← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الكتاب الديني، وجاءت في موطنين منها خاصة بكتاب داود١، وكان ورودها إفرادًا وجمعًا. -٨- ذلك ما يُكتب عليه، أما ما يكتب به فسيدور حديثنا عنه على ثلاثة أمور: القلم، والدواة، والحبر. ١- القلم: فالقلم حديثه طويل، ولو أوردنا ما ذكره ابن قتيبة وابن النديم والصولي وابن السيد البطليوسي والقلقشندي في وصفه وأنواعه لملأنا صفحات، ونكون بذلك قد انحرفنا عن النهج الذي خططناه لأنفسنا منذ بدء هذا البحث، واتكأنا على غيرنا حيث كان يجدر بنا ألا نتكئ إلا على استقصائنا وحده. فنحن إنما نؤرخ العصر الجاهلي، وما كتبته هذه الكتب العربية عن مواد الكتابة عام لا يحده عصر، مطلق لا يقيده زمن، وهو منصب على ما عرفوه من العصور الإسلامية. ومن الإخلال بمنهجنا أن نسحبه على العصر الجاهلي. ولذلك لم نورد فيما مضى من الحديث، ولن نورد فيما سيستقبلنا منه، إلا ما استنبطناه من الشعر الجاهلي، أو من أحاديث الرسول وأخبار الصحابة، وبذلك تضيق علينا رقعة البحث، وتقل بين أيدينا مادته، وقد تنقطع بنا المسالك، ولكن هذا هو بحثنا، وتلك هي طبيعته، فلا معدى لنا عن أن نتقيد بهما. والقلم في الجاهلية كما تصفه هذه النصوص مصنوع من القصب يقط ويقلم أو يُبرَى ثم يغمس في مداد الدواة ويكتب به. وقد مر بنا قول عبد الله

стр. 107

ابن حنش١ "رأيتهم يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء". وأكبر ظني أنهم كانوا يستخدمون ضربًا آخر من الأقلام يكتبون به -دون حبر- حينما تلجئهم الحاجة إلى أن يسجلوا بعض شئونهم في عجلة من أمرهم، ودون أن يعدوا للأمر عدته، فالشاعر الجاهلي الذي كان يحتضر فلم يجد وسيلة للكتابة إلا أن يتخذ من رحل قاتله صحيفة يكتب عليها ما كان يريد٢، والصحابي الذي أوصى لرسول الله ﷺ فكتب وصيته في مؤخر رحله٣، والتابعي الذي كان يسمع الحديث من بعض الصحابة في الليل فيكتبه في واسطة رحله حتى يصبح فينسخه٤، هؤلاء جميعًا لم يكونوا معدين للكتابة أمرها، ولم يكونوا متخذين لها أسبابها، وليس مما يقبله العقل أن يكونوا في مثل أحوالهم تلك يحملون معهم قصبهم المقطوط المبرى ودويهم الملأى بالمداد، وإنما كانوا -فيما أرجح- يكتبون بمادة تترك لونها أو أثرها على الرحل، ولعلها مادة طباشيرية، أو فحمية أو رصاصية، وقد أشارت إحدى الروايات إلى أن قيسبة بن كلثوم السكوني كتب على خسبة رحل أبي الطمحان القيني بسكين٥ وكذلك الشأن فيمن كانوا يكتبون على الحجارة، فقد كانوا ينقشون عليها نقشًا، ويستخدمون في نقشهم مواد صلبة ينحتون بها وينقشون. وقد ورد ذكر القلم، مفردًا وجمعًا، بهذا المعنى الذي نقصده، ثلاث مرات في القرآن الكريم٦. وورد ذكره كذلك في الشعر الجاهلي. قال عدي بن زيد٧: له عنق مثل جذع السحو ... ق والأذن مصعنة كالقلم

