Полный текст (1 205 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
٨- يُندَب التَّنفُّل بالصلاة قبل الجمعة، وليس للتنفُّلِ قبل الجمعة مقدار معين، فلْيُصلِّ ما شاء من ركعات، وهذه الركعات ليست سُنةً للجمعة، لأن الجمعة لا سنةَ لها قبليةً، إلا أن يدخل المسجد والإمام على المنبر فيقتصر على ركعتي تحية المسجد فحسب، فعن نافع «أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ » رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم.
خطبة الجمعة
خطبةُ الجمعة فرضٌ إلقاؤها وفرضٌ سماعها والاستماع إليها، فهي داخلة في المعنى المقصود من ذكر الله الوارد في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ﴾ الآية ٩ من سورة الجمعة. وهي قسمان يفصل بينهما جلوس قصير، فعن ابن عباس ﵁ قال «إن النبي ﷺ -كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة» رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن عمر ﵁ قال «كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن» رواه البخاري ومسلم. وروى أحمد والطبراني عن ابن عباس مثله. وروى مسلم والنَّسائي أيضاً عن جابر عن سمرة مثله. ويُسنُّ أن تتضمن الخطبة ما يلي:
стр. 947
أ- ذِكْر الشهادتين، لما رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَذْماء» رواه ابن حِبَّان وأحمد. قوله الجذماء: أي القصيرة.
ب- شيئاً من القرآن الكريم، لما رُوي عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال «كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويُذكِّر الناس» رواه مسلم. وعن أُم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت « ... وما أخذتُ ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله ﷺ ، يقرأُها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود.
ج- الوقوف حين الخطبة، ولا بأس بالاتِّكاء على قوس أو عصا، لما روى جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة ... » رواه مسلم. وعنه ﵁ قال «ما رأيت رسول الله ﷺ يخطب في الجمعة إلا قائماً، فمَن حدَّثك أنه جلس فكذِّبه فإنه لم يفعل، كان النبي ﷺ يخطب ثم يقعد ثم يقوم فيخطب، كان يخطب خطبتين يقعد بينهما في الجمعة» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد ﵁ «أن النبي ﷺ خطب قائماً على رجليه» رواه أحمد.
د- إلقاؤُها بصوت قوي غاضب، لما رُوي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذِرُ جيشٍ، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بُعثتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصابعه» رواه مسلم.
стр. 948
هـ - أن تكون الخطبة قصيرة موجزة، وذلك من فقه الإمام الخطيب، لما رُوي عن عمار ابن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئِنَّةٌ من فقهِه، فأطيلوا الصلاة وأَقصروا الخطبة، فإنَّ من البيان لسِحْراً» رواه أحمد ومسلم. قوله مَئِنَّة: أي علامةٌ ودلالة. ولما رُوي عن جابر بن سمرة ﵁ قال «كنت أُصلي مع رسول الله ﷺ ، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً» رواه مسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي.
و بدء الخطبة بحمد الله والثناء عليه، فعن جابر ﵁ قال «خطَبَنا رسولُ الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وإنَّ أفضلَ الهَدْي هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها وكلَّ بدعة ضلالة، ثم يرفع صوته وتحمَرُّ وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة كأنه مُنْذِرُ جيشٍ، قال: ثم يقول: أتتكم الساعة» رواه أحمد وابن ماجة.
ز - إذا دعا الخطيب رفع سبَّابَته فقط، ولم يرفع يده كلها كما يفعل الخطباء في زماننا هذا، لما رُوي عن حصين بن عبد الرحمن السلمي ﵁ قال «رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السَّبَّابَة وحدها» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ولما رُوي عن عمارة بن رُوَيْبة ﵁ قال «خطب بِشْر بن مروان وهو رافع يديه يدعو، فقال عمارة: قبَّح الله هاتين اليدين، رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، وما يقول إلا هكذا، يشير بإصبعه» رواه ابن خُزَيمة ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.
стр. 949
وهذا مثالٌ لافتتاحية خطبة [إنَّ الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، من يطع الله ورسوله فقد رَشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتَّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويَغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، أما بعد ... ] . وتجدون أجزاء هذه الافتتاحية مبثوثة فيما رواه الشافعي في مسنده من طريق ابن عباس، وفيما رواه أبو داود من طريق ابن مسعود، وفيما رواه غيرهما.
стр. 950
وإذا خطب الإمام سكت الناس وحرم عليهم الكلام، إلا أن يكلِّم أحدُهم الإمام فلا بأس. والكلام في أثناء الخطبة لغوٌ، واللغو يحرم صاحبه ثوابَ صلاةِ الجمعة، فإنَّ من تكلم لغا ومن لغا فلا جمعة له، وتُحتَسَبُ له صلاة ظهر. وإذا سلم أحدهم على جاره ردَّ الآخر السلام في نفسه دون إخراج صوتٍ، وأثِمَ مَن سلَّم. وهذا الإنصات مشروع لمن حضر الخطبة: الداني القريب والنائي البعيد. فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال « ... ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وقد مرَّ بتمامه في البند ٢ من بحث [سنن الجمعة] . وعن علي ﵁ قال « ... ومَن قال يوم الجمعة لصاحبه (صه) فقد لغا ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ، ثم يقول في آخر ذلك: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ذلك» رواه أبو داود. وعن أنس ﵁ قال «بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكُراع وهلك الشاءُ، فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا» رواه البخاري. قوله الكُراع: أي الخيل. وقوله فمد يديه ودعا: مدّ اليدين هنا إنما حصل في دعاء الاستسقاء، وهو هنا حالة عرَضية، وهو لا يتعارض مع قولنا إن خطيب الجمعة يرفع سبَّابته ولا يرفع يده كلها، ففي دعاء الاستسقاء يُشرع مد اليدين حتى يظهر بياض الإبطين، فعن أنس بن مالك قال «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وسيأتي في بحث الاستسقاء.
стр. 951
أما الإمام فيجوز له إنْ عَرَضت له حاجة وهو يخطب أن يقطع الخطبة، وله أن ينزل عن المنبر لقضائها، ثم بعد قضاء الحاجة يعود لإتمام خطبته، فعن أبي رفاعة ﵁ قال «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، قال: فأقبل إليَّ، فأُتيَ بكرسي فقعد عليه، فجعل يعلمني مما علَّمه الله تعالى، قال: ثم أَتى خطبته فأتمَّ آخرها» رواه أحمد ومسلم والبيهقي. وعن بُريدة الأسلمي ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والبيهقي.
القراءة في صلاة الجمعة
стр. 952
قلنا في بحث [قراءة القرآن في الصلوات الخمس] فصل [صفة الصلاة] ما يلي (إنه ليس هناك سُنة ثابتة في اختيار الآيات القرآنية لكل صلاة، لذا فإن المسلم بالخيار بين قراءة هذه السورة أو تلك في هذه الصلاة أو تلك، فليست أية سورة من سور القرآن الكريم بأفضل من أختها لصلاة دون صلاة) . ونضيف هنا: إنْ ورد نصٌ يفيد أن الرسول ﷺ قد قرأ في صلاة كذا بسورة كذا فإنَّ ذلك لا يعني أن قراءة هذه السورة في هذه الصلاة صارت هي المندوبة دون سواها من السُّور، فالعبرة هي بقراءة سورة أو بضع آيات من القرآن، أو حتى بقراءة آية واحدة، وأما قراءة ما قرأه رسول الله ﷺ فليست هي المندوبة وحدها، وإنما يتحقق المندوب بقراءة أي شئ من كتاب الله . ونذكر هنا جملة من الأحاديث التي وردت في قراءته ﵊ في صلاة الجمعة للعلم بها وللاطلاع فحسب، وندع مَن يودُّ أن يقرأ كما قرأ ﵊ يأخذ من هذه الأحاديث مبتغاه:
١- عن ابن أبي رافع قال « ... فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وفي رواية ثانية عند مسلم من طريق ابن أبي رافع أيضاً بلفظ «فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة إذا جاءك المنافقون» .
