← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فنقول ما يلي: إن هذا الحديث مداره على هشام - بن حسان - الذي رواه عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر. وبالرجوع إلى صحيح ابن خزيمة نجد لهذا الحديث عدة طرق عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر وجميع هذه الطرق باستثناء طريق هشام بن حسان تذكر لفظة (يقطع الصلاة) وهي اللفظة نفسها التي وردت في رواية مسلم المارة قبل قليل، ومن الرواة الذين رووا هذا الحديث بلفظة (يقطع الصلاة) عن حميد بن هلال أحمد بن منيع وسهل بن أسلم وسالم بن الزناد، فهولاء الثلاثة وآخرون غيرهم قد رووا عن حميد بن هلال لفظة (يقطع الصلاة) ولم يَروِ لفظة (تعاد الصلاة) إلا هشام بن حسان عن حميد بن هلال، ولا شك في أننا مضطرون لأخذ رواية الكثيرين المعتضدة برواية مسلم القائلة بالقطع، ورد روايةٍ غريبةٍ انفرد بها هشام بن حسان تقول بالإعادة، لأن الروايات كلها إنما هي رواية واحدة تذكر واقعة واحدة ولا بد ولا مندوحة عن ترجيح إحدى الروايات على غيرها. وبالترجيح نعتمد رواية مسلم والكثيرين من الرواة التي فيها لفظة (يقطع الصلاة) ونرد رواية غريبة من طريق هشام وحده بلفظة (تعاد الصلاة) وبذلك يثبت فهمنا من أن القطع الوارد في الأحاديث يعني إلحاق النقص فحسب. وهذا المعنى هو ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم من القطع الوارد في الأحاديث، فقد رُوي أن عمر ﵁ قال «لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلا إلى شئ يستره من الناس» رواه أبو نعيم. ورُوي أن عبد الله بن مسعود قال «إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته» رواه ابن أبي شيبة. الصلاةُ إلى نائم أو بهيمة

стр. 667

يجوز أن يكون في قِبلة المصلي نائمٌ ذكراً كان أو أُنثى، أو دابة، بل يجوز له أنْ يَتَّخذَ هؤلاء سُترةً له، وهذا القول لا يتنافى مع القول بحُرمة مرور المرأة وقطعها للصلاة، وحُرمة مرور الذكر أيضاً، ذلك أن الحرام مرور الرجل ومرور المرأة، أما نومهما أمام المصلي واعتراضهما القِبلة فلا شئ فيه لأنه أمر آخر، فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ «أنه كان يعرِّض راحلته فيصلي إليها ... » رواه البخاري. وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «لقد كان رسول الله ﷺ يقوم فيصلي من الليل، وإني لمعترضةٌ بينه وبين القِبلة على فراش أهله» رواه البخاري. وعنها ﵂ قالت «والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير بينه وبين القِبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس، فأُوذي رسول الله ﷺ ، فأنسلَّ من عند رجليه» رواه مسلم. ففي هاتين الروايتين الصحيحتين كانت عائشة معترضة وهي مضطجعة، فصلى إليها الرسول ﷺ ، مما يدل على جواز ذلك، ومغايرةِ ذلك للمرور الذي ورد النهي عنه، وأنه يقطع الصلاة. فمرور المرأة بين يدي المصلي يقطع عليه صلاته، أما صلاته إليها وهي نائمة أو مستلقية فجائز. وغنيٌّ عن البيان أن الصلاة إلى المرأة النائمة إنما تحصل عندما تكون المرأة من الأرحام المحرمين دون النساء الأجنبيات لما لذلك من الفتنة وانشغال ذهن المصلي، وكلاهما ورد النهي عنه.

стр. 668

بقيت مسألةُ قيامِ المصلي بالصلاة على سجادة صغيرة قدر ما يحتاجه المصلي لصلاته، ويسمونها سجادة الصلاة. فهذه السجادة جرى العرف أن يقف المصلي على طرفها ويسجد على طرفها الآخر، ففي هذه الحالة أرى أن مَن يصلي على هذه السجادة لا يحتاج إلى اتخاذ سُترة له، ذلك أن طرف السجادة الذي يسجد عليه هو نهاية موضع سجوده، ولا يضيره مرور أي إنسان أو حيوان خلف سجادته، فالسجادة هذه تأخذ حكم الموضع الذي له سُترة، ويصبح المحرَّم على الناس أن يمروا من فوق السجادة، لأنهم يكونون بذلك قد مروا بين المصلي وبين سترته، أما إن هم مرُّوا بعد طرف السجادة فلا شئ في ذلك على المار والمصلي، فلا يأثم المار، ولا يجب على المصلي دفعه. الفصلُ السادس صفةُ الصلاة حكمُ تكبيرة الإحرام تكبيرة الإحرام هي تكبيرة الصلاة الأولى وهي افتتاحية الصلاة، وقد سميت بهذا الاسم لأن المسلم إن نطق بها حرِّم عليه ما كان حلالاً عليه قبلها من أعمال وأقوال، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أحمد. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين» رواه أحمد. وللتكبير صيغة واحدة لا غير هي [الله أكبر] لا يجوز غيرها مطلقاً مهما كان مقدار التغيير، فلا يجوز أن يقول المصلي مثلاً [الله الأكبر] أو [الله كبير] أو [الله هو الأكبر] فضلاً عن أن يستبدل بها غيرها من تحميد أو تسبيح أو تهليل، بل لا بد من الاقتصار على [الله أكبر] ، وقد نُقلت هذه الصيغة بالتواتر، فلا مجال للاجتهاد فيها وإجراء تعديل عليها أو تغييرها.

стр. 669

وتكبيرة الإحرام فرض وركن لا بد من الإتيان بها، ولا تُقبل صلاةٌ بدونها، فمن قالها دخل في الصلاة، ومن لم يقلها لم يدخل في الصلاة مهما قال أو فعل، فهي افتتاحية الصلاة، فقد روى علي بن يحيى بن خلاَّد عن عمه ... قال النبي ﷺ «إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء، ثم يكبِّر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً، ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئنَّ مفاصلُه، ثم يرفع رأسه فيكبِّر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته» رواه أبو داود. قوله يضع الوضوء: أي يضعه مواضعه، يريد بذلك إسباغ الوضوء. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» رواه البيهقي. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... إذا قُمتَ إلى الصلاة فأَسْبغ الوضوء، ثم استقبل القِبلة فكبِّر» رواه مسلم. فقد دلَّت هذه النصوص الثلاثة على أن الصيغة هي [الله أكبر] وعلى أن التكبير لا تتم الصلاة بدونه، فلا صلاة لمن لم يكبر، ولا صلاة لمن لم يقل [الله أكبر] . رفعُ اليدين في الصلاة يُشرع للمسلم أن يرفع يديه الاثنتين عند افتتاح الصلاة بالتكبيرة الأولى - تكبيرةِ الإحرام - كما يُشرع له رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأوسط، أي عند القيام من الركعتين، ولا يُشرع في غير هذه المواطن الأربعة، فلا يُشرع بين السجدتين، ولا عند القيام من الركعة الأولى، أو القيام من الركعة الثالثة.

стр. 670

ورفع اليدين سُنَّة مشتركة بين الرجال والنساء، لأنه لم يرد دليل على التفرقة بينهما. روى البخاري عن ابن عمر ﵁ «كان إذا دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله ﷺ » . فمن أراد اتِّباع السُّنة فالسُّنة رفعُ اليدين في هذه المواطن الأربعة، ورفع اليدين في الموطن الأول آكد، ولكنه يبقى سُنة غير واجب. أما ما رُوي عن علقمة أنه قال: قال ابن مسعود ﵁ «ألا أصلِّي لكم صلاةَ رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرَّة» رواه أحمد. ورواه الطَّحاوي بلفظ «عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود» . فهو حديث ضعيف ضعَّفه أحمد والبخاري وأبو داود. وأما ما رُوي عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال «كان النبي ﷺ إذا كبَّر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريباً من شحمتي أذنيه، ثم لا يعود» رواه الطَّحاوي وأبو داود. فقد رواه أحمد والدارقطني بدون زيادة «ثم لا يعود» . وصوَّب الدارقطني ذلك وقال (إن هذه الزيادة مُدْرَجَةٌ مِن قول يزيد بن أبي زياد، وكان قد اختلط، وقد اتفق الحفاظ على أن الزيادة مُدْرَجَةٌ من قول يزيد) . فالحديثان لا يصلحان للاستدلال.

