Полный текст (1 205 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
يجوز للمصلي أن يحمل طفلاً أو طفلة على ظهره أو كتفيه، أو يحمله بين يديه وهو في الصلاة، فقد روى أبو قتادة ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعة، فإذا قام حملها، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» رواه البخاري. وعن شدَّاد الليثي ﵁ قال «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتَي العشي الظهر أو العصر وهو حاملُ حسنٍ أو حسينٍ، فتقدم النبي ﷺ فوضعه، ثم كبَّر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهري صلاته سجدةً أطالها، قال: إني رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهري الصلاة سجدةً أطلتَها، حتى ظننَّا أنه قد حدث أمرٌ، أو أنه يُوحَى إليك، قال: كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته» رواه أحمد. ورواه النَّسائي والحاكم.
٥) الالتفات:
مرَّ معنا في فصل [صفة الصلاة] بحث [النظر في الصلاة] حديث الحاكم وابن خُزَيمة بلفظ «كان رسول الله ﷺ يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» . ورواه أيضاً أحمد وابن حِبَّان.
٦) دفعُ المارّ بين يدي المصلي:
стр. 842
ومن ذلك دفع المارِّ بين يدي المصلي إنساناً كان أو حيواناً فقد مرَّ معنا في فصل [القِبلة والسُّترة] حديث مسلم بلفظ «أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، ولْيدرأه ما استطاع، فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان» . وحديث البخاري بلفظ «إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فلْيدفعه فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان» . فهذا بحق الإنسان، ومرَّ معنا في بحث [سُترة الإمام] فصل [القِبلة والسُّترة] حديث أبي داود بلفظ «هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثَنِيَّةِ أَذاخِر، فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدار - فاتخذه قِبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدَارِئُها حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه، أو كما قال مسدد» .
٧) تسوية موضع السجود:
من ذلك تسوية موضع السجود وتهيئته للسجود، فقد روى معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة، تسويةَ الحصا» رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان ومسلم بلفظ «إنَّ رسول الله ﷺ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلاً فواحدة» . وفي رواية أخرى لمسلم «ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد، يعني الحصى، قال: إن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة» . فالمسح مرَّةً واحدة جائز لا شئ فيه.
٨) التبسُّم:
ومن ذلك التبسُّم، دون أن يصل إلى حدِّ القهقهة أو القرقرة، فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال «التبسُّمُ لا يقطع الصلاة ولكنْ القَرقَرة» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه الطبراني بلفظ «لا يقطع الصلاة الكَشَرُ، ولكنْ تقطعها القهقهة» والقرقرة: هي الضحك العالي. والكشر هو إبداء الأسنان بالتبسم.
٩) البُصاق والتَّنَخُّم:
стр. 843
ومن ذلك البصاق والتنخُّم على أن يكون ذلك عن اليسار أو تحت القدم اليسرى فحسب، فقد روى أبو سعيد الخدري ﵁ «أن النبي ﷺ رأى نُخامةً في قِبلة المسجد فحكَّها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه أو أمامه، ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى» رواه مسلم وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبخاري.
١٠) إصلاح الثوب:
ومن ذلك إصلاحُ الثوب بحركات قليلة، فعن وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه، ثم كبَّر ثم التحف، ثم أدخل يديه في ثوبه، ثم أخذ شماله بيمينه، ثم ذكر الحديث» رواه ابن خُزَيمة. ورواه مسلم ولفظه « ... فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ... » .
١١) حملُ المصحف:
ومن ذلك حمل المصحف والقراءة فيه، فقد روى ابن أبي مُلَيكة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ «أنها كان يؤُمُّها غلامُها ذكوان في المصحف في رمضان» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. وذكره البخاري تعليقاً. وروى ابن التيمي عن أبيه «أن عائشة كانت تقرأ في المصحف وهي تصلي» رواه عبد الرزاق. وفي هذا الحديث والذي قبله وإِنْ كان فعلَ صحابي، وفعلُ الصحابي ليس دليلاً، إلا أنه مما يصح تقليده واتِّباعُه والعملُ به كحكمٍ شرعي، ناهيك عن أن عائشة مشهود لها بالفقه، إضافة إلى أنها كانت تفعل هذا في بيت رسول الله ﷺ ، ويبعد جداً أن لا يطَّلع عليه رسول الله ﷺ ويقرَّها عليه.
١٢) الفصل بين المتخاصمين:
стр. 844
ومن ذلك الفصل بين المتخاصمين، فعن ابن عباس ﵁ قال «لقد كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله ﷺ ، فنزع إحداهما من الأخرى ... » رواه ابن خُزَيمة وأبو داود وابن حِبَّان. وفي رواية أخرى لابن خُزَيمة من طريق ابن عباس أيضاً « ... وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي رسول الله ﷺ ، ففرع - أو فرَّق - بينهما ولم ينصرف» . ورواه النَّسائي. قوله ولم ينصرف: أي لم يقطع صلاته وإنما أتمها.
هذه الأعمال الاثنتا عشرة وأمثالها لا تتنافى مع الخشوع ولا تُفسد الصلاة. وينبغي أن يعلم الجميع أن الخشوع لا يعني الجمود، وإنما يعني الاستكانة والتحرك فيما يلزم بقدر ما يلزم، دون عبثٍ أو إكثارٍ يغلب على الصلاة، وبحيث يبقى المصلي في خضوعٍ لأمر ربِّه، فمن التزم بذلك فلْيفعل بعد ذلك أي فعل يحتاجُ إليه، ولْيتحرك أية حركة لازمة.
стр. 845
وهذه الاستكانة - وإن شئت قلت السكينة - مطلوبةٌ من المسلم في الصلاة، وفي أثناء المشي إلى المسجد للصلاة، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا، فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأبو داود وابن ماجة بلفظ «إذا أُقيمت الصلاة ... » دون قوله «فإنَّ أحدَكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» . ولكن الزيادة في الحديث إن كانت مروية من طريق صحيحة فإنها تُقبل. وجاء في رواية أخرى لمسلم من طريق أبي هريرة ﵁ «إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدُكم، ولكن ليمشِ وعليه السكينة والوقار، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقك» . فالمشي لا يتنافى مع السكينة مع أنه حركة كثيرة متواصلة، بينما السَّعي - وهو الاستعجال في المشي، ومثله الركض وما يصاحبه من حركات إضافية - يتنافى مع السكينة، فعن أبي قتادة ﵁ قال «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلمَّا صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا» رواه البخاري ومسلم. فعندما استعجل الناس أحدثوا جَلَبة، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرهم بالسكينة، رغم أنهم لم يكونوا قد دخلوا في الصلاة بعد.
стр. 846
فالمشي إلى الصلاة يكون بخشوع وسكينة، وعدم ركض واستعجال، وما يتبع ذلك من جلبة وحركات إضافية، وكأنه في صلاة، فقد روى كعب بن عُجْرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا توضأ أحدُكم فأحسن وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكنَّ بين أصابعه، فإنه في صلاة» رواه الترمذي. ورواه ابن حِبَّان وفيه «فلا يشبكنَّ يده» . ورواه أبو داود وفيه «فلا يشبكنَّ يديه» . فإذا كان المشي لا يتناقض مع السكينة فإن الحركات القليلة في الصلاة لا تتناقض مع السكينة هي الأُخرى، وإنما يتناقض معها العبث واللهو والحركات الصاخبة والأعمال غير اللازمة. فالخشوع واجب في الصلاة، ومع وجوبه والالتزام به فإن المصلي يستطيع الإتيان بأعمال قليلة بتأنٍّ وهدوء، وبقدر الحاجة فحسب ولا إثم في ذلك. وهذا كلُّه متعلق بالخشوع في الجوارح.
