Полный текст (1 205 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ج - قاتل نفسه أي المنتحر.
هؤلاء الثلاثة امتنع رسول الله ﷺ عن الصلاة عليهم بنفسه، ولكنه أذن للمسلمين بها.
أما عن الأول فقد روى زيد بن خالد الجُهَني ﵁ «أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكر لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتَّشنا متاعه فوجدنا فيه خَرَزاً من خرز اليهود ما يساوي درهمين» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة.
وأما عن الثاني فقد رُوي عن أبي قتادة ﵁ قال «أُتي النبيُّ ﷺ بجنازة ليصلي عليها فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم دينارين، قال: ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، قال: فصلُّوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: هما إليَّ يا رسول الله، قال فصلى عليه رسول الله ﷺ » رواه ابن حِبَّان والنَّسائي. وعن أبي هريرة ﵁ قال «كان الرجل على عهد رسول الله ﷺ إذا مات وعليه دين سأل هل له وفاءٌ، فإذا قيل نعم صلى عليه، وإذا قيل لا، قال: صلُّوا على صاحبكم، فلما فتح الله على رسوله ﷺ الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك ديْناً فعليَّ، ومن ترك مالاً فللوارث» رواه ابن حِبَّان والنَّسائي.
وأما عن الثالث فقد رُوي أن جابر بن سمرة ﵁ قال «مات رجل على عهد رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله مات فلان، قال: لم يمت، ثم أتاه الثانية ثم الثالثة فأخبره، فقال له النبي ﷺ : كيف مات؟ قال: نحر نفسه بِمِشْقَصٍ، قال فلم يصل عليه» . وفي رواية قال «إذن لا أُصلِّي عليه» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي.
стр. 912
هذه هي الحالات الثلاث التي امتنع فيها رسول الله ﷺ عن الصلاة على الأموات وأَذِنَ لغيره من المسلمين بالصلاة عليهم.
وسيأتي بعد قليل حكم الصلاة على شهيد المعركة مع الكفار ، وأن ذلك غير واجب وغير مندوب، ولكن هذه الحالة ليست حالة رابعة تضاف إلى الحالات الثلاث السابقة، وإنما هي متميِّزة بأنها الحالة التي يستغني فيها الشهيد عن الصلاة عليه بما نال من أجر ومنزلة عند ربه، وأنه لم يبق له حق على الأحياء بالصلاة عليه لأجل ذلك، فلا يصلي عليه الأحياء لا وجوباً ولا ندباً.
إن المسلمين مأمورون بالصلاة على الميت ما دام مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لما روى أنس بن مالك رصي الله عنه قال «كان شابٌّ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: أفتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال فجعل ينظر إلى أبيه فقال: قل كما يقول لك محمد، قال ثم مات، فقال النبي ﷺ : صلوا على صاحبكم» رواه ابن أبي شيبة. وهذه الصلاة هي فرضٌ على الكفاية، وهو قول الجمهور، فلو صلَّى على الميت شخصٌ واحدٌ لكفى، ولَسَقط الإثم عن الآخرين.
حكمُ الصلاة على شهيد المعركة مع الكفار
стр. 913
وإنما قلت [على شهيد المعركة مع الكفار] لأُخْرِج من هذا الحكم من يُقتل في حرب البغاة لأنها حرب بين مسلمين والقتيل فيها غير شهيد، وكذلك يخرج من هذا الحكم من يُقتل في غير الجهاد ولو كان القتل بفعل كافر، كأن يَقتل كافرٌ مسلماً في نزاع وشجار بينهما، ويخرج من هذا الحكم أيضاً من خرجوا للجهاد في سبيل الله فماتوا بالطاعون أو بالغرق أو بداء البطن أو بغير ذلك من الحوادث والأمراض، وإن كانوا عند الله شهداء. فيبقى مَن يقتل في المعركة من قبل الكفار فحسب، فهذا هو الشهيد الذي يجري البحث عن حكم الصلاة عليه، ويلحق به طبعاً من يُجرح في المعركة مع الكفار ثم يموت متأثراً بجراحه، ولو تأخَّر موته أياماً أو أسابيع أو شهوراً، لأن واقعه أنه قُتل في المعركة مع الكفار ولكنْ تأخر خروج روحه فترة طالت أو قصرت.
هذا الشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه، بل يُدفن بثيابه وما لُطخت به من الدماء دون صلاة. فالصلاة على الشهيد غير واجبة ولا حتى مندوبة، وهي جائزة فقط، فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أُحُد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسَّلوا ولم يُصلَّ عليهم» . وفي رواية أخرى «ولم يُصلِّ عليهم ولم يُغَسِّلهم» رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. ورواه أحمد بلفظ «إنه قال في قتلى أحد لا تُغسِّلوهم، فإن كل جرح أو كلَّ دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم» .
стр. 914
أما الأحاديث المرويَّة عن تغسيل شهداء أُحُد والصلاة عليهم، فكلها لا تخلو من مقال، وفيها علة وضعف، فلا تصمد أمام هذا الحديث الصحيح. فيبقى حديث عقبة بن عامر ﵁ وهو «أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيد عليكم ... » رواه البخاري ومسلم. قوله إني فَرَطٌ لكم: مأخوذ من الفرط وهو من يسبق الناس إلى مورد الماء ليُهيِّئ لهم الحياض ويملأها بالماء، وهو هنا بمعنى أني متقدمكم إلى الحوض أو الكوثر في الجنة وستَرِدُون عليَّ. فهذا الحديث صحيح، وفيه أن الرسول ﷺ قد صلى على شهداء أحد، إلا أن هذه الصلاة منه ﵊ ليست للغاية نفسها من صلوات الجنائز، وإنما هي توديع منه لهؤلاء الشهداء قبل أن يموت، فهي أشبه بتحية المودِّع للموتى، فعن عقبة بن عامر الجُهَني قال «صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحد بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فَرَط وأنا عليكم شهيد ... » رواه البخاري ومسلم. فهذه الرواية توضح أن صلاته على شهداء أحُد كانت وقفة وداع لهؤلاء الشهداء. فالشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه.
الصلاة على الأموات المسلمين
стр. 915
إن شهيد المعركة مع الكفار هو الحالة الوحيدة المستثناة من وجوب الصلاة على الأموات المسلمين، فكل مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يجب على المسلمين أن يُصلُّوا عليه، لا فرق بين التقي والشقي، ولا بين الكبير والصغير، ولا بين العدل والفاسق، وحتى القاتل والمنتحر ومرتكب الكبيرة يجب على الأحياء أن يصلوا عليهم، والسِّقط - وهو الطفل الذي وُلد ميتاً أو مات عقب ولادته مباشرة - تجب الصلاة عليه هو الآخر ما دام إنساناً ذا روح، أي ولد عن أربعة أشهر فما فوق، لأن نفخ روحه يحصل عقب الأشهر الأربعة وهو في بطن أمه، وعند نفخ الروح يصبح إنساناً، فإن مات بعدئذٍ وجبت الصلاة عليه، فعن بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق الصدوق قال «إن أحدكم يُجمع خَلْقُه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله مَلَكاً فيُؤمر بأربع كلمات، ويُقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وعن المغيرة بن شُعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «السِّقط يُصلَّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان والترمذي.
أما ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت «لقد تُوفِّي إبراهيم بن رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً فلم يُصَلِّ عليه» رواه أحمد والبزَّار وأبو يعلى. فإن هذا الحديث منكر، قاله أحمد، وقال ابن عبد البر: لا يصح. فلا يُستشهد به.