стр. 671

وفي أيامنا الراهنة تقوم فئة من الناس برفع اليدين قُبيل القيام من الركعتين، أي برفع اليدين وهم ما يزالون جالسين، فهذا مخالف للسُّنة في الرفع، إذ لا رفع في أثناء الجلوس مطلقاً، فقول الحديث «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» . واضح الدلالة على الرفع عند القيام، والقيام غير الجلوس، ويشهد لما نقول ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شئ من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبَّر» رواه أحمد. وما رواه ابن عمر «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضاً وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود» . فقوله «ولا يرفع يديه في شئ من صلاته وهو قاعد» واضح الدلالة على ما نقول، وكذلك قوله «وكان لا يفعل ذلك - يعني رفع اليدين - في السجود» واضح الدلالة كذلك.

стр. 672

واليدان تُرفعان مدَّاً مع تفريق الأصابع، ويحاذي بهما المنكبين أو شحمتي الأُذنين، وتُرفعان مع تكبيرة الإحرام، ومع التكبيرات الثلاث الأخرى، فعن أبي هريرة ﵁ قال «ثلاث كان رسول الله ﷺ يعمل بهنَّ قد تركهنَّ الناس، كان يرفع يديه مدَّاً إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع ورفع، والسكوت قبل القراءة يدعو ويسأل الله من فضله» رواه أحمد. وقد مرَّ حديث علي وفيه «ورفع يديه حذو منكبيه» . وروى عبد الله بن وائل عن أبيه «أنه رأى النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أُذنيه» رواه النَّسائي. وروى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان ينشر أصابعه في الصلاة نَشْراً» رواه الحاكم وابن حِبَّان. وحديث عليٍّ المار دليلٌ على الرفع في المواطن الأربعة. إقامةُ الصفوف أو تسويتُها

стр. 673

إن إقامة الصفوف أو تسويتها فرض في صلاة الجماعة، فلا تحلُّ صلاة الجماعة والصفوف معوجَّة أو مقطوعة من هنا وهناك، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «سَوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة» رواه البخاري. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «سَوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» رواه مسلم وابن حِبَّان وابن ماجة والبيهقي. فقوله (إن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، وإن تسوية الصف من تمام الصلاة) دليلٌ على الوجوب، لأن إقامة الصلاة وتمام الصلاة واجبان، والمسؤولية في التسوية مشتركة بين الإمام والمأمومين، فإذا أقيمت الصفوف واستوت تقدم الإمام الصف الأول ووقف قُبالة وسطه، ثم كبر للصلاة، ولا يكبر حتى تُقام الصلاة وتتم التسوية، فعن أبي مسعود ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ... » رواه مسلم. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقوِّم الصفوف كما تُقوَّم القِداح، فأبصر رجلاً خارجاً صدرُه من الصَّف، فلقد رأيت النبي ﷺ يقول: لتُقيمُنَّ صفوفكم أو ليخالفُن اللهُ بين وجوهكم» رواه النَّسائي ومسلم وابن ماجة وأحمد. وعلى الإمام أن يطمئن إلى استواء الصفوف ثم بعد ذلك يكبِّر للصلاة، ولا يكبِّر حتى تستوي الصفوف فعلاً، فعن النعمان بن بشير ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يسوِّي صفوفنا إذا قمنا للصلاة، فإذا استوينا كبَّر» رواه أبو داود.

стр. 674

وإنَّ من فضل هذه الأمة أن جعل الله صلاتها مماثلة لاصطفاف الملائكة أمام ربهم، أي صفوفاً بعد صفوفٍ متراصة مستقيمة، فعن جابر بن سمرة ﵁ قال «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمْس؟ أُسكُنوا في الصلاة، قال: ثم خرج علينا فرآنا حَلَقاً فقال: ما لي أراكم عِزِين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تصفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمُّون الصفوف الأُول ويتراصُّون في الصف» رواه مسلم. وروى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «أقيموا الصفوف فإنما تصفُّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخلل، ولِينوا في أيدي إخوانكم، ولا تَذَروا فُرُجاتٍ للشيطان، ومن وصل صفاً وصله الله ﵎، ومن قطع صفاً قطعه الله» رواه أحمد. قوله «ولا تذروا فُرُجات للشيطان» فسَّره ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال «رُصُّوا صفوفَكم وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلال الصفوف كأنها الحَذَف» رواه أحمد وأبو داود وابن حِبَّان والبيهقي. والحذف - بفتحتين - غنم صغيرة الأحجام سوداء جرداء ليس لها أذناب توجد في بلاد اليمن. أما ما يقوله الإمام عند إشرافه على تسوية الصفوف، فقد ورد في ذلك عدة صيغ، وهذه الصيغ ليست مقصودة لذاتها بقدر ما يُقصد منها تحقيق التسوية بالفعل، فيمكن أن يُؤتى بها، ويمكن أن يؤتى بقسم منها، ويمكن أن يُؤتى بغيرها، فالأمر موسَّع على الإمام، ويكفيه أن يقول مثلاً: استووا وتراصُّوا ولا تختلفوا، ويمكن أن يقول: استووا واعتدلوا، ويمكن أن يقول: استووا وحاذوا بين المناكب وسُدُّوا الخلل، فالقصد التسوية وليس صيغة الكلام الذي يقال.

стр. 675

وعند الاصطفاف ينبغي على المسلمين المبادرة إلى تكوين الصف الأوَّل، فإذا أتموه كوَّنوا خلفه صفَّاً ثانياً، ثم صفَّاً ثالثاً إلى أن تكتمل صفوفهم. وليحرص مَن أراد مزيد فضلٍ وثوابٍ على التقدم إلى الصف الأول، فالصف الأول أفضل الصفوف، يليه الصف الثاني في الفضل، وعلى العكس من ذلك الصف الأخير، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ... » رواه مسلم. وروى مسلم أيضاً اللفظ «لو تعلمون - أو يعلمون - ما في الصف المقدَّم لكانت قُرعة» . وروى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، فإن كان نقصٌ فلْيكن في الصف المؤخَّر» رواه أحمد. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأولى» رواه أحمد. وفي رواية أخرى لأحمد من طريق النعمان بن بشير ﵁ قوله ﵊ «إن الله وملائكته يصلُّون على الصف الأول أو الصفوف الأولى» .

стр. 676

فالصف الأول له الفضل الأكبر، يؤكد ذلك ما رواه العِرباض بن سارية ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدَّم ثلاثاً وللثاني مرَّة» رواه أحمد وابن ماجة والنَّسائي وابن حِبَّان والدارمي. وما رُوي عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله وملائكته يصلُّون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني، قال: إن الله وملائكته يصلُّون على الصف الأول، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني، قال: وعلى الثاني ... » رواه أحمد. فالصف الأول يذهب بالفضل الأكبر يليه الثاني، ولم أجد للصفوف الأخرى فضلاً منصوصاً عليه سوى ما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتابه المعجم الأوسط من طريق أبي هريرة ﵁ قال «استغفر رسول الله ﷺ للصف الأول ثلاث مرات، وللصف الثاني مرتين، وللثالث مرة» فذكر الصف الثالث وجعل له فضل استغفار الرسول ﷺ له مرة واحدة، إلا أن هذا الحديث ضعيف جداً، ففي سنده المقدام بن داود وأيوب ابن عقبة ضعيفان، ويحيى بن أبي كثير متهم بالكذب، فلا يصلح هذا الحديث للاحتجاج مطلقاً. وأعود وأُكرر ثانية ليحرصْ مَن أراد مزيد فضل وثواب على التقدم إلى الصف الأول، وقد كان الرسول ﷺ يحرص على أن يُشغل أصحابُه الصفَّ الأول، فعن أبي سعيد ﵁ قال «رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخُّراً فقال: تقدموا فأْتَمُّوا بي ولْيأْتمَّ بكم مَن بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخِّرهم الله يوم القيامة» رواه أحمد.

