Полный текст (1 205 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بقيت مسألةٌ في الإسرار هي: هل الإسرار يعني إخفاءً للصوت إخفاءً تاماً، أم أن الإسرار يعني خفض الصوت بحيث يتميز عن الجهر؟ إن جمهرة الفقهاء أخذوا بالمعنى الأول، وأن الإسرار يعني كتمان الصوت وإخفاءه إخفاء تاماً، مستدلين بما رواه أنس «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه مسلم. فذكر «فلم أسمع أحداً منهم يقرأ» . وأن هذا هو مقابل الجهر استدلالاً بما رُوي عن أنس ﵁ قال «صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وكانوا لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أحمد. فذكر «وكانوا لا يجهرون» فأخذوا من النَّصَّين أن إعلان الصوت يعني الجهر وأن كتمانه يعني الإسرار، فعندما مرَّت عليهم أحاديث تقول بقراءة رسول الله ﷺ البسملة في الصلاة مثل حديث أُم سلمة الذي رواه ابن خُزَيمة مثلاً «أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدَّها آية ... » . وقد مرَّ قبل قليل، اتخذوها أدلة على الجهر بالبسملة في الصلاة قائلين إن المصلِّين ما كانوا ليسمعوا قراءة الرسول ﷺ لولا أنه جهر بها. واستناداً إلى هذه الأحاديث قال الشافعي ومعه عدد من الفقهاء منهم إسماعيل بن حماد وأبو خالد الوالبي الكوفي بالجهر بالبسملة في الصلاة.
فنقول لهؤلاء وأولئك إن الإسرار هو ضد الجهر، فالجهر هو رفع الصوت، والجهر في الصلاة الجهرية يعني رفع الصوت بحيث يصل إلى المأمومين، فيسمع صوتَ الإمام في القراءة المصلُّون في جميع الصفوف أو في معظمها، لأن المطلوب من الإمام إسماعُ المصلين، فيجهر بالصلاة ليُسمعهم قراءته، والخطيب إذا خطب الناس رفع صوته بحيث يجعلهم يسمعون خطبته.
стр. 702
هذا هو الجهر، يقابله الخفض والإسرار، فعندما يصلي الإمام صلاة سرية كأن يصلي صلاة الظهر فإنه لا يرفع صوته بالقراءة ليُسمع المصلين وإنما يقرأ لنفسه، ولا يعني أنه يقرأ لنفسه أنه يُحظر عليه أن يُسمِع صوتَه المصطفِّين خلفه مباشرة، فلو سمع المصطفُّون خلف الإمام نبرات قراءة الإمام وتبينوا منها أنه يقرأ، بل وسمعوا قراءته الخفيضة فإن ذلك لا يتناقض مع الإسرار، ولا يعتبر هذا الفعل جهراً بالقراءة، والدليل على ما نقول ما رواه أبو قتادة ﵁، قال «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة ويُسمعنا الآية أحياناً» رواه البخاري. فهنا صلى الرسول ﷺ الظهر وهي صلاة سرية، وصلى العصر وهي أيضاً صلاة سرية، ومع ذلك قال الحديث «يقرأ في الركعتين» وذكر أنه قرأ فاتحة الكتاب وسورة سورة، وما كان للراوي أن يعلم بقراءة الرسول ﷺ لولا أنه يسمعها، وأوضح من ذلك في الدلالة قوله «ويُسمعنا الآية أحياناً» فكيف يَسمع المصلون قراءة الرسول ﷺ في صلاتي الظهر والعصر السريتين؟ إنهم يسمعون القراءة سماعاً متقطعاً، فمرة يَسمعون وأخرى لا يسمعون بدلالة قوله «ويُسمعنا الآية أحياناً» وما كان ذلك ليكون لو كانت القراءة في نفس الرسول ﷺ كما يفهمون الإسرار.
стр. 703
ولا يكون ذلك أيضاً لو كانت قراءته ﵊ جهرية، فالإسرار عندهم يعني عدم السماع، والجهر عندنا وعندهم يعني السماع التام، وهنا حصل سماع غير تام، أي حصل الإسرار بالمعنى الذي نذهب إليه. وعن البراء ﵁ قال «كنا نصلي خلف النبي ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات» رواه النسائي. أليس هذا النص دليلاً ظاهراً صريحاً على معنى الإسرار؟ إن الصلاة في الظهر وفي العصر صلاة سرية أي أن القراءة فيها تكون بالإسرار ومع ذلك جاء في الحديث الأول «ويُسمعنا الآية أحياناً» وجاء في الحديث الثاني «فنسمع منه الآية بعد الآيات» مما يدل دلالة بادية القوة والوضوح على أن الإسرار يعني خفض الصوت وليس كتمانه بالكليَّة، وأن الاستدلال بهذه النصوص على الجهر في الصلاة السرية استدلال خاطئ، وإلا لما قلنا إن الصلاة في الظهر وفي العصر صلاة سرية.
стр. 704
وأيضاً فقد رُوي عن أبي عبد الله الصُّنابحِيِّ أنه قال «قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمسَّ ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿ربَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ » رواه مالك. استمع إليه يقول «ثم قام في الثالثة ... فسمعته قرأ بأُمِّ القرآن وبهذه الآية ... » والركعة الثالثة في صلاة المغرب تكون القراءة فيها بالإسرار قطعاً، ولا يُتصور أن يصليها أبو بكر ﵁ جهراً، ومع هذا الإسرار فإن الصُّنابحِي قد سمعه يقرأ عندما دنا منه، مما يؤكد بما لا يدع مجالاً لخطأ أن الإسرار يعني خفض الصوت وليس كتمانه في هذه الأحاديث. ثم إن قوله هنا «فسمعته قرأ» يدل على أن (القراءة) لا تعني بالضرورة (الجهر) كما فسروها عند الاستدلال بحديث أم سلمة وغيره، ولهذا فإن أي حديث يذكر قراءة البسملة في الصلاة لا يصلح مطلقاً للاستدلال به على الجهر بها، فمن أسرَّ بها قرأ ومن جهر بها قرأ، فالقراءة تكون جهراً وتكون إسراراً، فيسقط استدلالهم بالأحاديث الناطقة بقراءة البسملة على دعواهم بالجهر بها، قال تعالى ﴿وإذْ أَسَرَّ النبيُ إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيْثَاً ... ﴾ الآية ٣ من سورة التحريم. فهذه الآية دلَّت على ما نذهب إليه من معنى الإسرار وهو خفض الصوت وليس كتمانه بالكلية، إذ عندما سمع مَن سمع رسول الله ﷺ يقرأ البسملة بالإسرار ونقل أنه سمع البسملة، أو نقل أنه سمع قراءة البسملة ظن بعضهم أن ذلك دالٌّ على الجهر بها فقالوا بالجهر بالبسملة في الصلاة، ولو أدركوا معنى الإسرار حقيقة لما قالوا ما قالوا، ولما اضطروا إلى معارضة الأحاديث الصحيحة والحسنة القائلة بالإسرار.
стр. 705
وأخيراً أعود لحديث نعيم المُجْمِر ثانية، فقد وجدتُ في صحيح ابن حِبَّان رواية لهذا الحديث كالتالي «صليت وراء أبي هريرة فقال بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ... » . فقد جاء في الحديث قوله «فقال بسم الله الرحمن الرحيم» وعقَّب عليه بقوله «ثم قرأ بأم الكتاب» فالبسملة قالها والفاتحة قرأها، فهذا التفريق بين تلاوة البسملة وتلاوة الفاتحة يدل على اختلاف الصوت بينهما، وما دام أن الفاتحة يُجهَر بها - وهنا عبَّر عن الجهر بالقراءة - فإن البسملة لم يُجهر بها، لأنه لم يقل إنه قرأ بها واكتفى بالقول إنه قالها، وذلك يعني المغايرة بينهما، فلم يبق إلا الإسرار بها، وهذه نقطة سادسة في الرد على حديث نعيم مما يجعله غير صالح للاستدلال على الجهر بالبسملة في الصلاة.
