﷺ فصلى به الصلوات وقتين إلا المغرب» رواه الحاكم. ولكن جاء في حديث عبد الله بن عمرو المار في المواقيت أن «وقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق» فنقول إن حديث جابر حدَّد وقت الاختيار وهو المشار إليه في حديث ابن عباس، وهو عند غياب الشمس مباشرة، وأما حديث عبد الله ابن عمرو فقد حدَّد كامل وقت المغرب، وأنه يبدأ من غياب الشمس وينتهي بغياب الشفق الأحمر، وإلى هذه النهاية أشار الحديث الذي رواه عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي. ورواه ابن ماجة والحاكم أيضاً من طريق العباس بن عبد المطلب ﵁، فجعل اشتباك النجوم نهاية وقت المغرب. واشتباكُ النجوم: انتشارُ الظلام عقب غياب الشفق الأحمر بحيث تبدو جميع النجوم فتتشابك لكثرتها. وروى بريدة ﵁ عن النبي ﷺ «أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له ﷺ : صل معنا هذين، يعني اليومين ... - وجاء في الحديث - ... ثم أمره - أي بلالاً - فأقام المغرب حين غابت الشمس ... وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ... ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم. فالرسول ﷺ صلى المغرب حين غابت الشمس يوماً، وصلاها قبل أن يغيب الشفق يوماً آخر، وجعل ذلك وقت صلاة المغرب، فهو نص قاطع في الدلالة على ما نقول.
стр. 569
ويُسنُّ التبكير بصلاة المغرب وأداؤها في أول الوقت قبل أن يشتد الظلام وتنتشر النجوم في السماء، لحديث جابر ولحديث ابن عباس المشار إليهما في أول البحث، ولما روى سَلَمةُ بن الأكوع ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» رواه مسلم والبخاري.
٤ــ وقتُ صلاة العشاء:
يبدأ وقت صلاة العشاء من غياب الشفق الأحمر إلى أن ينشقَّ الفجر الصادق، وبعبارة أخرى يبدأ الوقت عند سقوط القمر، أي غيابه لثالثة الشهر الهجري، لما روى النعمان بن بشير ﵁ قال «إني لأعلمُ الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثةٍ» رواه الحاكم وأحمد وابن حِبَّان. وينتهي بظهور الفجر المستطير، أي المنتشر معترضاً في الأفق عكس المستطيل الذي يبدو ممتداً إلى الأعلى، ويسمى الأول الفجر الصادق تمييزاً له عن الفجر الكاذب، فعن سَمُرة بن جُندُب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يغرَّنَّكم من سحوركم أذانُ بلال ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ... » رواه مسلم.
стр. 570
وحيث أن صلاة الفجر تعقب صلة العشاء فإن وقت العشاء يمتدُّ حتى صلاة الفجر وليس إلى ثلث الليل أو شطر الليل فحسب كما يُفهم من حديث جابر المار في المواقيت. فكما قلنا بخصوص صلاة العصر وبخصوص صلاة المغرب في البندين ٢، ٣ من أن التحديد الوارد في حديث جابر إنما هو لوقت الاختيار وليس لوقت الضرورة، فإننا نقول القول نفسه بخصوص صلاة العشاء. فالتحديد بثلث الليل أو بشطر الليل إنما هو تحديد وقت الاختيار أي وقت الأفضلية فحسب. ثم إن الطحاوي قد روى عن عائشة ﵂ بسند صحيح قولها «أَعْتَمَ النبيُّ ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامَّة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى وقال: إنه لوقتها لولا أن أشقَّ على أمتي» فقد جاء في حديث عائشة «حتى ذهب عامَّة الليل» وهذا يعني أنه تجاوز شطر الليل. وعن أبي قتادة ﵁، من حديث طويل، قال: قال رسول الله ﷺ «أَمَا إنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى» رواه مسلم. ولولا ورود أحاديث تدل على انتهاء وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس لصلح هذا الحديث للاستدلال به على أن صلاة الفجر تمتد إلى صلاة الظهر، فصلاة العشاء تصح حتى حلول وقت صلاة الفجر.
أما الوقت المختار فينتهي عند منتصف الليل، أو حوله قليلاً، ليبدأ بعد ذلك وقت الجواز حتى صلاة الفجر، فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال «سُئل رسول الله ﷺ عن وقت الصلوات، فقال ... ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
стр. 571
ويُفضَّل تأخير العشاء إلى ما بين ثلث الليل ونصفه للمنفرد وللجماعة على السواء، إلا أَنْ تُوجَد مشقَّةٌ فتُؤدَّى في أول وقتها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لولا أن أشقَّ على أمتي لأخَّرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل» رواه ابن ماجة وأحمد. ومن المشقة ضعف الضعيف ومرض المريض وأمثالهما، لما رُوي عن أبي سعيد ﵁ أنه قال «صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العَتَمة، فلم يخرج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخَّرت هذه الصلاة إلى شطر الليل» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. والمقصود بصلاة العَتَمة في هذا الحديث صلاة العشاء. والأفضل تسميتها صلاة العشاء، وذلك لما روى ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَغْلِبَنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها تُعْتِم بحِلاب الإبل» رواه مسلم وابن ماجة وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ورواه ابن ماجة أيضاً من طريق أبي هريرة ﵁ بلفظ «لا تَغْلِبَنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم فإنما هي العشاء، وإنما يقولون العَتَمةَ لإعتامهم بالإبل» . فقدكان الأعراب يؤخِّرون حِلاب الإبل إلى أن يشتد الظلام، أي العتَمَة، فأطلقوا على صلاة العشاء صلاة العَتَمَة لهذا السبب.
٥ ــ وقت صلاة الفجر:
يبدأ وقت صلاة الفجر، أو صلاة الصبح، أو صلاة الغداة، من انشقاق الفجر الصادق إلى أن تطلع الشمس - أي إلى أن يظهر أول جزء منها - فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... » رواه مسلم.