أما الخشوع في القلب فإن انشغال الذهن في الصلاة بأمر من الأمور، وطروءَ أفكارٍ على ذهنه لا يتنافى مع خشوع القلب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله تجاوز لأمتي عما حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تعمل أو تتكلم به» رواه مسلم. ورواه ابن خُزَيمة بلفظ « ... ما لا ينطق به ولا يعمل به» . وعن عقبة ﵁ قال «صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر فسلم، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سُرعته فقال: ذكرتُ شيئاً من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسْمتِه» رواه البخاري وأحمد والنَّسائي. قوله من تِبْر: أي من ذهب لم يُصهر بعد. والأمر من الوضوح والبيان بحيث لا يحتاج إلى مزيد أدلة.
الأفعالُ والحالات المنهيُّ عنها في الصلاة
стр. 847
هناك أفعال وردت في النصوص، نهى عنها الشرع في الصلاة، منها ما كان النهي عنها نهياً غير جازم، وهي الأفعال المكروهة في الصلاة، ومنها ما كان النهي عنها نهياً جازماً، وهي الأفعال المحرَّمة في الصلاة، كما أنَّ هناك حالاتٍ وردت في النصوص، نهى الشرع فيها عن أداء الصلاة نهياً غير جازم، وهي الحالات التي تُكره فيها الصلاةُ. فأذكر الأفعال المكروهة أولاً، ثم أذكر الحالات التي تُكره فيها الصلاةُ، ثم أذكر الأفعال المحرَّمة، بشئ من التفصيل.
أ. الأفعال المكروهة في الصلاة
مرَّ معنا في أبحاثنا الماضية عدد من الأفعال المكروهة، ونحن نشير إليها هنا دون إعادة بحث، ثم نتحدث عن الأفعال المكروهة المتبقية قاصدين جمع جميع الأفعال المكروهة في موضع واحدٍ تيسيراً لدراستها والإحاطة بها.
أما الأفعال المكروهة التي سبق بحثها فهي:
١- التَّخصُّر: أي وضع اليدين على الخاصرتين. انظر بحث [وضع اليدين في الصلاة] فصل [صفة الصلاة] .
٢- اشتمال الصَّمَّاء: أي أن يجلِّل المصلي بدنَه بثوب بحيث لا يرفع منه جانباً، ولا يُبقي منه ما يُخرج يديه منه. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المُصلي] .
٣- التَّلثُّم: أي تغطية الفم بثوبٍ وشبهِه. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي] .
٤- الاعتماد على اليدين: أُنظر بحث [التشهُّد وهيئة الجلوس له] فصل [صفة الصلاة] .
٥ - كفُّ الثوب: أي لملمته وجمع أطرافه باليدين للحيلولة دون سقوطه على الأرض عند السجود. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي] .
стр. 848
٦- كفُّ الشَّعَر الطويل: أي جعله ضفائر وعقصه وربطه، للحيلولة دون سقوطه على الأرض عند السجود. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي] . وأُضيف إلى ما سبق إيراده من أدلة ما رواه أبو سعيد المقبري «أنه رأى أبا رافع مولى النبي ﷺ مرَّ بحسن بن علي، وحسن يصلي قد غرز ضَفْريه في قفاه، فحلَّهُما أبو رافع، فالتفت حسن إليه مُغْضَباً، فقال أبو رافع: أَقْبِل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ذاك كِفْلُ الشيطان، يقول مقعد الشيطان - يعني مغرز ضَفْريه» رواه ابن خُزَيمة وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان. قوله ضَفريه: أي عقيصتيه، والضَّفْر والعقيصة هما الشَّعر المنسوج أو المجدول. وما رواه كُرَيب مولى ابن عباس «أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسُه معقوصٌ مِن ورائه، فقام وراءه فجعل يحله، وأقرَّ له الآخَر، فلمَّا انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: ما لك ولرأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» رواه أبو داود ومسلم وأحمد والنَّسائي وابن حِبَّان.
ونعرض الآن للأفعال المكروهة المتبقية:
стр. 849
٧- التشبيك بين الأصابع: يُكره للمصلي أن يشبِّكَ بين أصابعه في الصلاة من حين خروجه من بيته إلى أن يفرغ من صلاته، فيُكره له أن يشبِّك بين أصابعه وهو ذاهب إلى المسجد، وكذلك وهو ماكثٌ فيه، سواء كان يصلي أو ينتظر الصلاة، وطبعاً وهو يصلي كذلك، ففي هذه الأحوال الثلاث يكره التشبيك بين الأصابع، فعن أبي أُمامة الخياط «أن كعب بن عُجْرَة أدركه وهو يريد المسجد قال: فوجدني وأنا مشبِّك يديَّ إحداهما بالأخرى، قال: ففتق يديَّ ونهاني عن ذلك وقال: إن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فأحْسَنَ وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبِّكنَّ يده فإنه في صلاة» رواه ابن حِبَّان. وروى أحمد وابن خُزَيمة الجزء الأخير منه، إلا أنهما ذكرا اسم أبي ثمامة. وعن أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم ﷺ «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» رواه الحاكم وابن خُزَيمة. وقد مرَّ في بحث [أدب المسجد] فصل [المساجد وأماكن الصلاة] فهذان دليلان على كراهية التشبيك في أثناء الذهاب إلى المسجد.
وعن كعب بن عُجْرَة ﵁ قال «دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد شبَّكت بين أصابعي فقال لي: يا كعب إذا كنت في المسجد فلا تُشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاةٍ ما انتظرتَ الصلاة» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يُشَبِّكنَّ، فإن التَّشبيك من الشيطان، وإنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» رواه أحمد. وقد مرَّ هذا الحديث والذي قبله في بحث [أدب المسجد] فصل [المساجد وأماكن الصلاة] . فهذان دليلان على كراهية التشبيك في أثناء المُكث في المسجد.
стр. 850
وروى ابن ماجة من طريق كعب بن عُجْرة «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قد شبَّك أصابعه في الصلاة، ففرَّج بين أصابعه» . فهذا دليلٌ على كراهية التشبيك في أثناء الصلاة، إضافةً إلى ما ورد في النصوص السابقة التي تقول إن مَن «أتى المسجد كان في صلاة» ، «إنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد» ، «إذا كنت في المسجد فلا تشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة» .
٨- مسح موضع السجود أكثرَ من مرة: وذلك أن المسلم إذا صلى في مكان فيه تراب خشنٌ أو حصى أو ما يشبه ذلك وأراد السجود، أُبيح له أن يمسح بيده موضع جبهته مرة واحدة فحسب، وكُره له أن يزيد عن واحدة، فعن مُعيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت فاعلاً فواحدة، تسويةَ الحصا» رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. ورواه مسلم بلفظ «أن رسول الله ﷺ قال في الرجل يُسوِّي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلاً فواحدة» . ولمسلم رواية أخرى بلفظ «ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد - يعني الحصى - قال: إن كنت فاعلاً فواحدة» . وقد مرَّت هذه الروايات كلها في بحث [العمل القليل] المار قبل قليل.
