Полный текст (1 205 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ومن هذين الحديثين نفهم وجوب سجود السهو عند ترك فرض واجب، كما يمكننا أن نفهم أن سجود السهو عند ترك مندوب مندوب، لأن الذي يحل محل الفرض فرض، والذي يحل محل المندوب مندوب. ولا يقال إن ترك فرضٍ بالنسيان ليس حراماً ولا يترتب عليه إثم، فكيف رتَّبتم هذه الحقيقة على هذا القول؟ فالجواب أن الذي ترك فرضاً بالنسيان لم يأثم ولم يرتكب حراماً ما كان ناسياً، ولكنه بعد أن يتذكر ولم يعد ناسياً فإنه آنذاك يأثم إن هو لم يتدارك ما نسيه. فالناسي فرضاً في الصلاة لا يأثم ما دام ساهياً ولا يجب عليه سجود السهو إلا إن هو تذكر فحسب. فمن ترك فرضاً بالنسيان فإنه لا يأثم، ثم إن هو تذكَّر لحقه الإثم آنذاك إن هو لم يأت به ولم يسجد له سجود السهو. وهذا أمر بالغ الوضوح لا يحتاج إلى أكثر من هذا.
وسجود السهو يُشرع عند حصول زيادة في عدد الركعات أو نقص فيها أو شكٍّ في عدد ما أتى منها، وعند ترك فرضٍ واجبٍ في الصلاة كما بدأنا أول هذا البحث به كترك التشهد الأوسط مثلاً، ويكون في هذه الحالات واجباً لا بد من الإتيان به.
ويستحب سجود السهو عند ترك مندوب كما أسلفنا عند بدء البحث هذا كترك الذكر في الركوع والسجود، وترك القنوت في الوتر، وترك التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، وترك الصلاة الإبراهيمية وسائر مندوبات الصلاة.
стр. 807
وقد مرَّ قبل قليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم وغيره وفيه «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كَمْ صلى، ثلاثاً أم أربعاً ... ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسَلِّم ... » . فهذا دليل السجود لحصول الشك في عدد ركعات الصلاة، كما مرَّ قبل قليل حديث عبد الله بن بُحَيْنة ﵁ عند مسلم وفيه «أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتمَّ صلاته سجد سجدتين ... » . فهذا دليل سجود السهو عند ترك واجب في الصلاة كالجلوس للتشهُّد الأوسط، وعن عبد الله ﵁ قال «صلى النبي ﷺ الظهر خمساً، فقالوا: أَزِيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه وسجد سجدتين» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد وزاد في رواية «وسلَّم» . وفي رواية ثالثة لأحمد «أن النبي ﷺ صلى الظهر أو العصر خمساً، ثم سجد سجدتي السهو، ثم قال رسول الله ﷺ : هاتان السجدتان لمن ظن منكم أنه زاد أو نقص» . وعن عمران بن حصين ﵁ «أن النبي ﷺ سلَّم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل (وفي رواية عند مسلم فدخل الحجرة) فقام إليه رجل يقال له الخِرْباق، وكان في يده طول فقال: يا رسول الله، فخرج إليه فذكر له صنيعه، فجاء فقال: أَصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين ثم سلم» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فهذه أدلة على مشروعية سجود السهو عند الزيادة وعند النقصان.
كيفيةُ سجود السَّهو
стр. 808
سجود السَّهو سجدتان اثنتان متتاليتان عاديتان، فيهما ذِكرٌ كحالهما في الصلاة وبينهما جلوس، ولهما تكبير عند الخفض وعند الرفع كالحال في الصلاة، يعقبهما جلوس يسير، ثم تسليم عن اليمين وعن الشمال دون تشهُّدٍ، ويُؤتى بهما قبل التسليم من الصلاة فهذا هو الأصل، ويجوز أن يُؤتى بهما بعد التسليم. وفي كل ذلك وردت النصوص، نأخذ منها ما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إنَّ أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلَبَس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدُكم فلْيسجد سجدتين وهو جالس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العَشِيِّ إما الظهر وإما العصر، فسلَّم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبْلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سُرْعانُ الناس: قُصِرت الصلاةُ، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي ﷺ يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبَّر ثم سجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر ورفع، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. ورواه أبو داود بلفظ « ... فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر ثم كبَّر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر ... » .
٣- عن عبد الله بن بُحَيْنة ﵁ قال «صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمَه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
стр. 809
٤- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان» رواه مسلم وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان. وقد مرَّ قبل قليل.
الحديث الرابع جاء الأمر فيه بالسجود قبل التسليم، والحديث الثالث جاء فيه الفعل منه ﷺ كذلك، وهذان الحديثان يدلاَّن على أن سجود السهو إنما يكون قبل التسليم، هذه واحدة. أما الثانية فهي أن سجود السهو هو في حقيقته جزءٌ من الصلاة وتتمَّةٌ لها، وليس هو صلاة منفردة مستقلة بذاتها، فهو من ضمن الصلاة وليس خارجاً عنها، وما دام أنه من الصلاة وجزء منها فإنَّ الأصل إذن أن يقع قبل التسليم، مثله مثل سائر أجزاء الصلاة، ولهذا قلنا إن الأصل في سجود السهو هو أن يكون قبل التسليم. والذي دعانا إلى هذا القول والوقوف عنده هو أن الرأي الآخر القائل بأن سجود السهو يكون بعد التسليم لديه أدلته القوية الصحيحة، وهو رأي وجيه معتبَر بلا شك، ولولاه لذهبنا إلى القول إنه الرأي الصواب وحده دون سواه، ولهذا اكتفينا بالقول إن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل التسليم، ويجوز أن يكون بعده. أما أدلة من ذهبوا إلى القول بأن سجود السهو إنما يكون بعد التسليم فهي:
أ- عن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام أو الكلام» رواه مسلم.
стр. 810
ب- عن عبد الله ﵁ قال «صلى النبي ﷺ - قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص - فلما سلَّم قيل له: يا رسول الله أَحَدَث في الصلاة شئ؟ قال وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القِبلة، وسجد سجدتين ثم سلَّم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: إنه لو حدث في الصلاة شئ لنبَّأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلُكم أنسى كما تنْسَون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيتحرى الصواب فلْيُتِمَّ عليه، ثم ليسلِّم ثم يسجد سجدتين» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ورواه مسلم بلفظ « ... وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيتحرَّ الصواب، فلْيُتِمَّ عليه ثم ليسجد سجدتين» ، بحذف [ثم ليسلم] الواردة في رواية البخاري.
ج - الحديث رقم ٢ أعلاه، وفيه «فصلى ركعتين، وسلَّم ثم كبَّر ... » .
فأدلة هؤلاء موازية ومعادلة للأدلة على الرأي الذي رجَّحْتُه، ولولا أن سجود السهو جزء من الصلاة ومتمِّمٌ لها في حقيقته لقلت بالتخيير بين الرأي هذا والرأي ذاك، ولهذا قلت إن الأصل هو أن يكون السجود قبل التسليم، ويجوز أن يكون بعده، بمعنى أن الأفضل الإتيان بالسجود قبل التسليم.
وقد ذهب الفقهاء مذاهب شتى في هذا الموضوع، فمِن قائلٍ إن سجود السهو يجب أن يكون قبل التسليم فقط، إلى قائل إنه يجب أن يكون بعد التسليم فقط، إلى قائل إنه يكون قبل التسليم عند حصول نقص في الصلاة، ويكون بعد التسليم عند حصول زيادة، إلى قائل إنَّ كل حديث من الأحاديث يستعمل فيما جاء فيه، إلى غير ذلك من الآراء والأقوال، والقليل القليل من هؤلاء من قال بالتخيير بين السجود قبل التسليم وبين السجود بعده، مع أن المتمعن في النصوص يجد نفسه يأخذ بهذا الرأي الأخير.
