← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الركوع هو مدُّ الظهر والرأس في موازاة الأرض بالصفة المعلومة، ويكون الرأس في مستوى الظهر دون ارتفاعٍ عنه أو انخفاض، وإذا ركع المصلي باعد يديه عن جنبيه وفرَّج بين أصابعه وقبض براحتيه على ركبتيه، هذا هو الركوع، وهذه هي هيئته المثلى، فعن سالم قال «أتينا أبا مسعود فقلنا له: حدِّثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا وكبَّر، فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بمرفقيه حتى استوى كل شئ منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استوى كلُّ شئ منه» رواه النَّسائي وابن خُزَيمة. وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا ركع اعتدل فلم ينصب رأسه ولم يُقْنِعْه، ووضع يديه على ركبتيه» رواه النَّسائي. قوله اعتدل يعني: كان وسطاً بين الارتفاع والانخفاض. وقوله فلم ينصب رأسه ولم يقنعه يعني: لم يرفعْه عن مستوى ظهره ولم يخفضه عنه وإنما جعله في مستواه. وعن أبي بَرزَة الأسلمي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو صُبَّ على ظهره ماءٌ لاستقرَّ» رواه الطبراني. وعن علي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا ركع لو وُضع قدحٌ من ماء على ظهره لم يُهراق» رواه أحمد. وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ قال «أنا أحفظُكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حذوَ منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ... » رواه ابن حِبَّان. قوله هصر ظهره: أي ثناه في استواءٍ مِن غير تقويس. وعنه ﵁ قال «أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، إن النبي ﷺ قام فكبَّر ورفع يديه، ثم رفع يديه حين كبَّر للركوع، ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كالقابض عليها، فوَتَرَ يديه فنحَّى بهما عن جنبيه، ولم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعْه ... » رواه

стр. 737

ابن حِبَّان. وعن وائل ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج أصابعه» رواه ابن خُزَيمة. والركوع فرض وركن لا تصح الصلاة بدونه، فمن صلى ولم يركع بأنْ ثنى ظهره وقبض بكفَّيه على ركبتيه فلا صلاة له، فعن زيد بن وهب قال «رأى حذيفة رجلاً لا يُتمُّ الركوع والسجود قال: ما صليتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ » رواه البخاري. ورواه أحمد باختلاف في الألفاظ. وقد قال الله يخاطب الناس بالصلاة ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا ربَّكُمْ وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْن﴾ الآية ٧٧ من سورة الحج. ولا يختار سبحانه الركوعَ والسجودَ من دون سائر أفعال الصلاة ليدل عليها بهما إلا لكونهما ركنين من أركانها لا تكون صلاة بدونهما. ولا يكفي ثنيُ الظهر واستواؤه، بل لا بد من الطمأنينة في ذلك أيضاً، وإنَّ أقلَّ ما تتحقق الطُّمأنينةُ به أن تسكن حركته وهو راكع، فقد روى أبو هريرة ﵁ حديث المسئ صلاته، وجاء فيه أن الرسول ﷺ قال للمُسئ صلاته « ... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ... » رواه البخاري وأحمد. وعن ابن عباس ﵁ قال «سأل رجلٌ النبي ﷺ عن شئ من أمر الصلاة فقال له رسول الله ﷺ : خلِّلْ أصابعَ يديك ورجليك يعني إسباغ الوضوء، وكان فيما قال له: إذا ركعتَ فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن - وفي رواية حتى تطمئنَّا - وإذا سجدت فأَمْكِنْ جبهَتَك من الأرض حتى تجد حجم الأرض» رواه أحمد والترمذي.

стр. 738

وأُلفتُ النظر إلى أن التطبيق في الركوع كان معمولاً به فترة، ثم نُسخ، والتطبيق هو إلصاقُ راحتي اليدين ببعضهما حالَ الركوع وجعلُهما بين الفخذين، فعن علقمة عن عبد الله - ابن مسعود - قال «علَّمنا رسول الله ﷺ الصلاة، فكبَّر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمِرْنا بهذا، وأخذ بركبتيه» رواه أحمد والنَّسائي وابن أبي شيبة. وعن مصعب بن سعد قال «صليت إلى جنب أبي فطَبَّقْتُ بين كفَّيَّ ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنُهينا عنه، وأُمرنا أن نضع أيدينا على الرُّكَب» رواه البخاري. ورواه مسلم والنَّسائي والدارمي باختلاف في الألفاظ. ومصعب بن سعد هو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁. والسُّنَّةُ في الركوع تعظيم الرَّب ، لما روى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ « ... ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظِّموا فيه الرَّبَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» رواه مسلم. ورواه ابن خُزَيمة وأبو داود وأحمد وابن حِبَّان قريباً منه.

стр. 739

وقد وردت في الأحاديث عدة صيغ للذِّكْر في الركوع أشهرها وأَولاها [سبحان ربي العظيم] ثلاثاً، فيُسنُّ الأخذ بها وتقديمها على غيرها من الأذكار، وهذا لا يمنع من قراءة غيرها معها، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال «لما نزلت فسبِّح باسم ربك العظيم، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد وابن ماجة وابن حِبَّان. وروى أبو بَكْرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يسبِّح في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى» رواه البزَّار. وعن حُذيفة بن اليمان ﵁ «أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات» رواه ابن ماجة وابن حِبَّان وأحمد والنَّسائي والطيالسي. وقد وردت صيغة [سبحان ربي العظيم وبحمده] في روايات ضعيفة، فينبغي أن تُترك ويوقف عند الصيغة الثابتة [سبحان ربي العظيم] وتقال ثلاثاً هكذا [سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم] . وإنما قلت بتقديم هذه الصيغة على غيرها من الأذكار التي سأذكرها بعد قليل لأنها الصيغة الوحيدة التي أمرنا بها الرسول ﷺ ، في حين أن الأذكار الأخرى قد وردت من أفعاله فحسب، وهذه الصيغ هي: أ-[سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والروحِ] . ب-[سبحان ذي الجَبَروتِ والمَلَكوتِ والكبرياءِ والعَظَمة] . ج-[اللهم لك ركعتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصَبي وما استقلَّت به قَدَمِي لله رب العالمين] . وهذه هي أدلتها:

стр. 740

أ- عن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح» رواه النَّسائي. ورواه أحمد وابن حِبَّان ومسلم وأبو داود بلفظ «يقول في ركوعه وسجوده» . قوله سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ - تُقرآن بضمِّ أولهما وهو الأشهر، وبفتح أولهما وهو الأقل شهرة -: هما صفتان من صفات الله سبحانه. ب- عن عوف بن مالك ﵁ قال «قُمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» رواه النَّسائي. ورواه أبو داود بلفظ «قمتُ مع رسول الله ﷺ ليلةً فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة» . ج - عن علي بن أبي طالب ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقَلَّتْ به قدمي لله رب العالمين» رواه أحمد وابن حِبَّان وابن خُزَيمة. هذه هي الأذكار التي تقال في الركوع، وكما قلت أولاها وأَفضلُها [سبحان ربي العظيم] ثلاثاً، ثم لا مانع من قول أية صيغة أخرى من هذه الصيغ الثلاث عقبها، إذ لا محذور من الجمع بين ذِكرين أو أكثر من هذه الأذكار في الركوع الواحد.