стр. 851
٩- النظر إلى ما يُلهي المصلي عن صلاته: وذلك أن المسلم مأمور بحضور الذهن والانشغال بصلاته عما سواها لقوله ﵊ « ... إن في الصلاة لشُغلاً» . هذا طرف من حديث رواه مسلم وأبو داود وابن أبي شيبة وأحمد مرَّ بتمامه في بحث [القنوت في الصلاة] . ولما روى عُقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ما مِن أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يُقْبِل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة» رواه أبو داود. فإذا نظر المصلي إلى شئ أو أمرٍ من الأمور فأشغله نظره عن صلاته، صار النظر مكروهاً، فعن عائشة ﵂ قالت «قام رسول الله ﷺ يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جَهم بن حذيفة، وأْتوني بأَنْبِجانِيَّةٍ، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي» رواه مسلم. وقد مرَّ في بحث [المواضع التي تُكره فيها الصلاة] فصل [المساجد وأماكن الصلاة] وفي أيامنا المعاصرة يُكره للمصلي النظر إلى شاشة التلفاز، كما يكره له الاستماع إلى صوت الإذاعات، لأن النظر إلى التلفاز والاستماع إلى الإذاعات يشغلان الذهن إشغالاً كبيراً.
ب. الحالات التي تُكره فيها الصلاة
стр. 852
١- الصلاة بحضرة الطعام مكروهة: إذا أراد المسلم الصلاةَ أيةَ صلاةٍ، ووُضع له طعامُه بدأ بتناول الطعام وأَخذ حاجته منه بأناة، ثم قام لصلاته بعدئذٍ وليس العكس، فقد روى أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال «إذا وُضع العَشاء وأُقيمت الصلاةُ فابدأوا بالعَشاء» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة. ورواه أحمد من طريق عائشة ﵂. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا وُضع عَشاءُ أحدكم وأُقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء، ولا يَعْجَل حتى يفرغ منه» رواه البخاري ومسلم. ورواه ابن خُزَيمة بلفظ «إذا كان أحدكم على طعام فلا يَعْجَلَنَّ حتى يقضي حاجته منه، وإنْ أُقيمت الصلاة» .
стр. 853
٢- الصلاة عند مدافعة الأخبثين مكروهة: والأخبثان هنا هما البول والغائط. ويقال لمن يدافع البول حاقناً، ولمن يدافع الغائط أو البراز حاقباً. فالمسلم يندب له أن يقضي حاجته في المرحاض أولاً، ثم يعمد إلى صلاته، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافِعُهُ الأخبثان» رواه مسلم وأحمد وابن خُزَيمة. وعن عبد الله بن الأرقم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا حضرت الصلاة وحضر الغائط فابدأوا بالغائط» رواه ابن خُزَيمة وابن ماجة. ورواه أحمد بلفظ «إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وأُقيمت الصلاة فلْيذهب إلى الخلاء» . وروى ثوبان ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «لا يقوم أحد من المسلمين وهو حاقن حتى يتخفف» رواه ابن ماجة. وروى ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وبه أذى» . قوله في حديث عائشة «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» لا يعني نفي الصلاة أو نفي صحتها بل يعني لا تُصلوا، لأنَّ (لا) هنا ناهية وليست نافية، بدلالة الأحاديث الأخرى الواردة.
стр. 854
٣- الصلاة عند إجهاد البدن من أعمال شاقَّة وعند الفتور والنعاس مكروهة: يُندب للمسلم أن يصلي وبه نشاط وحيوية، وذلك حتى يستطيع الإتيان بالصلاة على وجه أكمل وأفضل، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلْيرقدْ حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسبُّ نفسه» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والترمذي. وعن أنس بن مالك ﵁ قال «دخل النبي ﷺ فإذا حبلٌ ممدودٌ بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فترت تعلَّقت، فقال النبي ﷺ : لا، حلُّوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فلْيقعد» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
ج. الأفعال المُحرَّمة في الصلاة
مرَّ معنا في أبحاثنا السابقة عدد من الأفعال المحرَّمة في الصلاة، فنحن نُشير إليها هنا دونما حاجة لإعادة بحثها، ثم نبحث الأفعال المحرَّمة المتبقية قاصدين جمع جميع الأفعال المحرَّمة في مكان واحد، وهذه هي الأفعال المحرَّمة التي سبق بحثها:
١- الالتفاتُ في الصلاة: ونعني به لَيَّ العنق والنظر إلى الخلف بحيث يتجاوز نظر المصلي جهةَ القِبلة، انظر بحث [النظر في الصلاة] فصل [صفة الصلاة] .
٢- رفع البصر إلى السماء: أُنظر بحث [النظر في الصلاة] [صفة الصلاة] وانظر بحث [الخشوع في الصلاة] فصل [القنوت والخشوع في الصلاة] .
٣- العملُ الكثير والعَبَثُ في الصلاة: ونعني بالعمل الكثير ما لا يمكن تصنيفه تحت العمل القليل، وهو الذي يغلب على الصلاة فيسلبها هيئتَها، ويمحو الخشوع منها. ونعني بالعبث الحركات والأعمال التي لا حاجة للمصلي بها، وإنما يقوم بها تسليةً واستهتاراً بسكينة الصلاة ووقارها، وانظر بحث [العمل القليل] بند [الفصل بين المتخاصمين] المار قبل قليل.
ونبحث الآن الأفعال المحرَّمة المتبقية:
стр. 855
٤- القهقهة أو القرقرة: وهي الضحك بصوت مسموع، هذا الفعل محرَّم في الصلاة ويتنافى مع الخشوع، مثله مثل العمل الكثير والعبث، فهذه الأفعال الثلاثة حرام. وقد رُوي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «التبسُّمُ لا يقطع الصلاة ولكن القرقرة» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه الطبراني بلفظ «لا يقطع الصلاة الكَشَرُ ولكن تقطعها القهقهة» . قوله الكَشَر: أي إبداء الأسنان بالتبسُّم. وهذا الحديث رواه عبد الرزاق موقوفاً على جابر، ورجَّح البيهقي وقفه على جابر أيضاً، إلا أن الطبراني قال عند روايته للحديث (لم يروه مرفوعاً عن سفيان إلا ثابت) وإذن فقد أثبت لهذا الحديث رواية مرفوعة فيقبل. وقد مرَّ الحديث في بحث [العمل القليل] بند [التبسم] المار قبل قليل.