стр. 811
ذلك أن الأحاديث كلها صحيحة وليس فيها نسخ، ودلالاتها واضحة لا تحتمل التأويل، ولولا ما قلته من جُزْئية سجود السهو للصلاة مما جعلني أقول بأفضلية السجود قبل التسليم لأخذت بهذا الرأي، وعلى أية حال فالرأيان متقاربان.
ونأتي الآن إلى مسألة التشهد في سجود السهو. قال ناس بوجوب التشهُّد عقب سجدتي السهو، مستدلين بأحاديث أظهرها وأقواها سنداً ما رواه عمران بن حصين رضي الله عن «أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلَّم» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وابن حِبَّان. وما سوى هذا الحديث فأحاديث ضعيفة لا يُعتدُّ بها. وهذا الحديث وإن صححه ناس فقد ضعفه ناس آخرون منهم البيهقي وابن عبد البَرِّ وابن حجر، فلا أراه يصلح للاستدلال. وتبقى النصوص القائلة بسجود السهو خالية من ذكر التشهد. ثم إن سجود السهو في حقيقته هو جزء من الصلاة، والصلاة أية صلاة تختم بتشهُّدٍ واحد، فلا تحتاج هذه الصلاة إلى تشهدٍ ثانٍ، إلا أن تأتي النصوص الصحيحة بذلك، ولم ترد نصوص صحيحة بذلك.
وأخيراً أقول ما يلي: إذا نسي المصلي أن يجلس للتشهد، فأمكنه أن يأتي به قبل أن يقوم ويعتدل واقفاً فليفعل، أما إن قام واعتدل واقفاً فلا يصح له أن يعود للجلوس، بل يكمل صلاته ويسجد في نهايتها سجود السهو، وذلك لما رُوي عن عبد الرحمن بن شِماسة أنه قال «صلى بنا عقبة بن عامر، فقام وعليه جلوس، فقال الناس وراءه: سبحان الله فلم يجلس، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين وهو جالس فقال: أني سمعتكم تقولون: سبحان الله، كيما أجلس، وليس ذلك سنة، إنما السنة الذي صنعته» رواه ابن حِبَّان والحاكم والبيهقي.
العملُ عند حصول الشك في عدد الركعات
стр. 812
عند حصول الشك في أثناء الصلاة في عدد الركعات المُؤدَّاة منها، يجب على الشَّاكِّ أن يتحرى الصواب واليقين، فإن وصل إليهما بنى عليهما وأتمَّ صلاته ثم سجد سجدتي السهو، وإن هو لم يتوصل إلى الصواب واليقين وبقي الشك قائماً هل صلَّى ثنتين أم ثلاثاً، أو هل صلى ثلاثاً أم أربعاً أخذ بالأقل منهما، أي أخذ بالثنتين وطرح الثالثة، أو أخذ بالثلاث وطرح الرابعة، ثم بنى على ذلك وأتم صلاته، ثم سجد أيضاً سجدتي السهو، فقد مرَّ الحديث عند البخاري وغيره من طريق عبد الله ﵁ وجاء فيه « ... وإذا شك أحدكم في صلاته فلْيتحرى الصواب فلْيُتِمَّ عليه ... » . كما مرَّ الحديث عند مسلم وغيره من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ وجاء فيه «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فلْيطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين ... » .
وهذا الشك وخفاء الصواب إنما هو من فعل الشيطان ووسوسته كما جاء في الحديث المارِّ قبل قليل عن أبي هريرة ﵁ عند مسلم وغيره وجاء فيه «إن أحدكم إذا قام يصلي، جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ... » . فحتى يتخلص المسلم من هذا الشيطان أذكر لكم ما رُوي عن عثمان بن أبي العاص أنه قال «يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وبين قراءتي، قال: ذاك شيطان يقال له خَنْزَب، فإذا أنت حسسته فتعوَّذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً، قال، ففعلتُ ذاك فأَذهبَ الله عني» رواه أحمد.
الفصل السابع
القنوتُ والخشوع في الصلاة
تمهيدٌ
стр. 813
بحثنا في الفصل السابق تحت عنوان [صفة الصلاة] مُكوِّنات الصلاة من أقوال وأفعال، فذكرنا الأقوال والأفعال التي تشكل بمجموعها الصلاة، ونريد أن نبحث في هذا الفصل تحت عنوان [القنوت والخشوع في الصلاة] معاني هاتين اللفظتين وما تدلان عليه، ونبين أن القنوت في هذا الفصل يعني الامتناع عن الأقوال غير المشروعة، وأن الخشوع يعني الامتناع عن الأفعال غير المشروعة في الصلاة، ونبدأ بالكلام على القنوت وما يدل عليه، ثم نتكلم على الخشوع وما يدل عليه.
١ــ القُنُوتُ في الصلاة
أصل القنوت في اللغة الدوام على الشئ، ومن هذا المعنى تفرعت معانٍ عدة. وأما في الشرع فهو دوام الطاعة لله ، ومنه قوله ﴿ومَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحَاً نُؤْتِهَا أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقَاً كَرِيْمَاً﴾ الآية ٣١ من سورة الأحزاب. وقوله تعالى ﴿إنَّ إبراهِيْمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَاً للهِ حَنِيْفَاً ولَمْ يَكُ مِن المُشْرِكِيْنَ﴾ الآية ١٢٠ من سورة النحل. وقوله سبحانه ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدَاً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ الآية ١١٦ من سورة البقرة. وكثير غيرها، وكلها تعني دوام الطاعة لله وما تستلزمه الطاعة من تذلل وخضوع.
стр. 814
إلا أن هذه اللفظة قد استُعملت لمعانٍ أخرى في الشرع، فربما أُطلقت وأُريد بها الدعاء، ومنه ما رُوي عن البراء بن عازب ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب» رواه الترمذي. وما رُوي عن أنس بن مالك ﵁ قال «قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع يدعو على أحياءٍ من العرب ثم تركه» رواه ابن حِبَّان. وما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «قنت النبي ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دُبُر كلِّ صلاة ... » رواه ابن خُزَيمة. ومِن ذلك يقال دعاء القنوت.
وربما أُطلقت وأُريد بها طول القيام، ومنه ما ورد عن جابر ﵁ أنه قال «سُئل رسول الله ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت» رواه أحمد والترمذي وابن حِبَّان وابن ماجة. قوله طول القنوت: أي طول القيام.
وتطلق لفظة القنوت ويُراد بها السكوت والامتناع عن الكلام، ومنه ما ورد عن زيد ابن أرقم ﵁ أنه قال «كنا نتكلم في الصلاة، يُكلِّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: وقوموا لله قانتين، فأُمِرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» رواه مسلم وأبو داود والترمذي. فكلمة قانتين في هذه الآية تعني ساكتين مُمْسِكين عن كلام الناس. هذا هو المعنى المقصود من القنوت في هذه الآية الكريمة أخذاً من سبب النزول، وهذا المعنى هو مدار البحث هنا. ولكننا ونحن نأخذ هذا المعنى لا ننسى المعنى العام للقنوت وهو دوام الطاعة لله .
