Полный текст (1 205 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أ- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي ﷺ أقبل علينا بوجهه فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فلْيقل: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير بعدُ من الكلام ما شاء» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد والنَّسائي وأبو داود. قوله السلام على فلان - وفي رواية: السلام على فلان وفلان -: يعني من الملائكة. بدلالة ما جاء في رواية ابن ماجة « ... السلام على جبرائيل وميكائيل، وعلى فلان وفلان، يعنون الملائكة ... » . وقوله ليتخير بعدُ من الكلام: الكلام هنا يعني الدعاء. بدلالة رواية النَّسائي وأحمد وأبي داود وابن خُزَيمة وهي « ... ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ... » .
ب- عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال « ... إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سُنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال ... وإذا كان عند القعدة فليكن مِن أول قول أحدكم: التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» رواه مسلم. ورواه النَّسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد.
стр. 772
ج- عن ابن عباس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يعلمنا التَّشهُّد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» رواه مسلم وأبو داود. ورواه الطحاوي بلفظ «وأن محمداً رسول الله» . ورواه أحمد وابن حِبَّان بلفظ « ... التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» بتنكير [سلام] الثانية. ورواه الترمذي وابن خُزَيمة وأحمد في رواية أخرى له بلفظ « ... التحياتُ المبارَكاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله» بتنكير [سلام] في الموضعين. ورواه ابن ماجة بلفظ « ... التحياتُ المبارَكاتُ الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» . فذكر [عبده ورسوله] بدل [رسول الله] . فهذه الصيغة قد اضطربت فيها الروايات كثيراً، فأسقطها الاضطراب عن مستوى سابقتيها فكانت الثالثة في الترتيب. أما الأولى والثانية فلم تضطرب فيها الروايات، ولكون الأولى اتفق عليها الشيخان فقد جعلتها الأُوْلى، وجعلتها الأَوْلى. قال الترمذي (حديث ابن مسعود قد رُوي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث عن النبي ﷺ في التَّشهُّد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم من التابعين) . ثم إن روايات ابن مسعود نُقل عنه أنه تلقَّاها عن رسول الله - صلى الله
стр. 773
عليه وسلم - تلقيناً، فقد روى البخاري عنه قوله «علمني رسول الله ﷺ - وكفي بين كفيه - التشهد ... » . وروى الطحاوي عنه قوله «أخذتُ التشهُّدَ مِن في رسول الله ﷺ ، ولقَّنِيها كلمةً كلمةً ... » . فهذه زيادةٌ في قوة الصيغة الأولى.
وقد وردت صيغ أخرى للتَّشهُّد غير هذه الصيغ الثلاث لا بأس بإطلاعكم عليها:
أ-[بسم الله وبالله، التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] وقد وردت هذه الصيغة في رواية للنَّسائي عن جابر بن عبد الله ﵁، كما وردت في رواية لابن ماجة ولكن بزيادة [لله] عقب [والطيبات] ولا يَبْعُد عندي أن جابراً كان يفتتح التَّشهُّد بقوله [بسم الله وبالله] تبرُّكاً، ولم يكن يعتبر ذلك القول من صيغة التَّشهُّد نفسها. وقد ورد في الحديث ذِكْر «أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار» عقب التَّشهُّد مباشرة، فلم أعتبرها جزءاً من صيغة التَّشهُّد، وإنما هي دعاء كان جابر يقوله عقب الفراغ من التشهُّد، يشهد لهذا الفهم ما جاء في حديث رواه ابن ماجة من طريق أبي هريرة ﵁، وسيأتي بتمامه في بحث [الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة] وجاء فيه « ... قال أتَشَهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ... » . فجعل هذا القول دعاءً غير داخل في التشهد، فإذا كان ذلك كذلك فإن هذه الصيغة الواردة عن جابر ﵁ هي صيغة ابن مسعود الأولى نفسُها.
стр. 774
ب-[التحياتُ لله الصلواتُ الطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله] وقد جاءت هذه الصيغة في رواية لأبي داود من طريق ابن عمر ﵁ كما رواها الطحاوي ولكن بدون [وحده لا شريك له] في رواية، وبها في رواية ثانية.
ج-[التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ الزاكياتُ لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم] وهذه الصيغة رواها مالك عن عائشة موقوفةً عليها، وقد جاء فيها التشهد مقدَّماً على السلام على النبي ﷺ .
د-[التحياتُ لله الزاكياتُ لله الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] وهذه الصيغة رواها مالك والطحاوي موقوفة على عمر بن الخطاب ﵁، وليست في رواية الطحاوي لفظةُ [الطيبات] وهناك صيغ غير هذه للتشهد لم أر ضرورة لإيرادها، فمن أحب الاطلاع عليها فلْيطلبها في مظانِّها.
وباستعراض جميع الروايات الواردة هنا نجد أنها جاءت بلفظ «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أو «سلامٌ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» أي أنها كلَّها جاءت بصيغة الخطاب، غير أن عدداًً من الفقهاء يقولون بأن صيغة الخطاب كان معمولاً بها والرسول ﷺ حيٌّ، وأن هذه الصيغة تحولت إلى صيغة الغَيْبة - السلام على النبي ورحمة الله وبركاته - بعد وفاته ﵊، مستدلين على هذا الرأي بالأحاديث التالية:
стр. 775
١- عن ابن مسعود ﵁ قال «علَّمني رسول الله ﷺ التَّشهُّد، كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمني السورة من القرآن: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداًً عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النبي» رواه ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي.
٢- عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يتشهد فيقول «بسم الله، التحياتُ لله، الصلواتُ لله، الزاكياتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه مالك.
٣- عن القاسم بن محمد قال «كانت عائشة تعلمنا التشهد وتشير بيدها تقول: التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ الزاكياتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه البيهقي.
٤- عن عطاء قال «سمعت ابن عباس وابن الزبير يقولان في التشهد في الصلاة: التحياتُ المباركاتُ لله، الصلواتُ الطيباتُ لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ... » رواه عبد الرزاق.
٥- عن عطاء «أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يسلِّمون والنبي ﷺ حيٌّ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» رواه عبد الرزاق.
فنجيب هؤلاء بأن تعدُّدَ صيغ التشهد يدل على أنه لا صيغة بذاتها واجبة دون غيرها، وأن هذا التعدد يدل على جواز الأخذ بأية صيغةٍ مأثورةٍ واردةٍ، فالأخذ بأية صيغة من هذه الصيغ جائز شرعاً، ومُسقطٌ للفرض والوجوب، فالأمرُ في ألفاظ التشهد موسَّع. فكما أنه يتسع لهذه الصيغة ولتلك، فهو يتسع كذلك لصيغة الخطاب ولصيغة الغيبة، وهذا الاتساع لا ينفي القول بأولوية صيغة على غيرها، وبأولوية صيغة الخطاب على صيغة الغَيْبة مع جواز الكل طبعاً.