٢- عن النعمان بن بشير ﵁ قال «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.
стр. 953
٣- عن ابن عباس ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.
٤- عن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ «أن النبي ﷺ كان يقرأ في الجمعة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» رواه أحمد وأبو داود والشافعي والنَّسائي والبيهقي.
السُّنّة الراتبة لصلاة الجمعة
стр. 954
أخذاً بالقاعدة التي اعتمدناها في فصل [صلاة التطوع] فإنَّا نقول إن لصلاة الجمعة سنة مؤكدة راتبة بعدية هي ركعتان اثنتان فحسب، وإن لها ركعتين أُخريين بعديتين ملحقتين بالسنة المؤكدة الراتبة، فيُسنُّ الإتيان بركعتين اثنتين عقب صلاة الجمعة، وإن أتى بأربع ركعات كان ذلك أفضل. والأفضل أن تُؤدَّى السُّنَّة البعدية في البيت، فعن عبد الله بن عمر ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين» رواه البخاري. ورواه مسلم ولفظه «كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته» . وعنه ﵁ «أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً - وفي رواية - فإن عجل بك شئ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت» رواه مسلم وأحمد. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صلى أحدكم الجمعة فلْيُصلِّ بعدها أربعاً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.
فضل يوم الجمعة
стр. 955
يوم الجمعة أفضل الأيام على الإطلاق، فهو أفضل من يوم الفطر ومن يوم الأضحى ومن يوم عرفة، فالأحاديث التي جعلت يوم عرفة أفضل الأيام هي أدنى مرتبة من أحاديث تفضيل الجمعة على سائر الأيام. ففي يوم الجمعة خلق الله آدم ﵇، وفيه أدخله الله الجنة، وفيه أخرجه منها، وفيه توفَّاه الله سبحانه، وفي يوم الجمعة ساعة يُستجاب فيها الدعاء، وفيه تقوم القيامة. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «خيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» رواه مسلم وأحمد والترمذي. وعن أبي لبابة البدري بن عبد المنذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبدُ فيها شيئاً إلا آتاه الله ﵎ إياه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملَكٍ مقرَّب ولا سماءٍ ولا أرضٍ ولا رياحٍ ولا جبالٍ ولا بحرٍ إلا هن يُشفقن من يوم الجمعة» رواه أحمد. ورواه ابن ماجة والبزَّار والطبراني باختلاف في اللفظ.
стр. 956
أما الساعة التي يستجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة فهي واقعةٌ ما بين صلاة العصر وغروب الشمس على الرأي الأصحِّ، فلْيجتهد المسلمون في الدعاء في هذه الساعة، وليثقوا باستجابة الله سبحانه لدعائهم، فعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يُقلِّلها» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي ومالك. قوله يقللها: أي أنها ساعة قصيرة. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله فيها إلا أعطاه إياه وهي بعد العصر» رواه أحمد والبزَّار. وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال «يوم الجمعة ثِنتا عشرة، يريد ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» رواه أبو داود والنَّسائي والحاكم.
стр. 957
وقد أشكلت على الناس العبارة التي تقول «لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي» ، وذلك لأن آخر ساعة من النهار وبعد صلاة العصر لا صلاة فيها، فكيف يقال «وهو قائم يصلي» ؟ والجواب على هذا الإشكال هو أن من جلس بعد الصلاة، أو جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فعن أبي سلمة «قلت لعبد الله بن سلام: إن رسول الله ﷺ قال في صلاة وليست بساعة صلاة، قال: أَوَ لم تعلم أن رسول الله ﷺ قال: منتظر الصلاة في صلاة؟ قلت: بلى هي والله هي» رواه أحمد وابن خُزَيمة والحاكم. وعن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام قال «قلت ورسول الله ﷺ جالس: إنا نجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو في الصلاة فيسأل الله شيئاً إلا أعطاه ما سأله، فأشار رسول الله ﷺ يقول: بعض ساعة، قال فقلت: صدق رسول الله ﷺ ، قال أبو النضر قال أبو سلمة: سألته: أية ساعة هي؟ قال: آخر ساعات النهار، فقلت: إنها ليست بساعة صلاة، فقال: بلى إنَّ العبد المسلم في صلاة إذا صلى ثم قعد في مصلاه لا يحبسه إلا انتظار الصلاة» رواه أحمد وابن ماجة.
стр. 958
فالساعة التي يُستجاب فيها الدعاء واقعة في آخر نهار يوم الجمعة، لأن هذه الساعة هي ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة. أما الحديث الذي رُوي عن أبي موسى الأشعري ﵁ بلفظ «سمعت رسول الله ﷺ يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» رواه مسلم وأبو داود والبيهقي. فقد أعلَّه الدارقطني بالانقطاع بين مخرمة راوي الحديث وبين أبيه، ووافقه الحافظ ابن حجر قائلاً (وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كافٍ في دعوى الانقطاع) . وقال أحمد نقلاً عن حمَّاد بن خالد: مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشجِّ وهو لم يسمع من أبيه. وأضاف: إن حمَّاد بن خالد سمعه من مخرمة نفسه. ثم إن الحافظ العراقي قد رمى هذا الحديث بالاضطراب، فالحديث وإن ورد في صحيح مسلم إلا أنه لا يُحتجُّ به.
وفي يوم الجمعة يُندب الإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ ، لأن الصلاة عليه تعرض عليه في هذا اليوم فيُسَرُّ بها، فعن أوس بن أبي أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه قُبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ، فقالوا: يا رسول الله وكيف تُعرض عليك صلاتُنا وقد أَرِمْتَ؟ ـ يعني وقد بَلِيتَ ـ قال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان.
الفصل العاشر
صلاة أهل الأعذار
[الخائف والمسافر والمريض]
١) صلاة الخوف
стр. 959
إذا خاف المسلمون عدوَّهم شُرع لهم أداء صلاتهم مقصورةً بأشكال وكيفيات عدة أوصلها بعض الأئمة إلى سبعة أشكال، وأوصلها بعضهم الآخر إلى سبعة عشر شكلاً، والدليل على مشروعية هذه الصلاة قولُه تعالى ﴿وَإذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الذِيْنَ كَفَرُوْا إنَّ الكَافِرِيْنَ كَانُوْا لَكُمْ عَدُوَّاً مُبِيْنَاً﴾ الآية ١٠١ من سورة النساء.
أما قصر صلاة الخوف فعامٌّ يشمل إنقاص عدد ركعات الصلاة، فتُصلَّى الرباعية ركعتين، كما تُصلى ركعةً واحدة، وكذلك الصلاة الثنائية صلاة الصبح، كما يشمل إنقاص حدودها وركوعها وسجودها وهيئاتها، فتُصلَّى إيماءً بلا ركوع ولا سجود ولا وقوف ولا توجُّهٍ نحو القِبلة، أي تُصلَّى كيفما اتفق، والحالة الأخيرة تكون عند اشتداد الخوف وعند الالتحام في القتال، وكل هذه الإنقاصات تدخل تحت قوله تعالى ﴿أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ﴾ . فالقصر الوارد في الآية الكريمة يعني مطلق الإنقاص وليس هو القصر الوارد في السفر الخاص بإنقاص الركعات الأربع إلى ركعتين فحسب، والدليل على هذا الفهم آت من جهة القرآن ومن جهة الحديث.
