← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وقد استدلوا على رأيهم هذا بما روى أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل ﵁ قال «أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأُحيل الصيام ثلاثة أحوال - وساق نصرٌ الحديث بطوله، واقتصَّ ابن المثنى منه قصة صلاتهم نحو بيت المقدس قط - قال: الحال الثالث أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصلَّى ـ يعني نحو بيت المقدس ـ ثلاثة عشر شهراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّك قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فوجَّهه الله تعالى إلى الكعبة، وتم حديثه، وسمَّى نصر صاحب الرؤيا قال: فجاء عبد الله بن زيد رجل من الأنصار، وقال فيه: فاستقبل القبلة قال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة - مرتين – حيَّ على الفلاح - مرتين – الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله،

стр. 632

ثم أمهل هُنيَّة، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه قال: زاد بعدما قال: حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال: فقال رسول الله ﷺ : لقِّنْها بلالاً، فأذَّن بها بلال ... » . وبما روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال «حدَّثنا أصحاب رسول الله ﷺ أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيتُ في المنام كأن رجلاً قام وعليه بردان أخضران على جِذمة حائط، فأذن مَثْنى وأقام مَثْنى، وقعد قَعْدة، قال: فسمع ذلك بلال فقام فأذن مَثْنى مَثْنى، وأقام مثنى وقعد قعدة» . قوله جذمة حائط: أي بقية من حائط متهدِّم. وبما روى ابن ماجة عن أبي محذورة قال «علَّمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. والإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله لا الله» . وبما روى الترمذي عن أبي محذورة «أن النبي ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة» .

стр. 633

فأقول: أما رأي المالكية فإن استنادهم إلى القول «وأن يوتر الإقامة» للقول بأن كلماتِ الإقامة عشرٌ، يُردُّ عليه من وجهين: أ- إن الاكتفاء بهذا النص وإعمالَه دون نظرٍ في سائر النصوص التي ذكرت كلمات الإقامة يجعل الحكم الصادر بموجبه عُرْضة للخطأ، بل يجعله خطأ، ذلك أن المالكية الذين يعتمدون على هذا النص يأخذون بتثنية التكبير: الله أكبر، الله أكبر، وهذا معارِضٌ للنَّص، فلماذا يُعمِلون النص في كلمة (قد قامت الصلاة) ولا يُعمِلونه في كلمة (الله أكبر) ؟. ب- نعم قد رُوي هذا الحديث بالنص الوارد، ولكن البخاري ومسلماً اللذين رويا هذا النص قد رويا الحديث نفسه بزيادة «إلا الإقامة» فعند البخاري عن أنس ﵁ «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتر الإقامة إلا الإقامة» . وفي رواية أخرى له عن أنس «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة، قال إسماعيل: فذكرتُ لأيوب فقال: إلا الإقامة» ووقع عند مسلم «زاد يحيى في حديثه عن أبن عُليَّة: فحدثت به أيوب فقال: إلا الإقامة» . وهكذا تكون كلمات الإقامة بإعمال هذه النصوص إحدى عشرة كلمة. وأما رأي الأحناف فالرد عليه من وجوه: أ- أما حديث أبي داود فإن كلمات الإقامة الواردة فيه عددها خمس عشرة كلمة، في حين أن حديث ابن ماجة جاءت كلمات الإقامة فيه سبع عشرة كلمة، فبأي العددين يأخذون؟ ثم إن حديث أبي داود هذا يقول فيه كمال الدين المعروف بابن الهمام الحنفي ما يلي (إن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذاً وهو مع ذلك حجة عندنا) وهذا من عجيب القول؟!.

стр. 634

ب- إن صيغة الإقامة عند أبي محذورة وردت مَثْنى وليست وتراً، وهذا مُعارَض بالروايات الكثيرة الصحيحة القائلة إن الإقامة وتر، فعن أنس قال «أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة إلا الإقامة» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر قال «إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين والإقامة مرة، غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا ذلك توضأنا ثم خرجنا» رواه ابن خُزيمة وأحمد والنَّسائي وأبو داود وابن حِبَّان. ج- حديث ابن أبي شيبة الذي يذكر أن بلالاً أقام مَثْنى مُعَارَضٌ بالأحاديث الكثيرة الكثيرة التي تذكر أن بلالاً كان يقيم وتراً، وأن الفعل هذا من بلال قد استمر طيلة عهد رسول الله ﷺ ، ولذا فإنه ليس من المستطاع الأخذ بهذه الرواية وترك الروايات العديدة الصحيحة القائلة بغير ذلك. ويحضرني هنا قول ابن الأثير (قال الخطَّابي ... ولم يَزل وُلْدُ أبي محذورة ـ وهم الذين يلُون الأذان بمكة ـ يُفْرِدون الإقامة ويحكونه عن جدهم) . فإن صح هذا القول فهو الفيصل في محل الخلاف. إن الصيغة الصحيحة الراجحة للإقامة هي إحدى عشرة كلمة، فيُشرع اعتمادها والعمل بها، وهذه هي: الله أكبر، الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فعن أنس ﵁ قال «أًمر بلال أن يشفع الأذان وأن يُوتِر الإقامة إلا الإقامة» رواه البخاري ومسلم. وبمقتضى هذا الأمر فإن كلمات الإقامة تكون إحدى عشرة، وجاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁ الوارد في بحث [فرض الأذان وألفاظه] ما يلي «.. تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة،

стр. 635

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ... » وكلماتها إحدى عشرة. وممن ذهب إلى هذه الصيغة الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وداود. الفصلُ الرابع أحوالُ المصلي الطهارةُ للصلاة إنه لمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الصلاة يُشترط لها الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر لا أعلم فقيهاً يقول غير هذا، وقد جرى على هذا صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وسائر المسلمين، ولكن ذلك لا يمنع من استعراض عدد من النصوص الدالَّة على ذلك: أ- قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوْسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كَنْتُم جُنُباً فاطَّهَّرٌوا ... ﴾ الآية ٦ من سورة المائدة. ب- قال تعالى ﴿يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا لا تَقْرَبُوْا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى حتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُوْلُوْنَ وَلا جُنُباً إلا عَابِرِي سَبِيْلٍ حتَّى تَغْتَسِلُوْا ... ﴾ الآية ٤٣ من سورة النساء. ج- عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. الآية الأولى أمرت بالوضوء عند إقامة الصلاة، والاغتسال من الجنابة للجُنُب عند إقامة الصلاة أيضاً، والآية الثانية أمرت بالاغتسال من الجنابة للجُنُب قبل الصلاة، والحديث الشريف وصف الوضوء بأنه مفتاح الصلاة، بمعنى أنه لا يدخل إلى الصلاة إلا بالوضوء، ففي هذه النصوص الثلاثة جاء الأمر بالتَّطهُّر قبل أداء الصلاة، فوجب على المسلم أن يكون طاهراً من الحدثين الأكبر والأصغر إن هو أراد الصلاة.

