← Фикх общий

Фикх общий · id 2051

الجامع لأحكام الصلاة - محمود عويضة

محمود عبد اللطيف عويضة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أما التهليل عشراً وهو الجملة الرابعة، فجاء فيه ما يلي: عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «مَن قال في دُبُر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كُتب له عشر حسنات، ومُحي عنه عشر سيئات، ورُفع له عشر درجات، وكان يومَه ذلك كلَّه في حرزٍ من كل مكروه، وحُرس من الشيطان، لم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله» رواه الترمذي. وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قال إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، عشرَ مرات كنَّ كعدل أربع رقاب، وكتب له بهنَّ عشرُ حسنات، ومُحي عنه بهنَّ عشرُ سيئات، ورُفع له بهنَّ عشرُ درجات، وكنَّ له حرَساً من الشيطان حتى يمسي، وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك» رواه أحمد وابن حِبَّان. وعن أم سلمة ﵂ «أن فاطمة ﵂ جاءت إلى نبي الله ﷺ تشتكي إليه الخدمة فقالت: يا رسول الله والله لقد مَجِلَتْ يدي من الرَّحى، أطحن مرة وأعجن مرة، فقال لها رسول الله ﷺ : إنْ يرزقْكِ الله شيئاً يأتك، وسأدلُّكِ على خير من ذلك ... وإذا صليتِ صلاةَ الصبح فقولي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شئ قدير، عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب، فإن كل واحدة منهن كعِتْقِ رقبة من ولَد إسماعيل، ولا يحل لذنب كُسب ذلك اليوم أن يدركه إلا أن يكون الشرك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو حرسُكِ ما بين أن تقوليه غدوةً إلى أن تقوليه عشيَّة من كل شيطان ومن كل سوء» رواه أحمد. ورواه الطبراني مختصراً. قوله مَجِلت يدي من الرحى: أي يبست يدي وصارت خشنة من كثرة

стр. 877

طحن الحبوب بالطاحونة. فهذه الأحاديث نصٌّ في قول التهليل عشر مرات. وينبغي ملاحظةُ أن التهليل عشر مرات إنما ورد تقييده بصلاتي الفجر والمغرب فحسب، فيُندب ذكرُه عشراً عقب هاتين الصلاتين، ثم إن صيغة التهليل وردت متفاوتة في الأحاديث الثلاثة، فالمسلم بالخيار بين أيٍّ من هذه الصيغ. ٢- ما ورد من الأحاديث ثلاثاً وثلاثين: عن أبي هريرة ﵁ قال «جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدُّثُور من الأموال بالدَّرجات العلا والنعيم المقيم، يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم فضْلٌ من أموالٍ يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدَّقون، قال: ألا أُحدثكم بما إنْ أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خيرَ مَنْ أنتم بين ظَهْرَانِيْهِم إلا من عمل مثله؟ تسبِّحُون وتحمدون وتكبِّرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا: نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فرجعت إليه فقال تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة. وعن أبي هريرة ﵁ قال «قال أبو ذر: يا رسول الله ذهب أصحاب الدُّثور بالأجر، يُصلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فُضول أموال يتصدَّقون بها، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر أَلاَ أُعلمك كلمات تدرك بهن مَن سبقك ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: تكبِّر الله دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمده ثلاثاً وثلاثين، وتسبِّحُه ثلاثاً وثلاثين، وتختمها بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» رواه ابن حِبَّان. ورواه أبو داود وقال في آخره «غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» قوله أصحاب الدُّثور: أي أصحاب الأموال الكثيرة. وعن أبي هريرة رضي

стр. 878

الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من سبَّح الله في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه مسلم وأحمد وابن خُزَيمة وابن حِبَّان ومالك. وعن ابن عباس ﵁ قال «جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن الأغنياء يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ولهم أموال يتصدقون وينفقون، فقال النبي ﷺ : إذا صليتم فقولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ولا إله إلا الله عشراً، فإنكم تدركون بذلك من سبقكم وتسبقون مَنْ بَعدكم» رواه النَّسائي. وأُلفت النظر إلى أن هذه الأحاديث وإن هي اتفقت في عدد التسبيح والتحميد والتكبير إلا أنها تباينت في عدد التهليل، فالحديث الأول اغفل التهليل كلياً، والحديث الثاني ذكر التهليل مطلقاً دون تحديد، والحديث الثالث ذكر التهليل مرة واحدة، والحديث الرابع ذكر التهليل عشراً، وأنا أميل إلى الأخذ بالحديث الثالث الذي رواه مسلم وفيه التهليل مرة واحدة، فهذا الحديث لا يتعارض مع الحديث الأول، لأن الزيادة تُقبل إنْ رواها ثقة. وكذلك هو لا يتعارض مع الحديث الثاني، بل يعضده ويفسِّره. وأما الحديث الرابع فيُحمل على صلاتي الفجر والمغرب ويُقصر عليهما، والله سبحانه أعلم.

стр. 879

٣- ما ورد من الأحاديث خمساً وعشرين: عن زيد بن ثابت ﵁ قال «أُمِرنا أن نسبِّحَ في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبِّر أربعاً وثلاثين، فأُتيَ رجلٌ في منامه فقيل له: إنه أَمَرَكم محمدٌ أن تسبِّحوا في دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبِّروا أربعاً وثلاثين؟ قال نعم، قال: اجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيه التهليل، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : فافعلوه» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة وأحمد والنَّسائي. ورواه النَّسائي كذلك من طريق ابن عمر ﵁، وجاء فيه «.. سبِّحوا خمساً وعشرين، واحمدوا خمساً وعشرين، وكبِّروا خمساً وعشرين، وهلِّلُوا خمساً وعشرين، فتلك مائة ... » .

стр. 880

وهناك أحاديث أخرى ذكرت التكبير أربعاً وثلاثين، وأبقت على التسبيح والتحميد ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين، منها ما رواه كعب بن عُجْرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال «مُعَقِّبات لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبُر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» رواه مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي. ومنها ما رواه أبو الدرداء ﵁ عن الرسول ﷺ عند أحمد والبزَّار والطبراني بمثل ما رواه مسلم من حيث العدد. ويلاحظ من ذلك أن الرقم وصل إلى المائة بزيادة تكبيرة واحدة على التكبيرات الثلاث والثلاثين، في حين أن الرقم وصل إلى المائة بزيادة تهليلة واحدة في حديث مسلم المار في بند (٢) «فتلك تسعةٌ وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله ... » كما أنه وصل إلى المائة في حديث النَّسائي المار في بند (٣) «سبِّحوا خمساً وعشرين و ... و ... و ... فتلك مائة» . فهذه الأحاديث نَوَّهت بالعدد مائة، فَمَنْ ملك الوقت الكافي والرغبة في مزيد الثواب فلْيوصل هذه الجمل إلى المائة، وليختر الصيغة التي يراها من هذه الصيغ الثلاث، وإذا أتمَّ المائة جملة بتهليلة واحدة فليقل بعدها مباشرة [اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطيَ لِما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ] وذلك لما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي ﷺ كان يقول في دُبُر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وأحمد وأبو داود.