стр. 960
أما القرآن الكريم فيقول بعد الآية المذكورة أعلاه ﴿وَإذَا كُنْتَ فِيْهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوْا أَسْلِحَتَهُمْ فَإذَا سَجَدُوْا فَلْيَكُوْنُوْا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىْ لم يُصَلُّوْا فَلْيُصَلُّوْا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوْا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الذِيْنَ كَفَرُوْا لَوْ تَغْفُلُوْنَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيْلُوْنَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذَىً مِن مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىْ أَنْ تَضَعُوْا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوْا حِذْرَكُمْ إنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِيْنَ عَذَاباً مُهِيْنَاً. فَإذَا قَضَيْتُم الصَّلاةَ فاَذْكُرُوْا اللهَ قِيَامَاً وَقُعُوْدَاً وَعَلَىْ جُنُوْبِكُمْ فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَىْ المُؤْمِنِيْنَ كِتَابَاً مَوْقُوْتَاً﴾ الآيتان ١٠٢، ١٠٣ من سورة النساء. فقد قال ﴿فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ﴾ ، وذكر بعده شكلاً من أشكال قصر الصلاة، أي أنه سبحانه وصف صلاة الخائف المقصورة بأنها إقامةٌ للصلاة، بمعنى أن من صلى صلاة الخوف المقصورة إلى ركعتين اعتُبِرَ مقيماً للصلاة، ثم قال في الآية التي تليها ﴿فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ﴾ مع بقاء حالة القصر، ما يعني أن الصلاة بغير الاطمئنان لا تُعتبر إقامة لها. وبمعنى آخر فإن أداء الصلاة عند الاطمئنان يوصف بأنه إقامةٌ لها، ومفهومه أن أداء الصلاة في غير حالة الاطمئنان لا يعتبر إقامةً لها، فإذا علمنا أن الرسول ﷺ عندما أُمر أن يصلي صلاة الخوف المقصورة بالمؤمنين خوطِبَ بقوله تعالى ﴿فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ﴾ أدركنا أن صلاة الخوف المقصورة إلى ركعتين هي إقامةٌ للصلاة، فلم يبق
стр. 961
من دلالة قوله تعالى ﴿فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ﴾ إلا أنَّ أداءَ الصلاة عند عدم الاطمئنان لا يطلق عليه لفظ إقامة الصلاة، فلم يبق إلا أن يكون أداؤها عند عدم الاطمئنان بإنقاص لا توصف الصلاة معه بأنها مُقامة، وهي إشارة إلى أداء هذه الصلاة بإنقاصٍ آخر غير إنقاصِ عدد الركعات إلى ثنتين، وهو الإيماء أو الاقتصار على ركعة واحدة فحسب.
وأما الحديث فقد ورد منه ما يلي:
أ- عن ابن عباس ﵁ «أنَّ الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ على المقيم أربعاً، وعلى المسافر ركعتين، وعلى الخائف ركعة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي والبيهقي.
ب - عن ابن عباس ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قَرَد - أرضٍ من أرض بني سُليم - فصفَّ الناس خلفه صفَّين، صف موازي العدو وصف خلفه، فصلى بالصف الذي يليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء وهؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، فصلى بهم ركعة أخرى - زاد في رواية - فكانت للنبي ﷺ ركعتين ولكل طائفة ركعة» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي والحاكم وابن حِبَّان. وروى أحمد والنَّسائي والبيهقي والطحاوي عن جابر مثله. وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي والبيهقي والحاكم عن حذيفة مثله.
стр. 962
ج- عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نزل بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، فقال المشركون: إن لهم صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر، فأَجْمِعوا أمرَكم فميلوا عليهم ميلةً واحدة، وإن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي ببعضهم، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم ولْيأخذوا حِذْرَهم وأسلحتهم، ثم تأتي الأخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حِذْرَهم وأسلحتهم، لتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله ﷺ ، ولرسول الله ﷺ ركعتان» رواه أحمد والنَّسائي والترمذي. وضَجْنان وعُسْفان هما موضعان بين مكة والمدينة. فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة عند الخوف تُخَفَّض أي تنقص إلى ركعة واحدة فقط، وأيضاً:
أ- روى البخاري ومالك وابن ماجة حديثاً طويلاً عن عبد الله بن عمر ﵁ وجاء في آخره قول ابن عمر «فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، فإذا كان خوفٌ هو أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها» . ورواه مسلم وجاء فيه «فإذا كان خوفٌ أكثر من ذلك فصلِّ راكباً أو قائماً تُومئ إيماءً» .
ب- عن عبد الله بن أنيس قال «بعثني رسول الله ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عُرَنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتلْه، قال: فرأيته وحضرتْ صلاةُ العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إنْ أُؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أُصلي أومئ إيماءً نحوَه، فلما دنوت منه قال لي: مَن أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوتُه بسيفي حتى برد» رواه أبو داود. ورواه أحمد والبيهقي مطوَّلاً، وجاء في رواية أحمد «فصليت وأنا أمشي نحوه أُومئ برأسي الركوع والسجود» .
стр. 963
ج- عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال لسعيد بن العاص وهو يشرح له كيفية صلاة الخوف «وتأمر أصحابك إنْ هاجهم هَيْجٌ من العدو فقد حلَّ لهم القتال والكلام» رواه أحمد وهذا طرف منه. ورواه أبو داود والنَّسائي والبيهقي والحاكم. فهذه النصوص الثلاثة وإن وردت على ألسنة صحابة فإنه يبعد أن تكون من عند أنفسهم، وكلها تفيد أن صلاة الخوف تكون إيماءً، أو يتخللها القتال والكلام، ما يعني أن الصلاة هنا غير مقامة على هيئتها المعروفة. فالقصر الوارد في قوله سبحانه ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ﴾ عام في القصر إلى ركعتين، وفي القصر إلى ركعة، وفي القصر إلى الإيماء.
قلت في بدء البحث إنَّ لصلاة الخوف أشكالاً وكيفيات عدة، وأقول هنا إنَّ أبرز هذه الأشكال ما يلي:
١. الصلاة ركعة واحدة:
يُصلي الإمام بطائفةٍ ركعةً واحدة، ثم يَثْبُتُ قائماً ويتركهم خلفه يسلِّمون وينصرفون، فتأتي الطائفة الثانية فيصطُّفون خلفه، فيصلي بهم ركعته الثانية وركعتَهم الوحيدة ويسلم ويسلمون، ولا تُؤدِّي أيٌّ من هاتين الطائفتين ركعةً أخرى، بل تصلي كل طائفة ركعة واحدة فحسب، بينما يصلي الإمام ركعتين اثنتين، والأدلة على هذا الشكل الأحاديث الثلاثة المارة قبل قليل: عن ابن عباس حديثان وعن أبي هريرة حديث واحد.
٢. الصلاة ركعتان اثنتان:
стр. 964
أ- يصلي الإمام بطائفة ركعةً واحدة ويَثْبُتُ قائماً، وينتظر حتى يُتِمُّوا لأنفسهم ركعتهم الثانية وينصرفوا، وتأتي الطائفة الثانية فيصطفُّون خلفه فيصلي بهم ركعته الثانية، ويصلون هم معه ركعتهم الأولى، ثم يثبت الإمام جالساً، وينتظرهم حتى يُتمُّوا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلم ويسلمون، والدليل على هذا الشكل ما رواه صالح بن خوَّات عمن شهد رسول الله ﷺ يوم ذات الرِّقاع صلى صلاة الخوف «أن طائفة صفَّت معه وطائفة وُجَاهَ العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وُجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلم بهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأبو داود.
ب - أو يصلي الإمام بطائفة ركعتين اثنتين يُتِمُّونهما معه وينصرفون ويثبت، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الإمام ركعتين اثنتين يتمونهما معه ويسلم ويسلمون، والدليل على هذا الشكل ما رُوي عن جابر ﵁ قال «أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرِّقاع قال ... قال فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والطحاوي والبيهقي.
стр. 965
ج - يصلي الإمام بطائفة ركعتين ويسلم ويسلمون ثم ينصرفون، وتأتي الطائفة الأخرى فتصطفُّ خلفه ثم ينوون معاً ويصلون معاً ركعتين ثم يسلم ويسلمون، وهذه أسهل الأشكال كلها، والدليل عليها ما رُوي عن أبي بكر ﵁ أنه قال «صلى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلَّم فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم، فصار للنبي ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان والدارقطني. وتكون صلاة الإمام الثانية نافلة. وأنت أخي المسلم بالخيار بين هذه الأشكال وبين غيرها من الأشكال الأخرى الثابتة والمروية كلها بأسانيد صحيحة، وإن كان لي أن أختار لكم فإني أختار الأسهل منها وهو الشكل الثالث الأخير.