стр. 636

ورب قائل يقول إن وجوب الطهارة للصلاة مسلَّم به ولكن ذلك لا يعني أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، كالأمر بالتَّوجُّه نحو القِبلة، فإنه وإن كان من واجبات الصلاة إلا أنه لا يوجد دليلٌ يدل على أنه شرط لصحة الصلاة فهذا كذاك. فنقول لهؤلاء: نعم إن مجرد الوجوب لا يعني أنه شرط، فالواجب إن لم يُقَمْ به فإن صاحبه يأثم وتبقى الصلاة صحيحة، في حين أن شرط صحة الصلاة إن لم يُقَمْ به فإن الصلاة تكون باطلة غير مقبولة، ونقول إن الطهارة شرط صحة وليست واجبة فحسب، وذلك لأن الشرع اعتبر الصلاة بدون الطهارة غير مقبولة، وهذا يعني أن الطهارة شرطُ صحةٍ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقبل الله صلاةَ مَن أحدث حتى يتوضأ» رواه البخاري وأحمد. ورواه مسلم بلفظ «لا تُقبل صلاةُ أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» . فهذا نصٌّ يفيد أن الوضوء شرط لصحة الصلاة وقبولها، وعن ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور، ولا صدقةٌ مِن غُلُول» رواه مسلم والبخاري والترمذي والدارمي وأحمد. وهذا نص يفيد أن الطُهُّور - عموم الطُهُّور - شرطٌ لصحة الصلاة وقبولها، يدخل فيه الوضوء ورفع الحدث الأكبر، أي الغسل من الجنابة. فالتطهُّر بالوضوء والتطهُّر بالغسل من الجنابة كلاهما شرط لصحة الصلاة، وكما قلت في أول البحث، فإن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة. سَترُ العَورة

стр. 637

سَتر العورة شرط لصحة الصلاة وقبولها، فالله لا يقبل من مسلم صلاة يصليها وهو كاشف عورته، يستوي في ذلك الذكور والإناث، سواء كانت الصلاة أمام الناس أو في خلوة، فينبغي للمصلي أن يستر عورته في الصلاة، قال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوْا زِيْنَتكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ... ﴾ الآية ٣١ من سورة الأعراف. وقد ذكر ابن عباس ﵁ سبب نزول هذه الآية فقال «كانت المرأة إذا طافت بالبيت تُخرج صدرَها وما هناك فأنزل الله تعالى خُذوا زينتَكم عند كل مسجد» رواه البيهقي. فالزينة المطلوبة في هذه الآية هي اللباس وستر العورة، وروى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال «إذا صلَّى أحدُكم فَلْيَتَّزِرْ ولْيَرتدِ» رواه ابن حِبَّان وأحمد والبيهقي والطحاوي. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار» رواه ابن ماجة وأحمد وأبو داود وابن حِبَّان. وروى محمد بن سيرين «أن عائشة ﵂ نزلت على صفية أُم طلحة الطلحات، فرأت بنات لها يصلين بغير خِمْرةٍ قد حِضْن، قال فقالت عائشة: لا تُصَلِّيَنَّ جاريةٌ منهن إلا في خمار، إن رسول الله ﷺ دخل عليَّ وكانت في حجري جارية، فألقى عليَّ حَقْوه فقال: شُقِّيه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أُم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا» رواه أحمد. قوله يُصلين بغير خِمرة: أي يُصلين بغير أغطية الرؤوس. والحَقْو: هو موضع الإزار وهو هنا الإزار نفسه. وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله من امرأةٍ صلاةً حتى تُواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر» رواه الطبراني. وعن أُم سلمة ﵂ «أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخِمار ليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع

стр. 638

سابغاً يُغطي ظهور قدميها» رواه أبو داود والحاكم. بيَّنت هذه النصوص أن على المرأة عند الصلاة أن تستر جميع بدنها من رأسها حتى قدميها بدلالة (الخمار) في حديث ابن ماجة وحديث أحمد، و (حتى تختمر) في حديث الطبراني، وبدلالة (ظهور قدميها) في حديث أبي داود والحاكم. ولا يُستثنى مِن ستر بدنها سوى الوجه والكفين فحسب لقوله تعالى ﴿وَلا يُبْدِيْنَ زِيْنَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الآية ٣١ من سورة النور، فقوله تعالى ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو استثناء فسَّره ابن عباس وعائشة وعبد الله بن عمر ﵃ بالوجه والكفين. ويشترط لستر العورة أن تكون الثياب سميكة تخفي لون البشرة تحتها فلا تُجزئ الثياب الرقيقة الشفافة، فعن أُسامة بن زيد ﵁ قال « ... قال رسول الله ﷺ : ما لك لم تلبس القُبْطِية؟ قلت: كسوتها امرأتي، فقال: مُرْها فلْتجعل تحتها غلالةً، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها» رواه أحمد. والقُبطية كساء رقيق يُنسب إلى أقباط مصر. أما عورة الرجال فما بين السرة إلى الركبتين، وليست السُّرة ولا الركبتان من العورة، ولكن الأحوط ستر السرة، وذلك لأنها لصغرها لا يكاد المرء يستطيع وهو ينظر اليها أن يَصرف نظره عما تحتها فيقع في الحرام، فعن أبي أيوب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول «ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة» رواه الدارقطني. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «وإذا زوَّج أحدُكم عبدَه أمتَه أو أجيرَه فلا تنظر الأمة إلى شئ من عورته، فإن ما تحت السُّرة إلى ركبته من العورة» رواه البيهقي.

стр. 639

أما الفخذان فهما من العورة لما روى محمد بن جحش قال «مرَّ النبي ﷺ وأنا معه على مَعْمَر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا مَعْمَر غطِّ فخذيك فإن الفخذين عورة» رواه أحمد والحاكم. وعن جَرْهَد «أن النبي ﷺ أبصره وقد انكشف فخذُه في المسجد وعليه بُردة فقال: إن الفخد من العورة» رواه الحاكم وصححه. ورواه الترمذي وحسَّنه. وروى أحمد الحديث بألفاظ قريبة. وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال «الفخذ عورة» رواه الترمذي والبيهقي. وذكره البخاري تعليقاً - أي بدون سند -.

стр. 640

أما ما استدل به بعضهم على أن الفخذ ليس عورة، وأن العورة عندهم هي القُبُل والدُّبُر فحسب - وهو ما رواه أحمد من طريق عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان جالساً كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك، فقال: يا عائشة ألا أستحي من رجل واللهِ إن الملائكة تستحي منه؟» - فالجواب عليه أن هذا فِعلٌ منه ﵊، والأحاديث السابقة قولٌ وأمرٌ منه، والقول والأمر أقوى في الاستدلال من الفعل، ثم إن هذا الحديث رواه مسلم بلفظ «كان رسول الله ﷺ -مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر ... » . ففيه تردُّدٌ بين الفخذين والساقين، والساقان ليستا من العورة، فصار الحديث محتملاً، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، وقل مثل ذلك بخصوص ما رواه أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ غزا خيبر - إلى أن قال «وانحسر الإزار عن فَخِذَيْ نبي الله ﷺ ، فإني لأرى بياض فخذَيْ نبي الله ﷺ ... » رواه أحمد. ورواه البخاري بلفظ «حُسِر الإزار» . فإن هذا الحديث حادثة فعلٍ، وتلك أقوال وأوامر، فتلك أقوى في الاستدلال. ومن ناحية ثانية فإنَّه إذا تعارضت أوامر الرسول ﷺ مع أفعاله حُملت أفعاله على أنها من خصوصياته، وبقيت أقواله محكمةً واجبة الاتِّباع كما هو الحال هنا. والنتيجة هي إنَّه يجب على المصلي أن يستر ما بين سرته إلى ركبتيه عند الصلاة إن كان ذكراً، وأما الأنثى فتستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفَّين. الثوبُ في الصلاة