стр. 677

وقد تضمن هذا الحديث معنى جليلاً بل عدة معانٍ جليلة أبرزها أن الصفوف كلها تأتمُّ بالإمام فيكون للإمام الفضل الأكبر على الجميع، وأن الصفوف التي تلي الصف الأول تأْتمُّ بالصف الأول، فيكون للصف الأول فضلُ إمامتِه لمن يليه من الصفوف، ولهذا كان صحابة رسول الله ﷺ يشكِّلون الصف الأول، وكان الرسول ﷺ قد اختارهم أئمةً للمسلمين يُقتدى بهم، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثلاثاً ... » رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن حِبَّان. اصطفافُ النّساء خلف الرّجال

стр. 678

لقد كان المسلمون يصلُّون زمن الرسول ﷺ في المساجد رجالاً ونساء، الرجال في المقدمة والنساء خلفهم مباشرة، ولم يكن بين الفريقين حاجز يحول دون رؤية أحد الفريقين للفريق الآخر كما هو حاصل في مساجدنا في هذه الأيام، فكان الرجال الذين في الصف الأخير يستطيعون في أثناء سجودهم رؤية النساء اللواتي يكنَّ في صفِّ النساء الأول، وكذلك النساء كنَّ يرين الرجال وهم ساجدون، وربما رأين منهم عوراتهم، وربما أدى هذا وذاك إلى إشغال هؤلاء وأُولئك، بل ربما أدى ذلك إلى ارتكاب الحرام، ولذلك ذمَّ الرسول ﷺ الصف الأخير للرجال وذمَّ الصف الأول للنساء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خير صفوف الرجال أولها وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرُها وشرُّها أولها» رواه مسلم وابن ماجة والدارمي وابن حِبَّان. وجاء حديث ثان يُبيِّن العلة من ذلك هو ما رُوي عن سهل بن سعد ﵁ قال «لقد رأيت الرجال عاقدي أُزُرِهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأُزُر خلف النبي ﷺ ، فقال قائل: يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال» رواه مسلم والبخاري وأبو داود وأحمد وابن خُزَيمة. ورواه ابن حِبَّأن بلفظ «كنَّ النساء يُؤمرن في عهد رسول الله ﷺ في الصلاة أن لا يرفعن رؤوسهن حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من الأرض من ضيق الثياب» . وروى أحمد حديثاً أصرح في بيان العلة من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... إن خير صفوف الرجال المقدَّم وشرَّها المؤخَّر، وخيرَ صفوف النساء المؤخَّر وشرَّها المقدَّم، يا معشر النساء إذا سجد الرجال فاغْضُضْن أبصاركن لا ترين عورات الرجال من ضيق الأُزُر» . فالعلة هي نظر الرجال للنساء ونظر النساء للرجال، فكان الشرُّ في تأخر الرجال إلى الصف الأخير

стр. 679

وتقدُّم النسوة إلى الصف الأول. وقد نزل في ذلك قرآن، قال ابن عباس ﵁ «كانت امرأةٌ تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناءُ من أحسن الناس، قال فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخَّر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله : ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين» رواه النَّسائي وابن خُزَيمة. والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن وجدت العلة وجد الحكم، وإن انتفت العلة انتفى الحكم، وبتطبيق هذه القاعدة الأصولية على واقع المساجد في أيامنا الراهنة نجد أن الرجال لم يعودوا يرون النساء في أثناء الصلاة، وأن النساء لم يعدن يرين الرجال في الصلاة، وحتى لو لحظن الرجال من خلال الثقوب والستائر الفاصلة فإنهن لم يعدن يرين عورات الرجال بعد أن اكتَسَوْا بثياب سابغة تحول دون كشف العورات، عكس ما كان عليه حال المسلمين في زمن نزول الآية الكريمة، وعلى هذا فإنه ليس على النسوة بأس في مساجدنا الحالية إن هنَّ تقدَّمنَ إلى الصف الأول، ولا يكنَّ بتقدمهن قد اقترفْن شراً وأتين محذوراً، ويصبح الحال بالنسبة لهن أن الصف الأول والصف الثاني والصف المؤخَّر لها الحكم نفسه وهو الإباحة دون كراهة، فلْتُصلِّ المرأة في الصف الذي تختاره دون حرج. وأما بخصوص الرجال فإن فضل الصف الأول وفضل الصف الثاني يبقيان على حالهما، وذلك لعلة أخرى أشرنا من قبل إليها، فلْيبق حرص الرجال على الصف الأول ثم الذي يليه قائماً، وعندما تعود العلة يعود الحكم، فإن قامت الصلاة في مسجد لا حاجز فيه، أو قامت صلاةٌ في فلاة من الأرض كما يحدث في مصلى العيد، أو قامت صلاة في السفر في العراء، عادت العلة فعاد بعودتها الحكم السابق، وهو أن الشر في تقدُّم النساء إلى الصف الأول، وفي تأخر الرجال إلى الصف المؤخَّر. وضعُ اليدين في الصلاة

стр. 680

يُندب للمصلي أن يضع يده اليمنى على كفِّ يده اليسرى شادَّاً بهما على صدره، وإن هو نشر أصابع يده اليمنى على رسغ اليسرى وشئ من الساعد فحسن، فهذه الكيفية هي ما جاءت في أصح النصوص، فعن وائل بن حُجْر ﵁ قال «حضرت رسول الله ﷺ إذا أو حين نهض إلى المسجد، فدخل المحراب ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمينه على يسراه على صدره» رواه البيهقي. وعنه قال «صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» رواه ابن خُزَيمة. وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه قال «رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته قال يضع هذه على صدره، وصفَّ يحيى اليمنى على اليسرى فوق المِفْصل» رواه أحمد. وعن طاووس قال «كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشدُّ بهما على صدره وهو في الصلاة» رواه أبو داود. وعن وائل بن حُجْر قال «قلت لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، فنظرت إليه فقام فكبَّر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرُّسغ والساعد ... » رواه النَّسائي وابن خُزَيمة. أما الروايات التي تذكر وضع اليدين على السرة أو تحتها فأقل من هذه الروايات عدداً وأضعف منها سنداً، وأما إرسال اليدين على الجانبين ففهمٌ ضعيف لحديث جابر بن سمرة عند مسلم بلفظ «صليت مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا سلَّمنا قلنا بأيدينا السلام عليكم السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟ إذا سلَّم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده» . فالنهي هنا عن رفع اليدين عند التسليم فقط، ثم إن أصحاب هذا الرأي يرون أن وضع اليدين على الصدر يتنافى مع الخشوع، وأن الخشوع يقتضي إسبال اليدين.