أما بخصوص صلاة المغرب فإن الإمام يفعل كما يفعل في الصلاة الثنائية مما جاء في البند ٢ سوى أنه يكون بالخيار بين أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعتين، أو يعكس فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الأخرى ركعة، فكلا الأمرين جائز.
أما إن دهم العدو المسلمين في ديارهم وأخافهم في بيوتهم فأرادوا أن يصلوا في الحضر صلاة الخوف أربع ركعات تامات، فإن الإمام يفعل مثل فعله في البند ٢ سوى أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ويثبت قائماً ريثما يُتِمُّون وحدهم صلاتهم الرباعية، أي ريثما يأتون بركعتين إضافيتين ثم ينصرفون، ثم تأتي الطائفة الأخرى ويصطفون خلف الإمام فيصلي بهم ركعتيه المتبقيتين، فيُتِم لنفسه أربع ركعات، ويصلون هم معه ركعتيهم الأوليين، ويثبت الإمام جالساً ريثما يُتمُّون هم ركعتيهم المتبقيتين، وبذلك يتمون لأنفسهم أربع ركعات، ثم يسلم ويسلمون.
الصلاة إيماءً وعلى المركوب وفي غير جهة القِبلة
стр. 966
إذا اشتد الخوف واستبدَّ بالناس الذعرُ من الأعداء، ولم يعد يسهل عليهم إقامة صلاة الخوف بأية كيفية من الكيفيات المشروعة ذات القيام والقعود والركوع والسجود، جاز لهم إتيانُ الصلاة إيماءً بحيث يكون السجود أخفض من الركوع، وجازت لهم الصلاة وهم ماشون، وهم راكبون، كما جازت لهم دون أن يستقبلوا القِبلة، فيؤدون الصلاة إيماءً وكيفما اتفق، يصليها هكذا الهاربُ من عدوه، راكباً السيارة أو الطائرة أو الدابة أو السفينة، كما يصليها إيماءً الملتصقُ بحجر أو صخرة أو جدار في حالة اختباء من العدو. فهذه الحالات وأمثالها لا يحتاج فيها المصلي إلى أكثر من القراءة والذكر والإيماء فحسب، ولْيُصلِّ إلى أي اتجاه، ولا عليه عند ذلك، وصلاته صحيحة مقبولة. وقد مرت النصوص الثلاثة الدالَّةُ على ذلك المرويةُ عن حذيفة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين.
٢) صلاة المسافر
الأصل في صلاة المسافر القصر، أي ركعتان للظهر وللعصر وللعشاء، وتبقى صلاتا الصبح والمغرب على حالهما دون تغيير، فعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت «كان أول ما افتُرِض على رسول الله ﷺ الصلاةُ ركعتان ركعتان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثاً، ثم أتمَّ الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً في الحضر، وأقرَّ الصلاة على فرضها الأول في السفر» رواه أحمد وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبيهقي. وعن عمر ﵁ قال «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى» رواه ابن خُزَيمة وأحمد والنَّسائي وابن ماجة والبيهقي. وقد مرَّ في بحث [صفة صلاة العيدين] فصل [صلوات مفروضة عدا الصلوات الخمس] .
стр. 967
والصلاةُ قصراً ينال صاحبها ثواب الصلاة الرباعية، لذا فلا داعي لأدائها في السفر أربع ركعات، لا سيما وأن رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم - وهم أحرص الناس على الثواب - كانوا يقصرون دوماً في السفر، فعن ابن عمر ﵁ قال « ... إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ... » رواه مسلم والبخاري وأحمد.
والقصر في السفر رخصة لا فرق بين السفر الآمن والسفر المَخُوف، فعن يعلى بن أمية قال «قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جُناح أن تَقْصُروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فقد أمِن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. وعن حارثة بن وهب ﵁ قال «صليت مع رسول الله ﷺ بمِنَى آمَنَ ما كان الناس وأكثره ركعتين» رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. وفي رواية أخرى لمسلم من طريق حارثة ﵁ بلفظ «صليتُ خلف رسول الله ﷺ بمِنى والناس أكثر ما كانوا، فصلى ركعتين في حجة الوداع» .
стр. 968
وما دامت الصلاة المقصورة رخصة فإن ترك الصلاة المقصورة والإتيان بالصلاة الرباعية جائز لا حُرمةَ فيه، فقوله تعالى ﴿فلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ﴾ جزء من الآية ١٠١ من سورة النساء. وقوله ﵊ «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» ، يدل كلاهما على أن القصر رخصة وليس عزيمة. وأيضاً قد رُويت أحاديثُ كثيرة تذكر أن صحابة رسول الله ﷺ قد صلوا صلاة رباعية في بعض أسفارهم أذكر منها ما يلي:
أ- عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة ﵂ «أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأُمي قصرتُ وأتممتُ وأفطرتُ وصمتُ قال: أحسنتِ يا عائشة، وما عاب عليَّ» رواه النَّسائي والبيهقي.
ب - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ «أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليتِ ركعتين فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشقُّ عليَّ» رواه البيهقي بسند صحيح، ورواه عبد الرزاق بلفظ «أنها كانت تُتِمُّ في السفر» .
ج - عن ابن عمر ﵁ قال «صلى رسول الله ﷺ بمِنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين» رواه مسلم، ورواه البخاري بلفظ قريب.
стр. 969
د - عن حفص عن أنس بن مالك أَنه قال «انطُلِقَ بنا إلى الشام إلى عبد الملك ونحن أربعون رجلاً من الأنصار لِيَفْرِضَ لنا، فلما رجع وكنا بفجِّ الناقة صلى بنا العصر ثم سلم ودخل فسطاطه، وقام الناس يضيفون إلى ركعتيه ركعتين أخريين قال، فقال: قبَّح الله الوجوه، فوالله ما أصابت السُّنَّة ولا قُبلت الرخصة ... » رواه أحمد. وروى أحمد من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير أن معاوية صلى في مكة ركعتين فترة ثم صلى أربعاً.
فعائشة وعثمان وأربعون من الأنصار ومعاوية كلهم صلوا في السفر أربعاً، وطبعاً صلى عثمان وكذلك معاوية أربعاً يأتمُّ بهما ناسٌ من صحابة رسول الله ﷺ ، فلو كانت الصلاة الرباعية غير جائزة للمسافر لمَا حصل ما حصل من هؤلاء الصحابة، ولمَا أثنى رسول الله ﷺ على فعل عائشة هذا، فالصحيح أن القصر في السفر رخصة وليس عزيمة كما يقول بذلك عدد من الفقهاء.
مسافة القصر
لقد اختلف الأئمة والفقهاء اختلافاً كبيراً في تقدير المسافة التي لا بدَّ من أن يقطعها المسافر حتى يجوز له أن يقصر الصلاة، حتى إنَّ محمد بن المنذر قد أوصل هذه الآراء إلى العشرين، ونحن نكتفي باستعراض أبرز الآراء هذه، لا سيما وأن معظمها لا دليل معتبراً عليها، ثم نناقشها مع أدلتها وشُبُهاتها بشئ من التفصيل، حتى نقف على الصواب في هذه المسألة بإذن الله تعالى.