стр. 572
والمسلم بالخيار بين التبكير بها في أول وقتها - وهو المسمى بالتَّغْليس - وبين الإسفار - وهو تأخيرها إلى قُرْب نهاية وقتها - فعن أنس ﵁ قال «سُئل النبي ﷺ عن وقت صلاة الغداة، فصلى حين طلع الفجر ثم أسفر بعد، ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة؟ ما بين هذين وقت» رواه البزَّار. ولكن التغليس، أي التبكير، أفضل قليلاً، فعن عائشة ﵂ «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفِّعات بمُرُوطِهنَّ، ثم ينقلبن إلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» رواه البخاري وأحمد ومسلم. وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ « ... صلى الصبح مرةً بغَلَسٍ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التَّغليس حتى مات، ولم يعُد إلى أن يُسْفِر» رواه أبو داود. ورواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبيهقي جزءاً من حديث طويل.
فالتغليس أفضل، خاصةً في ليالي الشتاء الطويلة التي يأخذ النائم فيها حاجته من النوم، أما في ليالي الصيف فلو أسفر فيها المصلي بصلاة الفجر لأحسن صنعاً، لأن الليل قصير والناس ينامون، فيمهلهم الإمام حتى يدركوا الصلاة. أمَّا ما ورد من أحاديث تأمر بالإسفار، وأنه أعظم للأجر، فإنها تُحمَل على معنى آخر غير التأخير، هو التحقُّق والتثبُّت من حلول الفجر.
إذا أخَّر الإمام الصلوات عن مواقيتها
стр. 573
يُندب لأئمة المساجد وحكام الدولة أداءُ جميع الصلوات في المساجد في أوائل مواقيتها، وعدم تأخيرها إلى أن تنتهي أوقات الاختيار، فإن عُرف مِن إمامٍ أو حاكمٍ تأخيرُ الصلاة شُرع للمصلِّين أن لا ينتظروا الصلاة معه بل يصلونها منفردين، ثم إن هم أرادوا الصلاة مع الإمام أو مع الحاكم بعد ذلك في المسجد فلا بأس، وتكون صلاتهم في هذه الحالة نافلة، فعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يُميتون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة» رواه مسلم. وعن أبي عالية البراء قال «أخر ابن زياد الصلاة، فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسياً فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، فعضَّ على شفته فضرب إلى فخذي وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركت الصلاة معهم فصلِّ ولا تقُل: إني قد صليت فلا أُصلي» رواه مسلم وأحمد النسائي وابن حِبَّان. وعن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لعلكم ستدركون أقواماً يصلُّون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلُّوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلُّوا معهم واجعلوها سُبْحةً» رواه ابن ماجة. والسُبْحة هي صلاة النافلة أو التطوُّع. وروى عُبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «سيكون أمراء تُشغلهم أشياء، يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً» رواه ابن ماجة.
стр. 574
أما لماذا تكون نافلة ولا تكون مكتوبة ما دام يأتمُّ بإمام يصلي المكتوبة؟ فلأن المسلم لا يحلُّ له أن يصلي الصلاة المكتوبة في اليوم الواحد مرتين، فلا يجوز له شرعاً أن يصلى الظهر مرتين أو المغرب مرتين، أو أية صلاة مكتوبة أكثر من مرة واحدة في اليوم، فعن سليمان بن يسار مولى ميمونة قال «أتيت على ابن عمر وهو قاعدٌ على البلاط والناس في الصلاة، فقلت: ألا تصلي؟ قال: قد صليتُ، قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا صلاةً في يومٍ مرتين» رواه ابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان.
إِدراكُ ركعة من الصلاة في وقتها
стр. 575
من أدرك ركعة من أية صلاة مفروضة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصَّلاة، ويُتمُّها في وقت الصلاة التي تليها، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» رواه مسلم. ورواه البخاري بلفظ «إذا أدرك أحدُكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فلْيُتمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فلْيُتمَّ صلاته» وليس هذا خاصاً بصلاتي الصبح والعصر فحسب، وإنما هو حكم عام في كل صلاة مكتوبة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري. ورواه أحمد بلفظ «.. فقد أدركها كلها» . ولا يعني هذا أنه يجوز للمسلم تأخير صلاته حتى يضيق وقتها إلى هذا الحد، فإنه إن فعل ذلك اعتُبر مُفَرِّطاً ولحقه إثم، ويكون قد تشبَّه في صلاته بالمنافقين، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنَي الشيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً» رواه مسلم.
وتُدرك الركعة بإدراك ركوعها، فإنْ فاته الركوع فقد فاتته الركعة ووجب عليه عدم اعتدادها، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سُجود فاسجدوا ولا تعدَّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» رواه الحاكم وصححه. ورواه الدارقطني. وقال عبد الله بن مسعود ﵁ «مَن فاته الركوع فلا يعتد بالسجود» رواه عبد الرزاق.
مواقيت الصلاة في الدائرة القطبية
стр. 576
الدائرة القطبية هي دائرة وهمية تحيط بالقطب الشمالي تشكّل حدّاً فاصلاً بين البلدان التي يتشكل الليل والنهار فيها كل أربع وعشرين ساعة، وبين البلدان التي يمتد فيها النهار وحده أكثر من أربع وعشرين ساعة والليل وحده أكثر من أربع وعشرين ساعة تزاد كلما اتجهنا نحو الشمال حتى يغدو نهار القطب وحده ستة أشهر وليلة ستة أشهر كاملة. ومن البلدان الواقعة في الدائرة القطبية شمال فنلنده وشمال النرويج وشمال السويد في شبه الجزيرة الاسكندنافية وأصقاع سيبيريا الشمالية في روسيا، ومعظم جزيرة غرينلند والأرخبيل في شمالي كندا وغيرها، فهذه البلدان يزيد النهار فيها عن أربع وعشرين ساعة، والليل كذلك. والسؤال هو: كيف يؤدي المسلمون في تلك البلدان صلاتهم المفروضة، وكيف تُعرف مواقيت الصلاة هناك؟
والجواب على هذا السؤال هو أن الشرع قد عيّن وحدَّد مواقيت الصلاة المفروضة في النهار وفي الليل، وأوجب علينا الالتزام بهذه المواقيت والتقيد التام بها، قال تعالى: ﴿ ... إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ من الآية ١٠٣ من سورة النساء، وقد مرّت الأدلة على هذه المواقيت ووجوب التقيد بها في البحث السابق، ولم يرد في الشرع أي استثناء ولا أي نسخ لهذه المواقيت، فتبقى ثابتة كما هي لا تُقدَّم ولا تُؤخَّر دون أي اعتبار لموقع البلد على خريطة الأرض، تبقى ثابتة كما هي، وتلتزم في البلدان الواقعة في النصف الشمالي والبلدان الواقعة في النصف الجنوبي على السواء.