стр. 681

ويكره وضع اليدين على الخاصرتين، وهو المسمى بالتَّخصُّر أو الاختصار، فعن أبي هريرة ﵁ قال «نُهِي أن يصلي الرجل مختصِراً» رواه البخاري ومسلم. ورواه ابن حِبَّان ومسلم أيضاً والنَّسائي بلفظ «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً» . وروى أحمد عن يزيد بن هرون «أنبأنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: نُهي عن الاختصار في الصلاة، قال: قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خصره وهو يصلي، قال يزيد: قلنا لهشام: ذكره عن النبي ﷺ ؟ قال برأسه أي نعم» . النظرُ في الصلاة يُنْدَب للمصلي أن ينظر وهو واقف إلى موضع سجوده، وأن ينظر وهو جالس إلى ركبتيه وما بينهما، وإنْ هو ركَّز نظره على سبَّابته فوق ركبته اليمنى فقد أحسن. هذا هو الوضع الأمثل للنظر في الصلاة، وهو مندوب وليس بواجب، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يا أنس اجعل بصرك حيث تسجد» رواه البيهقي. وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التَّشهُّد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسَّبَّابة، ولم يجاوز بصرُه إشارتَه» رواه أحمد ومسلم والنَّسائي والبيهقي.

стр. 682

أما الالتفات في الصلاة فقد جاءت النصوص تنهى عنه، فعن عائشة ﵂ قالت «سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري. وجاءت نصوص تخفِّف النهي عنه في صلاة التطوع ليبقى النهي شديداً في صلاة الفريضة، فعن أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً «يا أيها الناس إياكم والالتفات، فإنه لا صلاة للمُلْتفِت، فإنْ غُلبتم في التطوُّع فلا تُغلَبُنَّ في الفرائض» رواه أحمد والبخاري في التاريخ الكبير وسكت عنه. والالتفات المنهي عنه هو أن يلوي المصلي عنقه يمنةً ويسرةً بحيث يصبح نظره إلى غير جهة الكعبة، كأن ينظر إلى الغرب أو ينظر إلى الشرق، فهذا هو الالتفات الذي يشمله النهي الشديد. أما الالتفات يمنةً ويسرةً فيما بين المشرق والمغرب، أي الالتفات إلى هنا وهناك في اتجاه الكعبة فلا بأس، ولا يدخل تحت النهي، فعن ابن عباس ﵁ «كان رسول الله ﷺ يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» رواه الحاكم وابن خُزَيمة. فلَيُّ العنق خلف الظهر يحوِّل النظر عن جهة الكعبة، وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزال الله مقبلاً على العبد ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه» رواه الحاكم. ورواه أحمد بلفظ «لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه» . معنى إذا صرف وجهه: إذا نظر إلى غير الاتجاه المطلوب وهو الاتجاه نحو القِبلة. فالالتفات الذي يخرج عن التوجه نحو الكعبة هو المنهيُّ عنه، وهو حرام بلا شك لأنه يحوِّل الصلاة إلى غير استقبال القبلة، أما إن بقي الالتفات في دائرة التَّوجُّه نحو الكعبة فلا بأس به ولا يشمله النهي، وغنيٌّ عن البيان أن النظر بالعينين فحسب يمنةً ويسرةً مع بقاء العنق ثابتاً لا شئ فيه.

стр. 683

إلا أنَّ هناك التفاتاً من نوع آخر يحصل بتحريك الوجه، كما يحصل بتحريك العينين فحسب، ويكون في الحالتين حراماً، هو رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فهذا الرفع للبصر قد ورد النهي الشديد عنه، وأنَّ على المصلي أن يُطأطئ رأسه وبصره، ويُحبَّذ أن يصوِّب بصره نحو موضع سجوده وهو واقف، وأن ينظر إلى سبَّابته أو ركبتيه وما بينهما وهو جالس، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت: الذين هم في صلاتهم خاشعون، فطأطأ رأسه» رواه الحاكم. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَيَنتهيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم» رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لينتهيَنَّ أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتُخطَفَنَّ أبصارُهم» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال: ليُنْتَهَيَنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم» رواه البخاري وأحمد والنَّسائي وابن حِبَّان. فقد جاء النهي بصيغة شديدة، فقوله [لينتهينَّ] تضمَّن لام الأمر ونون التوكيد، وقوله [أو لا ترجع إليهم] ، وقوله [أو لتُخْطَفَنَّ أبصارهم] قرينةٌ إضافية على التحريم والنهي الجازم. فمن التفت إلى غير جهة القِبلة يميناً وشمالاً، أو التفت إلى السماء صُعُداً فقد صلى إلى غير جهة القِبلة وترك بذلك واجب الاستقبال، فوقع في الإثم، إلا أنه مع ذلك لا تجب عليه إعادة الصلاة وتظل صلاته مقبولة مع حصول النقص فيها، بدلالة قوله ﵊ «اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد» المار في صدر هذا البحث. الجهرُ في الصلاة الجهرية

стр. 684

الجهر في الصلاة يكون في صلاة المغرب وصلاة العشاء وصلاة الصبح، كما يكون في صلاة التطوُّع في الليل، ويكون في صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف، وما سوى هذه الصلوات فالإسرار فيها هو المشروع. ويكون الجهر في قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن بعدها في الركعتين الأوليين فقط، ويكون أيضاً في تكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات، كما يكون في قوله: سمع الله لمن حمده، عقب الرفع من الركوع، ويكون في التسليم عن اليمين وعن الشمال، وهذا كله معلوم ومعروف. أما قدر الجهر في الصلاة الجهرية فقد ورد فيه الحديثان الآتيان: أ- عن عبد الله بن عباس ﵁ قال «كانت قراءة رسول الله ﷺ على قدر ما يسمعه مَن في الحجرة وهو في البيت» رواه أبو داود. والبيت هنا: يعني مكان النوم أو غرفة النوم. والحجرة هنا: تعني صحن الدار أو ساحتها. ب- عن أبي قتادة «أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : يا أبا بكر مررتُ بك وأنت تصلي تخفض صوتك، قال: قد أسمعتُ مَن ناجيتُ يا رسول الله، قال: وقال لعمر: مررتُ بك وأنت تصلي رافعاً صوتك، قال: فقال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، زاد الحسن في حديثه: فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه.

стр. 685

يبين هذان الحديثان أن الجهر المشروع هو ما كان متوسطاً بين الشدة في الرفع وبين الضعف في الصوت والخفوت فيه، فلا يوصف بالارتفاع ولا بالانخفاض والخفوت، فقوله في الحديث «يخفض من صوته» و «رافعاً صوته» ثم علاج الأمرين بقوله «ارفع من صوتك شيئاً» وبقوله «اخفض من صوتك شيئاً» واضح الدلالة على مشروعية الاعتدال ورفض الرفع والانخفاض، ويأتي الحديث الأول ليحدِّد قدر الجهر بشكل دقيق، وهو الصوت الذي إذا انبعث من داخل غرفة النوم سمعه من يقف في ساحة الدار. فهذا هو الجهر المشروع في الصلاة. أما ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال «كانت قراءة النبي ﷺ بالليل: يرفع طوراً ويخفض طوراً» . وما رواه أحمد عن يحيى بن معمر عن عائشة ﵂ قال «قلت: كان رسول الله ﷺ يرفع صوته بالقراءة؟ قالت: ربما رفع وربما خفض» . فيخطئ مَن يستدل بهما على قدر الجهر في الصلاة، ذلك أن هذين الحديثين قد وردا في موضوع جواز الجهر في الصلاة، ولم يردا في موضوع قدر الجهر، فقوله في الحديث الأول «يرفع طوراً ويخفض طوراً» وقوله في الحديث الثاني «ربما رفع وربما خفض» جاء لبيان حكم الجهر في الصلاة، وأنه الجواز، بدلالة فعله ﵊ في صلاته، إذ كان يجهر مرة ولا يجهر مرة أخرى بل يُسِرُّ، ولو كان الجهر واجباً لما تركه ﵊ في صلاته الجهرية مراتٍ، وحكم الجهر في الصلاة موضوع مغاير لقدر الجهر في الصلاة.