стр. 970
أ - رأي الأحناف: جاء في كتاب المبسوط لشمس الدين السرخسي، وهو عُمدة كتب الأحناف، ما يلي [ ... والخارج إلى حانوتٍ أو إلى ضيعةٍ لا يسمى مسافراً، فلا بد من إثبات التقدير لتحقيق اسم المسافر، وربما قدَّرنا بثلاثة أيامٍ لحديثين، أحدهما قوله ﷺ «لا تسافر المرأةُ فوق ثلاثةِ أيامٍ ولياليها إلا ومعها زوجها، أو ذو رحمٍ محرمٍ منها» معناه ثلاثةَ أيام، وكلمة فوق صلةٌ في قوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق، وهي لا تمنع من الخروج لغيره بدون محرمٍ. وقال ﷺ «يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيامٍ ولياليها» فهو تنصيص على أن مدة السفر لا تنقص عما يمكن استيفاء هذه الرخصة فيها، والمعنى فيه أن التخفيف بسبب الرخصة لما فيه من الحرج والمشقة، ومعنى الحرج والمشقة أن يحتاج إلى أن يحمل رَحلَهُ من غير أهله ويحطه في غير أهله، وذلك لا يتحقق فيما دون الثلاثة ... ] إلى أن قال [ولا معنى للتقدير بالفراسخ، فإن ذلك يختلف باختلاف الطرق في السهول والجبال والبر والبحر، وإنما التقدير بالأيام والمراحل، وذلك معلوم عند الناس فيرجع إليهم عند الاشتباه، فإذا قصد مسيرة ثلاثة أيام قصر الصلاة] وقد شاركهم الرأي هذا سعيد بن جُبَير وسفيان الثوري، ونُسب إلى عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وحذيفة ﵃. فالمسافر في رأي الأحناف لا يجوز له أن يقصر الصلاة في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، ولا عبرة عندهم بتقدير المسافة بالأميال والفراسخ، وإنما التقدير بالأيام والمراحل.
ب - رأي المالكية: جاء في كتاب المدونة الكبرى للإمام مالك ما يلي:
[قال ابن القاسم: كان مالك يقول قبل اليوم: يقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة، ثم ترك ذلك، وقال مالك: لا يقصر الصلاة إلا في مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً كما قال ابن عباس في أربعة بُرُدٍ] .
стр. 971
فالمسافر في رأي المالكية لا يجوز له أن يقصر الصلاة في أقل من مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً، وهي تعادل ستة عشرَ فرسخاً، أو ٨٨.٧ كيلو متراً.
ج - رأي الشافعية: جاء في كتاب الأم للشافعي ما يلي:
[ ... فللمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونها، وأما أنا فأحبُّ أن لا أقصر في أقل من ثلاث احتياطاً على نفسي، وأن ترك القصر مباح لي. فإن قال قائل: فهل في أن يقصر في يومين حجة بخبرٍ متقدم؟ قيل: نعم عن ابن عباس وعن ابن عمر ﵄، أخبرنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أنه سئل: أتقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، ولكن إلى عُسْفان وإلى جدة وإلى الطائف، قال: وأقرب هذا من مكة ستةٌ وأربعون ميلاً بالأميال الهاشمية، وهي مسيرة ليلتين قاصدتين دبيبَ الأقدام وسيرَ الثقل، أخبرنا مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، أخبرنا مالك عن نافع عن سالم أن ابن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيرة ذلك، قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة بُرُدٍ، أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيرة ذلك، قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعة بُرُدٍ] .
فالمسافر في رأي الشافعي يصح له أن يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وهي تعادل ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي، أي مسافة ٨٥ كيلومتراً. ويحتاط الشافعي لنفسه فيقصر في مسيرة ثلاث ليالٍ، وهذه تعادل ١٢٧.٥ كيلو متراً.
د- رأي الحنابلة: جاء في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي ما يلي:
[وإذا كانت مسافة سفره ستة عشرَ فرسخاً أو ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي فله أن يقصر. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله - أي لأحمد بن حنبل - في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة بُرُدٍ، قيل له: مسيرة يومٍ تامٍّ؟ قال: لا، أربعةُ بُرُدٍ ستة عشرَ فرسخاً ومسيرة يومين.
стр. 972
فمذهب أبي عبد الله أن القصر لا يجوز في أقل من ستةَ عشرَ فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، فيكون ثمانية وأربعين ميلاً، قال القاضي: والميل اثنا عشر ألف قدمٍ، وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد قدره ابن عباس فقال: من عُسْفان إلى مكة، ومن الطائف إلى مكة، ومن جدة إلى مكة ... ، فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين، وهذا قول ابن عباس وابن عمر، وإليه ذهب مالك والليث والشافعي وإسحق] وأضاف ابن قُدامة إلى ما سبق ما يلي [وروي عن ابن عمر أنه يقصر في مسيرة عشرة فراسخ، قال ابن المنذر: ثبت أن ابن عمر كان يقصر إلى أرضٍ له وهي ثلاثون ميلاً، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، فإنه قال: يقصر في اليوم ولا يقصر فيما دونه، وإليه ذهب الأوزاعي، وقال عامة العلماء: يقولون مسيرة يومٍ تامٍّ، وبه نأخذ ... ] فالمسافر في رأي أحمد بن حنبل يحتاج لأن يقطع مسافةَ ثمانيةٍ وأربعين ميلاً حتى يجوز له القصر، وهي تعادل ٨٨.٧ كيلو متراً، وهو رأي مالك. إلا أن ابن قُدامة لم يلتزم برأي إمامه وإنما أخذ بقول عامة العلماء بتقدير المسافة بمسيرة يومٍ تامِّ، وهي تعادل أربعةً وعشرين ميلاً، أي ٤٤.٣٥ كيلو متراً فقط، دون أن يذكر من هم هؤلاء العلماء.
стр. 973
هـ - رأي ابن حزم، وهو من علماء أهل الظاهر: جاء في كتابه المسمى المحلى ما يلي [والسفر هو البروز عن محلة الإقامة، وكذلك الضرب في الأرض، هذا الذي لا يقوم أحدٌ من أهل اللغة - التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن - سواه، فلا يجوز أن يخرج عن هذا الحكم إلا ما صحَّ النصُّ بإخراجه، ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا، ولا أفطر ولا قصر، فخرج هذا عن أن يسمى سفراً، وعن أن يكون له حكم السفر، فلم يَجُزْ لنا أن نُوقِع اسم السفر إلا على من سماه من هو حجة في اللغة سفراً، فلم نجد ذلك في أقلَّ من ميلٍ، فقد روينا عن ابن عمر أنه قال «لو خرجت ميلاً لقصرتُ الصلاةَ» ] . وأضاف ابن حزم ما يلي [وأما نحن فإن ما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه ولا يفطر، فإذا بلغ الميل فحينئذ صار في سفره تُقصَر فيه الصلاة ويُفطَر فيه، فمن حينئذ يقصُرُ ويُفطِرُ] .
فالمسافر في رأي ابن حزم يقصر الصلاة في مسيرة ميل واحد خارج بيوت المدينة أو القرية وتعادل ١٨٤٨ متراً، أي كيلو متراً واحداً وثمانية أعشار الكيلومتر.
وللعلم فقط أذكر لكم آراء أخرى في هذه المسألة قال بها عدد من الفقهاء دونما حاجة منا لمناقشتها، أنقلها لكم من كتاب المحلى لابن حزم وهذه هي [أما من قال بتحديد ما يقصر فيه بالسفر من أُفق إلى أُفق، وحيث يحمَل الزاد والمزاد، وفي ستة وتسعين ميلاً، وفي اثنين وثمانين، وفي اثنين وسبعين ميلاً، وفي ثلاثة وستين ميلاً، أو في واحد وستين ميلاً، أو ثمانية وأربعين ميلاً، أو خمسة وأربعين ميلاً، أو أربعين ميلاً، أو ستة وثلاثين ميلاً] .
ونحن قبل أن نبدأ بالمناقشة التفصيلية نذكر جملة من البنود الأصولية المعتبرة:
стр. 974
أ - إن الحكم حتى يكون شرعياً لا بد من أن يؤخذ من الشرع، أي من أدلته المعتبرة، وهي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس فقط، وما سوى هذه الأدلة الأربعة لا تصلح عندنا للاحتجاج، ولا يكون الحكم المستنبط منها حكماً شرعياً في حقنا نحن.