стр. 776
فرواية ابن مسعود نُقلت من طرقٍ عديدةٍ زاد رُواتها على العشرين ومع ذلك جاءت كلها بالألفاظ نفسها دون أي اختلاف، فهذا مرجحٌ معتبرٌ لها على ما سواها من الروايات والألفاظ. فالقول بالتخيير لا ينفي القول بتفضيل إحداها على ما سواها. ومما يدعم القول أيضاً بتفضيل صيغة الخطاب على صيغة الغَيْبة ما يلي:
١- أن جميع رواة الأحاديث عبر العصور قد استمروا في رواية صيغة الخطاب دون أن يقيدوها بحياة النبي ﷺ ، ولو كانت حياته ﵊ قيداًً لها لذكروه.
٢- أن عمر بن الخطاب ﵁ قد ذكر صيغة الخطاب على المنبر أمام الصحابة، وأن ذلك حصل منه بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليه أحدٌ منهم، فقد جاء في الموطأ «عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلِّم الناس التشهد، يقول قولوا: التحياتُ لله، الزاكياتُ لله، الطيباتُ الصلواتُ لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» .
٣ - لم يُرو أن الرسول ﷺ قد علَّم المسلمين صيغتين: صيغةً يقولونها وهو حيٌّ، وصيغةً يقولونها بعد موته، وإنما علمهم صيغة واحدة هي صيغة الخطاب، ولم يأمرهم بتركها والأخذ بصيغة الغيبة إذا مات.
لهذه الأسباب فإنَّا نذهب إلى تفضيل صيغة الخطاب على صيغة الغَيْبة، ونرى أن صيغة الغَيْبة ليست إلا اجتهاداًً من عدد من الصحابة يصح أخذه وتقليده كما يصح تركه، وأنا أقول بأولوية تركه.
стр. 777
ويجلس للتشهد في آخر الركعة الثانية، وفي آخر الركعة الرابعة في الصلاة الرباعية، أو في آخر الركعة الثالثة في الصلاة الثلاثية، وقد جاء ذكر هاتين الجلستين فيما رواه أحمد من طريق ابن مسعود ﵁ « ... كان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وَرِكِه اليسرى التحياتُ لله ... » .
والتشهد في وسط الصلاة هو التشهد الأول، والذي في آخرها هو التشهد الأخير، وهذان التشهدان واجبان مفروضان، لا يجوز تركهما أو ترك أحدهما، فعن ابن مسعود ﵁ قال «كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهدُ: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ ... » رواه النَّسائي وصححه الدارقطني والبيهقي. فقد جاء فيه «قبل أن يُفرَض التشهد» وهذا واضح الدلالة، وهو يشمل التَّشهُّد الأول والتَّشهُّد الأخير، يشهد له ما جاء في روايةٍ عند النَّسائي «فقولوا في كل جلسة» . وروى عبد الله بنُ بُحَيْنةَ الأسدي حليفُ بني عبد المطلب «أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتمَّ صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس» رواه مسلم والبخاري. فقوله «قام في صلاة الظهر وعليه جلوس» يعني الجلوس للتشهد الأول، ويشير إلى أن هذا الجلوس واجب عليه. وأيضاً عن عبد الله بن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله، فعلَّمه التَّشهُّد في الصلاة فقال قل: التحياتُ لله ... وأن محمداً عبده ورسوله، قال فإذا قضيت هذا أو قال فإذا فعلت هذا فقد قضيتَ صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» رواه أحمد. ورواه أبو داود والدارمي قريباً منه. غير أن الحُفْاظَ قد اتفقوا على أن الجملة الأخيرة
стр. 778
مُدْرَجةٌ من قول عبد الله بن مسعود نفسه، أعني قولَهُ «فإذا قضيتَ هذا، أو قالَ: فإذا فعلتَ هذا فقدْ قضيتَ صلاتكَ ... » وليست من قول رسول الله ﷺ ، فيكون هذا القول إذن قول صحابي، وأقوال الصحابة أحكام شرعية يصح أخذها وتقليدها. وأيضاً رُوي عن عبد الله ﵁ أنه قال «كان النبي ﷺ يُعلِّمُنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول تعلَّموها، فإنه لا صلاة إلا بتشهد» رواه البزَّار. ووثَّق الهيثمي رجال سنده. وروى البيهقي عن عبد الله ﵁ قال «التَّشهُّد تمام الصلاة» . وروى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «لا تجوز صلاةٌ إلا بتشهُّدٍ» ورواه البيهقي. فانضم قول عمر إلى قول ابن مسعود بوجوب التشهد في الصلاة. فهذه المرويات الأربعة يُؤخذ منها حكم وجوب التشهد في الصلاة.
стр. 779
والتَّشهُّد الأول يجلس له المصلي ناصباً رِجله اليمنى مُوَجِّهاً صدرها نحو القِبلة مفترشاً رجله اليسرى جالساً عليها، ويجلس للتشهد الأخير على وَرِكِه اليسرى بأن يُقَدِّم رِجله اليسرى فيضعها بين فخذه وساقه، ويجلس على مقعدته، وفي الجلوسين يضع راحته اليمنى على فخذه اليمنى، وراحته اليسرى على فخذه اليسرى قابضاً على ركبتيه بأصابعه، ويضمُّ أصابع يده اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى، ويضع إبهامه على الوسطى، ويمدُّ سبَّابته مداً خفيفاً ضعيفاً - أي يجعلها منحنيةً قليلاً - ويبقيها هكذا في أثناء الدعاء، فهذه هي الهيئة المثلى لجلوس التشهد، فعن وائل بن حُجْر ﵁ قال «قدمتُ المدينة، قلت: لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فلما جلس - يعني - للتشهد، افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى - يعني على فخذه اليسرى - ونصب رجله اليمنى» رواه التِّرمذي. ورواه النَّسائي ولفظه « ... وإذا جلس في الركعتين أَجنحَ اليسرى ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ونصب أُصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ... » . ورواه أحمد ولفظه « ... ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه، فحلَّق حلقةً ثم رفع أُصبعه، فرأيته يحرِّكُها يدعو بها» . وجاء في رواية أُخرى لأحمد « ... حلَّق بالوسطى والإبهام، وأشار بالسَّبَّابة» . قوله فرأيته يحركها يدعو بها: أي يحرِّكُها مِن موضعها بين أصابعه لتصبح منصوبة. فهو إذا نصبها ثبَّتها في هيئتها طيلة الدعاء دون أن يُرجِعَها إلى موضعها، أو يُديم تحريكها كما يفعل كثير من الناس. فهذه الحركة المتواصلة للسَّبابة ليست مطلوبة، وليست هي التطبيق الصحيح لما جاء في حديث أحمد، بدلالة ما روى عبد الله بن الزبير ﵁ «أنه ذكر أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا
стр. 780
يُحرِّكها، قال ابن جُريْج: وزاد عمرو بن دينار قال: أخبرني عامر عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك» رواه أبو داود والنَّسائي. وروى عبد الرزاق الشطر الأول. وعن أبي حُمَيد السَّاعدي ﵁ قال «أنا كنت أحفظكُم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذاء منكبيه ... فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رِجله اليسرى ونصب الأُخرى، وقعد على مقعدته» رواه البخاري. وجاء في رواية لابن خُزَيمة « ... كان رسول الله ﷺ إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شِقِّهِ متورِّكاً، ثم سلم» . وعن عبد الله بن الزبير قال «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفَرَشَ قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأُصبعه» رواه مسلم وأبو داود. وجاء في روايةٍ أخرى لمسلم «كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بأُصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على أُصبعه الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليسرى ركبتَه» . وعن نمير الخُزاعي ﵁ «أنه رأى رسول الله ﷺ في الصلاة واضعاً اليمنى على فخذه اليمنى، رافعاً أُصبعه السَّبابة، قد حناها شيئاً وهو يدعو» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة والنَّسائي وأبو داود.