стр. 741

وقد روى مسلم من طريق عائشة أم المؤمنين ﵂ «كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» . ورواه البخاري بلفظ «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» فهذه الصيغة من التسبيح والاستغفار لم أُدْرجها ضمنَ الأذكار التي تُقال في الركوع لأن هذه الصيغة جاءت مقيدة في حالة خاصة ولم تأت مطلقة، فلا أرى أن تُقال في الركوع والسجود، فقد روى مسروق عن عائشة ﵂ «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك وبحمدك أستغفرُك وأتوبُ إليك، قالت قلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أَحدثْتَها تقولها؟ قال: جُعلت لي علامةٌ في أُمتي إذا رأيتها قلتها، إذا جاء نصر الله والفتح، إلى آخر السورة» رواه مسلم. فالرسول ﷺ ما قال هذه الصيغة إلا عندما نزل عليه ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ. ورَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُوْنَ في دِيْنِ اللهِ أَفْوَاجَاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابَاً﴾ فامتثل للأمر الإلهي عند ذاك، ولم يكن يقولها قبل ذلك، ولذلك فنحن لا نقولها إلا في حالة حصول فتحٍ كبير كفتح بيت المقدس واستخلاصها من اليهود، أو فتح روما واحتلال إيطاليا مركزِ البابوية، كما بشَّرنا بذلك رسول الله ﷺ ، أو فتح موسكو، أو استعادة الأندلس، وأمثال هذه الفتوحات الكبرى، وإلا فيُقتصر على الصيغ الأربع السابقة.

стр. 742

نعود إلى التسبيحات المأثورة فنقول: أما عدد هذه التسبيحات في الركوع الواحد فهو أن لا يقل عن ثلاث مرات، فهذا هو أدنى التَّمام، فإن قيلت مرة أو مرتين أجزأت مع نقص الفضل لعدم التأسِّي، إذ لم يُعرف أن الرسول ﷺ قالها مرة أو مرتين، ولا حدَّ لأكثره خاصةً بالنسبة للمنفرد. والإمام يسبح بمقدار ما لا يُثقل على المأمومين، وإذا كان لا بد من تحديدٍ فإني أرى أن يسبِّح الإمام سبعَ تسبيحات، فيتمكن المأمومون من قول تسبيحاتهم الثلاث دون عجلة، لا سيما وأن منهم البطئ والمسبوق والمريض، فالرفق بهؤلاء مندوب. هذا هو ما أراه القدر المختار للإمام، وإن زاد على هذا القدر فلا يزيد على العشر تسبيحات، فعن سعيد بن جبير عن أنس بن مالك ﵁ قال «ما رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الغلام - يعني عمر بن عبد العزيز - قال فحَزَرنا في الركوع عشر تسبيحات، وفي السجود عشر تسبيحات» رواه أحمد. ورواه أبو داود قريباً منه. وقد نهانا رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع، فيُكره لنا ذلك، فعن علي ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القَسِّيِّ، وعن تختُّمِ الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع» رواه مالك. وعنه ﵁ قال «نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد» رواه مسلم. وعن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ «ألا إني نُهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن حِبَّان. قال الترمذي (وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم، كرهوا القراءة في الركوع والسجود) . الرفعُ من الركوع والذّكر فيه

стр. 743

الرفع من الركوع فرض لا يحل تركه، وهو إقامة الرجل صُلْبه، أي ظهره من الركوع، والإقامة هذه تعني تمام انتصاب الظهر بعد الركوع، ويسمى أيضاً الاعتدال، وهو ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه، فعن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال «لا تُجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صُلْبَه في الركوع والسجود» رواه ابن ماجة وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان وابن خُزيمة. ولأحمد وابن ماجة وابن خُزيمة من طريق علي بن شيبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يُقيم صُلبه في الركوع والسجود» . ولأحمد من طريق طلق بن علي الحنفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صُلْبه بين ركوعها وسجودها» . وهذا أوضح في الدلالة، وفي رواية لأبي داود من طريق علي بن يحيى بن خلاَّد عن عمه أن رجلاً دخل المسجد - فذكر حديث المسئ صلاته - فقال النبي ﷺ «إنه لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء ... ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً، ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصلُه، ثم يرفع رأسه فيكبِّر، فإذا فعل ذلك فقد تَّمت صلاته» .

стр. 744

والاطمئنان في حالة الرفع فرضٌ لا يحل تركه، وأقله أنْ تسكن الحركة في هذه الحالة فلا تتواصل في الركوع والرفع والسجود، بل لا بد من السكون في الركوع، ومن السكون في الانتصاب منه، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال « ... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» رواه أبو داود. وفي روايةٍ لأحمد من طريق رفاعة بن رافع الزرقي « ... فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُدْ ظهرَك، ومكِّن لركوعك، فإذا رفعت رأسك فأَقم صُلْبَك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» . والحالة المثلى أن يطول الاعتدال ليبلغ قريباً من الركوع، فعن البراء ﵁ قال «كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريباً من السواء» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن ثابت قال «كان أنس بن مالك ﵁ ينعت لنا صلاة النبي ﷺ فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي» رواه البخاري. ورواه ابن حِبَّان وأحمد.

стр. 745

أما الذِّكْر في حالة الرفع فيُسنُّ للإمام وللمنفرد أن يقولا عند الرفع من الركوع [سمع الله لمن حمده] ولا يُسنُّ ذلك للمأموم، ويسن للثلاثة أن يقولوا عقب ذلك [اللهم ربَّنا ولك الحمد] أو [اللهم ربَّنا لك الحمد] أو [ربنا ولك الحمد] أو [ربنا لك الحمد] أية صيغة من هذه الصيغ يقولونها تجزئهم، فهي قد وردت كلها في أحاديث صحيحة وحسنة، فعن أبي هريرة ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... » رواه البخاري. فهنا قال [اللهم ربنا ولك الحمد] وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» رواه البخاري. فهنا قال [اللهم ربنا لك الحمد] . وروى علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ «كان إذا كبَّر استفتح ثم قال ... وإذا رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ... » رواه أحمد. فهنا قال [ربنا ولك الحمد] وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد» رواه ابن حِبَّان. فهنا قال [ربنا لك الحمد] . هذه هي الأدلة الأربعة على الصيغ الأربع. وحيث أن الصيغة الأولى [اللهم ربنا ولك الحمد] تشمل ما نقصت عنه الصيغ الثلاث الأخرى فهي تعتبر أفضلها، فالعبادة ثوابٌ، والثواب على كل لفظ وكل حرف، وهنا عبادةٌ بحروف أكثر فهي الأَولى والأفضل.

стр. 746

ثم إن الحديث الأول أثبت أن الإمام يقول [سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد] وهذا حجة على من يَقْصُر قول الإمام على [سمع الله لمن حمده] فحسب، فهذا الحديث جاء بلفظ عام، فهو يصلح دليلاً للإمام ودليلاً للمنفرد، يعززه ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن «أن أبا هريرة كان يكبِّر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد، قبل أن يسجد ... ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده إني لأقربكم شَبَهاً بصلاة رسول الله ﷺ ، إنْ كانت هذه لصلاتُه حتى فارق الدنيا» رواه البخاري. فقوله «في كل صلاة من المكتوبة وغيرها» يفيد أنها تشمل الإمام والمنفرد لأن غير المكتوبة تُؤدَّى انفرادياً. وقوله «إنْ كانت هذه لصلاتُه حتى فارق الدنيا» يفيد أن هذه الأفعال التي أداها أبو هريرة هي الأفعال نفسها التي أدَّاها الرسول ﷺ . وإذن فالإمام والمنفرد كلاهما يقول [سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد] .