وهذه المواقيت هي أسباب وجود الصلوات المفروضة، بمعنى أن هذه الصلوات لا تُوجد ولا تؤدى إلاّ إذا دخلت مواقيتها، وأن صلاة أُدِّيت في غير ميقاتها تعتبر باطلة غير مقبولة، وهذا هو ما سار عليه المسلمون وعملوا به لا يخالفهم فيه أحد منهم.
стр. 577
وبناء على ذلك نقول إن سكان هذه المناطق من المسلمين ينطبق عليهم ما ينطبق على سائر المسلمين من وجوب مراعاة هذه المواقيت دون أي اعتبار لقصر النهار والليل في بلد أو طولهما، فيصلي سكان تلك المناطق صلاة الغداة في ميقات صلاة الغداة وهو ما بين انشقاق الفجر الصادق وإلى أن تطلع الشمس، ثم ينتظرون ميقات صلاة الظهر، وهو ما بين استواء الشمس في قبة السماء إلى أن يصير ظلّ كل شئ مثله في الطول، ثم ينتظرون ميقات صلاة المغرب ويبدأ منذ غياب قرص الشمس إلى غياب الشفق الأحمر فيبدأ ميقات صلاة العشاء وهكذا، ولا ينبغي ملاحظة أية زيادة في طول الميقات أو قصره، لأن الزيادة هذه تحصل عندنا في الصيف، ويحصل النقص عندنا في الشتاء، ولا ضير في ذلك ولا إشكال.
إن الذي يحصل في تلك البلدان أن الشمس تطلع صباحاً، ثم تتوسط قبة السماء إلى الجنوب قليلاً، ثم إنها إذا أوشكت أن تغرب مالت نحو الشمال فوق الأفق وقامت بإكمال دورتها العادية حتى تعود إلى المشرق دون أن تتوارى في الأفق الغربي أو الشمالي أو الشرقي، ثم تعاود الكرة فتتوسط قبة السماء إلى الجنوب قليلاً، وهكذا تبقى ساطعة في السماء في القسم الجنوبي سطوعاً عادياً يظهر خلاله ميقات الظهر وميقات العصر، ثم بدلاً من أن تغرب فيحلّ ميقات المغرب وبعده ميقات العشاء تقوم بالانحراف نحو الأفق الشمالي فوقه قليلاً دون أن تتوارى إلى أن تكمل دورتها في أربع وعشرين ساعة لا تغيب فيها الشمس وتبقى ساطعة بدورة كاملة كل أربع وعشرين ساعة تتكرر مرتين أو ثلاثاً أو عشر مرات أو مائة مرة تبعاً لصعودنا نحو شمال الأرض في الدائرة القطبية.
стр. 578
وبملاحظة هذه الظاهرة نجد أننا نستطيع أن نصلي صلاة الغداة، في بداية هذه الدورات المتكررة مرة واحدة، ثم نقوم بأداء صلاة الظهر وصلاة العصر في ميقاتهما المعتادين في كل دورة، ولكننا لا نقوم بأداء صلاة المغرب ولا أداء صلاة العشاء لأن ميقاتهما لم يحلاّ، فالشمس تبقى ساطعة عدة دورات ولا تغيب ولا يحصل ليل، وهكذا بتوالي دورات الشمس سواء كانت كثيرة في الشمال أو أقل من ذلك كلما اتجهنا إلى الجنوب ضمن الدائرة القطبية نقوم بأداء صلاة الظهر وصلاة العصر فقط، ولا نصلي المغرب ولا العشاء لأن الليل لم يحلّ، وبالتالي لم يحل ميقاتهما. هذا هو الحكم في تلك البلاد، وهو الحكم نفسه في بلادنا من وجوب التقيد بالمواقيت، فإن حلّ الميقات قمنا بالصلاة، وإن تأخر الميقات أو تقدّم أخرنا الصلاة أو قدمناها تبعاً لذلك، وإن لم يحلّ الميقات خلال يوم أو يومين أو أسبوع أو شهر أو أكثر لصلوات الغداة والمغرب والعشاء فلا صلاة علينا واجبة عندئذٍ، ويمكن لسكان تلك البقاع أن يكثروا من صلاة التطوع لسعة الوقت عندهم، والله سبحانه يهبهم من الثواب ما يهب سكان تلك المناطق.
стр. 579
وقد يسأل أحدهم: لماذا لا نقدر لصلاتنا هناك قدر مواقيت البلدان المجاورة ذات النهار والليل العاديين، أي البالغين معاً أربعاً وعشرين ساعة مراعين حركة الشمس في الجهة الشمالية، فعندما تقترب الشمس من الأفق الغربي وتبدأ بالانحراف عنه قليلاً نصلي المغرب، وبعد ذلك نصلي العشاء، وعندما تقترب الشمس من مكان شروقها المعتاد في الأفق الشرقي نصلي الغداة وهكذا، استدلالاً بالحديث الصحيح الذي رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذاتَ غداة فخفَّض فيه ورفَّع حتى ظنناه في طائفة النخل ... إلى أن قال ﵊ ... يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لَبْثُه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال؛ لا، اقدروا له قدره ... » رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد من حديث طويل، فهنا يطلب رسول الله ﷺ أن يقدروا لتلك الأيام الطويلة في زمن خروج الدجال قدرها في الأزمنة العادية، فهو دليل صحيح على وجوب التقدير لسكان تلك المناطق، كما هو دليل على وجوب التقدير على من يدركون أيام الدجال؟
وللجواب على هذا السؤال الطويل نقول ما يلي:
١- أن ما ورد في الأحاديث التي تذكر الدجال من خوارق ليس على حقيقته، وإنما هو تشبيه وتمثيل، ولا أدل على ذلك من ورودها في عدد من الأحاديث على سبيل المجاز، نذكر منها ما يلي:
أ- عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماءٌ أبيض والآخر رأي العين نار، تأجج فإما أدركنّ أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمّض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد» رواه مسلم.