стр. 916
وتُشرع الصلاةُ على مَن قُتل في حدٍّ من حدود الله سبحانه، كمن قَتَل نفساً فقُتل، أو زنى وهو مُحصَن فرُجم، فعن عمران بن حصين ﵁ «أن امرأة من جهينة اعترفت عند رسول الله ﷺ بزنا، وقالت أنا حبلى، فدعا النبي ﷺ وليها فقال: أَحسنْ إليها، فإذا وضعَتْ فأخبرني، ففعل، فأمر بها النبي ﷺ فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمر برجمها فرُجمت، ثم صلى عليها ... » رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. قوله فشُكَّت: أي فشُدَّت، كي لا تتكشف عند رجمها بالحجارة. وعن جابر ﵁ «أن رجلاً من أسلم جاء النبي ﷺ فأعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي ﷺ ، حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي ﷺ : أبك جنون؟ قال: لا، قال: أُحْصِنْتَ؟ قال: نعم، فأمر به فرُجِم بالمُصلَّى، فلما أذلقته الحجارة فرَّ، فأُدرك فرُجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيراً وصلى عليه» رواه البخاري. قوله أذلقته الحجارة: أي بلغت الحجارة منه الجهد والشدة. وروى ابن أبي شيبة عن النعمان «أن رسول الله ﷺ صلى على ولد الزنا، وعلى أمه ماتت في نفاسها» .
فصلاة الجنازة مشروعة على جميع أموات المسلمين مهما كانت معاصيهم وأحوالهم، باستثناء شهيد المعركة مع الكفار كما سبق بيانه.
الصلاة على الغائب
стр. 917
تُشرع الصلاة على الميت الغائب إطلاقاً، سواء مات من زمن قريب أو من زمن بعيد، وسواء مات في أرض الإسلام ودولة الإسلام أو مات في دار الكفر وبلاد الكفار، وسواء صلى عليه من قبلُ ناسٌ أو لم يصلِّ عليه أحد، وسواء دُفن في قبره أو لم يدفن بعد. فالصلاة مشروعة على الغائب مطلقاً دون تقييدٍ بزمان أو مكان أو حالة. فقد روى حذيفة بن أسيد ﵁ «أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم فقال: صلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: صَحْمةُ النجاشي، فقاموا فصلوا عليه» رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود الطيالسي. وعن الشعبي قال «أخبرني من مرَّ مع رسول الله ﷺ على قبر منبوذٍ، فأمَّهم وصفوا خلفه، فقلت: يا أبا عمرو ومَن حدَّثك؟ قال: ابن عباس» رواه أحمد ومسلم. ورواه البخاري ولفظه «عن ابن عباس ﵁ قال: أَتى رسولُ الله ﷺ قبراً فقالوا: هذا دُفن أو دُفنت البارحة، قال ابن عباس ﵁: فصففنا خلفه، ثم صلى عليها» . ورواه أبو داود بلفظ «أن رسول الله ﷺ مرَّ بقبرٍ رطبٍ، فصفُّوا عليه وكبَّر أربعاً» . وعن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ صلى على قبرٍ بعد شهر» رواه البيهقي والدارقطني. وعن أبي هريرة ﵁ «أن أسود، رجلاً أو امرأة، كان يَقُمُّ المسجد فمات، ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: أفلا آذنتموني؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا، قصَّته، قال فحقُّروا شأنه، قال: فدلُّوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة وابن حِبَّان.
فضلُ الصلاة على الجنازة واتباعها
стр. 918
من تبع جنازة من بدء سيرها وخروجها من بيت أهلها حتى يُصلَّي عليها نال أجراً يَعِْدل وزن الجبل العظيم، فليحرص المسلم على المشي في الجنائز والصلاة عليها، وإن هو استمرَّ في المشي في الجنازة حتى تُوارى التراب نال أجراً يعدل وزن جبلين عظيمين، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من شهد الجنازة حتى يصلِّي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تُدفن كان له قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وفي رواية أخرى لمسلم بلفظ «عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من صلى على جنازة ولم يَتْبَعْها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: أصغرُهما مثل أُحُد» . وكما يحصل الثواب بالمشي في الجنازة، فإنه يحصل بالركوب في سيارة أو بركوب دابَّة، فالماشي كالراكب في اتِّباع الجنازة.
الصلاة على الميت في المسجد
стр. 919
كان رسول الله ﷺ والصحابة من بعده يصلُّون على الميت في المُصلَّى، أي في المكان الذي كانوا يصلُّون فيه صلاة العيدين، وقَلَّما كانوا يصلون على الميت في المسجد، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المُصلَّى فصفَّ بهم، وكبَّر عليه أربع تكبيرات» رواه البخاري ومالك. وروى عباد بن عبد الله بن الزبير «أن عائشة أمرت أن يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلَّى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجة. وفي رواية أخرى عند مسلم والبيهقي من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير يحدِّث عن عائشة ﵂ «أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيُصَلِّين عليه ففعلوا، فوُقِف به على حُجَرِهن يصلين عليه، أُخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمَرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد» .
стр. 920
وأما ما روى صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من صلى على جنازة في المسجد فليس له شئ» رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي. ورواه ابن أبي شيبة ولفظه «فلا صلاة له» . ورواه أبو داود ولفظه «فلا شئ له» . فإنَّ هذا الحديث مداره على صالح مولى التوأمة، اختلط في آخر عمره، وضعفه أحمد، وقال عنه ابن القطان ومالك والنَّسائي إنه ليس ثقةً، فيطرح حديثه. وعليه فإنا نقول إن الأَولى أن يُصلى على الجنائز في المُصلَّى، وتجوز الصلاة في المساجد دون إثم ودون حرج.
موقفُ الإمام من الرجل ومن المرأة
стр. 921
يُشرع أن يقف الإمام في صلاة الجنازة حيال رأس الرجل وأعالي صدره، وحيال وسط المرأة وعند عَجِيزتِها، هذا إن كانت الجنازة واحدة، أما إن تعددت الجنائز فكما يلي: إذا كانوا أمواتاً عدة صُفُّوا بحيث يكون الواحد أمام الآخر، ثم وقف الإمام حذاءَ رأس الأدنى إليه منهم، وصلى عليهم جميعاً صلاة واحدة، فإن كانوا رجلاً وامرأة وطفلاً معاً جُعل الرجل مما يلي الإمام، ثم جُعل الطفل أمام الرجل ثم جُعلت المرأة أمام الطفل مما يلي القِبلة، ثم صلى الإمام عليهم جميعاً صلاة واحدة، فعن سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ قال «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ورواه مسلم بلفظ «صليت خلف النبي ﷺ ، وصلى على أم كعب ماتت وهي نُفَسَاء، فقام رسول الله ﷺ عليها وسطها» . وعن أبي غالب - الحفاظ - عن أنس بن مالك ﵁ «أنه أُتي بجنازةِ رجلٍ، فقام عند رأس السرير، ثم أُتي بجنازة امرأة فقام أسفل من ذلك حذاء السرير، فلما صلى قال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم من الرجل والمرأة نحواً مما رأيتك فعلت؟ قال: نعم، قال فأقبل علينا العلاء بن زياد فقال: احفظوا» رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والطحاوي. ورواه أبو داود ولفظه «فقام عند عَجِيزتِها» . ورواه البيهقي ولفظه «فقام أسفلَ من ذلك حذاء السرير يعني وسط المرأة» . قوله عَجِيزتِها: أي مُؤَخَّرتِها، وتعني وسط المرأة. وعن عطاء بن أبى رباح عن عمار - مولى الحارث ابن نوفل - قال «حضرت جنازة صبي وامرأة، فقُدِّم الصبي مما يلي القوم، ووُضعت المرأة وراءه، فصلى عليهما، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة، فسألتهم عن ذلك فقالوا: السُّنَّة» رواه النَّسائي وأبو داود والبيهقي. قوله وُضعت المرأة
стр. 922
وراءه: أي وُضع نعش المرأة وراء نعش الصبي.