стр. 108

وقال عدي أيضًا١: ما تبين العين من آياتها ... غير نوى مثل خط بالقلم وقال الزبرقان بن بدر٢: هم يهلكون ويبقى بعد ما صنعوا ... كأن آثارهم خطت بأقلام وقد مرت بنا أبيات: أمية بن أبي الصلت٣، والمرقش٤، وشتيم بن خويلد٥، ولبيد٦، وفيها كلها ذكر القلم. وربما سمي القلم: مزبرًا. فقد رُوي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دعا في مرضه بدواة ومزبر، فكتب اسم الخليفة بعده٧. قال الزمخشري: المزبر هو القلم؛ وأنشد الأصمعي: قد قضى الأمر وجف المزبر ٢- الدواة والمداد: وقد ورد ذكرهما كذلك في الشعر الجاهلي، قال عبد الله بن عنمة٨: فلم يبق إلا دمنة ومنازل ... كما رد في خط الدواة مدادها وقد مر بنا بيتان لأبي ذؤيب٩ ... ولسلامة بن جندل١٠ فيهما ذكر

стр. 109

الدواة. وكانوا أيضًا يسمون المداد "نقسًا"، قال حميد بن ثور١: لمن الديار بجانب الحبس ... كخط ذي الحاجات بالنقس وكانوا أحيانًا يمحون المكتوب بالمداد حين تنقضي حاجتهم منه، ثم يستخدمون الصحيفة لكتابة شأن آخر من شئونهم. ويسمون هذه الصحيفة التي يكتبون فيها ثم يمحونها ثم يكتبون فيها "طرسًا"٢. وكانوا ربما محوا المداد بغسله بالماء، فقد كان عبد الله بن مسعود إذا عرف أن في مجلسه من يكتب حديثه يدعو بالكتاب وبإجانة من ماء فيغسله٣. وكذلك كان يفعل أبو موسى الأشعري٤. وقد مر بنا قول عمر للرجل الذي كتب كتاب دانيال٥: "انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض". -٩- وصف الخط في الجاهلية: وقد كدت أجعل عنوان هذا الجزء من البحث "أنواع الخط في الجاهلية". ولكن أنى لنا أن نعرف أنواع هذا الخط، والأمر في أخبار الجاهلية على ما ذكرنا في غير موطن من هذا الفصل؟ أما ما ذكره ابن مقلة ونقله عنه ابن النديم٦ وابن السيد البطليوسي٧ من أنواع الخطوط ووصف الأقلام فلا يرقى إلى

стр. 110

الجاهلية، والقليل منه لا يعدو أن يكون إشارة عابرة إلى الخط في العصر الأموي، وإنما جل الحديث كان عن العصر العباسي. فلا معدى إذن عن أن أقصر عنوان هذا الجزء من البحث على "وصف الخط في الجاهلية"، ولا معدى كذلك عن أن أعود إلى النهج الذي سلكته من قبل وهو استنطاق الشعر الجاهلي وأخبار صدر الإسلام. ولقد وجدت مما بين يدي من نصوص وروايات أن عرب الجاهلية كانوا يفتنون في خطوطهم وكتابتهم، ويجبرونها ويذهبون فيها مذاهب من التجويد والإتقان. وكان هذا الخط المجود المحبر المتقن يوصف بالترقيش والنمنمة والرقم والوشم والتنميق. وقد أشرنا من قبل إلى بيت أبو ذؤيب الذي يصف فيه الكتابة فتبدو كأنما بلغت شأوًا بعيدًا في الزينة والجمال حتى شبهها في رقمها ووشيها بالعروس التي استكملت زينتها وبهاءها واستخفها الحسن والعجب١. وأشرنا كذلك إلى أبيات للأخنس بن شهاب التغلبي٢، وحاتم الطائي٣، وسلامة بن جندل٤ يصفون فيها الكتابة بالترقيش والنمنمة والتنميق. ومما يدخل في هذا الباب الإشارة إلى مهارة الكاتب وإجادته الخط وتعوده الكتابة، قال لبيد٥: متعود لحن يعيد بكفه ... قلمًا على عسب ذبلن وبان وقال معاوية بن مالك بن جعفر٦: فإن لها منازل خاويات ... على نملى وقفت بها الركابا

