← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ز - عن عائشة ﵂ قالت «أُصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمةً في المسجد ليعوده من قريب ... » رواه البخاري. ولو علِمنا أن المسجد كان مكان سكنٍ لفقراء المسلمين، وهم المُسمَّون بأهل الصُّفَّة، لأدركنا أنَّ كل الأعمال التي يُقام بها في البيوت مما له علاقة بالعيش، جائزٌ فعلُها فيه، ولو تذكَّرنا أن رسول الله ﷺ - وهو رئيس الدولة - كان يتخذ المسجد دار حكم يدير فيه شؤون دولته من عقد الرايات، وبعث السرايا والبعوث، وربط الأسرى واستقبال الوفود، وتوزيع الأموال، وتصفُّح أعمال الولاة والعمال والموظفين، وتعليم المسلمين أحكام دينهم، لأدركنا أنَّ كل أعمال المسلمين من رعايا وحكام جائزٌ فعلُها في المسجد، ويُخْطِئ مَن يَقْصُر المساجد على أداء الصلوات ومتعلقاتها فحسب. أما ما عليه المساجد وما يفعله المسلمون فيها في أيامنا المعاصرة من تشييدٍ وزخرفةٍ، وتعليقِ آيات القرآن الكريم وكتابتها على الجدران، وتنميقِ المنابر والمحاريب، بحيث تبدو كالقصور الفخمة وقاعات الاستقبال في جمالها وزخارفها، فهو خلاف السنَّة، وربما وصل إلى حد الحرمة، وذلك لأن مثل هذه الأمور تفتن المُصلَّين وتشغلهم وتُلهيهم عن الصلوات وما فيها من خشوع.

стр. 597

وأُنوِّه هنا بتعليق أسماء الله سبحانه وآياتِ القرآن الكريم وكتابتها على الجدران والمحاريب والمنابر، فأقول إنَّ هذه أمورٌ ما عُهدت في زمن الرسول ﷺ ، ولا في زمن الخلفاء الراشدين، ولو كان فيها الخير، أو لو كانت مستحبَّةً لسبقونا إليها، وهم السبَّاقون إلى كل فضل وفضيلة، لهذا فإن المساجد ينبغي أن تخلو من كل هذه الكتابات والزخارف لتعود إلى بساطتها الأولى، فقد روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ «ما أُمرتُ بتشييد المساجد. قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى» رواه أبو داود. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه أحمد والدارمي. وروت أُم عثمان بنت سفيان أن النبي ﷺ قال « ... إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يُلهي المُصلِّين» رواه أحمد. والبيت هنا هو المسجد الحرام. أفضل المساجد

стр. 598

كل المساجد تستوي في الفضل إلا أربعة، فإن لها مزيد فضل، وهذه المساجد مرتَّبةً حسب الفضل هي: المسجد الحرام بمكة والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بالمدينة والصلاة فيه تعدل ألف صلاة، والمسجد الأقصى بالقدس واختلفت الروايات في فضل الصلاة فيه، فورد أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة، وورد أن الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة، ثم مسجد قُباء بالمدينة، والصلاة فيه تعدل عُمرة. والمساجد الثلاثة الأولى هي وحدها التي تُشَدُّ إليها الرِّحال، أي يُسافَر إليها قصدَ العبادة فيها والصلاة، ولا يُشرع السفر قصدَ العبادة إلى غيرها من المساجد، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرسول ﷺ ، ومسجدِ الأقصى» رواه البخاري. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» رواه ابن ماجة. وعن ميمونة مولاةِ النبي ﷺ أنها قالت «قلت: يا رسول الله أَفتِنا في بيت المقدس، قال: أرض المَحْشَر والمَنْشَر ائتوه فصلُّوا فيه، فإن صلاةً فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمَّل إليه؟ قال: فتهدي له زيتاً يُسرَج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» رواه ابن ماجة. قوله أتحمَّل إليه: أي أرتحل إليه. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» رواه البزَّار. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن رسول الله ﷺ «أن سليمان بن داود سأل الله ﵎ ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله

стр. 599

مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه إياه، وسأله حكماً يُواطئ حكمَه فأعطاه إياه، وسأله مَن أتى هذا البيت يريد بيت المقدس لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج منه كيوم ولدته أمُّه، فقال رسول الله ﷺ : وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالث» رواه ابن حِبَّان. وعن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ - يُحدِّث عن النبي ﷺ أنه قال «صلاةٌ في مسجد قُباء كعُمْرةٍ» رواه ابن ماجة. ورواه الترمذي بلفظ «الصلاة في مسجد قُبا كعُمْرةٍ» بدون الهمزة. الصلاةُ على غير الأرض تجوز الصلاة على أي شئ طاهر، تراباً كان أو صخراً أو ثلجاً أو خشباً أو بساطاً كان أو حصيراً أو ثياباً أو فراشاً دون فارق بينها، فعن ابن عمر ﵄ قال «سأل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ فقال: كيف أصلي في السفينة؟ فقال: صلِّ فيها قائماً إلا أن تخاف الغرق» رواه البزار. والصلاة في السفينة هي صلاة على الخشب. وعن أبي سعيد ﵁ «أنه دخل على النبي ﷺ قال: فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه ... » رواه مسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى في بيت أُمِّ حرامٍ على بساط» رواه أحمد والبيهقي. وعنه ﵁ قال «كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» رواه البخاري ومسلم. وروت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهي بينه وبين القِبْلة، على فراشِ أهله اعتراض الجنائز» رواه البخاري. وروى البخاري أن ابن عمر ﵁ صلى على الثلج. الصلاة على الكرسي

стр. 600

منذ سني التسعينيات من القرن المنصرم انتشرت ظاهرة الصلاة على الكراسي في المساجد وفي البيوت، حتى لم تعد ترى مسجداً يخلو من أعدادٍ من الكراسي المعدَّة للصلاة، ولم تكن هذه الظاهرة تُلحظ قبل ذلك إلا نادراً، والسؤال هنا هو ما حكم الصلاة على الكرسي، وهل من دليل شرعي على جوازها؟ وللجواب على هذا السؤال أقول ما يلي: باستعراض النصوص ذات العلاقة بهذه المسألة نتبين أن الصلاة على الكرسي غير مشروعة في صلاة الفريضة أو المكتوبة، وجائزة ومشروعة فقط في صلاة التطوع أو النافلة، وللمريض الذي إذا جلس على الأرض لا يستطيع السجود على الأرض. وهذه هي الأدلة: أ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» رواه البخاري ومسلم. ب - عن عامر بن ربيعة ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ يسبِّح وهو على راحلته، ويومئ إيماءً قِبَلَ أيَّ وجهٍ توجَّه، ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» رواه البيهقي والبخاري ومسلم. ج - عن سالم بن عبد الله عن أبيه - عبد الله بن عمر ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يسبِّح على الراحلة قِبلَ أيِّ وجهٍ توجَّه ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» رواه مسلم والبخاري.