стр. 580
ب- وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إن الدجال يخرج وان معه ماءً وناراً، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحُرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذاب ... » رواه مسلم.
جـ- عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ما حدّثه نبي قومه، إنه أعور وإنه يجئ معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار ... » رواه مسلم.
فهذه الأحاديث يُفهم منها بشكل واضح تماماً أن الخوارق التي يأتي بها الدجال كالجنة والنار ليست على الحقيقة، وأنها لا تعدو كونها مجرد مجاز وتمثيل لا غير، وقل مثل ذلك بخصوص حديثنا «يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة ... » فهذه الأيام ينبغي أن تفهم على المجاز وليس على الحقيقة، وتعني أن تلك الأيام ستكون عصيبة وبالغة الشدة على المسلمين وكأن اليوم الأول منها يضارع سنة كاملة من الشدائد والأهوال، وكأن اليوم الثاني منها يضارع شهراً كاملاً من الشدائد والأهوال، وهكذا يتوجب فهم هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال.
٢- بل إن عندنا حديثاً يخالف حديثنا هذا إن هو أُخذ على الحقيقة، هو ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يتقارب الزمان وينقص العمل، ويُلقى الشحُّ، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتلُ القتل» رواه البخاري ومسلم. فهذا الحديث الذي يتحدث عن أيام آخر الزمان ومنها أيام الدجال طبعاً يذكر أن الأيام تمضي متقاربة مسرعة، أي كأنها أقصر من الأيام الاعتيادية وتقل بركة ذلك الزمان، وهذا المعنى إن أُخذ هو الآخر على الحقيقة فإنه يتصادم مع حديثنا «يوم كسنة ... » فلا يبقى عندنا مندوحة سوى فهم هذه الأحاديث على أنها واردة على سبيل المجاز لا غير.
стр. 581
٣- أن الله سبحانه خلق الكون وسيّره بنواميس وقوانين ثابتة لا تتغير إلاّ أن تقع معجزة لنبي من الأنبياء، وما سوى ذلك فإنه لا يستطيع البشر ومنهم الدّجّال مهما أوتوا من قوى وجبروت أن يغيروا هذه القوانين. إن الله سبحانه قد خلق الشمس وفرض عليها نظاماً ثابتاً، وإنه سبحانه قد خلق الليل والنهار - تبعاً لحركتها الظاهرة، ولسوف يستمر حالها وحال الليل والنهار كما أرادها الله سبحانه إلى أن يرث الأرض وما عليها والسموات وما فيها، فلا الدجال ولا غير الدجال من البشر بمستطيعين أن يُحدثوا تغييراً في هذه النواميس والقوانين، ولن يستطيع الدجال ولا غير الدجال أن يعجِّلوا من سرعة الشمس الظاهرية أو يبطئوا منها، وبالتالي فإن الدجال يستحيل عليه إحداث تغيير في طول الأيام والليالي مهما كان التغيير يسيراً، فكيف وقد ورد في الحديث أن اليوم الأول كسنة!! إنه لأمر يستحيل على البشر فعله قطعاً. وهكذا لا يبقى لنا إلاّ أن نفسّر هذا الحديث على أنه وارد على سبيل المجاز والتمثيل فقط.
٤- إن التصديق حتى يكون عقيدة لا بد من أن يكون جازماً، وإن هذه العقيدة وهذا الطريق الجازم لن يقبل إلاّ إذا ورد في آية قطعية الدلالة أو حديث متواتر قطعي الدلالة.
فالقول إن اليوم الأول في زمن الدجال يبلغ سنة، واليوم الثاني يبلغ شهراً، واليوم الثالث يبلغ جمعة أي أسبوعاً لا نستطيع أن نعتقده ونصدّقه تصديقاً جازماً لأنه ورد في حديث غير متواتر، وهذا على إطلاقه وعمومه، فكيف وقد تصادم هذا التصديق مع نواميس الكون الثابتة، بل لقد تصادم مع حديث آخر مثله في الصحة كما ذكرنا ذلك قبل قليل. وبالتالي فإننا لا نستطيع الاستدلال به على تقدير تلك الأيام بأيامنا نحن.
стр. 582
٥- ونأتي الآن لسند هذا الحديث، ونستميح المسلمين عذراً لأننا لم نقبله رغم وروده في صحيح مسلم، فنجد مداره على الراوي الوليد بن مسلم القرشيّ الدمشقي فهذا الراوي قد انفرد برواية هذا الحديث عند مسلم وأبي داود والترمذي وأحمد، ولم أجده مروياً من غير طريق، وما انفرد بروايته راو واحد لا يستطاع الاطمئنان إليه لا سيما إن جاءنا بعقائد أو مرويات تتضمن خوارق ومعجزات.
وأيضاً فإنني لدى مراجعة كتب تراجم الحديث وجدت أن كثيرين من علماء الحديث قد وثّقوه وعدلوه، ونحن نعترف بذلك ونذكره، ولكنني وجدت في المقابل أقوالاً كثيرة مغايرة نُسبت لعلماء أفذاذ وأئمة أعلام في علم الحديث تجعلنا لا نقبل روايته هذه التي انفرد بها، ورواها مسلم وغيره، ونحن نعلم أن الجرح مقدَّم على التعديل، لا سيما بخصوص حديث تضمّن حصول خوارق ومعجزات لم تنسب لنبي ولا رسول!!
وهذه طائفة من أقوال هؤلاء العلماء:
قال أبو داود: (الوليد روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل منها عن نافع أربعة) وقال الذهبي: (إذا قال الوليد عن ابن جريج أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد، لأنه يدلّس عن كذابين) . وقال أحمد بن حنبل (كان الوليد رفَّاعاً) أي يذكر الأحاديث دون إسنادٍ كلي أو جزئي. وقال أحمد أيضاً كما روى عنه المروزي (كان الوليد كثير الخطأ) .