ب - إن قول الصحابي حتى يكون دليلاً شرعياً لا بد من أن يُجمِعَ الصحابةُ عليه، أما إن قال صحابي أو عشرة من الصحابة أو حتى مائة منهم قولاً، وجاء صحابة آخرون بقولٍ أو أقوالٍ مخالِفة، فإن ذلك يعني أنَّ أياً من هذه الأقوال لا تعتبر دليلاً شرعياً، وكل ما يقال فيها أنها أحكام شرعية اجتهادية بحق من قال بها، ومن قلَّدها أو اتَّبعها فقط.
ج - إن الحقائق الشرعية مقدَّمة على الحقائق اللغوية، ولا يُعمل بالحقائق اللغوية إلا في حالة عدم وجود حقائق شرعية، ولا يجوز العكس مطلقاً تحت أي ظرف من الظروف.
د - إذا جاء قولٌ أو فعلٌ لصحابي، ثم جاء قولٌ أو فعلٌ مغايرٌ لصحابي آخر فإن ذلك يعني أنه قولٌ أو فعلٌ اجتهاديٌّ، وليس قولاً أو فعلاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وإذا نُقل عن صحابي واحدٍ قولان أو فعلان مختلفان كان ذلك مَدْعاةً لرفض كلا القولين أو الفعلين وعدم جواز العمل بأيًّ منهما، إلا أن يكون أحدهما قد نُقل بسند ضعيف فيُطرح، ويؤخذُ الآخر إن كان قد نُقل بسند صحيح أو حسنٍ.
هـ - إذا ورد في مسألةٍ نصٌّ من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ ، وورد في المسألة نفسها قول صحابي أُخِذ فقط بالنص من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ ، وترك قول الصحابي، إلا أن يكون هذا القول شرحاً أو تفسيراً للنص، فلا بأس بأخذه عندئذٍ.
стр. 975
و - إذا ورد نصٌّ في مسألة عولجت المسألةُ بهذا النص وقُصِرَ النصُّ عليها، ولم يَجُزْ علاج أية مسألة أخرى به، إلا أن تكون بين المسألتين علةٌ مشتركةٌ ظاهرةٌ في النص صراحةً أو دلالةً، وإلا فلا قياس مطلقاً لا سيما في العبادات.
بالاتفاق على هذه البنود الأصولية، وبالنظر في آراء الأئمة الأربعة وغيرهم التي استعرضناها آنفاً على ضوء هذه البنود نستطيع بسهولة ويُسرٍ أن نردَّ جميع هذه الآراء، ونُظهر خطأها كلها، ونُثبت أن الصواب قد جانب الجميع فيها، وأنها كلها قد جاءت مخالِفةً للنصوص الشرعية الواردة في هذه المسألة. أما كيف؟ فإليكم البيان:
١ - مناقشة رأي الأحناف: استدلَّ الأحناف على تقدير مسافة القصر بقوله ﵊ «لا تُسافر المرأةُ فوق ثلاثة أيامٍ ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحِمٍ محرمٍ منها» وبقوله ﷺ «يمسح المقيم يوماً وليلةًً والمسافرُ ثلاثة أيامٍ ولياليها» .
فنقول لهؤلاء ما يلي: إن هذين الحديثين لا يدلان على دعواهم بحالٍ من الأحوال، وذلك أن الحديث الأول قد جاء في موضوعٍ خاصٍّ بسفر المرأة فيُقصَرُ عليه ولا يتعداه إلى غيره، والمعلوم فقهياً أن النص إذا جاء مخاطباً النساء قُصِرَ عليهن ولم يدخل فيه الرجال بحال، فلا يشمل هذا الحديث سفر الرجل، فضلاً عن أنه في غير موضوع قصر الصلاة.
стр. 976
وأما الحديث الثاني فقد جاء في موضوع المسح في الوضوء فيُقصَرُ عليه، ولا يُنقلُ إلى موضوع قصر الصلاة في السفر. وإذن فإن هذين الحديثين لا يصح أن يؤتى بهما على موضوعنا، فسفر المرأة غير قصر الصلاة، والمسح في الوضوء غير قصر الصلاة، فهذه ثلاثة مواضيع منفصلة متباعدة لا تجمع بينها علةٌ ظاهرةٌ لا صراحةً ولا دلالةً حتى يصح القياس. ولا يقال إن السفر هو علةٌ مشتركة بين هذه المواضيع، لا يقال ذلك لأن السفر هنا ليس علةٍ وإنما هو سبب، والسبب لا يقاس عليه. وعليه، وحيث أن هذين النصين قد جاءا في موضوعين منفصلين تماماً عن موضوع قصر الصلاة، وحيث أنهما لا يشتركان مع قصر الصلاة بأية علة، فإن القياس هنا لا يصح.
ثم إن هؤلاء قد نظروا في لفظ هذين الحديثين فوجدوا فيهما لفظة السفر، ووجدوا هذه اللفظة قد جاءت بصدد السير ثلاثة أيام ولياليها، فقالوا: ما دام السير ثلاثة أيام ولياليها وُصف بأنه سفر، فإنا نقول إن المسافر هو من سار هذه المدة الزمنية أو أكثر منها، وليس أقل منها، وبذلك يصح له دون غيره قصر الصلاة. فنقول لهم ما يلي:
إننا لا نخالفهم في أن السير ثلاثة أيام ولياليها يعتبر سفراً، ولكننا نقول إن الثلاثة أيام ولياليها لم تأت في الحديثين شرطاً ولا تقييداً للسير حتى يعتبر سفراً، وإنما جاءت تقييداً زمنياً لسفر المرأة وللمسح في الوضوء فحسب، ولا أدل على خطأ دعواهم من الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومٍ وليلة ليس معها حرمة» رواه البخاري ومسلم. قوله: حرمة: أي رجل محرم بنسب أو قرابة. فهذا نص صحيح صريح على أن مسيرة يوم وليلة يطلق عليها اسم السفر، وهي ثلث المسيرة التي جعلوها شرطاً وتقييداً للسير حتى يصح إطلاق اسم السفر عليه.
стр. 977
بل إن هناك أحاديث صالحةً أطلقت اسم السفر على ما دون هذا وذاك بكثير، فعن اللجلاج قال «كنا نسافر مع عمر بن الخطاب، فنسير ثلاثة أميال فيتجوَّز في الصلاة ويقصر» رواه ابن أبي شيبة. وعن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول «إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر» رواه ابن أبي شيبة. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لا تسافر امرأةٌ بريداً إلا مع ذي محرم» رواه البيهقي وأبو داود. والبريد أربعة فراسخ، وتقدر بـ ٢٢ كيلو متراً. وهذه المسافة تقطع في نصف يوم تقريباً. فماذا يقول إخواننا الأحناف؟ إن مما لا شك فيه أن الحديثين اللذين استنبطوا منهما القصر لا يفيدانهم، وأن هذين الحديثين لا علاقة لهما من قريب أو بعيدٍ بموضوع مسافة القصر.
٢ - مناقشة رأي المالكية: رأي المالكية مأخوذٌ من قول منسوب لابن عباس ﵁ فهو إذن اتباع لابن عباس لا اجتهادٌ منهم في النصوص، فمن أحب أن يقلد، أو يتَّبِع ابن عباس كما فعل مالك فليفعل، ولكننا هنا لسنا بصدد تقليد أو اتباع أحد، وإنما نريد أن نستنبط الحكم الشرعي من النصوص الشرعية، وسنذكر عدداً من النصوص الشرعية لاحقاً تعارض قول ابن عباس هذا، ومن ثَم قول المالكية، مما يُظهرُ خطأ هذا الرأي.
ثم إن أقوال الصحابة - وهي ليست أدلة شرعية - تعتبر غير صالحة للاحتجاج إن هي تعارضت واختلفت، ونحن في مسألتنا هذه نجد أقوال صحابةٍ وأفعالاً لصحابةٍ تخالف قول ابن عباس ﵁، مما يضطرنا إلى عدم أخذ هذا الرأي، فعن محمد ابن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال «يقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال» رواه ابن أبي شيبة. ومر قبل قليل حديث اللجلاج «كنا نسافر مع عمر بن الخطاب، فنسير ثلاثة أميال فيتجوَّز في الصلاة ويقصر» رواه ابن أبي شيبة. فالمسألة ليست مسألة انتقاءِ أقوالٍ من أقوالٍ دون سندٍ شرعي.