стр. 641

إن المسلم ذكراً كان أو أُنثى مأمور وجوباً بستر عورته في الصلاة، ويندب له فوق ذلك إن كان ذكراً أن يلبس ما يزيد على ستر العورة، بأن يكون شئ من ثوبه ملقىً على الكتفين أو على أحدهما، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لا يصلي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شئ» رواه مسلم. ووقع في روايةٍ لأحمد «ليس على منكبيه منه شئ» . ووقع في روايةٍ أُخرى لأحمد «ليس على عاتقه منه شئ» . بالإفراد. وروى أحمد من طريق كيسان «أنه رأى رسول الله ﷺ خرج من المطابخ حتى أتى البئر، وهو مُتَّزر بإزار ليس عليه رداء، فرأى عند البئر عبيداً يُصلُّون، فحل الإزار وتوشح به وصلى ركعتين ... » . والتوشُّح هو أن يُدْخِل شيئاً من الثوب تحت الإبط الأيمن ويلقيه على الكتف الأيسر. ويكره أن يغطي المسلم فمه بثوبه، أي يكره التلثُّم في الصلاة لما رُوي عن أبي هريرة أنه قال «نهى رسول الله ﷺ أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» رواه ابن ماجة. ولما رُوي عنه أيضاً «أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه» رواه ابن حِبَّان وأبو داود وابن خُزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. والسَّدل هو بمعنى اشتمال الصَّمَّاء. ويكره أن يصلي المسلم وهو يشتمل الصَّمَّاء، واشتمال الصَّمَّاء هو أن يجلل بدنه بثوب بحيث لا يرفع منه جانباً، ولا يُبقى منه ما يُخْرِج يديه منه، كأن يلقي على رأسه أو كتفيه كساءً واسعاً يلُفُّه من كل جانب وتبقى اليدان في الداخل، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن لبستين: الصَّمَّاء، وأن يحتبي الرجل بثوبه ليس على فرجه منه شئ» رواه أحمد والبخاري ومسلم.

стр. 642

وإذا صلى المسلم كُره له أن يكفَّ ثوبه فلا يتركه على حاله يسقط حيثما سقط، دون أن يرفعه أو يلملمه أو يجمعه بين رِجليه، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ «أُمرنا ألاَّ نكُفَّ شعراً ولا ثوباً ولا نتوضأ مِن مَوْطَأ» رواه مالك. قوله موطأ: أي ما يوطأ من الأذى في الطريق. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «أُمرت أن لا أكفَّ شعراً ولا ثوباً» رواه ابن ماجة. ونجد في هذين الحديثين زيادة عما قلنا بخصوص الثوب وهي كراهة كفِّ الشعر، وهذا الحكم متعلق بصاحب الشعر الطويل المسترسل، وهو قليل بين الرجال في عصرنا الحديث، فمن كان شعره طويلاً تركه على حاله من التَّهدُّل والسقوط على الأرض في أثناء السجود دون أن يعقصه أو يُردِّده. وقد نهى الرسول ﷺ عن أنواعٍ من اللباس، فعلى المصلي أن يجتنب هذه الأنواع في صلاته من باب أولى، فلا يصلي في ثوب الحرير، ولا يصلي في الثوب المغصوب، ولا يصلي في الثوب الذي دفع ثمنه من مالٍ حرام، ولا يصلي في الثياب الخاصة بالنساء فيكون متشبهاً بهن، إلى غير ذلك من أنواع اللباس. الصلاةُ بالأحذية كما تجوز الصلاة دون حذاء تجوز بالخُفَّين وتجوز بالنعلين، فعن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال «رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً ومنتعلاً» رواه ابن ماجة وأحمد. وعن سعيد الأزْدي قال «سألت أنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود ﵁ قال « ... لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي في الخفين والنعلين» رواه أحمد من حديث طويل.

стр. 643

ويُندب للمسلم أن يصلي مرة أو عدداً من المرات بالنعلين استجابةً لطلب الرسول ﷺ ، فعن شدَّاد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلُّون في نعالهم ولا خفافهم» رواه أبو داود والحاكم والبيهقي. فكون الطلب جاء مقروناً بمخالفة اليهود يجعل الطلب للندب، ويتحقق الندب بفعل ذلك مرة واحدة، ويبقى حكم الصلاة بالنعلين والخفين الجواز. وتجوز الصلاة بالنعال وبالأحذية بجميع أصنافها ومسمَّياتها، إلا أن تكون نجسة فتُطهَّر بأن تُدلك بالأرض حتى تزول عين النجاسة، فعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ «أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال لهم: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً، فإذا جاء أحدكم المسجد فلْيقلب نعليه ولْينظر فيهما، فإن رأى خَبَثَاً فلْيمسحه بالأرض، ثم لِيُصلِّ فيهما» رواه أحمد وأبو داود وابن حِبَّان والحاكم والبيهقي. ولا يجب عليه استعمال الماء في تطهير النعال. الصلاةُ على الدَّابَّة وكل مركوب

стр. 644

يجوز للمصلي أن يصلي النافلة على الدابة كالبعير والحمار والفرس، وأن يصلي على كل مركوب كالسيارة والطيارة والسفينة والقطار، فعن ابن عمر ﵄ قال «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر» رواه مسلم. وروى نافع عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجَّهت به» رواه مسلم. والراحلة: هي الناقة. وقد جاء ذلك في رواية أخرى عن نافع عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي سُبْحته حيثما توجهت به ناقته» رواه مسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال «سُئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة، فقال: كيف أُصلي في السفينة؟ فقال: صل فيها قائماً إلا أن تخاف الغَرَقَ» رواه البزَّار. ويُندب للمسلم أن يستقبل القبلة عند بدء الصلاة وتكبيرة الإحرام، ثم لا يضيره أين تتجه به راحلته أو مركوبُه بعد ذلك، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوُّعاً استقبل القبلة فكبَّر للصلاة، ثم خلَّى عن راحلته فصلى حيثما توجَّهت به» رواه أحمد. أما الصلاة المفروضة أو المكتوبة فالأصل فيها أن تُصلَّى على الأرض وليس على الدابة، فعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال «كان رسول الله ﷺ يسبِّح على الراحلة قِبَل أيِّ وجه توجَّه، ويُوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجَّهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القِبلة» رواه البخاري.

стр. 645

أما إن عجز المسلم عن الصلاة على الأرض لمطرٍ نازلٍ ووحلٍ حاصلٍ جازت الصلاة المكتوبة على الدابة وفي السيارة، ويجب في هذه الحالة استقبالُ القِبلة طيلة وقت الصلاة، فقد روى يَعْلَى بن مُرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبِلَّةُ مِن أسفلَ منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله ﷺ على راحلته فصلى بهم يُومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه» رواه أحمد والنَّسائي. أما في حالة الخوف من عدوٍ وشبهه، فلا بأس بأداء صلاة الفريضة على الدابة وعلى كل مركوب، ولْيُصلِّ المسلم كيفما اتفق له، مستقبِلاً القِبلة وغير مستقبِلٍ لها، فقد رُوي عن ابن عمر ﵄ «أنه كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك صلوا قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ » رواه البخاري. حكمُ النجاسة في الصلاة

стр. 646

يجب على المصلي اجتنابُ النجاسة العالقة بالثوب والنعل والبدن، والمكان الذي يصلي فيه، ويحرم عليه أن يصلي والنجاسةُ عالقةٌ بأيٍّ من هذه، إلا أن يصلي هكذا وهو لا يعلم حتى الفراغ من صلاته فلا بأس، ولا إثم عليه، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت «سَأَلَت امرأةٌ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أرأيتَ إحدانا إذا أصاب ثوبَها الدمُ من الحيضة كيف تصنع؟ قال: إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلْتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتُصلِّ» رواه أبو داود. وعن أبي سعيد ﵁ قال «بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ألقَوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً أو أذى، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلْينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فلْيمسحه ولْيُصلِّ فيهما» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان والحاكم والبيهقي. والحديث ظاهر فيه أنه ﵊ صلى جانباً من صلاته ونعلاه نجستان، ثم إنه خلعهما وأكمل صلاته ولم يُعِدْها ولم يقطعها. وإذا علم المصلي بوجود النجاسة في أثناء الصلاة نُظر، فإن كان يستطيع طرحها وإزالتها بعملٍ قليل كأن كانت النجاسة في نعليه أو جوربيه أو غطاء رأسه أو سترته فطرحها جاز له الاستمرار في الصلاة، أما إن كانت النجاسة في ثيابه التي لا يستطيع طرحها في أثناء الصلاة فقد وجب عليه قطع الصلاة وإزالة النجاسة، ثم يعود إلى الصلاة من جديد، هذا بالنسبة للنجاسة العالقة بالثوب والنعل.