стр. 747

فيبقى المأموم، فهذا يقول [اللهم ربنا ولك الحمد] فقط، ولا يقول [سمع الله لمن حمده] والدليل على ذلك ما جاء في الحديث الثاني «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد» فالمطلوب من المأمومين أن يقولوا [اللهم ربنا ولك الحمد] فحسب، ولا يزيدون عليها جملة [سمع الله لمن حمده] ، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال «كنا يوماً نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: مَن المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين مَلَكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أوَّلَ» رواه البخاري. فهنا لم يقل الرجل [سمع الله لمن حمده] ومع ذلك حصل هذا التسابق بين الملائكة على كتابة ما قال. قال الترمذي (والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن يقول الإمام - سمع الله لمن حمده - ويقول مَن خلف الإمام - ربنا ولك الحمد) . أما متى يقول المصلي - إماماً كان أو منفرداً – [سمع الله لمن حمده] و [اللهم ربنا ولك الحمد] ؟ فقد أجاب أبو هُريرة ﵁ على هذا السؤال بما رواه «كان رسول الله ﷺ يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا ولك الحمد» رواه ابن خُزَيمة. فالمصلي يقول [سمع الله لمن حمده] وهو يرفع رأسه من ركوعه، أي في أثناء حركته، وعندما يعتدل واقفاً وتسكن حركته يقول [اللهم ربنا ولك الحمد] أو أية صيغة من الصيغ الواردة.

стр. 748

نعود ثانية إلى الصيغ الواردة فنقول: لقد ذكرنا قبل قليل أربع صيغ تقال عقب [سمع الله لمن حمده] وفضَّلنا عليها الصيغة [اللهم ربنا ولك الحمد] . ونقول الآن إن هؤلاء الكلمات الأربع هي الحد الأدنى لما يقوله المصلي عقب [سمع الله لمن حمده] لكنْ هناك صيغٌ إضافية تقال أيضاً منها الصيغة المارَّة في حديث البخاري من طريق رفاعة ابن رافع وهي [ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه] وقد قرأتم ما لها من فضل. وهناك صيغة أطول قليلاً هي [اللهم ربنا لك الحمد ملءَ السموات وملءَ الأرضِ وملءَ ما بينهما، وملء ما شئت من شئ بعدُ] فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ «أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال.. وإذا رفع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملءَ السموات وملءَ الأرض وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شئ بعدُ..» رواه مسلم.

стр. 749

وهناك صيغة ثالثة أطول من سابقتها هي [ربنا لك الحمد ملءَ السموات وملءَ الأرض وملءَ ما شئتَ من شئ بعدُ، أهلَ الثَّناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبدُ وكلُّنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ] وقد وردت هذه الصيغة عند الدارمي ومسلم وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزَيمة، ولكن باختلافات يسيرة في الألفاظ، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمدُ ملءَ السموات وملءَ الأرض وملءَ ما شئتَ مِن شئ بعدُ، أهلَ الثَّناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبد وكلُّنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيتَ ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» رواه الدارمي. وفي رواية لابن حِبَّان بزيادة الواو «ربنا ولك الحمد» وفي رواية لأحمد بزيادة اللهم «اللهم ربنا لك الحمد» وفي رواية لابن خُزَيمة بزيادة اللهم والواو «اللهم ربنا ولك الحمد» وفي رواية لمسلم بزيادة وملءَ ما بينهما «مِلْءَ السموات ومِلْءَ الأرض ومِلْءَ ما بينهما» والزيادة من الرواة الثقات مقبولة، فتُزاد هذه الزيادات إلى النص الوارد عند الدارمي فتصبح هكذا [اللهم ربنا ولك الحمدُ ملءَ السموات وملءَ الأرض وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شئت من شئ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبد وكلُّنا لك عبدٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ ولا مُعطي لما منعتَ ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ] .

стр. 750

وهذه الصيغة الثالثة تشمل الصيغة الثانية الواردة في حديث مسلم المارِّ. فتبقى عندنا صيغتان: الصيغة الطويلة هذه، والصيغة الأولى [ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه] فمن أحب الاقتصار على الصيغة الأولى فله ذلك، ومن أحب الأخذ بالصيغة الطويلة فله ذلك، ومن أحب أن يجمع بينهما فله ذلك. فيقول إذا رفع من الركوع [سمع الله لمن حمده] ويقول إذا اعتدل قائماً [اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملءَ السموات وملءَ الأرض وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شئت من شئ بعد، أهلَ الثناء والمجدِ أحقُّ ما قال العبدُ وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد] فينال الخير كله. ومعنى ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ: أن صاحب الحظ والغنى لا ينفعه حظه وغناه من أمرك يا رب وقضائك فيه. السجودُ وهيئته والذّكر فيه ذكرنا في الفصل الأول أن الصلاة أحب الأعمال إلى الله سبحانه، وذكرنا أن الصلاة لغةً معناها الدعاء، فالصلاة إذن قد استمدَّت فضلها من الدعاء، أو أن الدعاء هو أبرز ما فيها، ولا غرو في ذلك فإن الدعاء هو العبادة، فإذا أدركنا أن السجود هو موطن الدعاء بشكل رئيسي أدركنا فضل السجود في الصلاة، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» رواه مسلم والنَّسائي وأبو داود وابن حِبَّان. وروى ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ « ... ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمنٌ أن يُستجاب لكم» رواه مسلم. ورواه أحمد وابن خُزيمة وأبو داود وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ. فالمسلم في سجوده قريب من ربه، مستجابٌ دعاؤه.

стр. 751

وقد عبَّر الله عن طاعة المخلوقات له وعبادتها إياه بالسجود فقال ﴿وللهِ يَسْجُدُ مَا في السَّموَاتِ ومَا في الأَرْضِ مِنْ داَبَّةٍ والملائِكَةُ وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُوْنَ﴾ الآية ٤٩ من سورة النحل. وقال سبحانه ﴿أَلمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمَواتِ ومَنْ في الأَرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُوْمُ والجِبَالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيْرٌ مِنَ النَّاس وكَثِيْرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ ومَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية ١٨ من سورة الحج. ومن فضل السجود أن الله سبحانه قد كرَّم مواضع السجود في جسم المسلم بأن حماها من عذاب النار، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال « ... إذا أراد الله رحمةَ مَن أراد من أهل النار أمرَ الله الملائكة أن يُخرِجوا مَن كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النارُ إلا أثر السجود ... » رواه البخاري. وهو حديث طويل، ووقع عند النَّسائي من طريق عطاء بن يزيد « ... إن النار تأكل كل شئ من ابن آدم إلا موضع السجود» . ومن فضل السجود أن الله قد اختار أعضاء السجود من أجساد المسلمين لتكون السيما التي تميزهم عمن سواهم من الخلائق يوم القيامة، وجعل البياض والنور يشع من جباههم، وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ والذِيْنَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعَاً سُجَّداً يَبْتَغُوْنَ فَضْلاً مِنَ اللهِ ورِضْوَاناً سِيْمَاهُمْ في وُجُوْهِهِمْ مِنَ أَثَرِ السُّجُوْدِ ... ﴾ الآية ٢٩ من سورة الفتح.