وقال مهنا: سألت أحمد عن الوليد فقال (اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات) . وقال الدارقطني (كان الوليد يرسل عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء ويجعلها عن الأوزاعي) وقال علي بن المديني (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة لم يشركه فيها أحد) . وقال ابن سعد (ثقة بعضهم يستنكر حديثه) . وقال أبو مسهر (كان الوليد يأخذ من ابن أبي السَّفَر حديث الأوزاعي، وكان ابن أبي السفر كذاباً) .
стр. 583
وإذن فإن الوليد هذا كثير الخطأ، ويدلِّس، ويروي أحاديث باطلة، واختلطت عليه الأحاديث، ويروي عن كذابين ويخفيهم من السند، الخ، فهل يصح لنا بعد كل هذا التجريح من كبار علماء الحديث أن نقبل بروايته التي انفرد بها وتتضمن معجزات وخوارق؟ ثم نقوم بالبناء عليها فنستنبط حكم التقدير ونقول به؟
لهذه الأسباب الخمسة نقرر مطمئنين أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال على مسألتنا، فيبقى الحكم العام وهو المواقيت المعلومة الثابتة، يجب القول بها بخصوصنا وبخصوص سكان أية بقعة من بقاع الأرض، لأن هذه المواقيت كما أسلفنا لم تنسخ ولم يقع فيها استثناء.
فضل صلاتي الصبح والعصر
قلنا في بحث [وقت صلاة العصر] إن الله سبحانه قد خص صلاة العصر بمزيد ذكرٍ، وإن رسول الله ﷺ قد خص صلاة العصر بمزيد ذكرٍ وتفضيل، ونقول هنا إن رسول الله ﷺ قد ذكر لصلاتي الصبح والعصر فضلاً مشتركاً زائداً على فضل سائر الصلوات، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» رواه مسلم. ورواه أحمد والبخاري والنَّسائي وابن خُزَيمة باختلاف في الألفاظ.
قضاء الصلاة الفائتة
إذا خرجت الصلاة عن وقتها اعتُبرت فائتة، والفائتة قد تكون لنسيانٍ أو لنومٍ، وقد تكون لتقصيرٍ متعمَّد، فإن كانت الصلاة قد فاتت لنوم أو لنسيان، فيجب أداؤها على النحو التالي:
стр. 584
١- تُؤدَّى صلاة النوم والنسيان وقت الاستيقاظ مباشرة ووقت تذكُّرِها، لأن ذلك هو وقتها لا يحل تأخيرها عنه، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فلْيصلِّها إذا ذكرها فإن الله يقول: أَقِم الصلاة لذكري» رواه مسلم وأحمد.
٢- إذا أراد المسلم أداء صلاة منسيَّة فائتة لتشاغلٍ أو نوم في وقت صلاة مكتوبة لم يُصلِّها بعدُ، قدَّم الصلاة الفائتة، ثم صلى المكتوبة، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدتُ أن أُصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، قال رسول الله ﷺ : فوالله إن صليتُها، فنزلنا إلى بُطْحان، فتوضأ رسول الله ﷺ وتوضأنا، فصلى رسول الله ﷺ العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» رواه مسلم. وهذه الصلاة الفائتة لنوم أو نسيان وتشاغل إن أُدِّيت على النحو السابق لم يلحق صاحبها إثم، لأن صاحبها بأدائه لها يكون قد كفَّر عن صلاته الفائتة هذه، فقد روى أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال «مَن نسي صلاةً فلْيُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك - قال قتادة ﴿وأقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ » رواه مسلم والبخاري وأحمد.
أمَّا من فاتته صلاةٌ بتقصيرٍ متعمَّد دون عذر شرعي، فإنه يأثم إثماً عظيماً ويحتاج عند ذلك إلى توبة نصوحٍ من ذنبه الكبير هذا، وهذه الصلاة الفائتة لا كفارة لها، لأن الكفارة لا تكون إلا لفوات صلاة بسبب شرعي كنوم أو نسيان وغفلة لا غير، وإذا قضى هذا المقصِّر صلاته الفائتة، فإن الإثم الذي لحقه لا يسقط عنه، وأرجو أن ينتفع من القضاء هذا، وأن يكون ذلك دالاً على صدق توبته.
стр. 585
وإذا كان قضاء المسلم لصلواته الفائتة في حالة الترك المتعمد لا يُسقط الإثم عنه، فأحرى بقضاء غيره عنه في حالة وفاته وعليه صلواتٌ متروكة أن لا يُسقط الإثم عنه، فالصلاة المقبولة تكون من صاحبها وتكون في وقتها، قال تعالى ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ على المؤْمِنِيْنَ كِتَابَاً مَوْقُوْتَاً﴾ الآية ١٠٣ من سورة النساء. ولم يثبت أن الرسول ﷺ قد أمر بأن يقضي المسلم صلاة فائتة عن غيره المسلم، أو أن أحداً قضى عن مسلمٍ صلاةً فائتة وأقرَّه الرسول ﷺ على فعله، والعبادات توقيفية لا يصح فيها القياس إلا إذا وُجدت العلة الظاهرة في النص.
أما عن كيفية صلاة الفائتة فكما يلي: من صلى الفائتة صلاها على حالها وعلى هيئتها كما لو كانت غير فائتة وفي وقتها، فيصليها كما هي من حيث الجهر والإسرار والإقامة والجماعة، فلو فاتته صلاة الصبح وصلاها في النهار عقِبَ طلوع الشمس، شُرع له أن يقيم ويصليها جهرية ويصليها في جماعة، وإن فاتته صلاة العصر وذكرها في الليل صلاها بإقامةٍ صلاةً سِرِّية، وصلاها في جماعة، فعن أبي قتادة ﵁ في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال « ... ثم أذَّن بلالٌ بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم» رواه مسلم. والمقصود بالركعتين ركعتا السُّنَّة لصلاة الفجر، والمقصود بالغداة صلاة الفجر.