стр. 686

وما يدعم هذا الفهم ويؤكده ما رواه عبد الله بن أبي قيس قال «سألت عائشة ... كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ من الليل أيجهر أم يُسرُّ؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، وربما جهر وربما أسرَّ» رواه أحمد والنَّسائي والترمذي وصححه. فقولها «ربما جهر وربما أسرَّ» واضح الدلالة على ما نقول، ووقع عند أبي داود ما يلي: عن غضيف بن الحارث قال «قلت لعائشة ... أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يخفت به؟ قالت: ربما جهر به وربما خفت ... » . فقولها ﵂ «ربما جهر به وربما خفت» واضح الدلالة هو الآخر على ما نقول، فقد أخرجت ﵂ الخفوت من الجهر وجعلته في باب الإسرار، وإذن فإن قول الحديثين السابقين «يخفض طوراً» و «ربما خفض» يعني ترك الجهر والعمل بالإسرار، وهذا إنما هو لبيان حكم الجهر وليس لبيان قدر الجهر. دعاءُ الاستفتاح هو ما يقوله المصلي من ذِكْرٍ ودعاء مفتتحاً به صلاته عقب تكبيرة الإحرام وقبل الفاتحة، وهو سنَّة مستحبة، وقد وردت له عدة صيغ أصحها سنداً مع سهولة حفظها ما يلي [اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد] فعن أبي هريرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد» رواه مسلم.

стр. 687

وإن هو استفتح صلاته بما يلي فهو حسن [سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك ولا إله غيرُك] فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك» رواه الطبراني في كتاب الدعاء. وروى عَبْدة ﵁ «أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرُك ... » رواه مسلم. وإن هو استفتح بهذه الكلمات [الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً] فحسنٌ كذلك، فعن ابن عمر ﵁ قال «بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بُكرة وأصيلاً، فقال رسول الله ﷺ : مَن القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل مِن القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبتُ لها فُتِحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: فما تركتهنَّ منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك» رواه مسلم. وإن هو استفتح بهذه الكلمات فحسن [اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم] فعن عائشة ﵂ قالت «كان - تعني النبي ﷺ - إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراط مستقيم» رواه مسلم.

стр. 688

وإن كان المصلي منفرداً يملك وقته، أو كان إمام جماعة لا يخشى من التطويل في صلاته، فيمكنه الاستفتاح بالدعاء الطويل الوارد في الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال «وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئَها لا يصرف عني سيئَها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرك وأتوبُ إليك ... » رواه مسلم.

стр. 689

ودعاء الاستفتاح مندوب للإمام وللمأموم وللمنفرد، في صلاة الفريضة كما في صلاة النافلة. أما الإمام والمنفرد فيدعوان به عقب تكبيرة الإحرام وقبل الفاتحة، وأما المأموم فيدعو به كذلك في هذه الفترة، إلا أنه يتخير سكتة الإمام في الصلاة الجهرية قبل شروعه في قراءة الفاتحة، ولا يدعو به والإمام يقرأ، إذ ربما لم يسكت الإمام وشرع في الفاتحة عقب التكبير مباشرة، أو وصل المأموم والإمام قد شرع في قراءة الفاتحة أو السورة التي بعدها، فحينئذ لا يجوز للمأموم أن يدعو بدعاء الاستفتاح، لأن الإمام حين يقرأ يجب على المأموم الاستماع والإنصات، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا» رواه أحمد. وعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلَّى صلاة جهر فيها بالقراءة، ثم أقبل على الناس بعدما سلَّم فقال: هل قرأ منكم أحدٌ معي آنفاً؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أُنازَعُ القرآن، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر به من القراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » رواه أحمد. وقال ﴿وإذا قُرِئ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف. وقد ذكر جِلَّةٌ من صحابة رسول الله ﷺ أن هذه الآية نزلت في المصلين عند قراءة إمامهم، منهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وعبد الله بن مُغَفَّل ﵃ أجمعين. التّعوُّذُ في الصلاة

стр. 690

يُندب التعوُّذُ بالله في الصلاة من الشيطان الرجيم عقبَ دعاء الاستفتاح وقبل قراءة الفاتحة، قال تعالى ﴿فَإذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ باللهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيْمِ﴾ الآية ٩٨ من سورة النحل. ويتحقق الندب بأية صيغة من صيغ التعوُّذ كصيغة [أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] وهي أشهر الصيغ، وكصيغة [أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم] وكصيغة [اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من هَمْزِهِ ونفخِه ونَفْثِهِ] . ويكفي المصلي أن يتعوَّذ في الركعة الأولى فقط، لأن النصوص أمرت به في الركعة الأولى، ولم يأت ما يدل على تكراره في الركعات الأخرى، ثم إن الصلاة بمثابة جلسةِ قراءةِ قرآنٍ واحدة، فكما أن قارئ القرآن يكفيه تعوَّذ واحد في الجلسة الواحدة فكذلك يكفي المصلِّي تعوُّذ واحد في الصلاة الواحدة، فعن ابن جُبير بن مُطعم عن أبيه قال «رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة قال ... اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من هَمْزِه ونَفْخِه ونَفْثِه» رواه ابن ماجة. ومعنى همزه: الصَّرَع من مسِّ الشيطان. والنفخ: هو الكِبْر. والنَّفث: النفخ مع شئ من الريق وهو دون التَّفل، والسَّحَرةُ يستعملونه في سحرهم. وعن أبي سعيد قال «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فكبَّر قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزِه ونَفثهِ ونَفخهِ ثم يستفتح صلاته» رواه الدارمي. البسملةُ في الصلاة

стр. 691

لست أريد هنا إثباتَ أو نفيَ أن [بسم الله الرحمن الرحيم] آيةٌ من سورة الفاتحة، أو آيةٌ من كل سُوَر القرآن المائة والثلاث عشرة سوى سورة براءة، فهذه المسألة داخلة في موضوع العقيدة، وأنا في هذا الكتاب أَقصر البحث على الأحكام الشرعية والمسائل العملية المتعلقة بالصلاة وأحكامها، كما أنني لست أريد هنا أن أُثبت أن الرسول ﷺ كان إذا قرأ السورة من القرآن في غير الصلاة افتتح قراءته بالبسملة، فهذه المسألة عامة، وإنما أريد حصر البحث بقراءة الفاتحة وسور القرآن في الصلاة فقط، فعنوان البحث هو [البسملة في الصلاة] فالبحث محصور به لا يتعداه إلى غيره. ولقد سار جمهرة الفقهاء في بحث هذه المسألة بأن وضعوا هذه المسائل الثلاث على صعيد واحد في بحثهم، فخاضوا في المسألة الأولى، فلما استنبط فريقٌ منهم أن البسملة آية من سورة الفاتحة قالوا بوجوب الجهر بها في الصلاة الجهرية، ولما استنبط فريق آخر أن البسملة ليست آية من سورة الفاتحة قالوا بوجوب الإسرار بها، بل إنَّ مِن هؤلاء مَن غالى برأيه فقال بكراهة قراءة البسملة في الصلاة سراً وجهراً، ذلك أن هؤلاء وأولئك عندما نظروا في النصوص وجدوا نصوصاً تقول بالجهر بها، ونصوصاً تقول بالإسرار بها، فأخذ الفريق الأول النصوص القائلة بالجهر، ولكنهم لم يستطيعوا تأويل النصوص القائلة بالإسرار إلا بتعسُّف، بل إن منهم من ردَّها، وأخذ الفريق الآخر النصوص القائلة بالإسرار لأنها أقوى إسناداً، فرجَّحوها على النصوص القائلة بالجهر، ولا زالت هذه المسألة عالقة بين هؤلاء وأولئك دون حسم، والسبب في ذلك هو خلطهم المسائل الثلاث، رغم أن منها ما يتعلق بالاعتقاد، ومنها ما يتعلق بالأحكام، وشتان بين هذين الصعيدين.