стр. 601

تدل هذه الأحاديث الثلاثة على وجود فارق في الصلاة بين المكتوبة والتطوع، هذا الفارق هو أن صلاة التطوع - وعُبِّر عنها بالتسبيح في الحديثين ب، ج - يصح تأديتها على ظهر الدابة، بينما يتوجب أداء الفريضة على الأرض، وطبعاً على هيآتها المعلومة، «فإذا أراد الفريضة نزل» «ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» «غير أنه لا يصلي عليها - أي على الدابة - المكتوبة» وهذه نصوص بالغة الوضوح على أن صلاة الفريضة لا تؤدَّى إلا على الأرض، ولا يُشرع أداؤها على ظهر الدابة. وحيث أن الجلوس على ظهر الدابة والجلوس على الكرسي شئ واحد وفعل واحد، لأن كلا الفعلين جلوس المرء على مقعدته وترك رجليه تتدليان إلى أسفل، فإن هذين الفعلين يشتركان في حكم شرعي واحد، وأن ما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر، هذا الحكم الشرعي هو الجواز والإباحة في صلاة التطوع فحسب، فمن أراد أن يصلي تطوعاً ونافلةً جاز له ذلك وهو جالس على الكرسي، كما جاز له ذلك وهو جالس على ظهر دابة سواء بسواء، وتكون صلاته صحيحة متقبَّلة. أما صلاة الفريضة أو المكتوبة فلم يُشرع أداؤها على ظهر الدابة، كما لم يشرع أداؤها على الكرسي، لأن الفعلين فعل واحد في واقعهما، ولم يُرو أن رسول الله ﷺ قد صلى الفريضة أبداً وهو على ظهر دابته، أو وهو جالس على كرسي، وإنما جاءت النصوص تذكر فقط أنه ﵊ كان يصلي على ظهر دابته صلاة التطوع فحسب. وليس ذلك فقط، وإنما تذكر هذه النصوص أنه ﷺ كان إذا أراد أن يصلي الفريضة وهو راكبٌ دابته نزل عنها وصلاها على الأرض، ولو كانت صلاة الفريضة تصح على ظهر الدابة لأدَّاها ولو مرة واحدة ليدل ذلك على الجواز، فلما لم يفعل ذلك مرة واحدة، والتزم في كل مرة بأداء المكتوبة على الأرض فإن ذلك دليل واضح على أن الصلاة المكتوبة تُؤدَّى على الأرض فحسب.

стр. 602

أما لماذا جعلنا الجلوس على ظهر الدابة كالجلوس على الكرسي وأعطيناهما حكماً واحداً غير ما مرَّ، فالجواب عليه ما رواه معاذ بن أنس، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال «اركبوا هذه الدواب سالمةً وابتدعوها سالمةً، ولا تتخذوها كراسي» رواه أحمد والدارمي والطبراني والحاكم وأبو يعلى. وفي رواية أخرى لأحمد بلفظ «إركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق ... » فقد ذكر لنا رسول الله ﷺ أن ركوب الدابة هو اتخاذها كرسياً، وأن الجلوس على ظهور الدواب هو جلوس على الكراسي، وبذلك يكون قد ثبت لنا واقعياً وشرعياً أن ركوب الدواب والجلوس على الكراسي فعل واحد، وبالتالي يكون قد ثبت لنا أن ما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر دون أي فارق، وأن حكم أحدهما هو حكم الآخر تماماً. والخلاصة هي أن الصلاة على الكرسي جائزة ومشروعة فقط في صلاة التطوع، وغير جائزة وغير مشروعة في صلاة الفريضة، وهذا الحكم عامٌّ ينطبق على السليم كما ينطبق على المريض، فكما أن السليم يصلي الفريضة على الأرض فإن المريض يتوجب عليه هو الآخر أن يصلي الفريضة على الأرض. ونقف هنا وقفة عند صلاة المريض فنقول: إن الأصل في المريض أن يمكِّن جبهتَه من الأرض في سجوده، سواء كان يصلي واقفاً كالسليم أو جالساً إن كان لا يقوى على الوقوف، إلا أنْ لا يتمكن هذا المريض من السجود على الأرض فيومئ عندئذٍ إيماءً، وهذا الموضوع تجدونه مفصَّلاً في بحث [صلاة المريض] في [الفصل العاشر] فلا نعيد.

стр. 603

فالمريض ينبغي عليه أن يسجد على الأرض في كل أحواله إن كان قادراً على ذلك، ولا عذر له بترك السجود على الأرض إلا في حالة عدم تمكُّنِهِ من ذلك، وبدون هذه الحالة فإنه مطالَبٌ بالسجود على الأرض، فإن ترك السجود ولم يُؤدِّه على الأرض فقد بطلت صلاته إلا في حالة عجزه عن ذلك كما أسلفنا. وهنا نقول بخصوص صلاة المريض على الكرسي ما يلي: هذا المريض الجالس على الكرسي في صلاة الفريضة يُنظَرُ فيه فإن كان يستطيع السجود على الأرض في أية كيفية من كيفيات الجلوس كالجلوس متربعاً أو مفترشاً أو متورِّكاً فإنه لا يعذر بترك السجود مطلقاً، وعندئذٍ لا تصح صلاته على الكرسي لأن هذه الصلاة لا يستطيع المريض فيها من السجود على الأرض، فصلاته على الكرسي تحول بينه وبين أداء السجود الواجب عليه والقادر عليه. أما إن كان المريض لا يقوى على السجود على الأرض مطلقاً مهما حاول ذلك واتخذ أوضاعاً عدة لجلوسه، فعندها، وعندها فقط يجوز له أن يصلي على الكرسي، لأن صلاته على الكرسي لم تحُلْ دون قيامه بالسجود على الأرض الذي لم يَعُدْ يقوى عليه، فهي رخصة له أرجو الله سبحانه أن يقبلها منه. المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها

стр. 604

هذه المواضع هي المقبرة، والحمَّام، والمكان النجس كالمرحاض والمزبلة، والمكان الذي فيه تماثيلُ لأُناسٍ أو حيوانات، والمسجد الذي بُني للإضرار بالمسلمين وبالإسلام كمسجد الضِّرار، وما سوى ذلك من المواضع لا تحرم الصلاة فيها، فعن أبي مرثد ألغَنَوي ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلُّها مسجد إلا الحمَّام والمقبرة» رواه أبو داود وابن حِبَّان وابن خُزَيمة، ورواه الدارمي وزاد «قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاةُ في المقبرة؟ قال: إذا لم تكن على القبر فنعم» . وجاء في صحيح البخاري «ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمره بالإعادة» . وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة تماثيل» رواه البخاري. وروى البخاري «كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعةً فيها تماثيل» . والمعلوم أن الأصنام كانت عبارة عن تماثيل، قال تعالى ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيْلُ التي أَنْتُمْ لهَا عَاكِفُونَ﴾ الآية ٥٢ من سورة الأنبياء. وقد كثرت التماثيل في بيوت المُسلمين في زمننا هذا زيَّنوا بها صالاتِ بيوتهم، وغرفَ استقبال ضيوفهم، مما يجعل الصلاة في هذه البيوت حراماً، دون أن يتنبَّه المسلمون إلى هذا الذنب الكبير، وقال تعالى ﴿والذِيْنَ اتَّخَذُوا مَسْجِدَاً ضِرَارَاً وكُفْرَاً وتَفْرِيْقَاً بيَن المُؤْمِنِيْنَ وإرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ ورَسَولَهُ مِنْ قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلا الحُسْنَى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُوْنَ. لا تَقُمْ فِيْهِ أَبَدَاً ... ﴾ الآيتان ١٠٧، ١٠٨ من سورة التوبة. فمسجد الضِّرار