стр. 978
٣ - مناقشة رأي الشافعية: رأي الشافعية اتِّباع هو الآخر لابن عباس وابن عمر فيما نُسبَ إليهما، وليس اجتهاداً في النصوص الشرعية، انظروا في مسند الشافعي يقول ما يلي [أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح قال «قلت لابن عباس: أقصُرُ إلى عرفة؟ قال:لا، ولكن إلى جدة وعُسفان والطائف، وإن قدمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأَتم» . (قال) وهذا قول ابن عمر، وبه نأخذ] . فهو قول واضح تماماً أنه اتِّباع لابن عمر وابن عباس ﵄. وأكرر القول إننا هنا لسنا بصدد تقليد أو اتباع أحد، وإنما نريد أن نستنبط الحكم الشرعي من النصوص الشرعية، وهي متوافرة في مسألتنا هذه، وستأتي بإذن الله.
٤ - مناقشة رأي الحنابلة: القول فيه هو القول نفسه في رأي الشافعية، فالحنابلة قد اتَّبعوا بعض الصحابة، ولم يستدلوا على تقدير المسافة بالنصوص الشرعية، والغريب أنَّ ابن قُدامة، وهو فقيه الحنابلة المقدَّم، لم يأخذ برأي إمامِه أحمد، ولم يقلد أو يتَّبع صحابةً، ولم يستند إلى نص شرعي، وإنما اتَّبع، كما يقول، عامةَ العلماء، فأخذ بمسيرة يومٍ تامٍّ، وليتهُ ذكر لنا أسماء عامة العلماء هؤلاء، أو عددهم على الأقل، فأخطأ خطأين اثنين: أولهما أنه لم يستدل على رأيه بالنصوص الشرعية، والثاني أنه قلَّد أو قل اتَّبع عامة العلماء كما قال، مع أن علماء المذاهب الأربعة هم عامة العلماء، وهم لا يقولون بهذا القول.
٥ - مناقشة رأي ابن حزم: إن ابن حزم بحث المسألة بحثاً لُغوياً، وبنى رأيه على دلالة اللغة، فذكر أن السفر لغةً هو البروز عن محلة الإقامة، وكذلك الضرب في الأرض فأطلق السفر وجعل مطلق السفر يبيح القصر، ولكنه وقد قضى بما قضى به أحبَّ أن يستشهد بقول صحابي على صحة رأيه المبني على دلالة اللغة، فروى قولاً لابن عمر «لو خرجتُ ميلاً لقصرتُ الصلاة» ورواه أيضاً ابن أبي شيبة.
стр. 979
ولقد أخطأ ابن حزم خطأين اثنين: أولهما أنه بنى رأيه على دلالة اللغة، في حين أن هناك نصوصاً شرعيةً حددت مسافة القصر لم يأتِ على ذكرها. والثاني أنه استشهد، ولنقل استأنس بقول ابن عمر ولم يستدلَّ به، وحتى لو استدل به فإنه يبقى مخطئاً، فهو لم يأخذ بقول ابن عمر، وإنما أخذ بدلالة اللغة، ثم أورد قول ابن عمر لأنه رآه يؤيد ما توصَّل إليه، هذا إضافة إلى أن ابن عمر قد رويت عنه أفعال ٌ وأقوالٌ تعارض هذا القول المنسوبة إليه مما يجعلنا لا نطمئن إلى هذا الاستشهاد، ولا نقبل الاحتجاج به. فعن محمد بن زيد بن خُلَيدة عن ابن عمر قال «يَقْصُرُ الصلاةَ في مسيرة ثلاثة أميال» رواه ابن أبي شيبة. وعن نافع عن سالم «أن ابن عمر خرج إلى أرضٍ له بذات النصب فقصر وهي ستةَ عشرَ فرسخاً» رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والشافعي.وعن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول «إني لأُسافر الساعةَ من النهار فأقصر» رواه ابن أبي شيبة. وهذا عبد الرزاق قد ذكر في مصنَّفه عن ابن عمر عدة روايات مختلفة في تقدير مسافة القصر، فروى عنه أن مسافة القصر هي من المدينة إلى خيبر، وهي تعادل ستةً وتسعينَ ميلاً، وأن المسافة هي من المدينة إلى السُّويداء، وهي تعادل اثنين وسبعين ميلاً، وأنها من المدينة إلى ريم، وهي تعادل ثلاثين ميلاً، فكيف يُجيز ابن حزم وغيره ممن ينهج نهجه أن يستدل أو يستشهد على تقدير المسافة بقولٍ لابن عمر أو بفعلٍ له، وقد تعددت أقواله وأفعاله المروية عنه واختلفت؟
إن ابن حزم قد أخطأ بالاستشهاد بقول ابن عمر، وإن الشافعي قد أخطأ في الاستدلال بفعل ابن عمر الدال على أن القصر في أربعة بُرُدٍ، وإن الحنابلةَ قد أخطئوا بتقليد أو اتباع ابن عمر، فكل من استدل أو استشهد أو قلد أو اتبع ابن عمر ﵁ في هذه المسألة فقد جانبه الصواب.
стр. 980
إن أقوال الصحابة إن تعارضت لم تقم بها حجة، وإن أقوال الصحابي الواحد إن تعارضت اعتُبرت لا قيمة لها، ولم يصح الاستدلال ولا الاستشهاد بها، وقد جاءت أقوال الصحابة في مسألتنا هذه متعارضةً ومختلفةً كثيراً، مما يدعونا إلى طرحها كلها، وعدم الاحتجاج بها مطلقاً، لا سيما وأن في هذه المسألة عدداً من النصوص الشرعية الصحيحة الكافية لاستنباط حكم هذه المسألة منها. قال ابن قُدامة صاحب المُغني [قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي ﷺ وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين (أحدهما) أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التي رويناها، ... (والثاني) أن التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، لا سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه ... ] . ولقد أصاب ابن قدامة في قوله هذا وأجاد.
أما النصوص التي جاءت تعالج هذه المسألة فهي:
أ - عن جُبير بن نُفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعةَ عشر أو ثمانية عشر ميلاً، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال «رأيت عمر بن الخطاب ﵁ صلى بذي الحُليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل» رواه مسلم وأحمد والنسائي والبيهقي وابن أبي شيبة. وذو الحليفة: موضع يبعد عن المدينة ستةَ أميالٍ أو سبعة أميالٍ تقريباً.
ب - عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحُليفة ركعتين» رواه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي والترمذي. ورواه أحمد وزاد في آخره «آمناً لا يخاف في حجة الوداع»
стр. 981
ج - عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال:
«كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شُعبةُ الشاكُّ - صلى ركعتين» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي وابن أبي شيبة.
د - عن أبي هارون عن أبي سعيد «أن النبي ﷺ كان إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة» رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور.
الحديث الرابع فيه أبو هارون ضعَّفه القطان وأحمد وابن معين وأبو زُرعة وأبو حاتم الرازي والنسائي، ولم أجد مَن وثقه أو قبله، فيترك الحديث. فتبقى عندنا ثلاثة أحاديث صحيحة.
الحديثان الأول والثاني يذكران أن الرسول ﷺ صلى بذي الحليفة - وهي تبعد عن المدينة ستةَ أميال أو سبعة أميال - ركعتين، وجاء في الحديث الثاني أنها كانت صلاة العصر. وذكر حديث أحمد أن ذلك كان في حجة الوداع، وفي ذلك دلالة على تأخر هذه الحادثة مما ينفي عنها حصول النسخ. فهذان نصان صحيحان يدلان على أن الرسول ﷺ قد قصر الصلاة الرباعية عندما سافر ما بين ستة أميال وسبعة، فلماذا لم يأخذ الأئمة الأربعة بهذين النصين؟ وإنما راح ثلاثة منهم ينظرون في أقوال الصحابة، ويستنبطون منها الأحكام رغم تعارضها واختلافها، أو في أدلة ليست في المسألة كما فعل الأحناف؟!