стр. 586
وعن أبي سعيد ﵁ قال «حُبِسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب هُوِيَّاً، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كُفينا القتال، وذلك قوله ﴿فَى اللهُ المؤْمِنِيْنَ القِتَالَ وكانَ اللهُ قَوِيَّاً عَزِيْزَاً﴾ أَمر النبي ﷺ بلالاً فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.
والأذان في هذه الحالة يُشرع عندما تُشغَلُ الجماعةُ أهلُ المِصر عن الأذان في الوقت نتيجةَ حرب، كما حصل مع الرسول ﷺ وجماعة المسلمين في المدينة المنورة في معركة الخندق، أو يُشْغَل أهلُ بلد عن الأذان نتيجة كارثة زلزالٍ مدمِّر أو طوفان مثلاً، فيؤذن عند إقامة الصلاة الفائتة، أما إن أذَّنت الجماعة القاطنة في بلد، وأراد صاحب الفاتئة أن يصلي في غير وقتها المعتاد فلا يحتاج لأذان، وتكفيه الإقامة فحسب.
النومُ قبل صلاة العشاء والسَّمَرُ بعدها
يُكرَه النومُ قبل العشاء والسَّمَرُ بعدها، فالمسلم يُندب له أن لا ينام قبل أن يصلي صلاة العشاء، وإذا صلاها كُره له أن يسمُر، ونُدب له أن ينام بعدها، فعن أبي بَرزةَ ﵁ قال «إن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها» رواه البخاري والترمذي. ورواه أبو داود وابن ماجة جزءاً من حديث. وعنه ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وكان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها» رواه مسلم.
стр. 587
ويباحان لحاجة مثل أن ينام في مصلاه منتظراً الصلاة، فقد كان صحابة رسول الله ﷺ ينامون في المسجد ينتظرون الصلاة مع رسول الله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال «أخَّر رسول الله ﷺ العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطْرُ الليل، ثم جاء فقال: إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ... » رواه مسلم والبخاري.
ومثل أن يكون مسافراً أو يريد مزيد صلاة أو ما شاكل ذلك، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا سَمَرَ بعد الصلاة، يعني عشاء الآخرة، إلا لأحدِ رجلين: مُصلٍّ أو مسافر» رواه الطبراني، ذكر ذلك الهيثمي، وقال (رجاله ثِقات) .
ومثل أن يكون عليه عمل يتطلب منه إنجازه فلا بأس، لما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال «كان رسول الله ﷺ يسمُر مع أبي بكر في الأمر مِن أمر المسلمين وأنا معهما» رواه الترمذي وأحمد.
الفصل الثاني
المساجدُ وأماكن الصلاة
فضلُ المساجد
стр. 588
إن مما تفضَّل الله به على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين أن جعل لهم الأرض كلها مسجداً دون الأمم الماضية يُؤدُّون فيها صلواتهم حيثما حلوا أو ارتحلوا، وهذه توسعةٌ ما بعدها توسعةٌ، فعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلتْ صفوفُنا كصفوف الملائكة وجُعِلت لنا الأرضُ كلُّها مسجداً، وجُعِلت تربتها لنا طَهُوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خَصلة أخرى» رواه مسلم. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «جُعِلت لي الأرض طَهوراً ومسجداً، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة فلْيصلِّ حيث أدركته» رواه أحمد. وكلمة ـ مسجد ـ هنا تعني مكان السجود، أي مكان الصلاة، فأية بقعة من الأرض صلحت للصلاة عليها جاز إطلاق كلمة مسجد عليها.
стр. 589
أما المسجد، وهو المكان المُعدُّ والمخصَّص للعبادة، فقد ورد في فضله الكثير من النصوص نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ... ﴾ الآية ١٨ من التوبة. فقد نسب الله المساجد إليه، وجعل عُمرانها دليلاً على الإيمان به وباليوم الآخر. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرَّتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» رواه الترمذي. وكفى بهذا الوصف فضلاً. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال «مَن غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا أو راح» رواه البخاري وأحمد. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «من راح إلى مسجد جماعة، فخطوتاه خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهباً وراجعاً» رواه ابن حِبَّان وأحمد والطبراني. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من تطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه: إحداهُما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة» رواه مسلم وابن حِبَّان والبيهقي. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه ... ورجلٌ قلبُه مُعَلَّق في المساجد ... » رواه البخاري.
стр. 590
أما بناء المساجد فهو شرف وفضل يجزي الله سبحانه عليه الجزاء الأوفى، فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول «من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وهذا لا ﷺ يعني أن بناء المساجد هي من التكاليف الفردية، بل إن هذه المهمة هي من الواجبات المفروضة على الدولة الإسلامية، وللمسلمين بعدئذٍ أن يساهموا في بناء المساجد من أموالهم الخاصة.
الذهاب إلى المسجد
يُستحب لمن سمع الإقامة في المسجد أو عرف حصولها أن يسعى للمسجد بسكينة ووقار ولا يسرع في المشي، ولْيعلم أنه ما دام ساعياً وماشياً فهو في صلاة، أي في حكم المصلي، فيستحب له أن يعتمد ما ينبغي للمصلي اعتماده، ومنه السعي بالسكينة والهدوء وعدم العجلة، فما أدركه من صلاة الجماعة صلاه معهم، وما فاته منها أتمه وحده، فعن أبي قتادة ﵁ قال «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ ، إذ سمع جَلَبَةَ رجالٍ فلما صلى قال: ما شأنُكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتِمُّوا» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا ثُوِّبَ للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمُّوا، فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» رواه مسلم.
أدب المسجد
стр. 591
المسجد بيت لله ، فعلى مَن يزوره أن يتأدَّب فيه، ويراعي جملة من الآداب الشرعية، وأول هذه الآداب التَّجمُّل في اللباس والهيئة والتعطُّر، واجتنابُ أكلِ ما تنبعث منه روائح تؤذي المصلِّين، قال تعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ... ﴾ الآية ٣١ من سورة الأعراف. وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال «من أكل من هذه البقلة الثوم، وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكُرَّاث فلا يقربَنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» رواه مسلم.