стр. 815
فالقنوت مدار البحث إذن هو الامتناع عن الكلام مع الناس وعدم مخاطبة الآدميين، والاقتصار في الصلاة على مخاطبة الله سبحانه دون سواه، لتبقى الصلاة كلُّها لله، ولتبقى الطاعة كلها له، ولتبقى العبادة كلها خالصة لله رب العالمين. فأيُّ كلام مع غير الله هو قطعٌ لطاعة الله، وهو وقفٌ للقنوت، وبالتالي هو إنقاص للصلاة، فعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الرجل لينصرف وما كُتِب له إلا عُشْرُ صلاته تُسُعُها ثُمُنُها سُبُعُها سُدُسُها خُمُسُها رُبُعُها ثُلُثُها نِصْفُها» رواه أبو داود. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «إن الرجل ليصلي الصلاة ولعله لا يكون له منها إلا عُشْرُها أو تُسُعُها أو ثُمُنُها أو سُبُعها أو سُدُسُها حتى أتى على العدد» .
فإذا صلى المسلم فأدى واجبات الصلاة كلَّها ولم يرتكب حراماً حصَّل صلاة تامة، وإن انتقص من واجباتها شيئاً أو ارتكب حراماً حصَّل صلاة ناقصة بقدر ما انتقص من واجباتها أو فعل فيها من حرام، حتى يصلي فلا يحصِّل إلا عُشْر صلاةٍ أو ربعَ صلاة أو نصفَ صلاة، فمن تكلم مع غيره وهو في الصلاة فقد قطع بكلامه طاعته لله فانتقص بذلك من صلاته بقدر ما تكلم، وما ينبغي له أن يفعل ذلك، لأنه مأمور بدوام الطاعة مشغولٌ بها عما سواها من الأقوال، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «كنا نسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلَّمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول الله كنا نسلِّم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: إن في الصلاة لشُغلاً» رواه مسلم وأبو داود وابن أبي شيبة وأحمد.
стр. 816
نعم إنَّ مَن صلى كان في شغل بمخاطبة ربه عن مخاطبة غيره. ويزيد الأمرَ وضوحاً ما جاء من طريق عبد الله ﵁ قال «كنا نسلِّم على النبي ﷺ إذ كنا بمكة قبل أن نأتي أرض الحبشة، فلما قَدِمنا من أرض الحبشة أتيناه فسلمنا عليه فلم يردَّ، فأخذني ما قَرُب وما بَعُدَ حتى قضَوا الصلاة فسألته فقال: إن الله يُحْدِث في أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم في الصلاة» رواه أحمد. ورواه أبو داود وابن حِبَّان والنَّسائي وابن أبي شيبة باختلاف في الألفاظ. ورواه أبو يعلى وعبد بن حميد وفيه « ... وإذا كنتم في الصلاة فاقْنُتُوا ولا تَكَلَّموا» . قوله فاقنتوا ولا تكلَّموا صريحُ الدلالة على أن القنوت يعني السكوت والامتناع عن الكلام.
стр. 817
فالقانت هو الذي لا يتكلم في صلاته إلا الكلام المشروع من قراءةٍ وذكرٍ لله ، فعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثُكْلَ أُمِّتاه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكنِّي سكتُّ، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي وأُمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كَهَرَني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ » رواه مسلم وأحمد والدارمي والنَّسائي. ورواه أبو داود وجاء فيه «إن هذه الصلاة لا يحلُّ فيها شئ من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ » . قوله في الحديث «فلما رأيتهم يصمتونني لكني صمتُّ» يبدو فيه حذفٌ ومن ثَمَّ لَبسٌ، وقد جاء في رواية ابن حِبَّان لفظ يزيل اللبس «فلما رأيتهم يصمتوني لكي أسكت سكتُّ» ووقع عند الطحاوي لفظ «فلما رأيتهم يسكتونني سكتُّ» .
стр. 818
فالصلاة عبادة، والعبادة كلها لله سبحانه، فأقوالها قراءةٌ وذِكرٌ ودعاءٌ وتسبيحٌ وتحميدٌ، وكله لله ، وما سواه مما لم يُشْرع في الصلاة، ومما هو موجَّه لغير الله فغير صالحٍ في الصلاة بدلالة الرواية الأولى، وحرام لا يحلُّ بدلالة الرواية الثانية، وكلاهما يدلان على وجوب القنوت. ومن هنا فإن تشميت العاطس والتسليم على الناس والحديث مع الناس في مختلف الشؤون حرام لا يجوز في أثناء الصلاة. ويكفي أن نتذكر الحديث الذي مرَّ في بحث [حكم تكبيرة الإحرام] وهو ما رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم» رواه أحمد والترمذي. فإن فيه (وتحريمها التكبير) ومعناه أن الدخول في الصلاة بالتكبير يجعل كل كلام غير كلام الصلاة محرَّماً، وهذا الحكم عام يشمل المكتوبة كما يشمل النافلة، ويشمل الإمام كما يشمل المنفرد، كما يشمل المأموم.
стр. 819
والكلام في الصلاة صنفان: صنف مشروع متعين كقراءة الفاتحة والتكبير والتسبيح والتشهد، وصنف مشروع غير متعيِّن كالأدعية في الركوع والسجود والجلوس، وكذِكر الله تعالى مما ندب إليه واستُحب. أما الصنف الأول فهو من الأقوال التي تتشكل الصلاة منها، وأما الصنف الثاني فهو من الأقوال والكلام المأذون به في الصلاة، وهو دون الأقوال التي تتشكل الصلاة منها، بمعنى أنه لو قالها أو لم يقلها أو أكثر منها أو قلَّل، فالصلاة باقية على حالها وشكلها. وقد مرَّ في الفصل السابق الدعاء والتعوُّذ والذِّكر المأذون به في الصلاة بل والمستحب أيضاً فلا نعيد. ونضيف هنا إلى ما سبق أن من المأذون به من الكلام والدعاء هو ما يصاحب قراءة القرآن، فالمصلي إذا قرأ القرآن في الصلاة وقف عند آيات الله يدعو ويتعوَّذ بما يتناسب مع ما يقرأ، فعن حذيفة ﵁ قال «صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ما مرَّ بآيةِ رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا مرَّ بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوَّذ» رواه ابن خُزَيمة. وعن حُذيفة ﵁ قال «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ثم ركع ... » رواه مسلم. وقد مرَّ في بحث [قراءة ما زاد على الفاتحة من القرآن في الصلاة] .
стр. 820
فهذه الأدعية والتعُّوُّذات تندرج تحت ذكر الله سبحانه، فقد جاء في رواية لأبي داود من طريق معاوية بن الحَكَم السلمي قوله ﷺ «إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكرِ الله ، فإذا كنتَ فيها فليكن ذلك شأنك» . فقوله (إنما) يفيد الحصر، فيحصر الكلام بقراءة القرآن وذكر الله ، ولا يزاد عليهما مما يخاطب به الناس. وهذا رسول الله ﷺ قد مُنع من كلام الناس في الصلاة فنحن ممنوعون منه، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «أرسلني رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى بني المُصْطَلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا - وأومأ زهير بيده، ثم كلمته فقال لي هكذا - فأومأ زهير أيضاً بيده نحو الأرض، وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلتَ في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أُكلمك إلا أني كنت أُصلي ... » رواه مسلم وأحمد وأبو داود. فهذا دليل قطعي الدلالة على أن الكلام مع الناس ممنوع في أثناء الصلاة.