стр. 692

وأنا هنا أريد بحث مسألة البسملة في الصلاة في صعيدها نائياً بها عما سواه من الصُّعُد، فأقول: إن النظر في النصوص المتعلقة بهذه المسألة يوصلنا إلى الرأي القائل بالإسرار بقراءة البسملة في الصلاة، ذلك أن هذا الرأي هو الراجح، وهو ما تدل عليه النصوص الصحيحة، وما يتعيَّن على المسلمين المصيرُ إليه والعملُ به، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه مسلم. وعنه ﵁ قال «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ الحمدُ لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخره» رواه مسلم. وروى ﵁ «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ الحمدُ لله رب العالمين» رواه البخاري. وعنه ﵁ قال «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وكانوا لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد وابن حِبَّان على شرط مسلم.

стр. 693

فهذه أربع روايات صحيحة وردت في الإسرار بالبسملة في الصلاة من طريق أنس بن مالك ﵁. وروت عائشة ﵂ «أن نبي الله ﷺ كان يستفتح القراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين» رواه أحمد. ورواه مسلم وابن حِبَّان بلفظ «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين ... » . وعن ابن عبد الله بن مغفَّل قال «سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال لي: أَيْ بني مُحْدَثٌ، إياك والحَدَثَ، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغضَ إليه الحَدَث في الإسلام، يعني منه، وقال: وقد صليتُ مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم اسمع أحداً منهم يقولها فلا تقُلْها، إذا أنت صليت فقل الحمدُ لله ربِّ العالمين» رواه الترمذي. وقال (حديث عبد الله بن مغفَّل حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين) . ورواه أحمد. وقد رماه الفريق الآخر بالضعف لأن في إسناده ابن عبد الله بن مُغفَّل، قالوا إنه مجهول، والجواب على هذه الشبهة أن ابن عبد الله اسمه يزيد ذكره الطبراني وأحمد، فانتفت الجهالة عن الراوي هذا. وروى البزَّار عن ابن عباسٍ «أنه سُئل عن الجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: كنا نقول هي قراءة الأَعراب» . فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة والحسنة تقول بالإسرار، فيتعين الأخذ بها، ولا يصح تجاهلها أو إهمالها، أو ردها وإبطالها.

стр. 694

وقد حاول ابن عبد البر رمْيَ حديث مسلم بالاضطراب ومن ثَمَّ بالضعف والرَّدِّ، فتعقَّبه الحافظ ابن حجر في فتح الباري مفنِّداً هذه التهمة قائلاً بعد ذلك (فاندفع بهذا تعليلُ من أعلَّه بالاضطراب كابن عبد البَر) ذلك أن الفريق الآخر القائل بالجهر لم يستطع التعامل مع هذه الأحاديث الصحيحة والحسنة بما يجب من الاعتبار فضلاً عن انهم استدلوا على قولهم بالجهر بأحاديث منها الضعيفة، ومنها ما يحتاج إلى تأويل، ولم يُورِدوا أيَّ حديث صحيح واضح الدلالة على ما يقولون، فقد استدلوا بما رواه ابن عباس ﵁ قال «كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه الترمذي. وبما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أُنزلت عليَّ آنفاً سورةٌ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها ... » رواه أبو داود. وبما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول «الحمد لله رب العالمين سبعُ آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم، وهي سبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم القرآن وفاتحة الكتاب» رواه الطبراني. وبما روته أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدَّها آية، والحمد لله رب العالمين آيتين، وإياك نستعين وجمع خمس أصابعه» رواه ابن خُزَيمة. وبما رواه ابن عباس ﵁ قال «كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أبو داود. وبما رواه علي ﵁ «كان رسول الله ﷺ يجهر بـ بسم الله الرحمن الرحيم في السورتين معاً» رواه الدارقطني. وبما رواه ابن عباس ﵁ قال «كان النبي ﷺ يجهر في الصلاة بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه الدارقطني. وبما رواه ابن عمر

стр. 695

رضي الله عنهما «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة بدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه الطبراني. وقد جمع الدارقطني الأحاديث القائلة بالجهر بالبسملة في الصلاة أو التي استدل بها من قال بذلك فزادت على العشرين حديثاً، واستدلوا أخيراً بما رواه نعيم المُجْمِر ﵁ قال «صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين، فقال الناس آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلَّم، قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهُكم صلاةً برسول الله ﷺ » رواه النَّسائي والحاكم والبيهقي. واستدلوا بأحاديث أخرى غيرها لا تخرج عن هذه الأحاديث من حيث الإسناد أو المتون ضربنا عنها صفحاً خشيةَ الإطالة، ولأنها لا تضيف إلى هذا البحث فائدة. فنقول لهؤلاء: أما حديث ابن عباس عند الترمذي فقال الترمذي عنه (إسناده ليس بذاك) ورواه الدارقطني من عدة طرق كلها ضعيفة، فمثلاً في إسناد أحدها أبو الصَّلت الهَرَوي قال فيه العُقَيلي والدارقطني (رافضيٌّ خبيث) وفي إسناد آخر أبو خالد مجهول، وفي إسناد آخر عمر بن حفص ضعيف، قال ابن الجوزي عنه (أجمعوا على ترك حديثه) وأما حديث أنس عند أبي داود فإن الرسول ﷺ قد قرأ البسملة في غير الصلاة، فيصلح هذا الحديث للاستدلال به على المسألة الثانية من المسائل الثلاث التي أشرنا إليها، ولا يصلح للاستدلال به على البسملة في الصلاة.

стр. 696

وأما حديث أبي هريرة عند الطبراني فإنه في مسألة العقيدة وليس في مسألتنا، ثم هو معارَض بحديث أصح إسناداً منه، فقد روى أبو هريرة نفسه عن النبي ﷺ قال «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، ثلاثاً غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قُسِمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله تعالى أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين، قال مجَّدني عبدي، وقال مرة فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب علهم ولا الضالين، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» رواه مسلم. فهذا الحديث استدل به القائلون بأن البسملة ليست من سورة الفاتحة، إذ لو كانت البسملة آية من الفاتحة حسب فهمهم لذكرها الرسول ﷺ في معرض قِسمة آيات الفاتحة قسمين، فهذا الحديث الذي يرويه أبو هريرة يعارض الحديث الذي رواه الطبراني من طريق أبي هريرة نفسه، وهو أقوى منه إسناداً وأصح بلا شك، إضافةً كما قلتُ من قبلُ إلى أن كِلا الحديثين ليسا في موضوعنا [الجهر بالبسملة في الصلاة] .

стр. 697

وأما حديث أم سلمة عند ابن خُزَيمة فإنه يدل على أن البسملة آية من الفاتحة، فإذا قرأ المصلي الفاتحة قرأ البسملة دون أن يتطرق الحديث هذا إلى مسألة الجهر أو الإسرار عند القراءة فلا دلالة فيه على مسألتنا، وأما حديث ابن عباس عند أبي داود فيصلح للاستدلال به على المسألة الأولى دون مسألتنا، وأما حديث عليٍّ عند الدارقطني فقد رواه الدارقطني من عدة طرق بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة. فمثلاً في سند إحداها عيسى بن عبد الله قال عنه الدارقطني (متروك الحديث) وقال ابن حِبَّان (يروي عن آبائه أشياءَ موضوعة) وفي سند طريق ثانية أحمد المقري قال عنه الدارقطني (ليس بثقة) ، وفي سند طريق ثالثة لعلي وعمَّار معاً عمرو بن شمر وجابر الجُعفي ضعيفان، قال الحاكم (عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره ... ) وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر الجُعفي. وأما حديث ابن عمر عند الطبراني ففيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري قال الهيثمي عنه (ضعيف جداً) وأما أحاديث الدارقطني التي زادت على العشرين فليس منها حديث واحد صحيح، وما حديثُ عليٍّ بطرقه المختلفة إلا نموذجٌ لها فلا تقوى مجتمعة على معارضة أحاديث الإسرار الصحيحة والحسنة، فجميع هذه الأحاديث التي تناولتها بالتعليق إما ضعيفة وضعيفة جداً، وهي الأكثرية، وإِما أنها جاءت في غير مسألتنا [الجهر بالبسملة في الصلاة] فهي قد جاءت في المسألة الأولى أو في المسألة الثانية، فلا تصلح مطلقاً لمعارضة أحاديث الإسرار بالبسملة في الصلاة. وهكذا لم يبق من أحاديثهم ما يصلح للاستدلال به على مسألتنا إضافةً إلى صلاحه للاحتجاج سوى حديث نعيم المُجْمِر عند النَّسائي والحاكم والبيهقي، فهذا الحديث قال عنه ابن حجر (هو أصح حديث ورد في ذلك يعني في الجهر بالبسملة) وهو يتناول مسألتنا بشكل واضح، فلْنقف معاً عند هذا الحديث.