ويُسنُّ الدخول إلى المسجد مبتدئاً بالرِّجل اليمنى، والخروج منه مبتدئاً باليسرى لما رُوى عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يقول «من السُّنَّة إذا دخلتَ المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» رواه الحاكم.
стр. 592
وتقول عند الدخول [بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك] وإن زِدْتَ على ذلك بالقول [أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم] فهو خير. وتقول إذا خرجت [اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك] وإن زدت بالقول [اللهم اعصمني مِن الشيطان الرجيم، أو: اللهم أَجِرني من الشيطان الرجيم] فهو خير، فعن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ «إذا دخل أحدكم المسجد فلْيقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فلْيقل: اللهم إني أسألك من فضلك» رواه مسلم. ورواه الدارمي بلفظ «إذا دخل أحدكم فليُسلِّم على النبي، ثم ليقل ... » . ورواه ابن ماجة من طريق أبي هريرة، فزادا التسليم على رسول الله ﷺ . وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا دخل أحدكم المسجد فلْيصلِّ على النبي ﷺ ، وليقُل: اللهم أَجِرني من الشيطان الرجيم» رواه الحاكم. فزاد الصلاة على رسول الله ﷺ . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ «أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: أَقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان حُفِظ مني سائر اليوم» رواه أبو داود. وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ﷺ ولْيقُل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فلْيسلِّم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» رواه ابن ماجة. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «اللهم أَجِرْني» بدل «اللهم اعصمني» .
стр. 593
ويُسن خفض الصوت في المسجد، فلا يرفع المسلم صوته بحديثٍ ولا بدعاءٍ ولا بقراءة القرآن، ولو كان ذلك في أثناء صلاته الفردية، وذلك حتى لا يشوِّش على غيره من المصلِّين، فعن البياضي «أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلُّون، وقد علت أصواتُهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن» رواه مالك وأحمد. وعن أبي سعيد ﵁ قال «اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ألا إنَّ كلَّكم مناجٍ ربه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة - أو قال - في الصلاة» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وابن خُزَيمة.
أما إن خلا المسجد من ناسٍ يصلون، أو كان المصلون بعيدين عنه فلا بأس بأن يرفع صوته فيه، فعن كعب «أنه تقاضى ابن أبي حَدرَدٍ دَيْنَاً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته، فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دَينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلتُ يا رسول الله، قال: فقم فاقضه» رواه البخاري ومسلم. فقد ارتفعت أصواتهما في المسجد فلم ينكر عليهما الرسول ﷺ ذلك.
стр. 594
ويُكره التشبيك بين الأصابع في المسجد لما رُوي أنَّ كعب بن عُجرة قال «دخل عليَّ رسول الله ﷺ المسجد، وقد شبَّكت بين أصابعي، فقال لي: يا كعب إذا كنت في المسجد فلا تُشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة» رواه أحمد. ولما رُوي عن أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم ﷺ «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» رواه الحاكم وابن خُزَيمة. ولما رُوي عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال «إذا كان أحدُكم في المسجد فلا يُشبِّكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» رواه أحمد.
ويكره اتخاذ المسجد للبيع والشراء، كما يُكره عقدُ الحلقات فيه يوم الجمعة قبل الصلاة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ نهى عن التحلُّق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد» رواه النَّسائي.
ويحرم التنخم والبصاق في أرض المسجد وجدرانه، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ «البُزاق في المسجد خطيئة وكفَّارتها دفنُها» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود.
فالتشويش بكلامٍ وإلحاق الأذى بإلقاء القاذورات وأمثال ذلك منهيٌّ عنه، ويشتدُّ النهي عند إقامة الصلوات، أما ما سوى ذلك مما لا يعدُّ تشويشاً، وما ليس فيه تحقيرٌ للمسجد مخالفٌ لواجب احترامه والتأدب فيه فلا بأس به.
وقد وردت أعمال وأمور عديدة مما فعلها رسول الله ﷺ وصحابته في المسجد كدليل على جوازها، نجتزئ منها ما يلي [النوم، والأكل، والتَّصدُّق على الغير، والتقاضي، واللعب المباح، ومداواة المرضى والجرحى] وهذه أدلتها:
стр. 595
أ- عن عباد بن تميم عن عمه «أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى» رواه البخاري وأحمد ومسلم.
ب - عن سهل بن سعد قال «جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شئ فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو، فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شِقِّه وأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب» رواه البخاري.
ج - عن عبد الله بن الحارث الزبيدي قال «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم» رواه ابن ماجة.
د - عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر ﵁: دخلت المسجد فإذا أنا بسائلٍ يسأل، فوجدت كِسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه فدفعتها إليه» رواه أبو داود.
هـ - عن أبي هريرة ﵁ قال «اليهودُ أتَوْا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم في رجلٍ وامرأة زنيا منهم» رواه أبو داود. وقد مرَّ قبل قليل تقاضي كعب وابن أبي حَدرَد، وقضاء الرسول ﷺ في ذلك.
و عن أبي هريرة ﵁ قال «دخل رسول الله ﷺ المسجد والحبشة يلعبون فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : دعهم يا عمر فإنهم بنو أرفِدة» رواه أحمد. والمقصود بقوله بنو أرفِدة: أن اللعب عادة هؤلاء الناس.
стр. 596
ز - عن عائشة ﵂ قالت «أُصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمةً في المسجد ليعوده من قريب ... » رواه البخاري.
ولو علِمنا أن المسجد كان مكان سكنٍ لفقراء المسلمين، وهم المُسمَّون بأهل الصُّفَّة، لأدركنا أنَّ كل الأعمال التي يُقام بها في البيوت مما له علاقة بالعيش، جائزٌ فعلُها فيه، ولو تذكَّرنا أن رسول الله ﷺ - وهو رئيس الدولة - كان يتخذ المسجد دار حكم يدير فيه شؤون دولته من عقد الرايات، وبعث السرايا والبعوث، وربط الأسرى واستقبال الوفود، وتوزيع الأموال، وتصفُّح أعمال الولاة والعمال والموظفين، وتعليم المسلمين أحكام دينهم، لأدركنا أنَّ كل أعمال المسلمين من رعايا وحكام جائزٌ فعلُها في المسجد، ويُخْطِئ مَن يَقْصُر المساجد على أداء الصلوات ومتعلقاتها فحسب.