стр. 781
فالمسلم يتورَّك في جلسة التشهد الأخير، والتَّورُّكُ هو أن يُلصق إلييه بالأرض، ويمد رجليه في اتجاه واحد جهة اليمين. وهذه الجلسة تشق على كثير من الناس، فمن وجد مشقَّةً فيها فلا بأس بأن يَعْدِل عنها إلى هيئة الجلوس للتَّشهُّد الأول، وتكون بنصب اليمنى وبسط اليسرى والجلوس على بطن اليسرى. فإن وجد مشقة في هذه الجلسة أيضاً فلا بأس من الجلوس متربِّعاً، فإن الدين يُسر، فعن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره «أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربَّعُ في الصلاة إذا جلس، قال ففعلته وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني عبد الله وقال: إنما سُنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى، فقلت له: فإنك تفعل ذلك، فقال: إن رجليَّ لا تحملاني» رواه مالك والبخاري. وجاء في رواية أخرى لمالك من طريق المغيرة بن حكيم «إنما أفعل هذا من أجل أني أشتكي» .
стр. 782
ويُكره في جلوس التشهد أن يعتمد الرجل على يده أو على يديه، بأن يضعهما على الأرض مستعيناً بهما، كما يكره الجلوس على مقعدته وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، يُقعي كما يُقعي الكلب والقرد وسائر لسباع، وهو الإقعاء المنهي عنه، وهو المسمى عُقْبَة الشيطان، أو عَقِب الشيطان، فعن ابن عمر ﵁ قال «نهى رسول الله ﷺ أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة» رواه ابن خُزَيمة. ورواه أحمد ولفظه «نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه» . ووقع في رواية عند أبي داود «نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمدٌ على يده» . وروى أحمد من طريق ابن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً ساقطاً يده في الصلاة فقال: لا تجلس هكذا، إنما هذه جلسة الذين يعذَّبون» . قوله ساقطاً يده: أي واضعاً يده بجانبه معتمداً عليها. وروى أبو داود عن ابن عمر ﵁ «أنه رأى رجلاً يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة - وقال هرون بن زيد ساقطاً على شِقِّه الأيسر - فقال له: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذَّبون» . وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يُشْخص رأسه ولم يصوِّبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كلِّ ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عُقْبَةِ الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم» رواه مسلم. ورواه أحمد وأبو داود. ووقع في رواية أُخرى لمسلم «وكان ينهى عن عَقِب الشيطان» . وكذلك جاء في رواية أبي داود وفي رواية أحمد.
стр. 783
وعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي بثلاث ونهاني عن ثلاث: أوصاني بالوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، قال: ونهاني عن الالتفات، وإقعاءٍ كإقعاء القِرد، ونَقْرٍ كنقر الديك» رواه أحمد. ووقع في رواية أُخرى له « ... ونهاني عن نَقْرةٍ كنَقْرةِ الديك، وإِقعاءٍ كاقعاءِ الكلب، والتفاتٍ كالتفات الثعلب» .
والسنة في التشهد - الأول والأخير - أن يكون بالإسرار وعدم الجهر، سواء في الصلاة السرية أو الصلاة الجهرية، للإمام وللمأموم وللمنفرد، فقد روى ابن خُزَيمة أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «مِن السُّنة أن تُخْفِيَ التَّشهُّدَ» . ورواه أبو داود بلفظ «من السُّنة أن يَخْفَى التَّشهُّدُ» . والمعنى واحد.
ويسن في التشهد أن لا يجاوز البصر الفخذين والسَّبَّابة، فعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسَّبَّابة ولم يجاوز بصرُهُ إشارتَه» رواه أحمد. ورواه النَّسائي بلفظ فيه اختلاف، وجاء فيه «وأشار بالسَّبَّابة لا يجاوز بصرُهُ إشارتَه» . ورواه ابن خُزَيمة.
الصلاةُ على رسول الله في الصلاة
стр. 784
يندب للمسلم أن يصلي على رسول الله ﷺ في صلاته، فعن أبي مسعود عقبة بن عامر ﵁ قال «أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول الله، أمَّا السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلَّى الله عليك؟ قال فصَمَتَ حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال: إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صلِّ على محمد النبي الأُمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأُمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» رواه ابن خُزَيمة. ورواه أحمد والحاكم قريباً منه. قوله أما السلام فقد عرفناه: يعني ما جاء في التشهد من القول (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) . أما قوله (كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا) فإنه يدل على مشروعية الصلاة هذه في الصلاة، دون تقييدها بموضع من مواضع الصلاة، إذ ليس في النصوص نص واحد صحيح أو حسنٌ يدل على تحديد مكانٍ أو موضعٍ في الصلاة للصلاة على رسول الله ﷺ .
стр. 785
أما ما رواه البيهقي والحاكم من طريق ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «إذا تشهَّد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحَّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . فهو وإن حوى تحديداً لموضعِ الصلاة على رسول الله ﷺ ، وأن ذلك إنما هو عقب التشهد، إلا أن هذا الحديث في إسناده مجهول - رجلٌ من بني الحارث - فهو إذن حديث ضعيف لا يُعتدُّ به. وأما ما رواه الحاكم من قول عبد الله بن مسعود ﵁ «يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه» . فإنه وإن حوى أيضاً تحديداً لمكان الصلاة الإبراهيمية في الصلاة إلا أنه قول صحابي، وقول الصحابي ليس دليلاً على الأحكام الشرعية، وإنما هو حكم شرعي اجتهادي يجوز تقليده. وإذن فإنه ليس بين أيدينا نصٌّ واحد معتبرٌ يحدد موضع الصلاة الإبراهيمية في الصلاة. أما ما درج عليه المسلمون من قول هذه الصلاة عقب التشهد الأخير، وأنَّ كلمتهم قد اتفقت على ذلك، فإنه أمرٌ نُقل إلينا عملياً جيلاً عن جيلٍ، فكان ذلك متواتراً.