стр. 881

وهناك صيغة رابعة للتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وللحوقلة كذلك تضاف للصيغ الثلاث السابقة، أندب المصلين إلى الأخذ بها لما لها من فضل، وهي هكذا [سبحان الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحان الله عددَ ما خلق في الأرض، وسبحان الله عددَ ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عددَ ما هو خالق. والله أكبر عددَ ما خلق في السماء، والله أكبر عددَ ما خلق في الأرض، والله أكبر عددَ ما خلق بين ذلك، والله أكبر عددَ ما هو خالق. والحمد لله عددَ ما خلق في السماء، والحمد لله عددَ ما خلق في الأرض والحمد لله عددَ ما خلق بين ذلك، والحمد لله عددَ ما هو خالق. ولا إله إلا الله عددَ ما خلق في السماء، ولا إله إلا الله عددَ ما خلق في الأرض، ولا إله إلا الله عددَ ما خلق بين ذلك، ولا إله إلا الله عددَ ما هو خالق. ولا حول ولا قوة إلا بالله عددَ ما خلق في السماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله عددَ ما خلق في الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله عددَ ما خلق بين ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله عددَ ما هو خالق] فعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها ﵄ «أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبِّح به فقال: أُخبركِ بما هو أيسر عليكِ من هذا أو أفضل، فقال: سبحان الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحان الله عددَ ما خلق في الأرض، وسبحان الله عددَ ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عددَ ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجة.

стр. 882

أما كيف يحصي المسلم تسبيحاته وأذكاره فيأتي منها بالمقدار الذي يريد؟ فالجواب عليه هو أنه يجوز التسبيح بالمسبحة وبما هو من جنسها كالنوى والحصى والخرز، لكن المستحب في التسبيح والأَذكار العدُّ بالأصابع والأنامل لأنهن مسؤولات يوم القيامة، ويشهدن لصاحبهن بالذِّكر، فعن يسيرة ﵂ «أن النبي ﷺ أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطَقَات» رواه أبو داود وأحمد والترمذي. ورواه ابن أبي شيبة عن بُسرة - وليس يسيرة كما في سنن أبي داود - قالت: قال لها رسول الله ﷺ «عليكن بالتسبيح والتهليل والتكبير، واعقدن بالأنامل فإنهن يأتين يوم القيامة مسؤولات مستنطقات، ولا تغفلْن فتنسَين الرحمة» . وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ يعقده بيده، يعني التسبيح» رواه ابن أبي شيبة. ورواه أبو داود ولكنه قال «بيمينه» بدل [بيده] ورواه النَّسائي بدون [بيده] وبدون [بيمينه] هكذا «يعقد التسبيح» .

стр. 883

أما من أراد نوال الثواب العظيم في الوقت القصير والجهد القليل ولا يحتاج إلى مسابح ونوى وحصى فليقرأ هذا الحديث وليعمل بما فيه: عن ابن عباس ﵁ عن جُوَيرية ﵂ «أن النبي ﷺ خرج من عندها بُكرةً حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: ما زلتِ على الحال التي فارقتُكِ ا؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : لقد قلتُ بعدك أربعَ كلمات ثلاث مرات، لو وُزنت بما قُلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عددَ خلقِه ورِضا نفسِه وزِنَةَ عرشِه ومدادَ كلماتِه» رواه مسلم وابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود. وفي رواية أخرى لمسلم «أنه قال: سبحان الله عددَ خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنةَ عرشه، سبحان الله مدادَ كلماته» . وفي رواية النَّسائي والترمذي «سبحان الله عددَ خلقه، سبحان الله عددَ خلقه، سبحان الله عددَ خلقه. سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه. سبحان الله زِنةَ عرشه، سبحان الله زِنةَ عرشه، سبحان الله زِنةَ عرشه. سبحان الله مدادَ كلماته، سبحان الله مدادَ كلماته، سبحان الله مدادَ كلماته» والصيغة الأولى أسهل وأفضل لأن فيها [وبحمده] في حين أن الروايتين الأُخريين قد خلتا منها، والزيادة في الأذكار أفضل. فهؤلاء أربع كلمات قصار يقولهن المصلي فيحصل على ثواب الساعات الطوال من الأذكار غيرها، ذلك أن جُوَيرية ﵂ قد واظبت على الذكر منذ صلاة الصبح إلى وقت الضحى كما جاء في رواية مسلم، أو إلى أن تعالى النهار كما جاء في رواية ابن خُزَيمة، وهذه المدة تقدَّر بساعتين إلى ثلاث ساعات من ساعاتنا الحالية، فالمسلم يقول هؤلاء الكلمات الأربع في نصف دقيقة فيحصل على ثواب الذكر من غيرهنَّ في ساعتين إلى ثلاث ساعات، فهي فرصة متاحة لحصاد الثواب العظيم.

стр. 884

وهناك فرصة أعظم لتحصيل ثوابٍ أكثر ذكرها لنا رسول الله ﷺ ، فقد روى أبو أمامة الباهلي ﵁ «أن رسول الله ﷺ مرَّ به وهو يحرِّك شفتيه فقال: ماذا تقول يا أبا أُمامة؟ قال: أذكر ربي، قال أفلا أُخبرك بأكثر - أو أفضل - من ذِكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل؟ أن تقول: سبحان الله عددَ ما خلق، وسبحان الله ملءَ ما خلق، وسبحان الله عددَ ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملءَ ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عددَ ما أحصى كتابُه، وسبحان الله عددَ كلِّ شئ، وسبحان الله ملءَ كلِّ شئ، وتقول الحمد مثل ذلك» رواه ابن خُزَيمة. فهؤلاء الكلمات القليلات يفْضُلْن الذكرَ الليلَ مع النهار والنهارَ مع الليل، أي يفْضُلْن أربعاً وعشرين ساعة من الأذكار، فهن لا شك أعظم ثواباً من الذكر الوارد في حديث جويرية ﵂. د ــ تلاوةُ آيات من القرآن قراءة القرآن من أعظم القُرُبات عند الله سبحانه، ولست هنا بصدد بحث هذا الموضوع لأنه خارج عن بحثنا، وهو [ما يقال فحسب عقب الصلاة] ، وإذا كان لا بد من كلمة في هذا الموضوع فهي أن المندوب قراءةُ القرآن كلِّه في شهرٍ، فهي أعدل القرآءات، وإن كان المسلم يريد المزيد وعنده قدرة ونشاط وفراغ فلا يزيد عن ثلاثة أيام بحال، أي لا يقرأ القرآن كله في أقل من ثلاثة أيام. ونأتي لموضوعنا فنقول إن المندوب للمسلم إذا صلى وجلس يذكر الله سبحانه أن يتلو ما يلي: ١- آية الكرسي وهي الآية ٢٥٥ من سورة البقرة. ٢- سورة الفلق. ٣- سورة الناس. ٤- ﴿سبحان ربِّك ربِّ العزةِ عما يصفون. وسلامٌ على المرسلين. والحمد لله رب العالمين] ﴾ الآيات ١٨٠، ١٨١، ١٨٢ من سورة الصافات.

стр. 885

هذا ما وردت به النصوص، ومن أراد الزيادة فالباب مفتوح، وأخصُّ بالذكر سورة الإخلاص، فقد أدخلها بعضهم في المعوِّذات فقالوا بتلاوتها مع المعوِّذتين مستدلين بحديث ضعيف رواه الطبراني يذكرها بالاسم. وأما ما ذكرته أعلاه فقد وردت به الأحاديث التالية: عن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ آية الكرسي دُبُر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» رواه الطبراني والنَّسائي وابن حِبَّان. وعن الحسن بن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ آية الكرسي في دُبُر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى» رواه الطبراني. وعن عُقبة بن عامر ﵁ قال «أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ المعوِّذات دُبُر كل صلاة» رواه النَّسائي وأحمد وأبو داود والطبراني وابن خُزَيمة. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «إقرأوا المعوِّذات في دُبُر كلِّ صلاة» وفي رواية للنَّسائي والترمذي «المعوِّذتين» بالتثنية. قوله المعوِّذات - بصيغة الجمع - استدل به بعضهم على الإتيان بسورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة الناس، لأن هؤلاء السور ثلاثٌ، ووقف بعضهم على لفظة المعوِّذتين - بالتثنية - فقالوا بتلاوة سورة الفلق وسورة الناس فحسب وهو الصحيح، وذلك أن من أسلوب اللغة العربية أن يُؤتى بصيغة الجمع للمفرد وللمثنى أحياناً، فمثلاً قال امرؤ القيس في معلَّقته يصف الحصان (يُزلُّ الغلامَ الخِفَّ عن صَهَوَاتِه) والحصان ليست له إلا صهوةٌ واحدة، وقال تعالى ﴿فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيْ في المِحْرَابِ ... ﴾ الآية ٣٩ من سورة آل عمران. والمنادي هو جبريل وحده. وقال ﷻ ﴿الذِيْنَ قَالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوْا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ... ﴾ الآية ١٧٣ من سورة آل عمران. والقائل هو رجل واحد من خزاعة. وعلى هذه القاعدة