стр. 605

يطلق على كل مسجد بُني لغير وجه الله سبحانه مثل أن يُقصَدَ من بنائه الإضرارُ بالمسلمين، واتخاذُه مركزاً للتآمر عليهم أو على دينهم، فهذا المسجد لا يكفي عدم الصلاة فيه، بل يُهدم ويُنقض من أساسه. أما حرمة الصلاة في المكان النجس فمعلومةٌ من الدين بالضرورة، ويمكن مراجعة الموضوع في بحث [حكم النجاسة في الصلاة] في الفصل الرابع. هذه هي الأماكن الخمسة التي تحرم فيها الصلاة ولا تجوز، ولكن إن صلى المسلم في أحد هذه الأماكن صحت صلاته مع الإثم ولا إعادة عليه، لأنه لم يَرِد في أيٍّ منها نصٌّ يعتبرها من مبطلات الصلاة. المواضعُ التي تُكره فيها الصلاة هي أربعة مواضع: أـ المكان الذي فيه إلهاءٌ وإشغالٌ للمصلِّي: كأماكن اللهو واللعب، والمساكن ذات الرسومات والنقوش، والطرق العامرة بالناس، والأسواق الصاخبة وغيرها. ب ـ معاطن الإبل. ج ـ ما بين السواري وأعمدة المساجد. د ـ المكان المُوَطَّن لصاحبه. فهذه المواضع الأربعة تُكره فيها الصلاة، دون أن تصل إلى حدِّ الحُرمة. أما كراهة الصلاة في المكان الذي فيه إلهاءٌ وإشغالٌ للمصلِّي فلِما روى مسلم والبخاري عن عائشة ﵂ قالت «قام رسول الله ﷺ يصلي في خميصةٍ ذاتِ أَعلام، فنظر إلى عَلَمها، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم ابن حُذَيفة، وائتوني بأَنْبِجَانِيَّة، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي» . والأنبِجانِيَّة: هي كساء غليظ لا رسوم فيه.

стр. 606

أما كراهة الصلاة في معاطن الإبل فلِعلَّة خوف الأذى ولحوق الضرر بالمصلي من شرور الإبل، لأن مَن يصلي بين الإبل تبقى نفسه متوترة خائفة مما يؤثِّر في الخشوع والطمأنينة في الصلاة، فعن ابن مُغَفَّل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تُصلُّوا في عطن الإبل فإنها من الجن خُلقت، ألاَ ترون عيونها وهِبابها إذا نفرت؟ وصلوا في مُراح الغنم فإنها هي أقرب من الرحمة» رواه أحمد والطبراني. قوله هِبابها: أي نشاطها وكثرة حركتها. فالعلة هي الخوف من نفور الإبل وما يستتبع ذلك من إيذاء الناس. أما كراهة الصلاة في المساجد بين الأعمدة فلِما رُوي عن عبد الحميد بن محمود أنه قال «صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدُفعنا إلى السواري، فتقدمنا أو تأخرنا، فقال أنس: كنا نتَّقي هذا على عهد رسول الله ﷺ » رواه أحمد وأبو داود. ورواه الترمذي بلفظ «صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناسُ، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتَّقي ... » ولِما رُوي عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه أنه قال «كنا نُنهَى عن الصلاة بين السواري، ونُطرد عنها طرداً» رواه ابن خُزَيمة وابن ماجة وابن حِبَّان. وهذا الحكم خاص بصلاة الجماعة، أما صلاة المنفرد فجائزة بين السواري دون كراهة، فعن ابن عمر ﵁ قال «دخل النبي ﷺ البيت، وأسامة بن زيد وعثمان ابن طلحة وبلال، فأطال ثم خرج، وكنت أول الناس دخل على أَثَرِهِ، فسألت بلالاً: أين صلى؟ قال: بين العمودين المُقَدَّمَين» رواه البخاري ومسلم وأحمد.

стр. 607

وأما اتخاذ موطنٍ واحدٍ في المسجد دون غيره للصلاة فيه فمكروه، وذلك لِما رُوي عن عبد الرحمن بن شبل أنه قال «نهى رسول الله ﷺ أن يُوَطِّن الرجل المكان يصلي فيه كما يوطِّن البعير» رواه ابن أبي شيبة. ورواه أحمد وابن ماجة بلفظ «إن رسول الله ﷺ نهى في الصلاة عن ثلاث: نَقْر الغراب، وافتراش السَّبُع، وأن يوطِّن الرجل المقام الواحد كإيطان البعير» . قوله نَقْر الغراب: هو كناية عن تخفيف السجود والإسراع فيه. ومعنى قوله فرشة السبُع في رواية ابن ماجة وافتراش السبُع في رواية أحمد: هو أن يبسُطَ المصلي ذراعيه على الأرض في السجود ولا يرفعهما كفعل الكلب والذئب. ومعنى أن يوطِّن الرجل المقام الواحد: هو أن يتخذ من المسجد مكاناً معيناً يصلي فيه دون غيره، كما يفعل البعير، لا يبرك إلا في مبركٍ واحد لا يغيِّره. ومما يدل على أن النهي للكراهة دون التحريم هو ما رُوي عن سلمة بن الأكوع «أنه كان يأتي إلى سُبحة الضحى، فيعمد إلى الاسطوانة دون المصحف فيصلي قريباً منها، فأقول له ـ الراوي عنه ـ: أَلاَ تصلي ها هنا؟ وأشير إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله ﷺ يتحرَّى هذا المقام» رواه ابن ماجة. فكون الرسول ﷺ كان يتحرى مكاناً يصلي فيه يصرف النهي عن التوطين إلى الكراهة. حُرمةُ اتخاذ القبور مساجد قلنا في بحث [المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها] إن المقبرة لا تجوز فيها الصلاة، ونريد هنا أن نفصِّل القول في هذا الموضوع الخطير الذي تجاوز فيه كثير من المسلمين كل حدٍّ، فبَنَوْا مساجد على القبور، وصاروا يتوسَّلون إلى الله بأصحابها في أدعيتهم، ويقيمون حولها الطقوس الوثنية فنقول:

стр. 608

هنالك فارق بين من يصلي في مقبرة، وبين مَن يصلي في مكان فيه قبر أو عدة قبور من أجل هذا القبر أو القبور ظناً منه أن الصلاة هناك أفضل وأعظم بركة وأَدعَى للقبول والاستجابة، ذلك أن الصلاة في المقبرة حرام - ونعني بالمقبرة الأرض المخصصة لدفن الموتى، وأما الأرض التي دفن فيها ميت أو اثنان وبقيت مستعملة في غير شأن الدفن من زراعة وبناء وعمران فهي ليست مقبرة، وبالتالي فإن الصلاة تصح فيها ولا تحرم، فالمكان المخصص لدفن الموتى ودُفن فيه أموات بالفعل هو المقبرة بغض النظر عن كثرة القبور فيها أو قلَّتِها - نعم إن الصلاة في المقبرة حرام، بغض النظر عن كون المصلي يصلي فوق القبر أو في بقعة من المقبرة لا قبور فيها ما دامت مقبرة وتحمل اسم المقبرة.