стр. 786
وليست للصلاة على رسول الله ﷺ صيغة معينة يجب الالتزام بها، ذلك أنه رُويت عدة صيغ لهذه الصلاة من عدة طرق صحيحة وحسنة، كل صيغة منها تُجزئ وتكفي، فقد وردت عدة صيغ منسوبة لرسول الله ﷺ من طرقٍ عدَّةٍ عن صحابة رسول الله ﷺ ، بل وردت عدة صيغ من طريق الصحابي الواحد من هؤلاء، فقد رويت من طريق كعب بن عُجرة ﵁ أكثر من ثلاث صيغ، ومثل ذلك من طريق أبي حُمَيد الساعدي ﵁، وأكثر من ذلك من طريق أبي مسعود الأنصاري عقبة بن عامر ﵁، وكل هذه الطرق صحيحة وحسنة صالحة للاستدلال. فالمسلم بالخيار بين أيٍّ من هذه الصيغ. والدليل على ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «مَن سَرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجِه أُمهاتِ المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» رواه أبو داود. فقوله «من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى» هو دليل على وجود تفاوت بين الصيغ، ولولا ذلك، أو لولا أن الصلاة هذه تُؤدَّى بعدة صيغ لما كان هذا القول. وجميع هذه الصيغِ مرويةٌ ومنسوبةٌ لرسول الله ﷺ ، مما يجعلنا نطمئن إلى مشروعية تعدد الصيغ، وهذا لا يمنع من الأخذ بأقوى هذه الصيغ من حيث الإسناد. وإن أقوى هذه الصيغ من حيث الإسناد هي بلا شك ما اتفق على روايتها الشيخان البخاري ومسلم، وقد اتفق الشيخان على صيغتين من هذه الصيغ العديدة هما:
أ-[اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] .
стр. 787
ب-[اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] .
فالأَولى اختيار واحدة من هاتين الصيغتين.
أما الصيغة الأولى فقد رُويت عن كعب بن عُجرة ﵁ أنه قال «سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهلَ البيت، فإن الله قد علَّمنا كيف نسلِّم عليكم؟ قال قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد بذكر «آل إبراهيم» في الموضعين فحسب، ولم يذكر فيهما إبراهيم.
وأما الصيغة الثانية فقد رُويت عن أبي حُمَيد الساعدي ﵁ أنه قال «إنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» رواه البخاري ومسلم ومالك والنَّسائي وأبو داود.
وهذه جملة من الصيغ المأثورة الأخرى:
стр. 788
١-[اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] وقد وردت في حديث رواه ابن خُزَيمة من طريق أبي مسعود عقبة ابن عامر ﵁ قال «أقبل رجلٌ حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول الله، أمَّا السلامُ فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ قال فصَمَتَ حتى أحببنا أنَّ الرجل لم يسأله، ثم قال: إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأُمي وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وقد مرَّ قبل قليل. ورواه الحاكم وأحمد قريباً منه.
٢-[اللهم صلِّ على محمد عبدِك ورسولِك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم] وقد وردت في حديث رواه أحمد من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ قال «قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك قد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال قولوا: اللهم صلِّ على محمد عبدِك ورسولِك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم» .
٣-[اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] وقد وردت في حديث رواه أحمد من طريق طلحة بن عبيد الله ﵁ قال «قلت: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال قل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» .
وإليكم أشملَ وأطولَ صيغةٍ من صيغ الصلاة على رسول الله ﷺ :
стр. 789
٤-[اللهم صلِّ على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما باركتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد] وقد وردت هذه الصيغة فيما رواه أحمد من طريق رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه كان يقول «اللهم صلِّ على محمد وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وجهالة الصحابي لا تضرُّ لأنهم جميعاً عدول، قال الهيثمي (رجال أحمد رجال الصحيح) .
هذه ستُّ صيغ أقواها إسناداً الصيغتان الأُوليان، وأشملها الصيغة الأخيرة، فمن اختار صيغةً من هذه الصيغ وأخذ بها كفته وأجزأته، فالأمر في ذلك موسَّع.
قد درج على ألسِنة المسلمين اليوم قولهم (في العالمين) قبل (إنك حميد مجيد) أي بزيادة (في العالمين) ، وقد وردت هذه اللفظة فيما رواه أحمد والنَّسائي وأبو داود، وفيما رواه مسلم من طريق أبي مسعود الأنصاري ﵁، ولفظه « ... اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد ... » . وهي صيغة سابعة تُضمُّ إلى سابقاتها. كما وردت هذه اللفظة في حديث رواه الدارمي من طريق أبي مسعود، وفي حديث رواه ابن ماجة من طريق أبي حميد الساعدي.
стр. 790
أما ما درج عليه كثيرون من قول (اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ... وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ... ) بزيادة (سيدنا) ، فإن هذا لا أصلَ له مُعْتَبراً، إذ هو لم يُنقل عن رسول الله ﷺ في أية رواية صحيحة أو حسنة، لهذا فإني أنصح بتركها والاقتصار على المأثور لأنه أفضل، فإن أبوا إلا الاستمرار على قولها فلا بأس، لأن الأمر موسَّع كما أسلفت. وقد أضاف هذه الزيادة عدد من الفقهاء بدعوى أن ذلك من حُسن التأدُّب مع رسول الله ﷺ ، وقد جانبهم الصواب فيما قالوا، ذلك أن التأدب معه يكون بطاعته فيما شرعه لنا والاقتصار عليه.
قلت في بدء البحث إن الصلاة على رسول الله ﷺ مندوبة، ولم أَقُلْ بوجوبها كما قال عدد من الفقهاء، ذلك أن ورود الأمر بها فحسب لا يكفي لإيجابها، لأن الأمر بالشئ لا يفيد الوجوب إلا بقرينة كما قال بذلك عدد من الأصوليين، وهو الصحيح، فالأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تجعله يفيد الوجوب أو الندب أو الإباحة، وهنا لا توجد قرينة تصرف هذا الأمر إلى الوجوب، وإنما القرينة الموجودة تصرفه إلى الندب، وإليكم البيان:
أ- حديث الدارمي من طريق علقمة أن عبد الله ﵁ أخذ بيده «وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله، فعلَّمه التشهد في الصلاة: التحياتُ لله ... الصالحين، قال زهير: أراه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أيضاً - شك في هاتين الكلمتين - إذا فعلت هذا أو قضيتَ فقد قضيتَ صلاتك إن شئتَ أن تقوم فقم، وإن شئتَ أن تقعد فاقعد» . وقد مرَّ في بحث [التَّشهُّد وهيئة الجلوس له] فلو كانت الصلاة على رسول الله ﷺ مفروضة واجبة لما جاز هذا القول «إذا فعلت هذا أو قضيت فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم» عقب التشهد. والحديث واضح الدلالة تماماً.