стр. 886

خرج الحديث، فالرسول ﷺ أطلق لفظة المعوِّذات - بالجمع - على المعوِّذتين - الفلق والناس - فهما المقصودتان فقط. وعلى هذا فإن سورة الإخلاص لا تندرج تحت هذه اللفظة، فهي بالتالي ليست مطلوبة هنا. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «سمعت النبي ﷺ غير مرة يقول في آخر صلاته عند انصرافه ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُوْنَ. وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِيْنَ. وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَيْنَ﴾ » رواه ابن أبي شيبة والترمذي. هـ ــ الدُّعاءُ

стр. 887

إن فضل الدعاء في الإسلام معلوم من الدين بالضرورة، وإلى من فاته الوقوف على النصوص فيه أعرض عليه ما يلي: قال تعالى ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بكم ربي لولا دعاؤُكم فقد كذَّبْتُم فسوفَ يكونُ لِزاماً﴾ الآية ٧٧ من سورة الفرقان. ودلالة الآية واضحة في فضل الدعاء، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يدْعُ اللهَ سبحانه يغضبْ عليه» رواه ابن ماجة وأحمد وابن أبي شيبة والحاكم. ورواه الترمذي بلفظ «إنه مَن لم يسأل الله يغضبْ عليه» . وعن أبي هريرة رضي الله عن النبي ﷺ «ليس شئ أكرم على الله سبحانه من الدعاء» رواه ابن ماجة وأحمد والترمذي والحاكم وابن حِبَّان. وكفى بذلك فضلاً. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني استجبْ لكم» رواه ابن ماجة وأحمد والترمذي. وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزيد في العمر إلا البِرُّ، ولا يردُّ القضاء إلا الدعاء، وإن الرجل لَيُحْرَمُ الرزقَ بخطيئةٍ يعملها» رواه ابن ماجة وأحمد والترمذي. ولو لم يكن عندنا إلا هذا النص الأخير «ولا يردُّ القضاء إلا الدعاء» لكفى الدعاء فضلاً عظيماً، فلندعُ الله سبحانه، ولندعوه بإخلاص، ولنكثر من الدعاء، ولنرجُ من الله الاستجابة. وقد وردت بضعة أحاديث فيها الأدعية التي تقال عقب الصلاة أذكر منها ما يلي: ١-[اللهم أعنِّي على ذِكْرِك وشكرِك وحُسْنِ عبادتِك] . ٢-[اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم وأنت المُؤخِّر لا إله إلا أنت] . ٣-[ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك] .

стр. 888

ووردت أدعية أخرى في أحاديث ليست أسانيدُها قوية، ولهذا اكتفيت بالأدعية الثلاثة المذكورة، وهذه هي أدلتها على الترتيب: عن معاذ بن جبل ﵁ «أن النبي ﷺ أخذ بيده يوماً ثم قال: يا معاذ إني لأُحِبُّك، فقال له معاذ: بأبي أنت وأُمي يا رسول الله وأنا أُحبك، قال: أُوصيك يا معاذ لا تدعَنَّ في دُبُر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرِك وشُكرِك وحُسْنِ عبادتِك» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وعن علي ﵁ في صفة صلاة رسول الله ﷺ - قال «فإذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنت» رواه أحمد وابن خُزَيمة وابن حِبَّان والترمذي. ورواه مسلم إلا أنه ذكر هذا الدعاء بين التَّشهُّد والتسليم وليس بعده. وعن البراء ﵁ قال «كنا إذا صلينا خلفَ رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يُقبل علينا بوجهه، قال فسمعتُه يقول: ربِّ قِنِي عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك» رواه مسلم. وقد مرَّ في بحث [الجلوس فترة عقب الصلاة] في هذا الفصل. وقد ورد الدعاء التالي يُدعى به عقب صلاتي الصبح والمغرب خاصة [اللهم أَجِرْني من النار] سبع مرات، فقد روى الحارث بن مسلم التميمي أن أباه حدَّثه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صليت الصبح فقل قبل أن تُكلِّمَ أحداً: اللهم أجِرْني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من يومك ذلك كتب الله لك جِواراً من النار، وإذا صليت المغرب فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جِواراً من النار» رواه الطبراني وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان.

стр. 889

هذا ما وردت به النصوص من أدعية تقال عقب الصلاة، ولا يعني ذلك أن لا يدعو المسلم بأي دعاء آخر يختاره عقب الصلوات، فإن الدعاء مشروع ومندوب في كل وقت وبأية صيغة، ولكن هذه الأدعية الواردة عقب الصلوات لها ميزةٌ خاصة الله سبحانه أعلم بها، فالأَوْلى والأفضل الإتيان بها وتقديمها على غيرها، ثم هو بالخيار بعد ذلك بين أن يدعو بما يحقق حاجاته في دينه ودنياه وآخرته من كلمات يختارها بنفسه، وبين أن يختار من أدعية رسول الله ﷺ مما وردت به النصوص مطلقة. وإني أُقدِّم العون في هذا المضمار فأذكر جملةً من الأدعية الجامعة المأثورة، لاسيما وأن رسول الله ﷺ كان يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عائشة ﵂. ١-[يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك] . ٢-[اللهم إني أسألك فِعلَ الخيرات وتركَ المنكرات وحُبَّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردتَ فتنةً في قوم فتوفَّني غير مفتون، وأسألك حبَّك وحبَّ من يحبك وحبَّ عملٍ يقرِّبني إلى حبك] . ٣-[اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى والعفافَ والغنى] . ٤-[اللهم إني أسألك العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة] . ٥-[اللهم ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار] . وللدعاء جملةٌ من الآداب لا بد للمسلم من أن يحيط بها وأن يراعيها، لعل الله سبحانه أن يتقبل منه ويستجيب له، ومن هذه الآداب ما يلي:

стр. 890

١- أن يدعو بما يريد تحقيقه وهو متفطِّنٌ له ذاكرٌ له غير غائب عن ذهنه وغير لاهٍ عنه، وإلا فإن دعاءه لا يستجاب له، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إن القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبدٍ دعاه عن ظهر قلب» رواه أحمد. ٢- أن لا يَعْجَلَ تحقيقَ الدعاء، ولْيستمرَّ في الدعاء ولا ييأس، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «يُستجاب لأَحدكم ما لم يعجل، يقول دعوتُ فلم يُستَجَبْ لي» رواه البخاري وابن ماجة وأحمد وأبو داود ومسلم. ٣- أن لا يدعو بدعاء محرَّمٍ وفيه إثم، أو بدعاء فيه قطيعة رحِم، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجِّل له دعوتَه، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نُكْثر، قال: الله أكثر» رواه أحمد والبزَّار والحاكم وأبو يعلى.