وإذا كان الصبي مسجَّى على جنبه الأيمن، فإن المرأة تكون آنذاك أمامه مما يلي القِبلة، يشهد لذلك ما رواه النَّسائي عن نافع «أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً، فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القِبلة، فصفَّهن صفاً واحداً، ووُضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد، وُضعا جميعاً، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوُضع الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل: فأنكرتُ ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنَّة» .
استحبابُ كثرةِ المصلين وكثرةِ الصفوف
стр. 923
يُندب أن يصلي على الجنازة جمعٌ غفير لا يقلون عن أربعين، فإن بلغوا المائة فهو زيادة فضل وخير، كما يندب أن يصطفَّ المصلُّون في ثلاثة صفوف على الأقل، وإن كان المصلون من أهل الصلاح والتقوى كان ذلك أرجى لقبول تشفُّعِهم في الميت، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يُشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه» رواه مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حِبَّان. وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال «ما من ميت تصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفِّعوا فيه» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي وابن حِبَّان. وعن مالك بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمةٌ من المسلمين بلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غُفر له» رواه أحمد والترمذي. ورواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي. ورواه أبو داود بلفظ «ما مِن مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب، قال: فكان مالك إذا استقلَّ أهلَ الجنازة جزَّأهم ثلاثة صفوف، للحديث» .
صفةُ صلاة الجنازة
стр. 924
يقف الإمام والناسُ صفوفٌ خلفه، فيكبِّر رافعاً يديه، ثم يقرأ الفاتحة، ولا بأس بقراءة سورة بعدها، ثم يكبِّر ثانية رافعاً يديه، فيصلي على النبي ﷺ ، والأَولى أن يقول الصلاة الإبراهيمية، ثم يكبِّر ثالثة رافعاً يديه، فيدعو للميت بإخلاص طالباً له المغفرة والرحمة، وإن هو دعا بأحد الأدعية المأثورة كان أفضل، ثم يكبِّر التكبيرة الرابعة ثم يسلم عن يمينه، وإن هو سلَّم أيضاً عن شماله كان أفضل، ويُسِرُّ في الصلاة ولا يجهر. هذه هي الصفة الفضلى للصلاة على الجنازة. ويجوز جمع الصلاة على النبي ﷺ مع الفاتحة والسورة، كما يجوز أيضاً جمع الدعاء إليها لتكون كلها عقب التكبيرة الأولى، ثم يكبر ثلاثاً دون قراءة أو ذكر أو دعاء. فالمشروع الواجب هو قراءة الفاتحة عقب التكبيرة الأولى، ثم ثلاث تكبيرات أخرى، وباقي الترتيب مُوسَّع يختار منه المصلي ما يشاء. والصلاة على الرسول ﷺ تصحُّ بأية صيغة، ولكن الصلاة الإبراهيمية المشروعة في جلوس التشهد في الصلاة أفضل وأولى. ويجوز أن تكون صلاة الجنازة جهرية، ولكن الإسرار بها أفضل، ويجوز أن يكون التكبير خمساً وستاً وسبعاً. وهذه هي الأدلة على صفة صلاة الجنازة:
أ- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلُمَّ فصلُّوا عليه، قال: فصففنا، فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف» رواه البخاري ومسلم.
ب- عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبَّر عليها أربعاً وسلَّم تسليمة» رواه البيهقي والدارقطني.
ج- عن ابن مسعود ﵁ قال «خِلالٌ كان يفعلهن رسول الله ﷺ تركهنَّ الناس، إحداهنَّ تسليم الإمام في الجنازة مثل تسليمه في الصلاة» رواه الطبراني والبيهقي.
стр. 925
د- عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال «صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب قال: ليعلموا أنها سُنَّة» رواه البخاري وأبو داود والشافعي والترمذي وابن حِبَّان. ورواه النَّسائي ولفظه «فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمَعَنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال سُنَّةٌ وحق» . وفي روايةٍ عند الحاكم بلفظ « ... ثم انصرف فقال: يا أيها الناس، إني لم أقرأ علناً إلا لتعلموا أنها السُّنة» . قوله سُنَّة والسُّنة هنا: أي طريقة الإسلام، وليس بمعنى النافلة أو التطوُّع.
هـ- عن أبي أُمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ «أن السُّنة في الصلاة على الجنازة أن يكبِّر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، لا يقرأ في شئ منهن، ثم يُسلِّم سراً في نفسه» رواه البيهقي والشافعي وعبد الرزاق وأبو داود الطيالسي. وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر.
و عن نافع عن ابن عمر ﵁ «أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبير الجنازة، وإذا قام بين الركعتين يعني في المكتوبة» رواه البيهقي والشافعي. ورُوي الرفع عن أنس وعن ابن عباس أيضاً.
ز- عن أبي هريرة ﵁ قال «نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي، ثم تقدَّم فصفوا خلفه، فكبَّر أربعاً» رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
ح - عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ صلى على أَصْحمة النجاشي فكبَّر أربعاً» رواه البخاري ومسلم.
ط - عن عبد الأعلى قال «صليت خلف زيد بن أرقم ﵁ على جنازة، فكبَّر خمساً، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبى ليلى، فأخذ بيده فقال: نسيت، قال: لا ولكن صليت خلف أبى القاسم خليلي فكبَّر خمساً، فلا أتركها» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي.
стр. 926
ي - عن أبي وائل قال «كانوا يكبِّرون على عهد رسول الله ﷺ سبعاً وخمساً وستاً، أو قال أربعاً، فجمع عمر بن الخطاب ﵁ أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخبر كلُّ رجلٍ بما رأى، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلاة» رواه البيهقي.
ك - عن شرحبيل بن سعد قال «حضرت عبد الله بن عباس صلى بنا على جنازة بالأبواء، وكبَّر ثمَّ قرأ بأم القرآن رافعاً صوته بها، ثم صلى على النبي ﷺ ثم قال: اللهم عبدُك وابنُ عبدك وابنُ أمتك يشهد أن لا إله إلا الله وحدك لا شريك لك ويشهد أن محمداً عبدك ورسولك أصبح فقيراً إلى رحمتك وأصبحتَ غنياً عن عذابه، تَخلَّى من الدنيا وأهلها، إن كان زاكياً فزكِّه، وإن كان مخطئاً فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضِلَّنا بعده، ثم كبر ثلاث تكبيرات ثم انصرف، فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ علناً إلا لتعلموا أنها السُّنة» رواه الحاكم. وشرحبيل ضعفه ناس ووثَّقه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة وابن معين، فيصلح للاستدلال.