стр. 698

أولاً: لقد روى جماعة غير نعيم عن أبي هريرة رواية بدون ذكر البسملة، مما يجعلنا نشك في هذه الرواية. وثانياً: إن الحديث يذكر فعلاً لصحابي هو أبو هريرة، وفعل الصحابي ليس دليلاً، وإنما هو حكم شرعي يجوز تقليده، فلا يصمد أمام النصوص، أي الأدلة التي جاءت أفعالاً للرسول ﷺ يجب أخذها والعمل بها. وثالثاً: أما قول أبي هريرة في آخر الحديث «إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ » مما يجعل بعضهم يعطيه صفة الرفع إلى الرسول ﷺ فغير مسلَّم به عندنا، إذ هناك فارق بين قول أبي هريرة (إني أشبهُكم صلاةً برسول الله ﷺ ) وبين أن يقول مثلاً (إن الرسول ﷺ قد صلى كما صليت) فالعبارة الأولى محتملة الدلالة وليست قطعية، لأن التشابه بين صلاتين غير المماثلة بينهما، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال كما هي القاعدة الأصولية. ورابعاً: إن هذا الحديث يذكر أن أبا هريرة قد قرأ البسملة وقرأ الفاتحة، وعطف قراءة الفاتحة على قراءة البسملة بـ ثمَّ، مما يدل على المغايرة بين البسملة والفاتحة، إذ لو كانت البسملة من الفاتحة لما عطف إحداهما على الأخرى، فالحديث حجَّة على القائلين بالجهر أكثر مما هو حجة لهم. وخامساً: إن هذا الحديث يذكر أن أبا هريرة قد قرأ البسملة دون أن يبين لنا إن كانت القراءة جهراً أو مخافتة، ونحن لا نبحث عن أدلة على قراءة البسملة هنا، وإنما نبحث عن أدلة الجهر بها، فالقراءةُ لها شئ، والجهرُ بقراءتها شئ آخر، وهذا الحديث لم يتطرق إلى مسألة الجهر، فلا يصلح دليلاً على الجهر بالبسملة بحال من الأحوال. وهكذا يتضح تماماً أن هذا الحديث لا يقوى على الصمود أمام الأحاديث الصحيحة والحسنة القائلة بالإسرار بالبسملة في الصلاة.

стр. 699

إن قولي بالإسرار بالبسملة في الصلاة لا يعني أنني من أصحاب القول بأن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من سور القرآن، ذلك أنني كما قلت سابقاً قد فَصَلتُ بين المسألة والأخرى من المسائل الثلاث، فالقول بالجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية لا يجب أن يُحمل على أن ذلك يعني اعتبار البسملة من الفاتحة، والقول بالإسرار لا يعني أن البسملة ليست من الفاتحة، فالجهر والإسرار أمران مختلفان عن القول بأن البسملة آية من الفاتحة أو أنها ليست آية منها، ولا يصلح إثبات الجهر أو إثبات الإسرار على إلحاق البسملة بالفاتحة أو إخراجها منها. وقد انقسم أصحاب القراءات قسمين: قسم يقول بإثبات البسملة كآية من الفاتحة ومن السور الأخرى باستثناء سورة براءة منهم: ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي، وقسم يقول بحذفها عند قراءة القرآن حين وصْلِ السور منهم: أبو عمرو وحمزة ووَرْش وابن عامر. وانقسم الأئمة الأربعة أيضاً قسمين: القسم الأكثر يقول بالإسرار بالبسملة وهم: أبو حنيفة ومالك وأحمد، والقسم الأقل يقول بالجهر وهو الشافعي وحده. وانفرد أهل الظاهر وهم داود وجماعته بالقول إن البسملة آية تشكل بمفردها سورة مستقلة من القرآن ليست تابعة لأية سورة أخرى، وهو ظاهر الخطأ. وانقسم الفقهاء حيال قراءة البسملة ثلاثة أقسام: قسم يقول بوجوب قراءتها لأنها من الفاتحة، وقسم يقول باستحباب قراءتها، وقسم ثالث يقول بكراهة قراءتها وأن ذلك بدعة، وهو ظاهر الخطأ. وأنا أقول بوجوب قراءتها، فالرسول ﷺ وصحابته كانوا يقرأونها في صلاتهم، ولم يُعرف أنهم تركوا قراءتها مطلقاً، وإنْ هم كانوا يقرأونها في السِّر، فالقراءة بها سراً لا يعني عدم الوجوب، بل لا بد من قراءة البسملة عند قراءة الفاتحة، وتكون القراءة سراً لا جهراً ندباً واستحباباً.

стр. 700

أما لماذا هذا الإسرار بها في الصلاة دون غير الصلاة كما صرَّحت بذلك الأحاديث النبوية الشريفة؟ فالجواب على ذلك فيما رواه الطبراني عن ابن عباس ﵁ «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم هزأ منه المشركون وقالوا: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة يتسمَّى الرحمن الرحيم، فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ أن لا يُجهَر بها» . قال الهيثمي (رجاله موثَّقون) وهو يقصد آية ﴿فَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فقد جاء ذِكر هذه الآية صريحاً فيما رواه ابن ابي شيبة عن سعيد بن جبير قال «كان النبي ﷺ يرفع صوته بـ بسم الله الرحمن الرحيم، وكان مسيلمة قد تسمى بالرحمن، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي ﷺ قالوا: قد ذُكر مسيلمةُ إلهُ اليمامة، ثم عارضوه بالمُكاء والتَّصْدية والصَّفير، فأنزل الله تعالى: ولا تجهر بصلاتك ولا تُخافت بها» .

стр. 701

بقيت مسألةٌ في الإسرار هي: هل الإسرار يعني إخفاءً للصوت إخفاءً تاماً، أم أن الإسرار يعني خفض الصوت بحيث يتميز عن الجهر؟ إن جمهرة الفقهاء أخذوا بالمعنى الأول، وأن الإسرار يعني كتمان الصوت وإخفاءه إخفاء تاماً، مستدلين بما رواه أنس «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه مسلم. فذكر «فلم أسمع أحداً منهم يقرأ» . وأن هذا هو مقابل الجهر استدلالاً بما رُوي عن أنس ﵁ قال «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وكانوا لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد. فذكر «وكانوا لا يجهرون» فأخذوا من النَّصَّين أن إعلان الصوت يعني الجهر وأن كتمانه يعني الإسرار، فعندما مرَّت عليهم أحاديث تقول بقراءة رسول الله ﷺ البسملة في الصلاة مثل حديث أُم سلمة الذي رواه ابن خُزَيمة مثلاً «أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدَّها آية ... » . وقد مرَّ قبل قليل، اتخذوها أدلة على الجهر بالبسملة في الصلاة قائلين إن المصلِّين ما كانوا ليسمعوا قراءة الرسول ﷺ لولا أنه جهر بها. واستناداً إلى هذه الأحاديث قال الشافعي ومعه عدد من الفقهاء منهم إسماعيل بن حماد وأبو خالد الوالبي الكوفي بالجهر بالبسملة في الصلاة. فنقول لهؤلاء وأولئك إن الإسرار هو ضد الجهر، فالجهر هو رفع الصوت، والجهر في الصلاة الجهرية يعني رفع الصوت بحيث يصل إلى المأمومين، فيسمع صوتَ الإمام في القراءة المصلُّون في جميع الصفوف أو في معظمها، لأن المطلوب من الإمام إسماعُ المصلين، فيجهر بالصلاة ليُسمعهم قراءته، والخطيب إذا خطب الناس رفع صوته بحيث يجعلهم يسمعون خطبته.