стр. 647

أما النجاسة في البدن، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «أكثرُ عذاب القبر في البول» رواه أحمد. فالمسلم مأمور بالتَّنزُّه من البول واجتنابه في الصلاة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة. وأما نجاسة المكان، فعن أبي هريرة ﵁ قال «قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وهَريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنوباً من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا مُعسِّرين» رواه البخاري. والدلالة واضحة. وإنما اقتصرنا في الأسطر الثلاثة الأولى من هذا البحث على بيان وجوب اجتناب النجاسة العالقة في الثوب والنعل والبدن والمكان، وحرمة الصلاة بوجودها في هذه المواطن الأربعة، ولم نزد على ذلك بأن اشترطنا ذلك لصحة الصلاة، خلافاً لمن قال بأن طهارة الثوب والنعل والبدن والمكان شرط لصحة الصلاة، إذ لم يَرد أي دليل يدل على الشرطية فيبقى الأمر على الوجوب فحسب، وتبقى الصلاة بالنجاسة صحيحة مع الإثم. الفصلُ الخامس القِبْلةُ والسُّتْرة استقبال القِبلة في الصلاة إن مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن يستقبل المسلمون القِبلة في صلواتهم، والقبلة للمسلمين كانت المسجد الأقصى في بيت المقدس قُرابة السنة والنصف أولاً، ثم صارت قِبلتهم الكعبة في مكة المكرمة وستستمرُّ إلى آخر الدهر، فعن البراء قال «صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم صُرِفنا نحو الكعبة» رواه مسلم. ورواه أحمد والنَّسائي والترمذي وابن ماجة باختلاف في الألفاظ. وعن ابن عباس ﵄ قال «صلى رسول الله ﷺ وأصحابه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صُرفت القِبلة» رواه أحمد والبيهقي والبزَّار والطبراني.

стр. 648

وقد كان رسول الله ﷺ وهو يصلي إلى بيت المقدس يتوق إلى بلده مكة، وتهفو نفسه الكريمة إلى التحُّول إليها في الصلاة، فنزل قوله تعالى محققاً رغبته ﴿قَدْ نَرَى تقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرْضَاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامِ وحيْثُمَا كَنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ وإنَّ الذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُوْنَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ومَا اللهُ بغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون﴾ الآية ١٤٤ من سورة البقرة. وعن البراء بن عازب قال «كان رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله: قد نرى تَقَلُّبَ وجهِك في السماء، فتوجَّه نحو الكعبة ... » رواه البخاري.

стр. 649

واستقبال القبلة واجب لا شك فيه لا يجوز تركه وإهماله، ولكن لا يوجد في النصوص أي دليل على الشرطية لاستقبال القِبْلة، بمعنى أن استقبال القبلة ليس شرطاً لصحة الصلاة وقبولها، وإنما هو واجب فقط، فمن صلى إلى غير القِبْلة عمداً دون عذر أثم ولكن صلاته مقبولة. ذلك أن كل ما ورد بخصوص الاستقبال لا يتعدى الأمر والطلب الجازم، ومجرد الأمر الجازم لا يفيد الشرطية، فما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «استقبل القِبْلة وكبِّر» رواه البخاري. هو مجرد أمر، وقوله تعالى ﴿فوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامِ وحيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ هو مجرد أمر، وما رواه ابن عمر ﵄ «بينما الناس في الصبح بقُباء، جاءهم رجل فقال: إن رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وأُمر أن يَستقبل القِبْلة، ألاَ فاستقبلوها، وكان وجهُ الناس إلى الشام فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة ... » رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. هو أيضاً مجرد أمر، ولا يصلح أن يكون شرطاً. واستقبال القبلة واجب إلا في الحالات التالية: أ- حالة العجز وعدم القدرة على الاستقبال، مثل أن يمنعه مرض من التحرك فيُصلِّي على حاله، ومثل أن يُجرح في معركةٍ فتثبته جراحُه في وضع لا يكون فيه متجهاً نحو الكعبة، ومثل أن يقيِّده آخرون لأي سبب من الأسباب إلى شجرة أو عمود في غير اتجاه القِبلة، ففي هذه الحالات يصلي دون استقبالٍ للقِبلة، فالله سبحانه يقول ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسَاً إلا وُسْعَها ... ﴾ الآية ٢٨٦ من سورة البقرة. والرسول ﷺ يقول: « ... فإذا أمرتكم بشئ فأْتوا منه ما استطعتم ... » رواه مسلم من طريق أبي هريرة ﵁.

стр. 650

ب - حالة شدة الخوف من عدو، فقد روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا سُئل عن صلاة الخوف قال « ... فإن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو رُكباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال مالك قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن الرسول ﷺ » رواه البخاري. ج- صلاة التطوع على الدابة وعلى كلِّ مركوب، فعن ابن عمر ﵄ «أن النبيَّ ﷺ كان يصلي على راحلته حيث توجَّهت به» رواه مسلم وأحمد. وقد جاء ذِكر التطوُّع صريحاً في رواية أخرى من طريق أبي سعيد الخدري وابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ كان يصلي على راحلته في التطوُّع حيثما توجَّهت به يومئ إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع» رواه أحمد ومسلم. وكذلك من طريق أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي على ناقته تطوُّعاً في السفر لغير القِبلة» رواه أحمد. وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ يصلي على ظهر راحلته النوافل في كلِّ جهة» رواه أحمد والبخاري ومسلم. وعن جابر قال «كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجَّهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القِبلة» رواه البخاري. ورواه الدارمي والبيهقي وابن حِبَّان بلفظ «إن رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القِبلة» .

стр. 651

ففي هذه الحالات الثلاث يجوز ترك استقبال القبلة والتوجُّه في الصلاة إلى أية جهة من الجهات، وأما في غير ذلك فيتوجب على المسلم أن يتحرى استقبال القِبلة ويتوجَّه في صلاته إليها، ولا يضيره بعد التحري أن يخطئ في تحديد الاتجاه الصحيح فيصلي إلى غير القِبلة، كأن يكون مسافراً ولا يعرف الجهات، أو يكون اليوم غائماً يصعب على المرء فيه تحديد الاتجاه، فيصلِّي حيث يغلب على ظنه أنه الاتجاه نحو الكعبة، ولا إعادة عليه إن تبين له خطؤه بعد أداء صلاته سواء كان ذلك قبل خروج الوقت أو بعد خروجه، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال «صلينا مع رسول الله ﷺ في يوم غيم في سفرٍ إلى غير القِبْلة، فلما قضى الصلاة وسلَّم تجلَّت الشمس فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القِبلة، فقال: قد رُفعت صلاتُكم بحقِّها إلى الله » رواه الطبراني. وأصرح من ذلك ما رُوي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال «صلينا ليلة في غيم، وخفيت علينا القِبلة وعلَّمنا عَلَماً، فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: قد أحسنتم ولم يأمرنا أن نعيد» رواه البيهقي. التَّوجُّهُ إلى جهة الكعبة وليس إلى عينها