стр. 821
أما الكلام مع النفس فلا بأس به شرطَ أن يكون مِن ذكر الله سبحانه، فلو عطس المصلي في صلاته فلا بأس بأن يقول (الحمد لله، أو الحمد لله على كل حال) ، ولو سمع صوت الرعد وهو يصلي فلا بأس بأن يقول (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تُهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك) ، ولو سمع صوت الريح الشديدة وهو في الصلاة فلا بأس بأن يقول (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) وهكذا مما يدخل تحت الدعاء وذكر الله سبحانه، فعن رفاعة ﵁ قال «صليت خلف رسول الله ﷺ فعطستُ فقلتُ: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحبُّ ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فقال: مَن المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: مَن المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: مَن المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: كيف قلت؟ قال قلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحبُّ ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعةٌ وثلاثون مَلَكاً أيهم يصعد بها» رواه الترمذي. ورواه النَّسائي باختلاف يسير.
وهناك حالتان اثنتان يجوز فيهما الكلام الموجَّه للآخرين وردت بهما أحاديث شريفة تستثنيهما من وجوب القنوت والسكوت فيُقتَصر عليهما ولا يجوز تعدِّيهما أو القياس عليهما، ومع ذلك وجب أن يكون الكلام مما يصلح للصلاة من القرآن والذِّكر لا غير، وهاتان الحالتان هما: حالة الفتح على الإمام، وحالة احتياج المصلي لتنبيه غيره إلى خطأ أو نائبةٍ من النوائب.
стр. 822
أما الإمام فإنَّه إن صلى بالناس صلاة جهرية فأخطأ في قراءة القرآن، أو لم يُسعفه حفظُه فوقف عن القراءة، فإن للمصلين أن يُسْعِفُوه بقراءة الآية أو الآيات التي أخطأ بقراءتها أو نسيها فلم يذكرها، ولا يزيدون على القراءة شيئاً. وأما إن أخطأ الإمام في فعلٍ من أفعال الصلاة كأَن جلس في آخر الركعة الأولى، أو أراد النهوض من الركعة الثانية دون جلوس فإن المصلين يسبحون بالقول (سبحان الله) إن كانوا رجالاً، ويصفقن بأكُفِّهِنَّ فحسب إن كنَّ نساء.
وكذلك يسبحون إن نابتهم نائبة في أثناء صلاتهم. والدليل على جواز الكلام مع الغير في الحالة الأولى ما رواه المُسَوَّر بن يزيد المالكي قال «شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله تركتَ آيةَ كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : هلا أذْكَرْتَنيها؟» رواه أبو داود وابن حِبَّان. وفي رواية أخرى لابن حِبَّان من طريق المُسَوَّر بن يزيد «قال فهلا أذكَرْتَنيها؟ قال: ظننت أنها قد نُسخت، قال: فإنها لم تُنسَخ» . وما رواه عبد الله ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ صلى صلاةً فالتبس عليه، فلما فرغ قال لأُبيٍّ: أشهدت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تفتحها عليَّ؟» رواه ابن حِبَّان. ورواه أبو داود إلا أنه لم يورد (أن تفتحها عليَّ) وما رواه الحاكم بسند صحيح عن أنس ﵁ أنه قال «كنا نفتح على الأئمة على عهد رسول الله ﷺ » .
стр. 823
والدليل على جواز الكلام مع الغير في الحالة الثانية هو ما رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁ عن النبي ﷺ قال «مَن نابه شئ في صلاته فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال» رواه أحمد والطحاوي. وروى ابن حِبَّان من طريق سهل بن سعد ﵁ «أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليُصلح بينهم وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ فقال: أتصلي للناس فأُقم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة فتخلَّص حتى وقف في الصف فصفَّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناسُ التصفيقَ التفت أبو بكر فرأى رسول الله ﷺ أَنْ أثبُتْ مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله تعالى على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدَّم النبي ﷺ فصلى، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ما منعك أن تلبث إذ أمرتُك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ مَن نابه شئ في صلاته فليسبِّح، فإنه إن سبِّح التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء» . وفي رواية أخرى لابن حِبَّان من طريق سهل بن سعد « ... ثم قال للناس: إذا نابكم في صلاتكم شئ فلْيسبح الرجال ولْتصفِّق النساء» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» رواه مسلم وأحمد وابن ماجة وابن حِبَّان والطَّحاوي. وفي رواية أخرى لمسلم والنَّسائي بزيادة «في الصلاة» في آخرها.
стр. 824
وأُكرِّر القول إن الكلام مع الغير في هاتين الحالتين إنما يكون بكلامٍ من جنس كلام الصلاة المشروع أو المأذون فيه، أي من الكلام المخاطَب به ربُّ العالمين، وليس من الكلام المخاطَب به البشر، فلا يزيد الرجل إن احتاج لمخاطبة الغير على أن يسبِّح، والتسبيح من جنس كلام الصلاة، ولا يزيد الرجل إن احتاج للفتح على الإمام على أن يقرأ الآيات التي سها عنها إمامُه أو أخطأ في تلاوتها دون أيةِ إضافةٍ أخرى من كلام الناس في الحالتين، وما سوى ذلك فالقنوت واجب الالتزام، وهو يعني السكوت والامتناع عن كلام الناس.
والمسكوت عنه هو الكلام، والكلام يعني الألفاظ ذوات الحروف، فما لا حروف فيه فليس بكلام، ومِن ثَمَّ فليس بمحظور، ولا يتنافى مع القنوت، فالبكاء وإن كان بصوت مسموع فإنه ليس كلاماً ومِن ثّمَّ فليس بمحظور، فهذا مُطرِّف بن عبد الله قد روى عن أبيه أنه قال «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يصلي، ولِصدره أَزيزٌ كأزيز المِرْجل من البكاء» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. وإن علياً ﵁ قال «ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا قائمٌ إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح» رواه ابن حِبَّان وأحمد. والأدلة على جواز البكاء في الصلاة كثيرة ومعروفة.
стр. 825
والنفخُ وإن كان بصوت مسموع فإنه غير محظور، لأنه ليس كلاماً حتى ولو خرج بحروف، قال عبد الله بن عمرو ﵁ يصف صلاة النبي ﷺ في كسوف الشمس «وجعل ينفخ في الأرض ويبكي وهو ساجد في الركعة الثانية وجعل يقول: ربِّ لِمَ تعذبهم وأنا فيهم؟ ربِّ لِمَ تعذبنا ونحن نستغفرك؟ فرفع رأسه وقد تجلَّت الشمس ... » رواه أحمد. ورواه أبو داود وجاء فيه « ... ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف، ثم قال: رب ألم تَعِدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ففرغ رسول الله ﷺ من صلاته وقد أَمْحَصَت الشمسُ» . قوله أَمْحَصت: أي ظهرت وانجلت. فهذان دليلان على جواز النفخ في الصلاة، دليلٌ على مطلق النفح، وآخر على النفخ بحرفين اثنين، فماذا يقول أصحاب القول بحرمة إخراج أي صوت بحرفين، الذين يعدُّون ذلك كلاماً؟.
نعم نحن نقول بحرمة الكلام بحرفين، بل ونقول بحرمة الكلام بحرف واحد مثل فعل الأمر: قِ أو فِ أو عِ، من وقى ووفى ووعى، ما دام الحرف قد خرج على أنه كلام، أما إن خرج صوتٌ من غير جنس الكلام فما دليلهم على تحريمه؟ فهذا صوت قد خرج بحرفين [أف أف] وخرج مكرَّراً، أي خرج بأربعة حروف، أخرجه رسولنا الكريم ﷺ ، فهل يبقى لهم عذر بعد ذلك؟.