الدعاء للميت
يصح الدعاء بأية صيغة فيها طلب الرحمة والمغفرة للميت، والتشفُّع له بإخلاص، إلا أن الدعاء بالمأثور أفضل، وهذه ثلاث صيغٍ للدعاء على الميت مروية عن رسول الله ﷺ :
أ- اللهم اغفر له وارحمه، وعافِهِ واْعفُ عنه، وأَكْرِمْ نُزُلَه ووسِّع مُدْخَله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما نقَّيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدلْه داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأَعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار.
ب- اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييتَه منا فأَحْيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضِلَّنا بعده.
стр. 927
ج- اللهم عبدُك وابنُ عبدِك، كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به مني، إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فاغفر له، ولا تحرمنا أجره ولا تَفتنَّا بعده.
دليل الدعاء الأول ما رواه عوف بن مالك ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأَكرم نُزُله ووسِّع مُدْخَلَه، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأَبْدِله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأَعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار» رواه مسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
ودليل الدعاء الثاني ما رواه أبو هريرة ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييتَه منا فأَحْيِه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تَحْرمنا أجره ولا تُضلَّنا بعده» رواه ابن ماجة. ورواه أحمد والترمذي إلى «فتوفَّه على الإيمان» ورواه أبو داود وابن حِبَّان بألفاظ مختلفة.
ودليل الدعاء الثالث ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «أنه كان إذا صلى على جنازة يقول: اللهم عبدُك وابنُ عبدِك كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدُك ورسولُك، وأنت أعلم به مني، إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مُسيئاً فاغفر له، ولا تحرمنا أجره ولا تَفتِنَّا بعده» رواه ابن حِبَّان. ورواه مالك موقوفاً على أبي هريرة.
стр. 928
وإني أرى أن الدعائين الأول والثالث يُدعى بأحدهما إن كان الميت بالغاً، ذكراً كان أو امرأة، أما إن كان الميت سِقْطاً أو طفلاً دون البلوغ فيُدعى بالدعاء الثاني. ويمكن أن يُدعى بالدعاء التالي أيضاً [اللهم اجعله لنا سَلَفَاً وفَرَطاً وأجْراً] . فعن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ «أنه كان يصلي على المنفوس الذي لم يعمل خطيئة قط، ويقول: اللهم اجعله لنا سَلَفَاً وفَرَطاً وذُخراً» وفي لفظٍ ثانٍ «وأجراً» بدل (وذخراً) رواه البيهقي.
والأصل في الدعاء للميت أن يكون بإخلاص علَّ اللهَ أن يتقبل الدعاء ويُشفِّع صاحبه في الميت، وبدون الإخلاص في الدعاء لا يكون شئ من ذلك، وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود وابن ماجة وابن حِبَّان.
وهذه الأدعية جاءت كلها بصيغة المذكَّر، وهي تصلح للذكور والإناث دون تغيير، فيُدعى بها كما وردت سواء كان الميت ذكراً أو أنثى، ويكون الدعاء على إرادة الشخص المُتوفَّى، وهو يشمل الجنسين.
لا بدَّ لصلاة الجنازة من طهارة كاملة
هناك عدد من الفقهاء يجيزون صلاة الجنازة بدون وضوء معتبرين أنها ليست صلاة، وإنما هي دعاء، أو صيغة وهيئة من صيغ الدعاء وهيئاته، والدعاء لا يلزمه الوضوء ولا الطهارة. فنقول لهؤلاء: لقد ابتعدتم كثيراً عن الحق والصواب، لأن صلاة الجنازة هي فعلاً صلاةٌ كسائر الصلوات، تبتدئ بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالتسليم، ويُقْرأ فيها بفاتحة الكتاب، وتُؤدَّى كما تُؤدَّى الصلوات جماعةً وغير جماعة، فإن كانت جماعة فلها إمام ومأمومون يصطفُّون خلفه يقتدون به في صلاته.
стр. 929
وقد وردت الأحاديث الكثيرة الناطقة بوصفها صلاة، ويكفي الحديث المروي على لسان الرسول ﷺ «صلوا على صاحبكم» . وحديث النجاشي «فصلُّوا عليه فصففنا، فصلى النبي ﷺ عليه ونحن صفوف» . ولا حاجة بنا لمزيد بيان، فالقضية هي من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى وِقفةٍ أكثر من هذه.
٣. صلاةُ الجُمُعَة
صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلمٍ ذكرٍ، وكل من يتخلف عنها ثلاث مرات بدون عذر أو تهاوناً بها يطبع الله سبحانه على قلبه، ويكون عنده من الغافلين ومن المنافقين. وهي ركعتان اثنتان عاديتان تُودَّيان جماعة، يسبقهما قيام الإمام بإلقاء خطبتين بينهما جلسة قصيرة، وتُوديَّان جهراً. ومن صلى ركعتي الجمعة كانتا له كفارة لما بينهما وبين الجمعة السابقة من معاصٍ وآثامٍ سوى الكبائر، وهذه هي أدلة ما سقناه من أحكام:
١- قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ. فَإذَا قُضِيَت الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوْا في الأَرْضِ وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوْا اللهَ كَثِيْرَاً لَعَلَّكُمْ تَفْلِحُوْنَ﴾ الآيتان ٩ و ١٠ من سورة الجمعة.
٢- عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵄، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره «لَينتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدَعِهم الجمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» رواه مسلم والدارمي. ورواه أحمد والنَّسائي وابن حِبَّان من طريق ابن عمر وابن عباس ﵄.
٣- عن عبد الله - بن مسعود ﵁ «أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُحَرِّقَ على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» رواه أحمد ومسلم والحاكم.
стр. 930
٤- عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال «من ترك الجمعة ثلاث مِرارٍ من غير عذر طبع الله على قلبه» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة وابن ماجة والحاكم. وروى ابن حِبَّان وأحمد وأبو داود والنّسائي والترمذي من طريق أبي الجعد الضمري أن رسول الله ﷺ قال «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه» . فجاء في هذه الرواية قوله «تهاوناً» . وروى ابن حِبَّان عن أبي الجعد الضمري أيضاً أنه قال: قال رسول الله ﷺ «من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق» .
٥- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ على لسان محمد ﷺ » رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان. وفي سنده انقطاع بين عمر والراوي عنه ابن أبي ليلى، إلا أن البيهقي وصله بأن ذكر بينهما كعب بن عجرة فصار الحديث صالحاً للاستدلال. غير أن البيهقي لم يذكر [على لسان محمد ... ] وإنما روى الحديث موقوفاً على عمر.
٦- عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طُهْر، ويدَّهن من دُهنه أو يمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتِب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري. ورواه مسلم وأحمد باختلافٍ في اللفظ. ولمسلم وأحمد وابن حِبَّان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصى فقد لغا» .
стр. 931
٧- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «الجمعة إلى الجمعة كفارةُ ما بينهما ما لم تُغْشَ الكبائر» رواه ابن ماجة.
٨- عن حفصة زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ قال «رَواحُ الجمعة واجب على كل محتلم» رواه النَّسائي.
٩- عن جابر بن سمرة ﵁ قال «كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكِّر الناس» رواه مسلم. فهذه النصوص بمجموعها تدلُّ على الأحكام الواردة، ووجه الاستدلال بها ظاهر، وسيأتي مزيدٌ من الأدلة والتوضيحات على بعض هذه الأحكام في الأبحاث اللاحقة بإذن الله سبحانه.