قراءةُ الفاتحة في الصلاة
تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة لا فرق بين ثنائية وثلاثية ورباعية، ولا بين مكتوبة ونافلة، ولا بين إمام ومأموم ومنفرد في سِرية أو جهرية. فالفاتحة - وتُسمى أيضاً أُمَّ القرآن - تجب قراءتها في كل صلاة في كل ركعة، ومن لم يقرأها في صلاته فصلاته باطلة تجب عليه إعادتها، فقد وردت نصوص صريحة قطعية الدلالة على ذلك: فروى عُبادة ابن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وأصرح منه في الدلالة ما رواه الدارقطني من طريق عبادة بن الصامت بسند صحيح بلفظ «لا تُجزئ صلاةٌ لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» . وروى ابن حِبَّان من طريق أبي هريرة الحديث بلفظ «لا تجزئ صلاةٌ لا يُقرَأُ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنت خلف الإمام؟ قال فأخذ بيدي وقال: اقرأ في نفسك» . فأي ادعاء بغير ذلك فهو معارِضٌ للنصوص قطعية الدلالة.
стр. 706
وقد استدل عدد من الفقهاء بنصوص أخرى على أن الفاتحة لا تجب قراءتها، فلنقف عند هذه النصوص: روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام، فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك ... » رواه مسلم. وعن عمران بن حصين ﵁ قال «صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر أو العصر فقال: أيكم قرأ خلفي بـ سبّح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا ولم أُرد بها إلا الخير قال: قد علمتُ أن بعضكم خالَجَنيها» رواه مسلم. وروى أحمد من طريق أبي هريرة ﵁ حديثاً جاء فيه « ... إني أقول مالي أُنازَع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر به من القراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » . وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلَّى، ثم جاء فسلَّم على رسول الله ﷺ ، فردَّ رسول الله ﷺ السلام، قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تُصلِّ، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلَّم عليه، فقال رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أُحْسِنُ غيرَ هذا، علِّمني، قال: إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجُد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» رواه مسلم.
стр. 707
فقالوا عن الحديث الأول إن كلمة خداج تعني ناقصة غير تامة، بمعنى أن الصلاة ناقصة، وكونها ناقصة لا يعني أنها باطلة، لأن الباطل لا يوصف بالنقص، وقالوا عن الحديثين الثاني والثالث إن كون الرسول ﷺ قد نهى عن قراءة المأمومين خلفه - والقراءة تشمل الفاتحة وما تيسَّر من القرآن - فإنه يكون قد نهى عن قراءة الفاتحة، والنهي عن قراءة الفاتحة ما كان ليكون لولا أنها غير واجبة، وإذن فإن قراءة الفاتحة في الصلاة غير واجبة. وقالوا عن الحديث الرابع - وهو المشهور عند الفقهاء بأنه حديثُ المسئ صلاته - إنه يدل بشكل واضح على أن الفاتحة لا تجب، لأن الرسول ﷺ قال له «ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن» . فأية آية من القرآن تجزئ في الصلاة. وجوابنا على شبهاتهم كالتالي:
أولاً: أ - نحن لا نُسلِّم بأن الباطل لا يوصف بالنقص، فالعَقد مثلاً إن كانت شروطه ناقصة نقصاً معيناً يصبح باطلاً كأنه لم ينعقد، والحج إن نقص الوقوف بعرفة صار باطلاً، والصوم إن نقص النية بطل، فالصلاة إن نقصت الفاتحة بطلت، فيقال لفاعلها نقصت صلاتك كما يقال للحاج نقص حجك وهكذا، وربما لا يكون النقص مؤدياً إلى البطلان، فالنقص كما قد يفيد البطلان فإنه قد يفيد الصحة غير الكاملة، فلا يجوز اعتبار النقص ذا معنى واحد فحسب بل إن له معنيين اثنين، ولا يصار إلى الترجيح إلا بقرينة، فأين القرينة هنا على أن النقص لا يفيد البطلان؟.
ب - لو سلَّمنا بما يدَّعون فإنا نسألهم: كيف يُتمُّون النقص وبماذا يُتمُّونه؟ فإن قالوا نتمُّه بالفاتحة كما هو نص الحديث قلنا إن هذا يُسند رأينا، وإن قالوا نتمُّه بآيات أخرى من القرآن قلنا لا يوجد على ذلك دليل في النص هذا.
ج - ألا ترون إلى تتمة الحديث كيف سأل السامعون أبا هريرة، وبماذا أجابهم؟ ألم يأمرهم بقراءة الفاتحة في نفوسهم؟ ألا يدل ذلك على ضرورة الفاتحة نفسها، وأنه لا يغني عنها سواها؟.
стр. 708
ثانياً: إنا أيضاً لا نسلم بدعواهم أن الرسول ﷺ قد نهاهم عن قراءة الفاتحة خلفه، وإنما الصحيح أن النهي كان عن اقتران قراءتهم بقراءته ﵊، فالنهي إنما هو عن أن يقرأوا الفاتحة في أثناء قراءته هو للفاتحة، ولا يفيد النهي أكثر من ذلك، فقوله ﵊ «قد علمتُ أن بعضكم خالجنيها» وقوله «مالي أُنازَع القرآن» واضح الدلالة على ما نقول، فلو لم ينازَع ﵊ القرآن لما كان النهي ولما كان الانتهاء، فلما تبين هذا علمنا أن النهي لم يشمل القراءة في غير ذلك الوقت، وإنما بقيت القراءة على حالها من الوجوب، ويشهد لهذا المعنى ما جاء فيما رواه عُبادة بن الصامت ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، فثقُلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرأون وراء إمامكم، قلنا: نعم والله يا رسول الله إنا لنفعل هذا، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» رواه أحمد. ورواه الترمذي وقال (حديث عُبادة حديث حسن والعمل على هذا في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين) ورواه أبو داود بلفظ «.. فلا تقرأوا بشئ من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن» ورواه النَّسائي بلفظ « ... لا يقرأنَّ أحدٌ منكم إذا جهرتُ بالقراءة إلا بأُمِّ القرآن» . فقد دل هذا على أن النهي إنما هو عن المخالجة والمقارنة، وبقي الوجوب على حاله من حيث قراءة الفاتحة خلف النبي ﷺ ، ولم يكتف بطلبها بل طلبها مقرونة بحكمها وهو الوجوب الذي يكون معه التَّمام، ويكون بفقده البطلان. وبإدراك هذا المعنى يدرك معنى الحديث الذي رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا ... » رواه أحمد وابن
стр. 709
ماجة والنَّسائي وصححه مسلم. فالنهي محصور في حالة قراءة الإمام لا غير، وهو هو المعنى نفسه الذي أراده الله سبحانه بقوله تعالى ﴿وإذَا قُرِئ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ﴾ الآية ٢٠٤ من سورة الأعراف. فقد فسرها جمهرة المفسرين من صحابة رسول الله ﷺ بالامتناع عن القراءة خلف الإمام في أثناء قراءته في الصلاة الجهرية، فالمخالجة والمنازعة هما علة النهي، وهي التي جاءت فيما رواه عبد الله ﵁ قال «كانوا يقرأون خلف النبي ﷺ فقال: خلطتم عليَّ القرآن» رواه أحمد. فالعلة للنهي إذن هي خلط القرآن على الإمام، وحيث أنَّ هذه العلة تنتفي في الصلاة السرية فإنَّ المأمومين يجب عليهم أن يقرأوا الفاتحة. وحيث أن هذه العلة تنتفي أيضاً عندما يسكت الإمام في الصلاة الجهرية فإنَّ المأمومين يقرأونها آنذاك خلفه، فالحكم مداره على العلة كما هو معلوم، فلا يصلح الحديث الثاني ولا الحديث الثالث للاستدلال على جواز ترك الفاتحة في الصلاة مطلقاً.