стр. 752

ومن فضل السجود ما جاء في هذا الحديث الذي رواه مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة اليَعْمُري قال «لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني بعمل أعمله يُدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ما قال ثوبان» ودلالته واضحة. أما هيئة السجود فتكون بأن يجعل المسلم قدميه وركبتيه وكفَّيه وجبهته على الأرض بالصفة المعلومة، فيكون قد سجد على سبعة أعضاء لا يجوز السجود إلا عليها مجتمعة، فعن ابن عباس ﵁ قال «أَمَرَ النبي ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكفُّ شعراً ولا ثوباً: الجبهة واليدين والركبتين والرِّجلين» رواه البخاري ومسلم. ووقع في روايةٍ أخرى لمسلم من طريق العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهُه وكفَّاه وركبتاه وقدماه» . ووقع عند الترمذي وأبي داود وابن حِبَّان وابن خُزَيمة وابن ماجة من طريق العباس ﵁ بلفظ «إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ... » . ووقع عند أحمد من طريق العباس ﵁ بلفظ «إذا سجد الرجل سجد معه سبعة آراب ... » . قوله الآراب: أي الأعضاء. فهذه الأعضاء السبعة هي أعضاء السجود، لا بد منها في عملية السجود.

стр. 753

ويُندب وضعُ القدمين في حالة انتصابٍ مستقبلاً بأطراف الأصابع القِبلة، ويباعد قليلاً بين الركبتين، ويبسط كفَّيه على الأرض ضامَّاً أصابعه، ويسجد على الأنف إضافةً إلى الجبهة، ويضعهما بين كفَّيه إلى الأمام قليلاً، ويُفرِّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شئ منهما، ويُنحِّي يديه عن جنبيه، ويرفع مرفقيه وساعديه عن الأرض، ويرفع مقعدته، ويقال له في هذه الحالة مُخَوِّياً - يعني أنَّ ما بين يديه ورجليه يكون خاوياً - ويدع ثيابه تسقط على موضع سجوده، كما يدع شعره إنْ كان مسترسلاً يسقط على موضع سجوده لا يكفُّهما في السجود. وقد مرَّ حديث البخاري ومسلم من طريق ابن عباس ﵁ وفيه « ... ولا يكفُّ شعراً ولا ثوباً ... » . فهذه هي مندوبات السجود. ويحاذر الرجل أن يبسط ساعديه على الأرض لأن هذا منهيٌّ عنه شرعاً، ولا يحمل بطنه على فخذيه تأسِّياً برسول الله ﷺ ، ولا يتمدَّد في سجوده، ولا يسجد على جبهته فحسب دون أنفه، ولا يخالف ما سبق من المندوبات، فإن هو لم يفعل فلا إثم عليه، وسجوده مجْزئ ومقبول. وفي كل ما سلف وردت الأحاديث الصحيحة والحسنة: أ- عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا سجدتَ فضَعْ كفيك، وارفع مرفقيك» رواه مسلم وأحمد. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك وانتصب» . ب- عن عبد الله بن مالك بن بُحَيْنَةَ ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدوَ بياضُ إبطيه» رواه مسلم والبخاري. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «كان النبي ﷺ إذا سجد فرَّج بين يديه حتى يبدوَ بياضُ إبطيه» .

стр. 754

ج - عن علقمة بن وائل عن أبيه ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج أصابعه وإذا سجد ضمَّ أصابعه» رواه ابن حِبَّان والطبراني. ورواه ابن خُزَيمة والحاكم بلفظ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضمَّ أصابعه» ولم يذكرا الركوع. د - عن أبي حميد ﵁ ووصف صلاة رسول الله ﷺ - قال «وإذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حاملٍ بطنَه على شئ من فخذيه» رواه أبو داود. هـ - عن أبي حُمَيد ﵁ قال «أنا كنت أحفظَكُم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذاء منكبيه، وإذا ركع أَمكَنَ يديه من ركبتيه ثم هَصَرَ ظهرَه، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفْترِشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القِبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته» رواه البخاري. و عن شعبة قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال «إن مولاك إذا سجد وضع جبهته وذراعيه وصدرَه بالأرض، فقال له ابن عباس: ما يحملك على ما تصنع؟ قال: التواضع، قال: هكذا رِبضةُ الكلب، رأيت النبي ﷺ إذا سجد رُؤي بياضُ إبطيه» رواه أحمد. ز - عن وائل بن حُجْر ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ يسجد على أنفه مع جبهته» رواه أحمد. ح - عن وائل بن حُجْر ﵁ «أنه رأى النبي ﷺ يسجد بين كفَّيه - وفي رواية - ويداه قريبتان من أُذنيه» رواه أحمد ومسلم. ط - عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رسول الله ﷺ رُؤي على جبهته وعلى أرنبته أثرُ طينٍ من صلاةٍ صلاها بالناس» رواه أبو داود.

стр. 755

ي - عن البراء ﵁ أنه وصف السجود قال «فبسط كفيه ورفع عَجِيزَتَه وخوَّى وقال: هكذا سجد النبي ﷺ » رواه أحمد. قوله العجيزة: أي المقعدة. ك - عن البراء بن عازب ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى جَخَّى» رواه ابن خُزَيمة. قوله جخَّى: أي لم يتمدد في ركوعه ولا في سجوده. ل - عن ابن عباس ﵁ قال «تدبَّرْتُ صلاةَ رسول الله ﷺ فرأيته مُخوِّياً، فرأيت بياض إبطيه» رواه أحمد. قوله مُخَوِّياً: أي مُجَافِياً بطنه عن الأرض، ومجافياً عضُديه عن جنبيه. م - عن عمرو بن الحارث ﵁ «كان رسول الله ﷺ إذا سجد يُجنِّحُ في سجوده حتى يُرى وضحُ إبطيه» رواه مسلم وأحمد. ن - عن ميمونة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا سجد جافى يديه، فلو أن بَهْمةً أرادت أن تمرَّ بين يديه لمرَّت» رواه أبو داود. ورواه ابن خُزَيمة باختلاف يسير في الألفاظ. وفي روايةٍ لمسلم من طريق ميمونة زوج النبي ﷺ قالت «كان رسول الله ﷺ إذا سجد خَوَّى بيديه يعني جَنَّح حتى يُرى وَضَحُ إبطيه مِن ورائه، وإذا قعد اطمأنَّ على فخذه اليسرى» . قوله وضحُ إبطيه: أي بياضُ إبطيه. وقوله خوَّى وجنَّح: أي جافى وباعد. س - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا تبسط ذراعيك إذا صليت كبسط السَّبُع، وادَّعِمْ على راحتيك وجافِ عن ضَبْعَيك، فانك إذا فعلتَ ذلك سجد كلُّ عضو منك» رواه ابن حِبَّان. قوله الضَّبعان: أي ما تحت الإبطين. ع - روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا سجد أحدكم فلْيعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش السبُع» رواه ابن خُزَيمة. ورواه الترمذي وابن ماجة بلفظ «افتراش الكلب» .