стр. 111

من الأجزاع أسفل من نميل ... كما رجعت بالقلم الكتابا كتاب محبر هاجٍ بصير ... ينمقه وحاذر أن يعابا وكان من جملة ما يتصف به هذا الخط المتقن استواء سطوره وتناسق كلماته وحروفه، ومن هنا جاء التشبيه به في الاستقامة والاستواء، فقد ورد في الأثر أن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح أو الرقيم١؛ والرقيم هو الكتاب المرقوم؛ أي كان يفعل في تسوية الصفوف ما يفعل السهام في تقويم قداحه، أو الكاتب في تسوية سطوره. وهذا الضرب من الكتابة المجودة التي يتأنق فيها الكاتب ويجود هي التي رجحنا في أول هذا الفصل أنها كانت معجمة منقوطة. وأما الضرب الثاني من الخط فهو الذي يكتبه الكاتب، وهو في عجلة من أمره لا يتأتى ولا يتأنق، وإنما يخط حروفًا وكلمات ليس فيها أثر من جمال ولا من زينة. وهذا الخط يكون في الغالب غفلًا من النقط والإعجام. وقد عثرت على لفظتين كانتا تدلان على هذا الضرب من الخط الغفل غير المتقن، أولاهما التعريض، وقد وردت في بيت للشماخ٢: كما خط عبرانية بيمينه ... بتيماء حبر ثم عرض أسطرا وتعريض الخط -كما في المعاجم- تثبيجه وتعميته وترك تبيين حروفه وعدم تقويمه. واللفظة الثانية التي تدل على هذا الضرب من الخط الغفل السريع الذي لا إتقان فيه هي: المشق. وقد وردت في أخبار عن رجال الصدر الأول، فقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال٣: "شر الكتابة

стр. 112

المشق، وشر القراءة الهذرمة". وروى ابن سيرين أنه كره أن تكتب المصاحف مشقًا، فلما قيل له: لم كره ذلك؟ قال: "لأن فيه نقصًا، ألا ترى الألف كيف يغرقها ينبغي أن ترد! "١ وذكر ابن السيد البطليوسي أن أهل الأنبار كانوا "يكتبون المشق، وهو خط فيه خفة ... ، ولأهل الحيرة خط الجزم وهو خط المصاحف، وخط أهل الشام: الجليل"٢ وقال أيضًا٣: "فإذا أمد الحروف قيل: مشق مشقًا ويقال: المشق سرعة الكتابة وسرعة الطعن". وكذلك جاء في المعاجم أن المشق: سرعة الكتابة وفسادها. وهذا الخط المعرض أو المشق هو الخربشة، قال زيد بن أخزم الطائي: سمعت ابن دؤاد يقول: كان كتاب سفيان مخربشًا٤.

стр. 113

الباب الثاني: كتابة الشعر الجاهلي وتدوينه الفصل الأول: كتابة الشعر الجاهلي ... الفصل الأول: كتابة الشعر الجاهلي: -١- فإذا صح ما ذهبنا إليه في بحثنا في الباب السابق -ونرجو أن يكون في جملته صحيحًا- فإن من الطبيعي أن نستنبط منه ثلاث نتائج، ذكرناها في مواضعها، ونجمعها الآن لنقدم بها بين يدي هذا الفصل. الأول: قدم الكتابة في بلاد العرب، فقد استبان لنا بالدليل المادي الملموس، المتمثل في النقوش الحجرية المكتشفة، أن عرب الجاهلية قد عرفوا الكتابة بالحروف العربية منذ مطلع القرن الرابع الميلادي. وكتبوا بهذا الخط العربي ثلاثة قرون قبل الإسلام على أقل تقدير. والثانية: معرفة عرب الجاهلية بالكتابة معرفة فيها شيء من الانتشار يبعد عنها ما وصموا به من الجهل بها، وقد دللنا على ذلك بوفرة من النصوص والروايات تنبئ عن النشاط التعليمي في الجاهلية بالكتابة معرفة فيها شيء من الانتشار يبعد عنها ما وصموا به من الجهل بها، وقد دللنا على ذلك بوفرة من النصوص والروايات تنبئ عن النشاط التعليمي في الجاهلية، وقيام "الكتاب" أو "المكتب" آنذاك، وتوافر عدد المعلمين الذين كانوا يعلمون الكتابة، وذلك كله في البيئات المتحضرة مثل: مكة والمدينة والطائف والحيرة والأنبار. والثالثة: اتساع ميدان الكتابة وتشعب موضوعاتها، فذكرنا ضروبًا عدة من الموضوعات التي كانوا يقيدونها بالكتابة، وأثبتنا وصفًا لأدوات الكتابة وآلاتها وأوصاف الخط الجاهلي. وكان عمادنا في كل ما ذكرنا: النقوش الحجرية، والشعر الجاهلي، والروايات والنصوص الجاهلية. وبعض الروايات والنصوص الإسلامية التي تنسحب في دلالاتها وإشاراتها على العصر الجاهلي. وقد انتهى بنا بحثنا المتقدم إلى أن عرب الجاهلية قد عرفوا من الكتابة