ثالثاً: أما بخصوص الشبهة الثالثة وهي الاستدلال بما جاء في حديث المسئ صلاته من قول الرسول ﵊ «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» فالرد عليها من وجوه:
أ- قوله (ما تيسَّر من القرآن) عام يشمل الفاتحة كما يشمل غيرها، والعام يبقى عاماً إلا إن ورد دليل التخصيص، وقد ورد دليل التخصيص لهذا العام بالأمر بقراءة الفاتحة في أحاديث صحيحة عديدة، فيتعين الأخذ بها والمصير إليها، وحمل العام على الخاص.
стр. 710
ب - إن هذا الحديث نفسه قد روي من طريق رفاعة بن رافع الزرقي عند أحمد بلفظ « ... أَعِدْ صلاتَك فإنَّك لم تُصلِّ، فقال: يا رسول الله علمني كيف أصنع؟ قال: إذا استقبلت القبلة فكبِّر، ثم اقرأ بأُمِّ القرآن ثم اقرأ بما شئت ... » ورواه رفاعة ابن رافع ﵁ بلفظ « ... ثم اقرأ بأُمِّ القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ ... » رواه أبو داود والشافعي في مسنده. فأضاف هذان النصان الأمرَ بقراءة الفاتحة زيادةً على ما جاء في رواية مسلم السابقة، والمعلوم أن الزيادة الواردة في حديثٍ على حديثٍ ثان تُؤخذ ويُعمل بها، وهنا ذُكرت الفاتحة زيادة على نص مسلم، فتُقبل ويُعمل بها.
стр. 711
ج - إن الرسول ﷺ قد رخَّص لمن لا يحسن قراءة القرآن أن يستعيض عنه بذكر الله سبحانه من تهليل وتحميد وتسبيح ... إلخ - وسيأتي هذا البحث بتمامه عقب هذا البحث مباشرة - فقراءة آيات من القرآن في هذه الحالة الخاصة لا شك أَوْلى من التهليل والتسبيح ... إلخ، فلو أسلم شخص حديثاً واستطاع أن يحفظ الفاتحة قبل أن يحين موعد الصلاة المكتوبة فإن قراءتها تصبح واجبة عليه في الصلاة، أما إن لم يستطع حفظها وكان يحفظ آيات من القرآن غيرها قرأ بها عوضاً عن الفاتحة، فإن لم يكن يُحسن قراءة شئ من القرآن سبَّح الله وهلَّل وكبَّر وهكذا، فالعدول عن الفاتحة إلى ما تيسر من القرآن أو إلى الأذكار هي رخصةٌ لمن لا يحفظها، ولا يجوز تعميمها على جميع الحالات والأحوال. وعندما نظرنا في جميع روايات حديث المسئ صلاته وجدنا روايةً للترمذي وأخرى لابن خُزَيمة تفيدان أن الحالة التي كان عليها المسئ صلاته هي من هذا القبيل، فهذا الشخص كما بدا لم يكن يحسن الصلاة، فجاءت روايات تطلب منه قراءة ما تيسر من القرآن كرواية مسلم، وجاءت روايات تطلب منه ذكر الله سبحانه إن لم يكن يحسن شيئاً من القرآن، فقد جاء في حديث الترمذي من طريق رفاعة بن رافع « ... فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبِّرْه وهلِّله ثم اركع ... » . وإذن فإن هذا الحديث - أي حديث المسئ صلاته - إنما جاء يعالج موضوعاً خاصاً فيُقْصر عليه ولا يعمُّ غيره، فيُستدل به على حالة من لا يحسن قراءة الفاتحة، أو من لا يحسن قراءة شئ من القرآن، فلا حُجَّة فيه لمن أراد الاستدلال به على عدم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. لهذه النقاط الثلاث يتبين أن الاستدلال بحديث المسئ صلاته على عدم وجوب قراءة الفاتحة هو استدلال في غير محله وظاهر الخطأ، فينبغي العدول عنه والقول بوجوب قراءة الفاتحة.
стр. 712
نعود لما بدأنا به بحثنا فنقول: إن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة دون استثناء، وإن تخصيص قراءتها بالركعتين الأوليين من الصلاة الثلاثية أو الرباعية هو تخصيص دون دليل صحيح، بل الدليل هو على عكس ما يذهبون إليه، فقد روى أبو قتادة ﵁ أن النبي ﷺ «كان يقرأ في الظهر في الأُولَيين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخْرَيين بأم الكتاب، ويُسْمِعُنا الآية، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطوِّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» رواه البخاري.
وقلنا إن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام وعلى المأموم وعلى المنفرد في الصلاة السرية وفي الصلاة الجهرية، ونضيف هنا أن الإمام والمأموم والمنفرد يقرأون الفاتحة في الصلاة السرية دون إشكال، وذلك واضح، وأما في الصلاة الجهرية فالإمام والمنفرد يقرآن الفاتحة فيها دون إشكال أيضاً، فتبقى قراءة المأموم في الصلاة الجهرية، فهذه القراءة مِن قِبَل المأموم سبق فيها نهي «وإذا قرأ فأنصتوا» ، «إني أراكم تقرأون وراء إمامكم» ، «خلطتم عليَّ القرآن» ، «ما لي أُنازعُ القرآن» ، وقد مرَّ كلُّ هذا، وهذا كله عام، وجاء استثناءٌ بحديث عُبادة «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن» ، «فلا تقرأوا بشئ من القرآن إذا جهرتُ إلا بأُمِّ القرآن» ، «لا يقرأنَّ أحدٌ منكم إذا جهرتُ بالقراءة إلا بأُمِّ القرآن» . وقد مرَّ الحديث برواياته هو الآخر.
وإذن فإن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية سوى الفاتحة فحسب ويترك ما سواها من آيات القرآن والسور، لأن الفاتحة وحدها مستثناة من النهي ويبقى النهي شاملاً ما سواها من القرآن.
стр. 713
أما الأحاديثُ التي يستدلون بها على أنَّ قراءة الإمام قراءةٌ للمأموم، بمعنى أنه ليس على المأموم أن يقرأ الفاتحة، من مثل ما رُوي عن عبد الله بن شدَّاد عن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ «مَن كان له إمامٌ فقراءةُ الإمام له قراءة» رواه الدارقطني. وما رُوي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «تكفيك قراءةُ الإمام خافَتَ أو جهرَ» رواه الدارقطني. فإنَّ هذه الأحاديث كلها ضعيفةٌ، ضعَّفها الدارقطني نفسُه، كما ضعَّفها ابن حجر العسقلانيُّ، وقال الحافظ الرَّازي - وقد سُئل عن حديث «مَن كان له إمامٌ فقراءةُ الإمام له قراءةٌ» : لم يصحَّ عن النبي ﷺ فيه شئ، إنما اعتمد مشايخنا فيه على الروايات عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، فلا يُلتفتُ لهذه الأحاديث.