على من تجب الجمعة
تجب صلاة الجمعة على أهل الأمصار، أي على سكان المدن والقرى والتجمعات السكنية، ولا تجب على الخارجين عنها البعيدين عن سماع الأذان، ويمكن تقدير مسافة البعد عن المِصر بثلاثة أميال، أي بحوالي خمسة كيلومترات تقريباً، فمن ابتعد عن حدود المدينة أو القرية هذه المسافة فإنه لا جُمعة عليه، لأنه لا يسمع الأذان في العادة، والمقصود بالأذان هنا الأذان دون مكبِّرات الصوت أو المُذاع من الإذاعات، وإنما الأذان بالصوت البشري العادي، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: «إنما الجمعة على من سمع النداء» رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد لا بأس به. وروى عمرو بن شعيب «أن عبد الله بن عمرو بن العاص يكون بالوهط فلا يشهد الجمعة مع الناس بالطائف، وإنما بينه وبين الطائف أربعة أميال أو ثلاثة» رواه عبد الرزاق. وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال «لا جُمُعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ» رواه ابن المنذر وابن أبي شيبة. وقال ابن قدامة ( ... كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها النبي ﷺ ، ولو كان ذلك لم يَخْفَ ... ) .
стр. 932
وتجب الجمعة على كل مسلم: إلا المريض والصبي والمرأة والعبد والمسافر، والمعذور لعذرٍ كالمطر والوحل والبرد الشديد والخوف على النفس أو المال أو الأهل، وكذلك المحبوس. ومن صلى صلاة العيد في يوم جمعة أجزأته عن صلاة الجمعة، ويجوز له أن يصلِّي الصلاتين. وهذا الحكم الأخير ينسحب على المأموم، أما الإمام فأنه يُسنُّ له أن يصلي الجمعة إِضافة لصلاة العيد، وذلك ليشهدها معه من تخلفوا عن صلاة العيد ومن أرادوا أداءها ممن صلوا صلاة العيد.
стр. 933
ويجوز للمقيم في المصر أن يسافر في يوم الجمعة قبل حلول وقت صلاة الجمعة، أما في وقت الصلاة فلا يحل له السفر، لأن صلاة الجمعة تكون قد وجبت عليه فلا يحل له تركها، فعن طارق بن شهاب عن النبي ﷺ قال «الجمعة حقٌ واجبٌ على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» رواه أبو داود مرسلاً ووصله الحاكم. فقد رواه عنده طارق بن شهاب عن أبي موسى ﵁، فالحديث صحيح. وروى عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «ليس على المسافر جمعة» . وهو مرسَل صحابي، ومراسيل الصحابة صالحة للاحتجاج، لأن جميع الصحابة عدول. ومثله الحديث المرسَل الذي رواه ابن أبي شيبة وأبو داود عن ابن أبي ذئب قال «رأيت ابن شهاب - الزُّهري - يريد أن يسافر يوم الجمعة ضَحْوَةً، فقلت له: تسافر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ سافر يوم الجمعة» . وروى الشافعي في مسنده «أن عمر بن الخطاب أبصر رجلاً على هيئة السفر، فسمعه يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجتُ، فقال عمر: أُخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر» . وهذا الأثر وإن كان قولاً لعمر إلا أنه يبعد أن يقوله عمر من عند نفسه، وعلى أية حال فإن قول الصحابي حكم شرعي يصح أخذه والعمل به. وعن أبي مليح بن أسامة عن أبيه قال «أصاب الناس في يوم جمعة، يعني مطراً، فأمر النبي ﷺ أن الصلاة اليوم أو الجمعة اليوم في الرِّحال» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والبيهقي. قوله في الرِّحال: أي في البيوت والمساكن. وقد جاءت روايات تذكر البيوت نصاً، فعن عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين قال «قال ابن عباس لمؤذِّنه في يوم مطير: إذا قلتَ أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حيَّ على الصلاة، قل صلوا في بيوتكم، فكأنَّ الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشون في
стр. 934
الطين والدَّحْض» رواه البخاري ومسلم وأبو داود. قوله الدَّحْض: أي الزلق. فهذا القول والفعل من ابن عباس يدلان على أن المطر والطين من أعذار ترك الجمعة، ويدل قوله «وإني كرهت أن أُحْرِجكم» على العلة لترك الجمعة عند المطر والطين، وهي المشقة وحصول الحرج.
ومن الأعذار أيضاً الريح الشديدة والبرد الشديد لما رواه نافع عن ابن عمر قال «كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم» رواه ابن ماجة ومالك. ولا يقال إن هذا الحديث جاء نصاً في الليل فهو قيد، وهو أيضاً في صلاة الجماعة وليس في صلاة الجمعة، لا يقال ذلك، لأن الاستدلال هنا هو في اعتبار البرد والريح والمطر أعذاراً، وما دامت هذه الثلاثة أعذاراً، فإنها تنسحب على صلاة الجمعة لأن العذر عذر، ولا تفريق في النصوص بين عذر الجماعة وعذر الجمعة، ومما يشهد لهذا الفهم ما رواه ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» رواه ابن ماجة. فهنا جاء النداء عاماً، وجاء العذر عاماً، فقصر الأعذار على ترك الجماعة دون الجمعة غير صحيح.
والخوف عذر، والخوف يكون على النفس من عدو أو حيوان كاسر أو سيل جارف أو ... ، ويكون على المال، ويكون على الأهل، فأي خوف وُجد من هذه الأصناف اندرج تحت عذر الخوف المبيح لترك الجمعة، فعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتِّباعه عذر، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تُقبل منه الصلاة التي صلى» رواه أبو داود. والحبس عذر، لأنه يحول دون تمكُّن المحبوس من أن يشهد الجمعة، والأمر ظاهر.
стр. 935
أما أنَّ مَن صلى صلاة العيد في يوم جمعة فإن صلاة الجمعة لا تجب عليه، وتجزئ صلاة العيد عنها، فتجدون بحث هذه المسألة في البند ٢ من بحث [صلاة العيدين ـ حكمُها ووقتُها] .
وقت صلاة الجمعة
وقتُ صلاة الجمعة وقتُ صلاة الظهر، أي عندما تزول الشمس عن منتصف السماء جهة الغرب، فقد روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال «كنا نُجَمِّعُ مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفئ» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» رواه البخاري وأحمد والترمذي.
وكما كان يفعل الرسول ﷺ بخصوص صلاة الظهر من تأخيرها أيام الحر الشديد وتقديمها أيام البرد فكذلك كان يفعل بخصوص صلاة الجمعة، فقد كان يُعَجِّل الصلاة عند البرد ويؤخرها عند اشتداد الحرِّ، فعن أنس بن مالك ﵁ قال «كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرُّ أبْرَدَ بالصلاة، يعني الجمعة» رواه البخاري وابن خُزَيمة.
النداء لصلاة الجمعة
كان الأذان لصلاة الجمعة واحداً زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وكان هذا الأذان يُرفع عند اعتلاء الإمام المنبر، ولم يكن يُرفع أذان آخر غيره، إلى أن جاء عثمان ﵁ وكثر الناس، فزاد أذاناً آخر قبل هذا الأذان لإعلام الناس بقرب موعد صلاة الجمعة، وهذا الأذان إضافةً إلى الأذان الأول لا يزال معمولاً به حتى اليوم. فالأذان زمن رسول الله ﷺ وزمن صاحبيه أبي بكر وعمر هو الأذان الثاني المعمول به حالياً، والأذان الذي زاده عثمان هو الأذان الأول في أيامنا هذه.