стр. 856
٥- البُصاق والتنخُّم تجاه القِبلة أو عن اليمين: فمن بصق أمامه في الصلاة تجاه قِبلته، أو تنخَّم فلفظ نُخامته تجاه قِبلته، أو فعل ذلك عن يمينه فقد ارتكب خطيئة وفعلَ فِعلاً محرَّماً، ولكن إن بصق أو تنخَّم جهة اليسار أو تحت القدم اليسرى ففعله مباح لا شئ فيه، فقد روى عبد الله بن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ رأى بُصاقاً في جدار القِبلة فحكَّه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإنَّ الله قِبَل وجهه إذا صلى» رواه البخاري ومسلم ومالك. ورواه الدارمي ولفظه «بينا النبي ﷺ يخطب، إذ رأى نُخامة في قِبلة المسجد، فتغيَّظ على أهل المسجد، وقال: إن الله قِبَلَ أحدِكم إذا كان في صلاته، فلا يبزقنَّ، أو قال لا يتنخَّمَنَّ، ثم أمر بها فحك مكانها، أو أمر بها فلُطخت بزعفران» . وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقَّن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا كان أحدكم في الصلاة، فإنه مُناجٍ ربَّه، فلا يتفلنَّ أحدٌ منكم عن يمينه، قال ابن جعفر: فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدميه» . وروى أبو سهلة السائب بن خلاَّد ﵁ «أن رجلاً أمَّ قوماً فبسق في القِبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: لا يصلِّ لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم، وحسبت أنه قال: آذيتَ الله » رواه أحمد. ورواه أبو داود وفيه «إنك آذيت الله ورسوله» . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله
стр. 857
عنه «أن النبي ﷺ كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد فرأى نُخامةً في قِبلة المسجد فحكها، ثم أقبل على الناس مُغْضَباً فقال: أيُسَرُّ أحدُكم أن يُبصَق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القِبلة فإنما يستقبل ربه جلَّ وعزّ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قِبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمرٌ فليقل هكذا، ووصف لنا ابن عجلان ذلك: أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض» رواه أبو داود وابن حِبَّان. قوله العراجين: أي أعواد النخيل. وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يُبعَثُ صاحبُ النخامة في القِبلة يوم القيامة وهي في وجهه» رواه ابن خُزَيمة. وروى أيضاً من طريق حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من تفل تجاه القِبلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه» .
الحديث الأول فيه «لا يبصق قِبَل وجهه، فإن الله قِبَل وجهه» والحديث الثاني فيه «إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقنَّ بين يديه، ولا عن يمينه» والحديث الثالث فيه «فإنه مُناجٍ ربَّه فلا يتفلنَّ أحدٌ منكم عن يمينه ... فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه» والحديث الرابع فيه «فبسق في القِبلة ... قال آذيتَ الله ... إنك آذيت الله ورسوله» والحديث الخامس فيه «أقبل على الناس مُغْضَباً فقال: أيُسَرُّ أحدكم أن يُبْصَقَ في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القِبلة فإنما يستقبل ربه جلَّ وعزَّ، والملك عن يمينه» والحديث السادس فيه «يُبعَثُ صاحبُ النخامة في القِبلة يوم القيامة وهي في وجهه» والحديث السابع فيه «من تفل تجاه القِبلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه» فهل هناك محرَّم في الصلاة ورد فيه تغليظٌ في النهي وجزمٌ فيه أكثر مما ورد في البصاق والنخامة تجاه القِبلة وعن اليمين؟.
стр. 858
وهذا كله لمن لا يحمل منديلاً أو أوراقاً صحيَّةً، أما من يحمل منديلاً أو أوراقاً صحية، فإنَّه يبصق أو يتنخم فيها وهو في صلاته، دونما حاجةٍ إلى لَيِّ عنقه عن اليمين أو الأمام.
هذه هي الأفعال المحرَّمة في الصلاة التي وردت في الأحاديث النبوية الشريفة قصرنا بحثنا عليها، ولم نتطرق إلى أفعالٍ رآها الفقهاء مكروهةً أو محرَّمةً دون أن يُورِدوا عليها نصوصاً شرعيَّة معتبرةً مثل: تحريم الأكل والشرب، وكراهة الصلاة في المحراب، وكراهة تغميض العينين، إلخ ...
الفصل الثامن
ما يُفعل ويُقال عقب الصلاة
أولاًـ ما يُفعَل عَقِبَ الصلاةُ
أ. الجلوسُ فترةً عَقِبَ الصلاة
стр. 859
يُندب للمصلي إذا خرج من صلاته بالتسليم أن يلبث فترة في مُصلاه لما في هذا اللبث من ثواب، ولا ينقطع ثوابه إلا أن يقوم من مقامه أو ينتقض وضوؤه، وذلك لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا صلى أحدكم، ثم جلس مجلسه الذي صلى فيه لم تَزَل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يُحْدِث» رواه ابن خُزَيمة والبخاري. وفي رواية أخرى لابن خُزَيمة «ما لم يُحْدِث أو يقوم» . ولما روى أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن العبد إذا جلس في مصلاه بعد الصلاة صلَّت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، وإن جلس ينتظر الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه» رواه أحمد. وكفى باستجلاب دعوات ملائكة الله سبحانه بالمغفرة والرحمة فضلاً وخيراً، فلْيُكْثِر المسلم من هذه الدعوات بالإكثار من المكث. ويزداد المكث استحباباً إن كان عقب صلاة الفجر. والمدة المثلى للمكث أن يلبث المصلي في مصلاه إلى أن تطلع الشمس وترتفع قليلاً، فقد سُئل جابر بن سمرة «كيف كان رسول الله ﷺ يصنع إذا صلى الصبح؟ قال: كان يقعد في مصلاه إذا صلى الصبح حتى تطلع الشمس» رواه ابن خُزَيمة. ورواه مسلم ولفظه «كان لا يقوم من مُصلاَّهُ الذي صلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام» . وفي رواية أخرى لمسلم من طريق جابر بن سمرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَناً» . قوله حَسَناً: أي طلوعاً حَسَناً، أي تطلع وترتفع.
стр. 860
فلْيُطِل المسلم المكث ما استطاع، إلا أنْ تدعوه حاجةٌ للانصراف، أو كان إماماً للجماعة فينصرف دون طول مكث لا سيما إنْ كان إمامُ الجماعةِ خليفةً المسلمين أو والياً جرت العادة أن لا ينصرف الناس قبل انصرافه، فيعجِّل في الانصراف حتى لا يشق على الناس. وقد كان المسلمون في زمن رسول الله ﷺ لا ينصرفون قبل أن يروه ينصرف احتراماً وتوقيراً، ومثله الخلفاء الراشدون، لهذا كان ﵊ ربما عجَّل الانصراف لأجل ذلك، وكذلك كان يفعل خلفاؤه، فقد روت أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا سلَّم يمكث في مكانه يسيراً» رواه البخاري وأحمد. وعن أنس ﵁ قال «صليت وراء النبي ﷺ ، فكان ساعةَ يُسلِّم يقوم، ثم صليت وراء أبي بكر فكان إذا سلم وثب، فكأنما يقوم عن رضفة» رواه عبد الرزاق. قوله يقوم عن رضفة: أي يقوم مسرعاً كأَنَّه كان جالساً على شئ محمَّى بالنار. ويمكن للإمام في هذه الحالة أن ينصرف من مكانه من أجل أن ينصرف الناس، ثم يعود إلى الجلوس ثانية.