стр. 114

صورتها الساذجة اليسيرة حين كتبوا رسائلهم، وصكوك حسابهم وعهودهم ومواثيقهم، ونقشوا خواتمهم وشواهد قبورهم. وهذه كلها لا تتجاوز في حجمها صحيفة واحدة قد تنقص قليلًا أو تزيد قليلًا. وقد عرفوا أيضًا من الكتابة صورة أرقى من هذه الصورة الساذجة، وأكبر حجمًا، وأشد تعقيدًا، وهي التدوين. والفرق بين الصورتين -لغة واصطلاحًا- واضح؛ إذ أن الأولى لا تعني أكثر من مجرد التقييد العابر لما يعرض من شئون الحياة، ولكن التدوين إنما يعني جمع الصحف وضم بعضها إلى بعض حتى يكون لنا منها ديوان، وهو مجتمع الصحف. ولا بد للتدوين من أن يكون عملًا مقصودًا متعمدًا يرمي إلى هذه الغاية، لا عملًا عابرًا عارضًا. ولم نذكر في الفصل السابق من أمثلة هذا التدوين إلا مثلًا واحدًا هو الكتب الدينية. وهدفنا في هذا الفصل تخصيص الحديث بكتابة الشعر الجاهلي منذ أول عهدها الذي استطعنا أن نكشف عنه، ثم نمضي بها حتى نصلها بتدوين هذا الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا في هذا العصر والذي جمعه الرواة العلماء في أواخر القرن الثاني للهجرة. -٢- وموضوع كتابة الشعر الجاهلي -كموضوع الكتابة عامة- ذو شقين، الأول: الكتابة الضيقة التي لا تعدو مجرد التقييد، والثاني: الكتابة الواسعة التي تتجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة التدوين. وقد رأينا أن نبدأ بالحديث عن تقييد الشعر الجاهلي، ونؤخر الحديث عن تدوينه إلى أن نضعه في مكانه المناسب له من حديثنا عن أوائل التدوين وتأليف الكتب في الجاهلية وصدر الإسلام. ويبدو لنا أن الأدلة على تقييد الشعر في الجاهلية يصح أن تقسم ضربين، الضرب الأول: أدلة عقلية استنباطية؛ والثاني: أدلة صرحية مباشرة.