стр. 756

ف - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدُكم ذراعيه انبساط الكلب» رواه البخاري ومسلم. ورواه أبو داود وابن حِبَّان بلفظ «اعتدلوا في السجود، ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراشَ الكلب» . هذه هي هيئة السجود الواجبة ومندوباتها، ومنها أن يجافي المسلم يديه عن جنبيه، ويرفع مرفقيه وساعديه عن الأرض، إلا أنه إن سجد سجوداً طويلاً فثقُل عليه الوضع وأصابه الإعياء والمشقة رُخِّص له في وضع مرفقيه على ركبتيه لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال «شكا أصحابُ النبي ﷺ إليه مشقَّةَ السجود عليهم إذا تفرَّجوا، قال: استعينوا بالرُّكَب» رواه أحمد. ورواه ابن حِبَّان والترمذي وأبو داود باختلاف في الألفاظ. قوله إذا تَفَرَّجوا: أي إذا تعبوا. والاستعانة بالركب تكون بأن يضع المصلِّي مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وتعب منه. والطمأنينة في السجود فرض لا بد منه وأقلها أن تسكنَ حركةُ الساجد وهو في حالة السجود لما روى أبو هريرة ﵁ وذكر حديث المسئ صلاته وجاء فيه - أن الرسول ﷺ قال للمسئ صلاته « ... ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجداً ... » رواه البخاري وأحمد. ولما روى رفاعة في الحديث الطويل أن النبي ﷺ قال للرجل الذي صلى وأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة «ثم إذا أنت سجدت فأَثْبِتْ وجهك ويديك حتى يطمئن كلُّ عظم منك إلى موضعه» رواه ابن خُزَيمة.

стр. 757

أما القدر المتوسط للاطمئنان في السجود فهو ما يكفي لقول الذِّكر المأثور، وسنذكره بعد قليل، وهو يقارب قدر الاطمئنان في الركوع، أو قدر الاطمئنان في القيام عقب الركوع، أو قدر الاطمئنان في الجلسة بين السجدتين، لما رُوي أن البراء ﵁ قال «كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريباً من السواء» رواه البخاري. ورواه مسلم وأحمد قريباً من هذا. وقد مرَّ في بحث [الرفع من الركوع والذِّكر فيه] ولما روى ثابت عن أنس ﵁ أنه قال «إني لا آلو أن أصلِّيَ بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل قد نسي» رواه البخاري. ورواه مسلم قريباً منه. والسجود فرض وركن لا تصح الصلاة بدونه، فمن صلى ولم يسجد السجود المعروف فلا صلاة له، فقد خاطب الله سبحانه الناس بالصلاة، فقال ﴿يا أَيُّها الذِيْنَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا ربَّكُمْ وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ﴾ الآية ٧٧ من سورة الحج. وقد مرَّت في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] وقلنا هناك (ولا يختار سبحانه الركوع والسجود من سائر أفعال الصلاة ليدل عليها بهما إلا لكونهما ركنين من أركانها لا تكون صلاةٌ بدونهما) وعن زيد بن وهب قال «رأى حذيفةُ رجلاً لا يُتم الركوع والسجود قال: ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ » رواه البخاري. ورواه أحمد باختلاف في الألفاظ. وقد مرَّ في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] .

стр. 758

ويندب وضع الركبتين على الأرض قبل اليدين عند الخرور للسجود، ورفع اليدين قبل الركبتين عند النهوض، لما رُوي أن وائل بن حُجْر ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» رواه الترمذي. ورواه ابن حِبَّان وابن ماجة قريباً منه. وروى أبو داود عن وائل ﵁ «أن النبي ﷺ - فذكر حديث الصلاة - قال: فلما سجد وقعتا رُكبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفَّاه» . هكذا وردت الرواية بلفظـ «وقعتا رُكبتاه» بفاعلين لفعلٍ واحد وهي لغة غير مشهورة. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إذا سجد أحدكم فلْيبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل» رواه ابن أبي شيبة والطحاوي. فهذا الحديث فيه الأمر بالبدء بالركبتين قبل اليدين، وفيه الأمرُ بمخالفة الفحل في بروكه.

стр. 759

وأما ما رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي من طريق أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، ولْيضع يديه ثم ركبتيه» . بتقديم وضع اليدين على الركبتين، فالجواب عليه أن هذا الحديث بهذا اللفظ يخالف أولُه آخرَه، فأولُه يأمرُ بمُخَالَفةِ الجمل في بُروكه، في حين أن آخره يأمر بوضع اليدين قبل الركبتين وهذا تناقض، ذلك أن الجمل عندما يبرك يبدأ بيديه أولاً، ثم يبرك على رجليه بعد ذلك، وهذا معلوم وظاهر، فكيف نُؤمر في هذا الحديث بالبدء باليدين ثم نؤمر بمخالفة الجمل؟ ثم إن حديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة والطحاوي يأمر أيضاً بمخالَفةِ الفحل في بروكه، ولكنه يأمر بالبدء بالركبتين، فهذان الحديثان اتفقا على الأمر بمخالَفةِ الجمل في بروكه، واختلفا على الترتيب لليدين والركبتين. والواقع المُدرَك المحسوس لبروك الجمل يدل على صحة ما جاء به حديث ابن أبي شيبة والطحاوي، وعلى خطأ ما جاء في حديث أحمد وأبي داود والنَّسائي، هذه واحدة.

стр. 760

وأما الثانية فهي أن النَّسائي وأبا داود رويا من طريق أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يعمدُ أحدُكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل» . فلم يأت على ذكر اليدين والركبتين، فأتساءل: هل هذا الحديث هو غير الحديث السابق أم هما حديث واحد؟ ولماذا لم تُذكر اليدان والركبتان في هذه الرواية؟ إن الثابت من هذه الأحاديث الثلاثة هو الأمر بمخالَفةِ الجمل في بروكه، وأما ترتيب اليدين والركبتين فاختلفت الأحاديث بشأنه، فيُعمل بالثابت، وهو الأمر بمخالَفةِ الجمل في بروكه، وحيث أن الجمل يبرك بادئاً بيديه فإن المسلم مأمور بالبدء بالركبتين لتتم المخالَفةُ، وهذا موافق لحديث وائل ابن حجر المار، فيُعمل به ويُترك ما يخالفه. قال ابن قيّم الجوزيّة في كتابه ـ زاد المعاد -: إن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواةِ متْنُهُ، وأصله: ولْيَضَعْ رُكْبَتيْهِ قبل يديْهِ. وهو قول وجيهٌ وصائب. ونأتي إلى الذكر والدعاء في السجود فنقول إنه قد وردت له عدة صيغ أشهرها وأَوْلاها [سبحان ربي الأعلى] ثلاثاً، فيُسن الأخذُ بها وتقديمها على الصيغ الأخرى، ولا مانع من قول هذه الصيغ الأخرى عقب قول [سبحان ربي الأعلى] ثلاثاً، إذ الجمع بين صيغتين أو أكثر هنا جائز، وقد ذكرنا في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] ثلاثة أحاديث في قول [سبحان ربي الأعلى] في السجود فلا نعيد. وهذه الصيغة ورد الأمر بها ولم يَرِد الأمرُ بقول غيرها، وغيرُها إنما وردت من أفعاله ﵊ فقط، وأوامره ﷺ مقدَّمةٌ على أفعاله. ونذكر الآن جملة من الصيغ الواردة: أ-[سبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح] . ب-[سبحان ذي الجَبَروتِ والمَلَكُوتِ والكِبرياءِ والعَظَمة] . ج-[اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك] .