ويُندبُ للمُصلي أن لا يغادر مُصلاهُ قبل أن يمكث فترة تكفيه ليقول فيها (استغفر الله) ثلاثاً، و (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام) لما روى ثوبان ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام ... » رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. ورواه احمد وابن خُزَيمة والنَّسائي بلفظ «يا ذا الجلال والإكرام» . بزيادة [يا] . وكذا رواه الترمذي، إلا أنه أسقط [اللهم] من أوله. وعن عائشة ﵂ قالت «كان رسول الله ﷺ لا يقعد بعد التسليم إلا قدر ما يقول: اللهم أنت السلام ... » رواه ابن حِبَّان.
стр. 861
وكما يُشرع للإمام أن يمكث في مكانه عقب الصلاة استجلاباً لأدعية الملائكة بالرحمة والمغفرة ويمكث معه المصلون، يُشرع له ولهم المكوث لسببٍ ثانٍ هو تمكين النساء من مغادرة المصلى قبل انصراف الرجال حفظاً لهن وصوْناً، فعن أم سلمة ﵂ «أن النساء في عهد رسول الله ﷺ إذا سلَّم من الصلاة المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله ﷺ ، وثبت من صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزيمة وابن حِبَّان والشافعي. ووقع عند البخاري عن أم سلمة ﵂ «كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم - قال ابن شهاب - فأُرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم» . ووقع عند أحمد وأبي داود من طريق أم سلمة ﵂ «كان رسول الله ﷺ إذا سلَّم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال» .
وهذا وذاك مما يتعلق بثواب المكث. أما ثواب الذكر عقب الصلاة فإن الإمام المتعجل لا يُحْرَم بقيامه الفوري منه، إذ يمكنه تحصيل ذلك في مكان ثانٍ يتحول إليه، أو وهو عائد من صلاته إلى بيته أو إلى مكان حاجته، فإنَّ ذِكْرَ الله يُندب في كل حال.
стр. 862
وإذا جلس الأمام عقب الصلاة - طال جلوسُه أو قَصُر - استُحِبَّ له أن يستقبل بوجهه الناسَ وأهلَ ميمنته خاصةً، فينحرف بوجهه نحوهم، فعن سمرة بن جندب ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا صلى أقبل علينا بوجهه» رواه البخاري. وعن البراء ﵁ قال «كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يُقْبِل علينا بوجهه، قال فسمعته يقول: رب قِني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك» رواه مسلم. ورواه أبو داود بدون ذكر الدعاء في آخره. وعن يزيد بن الأسود ﵁ قال «صليت خلف رسول الله ﷺ ، فكان إذا انصرف انحرف» رواه أبو داود. ورواه النَّسائي بلفظ «أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلما صلى انحرف» . قوله انصرف: أي خرج من الصلاة. وقوله انحرف: أي غيَّر اتجاهه الذي كان عليه في أثناء الصلاة ليصبح في مواجهة الناس.
ب. الانصرافُ عن اليمين والشمال
стр. 863
من قضى صلاته وجلس الفترة التي أراد للذكر والدعاء، ثم نهض للانصراف فإنه بالخيار بين أن ينفتل يمنةً وبين أن ينفتل يسرةً، ولذلك فإن المسلم ينفتل إلى جهة حاجته لا يتقيد بجهة دون جهة، فعن عائشة ﵂ أنها قالت «رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائماً وقاعداً، ويصلي حافياً ومنتعلاً وينصرف عن يمينه وعن شماله» رواه النَّسائي والطبراني. وروى هُلْب ﵁ «كان رسول الله ﷺ يؤُمُّنا، فينصرف على جانبيه جميعاً، على يمينه وعلى شماله» رواه الترمذي. ورواه أبو داود وابن حِبَّان بلفظ «وكان ينصرف عن شقَّيه» . قال الترمذي (يُروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره) . وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «لا يجعل أحدكم نصيباً للشيطان من صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيت رسول الله ﷺ أكثرَ ما ينصرف عن شماله، قال عمارة: أتيت المدينة بعدُ، فرأيت منازل النبي ﷺ عن يساره» . ورواه مسلم بلفظ «لا يجعلنَّ أحدُكم للشيطان من نفسه جزءاً، لا يرى إلا أنَّ حقَّاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله» . وأنا لا أظن أن عبارة «أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله» قُصد منها الإحصاء وتغليبُ الانصراف عن الشمال على الانصراف عن اليمين، بقدر ما قُصد منها بيان أن الانصراف لم يكن تُلتَزَمُ فيه جهة اليمين، على ما يقول بذلك عدد من الناس، استدلالاً بقول أنس ﵁ « ... أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه» رواه مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي. فقد جاءت رواية البخاري - وهو القمة بين المحدِّثين في الالتزام بألفاظ الحديث - هكذا «لا يجعلَنَّ أحدُكم للشيطان
стр. 864
شيئاً من صلاته، يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ -كثيراً ينصرف عن يساره» . فقد جاء القول هكذا «كثيراً ينصرف عن يساره» وهذا اللفظ أدقُّ من اللفظ الوارد في رواية مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي «أكثر ما رأيت ... ينصرف عن شماله» ويمكن التوفيق بين رواية «أكثر ما رأيت ينصرف عن شماله» وبين رواية «أكثر ما رأيت ينصرف عن يمينه» - وإن كان التوفيق بين هاتين الروايتين ليس مهماً - بالقول إن راوي الرواية الأولى ذكر ما شاهده، وإن ذلك كان يحصل في صلواته ﵊ في مسجده بالمدينة حيث كانت حُجُرات زوجاته واقعة إلى يسار المسجد، فكان ينصرف إلى جهة الشمال، فنقل ابن مسعود مشاهداته لذلك الانصراف، وجاءت الرواية في صحيح ابن حِبَّان واضحة جداً «إن رسول الله ﷺ عامَّة ما ينصرف عن يساره إلى الحُجُرات» . وأما راوي الرواية الثانية فذكر ما شاهده، وأنه رأى الرسول ﷺ يُكثر من الانصراف عن اليمين، ولا يبعد عندي أن ذلك كان يحصل منه عندما لم يكن يصلي في مسجده بالمدينة، أو لم يكن يريد الانصراف إلى حجراته عقب صلواته، فكان ينصرف عن اليمين، لأنه ﵊ كان يحب التيامن في سائر أموره. وعلى أية حال فإن هذا الأمر موسَّع.
ج. الفصلُ بين الصلاة المكتوبة وصلاة التَّطوُّع
стр. 865
يُندب للمصلي إذا فرغ من صلاته المكتوبة وأراد الإتيان بسُنَن الصلاة في الظهر والمغرب والعشاء، أو التَّنفُّل بما شاء من نوافل أن لا يصلي هذه الصلوات المندوبة في مصلاه الذي أدى فيه الصلاة المكتوبة، بل يتقدَّم قليلاً أو يتأخَّر قليلاً، أو يبتعد يمنة أو يبتعد يَسرة، لما رُوي عن عبد الرحمن بن سابط أنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم المكتوبة، فأراد أن يتطوع بشئ فلْيتقدَّم قليلاً أو يتأخر قليلاً، أو عن يمينه أو عن يساره» رواه عبد الرزاق. وإذا أراد أن يؤدِّي هذه الصلوات في مصلاه الذي صلى فيه صلاته المكتوبة فلْيخرج من مصلاه، ثم بعد خروجه منه يعود إليه، أو يتكلم مع غيره قبل أن يستأنف الصلاة، يفصل بذلك بين الصلاة المكتوبة وصلاة التطوع، فعن السائب بن يزيد قال «صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إليَّ فقال: لا تَعُدْ لِما فعلتَ، إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإنَّ نبي الله ﷺ أمر بذلك، لا تُوصَل صلاةٌ بصلاةٍ حتى تخرج أو تتكلم» رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن خُزَيمة.