стр. 652

لا يجب على المسلم أن يتَّجه إلى عين الكعبة أو مكانها بالذات إلا على المسلم الموجود في المسجد الحرام، أو في بقعة من مكة المكرمة يرى منها بناء الكعبة، ففي هذه الحالة يتوجب عليه أن يتجه إلى عين الكعبة، ولا يجْزئ التوجُّه إلى الجهة الموجودة فيها، لأن الكعبة هي القِبلة وليست جهتها ولا ناحيتها، وأما مَن كان في مكة ولا يرى الكعبة ولكنه يرى المسجد الحرام أو جانباً منه، فإنه يتوجَّه نحو المسجد الحرام ويكفيه ذلك، وأما مَن كان خارج مكة قريباً منها فإنه يتحرى استقبال مكة، وهكذا كلما بعدت المسافة قلَّ التَّشدُّد في تحرِّي العين ليُصبح تحرِّياً للجهة والناحية فحسب، فمثلاً يجب على البعيد عن مكة بمِثل بُعْد أهل المدينة عنها الاتجاه نحو جهة موسَّعة تمتد من أقصى يمينه إلى أقصى يساره، فأهل المدينة قِبلتُهم ممتدَّة ما بين المشرق والمغرب، المشرق عن اليسار والمغرب عن اليمين، وهذه قِبلةُ جميع البلدان الواقعة خلف المدينة إلى الشمال منها، وتشمل بلاد الشام والعراق وتركيا وأوروبا الشرقية، وإلى هذه القِبلة أشار الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «ما بين المشرق والمغرب قِبلة» رواه البخاري. قال ابن عمر ﵁ «إذا جعلتَ المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قِبلة إذا استقبلت القِبلة» رواه الترمذي. وبالعكس من ذلك أهلُ اليمن والقَرْن الإفريقي فإن قِبلتهم تقع ما بين المشرق والمغرب، ولكن المشرق يكون عن يمينهم والمغرب عن يسارهم. أما أهل المشرق كنجد وجنوبي إيران وبلاد الهند فإن قِبلتهم تقع ما بين الشمال والجنوب، الشمال عن يمينهم والجنوب عن يسارهم، وبالعكس من ذلك بلاد وسط إفريقيا وما حاذاها فإن قِبلتهم تقع ما بين الشمال والجنوب، الشمال عن يسارهم والجنوب عن يمينهم.

стр. 653

أما مَن كانوا في الزوايا كمصر وعُمان وبلاد تُركستان وأواسط السودان فإن عليهم أن ينحرفوا في الاتجاه بقدر انحراف الزوايا. فالأمر متَّسع لا ينبغي أن يشق على الناس بوجوب تحرِّي عين الكعبة، أو حتى عين مكة المكرمة، بل تكفي معرفة الوجهة الموسَّعة، وهذا لا يعني أن لا يُتَحرى عن عين القِبلة لتحديد قِبلة المساجد، خاصة وأنه قد صُنِعت بوصلات تحدد الاتجاه بدقَّة، فمَن ملك هذه البوصلات استطاع أن يتجه نحو مكة بدقة، وفي هذه الحالة لا يجوز له أن يخالف الاتجاه الدقيق بحجة أن ما بين المشرق والمغرب قِبلة، إذ أن مَن مَلَك القدرة على التحديد الدقيق لا يجوز له أن ينحرف يمنة أو يسرة، تماماً كمَن يقطن مكة فإنه لا يجوز له شرعاً أن ينحرف عن الكعبة أو عن المسجد الحرام يمنة أو يسرة، وبمعنى آخر فإنَّ مَن ملك بوصلةً تحدِّد القِبلة بدقةٍ فإن الحكم في حقِّه يصبح وجوبَ الاتجاه نحو مكة بالتحديد، ولا يعود الأمر بالنسبة إليه متَّسعاً. السُّترةُ للمصلي ونعني بالسُّترة ما يضعه المصلي أمامه من عصا أو خشبة أو إناء أو غير ذلك بقصد تحديد مكان صلاته، فلا يشاركه فيه أحد حتى يتمكن من أداء الصلاة باطمئنان دون أن يمر منه إنسان أو حيوان يقطع عليه صلاته أو يشوش الصلاة عليه.

стр. 654

واتخاذ السترة في الصلاة مندوب، فعن سبرة بن معبد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم فلْيستترْ لصلاته ولو بسهم» رواه أحمد والحاكم. وعن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحَرْبة فتُوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِنْ ثمَّ اتخذها الأمراء» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يصلي إلى راحلته» رواه مسلم وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والدارمي. ورواه أبو داود بلفظ «إن النبي ﷺ كان يصلي إلى بعيره» . وهو شرحٌ للرواية الأولى. ويتحصل من هذه الأحاديث الثلاثة أن الرسول ﷺ كان يتخذ السُّترة وكان يأمر باتخاذها، مما يجعل اتخاذ السُّترة مندوباً وليس مباحاً. أما أنه مندوب وليس واجباً فلِما روى ابن عباس «أن رسول الله ﷺ صلى في فضاء ليس بين يديه شئ» رواه أحمد. أما أين يضع المصلي سُترته؟ فإن الأَوْلى أن يضعها أمامه إلى اليمين أو إلى اليسار، ولا يضعها قُبالته، فعن المقداد بن الأسود ﵁ قال «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى إلى عمود ولا عود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صمْداً» رواه أحمد.

стр. 655

ويسن له أن يدنو من سُترته فلا يُقصيها عنه أكثر من حاجته إلى السجود، لأن العبرة باتخاذ السُّترة هي التمكن من الصلاة في الموضع المحدد، فلا حاجة به لجعل الموضع واسعاً بحيث يتعدى مقدار الحاجة، فعن سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم إلى سُترة فلْيَدْنُ منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته» رواه النَّسائي وابن حِبَّان. ورواه الحاكم وابن خُزَيمة بلفظ «إذا صلى أحدكم فلْيُصلِّ إلى سُترة وليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» . والشيطان هنا كلُّ من يمرُّ بين يدي المصلي من إنسان أو حيوان في موضع صلاته، وسيأتي مزيد بيان بعد قليل. والاعتدال في المسافة أن لا يزيد بُعدُ السُّترة عن موضع قدميه عن ثلاثة أذرع أو مترين اثنين، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال « ... ثم صلى - أي النبي ﷺ - وجعل بينه وبين الجدار نحواً من ثلاثة أذرع» رواه النَّسائي. ورواه أحمد بلفظ «ثم صلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع» . ولو أنه جعل المسافة إلى النصف من ذلك لأصاب السنَّة أيضاً، فعن سهل بن سعد الساعدي قال «كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجِدار ممرُّ الشاة» رواه مسلم والبخاري وابن حِبَّان. فقد جعل الرسول ﷺ الجدار سُترة له، وابتعد عنه مسافة ما تحتاجها الشاة للمرور، وهذه المسافة لا تتعدى المتر الواحد. سُترةُ الإِمام

стр. 656

إذا صلى جماعةٌ صلاة جماعة واتخذ الإمام سُترة له كانت سُترةً لجميع المؤتمين به لا يلزمهم سواها، فإن حافظ الإمام على موضع صلاته فلم يسمح لإنسان ولا لحيوان أن يمر بينه وبين سُترته فقد كفى الجماعة الفعل، وليس عليهم أن يفعلوا شيئاً بعدئذٍ، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال «هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثَنِيَّةِ أَذاخِر، فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدار - فاتخذه قِبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدارِئُها حتى لصق بطنه بالجدار ومرَّت مِن ورائه، أو كما قال مسدِّد» رواه أبو داود. وعن ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يصلي، فمرت شاة بين يديه، فساعاها إلى القِبلة حتى ألزق بطنه بالقِبلة» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان والحاكم بسند صحيح. وثنيَّة أذاخِر: موضع بين مكة والمدينة. وقوله يُدارئُها: أي يدافعها ويحول بينها وبين المرور. وعن ابن عباس ﵁ قال «جئت أنا والفضل ونحن على أتَانٍ، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها وتركناها ترتع ودخلنا في الصف، فلم يقُل لي رسول الله ﷺ شيئاً» رواه أحمد والبخاري. والأتان: هي أُنثى الحمير. دلَّ الحديث الأول والحديث الثاني على أن دفع الإمام للمارِّ بين يديه واجب عليه عند اتخاذ السُّترة، ودل الحديث الثالث على أنه لا يضير المأمومين مرورُ الإنسان أو الحيوان بين أيديهم، وأنَّ دفع المارَّةِ من أمامهم ليس واجباً عليهم، ففي هذا الحديث «فمررنا على بعض الصف» ما يدل على ما ذهبنا إليه.