стр. 891

٤- أن يستفتح الدعاء بحمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ ، ثم يدعو بما شاء، فعن فُضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ قال «سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يمجِّد الله تعالى ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عجَّل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فلْيبدأ بتحميد ربِّه جلَّ وعزَّ والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعدُ بما شاء» رواه أبو داود والطبراني والترمذي وأحمد. وإذا استفتح الدعاء بـ[سبحان ربيَ العليِّ الأعلى الوهاب] فحسن، لما رُوي أن سلمة بن الأكوع قال «ما سمعتُ النبي ﷺ يستفتح دعاءً إلا استفتحه بـ سبحان ربيَ العليِّ الأعلى الوهاب» رواه الحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي. ٥- أن يرفع يديه إذا دعاجاعلاً باطن كفيه تجاه وجهه، وأن لا يجاوز بهما وجهه، وإذا فرغ من الدعاء مسح بهما وجهه، لما روى سلمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «إن ربكم حييٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردَّهما صفراً، أو قال خائبتين» رواه ابن ماجة وأبو داود وابن حِبَّان والطبراني. ولما رُوي عن عمير مولى أبي اللحم «أنه رأى رسول الله ﷺ يستسقي عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء، قائماً يدعو يستسقي، رافعاً كفيه لا يجاوز بهما رأسه، مقبلاً بباطن كفِّه إلى وجهه» رواه ابن حِبَّان وأحمد وأبو داود. ولما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال «كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسح بهما وجهه، قال محمد بن المثنى في حديثه: لم يردَّهما حتى يمسح بهما وجهه» رواه الترمذي، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء.

стр. 892

٦- أن يكرر الدعاء ثلاثاً، فعن ابن مسعود ﵁ قال «كان النبي ﷺ يعجبه أن يدعو ثلاثاً ويستغفر ثلاثاً» رواه أحمد وأبو داود. ٧- يقول عقب الدعاء آمين، فقد مرَّ الحديث الذي رواه أبو داود من طريق أبي زهير في بحث [التأمين في الصلاة] فصل [صفة الصلاة] وفيه «فقال النبي ﷺ : أَوجبَ إنْ خَتَم، فقال رجل من القوم: بأيِّ شئ يختم؟ قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب ... » . وأنا هنا أدعو الله سبحانه أن يتقبَّل مني ما كتبت في كتابي هذا، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وأن يلقى من القراء الرضا والقبول، إنه سميع الدعاء آمين. الفصل التاسع صلوات مفروضة عدا الصلوات الخمس ١. صلاة العيدين حكمها ووقتها إختلفت آراء الفقهاء وتشعَّبت حول حكم صلاة العيدين، فمنهم من أوجبها على الأعيان، ومنهم من اعتبرها سُنَّة مؤكَّدة، ومنهم من اعتبرها فرض كفاية، وهو الصحيح، وذلك لعدة أمور أذكر منها ما يلي:

стр. 893

١- إن صلاة العيدين هي من شعائر الإسلام وأَعلامه، ويَبعدُ أن تُبْنى شعائر الإسلام وأعلامه على مندوبات يمكن فعلها كما يمكن تركها، ولا يستقيم الحال إلا باعتبار هذه الشعيرة وهذا الشعار من فروض الدين، وهذه الشعيرة - صلاة العيدين - قد رتَّب الإسلام عليها مناسك لا يُقام بها حتى يُقام بهذه الشعيرة، ففي الحج مناسكُ كثيرةٌ منها ذبح الأضاحي يوم العيد، وهذا المنسك وهو الذبح يتوقف القيام به على القيام بشعيرة صلاة العيد، ولا يُتصور أن تكون صلاة العيد مندوبة، أي فيها قابلية العمل والترك، فتتعطَّل بتركها مناسك الحج، فعن البراء بن عازب ﵁ قال «خطبنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: من صلى صلاتنا ونسك نُسُكنا فقد أصاب النُسُك، ومن نَسَك قبل الصلاة فإنه قبل الصلاة، ولا نُسُك له ... » رواه البخاري. وفي رواية أخرى له من الطريق نفسها «إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنَّتَنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ليس من النُّسُك في شئ ... » . وقال تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الآية ٢ من سورة الكوثر.

стр. 894

٢- إن الشرع فرض فروضاً وجعل أداءها واجباً لا بد منه، وجعل الفروض أعلى من المندوبات، فإنْ أمر الشرع بفرضٍ من هذه الفروض، ثم رأيناه يَقْبل بأداء فعلٍ آخر بدله دل ذلك على أن الفعل الآخر هذا فرضٌ هو الآخر، وإلا لما أغنى عن الفرض الأول، لأن المندوب دون الفرض منزلةً، ولا يَحِلُّ المندوب محلَّ الفرض ولا يسدُّ مسدَّه، فلا يسد مسدَّ الفرض إلا فرضٌ مثله، وهذه القاعدة يسهل فهمها وقبولها. وقد فرض الشرع صلاة الظهر، ثم رأيناه يأمر بأداء صلاة الجمعة في يوم الجمعة بدل صلاة الظهر، ففهمنا من ذلك أن صلاة الجمعة فرض، وإلا لما سدَّت مسدَّ صلاة الظهر المفروضة، ثم رأينا الشرع يأمر بأداء صلاة العيدين في يوم الجمعة لتُبطِلَ صلاةُ العيدين فرض صلاة الجمعة في يوم الجمعة، بمعنى أن من صلَّى صلاة العيدين في يوم جمعة فقد سقط عنه فرض الجمعة، ألا يُفهم من هذا أن صلاة العيدين لولا أنها مفروضة لما حلَّت محل صلاة الجمعة، ولما أسقطت فرض صلاة الجمعة؟ وهل تُسقط صلاةٌ مندوبةٌ فرضَ صلاةٍ مفروضةٍ؟ عن وهب بن كيسان قال «شهدت ابن الزبير بمكة وهو أمير، فوافق يومُ فطر أو أضحى يومَ الجمعة، فأخَّر الخروج حتى ارتفع النهار، فخرج وصعد المنبر فخطب وأطال، ثم صلى ركعتين ولم يصلِّ الجمعة، فعاب عليه ناسٌ من بني أمية بن عبد شمس، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: أصاب ابن الزبير السُّنة، وبلغ ابن الزبير فقال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا» رواه ابن خُزيمة والنَّسائي. ورواه أبو داود دون قوله في آخر الحديث (وبلغ ابن الزبير ... ) . وعن إياس بن أبي رملة الشامي قال «سمعت رجلاً سأل زيد بن أرقم: هل شهدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف كان يصنع؟ قال: صلى العيد ثم رخَّص في الجمعة، ثم قال: من شاء أن يصلي فليصلِّ» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد. وعن ابن عباس ﵁ عن رسول الله -