ثانياً ــ ما يُقالُ عَقِبَ الصلاة من أذكار
стр. 866
للذِّكْر عدة معانٍ، فقد يطلق على القرآن الكريم كما في قوله ﴿ذَلِكَ نَتْلُوْهُ عَلَيْكَ مِن الآيَاتِ والذِّكْرِ الحَكِيْمِ﴾ الآية ٥٨ من سورة آل عمران. وكما في قوله ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ﴾ الآية ٩ من سورة الحِجْر. وقد يُطلق على كتب الأنبياء السابقين كقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُوْرِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُوْنَ﴾ الآية ١٠٥ من سورة الأنبياء. والذكر هنا يعني التوراة. وكقوله ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالاً نُوْحِيْ إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوْا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٤٣ من سورة النحل. وقد يطلق على معنى الشرف والرفعة كما في قوله سبحانه ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُوْنَ﴾ الآية ٤٤ من سورة الزخرف. وقد يطلق ويراد منه الصلاة كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٩ من سورة الجمعة. وقد يطلق ويُراد منه الدين كما في قوله ﴿ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيْشَةً ضَنْكَاً ... ﴾ الآية ١٢٤ من سورة طه.
стр. 867
أما أصلُ الذِّكر فمعناه الاستحضار، فذِكرُ الشئ استحضارُه، ويكون الاستحضار في الذهن، ويكون بالجريان على اللسان، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ هم خيرٌ منهم ... » رواه مسلم وأحمد. وهذا المعنى للذكر هو الشائع وهو الأكثر، وقد ورد في كتاب الله كثيراً، قال ﴿ ... إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىْ عَن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ﴾ الآية ٤٥ من سورة العنكبوت. وقال سبحانه ﴿ ... وإذَا قَامُوْا إلى الصَّلاةِ قَامُوْا كُسَالَى يُرَاؤُوْنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُوْنَ الله إلا قَلِيْلاً﴾ الآية ١٤٢ من سورة النساء. وقال تعالى ﴿فإذَا قَضَيْتُم الصَّلاةَ فَاذْكُرُوْا اللهَ قِيَامَاً وقُعُوْدَاً وعَلَىْ جُنُوْبِكُمْ ... ﴾ الآية ١٠٣ من سورة النساء. وكثيرٌ غيرها، وهذا المعنى الأخير للذِّكر - الاستحضار - والمعنى الأول له - القرآن الكريم - هما المقصودان من هذا البحث، وهما اللذان يُراد الإتيان بهما عقب الصلاة.
стр. 868
لقد حث كتاب الله على ذكر الله، وعلى الإكثار منه في الكثير من آياته، قال تعالى ﴿فَإذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوْا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَاً ... ﴾ الآية ٢٠٠ من سورة البقرة. وقال تعالى ﴿ ... وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيْرَاً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكَارِ﴾ الآية ٤١ من سورة آل عمران. وقال سبحانه ﴿إلا الذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوْا اللهَ كَثِيْرَاً ... ﴾ الآية ٢٢٧ من سورة الشعراء. وقال سبحانه ﴿كَيْ نَسَبِّحَكَ كَثِيْرَاً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيْرَاً﴾ الآيتان ٣٣ و ٣٤ من سورة طه. وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُوْلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةُ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوْ اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيْرَاً﴾ الآية ٢١ من سورة الأحزاب. وقال ﴿.. والذَّاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْرَاً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْرَاً عَظِيْمَاً﴾ الآية ٣٥ من سورة الأحزاب. وقال ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا اذْكُرُوْا اللهَ ذِكْرَاً كَثِيْرَاً﴾ الآية ٤١ من سورة الأحزاب. وقال ﷻ ﴿فَإذَا قُضِيَت الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوْا في الأَرْضِ وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوْا اللهَ كَثِيْرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ﴾ الآية ١٠ من سورة الجمعة.
стр. 869
كما أن رسول الله ﷺ قد حث على ذكر الله، ونوَّه بفضل الإكثار منه، فعن أبي هريرة ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فمرَّ على جبل يُقال له جُمْدان، فقال: سيروا، هذا جُمْدان، سبق المُفَرِّدون، قالوا: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» رواه مسلم. ورواه الترمذي وفيه «قال: المستهترون في ذكر الله، يضعُ الذِّكرُ عنهم أثقالَهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً» . ورواه أحمد وفيه «قال: الذين يهتَرون في ذِكر الله» . قوله يهترون: أي يُولَعون أو يُكثِرون جداً.
وللذِّكر منزلة عالية ودرجة رفيعة، وقد مرَّ قوله ﴿ ... إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىْ عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ... ﴾ الآية ٤٥ من سورة العنكبوت. وقد فُسِّر بأن ذِكر الله أكبر في منع الفحشاء والمنكر من الصلاة. وعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: قال النبي ﷺ «ألا أُنبئُكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكرُ الله» رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، ورواه مالك موقوفاً.
والذِّكر يكون بالاستغفار، ويكون بالاستعاذة، ويكون بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ويكون بتلاوة آيات من القرآن، ويكون بالدعاء. ونُفْرِدُ لكلٍّ بحثاً منفصلاً.
أـ الاستغفار
стр. 870
يُسَنُّ الاستغفار عقب الصلاة، ويُسَنُّ أن يكون ثلاث مرات، فعن ابن مسعود ﵁ قال «كان النبي ﷺ يعجبه أن يدعو ثلاثاً، ويستغفر ثلاثاً» رواه أحمد وأبو داود. ويصح الاستغفار بأية صيغة من الصِّيغ، كأن يقول (أستغفرُ الله) يكررها ثلاثاً، أو يقول (أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ وأتوبُ إليه) يكررها ثلاثاً، أو يقول (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتَني وأنا عبدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغفرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يكررها ثلاثاً. وهذه الصيغة الأخيرة هي خير صيغ الاستغفار وسيِّدتها. فعن ثَوْبان ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام ... » رواه مسلم. ورواه أحمد وابن خُزَيمة والنَّسائي بلفظ «يا ذا الجلال والإكرام» بزيادة [يا] . وقد مرَّ في بحث [الجلوس فترةً عقب الصلاة] في هذا الفصل. وروى زيد مولى النبي ﷺ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «من قال: استغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ وأتوب إليه، غُفِر له وإن كان فرَّ من الزحف» رواه أبو داود والترمذي ورواه الحاكم بسند صحيح من طريق ابن مسعود وزاد «ثلاثاً» . وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقْتَني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» رواه البخاري وأحمد وابن ماجة.
стр. 871
ويُندب أن يقول عقب الاستغفار (اللهم أنت السلامُ ومنك السلامُ تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ) لحديث ثوبان، ولما روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ كان إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه أحمد ومسلم.