стр. 714
أما متى يقرأ المأموم الفاتحة فإنه يقرأُها في سَكْتة الإمام عقب فراغه من قراءة الفاتحة وقبل قراءة السورة بعدها فيحقق واجب القراءة والاستماع لقراءة الإمام، ولهذا فإن على الإمام أن يسكت فترة تكفي لقراءة الفاتحة ما بين فراغه من قراءة الفاتحة وقراءة السورة بعدها، فعن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بهم سكت سكتتين إذا افتتح الصلاة، وإذا قال ولا الضالين سكت أيضاً هُنَيَّةً» رواه أحمد. ورواه أبو داود بلفظ «حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين» . فإن لم يسكت الإمام، أو كان سكوته أقصر مما تحتاج إليه قراءة الفاتحة فلا يدع المأموم قراءة الفاتحة، وإنما يقرأها والإمام يقرأ السورة ولا حرج عليه في ذلك، فلْيحرص المسلم على قراءة الفاتحة، ولْيحذر من تركها في أية ركعة من ركعات صلاته، لأنَّ من تركها عمداً أو سهواً في أية ركعة بطلت صلاته ووجب عليه أن يعيد، ولا يجبرها سجود السَّهو.
صلاةُ مَن لا يُحسن قراءة الفاتحة
стр. 715
قلنا إنَّ قراءة الفاتحة لا تجزئ صلاةٌ بدونها، وإنَّ على المصلي أن يقرأها في كل ركعة من ركعات صلاته، ولكن قد يدخل في الإسلام شخص لا يعرف الفاتحة ولا يحفظها وعاجلته الصلاة المكتوبة قبل أن يتعلمها فيمكنه في هذه الحالة الاستعاضة عنها بما يحفظه من القرآن، فإن كان لا يحفظ من القرآن شيئاً استعاض عنه بالقول [سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله] فإن استعصى عليه حفظُه كله أمكنه حفظ جزء من هذا الذكر وتكون صلاته صحيحة، فقد روى رفاعة بن رافع - في حديث المسئ صلاته - أن الرسول ﷺ قال « ... إذا قمتَ إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهَّد، فأَقم ثم كبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله وكبِّره وهلِّلْه ثم اركع ... » . رواه ابن خُزَيمة. ورواه الترمذي باختلاف يسير في اللفظ. ففي هذا الحديث أمره الرسول ﷺ أن يقرأ أولاً قرآناً، وإلا حمِد الله وكبَّره وهلَّلَه، وعن عبد الله بن أبي أوفى قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علِّمني شيئاً يُجزئني من القرآن فإني لا أقرأ، فقال قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله..» رواه ابن خُزَيمة والدارقطني والنَّسائي. ورواه أحمد ولفظه «يا رسول الله إني لا أستطيع أخذ شئ من القرآن فعلِّمني ما يُجْزِئُني ... » . ففي هذا الحديث زيادة في الذكر على ما جاء في الحديث السابق، فيقرأ المصلي ما يستطيع حفظه منه، وليعجل في حفظ الفاتحة حتى يستطيع الصلاة بها.
التأمينُ في الصلاة
стр. 716
يُندب للإمام وللمأموم وللمنفرد التأمينُ عقب الفراغ من قراءة الفاتحة سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وإلا فوَّت عليه خيراً كثيراً، فقد ورد في فضل التأمين ما رواه أبو زهير قال «أُخبركم عن ذلك، خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتينا على رجل قد ألحَّ في المسألة، فوقف النبي ﷺ يستمع منه، فقال النبي ﷺ : أَوْجَبَ إنْ خَتَمَ، فقال رجل من القوم: بأي شئ يَختِم؟ قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب ... » رواه أبو داود. قوله إن ختم بآمين فقد أوجب: أي إن قال آمين عقب فراغه من دعائه فقد نال الاستجابة.
стр. 717
وهذا وإن كان في غير الصلاة، فإنه يصلح كذلك في الصلاة لأنه متعلق بالدعاء، والدعاء كما يكون في غير الصلاة يكون في الصلاة أيضاً، فيُندب للمسلم عقب فراغه من الدعاء في الصلاة كما في خارجها أن يقول آمين، وآمين كلمة تعني اللهم استجب. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين» رواه ابن ماجة. والتأمين يتبع القراءة في الجهر والسِّرِّ، ففي الجهر يُؤمِّن جهراً، وفي السِّرِّ يُؤمِّن سراً، لا فرق بين الإمام والمنفرد والمأموم، فإذا جهر الإمام بالقراءة جهر بالتأمين، فجهر المأموم بالتأمين، وإذا أسرَّ الإمام القراءة أسرَّ التأمين فأسرَّ المأموم التأمين. وحال المنفرد كحال الإمام في ذلك، فعن وائل بن حُجر ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ولا الضَّالِّين قال آمين، ويرفع بها صوته» رواه الدارمي وأبو داود. ورواه أحمد بلفظ «فقال آمين يمدُّ بها صوته» . ووقع عند النَّسائي من طريق وائل بلفظ «صليت خلف رسول الله ﷺ فلما كبَّر رفع يديه أسفل مِن أذنيه، فلما قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال آمين، فسمعته وأنا خلفه ... » . ووقع عند أبي داود من طريق وائل بن حُجْر ﵁ «إنه صلى خلف رسول الله ﷺ فجهر بآمين، وسلَّم عن يمينه وعن شماله، حتى رأيت بياض خده» . فهذه نصوص دالَّة على مشروعية التأمين في الصلاة، وأن الإمام يجهر به ليسمعه مَن خلفه.
стр. 718
كما أن المشروع في التأمين في صلاة الجماعة الجهرية المقارنة بين تأمين الإمام وتأمين المأمومين، فإذا قال الإمام ولا الضالين قال هو آمين، وقال المأمومون في الوقت نفسه أمين، دون أن ينتظروه حتى يفرغ منها، وإلا فاتت الجميع فضيلة المقارنة. وحتى لا تفوتهم المقارنة يمدَّ الإمام التأمين ولا يحذفه حذفاً فيتمكن المأمومون من التأمين مع تأمين إمامهم، فقد مرَّ قبل قليل أن الرسول ﷺ كان يمدُّ بها صوته كما جاء في حديث أحمد.
стр. 719
أما فضيلة المقارنة فقد وردت فيها عدة أحاديث نُورد قسماً منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أمَّن القارئ فأمِّنوا فإن الملائكة تُؤمِّن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه» رواه النَّسائي وابن ماجة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين، فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه النَّسائي. ورواه أحمد بلفظ «فإن الملائكة يقولون» ورواه الشافعي في مسنده بدون «فإن الملائكة تقول آمين، وإن الإمام يقول آمين» ووقع عند مسلم من طريق أبي هريرة بلفظ «لا تبادروا الإمام، إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال ولا الضالين فقولوا آمين ... » وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنَّه مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» رواه البخاري ومالك وأبو داود. قوله إذا أمَّن القارئ، وإذا أمَّن الإمام، في الحديثين السابقين: يعني عندما يُؤمِّن، أو حين يُؤمِّن. وليس معناه إذا أتمَّ التأمين، أو بعد أن يُؤمِّن كما فسره آخرون. وذلك حتى يتوافق تأمين المأمومين مع تأمين إمامهم، ويقوى الاحتمال بالتوافق مع تأمين الملائكة، يدل على ذلك ما جاء في الحديث السابق «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين» فلم يطلب من المأمومين هنا انتظار تأمين الإمام فضلاً عن إتمامه، وهذا معناه أن يبادر الإمام كما يبادر المأمومون إلى التأمين عقب الفراغ من الفاتحة في الصلاة الجهرية.