стр. 895

صلى الله عليه وسلم - أنه قال «اجتمع عيدان في يومكم هذا، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مُجَمِّعون إن شاء الله» رواه ابن ماجة. ورواه ابن ماجة أيضاً وأبو داود والحاكم من طريق أبي هريرة. ودلالة هذه النصوص واضحة. ٣- إن الشرع لم يُوجب على النساء الخروج من بيوتهن لأداء الصلوات المكتوبات، وحثهن على أداء هذه الصلوات في بيوتهن، وهذا ينطبق على الصلوات الخمس كما ينطبق على صلاة الجمعة، فأداء النساء في بيوتهن للصلوات المفروضة أفضل من أدائهن لهذه الصلوات في المساجد، وهذا حكمٌ عام لم يُكسر إلا مع صلاة العيدين فحسب، فقد وجدنا الشرع يأمر ويحثُّ ويُلحُّ أيضاً على خروج النساء من بيوتهن لأداء صلاة العيدين، وبلغ من شدة الحث أن الشرع لم يستثن أية امرأة، فقد أمر بخروج الشابات والصغيرات والكبيرات وحتى الحُيَّض منهن، وحتى من لا تملك جلباباً تخرج فيه أن تستعير جلباباً من امرأة أخرى، فعلى ماذا يدل كلُّ هذا؟ هل يُطلب من النساء تركُ أداءِ الصلوات المفروضات وصلاة الجمعة في المساجد وأداؤُها في بيوتهن، ثم عندما رأيناه يَطلب خروج النساء لأداء صلاة العيدين نقول إن صلاة العيدين مندوبة مستحبة فحسب؟ إن هذا بعيد عن الصواب، ولا يُتصور أن يأمر الشرع النساء بأن يؤدِّين الفروض في البيوت، ثم يأمرهنَّ بالخروج لأداء المندوب. إنَّ ذلك كله ليدلُّ على أن صلاة العيدين فرض واجب، فعن أم عطية ﵂ قالت «كنا نُؤمر أن نَخرج يوم العيد، حتى نُخرِج البكر من خِدرها، حتى نُخرج الحُيَّضَ فيكنَّ خلف الناس، فيُكبِّرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطُهْرته» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية ثانية للبخاري عن أم عطية قالت «أُمِرنا أن نُخرج العواتق وذوات الخدور» . وروى البخاري عن حفصة ﵂ نحوه، وزاد «قالت العواتق وذوات الخدور ويعتزل الحُيَّض المصلى» . وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم عن أم عطية قالت «أُمِرنا أن

стр. 896

نخرج، فنُخرج الحُيَّض والعواتق وذوات الخدور - قال ابن عون أو العواتق ذوات الخدور - فأما الحُيَّض فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزلن مصلاهم» . وعن أم عطية ﵂ قالت «أَمَرنا رسول الله ﷺ أن نُخرجهنَّ في الفطر والأضحى العواتقَ والحُيَّضَ وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لِتُلْبسها أُختُها من جلبابها» رواه مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي. قوله العواتق: أي الشَّابات الصغيرات اللواتي بلغن المحيض. وقوله ذوات الخدور: أي المُخَدَّرات المستورات اللاتي لا يظهرن ولا يغادرن بيوتهن عادة إلا لحاجة وضرورة. أما أنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية وليست فرض عين، فلأنَّ هذه الصلاة لا يُنادَى لها بأذان ولا إقامة، فربما تمت هذه الصلاة وكثيرٌ من الناس مشغولون عنها لم يُذَكِّرهم بها مؤذن ولا مقيم، ولو كانت مفروضة على الجميع لشُرع لها الأذان والإقامة لجلب الناس لها، فعن جابر بن سمرة ﵁ قال «صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي وابن خُزيمة. وعن عطاء قال أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري «أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة» رواه مسلم. وفي رواية ثانية لمسلم وأحمد وأبي داود والنَّسائي من طريق جابر بن عبد الله ﵁ جاء «قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ... » . ولو كانت مفروضة على الأعيان لنُودي بها حتى لا يتخلف عنها أحد.

стр. 897

أما وقت صلاة العيدين فهو كوقت صلاة الضحى، يبدأ حين ترتفع الشمس وتبيضُّ، ويستمر حتى زوال الشمس، أي حتى تتوسط الشمس قُبَّة السماء عند الظهيرة. فعن يزيد بن حمير الرحبي قال «خرج عبد الله بن بُسر صاحبُ رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام فقال: إنَّا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح» رواه أبو داود وابن ماجة. قوله وذلك حين التسبيح: أي عند انتهاء وقت كراهة الصلاة، وبدء جواز الصلاة كالضحى ومطلق النوافل.

стр. 898

ونقول بعبارة أخرى إن وقت صلاة العيدين يبدأ عند ارتفاع الشمس وتحوُّل لونها إلى البياض في أول النهار، ويستمر الجواز حتى منتصف النهار، فإنْ لم تُؤدَّ صلاة العيدين في هذا الوقت لسبب طارئ، أُدِّيت في الوقت نفسه من الغد، ولا يصح أداؤها بعد منتصف النهار بحال، لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومةٍ له من أصحاب النبي ﷺ «أن ركباً جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» رواه أبو داود وأحمد. ورواه النَّسائي ولفظه «إن قوماً رأوا الهلال، فأتوا النبي ﷺ ، فأمرهم أن يفطروا بعدما ارتفع النهار، وأن يخرجوا إلى العيد من الغد» . ورواه ابن ماجة وابن أبي شيبة بلفظ «أُغمي علينا هلالُ شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» . فلو كانت صلاة العيدين جائزة بعد منتصف النهار لصلاها رسول الله ﷺ عندما غُمَّ عليهم الهلال، وعلموا من الركب في اليوم التالي بدء الإفطار في وقت قدوم الركب «بعدما ارتفع النهار» ، «جاء ركبٌ من آخر النهار» ، فالتبليغ كان بين منتصف النهار وآخره ولم تغرب الشمس بعد، ومع ذلك أجَّل رسول الله ﷺ صلاة عيد الفطر إلى صباح اليوم التالي. صفة صلاة العيدين

стр. 899

صلاة العيدين ركعتان يكبِّر في الركعة الأولى سبع تكبيرات متتاليات منها تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة، ثم سورة ق والقرآن المجيد أو سورة سبح اسم ربك الأعلى، وإن قرأ غيرهما فجائز، ثم يكبر تكبيرة الركوع، ثم يكبِّر فيعتدل، ثم يكبر للسجود، ثم يجلس جلسة قصيرة، ثم يكبِّر للسجود، ثم يكبِّر للقيام، ثم يكبِّر خمس تكبيرات متتاليات، ثم يقرأ الفاتحة، ثم سورة اقتربت الساعة أو سورة الغاشية، وإن قرأ غيرهما فجائز، ثم يفعل ما فعل في الركعة الأولى. وهاتان الركعتان تُؤدَّيان جماعةً يَجهر فيهما الإمامُ بالقراءة. وإنما قلنا سبع تكبيرات متتاليات، وخمس تكبيرات متتاليات، لنبين تتالي التكبيرات لا يفصل بين الواحدة والأخرى فاصلٌ، ولا سكوتٌ يتخلله ذكر، كما يقول بذلك عدد من الفقهاء. وإنما قلنا سبع تكبيرات متتاليات منها تكبيرة الإحرام، لنبين أن تكبيرة الإحرام داخلة في هذه التكبيرات السبع، وليست خارجة عنها كما يقول بذلك عدد من الفقهاء.

стр. 900

وهذه التكبيرات سُنة مستحبَّةٌ من تركها لا إثم عليه ولا تبطل صلاته، فعن عمر ﵁ قال «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى» رواه ابن خُزَيمة وابن ماجة والبيهقي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ﷺ كبَّر في عيدٍ ثِنْتي عشرةَ تكبيرةً، سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة، ولم يُصلِّ قبلها ولا بعدها» رواه أحمد والدارقطني والبيهقي. ورواه أبو داود وفيه التكبيرُ في الفطر، سبعٌ في الأولى وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل أبا واقد الليثي «ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي ومالك. وعن سَمُرَة ابن جُنْدُب ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية» رواه أحمد والطبراني. وعن النعمان بن بشير ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين - وقال مرة في العيد - بـ سبِّح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، فإن وافق ذلك يوم الجمعة قرأ بهما» رواه ابن خُزَيمة والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان. وبعد أن ينتهي الإمام من الصلاة يقف أمام المصلين، ويُستحب أن يحمل بيده عصاً أو قوساً، ثم يخطب خطبتين كخطبتي الجمعة يعظ فيهما الناس، حاثاً إياهم على التصدُّق في عيد الفطر، ومبيناً لهم حكم الأضحية وحاثاً عليها في عيد الأضحى، ولا بأس بالإكثار من التكبيرات في أثناء الخطبة.