стр. 826
والنحنحة وإن كانت بصوت مسموع، وإن خرجت بحرف أو بحرفين أو حتى بثلاثة (إِ حِ مْ) ، فهي ليست كلاماً، ومن ثَمَّ فإنها ليست محظورة، وهذا كافٍ وحده، ومع ذلك فإن عندنا ما يدل على جوازها من النصوص، فعن علي ﵁ قال «كان لي من رسول الله ﷺ ساعةٌ آتيه فيها، فإذا أتيتُه أستأذنت إن وجدته يصلي فتنحنح دخلتُ، وإن وجدته فارغاً أَذِن لي» رواه النَّسائي. ومثل النفخِ والنحنحةِ والبكاءِ: الأنينُ والتَّوجُّعُ والحشرجةُ، لأن الدليل قد قام على تحريم الكلام، والكلام هو المعهود والمعروف، وما سواه فغير داخل في هذا الدليل.
والكلام مع الناس في الصلاة، هل هو من مبطلاتها وما يترتب على ذلك من وجوب الإعادة، أم هو حرام فحسب يأثم صاحبه وينقص من صلاته ولا يترتب عليه إعادة الصلاة؟ قال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، واختلفوا في كلام الساهي والجاهل) . وقال الترمذي (العملُ عليه عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا تكلم الرجل عامداً في الصلاة أو ناسياً أعاد الصلاة) . وقال قوم: إذا تكلم الرجل عامداً في الصلاة أعادها، وإذا تكلم ناسياً أو جاهلاً صحَّت صلاته. وعزاه النووي إلى الجمهور.
وقد استدل من قال ببطلان صلاة المتكلم بقوله ﵊ «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس» وهو طرفٌ من حديث رواه مسلم وغيره من طريق معاوية بن الحكم وقد مرَّ قبل قليل. فقالوا إنَّ كون الكلام لا يصلح في الصلاة معناه أنه يُفسد الصلاة، فإذا أفسدها أبطلها ووجبت إعادتها. وأخذ قوم من هؤلاء بقاعدة أنَّ ما يحرم في الصلاة يبطلها.
стр. 827
فنقول لهؤلاء: إننا نسلِّم بأن الكلام في الصلاة لا يصلح فيها وأنه حرام لا يجوز، ولكننا ونحن نقول بهذا إنما نقف عند دلالات النصوص ولا نتعداها إلى افتراضات أو استنتاجات لا تحتملها هذه النصوص، فمن أين لهم أن كل محرَّم في الصلاة يبطلها؟ ومن أين لهم أنَّ ما لا يَصلح في الصلاة يبطلها؟.
أما أخذُهم بقاعدة أن ما يحرم في الصلاة، أو أن ترك واجبٍ في الصلاة يبطلها فهو أيضاً خطأ، والصحيح هو أنه لا يبطل الصلاة إلا ترك شرط من شروطها، أو ترك ركن من أركانها، وما سوى ذلك لا يبطل الصلاة ولا يفسدها. ولا أُريد الدخول في أبحاث علم الأصول أكثر من ذلك لأن مكانه ليس هنا، وإنما أردُّ عليهم بما رواه معاوية بن الحكم وقد مرَّ قبل قليل «إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله ... قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس» . فهذا معاوية قد تكلم، فأعلمه رسول الله ﷺ أن الكلام في الصلاة لا يصلح، وجاء في رواية أبي داود «إن هذه الصلاة لا يحلُّ فيها شئ من كلام الناس هذا» . أي أعلمه بحرمة ما قام به ولم يزد على ذلك، فلم يطالبه بالإعادة، فدل ذلك على أن صلاته لم تبطل بفعل الحرام. ولا يصح تأويل هذا النص بالقول إنه وإن لم يذكر الطلب من معاوية بالإعادة فإن ذلك لا يمنع من أن يكون الرسول ﷺ قد طلب منه الإعادة، فنقول لهؤلاء: حتى يثبت قولكم هذا نقول له. فهذا دليل واضح على أن الكلام حرام، وعلى أن الحرام في الصلاة لا يبطلها ولا يفسدها، وهو ردٌّ كافٍ على أحد الاستدلالين.
стр. 828
أما استدلالهم الأول وهو أن القول «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس» يدل على فساد صلاة المتكلم، فمنقوض هو الآخر بحديث معاوية بن الحكم نفسه، لأن رسول الله ﷺ سمع كلام معاوية في الصلاة، وأفهمه أنه فعل حراماً، وأنه فعل ما لا يصلح في الصلاة، واكتفى بهذا البيان ولم يزد عليه أمراً بوجوب الإعادة. فالقول إذن بوجوب الإعادة هو تقوُّلٌ على رسول الله ﷺ ، وهو لا يجوز.
وأما قولهم إن الكلام جهلاً لا يبطل الصلاة، وإن معاوية هذا تكلم جاهلاً والجاهل معذور، فالرد عليهم هو أن ما يُبطِل الصلاة من ترك شرط أو ترك ركن لا يجعل فاعلَه جهلاً ناجياً من بطلان صلاته ووجوب إعادتها، ذلك أنَّ من صلى دون وضوء جهلاً أو نسياناً، أو من صلى قبل دخول الوقت جهلاً أو نسياناً، أو من صلى فترك الركوع جهلاً أو نسياناً فصلاته باطلة، وتجب عليه إعادتها، ولا ينفعه جهله ولا سهوه هنا، وبناء على هذا فإنا نقول إنَّ معاوية بن الحكم لو فعل ما يبطل الصلاة، سواء كان ذلك جهلاً أو نسياناً، فإن صلاته تصبح باطلة، وعندئذٍ يأمره الرسول ﷺ بالإعادة، فلما وجدنا أنَّ رسول الله ﷺ لم يأمره بإعادتها، فقد دل ذلك على أن الكلام ليس من مبطلات الصلاة.
وأيضاً قد روى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ تكلم في الصلاة ناسياً، فبنى على ما صلى» رواه الطبراني. فقوله «فبنى على ما صلى» بعد أن تكلم ناسياً، يدل بما لا لبس فيه على أن الكلام نسياناً لا يُبطل الصلاة، وأن هذا الحديث يعضد الفهم الذي ذهبنا إليه من أن معاوية بن الحكم لم يُؤمر بالإعادة.
стр. 829
وأيضاً عندنا حديث ذي اليدين وهو من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وهذا الحديث رواه مسلم وأبو داود وابن حِبَّان وابن ماجة من طريق أبي هريرة ﵁، ورواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة من طريق عمران بن الحصين، ورواه ابن ماجة من طريق ابن عمر، ورواه مسلم والترمذي من طريق أبي هريرة بلفظ غير ما سبق، ونكتفي بإيراد الرواية الأخيرة: عن أبي هريرة ﵁ قال «صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلَّم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقُصِرت الصلاةُ يا رسول الله أم نسيتَ؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمَّ رسول الله ﷺ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» رواه مسلم والترمذي. فهنا رسول الله ﷺ قد تكلم بعد التسليم من ركعتين لصلاة العصر، وتكلم المسلمون، ثم قام بعدئذٍ بإِتمام ما بقي من صلاته واصلاً الركعتين الأُوليين بركعتين أُخريين، ولم نره يستأنف صلاته معلناً بطلانها. ولمن شاء أن يقول إنه تكلم ناسياً، ولمن شاء أن يقول إنه تكلم جاهلاً نقول: إنه لو كان الكلام من مبطلات الصلاة لعلَّمه رسول الله ﷺ لصحابته بدرس عمليٍّ فأعاد الصلاة بهم، فلما رأيناه لم يفعل ذلك، وإنما بنى على ما صلى وأتم صلاته، فقد دل ذلك دلالة بالغة الوضوح على أن الكلام ليس من مبطلات الصلاة.