قراءةُ ما زاد على الفاتحة من القرآن في الصلاة
стр. 720
يُندب للمسلم أن يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم عقب قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة وفي صلاة النافلة، إماماً كان أو منفرداً، في الصلاة السرية وفي الصلاة الجهرية، وأما المأموم فيُندب له ذلك في الصلاة السرية فحسب، فقد مرَّ الحديث المروي من طريق أبي قتادة ﵁ في بحث [قراءة الفاتحة في الصلاة] ونصه هو «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأُولَيين بأُم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يطوِّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد. وقد أَثبت هذا الحديث قراءة سورة من سور القرآن الكريم في كل ركعة من الركعتين الأوليين إضافة لقراءة الفاتحة في كلٍّ منهما، وذلك في صلاة الظهر، وفي صلاة العصر، وفي صلاة الصبح.
стр. 721
وليس لقراءة ما تيسر من القرآن مقدار معلوم، فالسنة تحصل بقراءة أي قدر من القرآن الكريم، فهي تحصل بقراءة آية واحدة، وبقراءة آيتين، وبقراءة ثلاث آيات، كما تحصل بقراءة سورة قصيرة مثل سورة [قل يا آيها الكافرون] فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عِظامٍ سِمان؟ قلنا: نعم، قال: فثلاثُ آيات يقرأ بهن أحدُكم في صلاته خير له من ثلاث خَلِفَاتٍ عظامٍ سمانٍ» رواه مسلم. والخَلِفات: هي الحوامل من الإبل. فهنا ذُكرت ثلاث آيات. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعةِ الجمعةَ والمنافقين» رواه ابن حِبَّان. فهنا ذُكرت سورة الكافرون وسورة قل هو الله أحد، وهما من أقصر سور القرآن. وعن أبي ذر ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ ليلةً، فقرأ بآية حتى أصبح يركع ويسجد بها ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبَادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ الحَكِيْمُ﴾ » رواه أحمد. وعن ابن عباس ﵁ قال «أكثر ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُوْلُوْا آمَنَّا بِاللهِ ومَا أُنْزِلَ إليْنَا ومَا أُنْزِلَ إلى إبْرَاهِيْمَ ... ﴾ إلى آخر الآية، وفي الأخرى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُوَن﴾ » رواه ابن خُزَيمة. فقد دل هذان الحديثان على أن الرسول ﷺ كان يقرأ آيةً واحدة فحسب في الركعة الواحدة. فالأمر إذن موسَّع، يبدأ بقراءة آية واحدة وينتهي بمقدار ما يطيق المسلم قراءته من القرآن، فقد يقرأ المسلم الآيات الكثيرة، وقد
стр. 722
يقرأ سورة قصيرة واحدة، وقد يقرأ السورتين، وقد يقرأ السور الكثيرة الطويلة منها والقصيرة، يختار ما يشاء بحسب قدرته وسعة وقته لا سيما في قيام الليل. قال عبد الله بن مسعود ﵁ «إني لأَعرفُ النظائر التي كان يقرأ بهنَّ رسول الله ﷺ اثنتين في ركعة عشرين سورة في عشر ركعات» رواه مسلم. ويعني بالنظائر السور المتشابهة في ما تحتويه من مواعظ أو أوامر أو عقائد وهكذا، وعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂ «هل كان رسول الله ﷺ يجمع بين السور في ركعة؟ قالت: المُفَصَّل» رواه أحمد. والمُفصَّل: هو السُّبع الأخير من القرآن الكريم يبدأ بسورة الحجرات على الرأي الأصحِّ. وعن حُذيفة ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركعُ عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه» رواه مسلم. فهذه ثلاثة أدلة، الأول يدل على قراءة سورتين اثنتين في الركعة الواحدة، والثاني يدل على عدد غير محدَّدٍ من السور القصيرة في الركعة الواحدة، والثالث يدل على قراءة أطول ثلاث سور في الركعة الواحدة، فالأمر موسَّع كما قلت.
стр. 723
وتُستحب القراءة في الركعتين الأوليين من كل صلاة من الصلوات المفروضة والنافلة، فقد مرَّ حديث أبي قتادة ﵁ وجاء فيه «يقرأ في الظهر في الأُوليين بأُمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأُم الكتاب» إلى أن قال «وهكذا في العصر وهكذا في الصبح» . وإذن فإنها سُنَّة المصطفى ﵊، يشهد لها ما رُوي عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال «قال عمر لسعد: لقد شكَوْك في كل شئ حتى الصلاة، قال: أما أنا فأمدُّ في الأُوليين وأحذف في الأُخريين، ولا آلو ما اقتديتُ به من صلاة رسول الله ﷺ ، قال: صدقتَ ذلك الظنُّ بك أو ظني بك» رواه البخاري. ورواه مسلم وأحمد بلفظ فيه اختلاف يسير.
стр. 724
فقول سعد بن أبي وقاص لعمر بن الخطاب ﵄ «أمُدُّ في الأُوليين وأَحْذف في الأُخريين» يؤكد هذه السنة النبوية، وهي القراءة في الركعتين الأوليين فحسب. ولكن تجوز القراءة في الركعتين الأخريين، والدليل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأُوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأُخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأُوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأُخريين قدر نصف ذلك» رواه مسلم. فهذا نص واضح الدلالة على أن الرسول ﷺ قد قرأ في الركعتين الأُخريين في صلاتي الظهر والعصر ما تيسر له من القرآن، قرأ في العصر على النصف مما قرأ في الظهر، وهذا عندي منه ﵊ إنما هو لأجل بيان الجواز، شأنه في ذلك شأن اقتصاره في إحدى صلواته على قراءة الفاتحة لبيان الجواز، فقد روى ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ جاء فصلَّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بأم الكتاب» رواه أحمد. وقد فهم الصحابة حكم الجواز هذا، يدل عليه ما رُوي عن أبي عبد الله الصُّنابحِي أنه قال «قدمْتُ المدينة في خلافة أبي بكر الصِّدِّيق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأُوليين بأم القرآن وسورة، وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إنَّ ثيابي لتكادُ أن تمسَّ ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿ربَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ » رواه مالك. وروى نافع «أن عبد الله بن عمر كان إذا صلَّى وحده يقرأ في الأربعة جميعاً في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن ... » رواه مالك.
стр. 725
ويجوز تكرار قراءة السورة الواحدة أو الآية الواحدة في ركعات الصلاة، فقد مرَّ قبل قليل حديث أبي ذر وجاء فيه «صلى رسول الله ﷺ ليلةً، فقرأ بآية حتى أصبح يركع ويسجد بها ... » . وروى رجل من جُهَينة «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح إذا زلزلت الأرض، في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أَنَسي رسولُ الله ﷺ أم قرأ ذلك عمداً» رواه أبو داود. قوله رجلٌ من جهينة لا يضعف الحديث لأن جهالة الصحابي لا تضرُّ، وقول الصحابي أَنَسي أم قرأ ذلك عمداً لا يغير من الحقيقة شيئاً بأنه ﵊ فعل ذلك.
والسُّنُّة إطالة الركعة الأولى بالإكثار من القراءة فيها، ثم تكون الركعة الثانية دونها في الطول، وتكون الركعتان الثالثة والرابعة دون الثانية، فعن أبي قتادة ﵁ قال «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأُوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطوِّل في الأولى ويقصِّر في الثانية ويُسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطوِّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصِّر في الثانية» رواه البخاري ومسلم. وقد روى أبو داود تعقيب أبي قتادة على روايته هذه بقوله «فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى» .