إن هذين الحديثين يبطلان أقوال الأئمة الأربعة بشكل واضح، فلا مسيرة ثلاثة أيام ولا مسيرة يومين، ولا مسيرة يوم وليلة، ولا مسيرة ميل واحد تصلح لتقدير مسافة القصر، فوجبت العودة عن هذه الأقوال، والتقيد بفعل الرسول ﷺ .
стр. 982
وقد جاء الحديث الثالث فيصلاً في هذه المسألة، فهو لم يذكر حادثة عين واحدة، وإنما نص على ديمومة هذا الفعل بدلالة قول الحديث (إذا خرج) وهو تشريع صريح بأن الرسول ﷺ شرع للمسلمين القصر إن هم سافروا ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ. والشك هذا من الراوي شعبة، فمن سافر من المسلمين ثلاثة أميال، أو سافر منهم ثلاثة فراسخ جاز له القصر. وحيث أن الفرسخ ثلاثة أميال، فيكون معنى الحديث أن من سافر ثلاثة أميال أو سافر تسعة أميال، قصر الصلاة. فتصبح عندنا ثلاثة أقوال محتملة في هذه المسألة: ثلاثة أميال، وسبعة أميال، وتسعة أميال، ونحن نأخُذُ بالأكثر منها احتياطاً وهو تسعة أميال وتبلغ حوالي سبعة عشر كيلو متراً. فهذه هي المسافة التي قدرتها الأحاديث النبوية الصحيحة، فوجب الأخذُ بها والالتزامُ بها، وردُّ جميع أقوال الصحابة المتعارضة والمخالفة لهذا التقدير الشرعي.
стр. 983
وليتهم، غفر الله لهم وعفا عنهم، أخذوا بالبنود الستة التي ذكرناها، وهي بنود صحيحة لا غبار عليها، ليخرجوا بمثل ما خرجنا به من تقديرٍ لمسافة القصر، ولكنهم لم يفعلوا، وبدلاً من أن يأخذوا النص الشرعي، ثم إن وجدوا أقوال صحابة أولوها بما يتفقوا معه أو ردوها، رأيناهم يأخذون أقوال الصحابة كتشريع، ويقومون بتأويل النص الشرعي تأويلاً بعيداً، أي هم قاموا بعكس ما كان يجب عليهم أن يفعلوا، فهذا النص الشرعي، أعني الحديث الثالث، قد أولوه بأن المقصود منه بدء القصر عند السفر الطويل بمعنى أن من نوى السفر ثلاثة مراحل، أو مرحلتين، أو أربعة بُرُد مثلاً، جاز له القصر إن هو قطع ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، فنقلوا هذا النص من موضوعه، وهو تقدير مسافة القصر إلى آخر هو: متى يبدأ القصر؟ وشتان بين الموضوعين، ولقد أخطئوا عندما لم يتقيدوا بهذا النص في تقدير المسافة، وزاد الخطأ منهم عندما أولوه بقولهم إنه نصٌّ في بدء القصر فحسب. ولبيان هذا الخطأ نقول ما يلي:
١ - إن الإجماع عند الإئمة الأربعة هو أن من أراد أن يسافر فله أن يقصر بمجرد الخروج عن آخر بيت من بيوت المدينة أو القرية، وهذا يعني أن من غادر آخر بيت وابتعد عنه مائة متر فقط، أو حتى أقل من ذلك فإن له أن يقصر عندهم فلماذا يضعون حديث أنس في هذا المقام، وهو ينص على مسيرة ثلاثة أميال على الأقل، قبل بدء القصر عندهم؟ أليس في هذا تناقض؟ إنهم إما أن يبقوا على إجماعهم، وإما أن يأخذوا بهذا النص ويدَعوا الإجماع، لأن النص والإجماع، متعارضان هنا.
стр. 984
٢ - إن تأويلهم منقوض ومغلوط، وذلك أن هذا النص لم يجئ في موضوع بدء القصر، وإنما جاء في موضوع تقدير مسافة القصر، وأدَعُ ابن حجر العسقلاني، وهو شافعي المذهب، وصاحب كتاب فتح الباري بشرح البخاري يرد عليهم دعواهم، فقد جاء في هذا الكتاب ما يلي [وحكى النووي أن أهل الظاهر ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا في ذلك بما رواه مسلم وأبو داود من حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال - أو فراسخ - قصر الصلاة» وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا غاية السفر، ولا يخفى بُعْدُ هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال «سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع، فقال أنس» فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها ... ] وهكذا يظهر بوضوح أن من أراد سفراً يبلغ سبعة عشر كيلومتراً أو أكثر فإن له أن يقصر الصلاة الرباعية. هذا هو الحكم الشرعي الصحيح في هذه المسألة.
أما بدء قصر الصلاة، فإنه يحصل بمجرد الخروج عن آخر بيت من بيوت المدينة أو القرية، أي بمجرد مغادرة المدينة أو القرية التي يسكنها، ويستمر في القصر إلى أن يصل إلى أول بيت من بيوت المدينة أو القرية لدى عودته من سفره. قال البخاري «وخرج علي ﵁ فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة، قال: لا، حتى ندخلها» . ولا يوجد نص في هذه النقطة، فنستأنس بهذا الأثر.
стр. 985
ويصح القصر في أي سفر، سواء كان سفر طاعة، أو سفراً مباحاً، أو سفراً محرَّماً، فما يُطلق عليه وصف السفر، وحُدد بسبعة عشر كيلومتراً فأكثر احتياطاً فإنه يبيح القصر، فالعبرة بالسفر وليس بنوعه أو غايته أو المقصود منه.
المسافر يستمر في القصر
ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أن المسافر يصبح مقيماً إذا نوى إقامة أربعة أيام مستدلين بنهيه ﷺ للمهاجرين عن إقامةٍ فوق ثلاثٍ في مكة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن المسافر يتم صلاته إذا عزم على إقامة خمسة عشر يوماً، واحتج بقول ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إذا أقمتَ ببلدٍ وأنت مسافرٌ وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة.
وقال الأوزاعي اثني عشر يوماً. وقال ربيعة يوماً واحداً وليلة.
والذي أراه هو أن هؤلاء جميعاً قد جانبهم الصواب، لأن منهم من استدل بحديث لا يعالج مسألتنا هذه، ومنهم من استدل بأقوال صحابة ولم يستدل بالنصوص الشرعية، وهي متوافرة في مسألتنا هذه، مع ملاحظة أنه قد روي عن الصحابة آراء متعددة مختلفة في هذه المسألة:
والصحيح الذي ينبغي القول به والمصير إليه هو أن المسافر يستمر في قصر الصلاة ما دام ينطبق عليه وصف المسافر طال السفر أو قَصُر، وكل تحديد زمني لسفر القصر هو اجتهاد مرجوح، ومتى نوى المسافر الاستيطان في مكان فقد فَقَدَ وصف المسافر وصار مقيماً يجب عليه الإتمام. فالمسافر يظل مسافراً حتى يعود لوطنه ومدينته ومكان سكناه، أو يتحول ويتَّخذ لنفسه وطناً جديداً ومكانَ إقامةٍ جديداً يقيم فيه إقامة دائمة، ويظل يقصر ما دام مسافراً ولو استمر سفره سنة أو أكثر، ولا يفقد المسافر وصف المسافر إن هو نوى الإقامة المؤقتة أياماً وأسابيع في دار السفر، وحتى لو تزوج المسافر في دار سفره من امرأة مقيمة هناك، فإنه يظلُّ مسافراً يقصر صلاته إلا إن نوى الإقامة الدائمة عندها فيُتمُّ.
следующие страницы →