стр. 830
وأيضاً عندنا حديث المسئ صلاته وهو أيضاً من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وقد رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم من طريق أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلَّم على النبي ﷺ ، فردَّ النبي ﷺ ﵇ فقال: ارجع فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحسنُ غيره فعلِّمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» . فانظر كيف أرجع رسول الله ﷺ الرجل ثلاث مرات قائلاً له إنه لم يُصلِّ، بمعنى أن صلاته كانت باطلة، فلماذا أرجع رسول الله ﷺ هذا الرجل ثلاث مرات ولم يُرجع معاوية بن الحكم مرة واحدة؟ إنه ما كان لرسول الله ﷺ أن يسكت عن معاوية بن الحكم فلا يأمره بالإعادة لو كان قد صلى صلاة باطلة، فلما رأيناه قد سكت عنه فقد دل ذلك على صحة صلاة معاوية، وكونه ﵊ قد أعلم معاوية بأنه ارتكب حراماً في صلاته فقط، فإن ذلك يدل دلالة مؤكدة على أن فعل الحرام في الصلاة لا يبطلها.
стр. 831
ما يراه هذا الفريق من أن الكلام الذي يحصل جهلاً لا يبطل الصلاة، وأن الكلام المتعمَّد هو المُبطل فحسب، فالرد عليهم بأن الذي يبطل الصلاة يبطلها في حالتي العمد والجهل بدلالة حديث المسئ صلاته، فإنه صلى ثلاث مرات جهلاً بمبطلات الصلاة فلم ينفعه جهله وبطلت صلاته، مما يدل دلالة مؤكدة على أن مبطلات الصلاة تبقى مبطلات في حالتي العلم والجهل على السواء. ولهذا فلو كان الكلام من المبطلات لكان أبطل صلاة معاوية بن الحكم، لأن الجهل لا يغني شيئاً بخصوص المبطلات كما أثبتنا، فلما عَلِمنا أن رسول الله ﷺ قد أبطل صلاة المسئ صلاته رغم أنه صلى جاهلاً، وعلمنا أنه ﵊ لم يبطل صلاة معاوية بن الحكم الذي تكلم جاهلاً، أدركنا أن ما فعله المسئ صلاته مغايرٌ ومختلفٌ عما فعله معاوية بن الحكم بلا شك، وهذا الاختلاف لا يدلُّ إلا على أنَّ المُسئ صلاتَه قد فعل ما يبطل الصلاة، وأنَّ معاوية ابن الحكم لم يفعل إلا حراماً دون أن يصل ذلك إلى درجة المبطلات، وهذا يعني أن الكلام ليس من مبطلات الصلاة، وأن فعل الحرام في الصلاة لا يبطلها.
وبذلك يتضح أن الاستدلالات التي استدل بها هذا الفريق غير صحيحة، وأن الرأي الذي يقولون به من أن الكلام يبطل الصلاة، هو رأي غير صحيح. فلم يبق لنا إلا أن نقول إن الكلام هو من المُحرَّمات فحسب في الصلاة، وأن فعل الحرام في الصلاة ينقصها فحسب ولا يبطلها.
٢ــ الخشوعُ في الصلاة
стр. 832
الخشوع معناه السكون في ذلَّةٍ وخضوع، قال ﴿وتَرَاهُمْ يُعْرَضُوْنَ عَلَيْهَا خَاشِعِيْنَ مِن الذُّلِّ يَنْظُرُوْنَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ... ﴾ الآية ٤٥ من سورة الشورى. وقال سبحانه ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وقَدْ كَانُوْا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُوْدِ وهُمْ سَالِمُوْنَ﴾ الآية ٤٣ من سورة القلم. وروى النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «.. إن الله إذا بدا لشئ من خلقه خشع له..» رواه النَّسائي.
إن الصلاة أقوال وأفعال وإنها كلها لله رب العالمين، فينبغي أن لا يُقال فيها إلا ما هو مشروع وموجَّهٌ إليه سبحانه. كما أنه ينبغي أن لا يُفعل فيها إلا ما هو مشروع من أفعال الصلاة إلا ما جاءت النصوص باستثنائه فيباح، وما سوى ذلك فهو حرام، ويدخل تحت قوله ﵊ فيما رواه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أحمد والترمذي. وقد مرَّ في بحث [حكم تكبيرة الإحرام] وبحث [القنوت في الصلاة] فالتكبير للصلاة يجعل كل قولٍ وكلَّ فعلٍ غير مشروع في الصلاة حراماً.
стр. 833
وقد حث الشرع على الخشوع في الصلاة ورغَّب فيه وبيَّن فضله في العديد من النصوص نذكر منها قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤْمِنُوْنَ. الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ﴾ الآيتان ١، ٢ من سورة المؤمنون. وقوله تعالى ﴿واسْتَعِيْنُوْا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّهَا لَكَبِيْرَةٌ إلا عَلَى الخَاشِعِيْنَ. الذِيْنَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُمْ مُلاقُوْ رَبِّهِمْ وأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُوْن﴾ الآيتان ٤٥، ٤٦ من سورة البقرة. وعن عثمان ﵁ « ... فدعا بوَضُوءٍ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرئ مسلمٍ تحضُره صلاةٌ مكتوبةٌ فيُحسن وضوءَها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لِما قبلها من الذنوب ما لم يُؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كلَّه» رواه مسلم. وعن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: أشهدُ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول «خمس صلوات افترضهن اللهُ على عباده، مَنْ أحسن وضوءَهن وصلاَّهن لوقتهن، فأتمَّ ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه» رواه أحمد وأبو داود.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الخشوع في الصلاة، فاختار أكثرهم الندب والاستحباب، واختار الآخرون الوجوب وهو الصحيح. وحتى نتبين وجه الصواب في هذه المسألة لننظر في النصوص المتعلقة بذلك:
أ - عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت: الذين هم في صلاتهم خاشعون، فطأطأ رأسه» رواه الحاكم. وقد مرَّ في بحث [النظر في الصلاة] .
стр. 834
ب - قوله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤْمِنُوْنَ. الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ لِفُرُوْجِهِمْ حَافِظُوْنَ. إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُم العَادُوْنَ. وَالذِيْنَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وعَهْدِِهِمْ رَاعُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُوْنَ. أُولَئِكَ هُم الوَارِثُوْنَ. الذِين يَرِثُوْنَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ﴾ الآيات من ١-١١ من سورة المؤمنون.
ج - عن جابر بن سمرة ﵁ قال «كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : علامَ تُومِئُون بأيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ؟ ... » رواه مسلم. وقد مرَّ بتمامه في بحث [القنوت في الصلاة] ولمسلم حديثٌ ثانٍ عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ؟ اسكُنوا في الصلاة ... » . وقد مرَّ في بحث [القنوت في الصلاة] .
стр. 835
الدليل الأول يدل على وجوب الخشوع، فقد مرَّ معنا في بحث [النظر في الصلاة] حُرمةُ النظر إلى السماء بما يغني عن إعادته هنا، فقد كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته فنزل قوله تعالى ﴿الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ﴾ الآية ٢ من سورة المؤمنون. ففهم ﵊ من هذه الآية أن الخشوع يقتضي عدم رفع النظر فطأطأ رأسه، وهذا كله يدل على أن الخشوع يتعارض مع رفع البصر، وأن رفع البصر يتعارض مع الخشوع، وما دام أن رفع البصر حرام، فالخشوع بخفض البصر إذن واجب.