стр. 791
ب- حديث ابن ماجة من طريق أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل «ما تقول في الصلاة؟ قال: أتشهَّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أمَا والله ما أُحْسِنُ دندنتَك ولا دندنة معاذ، فقال: حولها ندندن» . فهذا رجل يسأله رسول الله ﷺ عما يقول في الصلاة فيجيبه «أتشهد ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار» وليس في جوابه إشارة إلى الصلاة عليه ﷺ ، فلم ينكر عليه ﷺ قراءته، والسكوت منه ﷺ في معرض الحاجة بيان وتشريع، فلو كانت الصلاة عليه واجبة لوجب على رسول الله ﷺ أن يُبيِّنَها لهذا الرجل، فلما لم يفعل فقد دل ذلك على عدم وجوب هذه الصلاة.
стр. 792
ج - حديث أبي داود من طريق أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخِر فليتعوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ المسيح الدجال» . فلو كانت الصلاة المخصوصة مفروضةً لقال ﵊ مثلاً (إذا فرغ أحدكم من الصلاة عليَّ فلْيتعوذ بالله من أربع) ، فلما لم يذكرها، ولما جعل الدعاء عقب التشهد، فقد دل على أن هذه الصلاة ليست من المفروضات على المسلمين. ومثل هذا الحديث في الدلالة ما رواه ابن ماجة من طريق جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهد كما يعلِّمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ له، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار» . - وقد أشرت إلى هذا الحديث في بحث [التشهد وهيئة الجلوس له]- فقد جعل الدعاء يعقُبُ التشهد مباشرة دون فاصل من الصلاة على رسول الله ﷺ .
د - الحديث المار وفيه الطلب من المسلمين أن يُصلوا على رسول الله ﷺ في الصلاة - وهو الحديث الذي رواه ابن خُزَيمة والحاكم وأحمد - إن كَوْنَ هذا الطلب قد جاء بفعلٍ فيه قُربة إلى الله سبحانه، وإن كَوْنَ هذه القُربة قد ثبت بالقرائن أنها ليست مفروضة، فلم يبق إلا أن تكون مندوبةً ومستحبَّةً.
أما ما رُوي عن أبي مسعود البدري ﵁ أنه قال «لو صليت صلاة لا أُصلي فيها على محمد وعلى آل محمد ما رأيت أنها تتم» فقد رواه البيهقي وقال (تفرَّد به جابر الجُعفي وهو ضعيف) . وكذَّبه أبو حنيفة وغيره، فالحديث لا يصلح للاستدلال، إضافة إلى أنه قولُ صحابي، وقول الصحابي ليس دليلاً شرعياً.
стр. 793
وأما ما رواه عبد المهيمن بن عباس بن سهل الساعدي قال «سمعت أبي يحدِّث عن جدِّي أن النبي ﷺ كان يقول: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصلِّ على نبي الله في صلاته» رواه الحاكم والبيهقي. دالاً على وجوب الصلاة على نبي الله ﷺ في الصلاة، فإن هذا الحديث ضعيف لا يُحتج برواياته كما قال البيهقي، وإن عبد المهيمن واهٍ كما قال الذهبي، فيُطْرح ولا يُلتفت إليه. وعليه فإن الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة مندوبة وليست واجبة.
الدعاءُ والتَعوُّذ في آخر الصلاة
стр. 794
إذا فرغ المصلي من التشهد في جلسته الأخيرة قبل أن يسلِّم نُدب إليه أن يصلي على رسول الله ﷺ ، كما نُدب إليه أن يدعو بما يشاء، وأن يتعوذ بالله ، فهذه الجلسة فيها متَّسعٌ للدعاء وللذكر، فلْيتخير لها من الأدعية والتَّعوُّذاتِ ما يعجبه، وأفضلها ما أُثر عن رسول الله ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد وأبو داود. ورواه ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فلْيتعوَّذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجال» . ووقع في رواية أحمد وأبي داود ومسلم وروايةٍ للنَّسائي والدارمي لفظ « ... ومن شرِّ المسيح الدجال» . وهذا وذاك جائزان مأثوران بأيهما دعوتَ واستعذتَ أصبتَ. وعن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغْرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب ووعد فأخلف» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي بزيادة التعوذ من المأثم والمغرم، إلا أنه سقط التعوُّذ من عذاب النار.
стр. 795
وقد جمع ابن حِبَّان الجميع في رواية له من طريق عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغْرم، قالت: فقال قائل: يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرم، فقال النبي ﷺ : إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب ووعد فأخلف» . فهذه أكمل صيغ التعوُّذ فتُؤخذ وتُقدَّم على سابقاتها.
أما الأدعية المأثورة عقب التشهد وقبل التسليم فكثيرة أذكر منها دعاءً قصيراً وآخر طويلاً:
أ-[اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم] .
стр. 796
ب-[اللهم بعلمك الغيب وقدرتِك على الخَلْق أَحيني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوفَّني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتَك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قُرَّةَ عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوقَ إلى لقائك، في غير ضرَّاءَ مُضِرَّةٍ ولا فتنةٍ مُضِلَّة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان واجعلنا هُداةً مهديين] . فعن أبي بكر الصِّديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ «علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» رواه البخاري والنَّسائي وأحمد والترمذي. وعن السائب قال «صلى بنا عمار بن ياسر صلاةً فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خفَّفتَ أو أوجزتَ الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوتُ فيها بدعوات سمعتهنَّ من رسول الله ﷺ ، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أُبيٌّ غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أَحْيِني ... واجعلنا هُداةً مهديين» رواه النَّسائي. ورواه أحمد ولكن سقطت منه عدة ألفاظ. أما من أحب الاطلاع على أدعية أخرى فدونه كتب الحديث فهي طافحة بها.
стр. 797
ويمكن للمسلم أن يدعو من غير الأدعية المأثورة بما يحتاج إليه من أمور، كأن يدعو لنفسه بالشفاء من مرضٍ أصابه، أو بالنجاة من كُربة ألمَّت به، أو أن يعينه ربُّه على حمل الدعوة، أو على القيام بما فيه نفعٌ وخيرٌ له وللمسلمين، أو أن يدعو ربه لإعادة الخلافة الراشدة، أو أن يدعو ربه ليرزقه الشهادة في سبيله، أو أي دعاء يحقق فيه خيراً لنفسه ولأهله ولجيرانه ولأصحابه ولعموم المسلمين، وكلما عمَّم الدعاء كان أفضل.