стр. 936
وقد كان رسول الله ﷺ يدخل المسجد لصلاة الجمعة ثم يعتلي المنبر، فيقف المؤذن فوراً ويرفع الأذان في المسجد، وكان ذلك عند بدء وقت الصلاة، فوقت صلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان والإمام جالسٌ على المنبر، وليس عند رفع الأذان الأول، ولهذا نجد في بعض مناطق المسلمين اليوم من يرفع الأذان الأول قبل زوال الشمس بساعة زمنية فلكية ولم يكن وقت الجمعة قد دخل، ولا يُعتبر الوقت قد دخل إلا عند رفع الأذان الثاني، ولهذا فإنا نقول إن وجوب السعي لصلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان الثاني وليس عند الأذان الأول، وهذا الأذان الثاني هو المقصود من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٩ من سورة الجمعة. فعن السائب بن يزيد ﵁ قال «إن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام» رواه البخاري. قوله التأذين الثاني هنا: هو الأذان الأول. وجاء ذكره في بعض الروايات بأنه الأذان الثالث، والمقصود به الثالث بعد الأذان الأول ونداء الإقامة، فعن السائب بن يزيد ﵁ قال «إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر» رواه البخاري. ورواه أحمد ولفظه «كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ أذانين، حتى كان زمن عثمان فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزَّوْراء» . والخلط في وصف أذان عثمان آت من جهة الاعتبار، فإن اعتُبرت الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان الأذان الثالث، وإن لم تعتبر الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان
стр. 937
الأذان الثاني، وإن اعتُبر الترتيب في رفع النداء قيل زاد عثمان الأذان الأول.
وقد زاد عثمان ﵁ هذا الأذان لإعلام الناس مسبقاً حتى يتهيأوا للصلاة قبل حلول ميقاتها، وكان يرفعه في سوقٍ بالمدينة يقال لها الزَّوراء لتسمعه جموع الناس، أما الأذان الثاني في الترتيب الزمني فيُرفع في المسجد أو على باب المسجد، هكذا كان، فعن السائب بن يزيد ﵁ قال «كان يُؤذَّنُ بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، على باب المسجد، وأبي بكر وعمر» رواه أبو داود. والأمر المهم في هذا الموضوع هو أن الأذان الأول - وهو أذان عثمان - إنما كان يُرفع لتهيئة الناس للصلاة، ويكون قبل دخول وقت الوجوب، وأن الأذان الثاني المرفوع عند جلوس الإمام على المنبر هو الأذان المعتبر لوجوب السعي للصلاة وللإيذان بدخول الوقت. ولكن جمهرة المسلمين في عصرنا الراهن قد غيروا ميقات الأذان الأول، فجعلوه عند دخول وقت الوجوب وليس قبله كما كان الحال زمن عثمان، ولا مانع من ذلك ما دامت الصلاة لا تقام إلا بعد رفع الأذان الثاني كالمعتاد.
أما ما أحدثه الناس في أيامنا هذه من الذكر والدعاء قبل الأذان الأول فليس له أصل والأَوْلى تركه.
العدد الذي تجب فيه الجمعة
الجمعة كالجماعة تصح من اثنين فصاعداً، وكلما كان العدد أكبر كانت الجمعة أفضل، ولكن الاثنين ومن هم أكثر من اثنين حتى تجب عليهم الجمعة لا بُدَّ من أن يكونوا في المدينة أو في القرية أو في التجمُّع السكاني، وليس في البوادي والحقول والعراء، وذلك لأن أهل البوادي والصحراء والمزارع لا تجب عليهم الجمعة ولو كثروا، ولا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار كما ذكرنا من قبل.
стр. 938
أما ما اختلف فيه الفقهاء من الأعداد اللازمة لوجوب صلاة الجمعة فكلها اجتهادات فقهية غير مستنبطة من نصوص صالحة للاستدلال على ما ذهبوا إليه، فلم يثبت في عدد الجمعة حديث، إذ لم يثبت في شئ من الأحاديث تعيين عدد مخصوص، أعني اشتراط عددٍ مخصوصٍ لصحّة انعقاد الجمعة، وما ورد في الأحاديث من ذِكر الأعداد فإنه لا يخلو من أن يكون قد وقع اتفاقاً - أي واقعةَ عين - ولم يقع شرطاً، أو يكون قد ورد في روايات ضعيفة لا تصلح للاستدلال، فمثلاً:
١- عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه «كان أسعد أوّل من جمّعَ بنا في المدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ في هزْمٍ من حَرَّةِ بني بياضة في نقيعٍ يقال له الخَضِمات، قلت: وكم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً» رواه البيهقي والدارقطني. قوله - في هَزْم - الهزم هو ما استوى من الأرض. وقوله - حرّة بني بياضة - الحرّة هي الأرض المغطاة بالحجارة السوداء، وحرّة بني بياضة تقع على بعد ميل واحد من المدينة. والنقيع: البئر الكثيرة الماء.
٢- عن جابر «أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً» رواه مسلم والترمذي وأحمد.
فهذان النصَان ورد في أولها عدد الأربعين، وورد في ثانيهما عدد الاثني عشر، وقد ورد هذان العددان في النصين اتفاقاً ولم يردْ أيّ منهما كشرطٍ لوجوب الجمعة، وما يقع اتفاقاً لا يصلح مطلقاً ليكون شرطاً، فلا يؤخذ من هذين النصين أن صلاة الجمعة يشترط لها توفر الأربعين أو توفُّر الاثني عشر كما تقول الشافعية والمالكية والحنابلة. ومثلاً:
١- عن جابر قال «مضت السُّنَّة في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق جمعة وفطر وأضحى، وذلك أنهم جماعة» رواه أحمد والنسائي والدارقطني وابن حِبّان والبيهقي.
стр. 939
٢- عن أُمِّ عبد الله الدَّوْسِيَّة قالت: قال رسول الله ﷺ «الجمعة واجبةٌ على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» رواه البيهقي.
٣- عن أبي أُمامة أن النبي ﷺ قال «على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك» رواه الدارقطني.
فهذه ثلاثة نصوص وردت فيها الأعداد كشرط لصحة الجمعة ولكنها فوق كونها متناقضة هي نصوص ضعيفة الإسناد لا تصلح مطلقاً للاحتجاج فالنص الأول ضعّفه جمهرة الحفّاظ، وقال البيهقي (لا يُحْتَجُّ بمثله) والنص الثاني ضعّفه البيهقي نفسه والنص الثالث ضعّفه الدارقطني نفسه لأن في سنده جعفر بن الزبير قال الدارقطني: متروك. فهي أحاديث ضعيفة لا يحتج بها، ومن ثمّ لا تصلح للاستدلال.
أما ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز من أنه اشترط الأربعين في رواية واشترط الخمسين في رواية أخرى فلا يصلح للاستدلال، لأن أقوال التابعين ومَن بعدهم ليست أدلة على الأحكام الشرعية.
وباختصار أقول إن كل ما قيل من اشتراط العدد لا يدل عليه دليل معتبر.