стр. 609

أما الصلاة على القبر لذات القبر رجاء نوال بركته أو اتخاذه مسجداً فالحرمة أعظم والذنب أكبر، فعن جُندُب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول « ... إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتَّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم. وعن عائشة ﵂ وعبد الله بن عباس ﵁ قالا «لما نزلت برسول الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنةُ الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذِّر مثل ما صنعوا» رواه مسلم. ورواه أحمد بمعناه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مسلم والبخاري. وفي رواية أخرى لمسلم والبخاري من طريق أبي هريرة «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه ابن حِبَّان وأحمد والنسائي. وعن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مالك بسند سقط منه اسم الصحابي، وسقوط اسم الصحابي لا يضرُّ لأنهم كلَّهم عدول. وعن عبد الله - بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، ومَن يتخذ القبور مساجد» رواه ابن خُزَيمة وأحمد وابن حِبَّان. فقد نهى الرسول ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، أي أماكن للصلاة، وذم من يفعل ذلك، وقال [لعنة الله] ، [قاتل الله] [لعن الله] ، [اشتد غضبُ الله] ، [إن من شرار الناس] ، وهذه أبلغ صيغٍ ممكنة في النهي

стр. 610

والذم، وفي التحريم. وهذه الصيغ العديدة الشديدة المشار إليها وهذا التغليظ في التحريم لم يصل إليها النهي عن الصلاة في المقابر مما يشعر بالفارق بينهما. فكل مسجد بُني على قبر نبي أو قبرِ صالحٍ من صحابة وأئمة من أجل ذلك القبر لا تجوز الصلاة فيه، ويجب هدمه مثله مثل مسجد الضِّرار، وانظر في قوله ﵊ «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد» . ففيه إشارة إلى الوثنية المتَّخَذة حيال هذه القبور، من طوافٍ حولها، وتقديمٍ للأموال عندها، وتمسُّحِ بها، وتوسُّلِ بها وعندها، إلى غير ذلك من الطقوس الوثنية. وكأمثلة على هذه القبور، وما بُني عليها من مساجد: المسجد الإبراهيمي في الخليل، ومساجد الصحابة في غور الأردن وفي مُؤتة، ومساجد في القاهرة، ومساجد كثيرة في العراق وإيران، فهذه المساجد لا تحلُّ الصلاة فيها، ويجب هدمها أو على الأقل إغلاقها، وتخليص المسلمين من فتنتها. وكما قلنا بخصوص مسجد الضِّرار والمقبرة والحمام والمكان النجس والمكان الذي فيه تماثيل، نقول بخصوص المساجد على القبور، فهذه الأماكن كلها تحرم الصلاة فيها، ولكن من صلى فيها صحت صلاته مع الإثم، ولا تجب عليه الإعادة، يراجع صدر البحث [المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها] المار قبل قليل. تحويلُ معابد الكفار ومقابرهم إلى مساجد يجوز تحويل كنائس النصارى وبِيَع اليهود ومعابد الهِندوس وسائر معابد الكفار إلى مساجد، بعد إزالة ما فيها من منكرات: كالأصنام والتماثيل والصُّلبان وشعارات الكفر، فعن عثمان بن أبي العاص «أن النبي ﷺ أمره أن يجعل مساجد الطائف حيث كانت طواغيتهم» رواه أبو داود.

стр. 611

كما يجوز تحويل مقابر الكفار إلى مساجد بعد نبشها وتنظيفها من رُفاتهم، فقد روى أنس ﵁ في قصة بناء الرسول ﷺ مسجده عند قدومه إلى المدينة ـ أن رسول الله ﷺ قال «يا بني النجار ثامِنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خِرَبٌ، وفيه نخل فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبشت ثم بالخِرَب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفُّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ... » رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. ولا يكون هذا التحويل لمعابد الكفار جبراً عنهم وتعدياً على حقوق أهل الذمة في العبادة، فإن هذا لا يجوز شرعاً، وإنما يجوز ذلك بعدما يُسلم الكفار، أو يهجروا المعبد، أو يكونوا قد بنوا معبدهم خلاف أحكام أهل الذمة، ففي هذه الحالات يقوم المسلمون بتحويل هذا المعبد إلى مسجد، أو إلى أية دائرة من دوائر الدولة. الفصل الثالث الأذان: حكمُها وألفاظُه فرضُ الأذان وألفاظُه

стр. 612

فُرِض الأذان في السنة الأولى للهجرة في المدينة المنورة، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون الصلوات وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قَرناً مثل قَرن اليهود، فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فنادِ بالصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. وقد رأى صيغةَ الأذان صحابةُ رسول الله ﷺ في المنام فأقرَّها رسول الله ﷺ وأمر بلالاً ينادي بها بالصلاة، فعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ قال «لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس لِيُضرَبَ به للناس في الجمع للصلاة - وفي رواية وهو كاره لموافقته النصارى - طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ قال فقلت له: بلى، قال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله ثم استأخر غير بعيد، ثم قال: تقول إذا أُقيمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاةُ الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله

стр. 613

فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لَرُؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت فَلْيُؤذِّن به فإنه أندى صوتاً منك، قال فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل الذي أُرِي، قال فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد» . وعنه من طريق ثان بنحوه - وزاد «ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، قال، فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم، قال سعيد بن المسيِّب: فأُدخلتْ هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر» رواه أحمد وابن ماجة وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وأخرج الطريق الثانية أحمد والحاكم. حديث عبد الله بن زيد هذا يذكر كلمات الأذان - وهو ما كان بلال يؤذِّن به - خمس عشرة، ويذكر كلمات الإقامة إحدى عشرة، وهذا هو ما نذهب إليه ونقول به فبلال ﵁ كان مؤذن الرسول ﷺ طيلة حياته، وإذن فإن أذان بلال هو المعتبر والأخذ به متعيِّن. إلا أن عدداً من الأئمة والفقهاء لم يأخذوا بهذا الأذان، وإنما أخذوا بأذان أبي محذورة، بدعوى أن أبا محذورة تعلَّم الأذان عند فتح مكة في السنة السابعة للهجرة، في حين أن أذان عبد الله بن زيد قد شُرع عند بدء الهجرة، فيكون أذان أبي محذورة متأخراً على أذان عبد الله بن زيد، فوجب عندهم الأخذ به - أعني أذان أبي محذورة.

стр. 614

والناظر في الأحاديث يجد أن الروايات عن أبي محذورة لم تتفق على صيغة واحدة كما هو الحال في الروايات عن عبد الله بن زيد، فنجد روايةً تأتي بتسع عشرة كلمة، وأخرى تأتي بسبع عشرة. فعن أبي محذورة «أن رسول الله ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والإقامة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي والدارمي. وقد أخذ الإمام الشافعي بهذه الصيغة للأذان، أي بصيغة التسع عشرة كلمة. وعن أبي محذورة «أن نبي الله ﷺ علَّمه هذا الأذان. الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله ــ مرتين أشهد أن محمداً رسول الله ــ مرتين حيَّ على الصلاة ــ مرتين حيَّ على الفلاح ــ مرتين زاد إسحق: الله أكبر ــ الله أكبر لا إله إلا الله» رواه مسلم والنَّسائي. وقد أخذ الإمام مالك بهذه الصيغة للأذان، أي بصيغة السبع عشرة كلمة.

стр. 615

وإذن فإن الروايات المروية عن أبي محذورة لم تتفق على صيغة واحدة، في حين أن الروايات المروية عن عبد الله بن زيد قد جاءت بصيغة واحدة، هي صيغة خمس عشرة كلمة للأذان، وهذا مرجِّح معتبر. ثم إن الناظر المدقق في روايات أبي محذورة يجد أنه يمكن الجمع بينها وبين رواية عبد الله ابن زيد لتصبح الصيغة المشتركة بينها جميعاً خمس عشرة كلمة، وذلك بالقول إن التكرار الوارد في روايات أبي محذورة - أعني تكرار الشهادتين - ليس القصد منه أن يكون ثابتاً مكرَّراً في الأذان كما فهم الكثيرون، وإنما حصل هذا التكرار من أجل التعليم، فالرسول ﵊ عندما لقَّن أبا محذورة كلمات الأذان، ونطق أبو محذورة بالشهادتين، نطقهما بصوت منخفضٍ مغايرٍ لصوته عند النطق بالتكبير، فأمره بالإعادة وأن يرفع صوته، فظنَّ أن تكرار النطق بالشهادتين مقصودٌ لذاته وليس ذلك كذلك، وإنما هو من فعل معلِّم مع تلميذه عندما يؤدي التلميذُ المطلوبَ منه بشكل خاطئ، فيقوم المعلم بتصحيحه بالأمر بالإعادة، وبهذا الفهم نقوم بالجمع بين روايات أبي محذورة وعبد الله بن زيد بخصوص كلمات الأذان. استمعوا إلى أبي محذورة وهو يقول إن الرسول ﷺ «علَّمه هذا الأذان» ، «علَّمه الأذان» ووقع في رواية عند النَّسائي «أنَّ النبي ﷺ قال له: اذهب فأذِّن عند البيت الحرام، قلت: كيف يا رسول الله؟ فعلَّمني كما تؤذِّنون الآن بها» . ثم إن النَّسائي أورد رواية أخرى ذكر فيها كيف التقى أبو محذورة برسول الله ﷺ في نفرٍ ببعض طريق حنين، إلى أن قال « ... فألقى عليَّ رسولُ الله ﷺ التأذين هو بنفسه، قال قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله ثم قال: ارجع فامْدُد صوتك، ثم قال قل:

стр. 616

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرةً فيها شئ من فضة ... » . ووقع في رواية لأبي داود «ثم ارجع فمُدَّ من صوتك» وفي رواية لأحمد «ارجع فامْدُدْ من صوتك» وفي رواية لابن ماجة «ارفع من صوتك» . فقوله (ارجع) واضح فيه التعليم، وأنه أراد من أبي محذورة أن يتدارك الخطأ في الأداء بالعودة إلى الأداء الصحيح، وهو رفع الصوت ومدُّهُ عند التأذين، وإذن فإن القصد من التكرار هو تصويب الخطأ في الأداء، وليس زيادة كلماتٍ بتكرارها بالأذان، وبهذا الفهم يصبح أذان أبي محذورة كأذان عبد الله بن زيد تماماً خمسَ عشرةَ كلمةً، والجمع بين الأحاديث واجب ما دام ممكناً، وهنا أمكننا أن نجمع بين الروايات المنقولة عن أبي محذورة وعن عبد الله بن زيد. وقد ذهب الأحناف إلى هذا الفهم. وإذا أُذِّن لصلاة الصبح زيدت كلمة [الصلاةُ خيرٌ من النوم] مرَّتين عقب كلمة [حيَّ على الفلاح] لما جاء في حديث عبد الله بن زيد، ولما روى أبو محذورة ﵁ قال «قلت: يا رسول الله علِّمني سُنَّة الأذان، قال ... فإن كان صلاةُ الصبح قلتَ: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي وابن خُزيمة. ولما روى أبو محذورة ﵁ قال «كنت أُؤَذِّن في زمن النبي ﷺ في صلاة الصبح، فإذا قلتُ: حيَّ على الفلاح قلتُ: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم، الأذان الأول» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي. ولما رُوي عن أنس أنه قال «من السُّنَّة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حيَّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» رواه ابن خُزيمة والدارقطني.

стр. 617

هذه هي كلمات الأذان المختار فحسب، فيُوقف عندها ولا يُزاد عليها من مثل [حيَّ على خير العمل] عقب [حيَّ على الفلاح] ، ومن مثل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ في آخر الأذان، فهذه الزيادات وأمثالها لم تصحَّ فيها أحاديثُ فتترك، ولا ينبغي أن يُلحِق المؤذِّنُ بالأذانِ الصلاةَ على الرسول ﷺ بحجة ما رواه عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ ... » رواه مسلم. وسيمرُّ بتمامه قريباً، فإن هذا النص لا دلالة فيه على ذلك، وإنما يدل على أن الصلاة هذه يقولها من سمعوا الأذان وليس المؤذن نفسه، فإن أحب المؤذن أن يقولها فلا بأس بشرط أن لا يجعلها من صيغة الأذان، وإنما يقولها في نفسه ولا يرفعها بصوت عال. فضلُ الأذان

стр. 618

فضل الأذان عظيم وثوابُ رفعِهِ كبير، فقد روى البَرَاء بن عازب ﵁ «أنَّ نبي الله ﷺ قال ... والمُؤذن يُغفرُ له مدَّ صوته، ويصدِّقه مَن سمعه من رطبٍ ويابس، وله مثل أجر من صلى معه» رواه أحمد والنَّسائي. ويتحصل كمال الفضل للمؤذن إن هو لم يأخذ أجرةً على التأذين وأدَّاه احتساباً، فعن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال «يا رسول الله اجعلني إمامَ قومي، قال: أنت إمامُهم واقتدِ بأضعفهم، واتَّخذْ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» رواه أبو داود وأحمد. ويكفي المؤذن شرفاً وفضلاً أنه يكون بين الناس يوم القيامة أطولهم عنقاً، فعن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «المؤذنون أطولُ الناس أعناقاً يوم القيامة» رواه مسلم. ولكن إنْ أخذ المؤذن أُجرة على التأذين فإنَّ ذلك يجوز، فعن أبي محذورة - من حديث طويل - قال « ... فألقى إليَّ رسولُ الله ﷺ التأذين هو نفسه ... ثم دعاني حين قضيتُ التأذين، فأعطاني صُرَّةً فيها شئ من فضة ... » رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان وأبو داود. حكمُ الأذان الأذان فرضٌ على الكفاية على أهل الأمصار من مدن وقرى دون مَن كانوا في مزارعهم ومتنزهاتهم أو كانوا مسافرين، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما مِن ثلاثةٍ في قرية فلا يُؤذَّن ولا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ... » رواه أحمد. فقد قال (في قرية) . وروى مالك أن ابن عمر كان يقول «إنما الأذان للإمام الذي يجتمع الناس إليه» . وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال «إقامةُ المِصر تكفي» .

стр. 619

والأذان من شعائر الإسلام، فقد روى أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم» رواه البخاري. وإذا كان التأذين فرض كفاية على سكان البلدان، فإنه مندوب للمسافرين والمنفردين والمنتشرين في الحقول، فعن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن أبا سعيد الخُدري قال له «إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفعْ صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنس ولا شئ إلا يشهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ » رواه البخاري وأحمد والنَّسائي وابن ماجة ومالك. وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يُعجَب ربُّك من راعي غنم في رأس الشَّظيَّة للجبل يؤذِّن للصلاة ويصلي، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة» رواه ابن حِبَّان وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «سمع رسول الله ﷺ رجلاً وهو في مسيرٍ له يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال نبي الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : حَرُم على النار، فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها» رواه ابن حِبَّان ومسلم وأحمد والترمذي وابن خُزيمة.