стр. 726
ولست أريد هنا الخوض في أبحاث العقيدة فأُناقش الرأيين المتعارضين بخصوص سور القرآن الكريم في المصحف، هل ترتيبها توقيفي أم اجتهادي من الصحابة، لأن مجال هذا البحث في غير هذا الموضع، وإنما أكتفى بالقول إن المسلم غير مقيَّد بترتيب سور القرآن في المصحف لدى تلاوته لها في صلاته، فلا تلزمه قراءة السور حسب ترتيبها في المصحف، بل تصح له قراءة سورة الإخلاص مثلا في الركعة الأولى ثم قراءة سورة الكوثر في الثانية، وسورة العصر في الأولى، وسورة الانشراح في الثانية، ويستطيع أن يقرأ في ركعة واحدة سورة تبارك ثم سورة يس ثم سورة الكهف مثلا، والدليل على ذلك حديث حذيفة عند مسلم، وقد مرَّ وجاء فيه «فافتتح البقرة ... ثم افتتح النِّساء ... ثم افتتح آل عمران» على خلاف ترتيب هذه السور في المصحف.
أما الذي لا يجوز فعله فهو قراءة القرآن منكَّساً، بمعنى أن تقرأ آية ثم تقرأ الآية التي قبلها لا التي بعدها، ثم تقرأ الآية التي قبلها وهكذا، فهذه القراءة حرام لا تجوز في الصلاة ولا في غير الصلاة، لأن ترتيب الآيات في سور القرآن توقيفي قطعاً باتفاق المسلمين لا تجوز معارضته ولا مخالفته.
قراءة القرآن في الصلوات الخمس
إن ما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة مما كان يقرأه رسول الله ﷺ في الصلوات الخمس يدل على أنه ليست هناك سُنَّةٌ ثابتة في اختيار الآيات القرآنية لكل صلاة، لذا فإن المسلم بالخيار بين قراءة هذه السورة أو تلك في هذه الصلاة أو تلك، فليست أية سورة من سور القرآن الكريم بأفضل من أختها لصلاةٍ دون صلاة، يدل على ذلك أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الصلاة الواحدة كالمغرب مثلاً بقِصار المُفَصَّل تارة، وبالسور الطويلة تارة أخرى، مما ينفي اختصاص أية صلاة مكتوبة بسورٍ معينة.
стр. 727
وباستعراض الأحاديث الصحيحة والحسنة نجد أن الرسول ﷺ قد قرأ في الصلوات الخمس مما نُقل إلينا كالتالي:
صلاة الصبح: قرأ فيها المعوَّذتين والزلزلة والتكوير والإنسان والواقعة والطور وق والفتح والسجدة والروم والمؤمنون ويس والصَّافَّات.
صلاة الظهر: قرأ فيها الليل والغاشية والأعلى والطارق والبروج والذاريات ولقمان.
صلاة العصر: قرأ فيها الليل والطارق والبروج.
صلاة المغرب: قرأ فيها قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون وقصار المُفصَّل كالضحى وما حولها والمرسلات والطور ومحمد والدخان والأعراف والأنعام.
صلاة العشاء: قرأ فيها العلق والتين والضحى والليل والشمس والسور من وسط المُفَصَّل والأعلى والطارق والبروج والانشقاق.
هذا ما ذكرَته الأحاديثُ الصحيحة والحسنة من قراءة رسول الله ﷺ في صلواته الخمس، وباستعراض هذه القراءات نجد أن صلاة الصبح تراوحت بين المعوذتين وسورة المؤمنون، وأن صلاة الظهر تراوحت بين الليل ولقمان، وأن صلاة العصر تراوحت بين الليل والبروج، وفي ذلك تقارب، وأن صلاة المغرب تراوحت بين قل هو الله أحد والأنعام، وأن صلاة العشاء تراوحت بين العلق والانشقاق وفي ذلك تقارب أيضاً.
стр. 728
إلا أنه لا بد من ملاحظة أن صلاة الصبح على العموم هي أطول صلواته ﵊، وقد قُدرت قراءتُه فيها ما بين الستين إلى المائة آية في الركعة الواحدة، تليها في الطول صلاة الظهر، وقد قُدرت قراءتُه فيها بثلاثين آية في الركعة الواحدة، وتعادلت صلاة العصر مع صلاة العشاء بمقدار خمس عشرة آية في الركعة الواحدة، وأن المغرب هي أخفُّ وأقصرُ صلواته ﵊، وهذا كما قلت هو على العموم ولم يكن مُطَّرِداً، فعن أبي قتادة قال «كان رسول الله ﷺ يطيل في أول الركعتين من الفجر والظهر، وقال: كنا نرى أنه يفعل ذلك ليتدارك الناس» رواه ابن حِبَّان وابن خُزيمة وعبد الرزاق. وعن أبي بَرْزَة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية» رواه مسلم. وروى أبو سعيد الخدري «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأُوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأُخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأُوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأُخريين قدر نصف ذلك» رواه مسلم. وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال «ما رأيت رجلاً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من فلان، لإمامٍ كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المُفَصَّل، ويقرأ في الأُوليين من العشاء من وسط المُفَصَّل، ويقرأ في الغداة بطوال المُفَصَّل» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة. والإمام الذي كان بالمدينة هو عمر بن عبد العزيز كما صرحت بذلك إحدى الروايات. وقال الترمذي (رُوي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أَنْ اقرأْ في الصبح بطوال المُفَصَّل) وقال (وعلى هذا العمل عند أهل العلم) وقال (رُوي عن عمر
стр. 729
أنه كتب إلى أبي موسى أَنْ اقرأْ في الظهر بأوساط المُفَصَّل) وقال (رأى بعض أهل العلم أن قراءة صلاة العصر كنحو القراءة في صلاة المغرب، يقرأ بقصار المُفَصَّل) . وقال الترمذي أيضاً (رُوي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأْ في المغرب بقصار المُفَصَّل) وقال الترمذي (رُوي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ في العشاء بسورٍ مِن أوساط المُفَصَّل نحو سورة المنافقين وأشباهها) وقال أيضاً (رُوي عن أصحاب النبي ﷺ والتابعين أنهم قرأوا بأكثر من هذا وأقل، كأنَّ الأمر عندهم واسع في هذا) وهذا القول من الترمذي يؤيد الرأي الذي قلته قبل قليل وهو أن هذا النهج في القراءة إنما هو على العموم ولم يكن مُطَّرِداً.
وإلى مَن أحبَّ أن يقف على النصوص المتعلقة بقراءات رسول الله ﷺ وتوجيهاته أنقل له جملةً من هذه النصوص على سبيل المثال وليس على سبيل الاستقصاء.
١- بخصوص ركعتي السنة لصلاة الصبح: روى أبو هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» رواه النَّسائي. وروى ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا إلى آخر الآية، وفي الأخرى آمنا بالله واْشهد بأنَّا مسلمون» رواه النَّسائي.
стр. 730
أما بخصوص ركعتي الفريضة لصلاة الصبح فقد روى سِماك بن حرب عن رجل من أهل المدينة «أنه صلى خلف النبي ﷺ ، فسمعه يقرأ في صلاة الفجر ق والقرآن المجيد ويس والقرآن الحكيم» رواه أحمد إلا أن الحديث ضعيف لضعف سِماك. وعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال «إن رسول الله ﷺ لَيؤُمُّنا في الفجر بالصَّافَّات» رواه ابن حِبَّان وأحمد والنَّسائي. وفي صلاة الصبح يوم الجمعة على الخصوص ورد أن الرسول ﷺ كان يقرأُ في الركعة الأولى سورة ألم تنزيل السجدة، ويقرأ في الركعة الثانية سورة الإنسان، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ألم تنزيل وهل أتى» رواه النَّسائي والبخاري ومسلم. ولأحمد من طريق ابن عباس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ألم تنزيل وهل أتى، وفي الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون» .