стр. 657

وغنيٌّ عن البيان أن المرور من خلف السُّترة لا شئ فيه للمارِّ ولا للمصلي، ولا يُتَّخَذُ حيالَه أيُّ تصرف، وإلا لانتفت الحاجة إلى اتخاذ السُّترة، فعن أبي جُحيفة ﵁ «أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عَنَزةٌ الظهرَ ركعتين والعصرَ ركعتين يمرُّ بين يديه المرأة والحمار» رواه البخاري. والعَنَزة: هي عصا في طرفها حديدة تُنْصَب كسُترةٍ. وقد أشكل على عدد من الفقهاء حديث أبي جُحيفة هذا، وظنوا أن مرور المرأة والحمار إنما كان بين الرسول ﷺ وبين سُترته، أي هم ظنوا أن المرور قد حصل من أمام السترة وليس من ورائها، مما جعلهم يستدلون بهذا الحديث على أن مرور المرأة والحمار من أمام المصلي لا يقطع الصلاة، والصحيح هو أن مرور المرأة والحمار في هذا الحديث حصل من وراء السترة وليس من أمامها، وأن قول الحديث «يمر بين يديه المرأة والحمار» لا يعني ما فهموه منه، لدلالة رواية أخرى من طريق أبي جُحيفة نفسه عند ابنِ حبان والنَّسائي «أن رسول الله ﷺ خرج في حُلَّةٍ حمراءَ فرُكزت عَنَزَةٌ، فصلى إليها يمرُّ من ورائها الكلب والمرأة والحمار» . ولرواية من طريقه أيضاً عند مسلم وأبي داود «خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضأ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عَنَزَةٌ، وكان يمرُّ من ورائها المرأة والحمار» . فقد صرحت هاتان الروايتان بأن المرور كان يحصل من وراء السُّترة وليس من أمامها. دفعُ المارّ عند اتخاذ السُّترة

стр. 658

إن لم يكن للمصلي سُترة فلا يجب عليه دفع المارِّ بين يديه، وكذلك لا يجب عليه دفع المار إنْ هو اتَّخذ سُترة فمرَّ من ورائها، لما رُوي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وَضع أحدُكم بين يديه مثل مُؤخَّرةِ الرَّحْل فليصلِّ، ولا يبالِ مَن مرَّ وراء ذلك» رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن حِبَّان. قوله مؤخَّرة الرحل: أي العود الذي يكون في آخر الرَّحْل أي السرج يستند إليه الراكب. أما إنْ هو اتخذ السُّترة ومرَّ أحدٌ دونها فإنَّ الواجب عليه دفعُه ولو أدى إلى قتاله، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَعُ أحداً يمرُّ بين يديه ولْيَدْرأه ما استطاع، فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان» رواه مسلم. ورواه البخاري بلفظ «إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فلْيدفَعْه، فإن أبى فلْيقاتلْه فإنما هو شيطان» فقد قيَّد الحديثُ الثاني دفعَ المار باتخاذ السُّترة.

стр. 659

وفي المقابل فإن مرور المار من أمام السُّترة حرام على المارِّ سواء كان ذلك في صلاة الفريضة أو صلاة النافلة، في صلاة الجماعة أو صلاة المنفرد، فعن أبي جُهَيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أنْ يقف أربعين خيرٌ له مِن أنْ يمرَّ بين يديه، قال أبو النضر: لا أدري قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة» رواه البخاري ومسلم. وفي هذا دلالة قوية على حُرمة المرور، ودلالة على مطلق الصلاة دون تقييد، وعن يزيد بن نمران قال «لقيت رجلاً مُقْعَداً بتبوك فسألته فقال: مررتُ بين يدي رسول الله ﷺ على أتانٍ أو حمارٍ فقال: قطع علينا صلاتنا قطع الله أثره، فأُقعِد» رواه أحمد. ورواه أبو داود من طريق سعيد بن غزوان عن أبيه باختلاف في اللفظ. فلولا أن مرور الرجل هذا - وهو على حماره - بين يدي رسول الله ﷺ -وهو يصلي هو فعلٌ محرَّم لما دعا عليه الرسول ﷺ هذا الدعاء الشديد الذي سبَّب له الشلل.

стр. 660

أما في المسجد الحرام فإن المرور بين أيدي المصلين جائز، فالمسلم فيه يستطيع أن يصلي إلى الكعبة والطائفون يمرون بين يديه ذكوراً وإناثاً كباراً وصغاراً دون إثم من الطائفين ودون إثم من المصلين بترك دفعهم، وإن الله لأرحم بعباده من أن يضيِّق على المسلمين في أثناء عباداتهم في بيته الحرام لاختلاطهم فيه وشدة الزحام، ولولا ذلك لتعذَّر على الناس الصلاة في صحن المسجد الحرام حيث الطائفون لا ينقطعون عن الطَّواف ليلاً ونهاراً، فعن كثير بن كثير عن أبيه عن جده قال «رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد» رواه النَّسائي وابن حِبَّان والطحاوي. ورواه ابن ماجة وقال (هذا بمكة خاصة) . ورواه البخاري في كتابه التاريخ بلفظ «رأيت النبي ﷺ يصلي في حاشيته (يعني حاشية الطواف) والناس يمرون بين يديه» . ورواه عبد الرزاق بلفظ «رأيت النبي ﷺ يصلي في المسجد الحرام والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القِبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سُترة» . والدلالة واضحة. ما يقطعُ الصلاةَ بمروره

стр. 661

يقطع الصلاة مرور المرأة الحائض - أي مَن بلغت المحيض - والكلب الأسود، والحمار، بين يدي المصلي إن لم يكن قد اتخذ سُترة له، أو اتخذ سُترة وكان المرور بينه وبين سُترته. وإنما قلنا المرأة الحائض تمييزاً لها عن الصغيرة دون البلوغ، لأن الصغيرة لا تقطع الصلاة بحال، ولا نعني بالحائض مَن كانت في حالة الحيض في أثناء المرور كما توهَّم بعض الفقهاء. وقلنا إن الكلب الأسود يقطع الصلاة تمييزاً له عن الكلاب ذوات الألوان الأخرى، فالكلب الأبيض والكلب الأحمر والكلب الأصفر لا تقطع الصلاة. وأما الحمار فيقطع الصلاة عموماً، ذكراً كان أو أنثى، فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخِرة الرَّحْل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخِرةِ الرَّحْل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان» رواه مسلم. ورواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ. قوله آخِرَةِ الرحل - وفي بعض الروايات مؤخرة الرحل - يعني العود الذي يكون في آخر السرج الذي يوضع على ظهر الجمل من أجل الركوب يستند إليه الراكب، وقد مرَّ قبل قليل. وقوله إن الكلب الأسود شيطان لا يعني أنه من الجن، وإنما يعني أنه يتصف بالشر كما يتصف الشيطان بالشر، وقد ورد في الحديث ذكرُ الشيطان وصفاً لمرتكب الشرور، دون أن يعنيَ ذلك أنه من الشياطين على الحقيقة، فعن أبي سعيد الخدري قال «بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعَرْج إذ عَرَضَ شاعرٌ ينْشد، فقال رسول الله ﷺ : خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأَن يمْتَلِئَ جوفُ رجلٍ قيحاً خيرٌ لهُ من أن يمْتَلِئَ شِعراً» رواه مسلم وأحمد.