стр. 702

هذا هو الجهر، يقابله الخفض والإسرار، فعندما يصلي الإمام صلاة سرية كأن يصلي صلاة الظهر فإنه لا يرفع صوته بالقراءة ليُسمع المصلين وإنما يقرأ لنفسه، ولا يعني أنه يقرأ لنفسه أنه يُحظر عليه أن يُسمِع صوتَه المصطفِّين خلفه مباشرة، فلو سمع المصطفُّون خلف الإمام نبرات قراءة الإمام وتبينوا منها أنه يقرأ، بل وسمعوا قراءته الخفيضة فإن ذلك لا يتناقض مع الإسرار، ولا يعتبر هذا الفعل جهراً بالقراءة، والدليل على ما نقول ما رواه أبو قتادة ﵁، قال «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة ويُسمعنا الآية أحياناً» رواه البخاري. فهنا صلى الرسول ﷺ الظهر وهي صلاة سرية، وصلى العصر وهي أيضاً صلاة سرية، ومع ذلك قال الحديث «يقرأ في الركعتين» وذكر أنه قرأ فاتحة الكتاب وسورة سورة، وما كان للراوي أن يعلم بقراءة الرسول ﷺ لولا أنه يسمعها، وأوضح من ذلك في الدلالة قوله «ويُسمعنا الآية أحياناً» فكيف يَسمع المصلون قراءة الرسول ﷺ في صلاتي الظهر والعصر السريتين؟ إنهم يسمعون القراءة سماعاً متقطعاً، فمرة يَسمعون وأخرى لا يسمعون بدلالة قوله «ويُسمعنا الآية أحياناً» وما كان ذلك ليكون لو كانت القراءة في نفس الرسول ﷺ كما يفهمون الإسرار.

стр. 703

ولا يكون ذلك أيضاً لو كانت قراءته ﵊ جهرية، فالإسرار عندهم يعني عدم السماع، والجهر عندنا وعندهم يعني السماع التام، وهنا حصل سماع غير تام، أي حصل الإسرار بالمعنى الذي نذهب إليه. وعن البراء ﵁ قال «كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات» رواه النسائي. أليس هذا النص دليلاً ظاهراً صريحاً على معنى الإسرار؟ إن الصلاة في الظهر وفي العصر صلاة سرية أي أن القراءة فيها تكون بالإسرار ومع ذلك جاء في الحديث الأول «ويُسمعنا الآية أحياناً» وجاء في الحديث الثاني «فنسمع منه الآية بعد الآيات» مما يدل دلالة بادية القوة والوضوح على أن الإسرار يعني خفض الصوت وليس كتمانه بالكليَّة، وأن الاستدلال بهذه النصوص على الجهر في الصلاة السرية استدلال خاطئ، وإلا لما قلنا إن الصلاة في الظهر وفي العصر صلاة سرية.

стр. 704

وأيضاً فقد رُوي عن أبي عبد الله الصُّنابحِيِّ أنه قال «قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمسَّ ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿ربَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ » رواه مالك. استمع إليه يقول «ثم قام في الثالثة ... فسمعته قرأ بأُمِّ القرآن وبهذه الآية ... » والركعة الثالثة في صلاة المغرب تكون القراءة فيها بالإسرار قطعاً، ولا يُتصور أن يصليها أبو بكر ﵁ جهراً، ومع هذا الإسرار فإن الصُّنابحِي قد سمعه يقرأ عندما دنا منه، مما يؤكد بما لا يدع مجالاً لخطأ أن الإسرار يعني خفض الصوت وليس كتمانه في هذه الأحاديث. ثم إن قوله هنا «فسمعته قرأ» يدل على أن (القراءة) لا تعني بالضرورة (الجهر) كما فسروها عند الاستدلال بحديث أم سلمة وغيره، ولهذا فإن أي حديث يذكر قراءة البسملة في الصلاة لا يصلح مطلقاً للاستدلال به على الجهر بها، فمن أسرَّ بها قرأ ومن جهر بها قرأ، فالقراءة تكون جهراً وتكون إسراراً، فيسقط استدلالهم بالأحاديث الناطقة بقراءة البسملة على دعواهم بالجهر بها، قال تعالى ﴿وإذْ أَسَرَّ النبيُ إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيْثَاً ... ﴾ الآية ٣ من سورة التحريم. فهذه الآية دلَّت على ما نذهب إليه من معنى الإسرار وهو خفض الصوت وليس كتمانه بالكلية، إذ عندما سمع مَن سمع رسول الله ﷺ يقرأ البسملة بالإسرار ونقل أنه سمع البسملة، أو نقل أنه سمع قراءة البسملة ظن بعضهم أن ذلك دالٌّ على الجهر بها فقالوا بالجهر بالبسملة في الصلاة، ولو أدركوا معنى الإسرار حقيقة لما قالوا ما قالوا، ولما اضطروا إلى معارضة الأحاديث الصحيحة والحسنة القائلة بالإسرار.

стр. 705

وأخيراً أعود لحديث نعيم المُجْمِر ثانية، فقد وجدتُ في صحيح ابن حِبَّان رواية لهذا الحديث كالتالي «صليت وراء أبي هريرة فقال بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ... » . فقد جاء في الحديث قوله «فقال بسم الله الرحمن الرحيم» وعقَّب عليه بقوله «ثم قرأ بأم الكتاب» فالبسملة قالها والفاتحة قرأها، فهذا التفريق بين تلاوة البسملة وتلاوة الفاتحة يدل على اختلاف الصوت بينهما، وما دام أن الفاتحة يُجهَر بها - وهنا عبَّر عن الجهر بالقراءة - فإن البسملة لم يُجهر بها، لأنه لم يقل إنه قرأ بها واكتفى بالقول إنه قالها، وذلك يعني المغايرة بينهما، فلم يبق إلا الإسرار بها، وهذه نقطة سادسة في الرد على حديث نعيم مما يجعله غير صالح للاستدلال على الجهر بالبسملة في الصلاة. قراءةُ الفاتحة في الصلاة تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة لا فرق بين ثنائية وثلاثية ورباعية، ولا بين مكتوبة ونافلة، ولا بين إمام ومأموم ومنفرد في سِرية أو جهرية. فالفاتحة - وتُسمى أيضاً أُمَّ القرآن - تجب قراءتها في كل صلاة في كل ركعة، ومن لم يقرأها في صلاته فصلاته باطلة تجب عليه إعادتها، فقد وردت نصوص صريحة قطعية الدلالة على ذلك: فروى عُبادة ابن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وأصرح منه في الدلالة ما رواه الدارقطني من طريق عبادة بن الصامت بسند صحيح بلفظ «لا تُجزئ صلاةٌ لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» . وروى ابن حِبَّان من طريق أبي هريرة الحديث بلفظ «لا تجزئ صلاةٌ لا يُقرَأُ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنت خلف الإمام؟ قال فأخذ بيدي وقال: اقرأ في نفسك» . فأي ادعاء بغير ذلك فهو معارِضٌ للنصوص قطعية الدلالة.
следующие страницы →