٢- بخصوص صلاة الظهر وصلاة العصر: عن جابر بن سمرة ﵁ قال «كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك» رواه مسلم وأحمد. وروى جابر بن سمرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الصبح بأطولَ من ذلك» رواه مسلم. وروى جابر بن سمرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج» رواه الدارمي.
стр. 731
٣- بخصوص صلاة المغرب: روى ابن عباس ﵁ «أنَّ أُمَّ الفضل سمعته وهو يقرأ (والمرسلاتِ عُرْفاً) فقالت: يا بُني والله لقد ذكَّرْتني بقراءتك هذه السورةَ، إنها لآخِرُ ما سمعتُ من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب» رواه البخاري. وأم الفضل هي والدة ابن عباس واسمها لُبابة بنت حارث الهلالية. وعن جبير بن مطعم ﵁ قال «سمعت رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالطور» رواه البخاري.
٤- بخصوص صلاة العشاء وتسمى أحياناً صلاة العَتَمَة: روى البراء ﵁ «أن النبي ﷺ كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون» رواه البخاري. وروى بريدة الأسلمي ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها من السُّور» رواه أحمد. وعن أبي رافع ﵁ قال «صليت مع أبي هريرة العَتَمةَ فقرأ إذا السماء انشقَّت فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه» رواه البخاري. وعن جابر ﵁ قال «صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أمَمْتَ الناسَ فاقرأ بـ الشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ بـ اسم ربك، والليل إذا يغشى» رواه مسلم.
التكبيرُ في الصلاة
стр. 732
جميع التكبيرات في الصلاة سنة مستحبّة ما عدا تكبيرة الإحرام فإنها فرض، وهي التكبيرة التي تُبتدأ بها الصلاة، وقد مرَّ بحثها في أول الفصل. وهذه التكبيرات جميعها مشروعة للإمام وللمأموم وللمنفرد، وليس صحيحاً أنها مشروعة للإمام فقط، ذلك أن النصوص كلها ذكرت التكبير في الصلاة عاماً دون تخصيص ومطلقاً دون تقييد، فلا يُلتفت للرأي القائل بتخصيصها بالإمام دون المأموم أو المنفرد.
ويسن الجهر بالتكبير للإمام في السرية والجهرية على السواء، وأما المأموم فيُسِرُّ في السِّرِّية وفي الجهرية على السواء أما المنفرد فيجهر في الجهرية ويُسِرُّ في السِّرِّية.
ويُشرع للمصلي أن يكبِّر عند كل حركة انتقالٍ في الصلاة باستثناء حركتين اثنتين هما عند الرفع من الركوع فإنه يقول [سمع الله لمن حمده] وعند الالتفات يمنة ويسرة في نهاية الصلاة فإنه يقول [السلام عليكم ورحمة الله] فالتكبير مشروع عند كل رفعٍ وخفضٍ وقيامٍ وقعودٍ في النافلة وفي الفريضة، للإمام وللمأموم وللمنفرد، للرجال وللنساء وللأطفال.
والمسلم يكبِّر اثنتين وعشرين تكبيرة في الصلاة الرباعية، وإحدى عشرة تكبيرة في الصلاة الثنائية، وسبع عشرة تكبيرة في الصلاة الثلاثية، وقد وردت أحاديث كثيرة في التكبير نختار منها ما يلي:
١- عن عكرمة قال: قلت لابن عباس ﵄ «صليتَ الظهر بالبطحاء خلف شيخٍ أحمقَ، فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة يكبِّر إذا سجد وإذا رفع رأسه، قال فقال ابن عباس: تلك صلاة أبي القاسم ﷺ » رواه أحمد. ورواه البخاري باختلافٍ يسير في اللفظ.
٢- عن ابن مسعود ﵁ قال «أنا رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كلِّ خفضٍ ورفع وقيام وقعود، ويسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياضُ خدَّيه، ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك» رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجة.
стр. 733
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد - قال عبد الله ولك الحمد - ثم يكبِّر حين يهوي، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» رواه البخاري ومسلم وأحمد.
٤- عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة «أن أبا هريرة كان يكبِّر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، يكبِّر حين يقوم ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقول ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول الله أكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حين يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربُكم شَبَهَاً بصلاة رسول الله ﷺ ، إنْ كانت هذه لَصلاتُه حتى فارق الدنيا» رواه أبو داود.
стр. 734
في الحديث الأول «صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق فكبَّر ثنتين وعشرين تكبيرة» ، «فقال ابن عباس تلك صلاة أبي القاسم ﷺ » ، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة. وفي الحديث «يكبِّر في كل خفضٍ ورفعٍ وقيامٍ وقعودٍ ويسلِّم عن يمينه وعن يساره» فاستثنى حركة التسليم من التكبير. وفي الحديث الثالث «يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صُلْبه من الركعة» . فاستثنى حركة الاعتدال من الركوع من التكبير. وفي الحديث الرابع «يكبِّر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها» . وهذا دليل على أن التكبير يُشرع في جميع الصلوات المفروضة والنافلة. وفي الحديث الرابع «إنْ كانت هذه لَصلاتُه حتى فارق الدنيا» . دليل على ثبوت حكم التكبيرات كلها، وأنه لم يُنسخ منها شئ. وفي الحديث الرابع «ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجداً» . دليل على أن التكبير الوارد في الحديث هو بصيغة [الله أكبر] لا غير. قال الترمذي (والعمل عليه عند أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومَن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء) وهو يقصد التكبير في الصلاة.
إلا أن هذا التكبير سُنَّة وليس واجباً ولا فرضاً، فقد رُوي أن الرسول ﷺ قد ترك جانباً من التكبير مرة، مما يدل على عدم وجوب التكبير، فقد روى عبد الله بن عبد الرحمن ابن أَبْزَى يحدِّث عن أبيه «أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فكان لا يُتِمُّ التكبير، يعني إذا خفض وإذا رفع» رواه أحمد. وروى مثله أبو داود وعقب عليه بقوله (معناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبِّر، وإذا قام من السجود لم يكبِّر) وروى أحمد من طريق عمران بن حصين ﵁ وقد سُئل مَنْ أولُ من ترك التكبير ـ فقال «عثمان بن عفان ﵁ حين كبر وضعف صوته تركه» . فلولا أنه غير واجب لما تركه عثمان ﵁ وسكت عنه الصحابة.
стр. 735
بقيت مسألة هي قيام شخص من المأمومين القريبين من الإمام برفع صوته عالياً في التكبير حتى يُسمع المأمومين البعيدين عن الإمام الذين لا يسمعون تكبيرات الإمام، فهذه العملية جائزة، والدليل عليها ما رُوي عن جابر ﵁ أنه قال «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: أن كدتم آنفاً لَتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلَّى قائماً فصلوا قياماً وإن صلَّى قاعداً فصلوا قعوداً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. وروى مسلم من طريق جابر رواية أخرى بلفظ «صلَّى بنا رسول الله ﷺ وأبو بكر خلفه، فإذا كبَّر رسول الله ﷺ كبَّر أبو بكر ليُسمعنا، ثم ذكر نحو حديث ليث» فالإمام إن كان مريضاً أو كان ضعيف الصوت جاز لشخص قوي الصوت أن يردِّد خلفه تكبيراته ليُسمع المصلين ولا شئ في ذلك، إلا أنّ هذا موقوف على حالة عدم وجود مكبرات صوت في المسجد، وإلا فإن صوت الإمام إذا نُقل بمكبرات الصوت فإنه يصل إلى جموع المصلين دون حاجة لمن يردد تكبيراته خلفه، ففي هذه الحالة أرى أن ترديد التكبيرات من قبل شخصٍ ثان يصبح مكروهاً، لأنه ربما شوَّش على المصلين دونما حاجة إليه.