стр. 620

والتأذين عبادة مفروضة على الرجال دون النساء، وهذا الحكم معلوم عند جميع المسلمين، قال ابن عمر ﵁ «ليس على النِّساء أذانٌ ولا إقامة» رواه البيهقي. وكونه مفروضاً على الرجال لا يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تُؤذن أو تُقيم في جماعة النساء، فقد روى البيهقي عن عائشة ﵂ «أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤُم النِّساء، وتقوم وسطهن» وطبعاً كان ذلك يحصل في بيت رسول الله ﷺ . فالأذان جائزٌ للنساء. أحوال المؤذن يُسنُّ للمؤذن أن يرفع الأذان واقفاً، لأن ذلك أبلغ في توصيل الصوت، وهذا قبل أن تُعرف مكبِّرات الصوت، ولكن الاستمرار على هذه السنَّة أفضل وأولى، فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال «يا بلال قُم فنادِ بالصلاة» رواه البخاري ومسلم. كما يُسنُّ له أن يستقبل القبلة إلا عند الحيعلة، فيلتفت يميناً ويلتفت شمالاً، فعن أبي جُحَيفة ﵁ قال «رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذَّن، فلما بلغ حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يَستَدِر ... » رواه أبو داود. ولا بدَّ من أن بلالاً كان يفعل هذا بإقرارٍ من الرسول ﷺ . وهذا كله إن رُفِعَ الأذانُ بغير مكبِّر الصوت، أمّا إن رُفِعَ بمكبِّر الصوت فلا يلزم ذلك. ولا بأسَ بأن يضع المؤذن أصبعيه في أُذنيه في أثناء التأذين، فذلك يساعده على تحسين أدائه، فعن أبي جحيفة ﵁ قال «رأيت بلالاً يؤذن ويدور، وأتتبع فاه ههنا وههنا - يعني يميناً وشمالاً - وأصبعاه في أذنيه» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

стр. 621

ويُندب للمؤذن أن يؤذِّن على طهارة لأن الأذان ذِكرٌ، وتُسنُّ للذِّكر الطهارة، فقد روى المُهاجر بن قُنفذ ﵁ «أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهارة» رواه أبو داود. ويُفضَّل أن يكون صوت المؤذن حسناً نَدِيَّاً قوياً، فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد المار في [فرض الأذان وألفاظه] «فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت فلْيؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك» . وجاء في حديث البراء بن عازب المار في [فضل الأذان] «والمؤذن يُغفرُ له مدَّ صوته، ويُصدِّقه مَن سمعه من رطب ويابس» . ويرفع الأذان أيُّ رجل مسلم ولو كان فاسقاً، ولو كان جاهلاً، ولو كان أعمى، فعن مالك بن الحويرث ﵁ قال «أتينا رسول الله ﷺ ونحن شبيبة متقاربون، فأقمنا معه عشرين ليلة، قال: وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم ومروهم إذا حضرت الصلاة، فلْيؤذن لكم أحدُكم، ثم ليؤمَّكُم أكبرُكم» رواه أحمد. فقوله ﵊ «فليؤذن لكم أحدُكم» هو دليل على عدم وجود شروط في المؤذن سوى أن يكون واحداً منهم، أي مسلماً. وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذن أعمى هو ابن أُم مكتوم. والأذان فرض على الرجال دون النساء كما مرَّ في بحث [حكم الأذان] ، ويصح الأذان من صبي قادر قوي الصوت لأنه يدخل تحت لفظة (أحدكم) .

стр. 622

ويُسنُّ ترتيل الأذان، بمعنى أن تُمدَّ حروفُ المد فيه مداً مناسباً يُضفي على الأذان جمالاً، فتُمَدُّ حروفُ الألف والواو والياء دون سواها من الحروف، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نرتِّل الأذان ونحذف الإقامة» رواه الدارقطني. إلا أنه يجب أن يُعلَم أن الترتيل لا تنبغي المبالغةُ فيه إلى أن يتحول إلى غناء وتطريب، فإنه إن وصل إلى هذا الحدِّ مُنع، فعن ابن عباس ﵁ «كان لرسول الله ﷺ مؤذِّن يُطرِّب فقال رسول الله ﷺ : الأذان سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن» رواه الدارقطني. وأنا لستُ عالماً بفن الغناء والطرب حتى أخوض فيه وأُبيِّن الفارق بينه وبين الترتيل، ولكن لا بأس من أن أقول: إن الحروف إذا جرى مدُّها على وتيرة واحدة فهو ترتيل، وإذا جرى مدُّها مُكسَّرةً ذات ترددات متفاوتة في القوة والضعف فهو الغناء، والله أعلم. الأذانُ أولَ الوقت

стр. 623

لا يجوز تقديم الأذان عن أول الوقت إلا في حالتين، إحداهما: النداء لصلاة الجمعة، فيجوز رفع النداء الأول قبل دخول الوقت، وتجدون هذا مفصَّلاً في بحث [النداء ليوم الجمعة] فصل [صلوات مفروضة عدا الصلوات الخمس] ، والأُخرى: النداء لصلاة الفجر في رمضان فحسب، ففي هذه الحالة أيضاً يجوز تقديم الأذان ليُتِمَّ المُتهجِّدُ صلاته ويستيقظ النائم، ويتمكن الغافل من تناول طعام السحور. والدليل على أن التأذين يكون في أول الوقت هو ما رواه جابر بن سمرة ﵁ قال «كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يَخرِم، ثم لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ ، قال فإذا خرج أقام حين يراه» رواه أحمد. وأما الدليل على استثناء الفجر في رمضان فما رُوي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «لا يمنعنَّ أحدَكم أو أحداً منكم أذانُ بلالٍ من سَحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم» رواه البخاري. وفي هذه الحالة فإنه يجب رفع أذان ثان عند دخول الميقات لصلاة الصبح، ويفصل بين الأذانين مقدار يسير قدر تناول وجبة طعام، أو قدر ما يحتاجه المرء لقضاء حاجته والوضوء، وتُقدَّر في زمن استعمال الساعات الحديثة بعشر دقائق أو بربع ساعة، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا أذَّن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن اُم مكتوم قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا» رواه النَّسائي. ما يقال عند التأذين وعقب الفراغ منه

стр. 624

يُندب للمسلم عند سماع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا أن يقول المؤذن [حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح] فيقول [لا حول ولا قوة إلا بالله] لما رُوي عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصَّلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: حيَّ على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله، مِن قلبه دخل الجنة» رواه مسلم وأبو داود وابن خُزيمة وابن حِبَّان. وعن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ﷺ قال «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» رواه البخاري وأحمد ومالك وأبو داود. أمَّا عقب فراغ المؤذن من الأذان فيُسنُّ للمسلم أن يقول ما يلي: ١-[اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله] أو أية صيغة من صيغ الصلاة على الرسول ﷺ . ٢-[اللهم رب َّهذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته] . ٣-[أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيتُ بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً] . ٤-[اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة] . والأدلة على ذلك ما يلي بالترتيب:

стр. 625

١- عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ٢- عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامةِ والصلاة القائمةِ آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ٣- عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «مَن قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيتُ بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً، غُفر له ذنبه» رواه مسلم وأحمد. أما عقب أذان المغرب خاصةً فيُندب للمسلم أن يضيف إلى ما سبق الكلمة التالية: [اللهمَّ إنَّ هذا إقبالُ ليلك وإدبارُ نهارك وأصواتُ دُعاتِك فاغفر لي] لما رُوي عن أُم سلمة ﵂ أنها قالت «علَّمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إنَّ هذا إقبالُ ليلك وإدبارُ نهارك وأصواتُ دُعاتِك فاغفر لي» رواه أبو داود والحاكم. ٤- كما يندب للمسلم أن يُكثر من الدعاء عقب الأذان وقبل الإقامة، لأن الدعاء في هذا الوقت مستجاب لا يُرد، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة، قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلُوا الله العافيةَ في الدنيا والآخرة» رواه الترمذي. ورواه أحمد بلفظ «الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة» .