стр. 901

وخطبة العيدين سُنَّة، لهذا لا يجب على المصلين الجلوسُ لها والاستماع إليها، بل يُندب ذلك فحسب، فعن عبد الله بن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في الأضحى والفطر، ثم يخطب بعد الصلاة» رواه البخاري. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «إن النبي ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة» رواه البخاري. وعن ابن عباس ﵁ قال «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن ابن مسعود قال «إن رسول الله ﷺ كان يخطب الخطبتين وهو قائم، وكان يفصل بينهما بجلوس» رواه ابن خُزَيمة. وعن البراء ﵁ «أن النبي ﷺ نُووِل يوم العيد قوساً فخطب عليه» رواه أبو داود. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال «من السُنة أن يكبِّر الإمام على المنبر على العيدين تسعاً قبل الخطبة وسبعاً بعدها» رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.

стр. 902

وعن البراء بن عازب ﵁ قال «كنا جلوساً في المُصلَّى يوم أضحى، فأتانا رسول الله ﷺ ، فسلَّم على الناس ثم قال: إن أول نُسُكِ يومكم هذا، الصلاةُ، قال فتقدم فصلى ركعتين ثم سلم، ثم استقبل الناس بوجهه، وأُعطي قوساً أو عصا فاتَّكأ عليه، فحمد الله وأثنى عليه، وأمرهم ونهاهم وقال: مَن كان منكم عجَّل ذبحاً فإنما هي جَزْرَةٌ أطعمه أهله، إنما الذبح بعد الصلاة ... » رواه أحمد والطبراني. قوله جَزْرَة: أي شاةٌ مذبوحة. وعن ابن عباس ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ ، فصلى عند دار كثير بن الصلت ركعتين، ثم خطب لم يذكر أذاناً ولا إقامة» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكِّئاً على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكَّرهن فقال: تصدقن فإن أكثركنَّ حَصَبُ جهنم، فقامت امرأة من سِطةِ النساء سفعاءُ الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنكنُّ تُكْثِرن الشَّكاةَ وتَكْفُرن العشير، قال: فجعلن يتصدَّقن من حُليِّهن، يُلقين في ثوب بلال من أقراطهنَّ وخواتمهن» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. قوله: من سِطة النساء: أي من أوساط النساء حسباً ونسباً. وقوله سفعاءُ الخدين: أي بخدَّيها اسوداد وتغيُّر في اللون. وقوله تُكْثِرن الشَّكاة: أي تُكْثِرن الشكوى والتذمر. وقوله تَكْفُرن العشير: أي تجحدن إحسان الزوج. وقوله أقراطهنَّ: أقراطٌ جمع قُرط وهو ما يُعَلَّق بالآذان للتزيُّن. وعن عبد الله بن السائب ﵁ قال «حضرتُ رسولَ الله ﷺ يوم عيد، صلى وقال: قد قضينا الصلاة فمن شاء جلس للخطبة، ومن شاء أن يذهب ذهب» رواه ابن

стр. 903

خُزَيمة والبيهقي وأبو داود والنَّسائي. وقد كان الرسول ﷺ إذا فرغ من خطبة الرجال ذهب إلى مُصلَّى النساء، فوعظهن وذكَّرهن وأمرهن بالصدقة، أي أنه كان يخطب في الرجال ثم يذهب يخطب في النساء، كما جاء ذلك واضحاً في حديث مسلم وأحمد وأبي داود والنَّسائي من طريق جابر بن عبد الله المار قبل قليل «ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكَّرهن فقال: تصدَّقْن» . وكما جاء ذلك واضحاً أيضاً في حديث رواه البخاري من طريق ابن عباس ﵁ قال «خرجت مع النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن وذكَّرهن وأمرهن بالصدقة» . وكذلك كان الخلفاء يفعلون. ولما كان الحالُ في السابق لا يمكِّن الإمامَ من أن يُوصل صوته للنساء الجالسات في المؤخرة، أي خلف جموع الرجال الضخمة التي حضرت إلى المصلى من كل صوب، لشدة الحث على صلاة العيدين، كان الإمام ينزل إليهن ويقترب من جمعهن ويخطب فيهن، ولو كان صوته يصل إلى مسامع النساء لما احتاج إلى النزول إليهن. وقد جاء هذا المعنى فيما رُوي عن ابن عباس ﵁ أنه قال «أشهد على رسول الله ﷺ لَصلَّى قبل الخطبة، قال ثم خطب، فرأى أنه لم يُسمع النساء، فأتاهن فذكَّرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة، وبلال قائل بثوبه، فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخُرص والشئ» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والبيهقي. قوله الخُرص: أي الحلقة من الذهب أو الفضة، أو هو القُرط بحبة واحدة. لهذا أقول إنه مع وجود مكبِّرات الصوت الآن، فإن الإمام يكفيه أن يوجِّه بعض كلامه إلى النساء دونما حاجة إلى النزول إليهن، أي يخصص الإمام جزءاً من خطبته لهنَّ.

стр. 904

إن الأصل في صلاة العيدين أن تُؤدَّى في المُصلَّى، أي في خارج المدينة وليس في مساجدها، فعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطرٍ إلى المُصلَّى، فصلى بهم ثم انصرف» رواه ابن خُزَيمة. وعن بكر بن مُبَشِّر الأنصاري ﵁ قال «كنت أغدو مع أصحاب رسول الله ﷺ إلى المُصلَّى يوم الفطر ويوم الأضحى، فنسلك بطن بطحان حتى نأتي المُصلَّى، فنصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا» رواه أبو داود والحاكم والبغوي. وقد مرت في بحثنا هذا أحاديث تذكر خروج رسول الله ﷺ إلى المُصلَّى، فيمكن مراجعتها. أما إن حال دون الصلاة في المصلى حائل ومانع كمطر أو قيظ يضرُّ بالمصلِّين فلا بأس من أدائها في المساجد، فعن أبي يحيى عبيد الله التيمي عن أبي هريرة «أنهم أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي ﷺ العيد في المسجد» رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ويُسنُّ أن يتخذ الإمام في صلاة العيدين سُترة يصلي إليها، وقد كان رسول الله ﷺ يحرص على اتخاذ سُترة لصلاة العيدين، فعن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ كان تُركَزُ الحربةُ قُدَّامه يوم الفطر والنَّحر ثم يصلي» رواه البخاري. ورواه ابن خُزَيمة وزاد «وكان يخطب بعد الصلاة» . وفي رواية ثانية عن ابن عمر ﵁ أنه قال «كان النبي ﷺ يغدو إلى المُصلَّى والعَنَزَةُ بين يديه تُحمَل وتُنْصَب بالمُصلَّى بين يديه فيصلي إليها» رواه البخاري. وقد مرَّ مزيد بحث في موضوع اتخاذ السُّترة في بحث [السُّترة للمُصلِّي] فصل [القِبلة والسُّترة] . التكبير في العيدين