ب ــ الاستعاذةُ
يُندب للمسلم أن يستعيذ بالله سبحانه من مجموعة من الشرور عقب الصلوات، وإنَّهُ وإنْ كان التعوُّذ بالله مندوباً في كل حين، إلا أنه عقب الصلوات آكدُ في الندب وأدعى إلى الاستجابة، فعن أبي أُمامة ﵁ قال «قيل: يا رسول الله أيُّ الدعاء أسمعُ؟ قال: جوفَ الليل الآخِر ودُبُرَ الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي. وقد جاء من صيغ التعوُّذ عقب الصلوات الصيغتان التاليتان:
١-[اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر] .
٢-[اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر] .
فعن أبي بَكرة ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقول في دُبُر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر ... » رواه أحمد وابن خُزَيمة والترمذي والنَّسائي. وعن مصعب بن سعد وعمرو بن ميمون الأزدي قالا «كان سعدٌ يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتبُ الغلمانَ يقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوَّذ بهن دُبُرَ الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» رواه ابن خُزَيمة وأحمد والبخاري والترمذي. قوله كما يعلم المكتبُ الغلمان: أي كما يعلم المعلم الغلمان، كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى.
стр. 872
وقد رُويت عن الرسول ﷺ أحاديث كثيرة في الاستعاذة بالله من كثير من الشرور مما لم تُقيَّد بأَدبار الصلاة، أذكر منها: الكسل وسوء القضاء ودَرْك الشقاء، وشماتة الأعداء وجَهْد البلاء، والعجز والهرم والمأثم والمغرم، وشر ما خلق الله، وضَلْع الدَّين وغَلَبة الرجال، وشر الغنى والفقر والقلة والذِّلَّة، وزوال النعمة وتحويل العافية، وفُجاءة النِّقمة وجميع سخط الله، والشِّقاق والنفاق وسوء الأخلاق، والجوع والخيانة، وعلماً لا ينفع وقلباً لا يخشع ونفساً لا تشبع ودعاءً لا يُسمع، وشر السمع وشر البصر وشر اللسان وشر القلب وشر المنيِّ، والهدم والتردِّي والغرق والحرق، وتخبُّطَ الشيطان والموت في سبيل الله مدبراً، والموت لديغاً، والبرص والجنون والجُذام وسئ الأسقام، ومنكراتِ الأخلاق والأهواء والأعمال. ولم أُورد الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت هذه الاستعاذات لأنني اكتفيت بذكر الاستعاذات الواردة في النصوص مقيدةً بأدبار الصلاة فحسب. وأُذكِّر بأنني ذكرت جملة من التعوذات في بحث [الدعاء والتعوُّذ في آخِر الصلاة] فصل [صفة الصلاة] وردت في الصلاة وليس في دُبُرها، ولله الحكمة في اختصاص بعضها بالصلاة وبعضها بأدبار الصلاة، وجاء بعضها مطلقاً. والعبادة توقيفية يؤتَى بها كما وردت. ولا يعني قولي هذا أنه لا يجوز التعوُّذ من سوى ما ورد التعوذ منه في أدبار الصلاة مما جاء مطلقاً، وإنما عنيت أن التعوذ مما ورد التعوذ منه في أَدبار الصلاة يُقدَّم ويفضَّل في أَدبار الصلاة على ما سواه.
ج ــ التسبيحُ والتحميدُ والتكبيرُ والتهليلُ
стр. 873
إن مما لا شك فيه أن كلام الله هو خير الكلام، وأن التقرب إلى الله سبحانه بالأذكار مما ليس في كتاب الله لا يعدل التقرب إليه سبحانه بكلامه. ويأتي التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل بعد كلام الله في المنزلة والفضل، فعن سَمُرَة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهي من القرآن لا يضرُّك بأيِّهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» رواه احمد ومسلم والنَّسائي وابن ماجة. وقد خلت رواية مسلم من «وهي من القرآن» . وهذه العبارة تعني أنها ثابتة في القرآن. ومما يدل على فضل هؤلاء الكلمات الأربع أيضاً ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لأنْ أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس» رواه الترمذي. وقد مرَّ في بحث [صلاة مَن لا يُحْسِن قراءة الفاتحة] فصل [صفة الصلاة] أن هؤلاء الكلمات الأربع وقول لا حول ولا قوة إلا بالله تُجْزِئ عن القرآن، بل تُجْزِئ عن قراءة الفاتحة في الصلاة لمن لا يحفظ من القرآن شيئاً، وهذه فضيلة عظيمة لهؤلاء الكلمات الخمس.
وأيضاً فقد روى أبو سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال «استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتحميد والتسبيح ولا حول ولا قوة إلا بالله» رواه أحمد وأبو يعلى. فقد ضم الحوقلة إلى التكبير والتحميد والتسبيح وأسقط التهليل.
стр. 874
ومما جاء في فضل التهليل والتحميد ما رُوي عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» رواه الترمذي. ومما جاء في فضل التهليل خاصة ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال «خير الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وخير ما قلتُ والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» رواه الترمذي. ورواه مالك من طريق طلحة بن عبيد الله بن كريز، وليس فيه [له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير] .
وقد حثَّت الأحاديث النبوية الشريفة على قول هؤلاء الكلمات عقب الصلوات، وتباينت في مقدار ما يقال منها، فقد ورد قولها عشراً، وورد قولها ثلاثاً وثلاثين، وورد قولها خمساً وعشرين، وورد أقل من ذلك وأكثر، والمسلم يختار ما يشاء من ذلك مما يتسع وقته له ومما يقوى عليه.
стр. 875
١- ما ورد من الأحاديث عشراً: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خَلَّتان لا يُحصيهما رجلٌ مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، قال: قال رسول الله ﷺ : الصلوات الخمس يسبِّح أحدكم في دُبُر كلِّ صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبِّر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يَعقِدُهُنَّ بيده ... » رواه النَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان والترمذي وأبو داود. وذكر الحديث الخَلَّة الثانية وهي التسبيح والتكبير والتحميد مائة مرة عند النوم. ومعنى قوله «فهي خمسون ومائة في اللسان وألف وخمسمائة في الميزان» : أنَّ كل واحدة من هؤلاء الكلمات الثلاث تقال عشر مرات عقب كل صلاة من الصلوات الخمس، فيكون المجموع خمسين كلمة، وحيث أنها ثلاث كلمات فيصبح مجموعها كلِّها مائة وخمسين كلمة، وفي يوم القيامة يضاعفها الله سبحانه الواحدة بعشرٍ، فتصبح ألفاً وخمسمائة. وعن عليٍّ ﵁ وقد جاء إلى النبي ﷺ هو وفاطمة يطلبان خادماً من السَّبي يخفف عنهما بعض العمل، فأبى عليهما ذلك فذكر قصة، قال: ثم قال النبي ﷺ لهما «أَلاَ أُخبركما بخيرٍ مما سألتماني؟ قالا: بلى، فقال: كلماتٌ علمنيهنَّ جبريل ﵇ فقال: تُسبِّحان في دُبُر كل صلاة عشراً وتحمدان عشراً وتكبِّران عشراً ... » رواه أحمد والبخاري ومسلم. وذكر الحديث التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين عند النوم، وقد اقتصرنا في إيراد هذا الحديث والذي قبله على ما يتعلق بموضوع بحثنا، وهو الذِّكر عقب الصلاة فحسب. فهذان حديثان في قول التسبيح والتحميد والتكبير عشراً عشراً.