стр. 662

قوله - بالعرج - هي قريةٌ على نحوِ ثمانيةٍ وسبعينِ ميلاً من المدينة. فذاكَ النص الذي رواه مسلم وغيره من طريق أبي ذر يفيد أن مرور هؤلاء الثلاثة أمام المصلي الذي لا يتخذ سُترة يقطع الصلاة عليه. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال «يقطع الصلاةَ المرأةُ الحائض والكلبُ» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان. ورواه ابن ماجة بلفظ «يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض» . فهذا الحديث خصَّ الحائض من الإناث بالقطع فيخرج منه غير الحائض، أي الصغيرة. وعن موسى بن طلحة عن أبيه قال «كنا نصلي والدواب تمرُّ بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: مثلُ مؤخرة الرَّحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مرَّ بين يديه، وقال ابن نمير فلا يضرُّه مَن مرَّ بين يديه» رواه مسلم وأحمد وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان. ومفهوم هذا الحديث أن مَن مرَّ مِن أمام السُّترة من هؤلاء الثلاثة قطع الصلاة، وأما إن مروا من خلف السُّترة فإنهم لا يقطعونها. وقد ذهب عدد من الفقهاء والأئمة إلى أن هؤلاء الثلاثة لا يقطعون الصلاة مستدلين بجملة من الأحاديث، نذكر منها ما يلي: أ - عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول عن أنس «إن رسول الله ﷺ صلى بالناس، فمرَّ بين أيديهم حمار، فقال عيّاش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال: مَن المُسبِّح آنفاً سبحان الله؟ قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة، قال: لا يقطع الصلاة شئ» رواه الدارقطني. ب - عن إبراهيم بن يزيد حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه - عبد الله بن عمر - «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر قالوا: لا يقطع صلاة المسلم شئ وادرأ ما استطعت» رواه الدارقطني، ورواه مالك موقوفاً على عبد الله بن عمر.

стр. 663

ج - عن عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أُمامة عن النبي ﷺ قال «لا يقطع الصلاة شئ» رواه الدارقطني والطبراني في المعجم الكبير. د - عن مُجالد - بن سعيد الهمذاني - عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ «لا يقطع الصلاة شئ وادرؤا ما استطعتم فإنما هو شيطان» رواه أبو داود والدارقطني وابن أبي شيبة. هـ - عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل بن عباس قال «أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا ومعه عباس، فصلى في صحراء ليس بين يديه سُترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى ذلك» رواه أبو داود والنسائي، ورواه الطحاوي بمعناه. و عن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «لا تَقطع صلاةَ المرء امرأةٌ ولا كلبٌ ولا حمارٌ، وادرأ من بين يديك ما استطعت» رواه الدارقطني. فنقول لهؤلاء إن جميع الأحاديث التي تنص على أن الصلاة لا يقطعها شئ لم تثبت ولم تخرج عن دائرة الضعف والضعف الشديد، وهذه الأحاديث الستة أبرزها، وهي لا تقوى مطلقاً على مناهضة أحاديثنا الصحيحة والحسنة، فتترك ولا يلتفت إليها، لأن الحديث الأول فيه صخر بن عبد الله، قال ابن عدي: يحدِّث عن الثقات بالأباطيل، عامة ما يرويه منكراً من موضوعاته. وقال ابن حِبان: لا يحلُّ الرواية عنه. وقد ضعَّف ابن حجر هذا الحديث. والحديث الثاني فيه إبراهيم بن يزيد، قال أحمد والنسائي: متروك. وقال يحيى بن معين: ليس بشئ. والحديث الثالث فيه عُفير بن معدان، قال أحمد: ضعيف منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. ومثله قال أبو حاتم الرازي.

стр. 664

والحديث الرابع فيه مُجالد بن سعيد ضعَّفه الدارقطني راوي الحديث نفسه، كما ضعفه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وابن أبي حاتم وابن سعد. وقال يحيى بن معين: لا يحتج به. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئاً. والحديث الخامس فيه انقطاع بين عباس بن عبيد الله وبين عمه الفضل بن العباس، لأن عباس بن عبيد الله لم يدرك عمه، فهو حديث منقطع. والحديث السادس رواه ابن أبي فروة، وهو متروك قاله أبو الطيب محمد آبادي. هذا إضافة إلى أن أبا هريرة راوي هذا الحديث قد روى عنه مسلم وأحمد وابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» أي عكس ما جاء في هذا الحديث. من هذا الاستعراض يتبين بوضوح تام أن جميع هذه الأحاديث ضعيفة أو واهية، وهي ما استند إليه القائلون إن الصلاة لا يقطعها شئ، فوجب طرحها وعدم الاحتجاج بها لا سيما وأنها جاءت متناقضة مع أحاديثنا الصحيحة والحسنة، وبذلك يثبت الرأي القائل إن المرأة الحائض، أي من بلغت، والكلب الأسود والحمار تقطع الصلاة.

стр. 665

أما عن حقيقة قطع هؤلاء الثلاثة للصلاة، فقد اختلف الفقهاء في تحديد معنى القطع، فمنهم من فسَّر القطع بإبطال الصلاة ووجوب إعادتها عند مرور هؤلاء، ومنهم من فسَّر القطع بإلحاق النقص في الصلاة دون الإبطال وهم أصحاب الرأي الراجح. فاللغة العربية كما تفيد المعنى الأول فأنها تفيد المعنى الثاني أيضاً، فالله سبحانه يقول في سورة يوسف ﴿ ... فلمَّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ... ﴾ الآية ٣١. فهنا لفظة (قطَّعن) لا تفيد البتر وإنما تفيد الجرح فحسب، فالقطع كما يفيد البتر ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فإنه يفيد إلحاق النقص أو الجَرْح ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ فلا بد من قرينة تحدِّد أياً من هذين المعنيين لقطع الصلاة بمرور هؤلاء الثلاثة. وقد وجدت حديثاً رواه يزيد بن نمران مرَّ في بحث [دفع المار عند اتخاذ السترة] يشكِّل القرينة على أن القطع هنا يعني النقص فحسب ولا يعني الإبطال، وهو قول الرسول ﷺ «قطع علينا صلاتنا قطع الله أثره» . ففي هذا الحديث لم يُتْبع الرسول ﷺ هذا القول الأمرَ منه لأصحابه بإعادة الصلاة المقطوعة، وإنما سكت الحديث عن الأمر مما يدل على أن القطع لا يتعدى النقص، وإلا لصدر الأمر النبوي بالإعادة، فلما لم يصدر الأمر بالإعادة دل على أن المعنى المراد من القطع هو النقص فحسب، فهذا الحديث يصلح قرينة تصرف القطع عن معنى البتر إلى معنى النقص، ولا يصرفنا عن هذا الفهم ما رواه ابن حبان من طريق ابن خزيمة عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال «تعاد الصلاة من مَمَرِّ الحمار والمرأة والكلب الأسود، قلت: ما بال الأسود من الأصفر من الأحمر؟ فقال: فسألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان» . فقد جاء في الحديث لفظة (تعاد الصلاة) مما يعني الإبطال والبتر، وينفي بالتالي معنى النقص فحسب.