التسليمُ في الصلاة
إذا فرغ المصلي من التشهد وجوباً، ومن الصلاة على رسول الله ﷺ والتَّعوُّذ والدعاء ندباً واستحباباً خرج من صلاته بالتسليم عن يمينه وجوباً، وعن يساره ندباً واستحباباً، فعن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاحُ الصلاة الطُّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم» رواه أحمد والترمذي وأبو داود. وقد مرَّ في بحث [حكم تكبيرة الإحرام] . قوله تحريمها التكبير: أي أن كل فعل أو قول عدا أفعال الصلاة وما يقال فيها يصبح محرَّماً بمجرد التكبير. وقوله تحليلها التسليم: أي أن كل ما حرم فعله أو قوله في أثناء الصلاة يعود حلالاً بمجرد التسليم. هذا المعنى نفسه يُشكل قرينة على وجوب التسليم، ولم أقف على حديث واحد ولا أثرٍ واحد يذكر أن رسول الله ﷺ أو أحد صحابته قد خرج من صلاته دون أن يختمها بالتسليم، فالتسليم فرضٌ واجب، ولا تُختم الصلاة إلا به، ولا يحل تركه.
стр. 798
والتسليم تسليمتان اثنتان: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن اليسار. ويقول فيهما [السلام عليكم ورحمة الله] فعن سعد ﵁ قال «كنت أرى رسول الله ﷺ يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» رواه مسلم وابن أبي شيبة وأحمد. وروى عبد الله بن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى أو نرى بياض خدَّيه» رواه أحمد. وروى الترمذي وابن حِبَّان وأبو داود وابن ماجة وابن أبي شيبة هذا الحديث بتفاوت في الألفاظ. ورواه النَّسائي بلفظ «رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفضٍ ورفعٍ وقيامٍ وقعودٍ، ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خده، ورأيت أبا بكر وعمر ﵄ يفعلان ذلك» . وروى ابن أبي شيبة من طريق البراء ﵁ «أن النبي ﷺ يسلِّم عن يمينه وعن شِماله (ويقول) السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرى بياضُ خدِّه» . وروى النَّسائي «سُئل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضَع، الله أكبر كلما رَفَع، ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره» . فهذه نصوص تدل بوضوح على مشروعية التسليم عن اليمين وعن الشمال، كما تدل على أن التسليم يكون بصيغة: السلام عليكم ورحمة الله، يميناً وشمالاً.
стр. 799
أما الوجوب فهو للتسليم عن اليمين، ويكون التسليم عن اليسار مندوباً مستحباً فحسب، والدليل على ذلك ما روته عائشة ﵂ في صفة صلاة رسول الله ﷺ قالت « ... ثم يجلس فيتشهد ويدعو، ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا ... » رواه أحمد. وما رُوي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال «كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يفتتحون القراءة بـ الحمدُ لله رب العالمين ويسلمون تسليمة» رواه البزَّار وقال الهيثمي (رجاله رجال الصحيح) . وما رواه أنس ﵁ «أن النبي ﷺ سلَّم تسليمة» رواه ابن أبي شيبة. فكونه ﷺ قد خرج من الصلاة متحلِّلاً بتسليمة واحدة دون التسليمة الثانية عن اليسار يدل دلالة واضحة على عدم وجوب التسليمة الثانية عن اليسار، إذ لو كان تحليل الصلاة لا يتم إلا بتسليمتين اثنتين لما اكتفى رسول الله ﷺ بالخروج من الصلاة بتسليمة واحدة فحسب.
ونضيف إلى ما سبق القول إنه ما دامت التسليمة الثانية غير واجبة، وما دام رسول الله ﷺ وصحابته لا يكادون يتركونها فلم يبق لنا إلا أن نقول باستحبابها، وقصر الوجوب على التسليمة الأولى عن اليمين.
стр. 800
وقد وردت عدة صيغ للتسليم أكثرها روايةً وأصحُّها إسناداً هي [السلام عليكم ورحمة الله] فأرى الأخذ بها والعمل بها وترك ما سواها وذلك لما سبق من أدلة، ووردت صيغة [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته] مرة في التسليمة الأولى، ومرة أخرى في التسليمة الثانية، فعن وائل ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ فكان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله» رواه أبو داود. فهذا في التسليمة الأولى. وروى عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ كان يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياض خدِّه: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» رواه ابن حِبَّان. فهذا في التسليمة الثانية، إلا أنَّ إسناد هذين الحديثين دون إسناد الأحاديث السابقة من حيث الصحة والقوة.
стр. 801
كما وردت صيغة [السلام عليكم] فقط دون [ورحمة الله] ودون [وبركاته] فقد مرَّ قبل قليل حديث عائشة ﵂ عند أحمد وجاء فيه «ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم» . وعن جابر بن سمرة ﵁ قال «كنا نقول خلف رسول الله ﷺ إذا سلَّمنا: السلام عليكم، يشير أحدُنا بيده عن يمينه وعن شماله ... » رواه أحمد. ورواه النَّسائي وأبو داود بألفاظ متقاربة. ولكن هذه الروايات قابلتها روايةٌ لمسلم جاء فيها «كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين ... » . وستأتي بتمامها بعد قليل إن شاء الله. فقد ذكر مسلم هنا الصيغة الأولى [السلام عليكم ورحمة الله] مما يضعف صيغة [السلام عليكم] الواردة في هذه الروايات. ولا يبعد عندي أن الذي روى صيغة السلام عليكم في هذه الروايات كان اهتمامه مُنْصبَّاً على موضوع الإشارة بالأيدي عند التسليم، وليس مُنْصبَّاً على موضوع صيغة التسليم، فاكتفى بذكر: السلام عليكم، هكذا بإيجاز. لهذا أعود وأقول إن الأفضل والأَولى أن يكون التسليم عن اليمين وعن الشمال بصيغة [السلام عليكم ورحمة الله] ويبقى الأمر موسَّعاً على المسلمين، بأية صيغة سلَّموا أجزأتهم.
ويسن عند التسليم المبالغةُ في الالتفات يمنةً ويسرةً بحيث تظهر صفحة خده لمن يجلس خلفه، ويكون ذلك بأن يبلغ نظرُه أقصى اليمين وأقصى اليسار دون أن يتجاوز ذلك إلى النظر إلى الخلف، كما يفعل فئام من الناس، فهذا لا لزوم له ولا أصل له، فقد مرَّ قبل قليل القول «حتى أرى بياض خده» ، «حتى يُرى أو نرى بياض خديه» ، «حتى يُرى بياض خده» . وروى عبد الله بن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك حتى تبدو لهم صفحتُه» رواه الطبراني. قوله صفحته: أي جانب وجهه.