стр. 761

د-[اللهم اغفرلي ذنبي كُلَّهُ دِقَّهُ وجِلَّهُ وأوَّلَهُ وآخِرَهُ وعلانيَّتَهُ وسِرَّه] . هـ-[اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعلْ لي نوراً، وأعْظِمْ لي نوراً] . و [اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه فصوَّره فأحسن صُوَرَه، فشقَّ سمعَه وبصَره، فتبارك الله أحسن الخالقين] . وهناك أدعية أخرى وردت كان الرسول الكريم ﷺ يدعو بها في سجوده، فمن شاء الوقوف عليها فلْيطلُبْها في كتب الحديث. أما الأدلة على هذه الصيغ الست، فإن الصيغتين الاُوليين (أ، ب) قد ورد دليلُ كلٍّ منهما في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] فلا نعيدهما خشية الإطالة، فليرجع إليهما هناك. ونذكر الآن أدلة الصيغ الأخرى حسب الترتيب المذكور: ١- عن عائشة ﵂ قالت «فقدتُ رسول الله ﷺ ذات ليلة في الفراش، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على باطن قدميه وهما منتصبتان، فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان والنَّسائي. ٢- عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده «اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه دِقَّه وجِلَّه وأولَه وآخِرَه وعلانيته وسِرَّه» رواه أبو داود وابن حِبَّان وابن خُزَيمة.

стр. 762

٣- عن ابن عباس ﵁ قال «بتُّ في بيت خالتي ميمونة فبَقَيْتُ كيف يصلي رسول الله ﷺ - وذكر جملة من أفعال رسول الله ﷺ - ثم خرج إلى الصلاة فصلَّى، فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شِمالي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعل لي نوراً، أو قال: واجعلني نوراً» رواه مسلم. وفي رواية له من طريق ابن عباس ﵁ جاء «وقال أَعْظِمْ لي نوراً» ولم يذكر: «واجعلني نوراً» ففيها زيادة هي [أَعظِمْ لي نوراً] والزيادة مقبولة. وجاء في رواية أخرى لمسلم من طريق ابن عباس ﵁ «اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي لساني نوراً ... » ففيها زيادة [وفي لساني نوراً] فتُقبل. وأُلفت النظر إلى أن الترتيب في هذا الدعاء ليس بلازم، فروايات مسلم لم تلتزم ترتيباً واحداً، ثم إن النَّسائي جاءت روايته هكذا «ثم قام يصلي وكان يقول في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من تحتي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل أمامي نوراً، واجعل خلفي نوراً، وأَعْظِم لي نوراً، ثم نام حتى نفخ، فأتاه بلال فأيقظه للصلاة» . قوله بَقَيْتُ: أي رمقتُ ونظرتُ. ٤- عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ « ... إذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه فصوَّره فأحسن صُوَره، فشق سمعَه وبصرَه، فتبارك الله أحسنُ الخالقين ... » رواه أحمد. والترتيب في هذا الدعاء أيضاً ليس بلازم، فقد رواه النَّسائي بغير الترتيب في رواية أحمد، وهو هكذا «اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه وصَوَّره فاحسن صورَتَه، وشق سمعه وبصره، تبارك الله احسن الخالقين» .

стр. 763

هذه جملة من التسبيحات والأدعية المأثورة.أما قدر تردادها في السجود الواحد فإن أدنى التمام أن تُقال ثلاث مرات، فإن قيلت مرةً واحدة أو مرتين أجزأت مع نقص الفضل، ولا حدَّ لأكثره خاصة بالنسبة للمنفرد، وأما الإمام فيسبح بمقدار ما لا يُثقل ويشق على المأمومين، فإن سبَّح سبع تسبيحات فحسن، وذلك حتى يتمكن المأمومون من التسبيح ثلاثاً على مهل دون استعجال، لا سيما وأن منهم البطئ في النطق ومنهم المريض، فالرفق مطلوب، ولا يزيد على العشر تسبيحات فيشق على الضعفاء منهم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا ما قام أحدُكم للناس فليخفِّف الصلاة، فإن فيهم الكبير وفيهم الضعيف، وإذا قام وحده فَلْيُطِل صلاته ما شاء» رواه مسلم. وقد مرَّ حديث أنس بن مالك عند أحمد في بحث [الركوع وهيئته والذِّكر فيه] وفيه « ... فحَزَرْنا في الركوع عشر تسبيحات، وفي السجود عشر تسبيحات» . ولا يُقرأ القرآن في السجود كما لا يُقرأُ في الركوع، لورود النهي عن ذلك، وقد سبقت أحاديث في هذا: اثنان رواهما مالك ومسلم من طريق علي بن أبي طالب ﵁، والثالث رواه أحمد من طريق ابن عباس ﵁ فلا نعيد، وليرجع إليهما في بحث [الركوع وهيئته والذِّكْر فيه] .

стр. 764

ونأتي إلى مسألة كشف الجبهة واليدين في السجود فنقول: إن الأصل في السجود أن يسجد المسلم وهو كاشفٌ يديه وجبهته، فهذا ما كان عليه حال الرسول ﷺ وحال صحابته رضوان الله عليهم، فإذا خالف أحدهم الأصل نبَّهه ﷺ فعاد إليه، من ذلك ما رُوي عن عياض بن عبد الله أنه قال «رأى رسول الله ﷺ رجلاً يسجد على كور العمامة، فأومأ بيده ارفعْ عمامتك» رواه ابن أبي شيبة. وروى صالح بن خيوان السبائي «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسجد إلى جنبه وقد اعتمَّ على جبهته، فحَسَرَ عن جبهته» رواه أبو داود. إلا أنه إن جاء حرٌّ شديد أو برد شديد بحيث كان السجود على الأرض يشق على الناس، فقد أجاز الشرع الحنيف عندئذٍ تغطية الجبهة واليدين، أو إلقاء شئ من الثياب على موضع السجود دفعاً للمشقة وتوسعةً على الناس، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتِّقاءَ الحرِّ» رواه البخاري والنَّسائي. ورواه أبو داود وأحمد بلفظ «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحرِّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن وجهَه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» . ورواه ابن ماجة وفيه « ... فإذا لم يقدر أحدنا ... » وإذن فإن وجود حائل بين الجبهة واليدين وبين الأرض مرهون بعدم الاستطاعة، أو بعدم القدرة أو بشدَّة الحرِّ، وكذلك هو مرهون بشدة البرد، كمن يصلي في ليلة زمهرير في العراء، أو كمن يسجد على الثلج، لما روى ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ صلى في ثوب واحد متوشِّحاً به يتقي بفُضُوله حرَّ الأرض وبردها» رواه أحمد. قوله يتَّقي بفضوله: أي يحمي نفسه من الحر والبرد بما فضل وزاد من ثوبه الذي يلبسه.