стр. 876
أما التهليل عشراً وهو الجملة الرابعة، فجاء فيه ما يلي: عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «مَن قال في دُبُر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كُتب له عشر حسنات، ومُحي عنه عشر سيئات، ورُفع له عشر درجات، وكان يومَه ذلك كلَّه في حرزٍ من كل مكروه، وحُرس من الشيطان، لم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله» رواه الترمذي. وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، عشرَ مرات كنَّ كعدل أربع رقاب، وكتب له بهنَّ عشرُ حسنات، ومُحي عنه بهنَّ عشرُ سيئات، ورُفع له بهنَّ عشرُ درجات، وكنَّ له حرَساً من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك» رواه أحمد وابن حِبَّان. وعن أم سلمة ﵂ «أن فاطمة ﵂ جاءت إلى نبي الله ﷺ تشتكي إليه الخدمة فقالت: يا رسول الله والله لقد مَجِلَتْ يدي من الرَّحى، أطحن مرة وأعجن مرة، فقال لها رسول الله ﷺ : إنْ يرزقْكِ الله شيئاً يأتك، وسأدلُّكِ على خير من ذلك ... وإذا صليتِ صلاةَ الصبح فقولي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شئ قدير، عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب، فإن كل واحدة منهن كعِتْقِ رقبة من ولَد إسماعيل، ولا يحل لذنب كُسب ذلك اليوم أن يدركه إلا أن يكون الشرك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو حرسُكِ ما بين أن تقوليه غدوةً إلى أن تقوليه عشيَّة من كل شيطان ومن كل سوء» رواه أحمد. ورواه الطبراني مختصراً. قوله مَجِلت يدي من الرحى: أي يبست يدي وصارت خشنة من كثرة
стр. 877
طحن الحبوب بالطاحونة. فهذه الأحاديث نصٌّ في قول التهليل عشر مرات. وينبغي ملاحظةُ أن التهليل عشر مرات إنما ورد تقييده بصلاتي الفجر والمغرب فحسب، فيُندب ذكرُه عشراً عقب هاتين الصلاتين، ثم إن صيغة التهليل وردت متفاوتة في الأحاديث الثلاثة، فالمسلم بالخيار بين أيٍّ من هذه الصيغ.
٢- ما ورد من الأحاديث ثلاثاً وثلاثين: عن أبي هريرة ﵁ قال «جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدُّثُور من الأموال بالدَّرجات العلا والنعيم المقيم، يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضْلٌ من أموالٍ يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدَّقون، قال: ألا أُحدثكم بما إنْ أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خيرَ مَنْ أنتم بين ظَهْرَانِيْهِم إلا من عمل مثله؟ تسبِّحُون وتحمدون وتكبِّرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا: نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فرجعت إليه فقال تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة. وعن أبي هريرة ﵁ قال «قال أبو ذر: يا رسول الله ذهب أصحاب الدُّثور بالأجر، يُصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فُضول أموال يتصدَّقون بها، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أَلاَ أُعلمك كلمات تدرك بهن مَن سبقك ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: تكبِّر الله دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتسبِّحُه ثلاثاً وثلاثين، وتختمها بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» رواه ابن حِبَّان. ورواه أبو داود وقال في آخره «غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» قوله أصحاب الدُّثور: أي أصحاب الأموال الكثيرة. وعن أبي هريرة رضي
стр. 878
الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من سبَّح الله في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه مسلم وأحمد وابن خُزَيمة وابن حِبَّان ومالك. وعن ابن عباس ﵁ قال «جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن الأغنياء يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم أموال يتصدقون وينفقون، فقال النبي ﷺ : إذا صليتم فقولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ولا إله إلا الله عشراً، فإنكم تدركون بذلك من سبقكم وتسبقون مَنْ بَعدكم» رواه النَّسائي.
وأُلفت النظر إلى أن هذه الأحاديث وإن هي اتفقت في عدد التسبيح والتحميد والتكبير إلا أنها تباينت في عدد التهليل، فالحديث الأول اغفل التهليل كلياً، والحديث الثاني ذكر التهليل مطلقاً دون تحديد، والحديث الثالث ذكر التهليل مرة واحدة، والحديث الرابع ذكر التهليل عشراً، وأنا أميل إلى الأخذ بالحديث الثالث الذي رواه مسلم وفيه التهليل مرة واحدة، فهذا الحديث لا يتعارض مع الحديث الأول، لأن الزيادة تُقبل إنْ رواها ثقة. وكذلك هو لا يتعارض مع الحديث الثاني، بل يعضده ويفسِّره. وأما الحديث الرابع فيُحمل على صلاتي الفجر والمغرب ويُقصر عليهما، والله سبحانه أعلم.
стр. 879
٣- ما ورد من الأحاديث خمساً وعشرين: عن زيد بن ثابت ﵁ قال «أُمِرنا أن نسبِّحَ في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبِّر أربعاً وثلاثين، فأُتيَ رجلٌ في منامه فقيل له: إنه أَمَرَكم محمدٌ أن تسبِّحوا في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّروا أربعاً وثلاثين؟ قال نعم، قال: اجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيه التهليل، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : فافعلوه» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة وأحمد والنَّسائي. ورواه النَّسائي كذلك من طريق ابن عمر ﵁، وجاء فيه «.. سبِّحوا خمساً وعشرين، واحمدوا خمساً وعشرين، وكبِّروا خمساً وعشرين، وهلِّلُوا خمساً وعشرين، فتلك مائة ... » .
стр. 880
وهناك أحاديث أخرى ذكرت التكبير أربعاً وثلاثين، وأبقت على التسبيح والتحميد ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين، منها ما رواه كعب بن عُجْرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال «مُعَقِّبات لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبُر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» رواه مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي. ومنها ما رواه أبو الدرداء ﵁ عن الرسول ﷺ عند أحمد والبزَّار والطبراني بمثل ما رواه مسلم من حيث العدد. ويلاحظ من ذلك أن الرقم وصل إلى المائة بزيادة تكبيرة واحدة على التكبيرات الثلاث والثلاثين، في حين أن الرقم وصل إلى المائة بزيادة تهليلة واحدة في حديث مسلم المار في بند (٢) «فتلك تسعةٌ وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله ... » كما أنه وصل إلى المائة في حديث النَّسائي المار في بند (٣) «سبِّحوا خمساً وعشرين و ... و ... و ... فتلك مائة» . فهذه الأحاديث نَوَّهت بالعدد مائة، فَمَنْ ملك الوقت الكافي والرغبة في مزيد الثواب فلْيوصل هذه الجمل إلى المائة، وليختر الصيغة التي يراها من هذه الصيغ الثلاث، وإذا أتمَّ المائة جملة بتهليلة واحدة فليقل بعدها مباشرة [اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطيَ لِما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ] وذلك لما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ كان يقول في دُبُر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وأحمد وأبو داود.
следующие страницы →