стр. 802
والسنة في التسليم السرعة فيه وتخفيفه دون مدٍّ أو إطالةٍ خلافاً لما يفعله كثير من الأئمة والمصلين، لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال «حذف السلام سُنَّةٌ» رواه الترمذي هكذا موقوفاً على أبي هريرة. ورواه أحمد وأبو داود مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولكن الموقوف أصح، ذلك أن أبا داود بعد أن روى الحديث قال (سمعت أبا عمير عيسى بن يونس الفاخوري الرملي قال: لما رجع الفريابي من مكة ترك رفع هذا الحديث وقال: نهاه أحمد بن حنبل عن رفعه) . والفريابي هو أحد رواة حديث أبي داود وأحمد، فالحديث موقوف على أبي هريرة ﵁. ولكن قول الصحابي أَنَّ فِعْلَ كذا سُنَّةٌ يأخذ حكم الرفع.
стр. 803
ولا تُشرع حركة الأيدي عند التسليم، لا بالتلويح بها مع كل تسليمة، ولا بالإشارة بها، ولا بالرمي بها، فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال «كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : علام تُومِئُون بأيديكم كأنها أذنابٌ خيلٍ شُمْسٍ؟ إنما يكفي أحدَكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلِّم على أخيه مِن على يمينه وشماله» رواه مسلم. ورواه النَّسائي بلفظ «ما بال هؤلاء الذين يرمون بأيديهم كأنها أذناب الخيل الشُمْس؟ أما يكفي أن يضع يده على فخذه، ثم يسلِّم على أخيه عن يمينه وعن شماله؟» . وفي رواية أخرى لمسلم وأبي داود بلفظ «عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمْسٍ؟ اسكُنوا في الصلاة ... » . ورواه أحمد بلفظ جاء فيه «ما بال أقوامٍ يرمون بأيديهم كأنها أذنابُ الخيل الشُمْسِ، أَلاَ يسكن أحدُكم ويشير بيده على فخذه ثم يسلم على صاحبه عن يمينه وعن شماله؟» . قوله الشُمْس: أي الخيل التي لا تستقرُّ ولا تهدأ، بل تُحرِّك أذنابها وأرجلها باستمرار. فالإشارة باليدين والإيماء باليدين والرمي باليدين كل ذلك منهيٌّ عنه عند التسليم، وقد سبق في بحث [رفع اليدين في الصلاة] ما وقع عند أحمد من طريق علي بن أبي طالب ﵁ بلفظ جاء فيه «ولا يرفع يديه في شئ من صلاته وهو قاعد» . وإذن فإن الإشارة والإيماء والرمي والرفع للأيدي كل ذلك غير مشروع ومنهيٌّ عنه في التسليم وفي غيره ما دام المصلي قاعداً. ويكفي لجمع كل المنهيات قوله ﵊ «اسكُنُوا في الصلاة» ، «ألا يسكُن أحدكم؟» . فالسكون هو المطلوب والمشروع وخلافُ ذلك محظور منهي عنه. ولا يستثنى من ذلك سوى تحريك السَّبَّابة في أثناء جلسة التشهد والدعاء في حالة وضع
стр. 804
اليدين على الفخذين، وقد مرَّ تفصيل ذلك في بحث [التشهد وهيئة الجلوس له] .
والتسليم كما هو واجب على الإمام وعلى المنفرد فهو واجب على المأمومين، لا يكفيهم تسليم الإمام ولا يغني تسليمه عن تسليمهم، فعن عِتْبان ﵁ قال «صلينا مع النبي ﷺ فسلَّمنا حين سلَّم» رواه البخاري. ورواه النسائي ولفظه « ... فقام رسول الله ﷺ وصففنا خلفه، ثم سلَّم وسلَّمنا حين سلَّم» .
سجودُ السَّهو
حكمُهُ وأسبابُه
سجود السهو فرض واجب عند ترك فرض واجب في الصلاة، مكتوبةً كانت أو تطوعاً، ومندوب عند ترك مندوب. أما إن تُرك ركنٌ فالصلاة تبطل، ولا تُجْبَر بسجود السهو وتجب إعادتها. هذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة، وذلك أن سجود السهو يُجبَر به نقصٌ في أمر، أو تُعالَج به زيادةٌ في أمرٍ بنسيان في هذا أو ذاك، فإن كان النقص في فرض، أو كانت الزيادة في فرض عمداً فإن سجود السهو لا محل له هنا في الحالتين، ويلحق صاحبه الإثم.
стр. 805
فسجود السهو لا ينفع ولا يُشرع إلا عند النقص أو الزيادة بالنسيان فقط، ولهذا سُمي سجود السهو، والسهو والنسيان باب واحد، فالزيادة في فرض، أو النقص في فرض هما ما شُرع لهما سجود السهو عند حصولهما بسبب النسيان، وهذا ما قرره الشرع واعتبر سجود السهو مزيلاً للإثم صارفاً للحرام. فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلَّى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرح الشك ولْيبنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والحاكم وابن حِبَّان. وعن عبد الله بن بُحَيْنة الأسدي حليف بني عبد المطلب «أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبِّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلِّم، وسجدها الناس معه مكان ما نسي من الجلوس» رواه مسلم والبخاري والنَّسائي وابن حِبَّان.
في الحديث الأول يعيد سجود السهو في حالة الصلاة الرباعية خمساً يعيد هذه الصلاة شفعاً، وهذا الفعل من سجود السهو وهو إعادة الصلاة إلى أصلها أمرٌ لازم لا بد منه، إذ لولاه لبقيت الصلاة الرباعية خمساً وتراً، وبسجود السهو انتفى الخلل وتمَّ تصويبُ الصلاة، وكل ذلك واجب لا شك فيه.
والحديث الثاني يقول «سجد سجدتين ... مكان ما نسي من الجلوس» والجلوس هنا هو الجلوس الأوسط، وهذا الجلوس واجب في الصلاة الثلاثية والرباعية كما بيَّناه في فصل [صفة الصلاة] بحث [التشهد وهيئة الجلوس له] وهنا اعتبر الحديث سجود السهو حالاً محل الجلوس الأوسط الواجب، بمعنى أنه أسقط الإثم الناتج عن ترك الواجب.
стр. 806
ومن هذين الحديثين نفهم وجوب سجود السهو عند ترك فرض واجب، كما يمكننا أن نفهم أن سجود السهو عند ترك مندوب مندوب، لأن الذي يحل محل الفرض فرض، والذي يحل محل المندوب مندوب. ولا يقال إن ترك فرضٍ بالنسيان ليس حراماً ولا يترتب عليه إثم، فكيف رتَّبتم هذه الحقيقة على هذا القول؟ فالجواب أن الذي ترك فرضاً بالنسيان لم يأثم ولم يرتكب حراماً ما كان ناسياً، ولكنه بعد أن يتذكر ولم يعد ناسياً فإنه آنذاك يأثم إن هو لم يتدارك ما نسيه. فالناسي فرضاً في الصلاة لا يأثم ما دام ساهياً ولا يجب عليه سجود السهو إلا إن هو تذكر فحسب. فمن ترك فرضاً بالنسيان فإنه لا يأثم، ثم إن هو تذكَّر لحقه الإثم آنذاك إن هو لم يأت به ولم يسجد له سجود السهو. وهذا أمر بالغ الوضوح لا يحتاج إلى أكثر من هذا.