стр. 626

مغادرةُ المسجد عقب الأذان يحرم على من سمع الأذان وهو في المسجد، أو من دخل المسجد عقب الأذان، أن يخرج منه قبل أن يؤدي الصلاة المفروضة إلا لعذرٍ شرعي كقضاء الحاجة أو الوضوء، وهو ينوي العودة إليه لأداء الصلاة، فعن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ـ ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان - فقال «أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ » رواه مسلم والبيهقي. وعن أبي الشعثاء عن أبي هريرة «أنه كان في المسجد، فأذَّن المؤذن فخرج رجل، فقال أبو هريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، أمَرَنا رسول الله ﷺ إذا سمعنا النداء أن لا نخرج من المسجد حتى نصلي» رواه أبو داود الطيالسي وأحمد. قال الترمذي (وعلى هذا العملُ عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم أن لا يخرج أحدٌ من المسجد بعد الأذان إلا مِن عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه) . الأذانُ في عصرنا الحديث تقوم بعض الإذاعات برفع الأذان للصلوات الخمس، فيسمعه الناس من المذياع والتلفاز، فهذا الأذان لا يجوز لأهل مدينة أو قرية أو مُجَمَّعِ إسكانٍ أن يقتصروا عليه فلا يُرفع فيهم الأذان من مساجدهم، فالأذان من المذياع والتلفاز لا يغنيهم عن رفع الأذان، بل لا بد لأهل الأمصار من أن يرفعوا بأنفسهم الأذان، إذ ما دام الأذان فرض كفاية عليهم فلا بد من أن يُؤدُّوه بأنفسهم.

стр. 627

ويقوم الناس بتسجيل أذان بعض المؤذنين، خاصةً مؤذني المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي بالمدينة، فمثل هذا التسجيل لا يجوز أن يوضع في إذاعات المساجد وإسماع الناس الأذان المسجَّل عوضاً عن رفعه مِن قِبَل مؤذن المسجد، ذلك أن رفع الأذان فرض كفاية على أهل المصر، فلا بد لهم من تأدية هذا الفرض، أما إدارةُ آلة التسجيل وإسماعُ الناس الأذان المسجَّل فإنه لا يُسقط عن أهالي المدينة أو القرية الفرض عليهم، فالمسجد الذي يُذاع منه الأذان المسجَّل لا يُعتبر أنَّ أحداً من الأهالي قام بأداء الفرض فيه. والبُلدان إما أن تتعدد فيها المساجد، وإما أن لا يكون فيها سوى مسجد واحد، فإن كان في المدينة أو القرية مسجدٌ واحد فلا بد شرعاً من أن يَرفع الأذانَ فيه شخصُ المؤذن حيَّاً على الهواء مباشرة، ولا يجوز له ولا لغيره أن يسجِّلوا أَذانهم، ثم يقوموا ببثه بواسطة آلة التسجيل وإذاعة المسجد عند دخول كل وقت من أوقات الصلاة، فهذا لا يُسقط الفرض عنهم. أمَّا في المدينة أو القرية الكبيرة التي تضمُّ عدداً من المساجد، فإن قيام مؤذنِ مسجدٍ منها برفع الأذان يُعتَبَر قياماً بالفرض من أهل مدينته أو قريته، وفي هذه الحالة لو قامت المساجد الأخرى ببث الأذان المسجَّل فلا بأس، ويكون عملها في هذه الحالة مجرد إعلامِ الناس بدخول وقت الصلاة، ولا يُعتبر فعلُها هذا تأديةً لفرض الأذان، فلا ينال فاعلُه ثوابَ التأذين الذي يناله لو قام هو بنفسه برفع الأذان. ومثل هذه الحالة الثانية أن تُربَطَ مساجدُ المدينة الواحدة بشبكة إذاعةٍ موحَّدة تقوم ببث الأذان من مؤذن إحداها، فيسمع أهل المدينة الواحدة صوت مؤذن واحد في مسجد واحد فحسب من سمَّاعات المساجد كلها، فهذه الحالة جائزة شرطَ أن يَرفع الأذان مؤذنٌ بشخصه وليس من شريط مسجَّل، أما إن حصلت هذه الحالة بواسطة شريط مسجَّل فإنها لا تفي بالغرض، ويأثم أهل المدينة جميعُهم.

стр. 628

فالعبرة في هذه الحالة وفي الحالة الثانية التي سبقتها هي أن يَرفع الأذانَ في البلد الواحد شخصٌ واحد بنفسه على الأقل، ثم لا يضير أهلَ البلد أن يستعملوا الأذان المسجَّل في المساجد الأخرى بعدئذٍ، أمَّا أن لا يَرفع الأذانَ في البلد الواحد أيُّ مُؤذِّن بنفسه فإنه لا يجوز، ويأثم جميع السكان. ويحصل أن تقع قريتان في منطقة ضيقة لا يفصل بينهما سوى ميلين أو ثلاثة أميال مثلاً، بحيث لو أُذِّن في مسجد إحدى القريتين سمع أهلُ القرية الأخرى الأذان هذا، فإن الأذان هذا يُسقط الفرض عن أهل القرية الأولى، ولا يُسقطه عن أهل القرية الأخرى، إذ لا بد لأهل القرية الأخرى مِن أن يرفعوا هم أيضاً الأذان في قريتهم، أي لا بد لأهل كل قرية من القريتين من القيام بفرض التأذين، سواء وصل أذان إحداهما إلى الأخرى أو لم يصل. الإقامةُ: حكمُها وألفاظها

стр. 629

الإقامة حكمها حكم الأذان فرضٌ على الكفاية على أهل الأمصار، ومندوبة لمن هم خارج حدود الأمصار من مسافرين ومزارعين ورعاة ومتنزهين، فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من ثلاثةٍ في قريةٍ ولا في بدوٍ لا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة» رواه الحاكم وأبو داود والنَّسائي والبيهقي. ورواه أحمد بلفظ «ما من ثلاثة في قرية فلا يُؤذَّنُ ولا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ... » وفي رواية ثالثة لأحمد «ما من خمسة أبيات لا يُؤذَّن فيهم بالصلاة وتقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، وإن الذئب يأخذ الشَّاذَّة، فعليك بالمدائن ... » فقد وردت الألفاظ التالية (في قرية ولا في بدو) (في قرية) (خمسة أبيات) وهذه الألفاظ كلها تدل على السكن في البلدان والسكن في البوادي، وهذا قيدٌ ينبغي المصير إليه. ثم إنه قد جاء في نصين من الثلاثة اشتراكُ الأذان والإقامة بالأمر، فوجب إعطاؤُهما حكماً واحداً لعدم وجود قرينة أو دليل بالتفريق بينهما في الحكم. ويُسن الفصل بين الأذان والإقامة بجلسة، وعدم الموالاة بينهما، فمن أراد أن يُقيم سُنَّ له أن يمكث قليلاً بعد الفراغ من التأذين، فعن ابن أبي ليلى - من حديث طويل - قال «وحدثنا أصحابنا ... فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله إني لمَّا رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلاً كأنَّ عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذَّن، ثم قعد قعدة، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول قد قامت الصلاة ... ، فقال رسول الله ﷺ : لقد أراك الله خيراً ... » رواه أبو داود. فقد جاء فيه (ثم قعد قعدةً) بين الأذان والإقامة. وتُؤدَّى الإقامة بسرعة دون مدٍّ ولا ترتيل لحديث علي بن أبي طالب ﵁ الوارد في بحث [أحوال المؤذن] وجاء فيه «ونحذف الإقامة» أي نسرع بها.