стр. 666

فنقول ما يلي: إن هذا الحديث مداره على هشام - بن حسان - الذي رواه عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر. وبالرجوع إلى صحيح ابن خزيمة نجد لهذا الحديث عدة طرق عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر وجميع هذه الطرق باستثناء طريق هشام بن حسان تذكر لفظة (يقطع الصلاة) وهي اللفظة نفسها التي وردت في رواية مسلم المارة قبل قليل، ومن الرواة الذين رووا هذا الحديث بلفظة (يقطع الصلاة) عن حميد بن هلال أحمد بن منيع وسهل بن أسلم وسالم بن الزناد، فهولاء الثلاثة وآخرون غيرهم قد رووا عن حميد بن هلال لفظة (يقطع الصلاة) ولم يَروِ لفظة (تعاد الصلاة) إلا هشام بن حسان عن حميد بن هلال، ولا شك في أننا مضطرون لأخذ رواية الكثيرين المعتضدة برواية مسلم القائلة بالقطع، ورد روايةٍ غريبةٍ انفرد بها هشام بن حسان تقول بالإعادة، لأن الروايات كلها إنما هي رواية واحدة تذكر واقعة واحدة ولا بد ولا مندوحة عن ترجيح إحدى الروايات على غيرها. وبالترجيح نعتمد رواية مسلم والكثيرين من الرواة التي فيها لفظة (يقطع الصلاة) ونرد رواية غريبة من طريق هشام وحده بلفظة (تعاد الصلاة) وبذلك يثبت فهمنا من أن القطع الوارد في الأحاديث يعني إلحاق النقص فحسب. وهذا المعنى هو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم من القطع الوارد في الأحاديث، فقد رُوي أن عمر ﵁ قال «لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلا إلى شئ يستره من الناس» رواه أبو نعيم. ورُوي أن عبد الله بن مسعود قال «إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته» رواه ابن أبي شيبة. الصلاةُ إلى نائم أو بهيمة

стр. 667

يجوز أن يكون في قِبلة المصلي نائمٌ ذكراً كان أو أُنثى، أو دابة، بل يجوز له أنْ يَتَّخذَ هؤلاء سُترةً له، وهذا القول لا يتنافى مع القول بحُرمة مرور المرأة وقطعها للصلاة، وحُرمة مرور الذكر أيضاً، ذلك أن الحرام مرور الرجل ومرور المرأة، أما نومهما أمام المصلي واعتراضهما القِبلة فلا شئ فيه لأنه أمر آخر، فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ «أنه كان يعرِّض راحلته فيصلي إليها ... » رواه البخاري. وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «لقد كان رسول الله ﷺ يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضةٌ بينه وبين القِبلة على فراش أهله» رواه البخاري. وعنها ﵂ قالت «والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القِبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس، فأُوذي رسول الله ﷺ ، فأنسلَّ من عند رجليه» رواه مسلم. ففي هاتين الروايتين الصحيحتين كانت عائشة معترضة وهي مضطجعة، فصلى إليها الرسول ﷺ ، مما يدل على جواز ذلك، ومغايرةِ ذلك للمرور الذي ورد النهي عنه، وأنه يقطع الصلاة. فمرور المرأة بين يدي المصلي يقطع عليه صلاته، أما صلاته إليها وهي نائمة أو مستلقية فجائز. وغنيٌّ عن البيان أن الصلاة إلى المرأة النائمة إنما تحصل عندما تكون المرأة من الأرحام المحرمين دون النساء الأجنبيات لما لذلك من الفتنة وانشغال ذهن المصلي، وكلاهما ورد النهي عنه.

стр. 668

بقيت مسألةُ قيامِ المصلي بالصلاة على سجادة صغيرة قدر ما يحتاجه المصلي لصلاته، ويسمونها سجادة الصلاة. فهذه السجادة جرى العرف أن يقف المصلي على طرفها ويسجد على طرفها الآخر، ففي هذه الحالة أرى أن مَن يصلي على هذه السجادة لا يحتاج إلى اتخاذ سُترة له، ذلك أن طرف السجادة الذي يسجد عليه هو نهاية موضع سجوده، ولا يضيره مرور أي إنسان أو حيوان خلف سجادته، فالسجادة هذه تأخذ حكم الموضع الذي له سُترة، ويصبح المحرَّم على الناس أن يمروا من فوق السجادة، لأنهم يكونون بذلك قد مروا بين المصلي وبين سترته، أما إن هم مرُّوا بعد طرف السجادة فلا شئ في ذلك على المار والمصلي، فلا يأثم المار، ولا يجب على المصلي دفعه. الفصلُ السادس صفةُ الصلاة حكمُ تكبيرة الإحرام تكبيرة الإحرام هي تكبيرة الصلاة الأولى وهي افتتاحية الصلاة، وقد سميت بهذا الاسم لأن المسلم إن نطق بها حرِّم عليه ما كان حلالاً عليه قبلها من أعمال وأقوال، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أحمد. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين» رواه أحمد. وللتكبير صيغة واحدة لا غير هي [الله أكبر] لا يجوز غيرها مطلقاً مهما كان مقدار التغيير، فلا يجوز أن يقول المصلي مثلاً [الله الأكبر] أو [الله كبير] أو [الله هو الأكبر] فضلاً عن أن يستبدل بها غيرها من تحميد أو تسبيح أو تهليل، بل لا بد من الاقتصار على [الله أكبر] ، وقد نُقلت هذه الصيغة بالتواتر، فلا مجال للاجتهاد فيها وإجراء تعديل عليها أو تغييرها.

стр. 669

وتكبيرة الإحرام فرض وركن لا بد من الإتيان بها، ولا تُقبل صلاةٌ بدونها، فمن قالها دخل في الصلاة، ومن لم يقلها لم يدخل في الصلاة مهما قال أو فعل، فهي افتتاحية الصلاة، فقد روى علي بن يحيى بن خلاَّد عن عمه ... قال النبي ﷺ «إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء، ثم يكبِّر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً، ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثم يرفع رأسه فيكبِّر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» رواه أبو داود. قوله يضع الوضوء: أي يضعه مواضعه، يريد بذلك إسباغ الوضوء. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» رواه البيهقي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... إذا قُمتَ إلى الصلاة فأَسْبغ الوضوء، ثم استقبل القِبلة فكبِّر» رواه مسلم. فقد دلَّت هذه النصوص الثلاثة على أن الصيغة هي [الله أكبر] وعلى أن التكبير لا تتم الصلاة بدونه، فلا صلاة لمن لم يكبر، ولا صلاة لمن لم يقل [الله أكبر] . رفعُ اليدين في الصلاة يُشرع للمسلم أن يرفع يديه الاثنتين عند افتتاح الصلاة بالتكبيرة الأولى - تكبيرةِ الإحرام - كما يُشرع له رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأوسط، أي عند القيام من الركعتين، ولا يُشرع في غير هذه المواطن الأربعة، فلا يُشرع بين السجدتين، ولا عند القيام من الركعة الأولى، أو القيام من الركعة الثالثة.

стр. 670

ورفع اليدين سُنَّة مشتركة بين الرجال والنساء، لأنه لم يرد دليل على التفرقة بينهما. روى البخاري عن ابن عمر ﵁ «كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ » . فمن أراد اتِّباع السُّنة فالسُّنة رفعُ اليدين في هذه المواطن الأربعة، ورفع اليدين في الموطن الأول آكد، ولكنه يبقى سُنة غير واجب. أما ما رُوي عن علقمة أنه قال: قال ابن مسعود ﵁ «ألا أصلِّي لكم صلاةَ رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرَّة» رواه أحمد. ورواه الطَّحاوي بلفظ «عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود» . فهو حديث ضعيف ضعَّفه أحمد والبخاري وأبو داود. وأما ما رُوي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال «كان النبي ﷺ إذا كبَّر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريباً من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود» رواه الطَّحاوي وأبو داود. فقد رواه أحمد والدارقطني بدون زيادة «ثم لا يعود» . وصوَّب الدارقطني ذلك وقال (إن هذه الزيادة مُدْرَجَةٌ مِن قول يزيد بن أبي زياد، وكان قد اختلط، وقد اتفق الحفاظ على أن الزيادة مُدْرَجَةٌ من قول يزيد) . فالحديثان لا يصلحان للاستدلال.
следующие страницы →