وسجود السهو يُشرع عند حصول زيادة في عدد الركعات أو نقص فيها أو شكٍّ في عدد ما أتى منها، وعند ترك فرضٍ واجبٍ في الصلاة كما بدأنا أول هذا البحث به كترك التشهد الأوسط مثلاً، ويكون في هذه الحالات واجباً لا بد من الإتيان به.
ويستحب سجود السهو عند ترك مندوب كما أسلفنا عند بدء البحث هذا كترك الذكر في الركوع والسجود، وترك القنوت في الوتر، وترك التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، وترك الصلاة الإبراهيمية وسائر مندوبات الصلاة.
стр. 807
وقد مرَّ قبل قليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم وغيره وفيه «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كَمْ صلى، ثلاثاً أم أربعاً ... ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم ... » . فهذا دليل السجود لحصول الشك في عدد ركعات الصلاة، كما مرَّ قبل قليل حديث عبد الله بن بُحَيْنة ﵁ عند مسلم وفيه «أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتمَّ صلاته سجد سجدتين ... » . فهذا دليل سجود السهو عند ترك واجب في الصلاة كالجلوس للتشهُّد الأوسط، وعن عبد الله ﵁ قال «صلى النبي ﷺ الظهر خمساً، فقالوا: أَزِيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه وسجد سجدتين» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد وزاد في رواية «وسلَّم» . وفي رواية ثالثة لأحمد «أن النبي ﷺ صلى الظهر أو العصر خمساً، ثم سجد سجدتي السهو، ثم قال رسول الله ﷺ : هاتان السجدتان لمن ظن منكم أنه زاد أو نقص» . وعن عمران بن حصين ﵁ «أن النبي ﷺ سلَّم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل (وفي رواية عند مسلم فدخل الحجرة) فقام إليه رجل يقال له الخِرْباق، وكان في يده طول فقال: يا رسول الله، فخرج إليه فذكر له صنيعه، فجاء فقال: أَصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين ثم سلم» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فهذه أدلة على مشروعية سجود السهو عند الزيادة وعند النقصان.
كيفيةُ سجود السَّهو
стр. 808
سجود السَّهو سجدتان اثنتان متتاليتان عاديتان، فيهما ذِكرٌ كحالهما في الصلاة وبينهما جلوس، ولهما تكبير عند الخفض وعند الرفع كالحال في الصلاة، يعقبهما جلوس يسير، ثم تسليم عن اليمين وعن الشمال دون تشهُّدٍ، ويُؤتى بهما قبل التسليم من الصلاة فهذا هو الأصل، ويجوز أن يُؤتى بهما بعد التسليم. وفي كل ذلك وردت النصوص، نأخذ منها ما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إنَّ أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلَبَس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدُكم فلْيسجد سجدتين وهو جالس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العَشِيِّ إما الظهر وإما العصر، فسلَّم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبْلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سُرْعانُ الناس: قُصِرت الصلاةُ، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبَّر ثم سجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر ورفع، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. ورواه أبو داود بلفظ « ... فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر ... » .
٣- عن عبد الله بن بُحَيْنة ﵁ قال «صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمَه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
стр. 809
٤- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان» رواه مسلم وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان. وقد مرَّ قبل قليل.
الحديث الرابع جاء الأمر فيه بالسجود قبل التسليم، والحديث الثالث جاء فيه الفعل منه ﷺ كذلك، وهذان الحديثان يدلاَّن على أن سجود السهو إنما يكون قبل التسليم، هذه واحدة. أما الثانية فهي أن سجود السهو هو في حقيقته جزءٌ من الصلاة وتتمَّةٌ لها، وليس هو صلاة منفردة مستقلة بذاتها، فهو من ضمن الصلاة وليس خارجاً عنها، وما دام أنه من الصلاة وجزء منها فإنَّ الأصل إذن أن يقع قبل التسليم، مثله مثل سائر أجزاء الصلاة، ولهذا قلنا إن الأصل في سجود السهو هو أن يكون قبل التسليم. والذي دعانا إلى هذا القول والوقوف عنده هو أن الرأي الآخر القائل بأن سجود السهو يكون بعد التسليم لديه أدلته القوية الصحيحة، وهو رأي وجيه معتبَر بلا شك، ولولاه لذهبنا إلى القول إنه الرأي الصواب وحده دون سواه، ولهذا اكتفينا بالقول إن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل التسليم، ويجوز أن يكون بعده. أما أدلة من ذهبوا إلى القول بأن سجود السهو إنما يكون بعد التسليم فهي:
أ- عن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام أو الكلام» رواه مسلم.
стр. 810
ب- عن عبد الله ﵁ قال «صلى النبي ﷺ - قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص - فلما سلَّم قيل له: يا رسول الله أَحَدَث في الصلاة شئ؟ قال وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القِبلة، وسجد سجدتين ثم سلَّم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شئ لنبَّأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلُكم أنسى كما تنْسَون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيتحرى الصواب فلْيُتِمَّ عليه، ثم ليسلِّم ثم يسجد سجدتين» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ورواه مسلم بلفظ « ... وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيتحرَّ الصواب، فلْيُتِمَّ عليه ثم ليسجد سجدتين» ، بحذف [ثم ليسلم] الواردة في رواية البخاري.
ج - الحديث رقم ٢ أعلاه، وفيه «فصلى ركعتين، وسلَّم ثم كبَّر ... » .
فأدلة هؤلاء موازية ومعادلة للأدلة على الرأي الذي رجَّحْتُه، ولولا أن سجود السهو جزء من الصلاة ومتمِّمٌ لها في حقيقته لقلت بالتخيير بين الرأي هذا والرأي ذاك، ولهذا قلت إن الأصل هو أن يكون السجود قبل التسليم، ويجوز أن يكون بعده، بمعنى أن الأفضل الإتيان بالسجود قبل التسليم.
وقد ذهب الفقهاء مذاهب شتى في هذا الموضوع، فمِن قائلٍ إن سجود السهو يجب أن يكون قبل التسليم فقط، إلى قائل إنه يجب أن يكون بعد التسليم فقط، إلى قائل إنه يكون قبل التسليم عند حصول نقص في الصلاة، ويكون بعد التسليم عند حصول زيادة، إلى قائل إنَّ كل حديث من الأحاديث يستعمل فيما جاء فيه، إلى غير ذلك من الآراء والأقوال، والقليل القليل من هؤلاء من قال بالتخيير بين السجود قبل التسليم وبين السجود بعده، مع أن المتمعن في النصوص يجد نفسه يأخذ بهذا الرأي الأخير.
следующие страницы →