إدراك ركعة من الجمعة لا بد منه لإدراك الجمعة
стр. 940
من أدرك ركعة من ركعتي الجمعة فقد أدرك صلاة الجمعة، وعليه أن يُتِمَّ صلاته بالإتيان بركعة ثانية فقط، أما من أدرك أقل من ركعة كأن أدرك الإمام وهو ساجد في الركعة الثانية، أو وهو جالس جلوس التشهد فإنه لا يكون قد أدرك صلاة الجمعة، ولذلك وجب عليه أن يصلي أربعاً هي صلاة الظهر، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» رواه الترمذي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أدرك من الجمعة ركعة فلْيصلِّ إليها أُخرى» رواه الحاكم. ولابن خُزَيمة بلفظ «من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» . وعن ابن مسعود ﵁ قال «من أدرك من الجمعة ركعة فلْيُضِف إليها أُخرى، ومن فاتته الركعتان فلْيصلِّ أربعاً» رواه الطبراني. قال الترمذي (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، قالوا: من أدرك ركعة من الجمعة صلَّى إليها أُخرى، ومن أدركهم جلوساً صلى أربعاً) .
التبكير في الحضور
стр. 941
يُسنُّ التبكير في الذهاب للمسجد لصلاة الجمعة، وأنَّ مَن أتى إليه في الساعة الأولى فكأنما تصدَّق بجمل، ومَن أتى إليه في الساعة الثانية فكأنما تصدق ببقرة، ومَن أتى إليه في الساعة الثالثة فكأنما تصدق بكبش، ومَن أتى إليه في الساعة الرابعة فكأنما تصدَّق بدجاجة، ومَن أتى إليه في الساعة الخامسة فكأنما تصدق ببيضة. وحيث أن الذي يأتي بعد حلول وقت الصلاة عند اعتلاء الإمام المنبر لا يكون مبكِّراً بحال، فإن الواجب القول إن التبكير يكون قبل حلول الوقت، أي قبل الزوال. فالحديث يندب المسلمين للتبكير إلى صلاة الجمعة قبل الزوال، وجعل الوقت مقسَّماً إلى خمسة أقسام أو ساعات، وجاء في بعض الروايات ذِكر ست ساعات، وهذه الساعات ليست هي الساعات التي نستعملها في أيامنا الراهنة، إذ لا يُتصوَّر أن تكون هذه الساعات هي الساعات الفلكية التي نعرفها اليوم، وإلا لوجب القول إن المبكِّر الأول يحضر في وقت شروق الشمس تقريباً، ولم يُرو عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من صحابته أنهم كانوا يحضرون لصلاة الجمعة عند شروق الشمس، فلم يبق إلا اعتبار هذه الساعات مجرَّد تقسيمات زمنية يُقدِّرُها عُرف الناس بالتبكير، ويقدرها قدوم الناس فعلاً لصلاة الجمعة، فنقول إن الفوج الأول من القادمين كأنما تصدَّقوا بجمل، والفوج الذين يلونهم كأنما تصدقوا ببقرة، وهكذا، ويبدأ العدُّ عند قدوم أول فوج من المصلين، وهذا القدوم يتقدم مرة ويتأخر مرة، فالعبرة بوقوع القدوم وليس بالتعيين الزمني المسبَق. وإني أرى أن لا يُعتدَّ بالقدوم إن كان حصل قبل ارتفاع الشمس عند الضحى، لأن ما قبل ذلك ليس وقت صلاة.
стр. 942
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من اغتسل يوم الجمعة غُسْل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأبو داود. قوله بَدَنةً: أي بعيراً ذكراً كان أو أُنثى. وقوله كبشاً أقرنَ: أي ذا قرنين. فالحديث ذكر ساعات التبكير قبل خروج الإمام أي قبل حصول وجوب السعي، لأن في هذه اللحظة تطوي الملائكة صحفها وتشرع في الاستماع للذكر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومَثَل المُهَجِّر كمثل الذي يُهدي بَدَنة، ثم كالذي يُهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طَوَوْا صحفهم ويستمعون الذكر» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي والدارمي. ورواه ابن ماجة ولفظه «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على قدر منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طَوَوْا الصحف واستمعوا الخطبة، فالمُهجِّر إلى الصلاة كالمُهدي بَدَنة، ثم الذي يليه كمُهدي بقرة، ثم الذي يليه كمُهدي كبش - حتى ذكر الدجاجة والبيضة، زاد سهل في حديثه - فمن جاء بعد ذلك فإنما يجئ بحقٍّ إلى الصلاة» . قوله المُهجِّر: أي الآتي في الهاجرة وهي وقت اشتداد الحر. وقوله خرج الإمام: أي صعد الإمام المنبر للخطبة. فهذا الحديث يدل فوق ما يدل عليه على أمرين اثنين: أن التبكير يكون قبل خروج الإمام، لأن الملائكة لا تكتب عند خروج الإمام، أي أن التبكير ينتهي وقته إذا خرج الإمام، والأمر الثاني هو أن التبكير يبدأ عند اشتداد الحرِّ
стр. 943
بدلالة قوله «ومَثَلُ المُهَجِّر» ، «فالمُهَجِّر إلى الصلاة» . والمُهجِّر هو القادم عند اشتداد الحر، وهذا ينفي أن يكون التبكير مبدأُه من شروق الشمس، وينفي بنفيه أن تكون الساعات الواردة في الحديث ساعاتٍ فلكية.
سُنن الجمعة
لصلاة الجمعة جملةٌ من السنن والمندوبات يُندب الإتيان بها وهي:
١- أن يغتسل الرجل قبل خروجه إلى الصلاة، فيذهب إلى الصلاة نظيفاً طيب الرائحة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. وعن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت «كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله ﷺ إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» رواه البخاري ومسلم. قوله ينتابون، وفي رواية يتناوبون: أي يأتون فوجاً إثر فوج. والعوالي: هي منطقة خارج المدينة فيها المزارع. وعن ابن عباس ﵄ وسأله رجل عن الغُسل يوم الجمعة أواجبٌ هو؟ - قال «لا، ومن شاء اغتسل، وسأُحدثكم عن بدء الغسل، كان الناس محتاجين وكانوا يلبسون الصوف، وكانوا يسقون النخل على ظهورهم، وكان مسجد النبي ﷺ ضيقاً متقارب السقف، فراح الناس في الصوف فعرقوا، وكان منبر النبي ﷺ قصيراً، إنما هو ثلاث درجات، فعرق الناس في الصوف فثأرت أرواحُهم أرواحُ الصوف، فتأذى بعضهم ببعض حتى بلغت أرواحهم رسول الله ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا أيها الناس إذا جئتم الجمعة فاغتسلوا، ولْيمسَّ أحدكم من أَطيب طيبٍ إن كان عنده» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم.
стр. 944
٢- أن يلبس ثياباً حسنة نظيفة، وأن يتطيَّب بما تيسر من الطيب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخطَّ رقاب الناس، ولم يَلْغُ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وعن ابن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ قال «ما على أحدكم إن وجَد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» رواه أبو داود. ورواه مالك عن يحيى بن سعيد مرسلاً، ورواه ابن ماجة ولفظه «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته» .
٣- أن يذهب إلى الصلاة ماشياً بسكينة وهدوء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وائتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتِمُّوا» رواه البخاري. أمَّا إن كان المسجد بعيداً عنه فلْيركب ولْيدرك مرتبةً من مراتب التبكير فإن ذلك أفضل.
٤- أن يصلي ركعتين تحيةَ المسجد قبل أن يجلس، فإن دخل والإمام على المنبر فلْيجعلهما خفيفتين، فعن جابر ﵁ قال «دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين» رواه البخاري ومسلم والدارمي. وعنه «أن سُليكاً جاء ورسول الله ﷺ يخطب فجلس، فأمره النبي ﷺ أن يصلي ركعتين، ثم أقبل على الناس فقال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين يتجوَّز فيهما» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. قوله يتجَوَّز فيهما: أي يسرع فيهما. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [صلاة التطوع] .