والدليل الثاني يدل هو الآخر على وجوب الخشوع، فالله وصف المؤمنين إن هم فعلوا كذا وكذا وكذا، وفعلوا الخشوع وصفهم بالفلاح، وبشَّرهم بوراثة الفردوس، وهذا يعني أن من أراد الفوز بالفلاح ودخول أعلى درجات الجنة فلْيخشع في صلاته، ولْيُعْرِض عن اللغو ولْيُزَكِّ، ولْيَحْفظ فرجه، ولْيُراعِ الأمانة والعهد، ولْيُحافظ على الصلاة، فإن ترك فعلاً من هذه الأفعال لم يستحق الفلاح ودخول الفردوس، بمعنى أن من لا يخشع لا يضمن الفلاح ودخول الفردوس، فهل يستطيع بعد ذلك أن يدَّعيَ مُدَّعٍ أن الخشوع غير واجب؟ إن الفلاح ودخول الفردوس هما الفوز الأكبر، وإن الفوز الأكبر بحاجة إلى الثمن الأكبر والثمن الأكبر لا يكون من صنف المندوبات، وإنما هو من الواجبات، ولهذا نجد أن جميع المذكورات في هؤلاء الآيات المباركات هي من الواجبات، فالخشوع واجب.
стр. 836
وأما الدليل الثالث فإنه يعضد الرأي القائل بوجوب الخشوع ويتَّسق معه، فالرسول ﷺ قد نهى المسلمين عن تحريك الأيدي عند التسليم والخروج من الصلاة نهياً قاسياً، فقد سألهم سؤالاً استنكارياً، وشبَّه أيديهم بأذناب الخيل، ثم نهاهم باللفظ الصريح [اسكُنُوا] ويبعد أن يقول كل ذلك لمجرد رؤية أمرٍ مكروهٍ فحسب، فلم يبق إلا أنه نهى عن فعلٍ محرَّم مضادٍّ للخشوع. وبذلك يثبت للخشوع حكم الوجوب، فالخشوع واجب في الصلاة.
العمل القليل في الصلاة
إن الشرع الشريف وإن هو أوجب الخشوع إلا أنه توسَّع في الإذن بالقيام بأعمال مختلفة في الصلاة على أن تكون خفيفة، دون أن يعتبرها قادحة في الخشوع ولا منافية له، ونذكر جملة من هذه الأعمال:
١) المشي لحاجةٍ تَعْرِضُ للمصلي:
стр. 837
يجوز للمصلي إن عَرض له عارضٌ فاحتاج إلى أن يتقدم قليلاً إلى الأمام أو إلى أن يتأخر قليلاً، أو إلى أن يخطو قليلاً يمنة أو يسرة أن يفعل ذلك بأناة وهدوء وسكينة ويمضي في صلاته، ويبقى في كل أوضاعه مستقبلاً القِبلة، فعن أبي حازم قال «سألوا سهل بن سعد: مِن أي شئ المنبر؟ فقال: ما بقي من الناس أعلم مني، هو من أَثلِ الغابة، عَمِلَه فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وقام عليه رسول الله ﷺ حين عُمل ووُضع، فاستقبل القِبلة، كبَّر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القَهقَرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم ركع ثم رفع رأسه، ثم رجع القَهقَرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه» رواه البخاري. فقد اعتلى رسول الله ﷺ المنبر وصلى عليه، إلا أنه كان إذا أراد السجود رجع إلى الوراء، فنزل إلى الأرض فسجد عليها، ثم تقدم فاعتلى المنبر، يفعل ذلك في كل ركعة. وقد فعل ذلك من أجل تعليم الناس الصلاة، يدل عليه ما رواه البخاري ومسلم من طريق سهل ابن سعد الأنصاري ﵁، فقد جاء فيه « ... فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتمُّوا ولتعَلَّموا صلاتي» . وعن عائشة ﵂ قالت «كان النبي ﷺ يصلي في البيت والباب عليه مغلق، فجئت فمشى حتى فتح لي ثم رجع إلى مقامه، ووصفَتْ أنَّ الباب في القِبلة» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي. ورواه النَّسائي وفيه أنه كان يصلي تطوعاً. وعن عائشة ﵂ قالت «استفتحتُ الباب ورسول الله ﷺ قائمٌ يصلي، فمشى في القِبلة إما عن يمينه وإما عن يساره حتى فتح لي، ثم رجع إلى مُصلاه» رواه أحمد. ورواه الترمذي والطيالسي والبيهقي باختلافٍ في الألفاظ، ورواه النسائي بلفظ «استفتحتُ الباب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم
стр. 838
- يصلي تطوعاً، والباب على القِبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب، ثم رجع إلى مُصلاه» . ورواه الدارقطني بلفظ «كان رسول الله ﷺ يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب فتح له ما كان في قِبلته، أو عن يمينه أو عن يساره، ولا يستدبر القِبلة» .
٢) الإِشارةُ باليدين وتحريكهما:
يجوز للمصلي أن يرد التحية إشارةً بيده أو بإصبعه أو برأسه، وأن يتناول بيديه ما يحتاج إلى تناوله، وأن يحرك بهما ما يحتاج إلى تحريك، فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ إلى قُباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلَّموا عليه وهو يصلي، قال فقلت لبلال: كيف رأيتَ رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا، وبسط كفَّه، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفلَ وظهره إلى فوق» رواه أبو داود والبيهقي. وعن ابن عمر قال «دخل النبي ﷺ مسجد بني عمرو بن عوف - يعني مسجد قُباء - فدخل رجال من الأنصار يسلمون عليه، قال ابن عمر: فسألتُ صُهيباً وكان معه: كيف كان النبي ﷺ يفعل إذا كان يُسلَّمُ عليه وهو يصلي؟ فقال: كان يشير بيده» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة وابن ماجة والدارمي والنَّسائي. وعن نافع «أن ابن عمر مرَّ على رجل وهو يصلي فسلَّم عليه، فرد الرجل كلاماً، فرجع إليه عبد الله بن عمر فقال له: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم، ولْيُشِر بيده» رواه مالك. وعن أبي هريرة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «لما قدمتُ من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلَّمتُ عليه فأومأ برأسه» رواه البيهقي. وعن صهيب ﵁ قال «مررتُ برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلَّمتُ عليه فردَّ إشارةً، قال ولا أعلمه إلا قال: إشارةً بإصبعه» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان. وعن عبد
стр. 839
الله بن عباس ﵁ قال «انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ ، فقام قياماً طويلاً - وذكر الحديث إلى أن قال - ثم انصرف وقد تجلَّت الشمسُ، فقال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ثم رأيناك كَعْكَعْتَ، قال ﷺ : إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً، ولو أصبتُهُ لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ... » رواه البخاري. قوله كعكعتَ: أي رجعتَ إلى الوراء. وعن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر، فجعل يَهوي بيده، فسأله القوم حين انصرف فقال: إن الشيطان هو كان يُلْقِي عليَّ شررَ النار ليفتنني عن صلاتي فتناولته، فلو أخذتُه ما أنفلت مني حتى يُناط إلى سارية من سواري المسجد، ينظر إليه وِلْدانُ أهل المدينة» رواه أحمد. قوله يُناط إلى سارية: أي يُربَط بعمود. وعن ابن عباس ﵁ قال «نمتُ عند ميمونة والنبي ﷺ عندها تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي، فقمتُ على يساره فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم قام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ» رواه البخاري. وميمونة هي زوج رسول الله ﷺ وخالة ابن عباس. وقد جاء التصريح بذلك فيما رواه ابن ماجة عن ابن عباس ﵁ قال «بِتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأقامني عن يمينه» . وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت «صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالساً وصلى وراءه قومٌ قياماً، فأشار إليهم أنْ اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما
стр. 840
جُعل الإمام ليُؤْتمَّ به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» رواه البخاري. ورواه البيهقي قريباً منه. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت «أتيت عائشةَ زوجَ النبي ﷺ حين خَسَفَت الشمسُ، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله، فقلت: آية؟ فأشارت أن نعم..» رواه البخاري. وإنَّ فعلَ صحابية كعائشة ﵂ وهي المشهود لها بالفقه لمما يُستأنَسُ به.