стр. 765

وهذا حجة على من منع السجود على الثوب الملبوس، وأجاز السجود على الثوب غير الملبوس يلقيه تحته ليكون كالبساط، نعم فهذا حجة عليه، وكذلك ما روى عبد الله ابن عبد الرحمن عن أبيه عن جده - ثابت بن الصامت ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلَّى في بني عبد الأشهل وعليه كساءٌ متلفِّفٌ به، يضع يديه عليه يقيه بَرْدَ الحصى» رواه ابن ماجة. ورواه أحمد بلفظ «جاءنا النبي ﷺ فصلَّى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد» . والمحصِّلة هي أن السجود على طرف العمامة الملبوسة أو طرف الكوفية أو الطاقية، أو السجود بالقفازات في اليدين جائز كله إن كان لعذر الحرِّ والبرد، فإن لم يكن حرٌ ولا بردٌ كُرهت تغطيةُ الجبهة واليدين، ولكن الصلاة تكون مقبولة وصحيحة. الجلسةُ بين السجدتين

стр. 766

يجب على المسلم في هذه القعدة أن يقيم فيها صُلْبه، وأن يطمئن فيها بأن تسكن حركته، ويُسنُّ له تطويلها لتكون نحواً من قدر السجود، ولا يحل له أن تتواصل حركته بين السجدتين، فعن البراء ﵁ قال «كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع، وبين السجدتين قريباً من السواء» رواه البخاري. وقد مرَّ في بحث [الرفع من الركوع والذِّكر فيه] وفي بحث [السجود وهيئته والذِّكر فيه] . وعن طلق بن علي الحنفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا ينظر الله إلى صلاةِ عبدٍ لا يُقيم فيها صُلْبه بين ركوعها وسجودها» رواه أحمد. وقد مرَّ هو وحديثان مثله في بحث [الرفع من الركوع والذِّكر فيه] وعن ثابت عن أنس ﵁ قال «إني لا آلو أن أُصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل قد نسي» رواه البخاري. ورواه مسلم قريباً منه. وقد مرَّ في بحث [السجود وهيئته والذِّكر فيه] وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين ... وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً ... » رواه مسلم. وعن أنس ﵁ قال «.. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم» رواه مسلم. وروى أبو هريرة ﵁ حديث المسئ صلاته، إلى أن قال « ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» رواه البخاري.

стр. 767

ويُسنُّ في هذه الجلسة الإقعاء،أي الجلوس على العقبين، معتمداً على رؤوس أصابع القدمين والركبتان على الأرض، أي ينصب القدمين ويجلس عليهما، لما رُوي عن طاووس أنه قال «قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في السجود فقال: هي السنَّة، قال قلنا: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: هي سنة نبيك ﷺ » رواه أبو داود، ورواه الترمذي وابن خزيمة ومسلم باختلاف يسير. أما الإقعاء الذي ورد النهي عنه في عدد من الأحاديث فإنه غير هذا الإقعاء المسنون، وهو أن يُلصق إلْيَيَه بالأرض، وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض يفعل كما يفعل الكلب. هذه أولاً. والثانية هي أنَّ جميع الأحاديث التي ورد فيها النهي عن الإقعاء رويت بأسانيد ضعيفة لا تصلح للاحتجاج. وقد رُويت أحاديث في الدعاء في هذه الجلسة نذكر منها: أ- عن ابن عباس ﵄ قال «كان رسول الله ﷺ يقول بين السجدتين في صلاة الليل: رب اغفر لي وارحمني واجْبُرني وارزقني وارفعني» رواه ابن ماجة. ورواه أحمد بلفظ «إن رسول الله ﷺ قال بين السجدتين في صلاة الليل: رب اغفر لي وارحمني وارفعني وارزقني واهدني» . ورواه أبو داود بلفظ «إن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني» . ب- عن حذيفة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي، رب اغفر لي» رواه ابن ماجة والنَّسائي والحاكم وصححه وأقرَّه الذهبي. ورواه ابن خُزَيمة وفيه طول، ومما جاء فيه « ... ثم سجد نحواً مما رفع، ثم رفع فقال: رب اغفر لي، نحواً مما سجد، ثم سجد نحواً مما رفع، ثم قام في الثانية» .

стр. 768

الحديث الأخير فيه «رب اغفر لي» وهذا الدعاء داخل في الحديث الأول برواياته الثلاث، وهذه الروايات الثلاث الأولى تضمنت بالجمع بينها [اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني واجبُرني وارفعني] فيُدعى بهذا الدعاء أخذاً بالخير كله. وإن هو أحب الاختصار والاقتصار على دعاء واحد فلْيقل [رب اغفر لي، رب اغفر لي] يكرِّرها. جلسةُ الاستراحة هي الجلسة الخفيفة التي تَعْقُب الفراغ من السجدة الثانية وقبل النهوض إلى الركعة الثانية وإلى الركعة الرابعة، أي إذا فرغ المصلي من الركعة الأولى وأراد أن يقوم للركعة الثانية جلس جلسة قصيرة ثم قام، وإذا فرغ من الركعة الثالثة وأراد أن يقوم للركعة الرابعة جلس جلسة قصيرة ثم قام، وتسمى جلسة الاستراحة. وهذه الجلسة مندوبة مستحبة. فعن أبي قِلابة قال «جاءنا مالك بن الحُويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأُصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أُريكم كيف رأيت النبي ﷺ يصلي، قال أيوب فقلت لأبي قِلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، يعني عمرو بن سَلِمة، قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يُتمُّ التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» رواه البخاري. وقيَّدها أبو داود في رواية له بقوله « ... كان إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى قعد ثم قام» . وكذلك قيَّدها أحمد في رواية له بقوله « ... قال فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الأخيرة ثم قام» . وقيَّدها أحمد في رواية أخرى بالركعتين الأولى والثالثة بقوله «قال أبو قِلابة: فصلى صلاة كصلاة شيخنا هذا يعني عمرو بن سَلِمة الجَرْمي، وكان يؤمُّ على عهد النبي ﷺ ، قال أيوب: فرأيت عمرو بن سَلِمة يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من السجدتين استوى قاعداً، ثم قام من الركعة الأولى والثالثة» . ولخَّص مالك بن الحويرث ﵁ هذا

стр. 769

الموضوع بقوله «إنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وِترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً» رواه البخاري والترمذي وأبو داود وابن خُزَيمة. قوله في وترٍ من صلاته: يعني الركعات الفردية غير الزوجية، وهما الركعتان الأولى والثالثة. وكون هذه الجلسة خفيفة قصيرة لا يعني عدم الاطمئنان فيها وعدم السكون، فقد روى ابن خُزيمة عن أبي حُمَيد الساعدي قال « ... كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، فذكر بعض الحديث وقال ... ثم هوى ساجداً وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد فاعتدل حتى يرجع كل عظم إلى موضعه ثم نهض» . أما أنها سُنة وليست فرضاً فذلك أن الرسول ﷺ لم يطلبها من المُسئ صلاته عندما علَّمه ما عليه أن يفعل في صلاته، ولو كانت فرضاً لعلَّمه إياها، ثم إن قول أيوب في رواية أحمد «فرأيت عمرو بن سَلِمة يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه» ثم ذكر هذه الجلسة في الركعتين الأولى والثالثة ليدل على أن هذه الجلسة ليست فرضاً، وإلا لما تركها المسلمون في زمن رسول الله ﷺ . أما كيفية الجلوس، ففي رواية ابن خُزَيمة الإجابة عليها «ثنى رجله وقعد فاعتدل، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه» . والمقصود بالرِّجل المثنيَّة الرِّجل اليسرى، فالجلسة تكون بأن يثني رجله اليسرى - أي يفرشها - وينصب الرِّجل اليمنى، ثم يقعد على اليسرى، وهي تماثل الجلسة للتَّشهد الأوسط كما سيأتي بعد قليل. إلا أنه لو أقعى في هذه الجلسة على قدميه المنصوبتين فإني أرجو أن لا يكون في ذلك بأس، وربما كانت هذه الكيفية أسهل في النهوض، فالأمر موسَّع، والله أعلم. التشهُّدُ وهيئةُ الجلوس له للتشهد في الصلاة عدة صيغ مأثورة أذكر لكم جملة منها:

стр. 770

أ-[التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] . ب-[التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] . ج-[التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله] . وقد رتَّبتُ هذه الصيغ حسب الأولوية، فالأَولى أن يأخذ المسلم الصيغة الأولى، وإلا فالصيغة الثانية، وإلا فالصيغة الثالثة، وهذه هي أدلتها حسب ترتيبها:

стр. 771

أ- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فلْيقل: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير بعدُ من الكلام ما شاء» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد والنَّسائي وأبو داود. قوله السلام على فلان - وفي رواية: السلام على فلان وفلان -: يعني من الملائكة. بدلالة ما جاء في رواية ابن ماجة « ... السلام على جبرائيل وميكائيل، وعلى فلان وفلان، يعنون الملائكة ... » . وقوله ليتخير بعدُ من الكلام: الكلام هنا يعني الدعاء. بدلالة رواية النَّسائي وأحمد وأبي داود وابن خُزَيمة وهي « ... ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ... » . ب- عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال « ... إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سُنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال ... وإذا كان عند القعدة فليكن مِن أول قول أحدكم: التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» رواه مسلم. ورواه النَّسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد.

стр. 772

ج- عن ابن عباس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يعلمنا التَّشهُّد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» رواه مسلم وأبو داود. ورواه الطحاوي بلفظ «وأن محمداً رسول الله» . ورواه أحمد وابن حِبَّان بلفظ « ... التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» بتنكير [سلام] الثانية. ورواه الترمذي وابن خُزَيمة وأحمد في رواية أخرى له بلفظ « ... التحياتُ المبارَكاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» بتنكير [سلام] في الموضعين. ورواه ابن ماجة بلفظ « ... التحياتُ المبارَكاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» . فذكر [عبده ورسوله] بدل [رسول الله] . فهذه الصيغة قد اضطربت فيها الروايات كثيراً، فأسقطها الاضطراب عن مستوى سابقتيها فكانت الثالثة في الترتيب. أما الأولى والثانية فلم تضطرب فيها الروايات، ولكون الأولى اتفق عليها الشيخان فقد جعلتها الأُوْلى، وجعلتها الأَوْلى. قال الترمذي (حديث ابن مسعود قد رُوي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث عن النبي ﷺ في التَّشهُّد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم من التابعين) . ثم إن روايات ابن مسعود نُقل عنه أنه تلقَّاها عن رسول الله - صلى الله

стр. 773

عليه وسلم - تلقيناً، فقد روى البخاري عنه قوله «علمني رسول الله ﷺ - وكفي بين كفيه - التشهد ... » . وروى الطحاوي عنه قوله «أخذتُ التشهُّدَ مِن في رسول الله ﷺ ، ولقَّنِيها كلمةً كلمةً ... » . فهذه زيادةٌ في قوة الصيغة الأولى. وقد وردت صيغ أخرى للتَّشهُّد غير هذه الصيغ الثلاث لا بأس بإطلاعكم عليها: أ-[بسم الله وبالله، التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] وقد وردت هذه الصيغة في رواية للنَّسائي عن جابر بن عبد الله ﵁، كما وردت في رواية لابن ماجة ولكن بزيادة [لله] عقب [والطيبات] ولا يَبْعُد عندي أن جابراً كان يفتتح التَّشهُّد بقوله [بسم الله وبالله] تبرُّكاً، ولم يكن يعتبر ذلك القول من صيغة التَّشهُّد نفسها. وقد ورد في الحديث ذِكْر «أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار» عقب التَّشهُّد مباشرة، فلم أعتبرها جزءاً من صيغة التَّشهُّد، وإنما هي دعاء كان جابر يقوله عقب الفراغ من التشهُّد، يشهد لهذا الفهم ما جاء في حديث رواه ابن ماجة من طريق أبي هريرة ﵁، وسيأتي بتمامه في بحث [الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة] وجاء فيه « ... قال أتَشَهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ... » . فجعل هذا القول دعاءً غير داخل في التشهد، فإذا كان ذلك كذلك فإن هذه الصيغة الواردة عن جابر ﵁ هي صيغة ابن مسعود الأولى نفسُها.

стр. 774

ب-[التحياتُ لله الصلواتُ الطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله] وقد جاءت هذه الصيغة في رواية لأبي داود من طريق ابن عمر ﵁ كما رواها الطحاوي ولكن بدون [وحده لا شريك له] في رواية، وبها في رواية ثانية. ج-[التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ الزاكياتُ لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم] وهذه الصيغة رواها مالك عن عائشة موقوفةً عليها، وقد جاء فيها التشهد مقدَّماً على السلام على النبي ﷺ . د-[التحياتُ لله الزاكياتُ لله الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] وهذه الصيغة رواها مالك والطحاوي موقوفة على عمر بن الخطاب ﵁، وليست في رواية الطحاوي لفظةُ [الطيبات] وهناك صيغ غير هذه للتشهد لم أر ضرورة لإيرادها، فمن أحب الاطلاع عليها فلْيطلبها في مظانِّها. وباستعراض جميع الروايات الواردة هنا نجد أنها جاءت بلفظ «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أو «سلامٌ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أي أنها كلَّها جاءت بصيغة الخطاب، غير أن عدداًً من الفقهاء يقولون بأن صيغة الخطاب كان معمولاً بها والرسول ﷺ حيٌّ، وأن هذه الصيغة تحولت إلى صيغة الغَيْبة - السلام على النبي ورحمة الله وبركاته - بعد وفاته ﵊، مستدلين على هذا الرأي بالأحاديث التالية:

стр. 775

١- عن ابن مسعود ﵁ قال «علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني السورة من القرآن: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداًً عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النبي» رواه ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي. ٢- عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتشهد فيقول «بسم الله، التحياتُ لله، الصلواتُ لله، الزاكياتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه مالك. ٣- عن القاسم بن محمد قال «كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول: التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ الزاكياتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه البيهقي. ٤- عن عطاء قال «سمعت ابن عباس وابن الزبير يقولان في التشهد في الصلاة: التحياتُ المباركاتُ لله، الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه عبد الرزاق. ٥- عن عطاء «أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسلِّمون والنبي ﷺ حيٌّ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» رواه عبد الرزاق. فنجيب هؤلاء بأن تعدُّدَ صيغ التشهد يدل على أنه لا صيغة بذاتها واجبة دون غيرها، وأن هذا التعدد يدل على جواز الأخذ بأية صيغةٍ مأثورةٍ واردةٍ، فالأخذ بأية صيغة من هذه الصيغ جائز شرعاً، ومُسقطٌ للفرض والوجوب، فالأمرُ في ألفاظ التشهد موسَّع. فكما أنه يتسع لهذه الصيغة ولتلك، فهو يتسع كذلك لصيغة الخطاب ولصيغة الغيبة، وهذا الاتساع لا ينفي القول بأولوية صيغة على غيرها، وبأولوية صيغة الخطاب على صيغة الغَيْبة مع جواز الكل طبعاً.
следующие страницы →