стр. 905

التكبير سُنَّة مستحبَّة مشروعة في أيام التشريق لقوله ﴿وَاذْكُرُوْا اللهَ في أَيَّامٍ مَعْدُوْدَاتٍ ... ﴾ الآية ٢٠٣ من سورة البقرة، والأيام المعدودات هي أيام التشريق، ذكر ذلك ابن عباس ﵁ فيما رواه عنه الطبري في تفسيره من عدة طرق. ويدخل عيد الأضحى في هذه الأيام لمماثلته لها من حيث تشريق اللحم والأكل والشرب، وعلى ذلك فالتكبير مشروع من صبيحة يوم عيد الأضحى إلى آخر أيام التشريق. ويصح أن يُبدأ به صبيحةَ يوم عرفة لما روى محمد بن أبى بكر الثَّقفي قال «سألت أنساً ونحن غاديان من مِنى إلى عرفات عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي ﷺ ؟ قال: كان يُلبِّي المُلبِّي لا يُنكَر عليه، ويكبِّر المكبِّر فلا يُنكَرُ عليه» رواه البخاري. وروى ابن أبي شيبة والبيهقي والحاكم عن علي ﵁ «أنه كان يكبِّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبِّر بعد العصر» . وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس «أنه كان يكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبِّر في المغرب، يقول: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر ولله الحمد» هذا في عيد الأضحى. أما في عيد الفطر فيبدأ التكبير من بعد غروب شمس آخر أيام رمضان، ويستمر حتى صلاة العيد من ضحى يوم العيد، لقوله ﴿ ... يُرِيْدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ وَلا يُرِيْدُ بِكُمْ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوْا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوْا اللهََ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ﴾ الآية ١٨٥ من سورة البقرة. أما صيغة التكبير في العيدين، فإنه لم ترد أية صيغة برواية صحيحة ولا حسنة من قول رسول الله ﷺ ، وكل ما ورد فيها رواياتٌ عن الصحابة أصحُّها إسناداً وأَوْلاها بالأخذ الصيغة التالية:

стр. 906

[الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد] ، وقد رواها ابن أبي شيبة وابن المنذر عن علي وعبد الله بن مسعود ﵄. وهناك صيغة ثانية رواها ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵁ هي [الله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً، الله أكبر وأجلُّ، الله أكبر ولله الحمد] ، وقد وردت قبل قليل.وعلى كلٍّ فالأمر في هذا موسَّع. والتكبير غير مختصٍّ بالصلوات المكتوبات وغير المكتوبات، وإنما هو تكبير مطلق في كل وقت وعلى أية حال، للرجال وللنساء على السواء، لأنه لم يرد أي تقييد معتبر للتكبير في العيدين. سُنَنُ العيدين الأخرى ١- الأكل في العيد: يُسن الأكل في عيد الفطر قبل الخروج إلى المصلى، وفي عيد الأضحى بعد الصلاة، فيأكل من أُضحيته إن كانت له أُضحية، ويُسنُّ أكلُ التمْرِ في عيد الفطر، وأن يتناول منه حبَّاتٍ وتراً، فعن أنس ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، وفي رواية عنه أضاف: ويأكلهن وِتْراً» رواه البخاري وأحمد وابن حِبَّان والحاكم وابن خُزَيمة. وعن بُرَيدة الأسلمي ﵁ قال «كان النبي ﷺ يوم الفطر لا يخرج حتى يَطْعَم، ويوم النحر لا يَطْعَمُ حتى يرجع» رواه أحمد والترمذي وابن ماجة. ورواه ابن خُزَيمة بلفظ «إنَّ رسول الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يَطْعَم، ولا يَطْعَم يوم النحر حتى يذبح» . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «كان رسول الله ﷺ يفطر يوم الفطر قبل أن يخرج، وكان لا يصلي قبل الصلاة، فإذا قضى صلاته صلَّى ركعتين» رواه أحمد والحاكم. ورواه ابن خُزَيمة وابن ماجة وجاء فيه «فإذا رجع صلى في بيته ركعتين» .

стр. 907

وباختصار أقول: إن السُّنة في يوم الفطر أن يأكل المسلم شيئاً من الطعام ثم يخرج إلى المُصلَّى، وإنَّ السُّنة في يوم الأضحى أن يخرج المسلم إلى المصلى أولاً فيصلي، ثم يعود إلى بيته فيأكل من أُضحيته إن كانت له أُضحية، أو يأكل من طعام بيته. ٢- مخالفة الطريق في العيد: يُسن للإمام وللمأمومين أن يذهبوا إلى المُصلَّى من طريق، ويعودوا منه إلى بيوتهم من طريق أخرى، فعن جابر ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق» رواه البخاري. وعن ابن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يخرج إلى العيدين من طريق ويرجع من طريق أخرى» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم والبيهقي. وعن أبي هريرة ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيدين رجع في غير الطريق الذي خرج فيه» رواه أحمد والترمذي وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبيهقي.

стр. 908

٣- الغناء في العيد: يسن الغناء والضرب بالدُّفوف والنفخ بالمزامير والرقص بالسلاح في العيد، ويُسن إظهار الفرح والسرور فيه، ولا بأس بأن يصحب الإمامَ وهو خارج إلى المُصلَّى ناسٌ من المُغنين يغنون ويرقصون حول الإمام أو وراءه. فعن عائشة ﵂ قالت «دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزاميرُ الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر إنَّ لكل قوم عيداً وهذا عيدنا» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعنها ﵂ قالت «جاء حبشٌ يَزْفِنُون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي ﷺ ، فوضعت يدي على منكبه فجعلت أنظر إلى لَعِبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. قوله جاء حبش يزفِنون: أي جاء الأحباش وهم جماعة من أصل حبشي يرقصون بالحِراب. وعن قيس بن سعد بن عبادة قال «.. إن رسول الله ﷺ كان يُقَلَّسُ له يومَ الفطر» رواه أحمد وابن ماجة. ولابن ماجة من طريق عامر قال «شهد عياض الأشعري عيداً بالأنبار فقال: لا أراكم تُقَلِّسُون كما كان يُقَلَّس عند رسول الله ﷺ » . قوله يُقَلَّس، وتقلِّسون: أي يُضْرَب بالدُّف ويُغنَّى.

стр. 909

٤- وقوف الإمام للناس عَقِبَ صلاة العيدين: يُستحب للإمام إذا صلى صلاة العيدين أن يتمهَّل في الانصراف حتى ينصرف الناس، فينظر إليهم ويتفقد أحوالهم ويسلِّم عليهم، فعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ قائماً في السوق يوم العيد ينظر والناس يمرُّون» رواه أحمد. ورواه الطبراني ولفظه «رأيت رسول الله ﷺ إذا انصرف من العيدين أتى وسط المُصلَّى، فقام فنظر إلى الناس كيف ينصرفون وكيف سِمَتُهم، ثم يقف ساعة ثم ينصرف» .

стр. 910

٥- عدم الصلاة قبل صلاة العيدين وبعدها في المُصلَّى: ليست لصلاة العيدين سُنة قبلية ولا بعدية، وحتى التَّنفُّلُ في المصلى، فإنه غير مُستحَب. أما إن كانت الصلاة في المسجد، فإنَّ الاستحباب يبقى قائماً لأداء تحية المسجد، فالمسجد له تحية عند دخوله، أما العراء والصحراء والمُصلَّى فلا تحية لها. فالمسلم إذا أتى إلى المُصلَّى جلس ولم يُصلِّ، ثم إذا صلى العيدين واستمع إلى الخطبة انصرف دون أن يصلي في المُصلَّى أية ركعة. هذه هي السُّنة في العيدين، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المُصلَّى، فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه أو يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف» رواه البخاري. ورواه مسلم وأحمد بنحوه. وعن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة فجعلن يُلقين، تُلْقي المرأة خُرْصَها وسِخابَها» رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن خُزَيمة وأبو داود. قوله خُرصها وسِخابها: الخُرص هو الحلقة الصغيرة من الحلي، والسِّخاب هي القلادة. وعن ابن عمر ﵄ «أنه خرج يوم عيد فلم يصلِّ قبلها ولا بعدها، فذكر أن النبي ﷺ فعله» رواه أحمد والترمذي والحاكم. ٢. صلاة الجنازة حكم صلاة الجنازة صلاة الجنازة فرضٌ على الكفاية، وذلك أنها حق من حقوق الأموات على الأحياء، فيجب على الأحياء أداء هذا الحق للأموات كسائر الحقوق في الإسلام. وقد صلَّى الرسول ﷺ هذه الصلاة، وداوم هو عليها إلا في حالات ثلاث: أ- ألغالِّ أي الخائن لأموال المسلمين. ب- المدين الذي لم يترك مالاً للسَّداد، ولم يتطوَّع أحدٌ لسداد دَيْنه.