٣) قتلُ الحية والعقرب:
يجوز لمن كان في صلاة فعَرَضت له حية أو عقرب أو وحش كاسر مؤذٍ أن يقتله ويمضي في صلاته، فعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت «كان رسول الله ﷺ يصلي في البيت، فجاء علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فدخل، فلما رأى رسول الله ﷺ يصلي، قام إلى جانبه يصلي، قال: فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ، ثم تركته وأقبلت إلى عليٍّ، فلما رأى ذلك علي ضربها بنعله، فلم ير رسول الله ﷺ بقتله إياها بأساً» رواه البيهقي والطبراني. وروى أبو هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أمر بقتل الأَسْودَيْن في الصلاة العقرب والحية» رواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن ماجة. ورواه أبو داود والبيهقي بلفظ «اقتلوا الأَسْودَين ... » .
٤) حمل الطفل:
стр. 841
يجوز للمصلي أن يحمل طفلاً أو طفلة على ظهره أو كتفيه، أو يحمله بين يديه وهو في الصلاة، فقد روى أبو قتادة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعة، فإذا قام حملها، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» رواه البخاري. وعن شدَّاد الليثي ﵁ قال «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتَي العشي الظهر أو العصر وهو حاملُ حسنٍ أو حسينٍ، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبَّر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهري صلاته سجدةً أطالها، قال: إني رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدةً أطلتَها، حتى ظننَّا أنه قد حدث أمرٌ، أو أنه يُوحَى إليك، قال: كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته» رواه أحمد. ورواه النَّسائي والحاكم.
٥) الالتفات:
مرَّ معنا في فصل [صفة الصلاة] بحث [النظر في الصلاة] حديث الحاكم وابن خُزَيمة بلفظ «كان رسول الله ﷺ يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» . ورواه أيضاً أحمد وابن حِبَّان.
٦) دفعُ المارّ بين يدي المصلي:
стр. 842
ومن ذلك دفع المارِّ بين يدي المصلي إنساناً كان أو حيواناً فقد مرَّ معنا في فصل [القِبلة والسُّترة] حديث مسلم بلفظ «أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، ولْيدرأه ما استطاع، فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان» . وحديث البخاري بلفظ «إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فلْيدفعه فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان» . فهذا بحق الإنسان، ومرَّ معنا في بحث [سُترة الإمام] فصل [القِبلة والسُّترة] حديث أبي داود بلفظ «هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثَنِيَّةِ أَذاخِر، فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدار - فاتخذه قِبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدَارِئُها حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه، أو كما قال مسدد» .
٧) تسوية موضع السجود:
من ذلك تسوية موضع السجود وتهيئته للسجود، فقد روى معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة، تسويةَ الحصا» رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان ومسلم بلفظ «إنَّ رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلاً فواحدة» . وفي رواية أخرى لمسلم «ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد، يعني الحصى، قال: إن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة» . فالمسح مرَّةً واحدة جائز لا شئ فيه.
٨) التبسُّم:
ومن ذلك التبسُّم، دون أن يصل إلى حدِّ القهقهة أو القرقرة، فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال «التبسُّمُ لا يقطع الصلاة ولكنْ القَرقَرة» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه الطبراني بلفظ «لا يقطع الصلاة الكَشَرُ، ولكنْ تقطعها القهقهة» والقرقرة: هي الضحك العالي. والكشر هو إبداء الأسنان بالتبسم.
٩) البُصاق والتَّنَخُّم:
стр. 843
ومن ذلك البصاق والتنخُّم على أن يكون ذلك عن اليسار أو تحت القدم اليسرى فحسب، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ «أن النبي ﷺ رأى نُخامةً في قِبلة المسجد فحكَّها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه أو أمامه، ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى» رواه مسلم وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبخاري.
١٠) إصلاح الثوب:
ومن ذلك إصلاحُ الثوب بحركات قليلة، فعن وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه، ثم كبَّر ثم التحف، ثم أدخل يديه في ثوبه، ثم أخذ شماله بيمينه، ثم ذكر الحديث» رواه ابن خُزَيمة. ورواه مسلم ولفظه « ... فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ... » .
١١) حملُ المصحف:
ومن ذلك حمل المصحف والقراءة فيه، فقد روى ابن أبي مُلَيكة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ «أنها كان يؤُمُّها غلامُها ذكوان في المصحف في رمضان» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. وذكره البخاري تعليقاً. وروى ابن التيمي عن أبيه «أن عائشة كانت تقرأ في المصحف وهي تصلي» رواه عبد الرزاق. وفي هذا الحديث والذي قبله وإِنْ كان فعلَ صحابي، وفعلُ الصحابي ليس دليلاً، إلا أنه مما يصح تقليده واتِّباعُه والعملُ به كحكمٍ شرعي، ناهيك عن أن عائشة مشهود لها بالفقه، إضافة إلى أنها كانت تفعل هذا في بيت رسول الله ﷺ ، ويبعد جداً أن لا يطَّلع عليه رسول الله ﷺ ويقرَّها عليه.
١٢) الفصل بين المتخاصمين:
стр. 844
ومن ذلك الفصل بين المتخاصمين، فعن ابن عباس ﵁ قال «لقد كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله ﷺ ، فنزع إحداهما من الأخرى ... » رواه ابن خُزَيمة وأبو داود وابن حِبَّان. وفي رواية أخرى لابن خُزَيمة من طريق ابن عباس أيضاً « ... وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي رسول الله ﷺ ، ففرع - أو فرَّق - بينهما ولم ينصرف» . ورواه النَّسائي. قوله ولم ينصرف: أي لم يقطع صلاته وإنما أتمها.
هذه الأعمال الاثنتا عشرة وأمثالها لا تتنافى مع الخشوع ولا تُفسد الصلاة. وينبغي أن يعلم الجميع أن الخشوع لا يعني الجمود، وإنما يعني الاستكانة والتحرك فيما يلزم بقدر ما يلزم، دون عبثٍ أو إكثارٍ يغلب على الصلاة، وبحيث يبقى المصلي في خضوعٍ لأمر ربِّه، فمن التزم بذلك فلْيفعل بعد ذلك أي فعل يحتاجُ إليه، ولْيتحرك أية حركة لازمة.
стр. 845
وهذه الاستكانة - وإن شئت قلت السكينة - مطلوبةٌ من المسلم في الصلاة، وفي أثناء المشي إلى المسجد للصلاة، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا، فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأبو داود وابن ماجة بلفظ «إذا أُقيمت الصلاة ... » دون قوله «فإنَّ أحدَكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» . ولكن الزيادة في الحديث إن كانت مروية من طريق صحيحة فإنها تُقبل. وجاء في رواية أخرى لمسلم من طريق أبي هريرة ﵁ «إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدُكم، ولكن ليمشِ وعليه السكينة والوقار، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقك» . فالمشي لا يتنافى مع السكينة مع أنه حركة كثيرة متواصلة، بينما السَّعي - وهو الاستعجال في المشي، ومثله الركض وما يصاحبه من حركات إضافية - يتنافى مع السكينة، فعن أبي قتادة ﵁ قال «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلمَّا صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا» رواه البخاري ومسلم. فعندما استعجل الناس أحدثوا جَلَبة، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرهم بالسكينة، رغم أنهم لم يكونوا قد دخلوا في الصلاة بعد.
следующие страницы →