أما ما عليه المساجد وما يفعله المسلمون فيها في أيامنا المعاصرة من تشييدٍ وزخرفةٍ، وتعليقِ آيات القرآن الكريم وكتابتها على الجدران، وتنميقِ المنابر والمحاريب، بحيث تبدو كالقصور الفخمة وقاعات الاستقبال في جمالها وزخارفها، فهو خلاف السنَّة، وربما وصل إلى حد الحرمة، وذلك لأن مثل هذه الأمور تفتن المُصلَّين وتشغلهم وتُلهيهم عن الصلوات وما فيها من خشوع.
стр. 597
وأُنوِّه هنا بتعليق أسماء الله سبحانه وآياتِ القرآن الكريم وكتابتها على الجدران والمحاريب والمنابر، فأقول إنَّ هذه أمورٌ ما عُهدت في زمن الرسول ﷺ ، ولا في زمن الخلفاء الراشدين، ولو كان فيها الخير، أو لو كانت مستحبَّةً لسبقونا إليها، وهم السبَّاقون إلى كل فضل وفضيلة، لهذا فإن المساجد ينبغي أن تخلو من كل هذه الكتابات والزخارف لتعود إلى بساطتها الأولى، فقد روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ «ما أُمرتُ بتشييد المساجد. قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى» رواه أبو داود. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه أحمد والدارمي. وروت أُم عثمان بنت سفيان أن النبي ﷺ قال « ... إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يُلهي المُصلِّين» رواه أحمد. والبيت هنا هو المسجد الحرام.
أفضل المساجد
стр. 598
كل المساجد تستوي في الفضل إلا أربعة، فإن لها مزيد فضل، وهذه المساجد مرتَّبةً حسب الفضل هي: المسجد الحرام بمكة والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بالمدينة والصلاة فيه تعدل ألف صلاة، والمسجد الأقصى بالقدس واختلفت الروايات في فضل الصلاة فيه، فورد أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة، وورد أن الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة، ثم مسجد قُباء بالمدينة، والصلاة فيه تعدل عُمرة. والمساجد الثلاثة الأولى هي وحدها التي تُشَدُّ إليها الرِّحال، أي يُسافَر إليها قصدَ العبادة فيها والصلاة، ولا يُشرع السفر قصدَ العبادة إلى غيرها من المساجد، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرسول ﷺ ، ومسجدِ الأقصى» رواه البخاري. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» رواه ابن ماجة. وعن ميمونة مولاةِ النبي ﷺ أنها قالت «قلت: يا رسول الله أَفتِنا في بيت المقدس، قال: أرض المَحْشَر والمَنْشَر ائتوه فصلُّوا فيه، فإن صلاةً فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمَّل إليه؟ قال: فتهدي له زيتاً يُسرَج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» رواه ابن ماجة. قوله أتحمَّل إليه: أي أرتحل إليه. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» رواه البزَّار. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ «أن سليمان بن داود سأل الله ﵎ ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله
стр. 599
مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه إياه، وسأله حكماً يُواطئ حكمَه فأعطاه إياه، وسأله مَن أتى هذا البيت يريد بيت المقدس لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج منه كيوم ولدته أمُّه، فقال رسول الله ﷺ : وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالث» رواه ابن حِبَّان. وعن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ - يُحدِّث عن النبي ﷺ أنه قال «صلاةٌ في مسجد قُباء كعُمْرةٍ» رواه ابن ماجة. ورواه الترمذي بلفظ «الصلاة في مسجد قُبا كعُمْرةٍ» بدون الهمزة.
الصلاةُ على غير الأرض
تجوز الصلاة على أي شئ طاهر، تراباً كان أو صخراً أو ثلجاً أو خشباً أو بساطاً كان أو حصيراً أو ثياباً أو فراشاً دون فارق بينها، فعن ابن عمر ﵄ قال «سأل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ فقال: كيف أصلي في السفينة؟ فقال: صلِّ فيها قائماً إلا أن تخاف الغرق» رواه البزار. والصلاة في السفينة هي صلاة على الخشب. وعن أبي سعيد ﵁ «أنه دخل على النبي ﷺ قال: فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه ... » رواه مسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى في بيت أُمِّ حرامٍ على بساط» رواه أحمد والبيهقي. وعنه ﵁ قال «كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» رواه البخاري ومسلم. وروت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهي بينه وبين القِبْلة، على فراشِ أهله اعتراض الجنائز» رواه البخاري. وروى البخاري أن ابن عمر ﵁ صلى على الثلج.
الصلاة على الكرسي
стр. 600
منذ سني التسعينيات من القرن المنصرم انتشرت ظاهرة الصلاة على الكراسي في المساجد وفي البيوت، حتى لم تعد ترى مسجداً يخلو من أعدادٍ من الكراسي المعدَّة للصلاة، ولم تكن هذه الظاهرة تُلحظ قبل ذلك إلا نادراً، والسؤال هنا هو ما حكم الصلاة على الكرسي، وهل من دليل شرعي على جوازها؟ وللجواب على هذا السؤال أقول ما يلي: باستعراض النصوص ذات العلاقة بهذه المسألة نتبين أن الصلاة على الكرسي غير مشروعة في صلاة الفريضة أو المكتوبة، وجائزة ومشروعة فقط في صلاة التطوع أو النافلة، وللمريض الذي إذا جلس على الأرض لا يستطيع السجود على الأرض. وهذه هي الأدلة:
أ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» رواه البخاري ومسلم.
ب - عن عامر بن ربيعة ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ يسبِّح وهو على راحلته، ويومئ إيماءً قِبَلَ أيَّ وجهٍ توجَّه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» رواه البيهقي والبخاري ومسلم.
ج - عن سالم بن عبد الله عن أبيه - عبد الله بن عمر ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يسبِّح على الراحلة قِبلَ أيِّ وجهٍ توجَّه ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» رواه مسلم والبخاري.
следующие страницы →