стр. 911

ج - قاتل نفسه أي المنتحر. هؤلاء الثلاثة امتنع رسول الله ﷺ عن الصلاة عليهم بنفسه، ولكنه أذن للمسلمين بها. أما عن الأول فقد روى زيد بن خالد الجُهَني ﵁ «أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكر لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خَرَزاً من خرز اليهود ما يساوي درهمين» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. وأما عن الثاني فقد رُوي عن أبي قتادة ﵁ قال «أُتي النبيُّ ﷺ بجنازة ليصلي عليها فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم دينارين، قال: ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، قال: فصلُّوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: هما إليَّ يا رسول الله، قال فصلى عليه رسول الله ﷺ » رواه ابن حِبَّان والنَّسائي. وعن أبي هريرة ﵁ قال «كان الرجل على عهد رسول الله ﷺ إذا مات وعليه دين سأل هل له وفاءٌ، فإذا قيل نعم صلى عليه، وإذا قيل لا، قال: صلُّوا على صاحبكم، فلما فتح الله على رسوله ﷺ الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك ديْناً فعليَّ، ومن ترك مالاً فللوارث» رواه ابن حِبَّان والنَّسائي. وأما عن الثالث فقد رُوي أن جابر بن سمرة ﵁ قال «مات رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله مات فلان، قال: لم يمت، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فأخبره، فقال له النبي ﷺ : كيف مات؟ قال: نحر نفسه بِمِشْقَصٍ، قال فلم يصل عليه» . وفي رواية قال «إذن لا أُصلِّي عليه» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي.

стр. 912

هذه هي الحالات الثلاث التي امتنع فيها رسول الله ﷺ عن الصلاة على الأموات وأَذِنَ لغيره من المسلمين بالصلاة عليهم. وسيأتي بعد قليل حكم الصلاة على شهيد المعركة مع الكفار ، وأن ذلك غير واجب وغير مندوب، ولكن هذه الحالة ليست حالة رابعة تضاف إلى الحالات الثلاث السابقة، وإنما هي متميِّزة بأنها الحالة التي يستغني فيها الشهيد عن الصلاة عليه بما نال من أجر ومنزلة عند ربه، وأنه لم يبق له حق على الأحياء بالصلاة عليه لأجل ذلك، فلا يصلي عليه الأحياء لا وجوباً ولا ندباً. إن المسلمين مأمورون بالصلاة على الميت ما دام مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لما روى أنس بن مالك رصي الله عنه قال «كان شابٌّ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: أفتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال فجعل ينظر إلى أبيه فقال: قل كما يقول لك محمد، قال ثم مات، فقال النبي ﷺ : صلوا على صاحبكم» رواه ابن أبي شيبة. وهذه الصلاة هي فرضٌ على الكفاية، وهو قول الجمهور، فلو صلَّى على الميت شخصٌ واحدٌ لكفى، ولَسَقط الإثم عن الآخرين. حكمُ الصلاة على شهيد المعركة مع الكفار

стр. 913

وإنما قلت [على شهيد المعركة مع الكفار] لأُخْرِج من هذا الحكم من يُقتل في حرب البغاة لأنها حرب بين مسلمين والقتيل فيها غير شهيد، وكذلك يخرج من هذا الحكم من يُقتل في غير الجهاد ولو كان القتل بفعل كافر، كأن يَقتل كافرٌ مسلماً في نزاع وشجار بينهما، ويخرج من هذا الحكم أيضاً من خرجوا للجهاد في سبيل الله فماتوا بالطاعون أو بالغرق أو بداء البطن أو بغير ذلك من الحوادث والأمراض، وإن كانوا عند الله شهداء. فيبقى مَن يقتل في المعركة من قبل الكفار فحسب، فهذا هو الشهيد الذي يجري البحث عن حكم الصلاة عليه، ويلحق به طبعاً من يُجرح في المعركة مع الكفار ثم يموت متأثراً بجراحه، ولو تأخَّر موته أياماً أو أسابيع أو شهوراً، لأن واقعه أنه قُتل في المعركة مع الكفار ولكنْ تأخر خروج روحه فترة طالت أو قصرت. هذا الشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه، بل يُدفن بثيابه وما لُطخت به من الدماء دون صلاة. فالصلاة على الشهيد غير واجبة ولا حتى مندوبة، وهي جائزة فقط، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسَّلوا ولم يُصلَّ عليهم» . وفي رواية أخرى «ولم يُصلِّ عليهم ولم يُغَسِّلهم» رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. ورواه أحمد بلفظ «إنه قال في قتلى أحد لا تُغسِّلوهم، فإن كل جرح أو كلَّ دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم» .

стр. 914

أما الأحاديث المرويَّة عن تغسيل شهداء أُحُد والصلاة عليهم، فكلها لا تخلو من مقال، وفيها علة وضعف، فلا تصمد أمام هذا الحديث الصحيح. فيبقى حديث عقبة بن عامر ﵁ وهو «أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم ... » رواه البخاري ومسلم. قوله إني فَرَطٌ لكم: مأخوذ من الفرط وهو من يسبق الناس إلى مورد الماء ليُهيِّئ لهم الحياض ويملأها بالماء، وهو هنا بمعنى أني متقدمكم إلى الحوض أو الكوثر في الجنة وستَرِدُون عليَّ. فهذا الحديث صحيح، وفيه أن الرسول ﷺ قد صلى على شهداء أحد، إلا أن هذه الصلاة منه ﵊ ليست للغاية نفسها من صلوات الجنائز، وإنما هي توديع منه لهؤلاء الشهداء قبل أن يموت، فهي أشبه بتحية المودِّع للموتى، فعن عقبة بن عامر الجُهَني قال «صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحد بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فَرَط وأنا عليكم شهيد ... » رواه البخاري ومسلم. فهذه الرواية توضح أن صلاته على شهداء أحُد كانت وقفة وداع لهؤلاء الشهداء. فالشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه. الصلاة على الأموات المسلمين

стр. 915

إن شهيد المعركة مع الكفار هو الحالة الوحيدة المستثناة من وجوب الصلاة على الأموات المسلمين، فكل مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يجب على المسلمين أن يُصلُّوا عليه، لا فرق بين التقي والشقي، ولا بين الكبير والصغير، ولا بين العدل والفاسق، وحتى القاتل والمنتحر ومرتكب الكبيرة يجب على الأحياء أن يصلوا عليهم، والسِّقط - وهو الطفل الذي وُلد ميتاً أو مات عقب ولادته مباشرة - تجب الصلاة عليه هو الآخر ما دام إنساناً ذا روح، أي ولد عن أربعة أشهر فما فوق، لأن نفخ روحه يحصل عقب الأشهر الأربعة وهو في بطن أمه، وعند نفخ الروح يصبح إنساناً، فإن مات بعدئذٍ وجبت الصلاة عليه، فعن بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق الصدوق قال «إن أحدكم يُجمع خَلْقُه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله مَلَكاً فيُؤمر بأربع كلمات، ويُقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وعن المغيرة بن شُعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «السِّقط يُصلَّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان والترمذي. أما ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «لقد تُوفِّي إبراهيم بن رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً فلم يُصَلِّ عليه» رواه أحمد والبزَّار وأبو يعلى. فإن هذا الحديث منكر، قاله أحمد، وقال ابن عبد البر: لا يصح. فلا يُستشهد به.
следующие страницы →