стр. 630

ومَن أراد أن يصلي الفائتة منفرداً أو في جماعة سُنَّ له أن يقيم فقط، ولم يُسنَّ له أن يؤذن لها حتى لا يُغرِّر بالناس وتختلط عليهم مواقيت الصلوات، إلا أن يكون في الفلاة فمسنون، وإذا تعددت الفوائت تعددت بتعددها الإقامات، فعن أبي سعيد ﵁ قال «حُبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب هُويَّاً وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كُفينا القتال وذلك قوله ﴿وكَفَى اللهُ المؤمِنِيْنَ القِتَالَ وكَانَ اللهُ قَوِيَّاً عَزِيْزَاً﴾ أمر النبي ﷺ بلالاً فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة. وقد مرَّ في الفصل الأول. أما ألفاظ الإقامة فقد اختلف الأئمة فيها، فمالك يأخذ بحديث أنس «أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة» رواه مسلم والبخاري. قائلاً إن كلمات الإقامة تُؤدَّى وِتراً ومنها قد قامت الصلاة، فتكون كلمات الإقامة عنده عشراً: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وهذه عشر كلمات. أما الأحناف ومعهم الإمام الثوري فيقولون إن ألفاظ الإقامة هي ألفاظ الأذان نفسها مع زيادة كلمة - قد قامت الصلاة - مرتين، فتكون كلمات الإقامة عندهم سبع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وهذه سبع عشرة كلمة.

стр. 631

وقد استدلوا على رأيهم هذا بما روى أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل ﵁ قال «أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأُحيل الصيام ثلاثة أحوال - وساق نصرٌ الحديث بطوله، واقتصَّ ابن المثنى منه قصة صلاتهم نحو بيت المقدس قط - قال: الحال الثالث أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصلَّى ـ يعني نحو بيت المقدس ـ ثلاثة عشر شهراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّك قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فوجَّهه الله تعالى إلى الكعبة، وتم حديثه، وسمَّى نصر صاحب الرؤيا قال: فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار، وقال فيه: فاستقبل القبلة قال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة - مرتين – حيَّ على الفلاح - مرتين – الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله،

стр. 632

ثم أمهل هُنيَّة، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه قال: زاد بعدما قال: حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال: فقال رسول الله ﷺ : لقِّنْها بلالاً، فأذَّن بها بلال ... » . وبما روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال «حدَّثنا أصحاب رسول الله ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيتُ في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران على جِذمة حائط، فأذن مَثْنى وأقام مَثْنى، وقعد قَعْدة، قال: فسمع ذلك بلال فقام فأذن مَثْنى مَثْنى، وأقام مثنى وقعد قعدة» . قوله جذمة حائط: أي بقية من حائط متهدِّم. وبما روى ابن ماجة عن أبي محذورة قال «علَّمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. والإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله لا الله» . وبما روى الترمذي عن أبي محذورة «أن النبي ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة» .

стр. 633

فأقول: أما رأي المالكية فإن استنادهم إلى القول «وأن يوتر الإقامة» للقول بأن كلماتِ الإقامة عشرٌ، يُردُّ عليه من وجهين: أ- إن الاكتفاء بهذا النص وإعمالَه دون نظرٍ في سائر النصوص التي ذكرت كلمات الإقامة يجعل الحكم الصادر بموجبه عُرْضة للخطأ، بل يجعله خطأ، ذلك أن المالكية الذين يعتمدون على هذا النص يأخذون بتثنية التكبير: الله أكبر، الله أكبر، وهذا معارِضٌ للنَّص، فلماذا يُعمِلون النص في كلمة (قد قامت الصلاة) ولا يُعمِلونه في كلمة (الله أكبر) ؟. ب- نعم قد رُوي هذا الحديث بالنص الوارد، ولكن البخاري ومسلماً اللذين رويا هذا النص قد رويا الحديث نفسه بزيادة «إلا الإقامة» فعند البخاري عن أنس ﵁ «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتر الإقامة إلا الإقامة» . وفي رواية أخرى له عن أنس «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة، قال إسماعيل: فذكرتُ لأيوب فقال: إلا الإقامة» ووقع عند مسلم «زاد يحيى في حديثه عن أبن عُليَّة: فحدثت به أيوب فقال: إلا الإقامة» . وهكذا تكون كلمات الإقامة بإعمال هذه النصوص إحدى عشرة كلمة. وأما رأي الأحناف فالرد عليه من وجوه: أ- أما حديث أبي داود فإن كلمات الإقامة الواردة فيه عددها خمس عشرة كلمة، في حين أن حديث ابن ماجة جاءت كلمات الإقامة فيه سبع عشرة كلمة، فبأي العددين يأخذون؟ ثم إن حديث أبي داود هذا يقول فيه كمال الدين المعروف بابن الهمام الحنفي ما يلي (إن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذاً وهو مع ذلك حجة عندنا) وهذا من عجيب القول؟!.

стр. 634

ب- إن صيغة الإقامة عند أبي محذورة وردت مَثْنى وليست وتراً، وهذا مُعارَض بالروايات الكثيرة الصحيحة القائلة إن الإقامة وتر، فعن أنس قال «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة إلا الإقامة» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر قال «إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين والإقامة مرة، غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا ذلك توضأنا ثم خرجنا» رواه ابن خُزيمة وأحمد والنَّسائي وأبو داود وابن حِبَّان. ج- حديث ابن أبي شيبة الذي يذكر أن بلالاً أقام مَثْنى مُعَارَضٌ بالأحاديث الكثيرة الكثيرة التي تذكر أن بلالاً كان يقيم وتراً، وأن الفعل هذا من بلال قد استمر طيلة عهد رسول الله ﷺ ، ولذا فإنه ليس من المستطاع الأخذ بهذه الرواية وترك الروايات العديدة الصحيحة القائلة بغير ذلك. ويحضرني هنا قول ابن الأثير (قال الخطَّابي ... ولم يَزل وُلْدُ أبي محذورة ـ وهم الذين يلُون الأذان بمكة ـ يُفْرِدون الإقامة ويحكونه عن جدهم) . فإن صح هذا القول فهو الفيصل في محل الخلاف. إن الصيغة الصحيحة الراجحة للإقامة هي إحدى عشرة كلمة، فيُشرع اعتمادها والعمل بها، وهذه هي: الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فعن أنس ﵁ قال «أًمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة إلا الإقامة» رواه البخاري ومسلم. وبمقتضى هذا الأمر فإن كلمات الإقامة تكون إحدى عشرة، وجاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁ الوارد في بحث [فرض الأذان وألفاظه] ما يلي «.. تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة،

стр. 635

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ... » وكلماتها إحدى عشرة. وممن ذهب إلى هذه الصيغة الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وداود. الفصلُ الرابع أحوالُ المصلي الطهارةُ للصلاة إنه لمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الصلاة يُشترط لها الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر لا أعلم فقيهاً يقول غير هذا، وقد جرى على هذا صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وسائر المسلمين، ولكن ذلك لا يمنع من استعراض عدد من النصوص الدالَّة على ذلك: أ- قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوْسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كَنْتُم جُنُباً فاطَّهَّرٌوا ... ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. ب- قال تعالى ﴿يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا لا تَقْرَبُوْا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى حتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُوْلُوْنَ وَلا جُنُباً إلا عَابِرِي سَبِيْلٍ حتَّى تَغْتَسِلُوْا ... ﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. ج- عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. الآية الأولى أمرت بالوضوء عند إقامة الصلاة، والاغتسال من الجنابة للجُنُب عند إقامة الصلاة أيضاً، والآية الثانية أمرت بالاغتسال من الجنابة للجُنُب قبل الصلاة، والحديث الشريف وصف الوضوء بأنه مفتاح الصلاة، بمعنى أنه لا يدخل إلى الصلاة إلا بالوضوء، ففي هذه النصوص الثلاثة جاء الأمر بالتَّطهُّر قبل أداء الصلاة، فوجب على المسلم أن يكون طاهراً من الحدثين الأكبر والأصغر إن هو أراد الصلاة.
следующие страницы →