الركوعُ وهيئته والذّكر فيه
стр. 736
الركوع هو مدُّ الظهر والرأس في موازاة الأرض بالصفة المعلومة، ويكون الرأس في مستوى الظهر دون ارتفاعٍ عنه أو انخفاض، وإذا ركع المصلي باعد يديه عن جنبيه وفرَّج بين أصابعه وقبض براحتيه على ركبتيه، هذا هو الركوع، وهذه هي هيئته المثلى، فعن سالم قال «أتينا أبا مسعود فقلنا له: حدِّثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا وكبَّر، فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بمرفقيه حتى استوى كل شئ منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استوى كلُّ شئ منه» رواه النَّسائي وابن خُزَيمة. وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا ركع اعتدل فلم ينصب رأسه ولم يُقْنِعْه، ووضع يديه على ركبتيه» رواه النَّسائي. قوله اعتدل يعني: كان وسطاً بين الارتفاع والانخفاض. وقوله فلم ينصب رأسه ولم يقنعه يعني: لم يرفعْه عن مستوى ظهره ولم يخفضه عنه وإنما جعله في مستواه. وعن أبي بَرزَة الأسلمي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو صُبَّ على ظهره ماءٌ لاستقرَّ» رواه الطبراني. وعن علي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو وُضع قدحٌ من ماء على ظهره لم يُهراق» رواه أحمد. وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ قال «أنا أحفظُكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حذوَ منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ... » رواه ابن حِبَّان. قوله هصر ظهره: أي ثناه في استواءٍ مِن غير تقويس. وعنه ﵁ قال «أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، إن النبي ﷺ قام فكبَّر ورفع يديه، ثم رفع يديه حين كبَّر للركوع، ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كالقابض عليها، فوَتَرَ يديه فنحَّى بهما عن جنبيه، ولم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعْه ... » رواه
стр. 737
ابن حِبَّان. وعن وائل ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج أصابعه» رواه ابن خُزَيمة.
والركوع فرض وركن لا تصح الصلاة بدونه، فمن صلى ولم يركع بأنْ ثنى ظهره وقبض بكفَّيه على ركبتيه فلا صلاة له، فعن زيد بن وهب قال «رأى حذيفة رجلاً لا يُتمُّ الركوع والسجود قال: ما صليتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ » رواه البخاري. ورواه أحمد باختلاف في الألفاظ.
وقد قال الله يخاطب الناس بالصلاة ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا ربَّكُمْ وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْن﴾ الآية ٧٧ من سورة الحج. ولا يختار سبحانه الركوعَ والسجودَ من دون سائر أفعال الصلاة ليدل عليها بهما إلا لكونهما ركنين من أركانها لا تكون صلاة بدونهما.
ولا يكفي ثنيُ الظهر واستواؤه، بل لا بد من الطمأنينة في ذلك أيضاً، وإنَّ أقلَّ ما تتحقق الطُّمأنينةُ به أن تسكن حركته وهو راكع، فقد روى أبو هريرة ﵁ حديث المسئ صلاته، وجاء فيه أن الرسول ﷺ قال للمُسئ صلاته « ... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ... » رواه البخاري وأحمد. وعن ابن عباس ﵁ قال «سأل رجلٌ النبي ﷺ عن شئ من أمر الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : خلِّلْ أصابعَ يديك ورجليك يعني إسباغ الوضوء، وكان فيما قال له: إذا ركعتَ فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن - وفي رواية حتى تطمئنَّا - وإذا سجدت فأَمْكِنْ جبهَتَك من الأرض حتى تجد حجم الأرض» رواه أحمد والترمذي.
стр. 738
وأُلفتُ النظر إلى أن التطبيق في الركوع كان معمولاً به فترة، ثم نُسخ، والتطبيق هو إلصاقُ راحتي اليدين ببعضهما حالَ الركوع وجعلُهما بين الفخذين، فعن علقمة عن عبد الله - ابن مسعود - قال «علَّمنا رسول الله ﷺ الصلاة، فكبَّر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمِرْنا بهذا، وأخذ بركبتيه» رواه أحمد والنَّسائي وابن أبي شيبة. وعن مصعب بن سعد قال «صليت إلى جنب أبي فطَبَّقْتُ بين كفَّيَّ ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنُهينا عنه، وأُمرنا أن نضع أيدينا على الرُّكَب» رواه البخاري. ورواه مسلم والنَّسائي والدارمي باختلاف في الألفاظ. ومصعب بن سعد هو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁.
والسُّنَّةُ في الركوع تعظيم الرَّب ، لما روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ « ... ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظِّموا فيه الرَّبَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» رواه مسلم. ورواه ابن خُزَيمة وأبو داود وأحمد وابن حِبَّان قريباً منه.
стр. 739
وقد وردت في الأحاديث عدة صيغ للذِّكْر في الركوع أشهرها وأَولاها [سبحان ربي العظيم] ثلاثاً، فيُسنُّ الأخذ بها وتقديمها على غيرها من الأذكار، وهذا لا يمنع من قراءة غيرها معها، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال «لما نزلت فسبِّح باسم ربك العظيم، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وابن ماجة وابن حِبَّان. وروى أبو بَكْرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يسبِّح في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى» رواه البزَّار. وعن حُذيفة بن اليمان ﵁ «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات» رواه ابن ماجة وابن حِبَّان وأحمد والنَّسائي والطيالسي. وقد وردت صيغة [سبحان ربي العظيم وبحمده] في روايات ضعيفة، فينبغي أن تُترك ويوقف عند الصيغة الثابتة [سبحان ربي العظيم] وتقال ثلاثاً هكذا [سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم] . وإنما قلت بتقديم هذه الصيغة على غيرها من الأذكار التي سأذكرها بعد قليل لأنها الصيغة الوحيدة التي أمرنا بها الرسول ﷺ ، في حين أن الأذكار الأخرى قد وردت من أفعاله فحسب، وهذه الصيغ هي:
أ-[سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والروحِ] .
ب-[سبحان ذي الجَبَروتِ والمَلَكوتِ والكبرياءِ والعَظَمة] .
ج-[اللهم لك ركعتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصَبي وما استقلَّت به قَدَمِي لله رب العالمين] .
وهذه هي أدلتها:
стр. 740
أ- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح» رواه النَّسائي. ورواه أحمد وابن حِبَّان ومسلم وأبو داود بلفظ «يقول في ركوعه وسجوده» . قوله سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ - تُقرآن بضمِّ أولهما وهو الأشهر، وبفتح أولهما وهو الأقل شهرة -: هما صفتان من صفات الله سبحانه.
ب- عن عوف بن مالك ﵁ قال «قُمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» رواه النَّسائي. ورواه أبو داود بلفظ «قمتُ مع رسول الله ﷺ ليلةً فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة» .
ج - عن علي بن أبي طالب ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقَلَّتْ به قدمي لله رب العالمين» رواه أحمد وابن حِبَّان وابن خُزَيمة.
هذه هي الأذكار التي تقال في الركوع، وكما قلت أولاها وأَفضلُها [سبحان ربي العظيم] ثلاثاً، ثم لا مانع من قول أية صيغة أخرى من هذه الصيغ الثلاث عقبها، إذ لا محذور من الجمع بين ذِكرين أو أكثر من هذه الأذكار في الركوع الواحد.
следующие страницы →