стр. 945
٥- أن يجلس في أقرب مكان إلى الإمام بدون أن يتخطى رقاب الناس إلا أن يرى فُرجة لا يصل إليها إلا بتخطِّي الرقاب فلا بأس من ذلك، فعن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال «احضُروا الذكر وادنُوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يُؤخَّر في الجنة وإنْ دخلها» رواه الحاكم. وعن عبد الله بن بُسر ﵁ «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ - زاد في رواية يتخطى رقاب الناس - وهو يخطب يوم الجمعة، فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة والطَّحاوي. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [صلاة التطوع] .
وإن لم يجد المسلم مكاناً يجلس فيه في المسجد فلا يقيم غيره ويجلس مكانه، وإنما يقول: افسحوا أو تفسَّحوا، فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا» رواه أحمد والبخاري ومسلم.
٦- ومن نعس في المسجد يوم الجمعة فلْيتحول من مكانه، وليجلس في مكان آخر، فإنَّ ذلك أدعى لدفع النعاس وغلبة النوم، فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فلْيتحول من مجلسه ذلك إلى غيره» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان.
٧- يُسنُّ للمُصلِّي أن يجلس قُبالة الإمام متوجِّهاً إليه لسماع خطبته ورؤيته، أما مَن كانوا بعيدين عنه لا يستطيعون رؤيته فإنهم يتوجهون نحو القِبلة، فعن عدي بن ثابت عن أبيه قال «كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» رواه ابن ماجة، وهو مرسَل صحابي، ومراسيل الصحابة صالحة للاحتجاج.
стр. 946
٨- يُندَب التَّنفُّل بالصلاة قبل الجمعة، وليس للتنفُّلِ قبل الجمعة مقدار معين، فلْيُصلِّ ما شاء من ركعات، وهذه الركعات ليست سُنةً للجمعة، لأن الجمعة لا سنةَ لها قبليةً، إلا أن يدخل المسجد والإمام على المنبر فيقتصر على ركعتي تحية المسجد فحسب، فعن نافع «أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ » رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم.
خطبة الجمعة
خطبةُ الجمعة فرضٌ إلقاؤها وفرضٌ سماعها والاستماع إليها، فهي داخلة في المعنى المقصود من ذكر الله الوارد في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٩ من سورة الجمعة. وهي قسمان يفصل بينهما جلوس قصير، فعن ابن عباس ﵁ قال «إن النبي ﷺ -كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة» رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن عمر ﵁ قال «كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن» رواه البخاري ومسلم. وروى أحمد والطبراني عن ابن عباس مثله. وروى مسلم والنَّسائي أيضاً عن جابر عن سمرة مثله. ويُسنُّ أن تتضمن الخطبة ما يلي:
стр. 947
أ- ذِكْر الشهادتين، لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَذْماء» رواه ابن حِبَّان وأحمد. قوله الجذماء: أي القصيرة.
ب- شيئاً من القرآن الكريم، لما رُوي عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال «كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويُذكِّر الناس» رواه مسلم. وعن أُم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت « ... وما أخذتُ ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرأُها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود.
ج- الوقوف حين الخطبة، ولا بأس بالاتِّكاء على قوس أو عصا، لما روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة ... » رواه مسلم. وعنه ﵁ قال «ما رأيت رسول الله ﷺ يخطب في الجمعة إلا قائماً، فمَن حدَّثك أنه جلس فكذِّبه فإنه لم يفعل، كان النبي ﷺ يخطب ثم يقعد ثم يقوم فيخطب، كان يخطب خطبتين يقعد بينهما في الجمعة» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد ﵁ «أن النبي ﷺ خطب قائماً على رجليه» رواه أحمد.
د- إلقاؤُها بصوت قوي غاضب، لما رُوي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذِرُ جيشٍ، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بُعثتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصابعه» رواه مسلم.
стр. 948
هـ - أن تكون الخطبة قصيرة موجزة، وذلك من فقه الإمام الخطيب، لما رُوي عن عمار ابن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئِنَّةٌ من فقهِه، فأطيلوا الصلاة وأَقصروا الخطبة، فإنَّ من البيان لسِحْراً» رواه أحمد ومسلم. قوله مَئِنَّة: أي علامةٌ ودلالة. ولما رُوي عن جابر بن سمرة ﵁ قال «كنت أُصلي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً» رواه مسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي.
و بدء الخطبة بحمد الله والثناء عليه، فعن جابر ﵁ قال «خطَبَنا رسولُ الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وإنَّ أفضلَ الهَدْي هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها وكلَّ بدعة ضلالة، ثم يرفع صوته وتحمَرُّ وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة كأنه مُنْذِرُ جيشٍ، قال: ثم يقول: أتتكم الساعة» رواه أحمد وابن ماجة.
ز - إذا دعا الخطيب رفع سبَّابَته فقط، ولم يرفع يده كلها كما يفعل الخطباء في زماننا هذا، لما رُوي عن حصين بن عبد الرحمن السلمي ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السَّبَّابَة وحدها» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ولما رُوي عن عمارة بن رُوَيْبة ﵁ قال «خطب بِشْر بن مروان وهو رافع يديه يدعو، فقال عمارة: قبَّح الله هاتين اليدين، رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، وما يقول إلا هكذا، يشير بإصبعه» رواه ابن خُزَيمة ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
стр. 949
وهذا مثالٌ لافتتاحية خطبة [إنَّ الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، من يطع الله ورسوله فقد رَشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتَّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويَغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، أما بعد ... ] . وتجدون أجزاء هذه الافتتاحية مبثوثة فيما رواه الشافعي في مسنده من طريق ابن عباس، وفيما رواه أبو داود من طريق ابن مسعود، وفيما رواه غيرهما.
стр. 950
وإذا خطب الإمام سكت الناس وحرم عليهم الكلام، إلا أن يكلِّم أحدُهم الإمام فلا بأس. والكلام في أثناء الخطبة لغوٌ، واللغو يحرم صاحبه ثوابَ صلاةِ الجمعة، فإنَّ من تكلم لغا ومن لغا فلا جمعة له، وتُحتَسَبُ له صلاة ظهر. وإذا سلم أحدهم على جاره ردَّ الآخر السلام في نفسه دون إخراج صوتٍ، وأثِمَ مَن سلَّم. وهذا الإنصات مشروع لمن حضر الخطبة: الداني القريب والنائي البعيد. فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال « ... ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وقد مرَّ بتمامه في البند ٢ من بحث [سنن الجمعة] . وعن علي ﵁ قال « ... ومَن قال يوم الجمعة لصاحبه (صه) فقد لغا ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ، ثم يقول في آخر ذلك: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ذلك» رواه أبو داود. وعن أنس ﵁ قال «بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكُراع وهلك الشاءُ، فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا» رواه البخاري. قوله الكُراع: أي الخيل. وقوله فمد يديه ودعا: مدّ اليدين هنا إنما حصل في دعاء الاستسقاء، وهو هنا حالة عرَضية، وهو لا يتعارض مع قولنا إن خطيب الجمعة يرفع سبَّابته ولا يرفع يده كلها، ففي دعاء الاستسقاء يُشرع مد اليدين حتى يظهر بياض الإبطين، فعن أنس بن مالك قال «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وسيأتي في بحث الاستسقاء.
следующие страницы →