стр. 115

أما الأدلة العقلية الاستنباطية فجماعها في أربعة أمور: الأول: هو هذا الذي قدمناه في الفصل السابق، وتجشمنا مشقة الخوض فيه وبيانه والكشف عن أجزائه وتفاصيله. ولم نكن لنركب هذا المركب لمثل هذا البحث لو لم نرم إلى أن نتخذ منه متكأ نعتمد عليه في بحث كتابة الشعر الجاهلي بخاصة. وذلك أن عرب الجاهلية هؤلاء الذين كانوا يقيدون بالكتابة دينهم ورسائلهم وعهودهم وصكوك حسابهم وسائر ما قدمناه في بحثنا عن موضوعات كتابتهم لا يصح في الفهم أن يقيدوا كل ذلك من أمورهم: دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، حقيرها وعظيمها ثم يهملوا تقييد شعرهم. والشعر عندهم كما هو معروف متداول، في الذروة العليا من القيمة والخطر؛ إذ هو ديوان أمجادهم وأحسابهم، وسجل مفاخرهم ومآثرهم، قال الجاحظ١: " ... فكل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضرب من الضروب وشكل من الأشكال. وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها". وقال ابن قتيبة٢ عن الشعر إن الله جعله لعلوم العرب مستودعًا، ولآدابها حافظًا، ولأنسابها مقيدًا، ولأخبارها ديوانًا لا يرث على الدهر ولا يبيد على مر الزمان. فإذا كانت القبائل تقيد عهودها ومواثيقها -كما مر بنا- أفليس من الطبيعي إذن أن تقيد شعر شعرائها الذين يدافعون به عن حياضها، ويذودون به عن أمجادها، ويسجلون به وقائعها وأيامها، ويعددون فيه انتصاراتها ومآثرها؟ ونحن نعلم أن القبيلة كانت إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس٣.

стр. 116

وقد قال الأعشى يخاطب قومه ويبين لهم فضله عليهم١: وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانًا كمقراض الخفاجي ملحبا وبلغ من عناية القبائل بالشعر أن بني تغلب كانوا يعظمون قصيدة عمرو بن كلثوم المعلقة، وكان يرويها صغارهم وكبارهم حتى هجوا بذلك، فقال بعض شعراء بكر بن وائل٢: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم ومن أبين ما يدل على خطر الشعر عند القوم آنذاك ما ذكره أبو عبيدة قال٣: كان الرجل من أنف الناقة إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع. فما هو إلا أن قال الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟ فصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة. وكما كانت القبائل حريصة على تسجيل مفاخرها في شعر شعرائها كانت كذلك حريصة على أن تتجنب ذم شعراء القبائل الأخرى وهجاءهم. وهل أبلغ في الدلالة على خشيتهم الهجاء وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب ويسب به الأحياء والأموات من أنهم كانوا إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق وربما شدوا لسانه بنسعة كيلا يهجوهم، كما صنعت بنو تيم بعبد يغوث بن وقاص الحارثي حين أسر يوم الكلاب، فقال في ذلك عبد يغوث٤:

стр. 117

أقول، وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا ذلك هو شأن القبائل. أما الأفراد فلا يقلون في هذا عن قبائلهم. فإن هذا الملك أو السيد أو الشريف أو الثري الذي كان يقيد صك حسابه، ويقيد قطوط جوائزه وعطاياه، ويكتب الرسائل في شتى شئونه أيعقل أنه كان يغفل عن أن يولي الشعر الذي يمدح به مثل هذه العناية؟ وقد كانت عناية الممدوح بمدح الشاعر تتمثل في هذه الهبات السخية من الإبل والملابس والحلي والقيان التي كان يهبها الممدوح للشاعر، لأنه بمدحه يذيع اسمه في العرب، ويعلي من قدره بينهم، ويخلد ذكره على مر السنين. فكان الممدوح حريصًا على أشد الحرص على مدح الشاعر، يجهد في إرضائه بما يقدمه إليه من عطايا، ويتكلف لذلك فوق ما في وسعه، حتى إذا أعيته الحيلة ولم يجد وسيلة إلى إرضاء الشاعر بات كثيبًا يخشى مغبة الهجاء؛ وهذا مخارق بن شهاب سيد بني مازن، أتاه محرز بن المكعبر العنبري الشاعر فقال: إن بني يربوع قد أغاروا على إبلي فاسع لي فيها. فقال مخارق: وكيف وأنت جار وردان بن مخرمة؟ فلما ولي عنه محرز محزونًا بكى مخارق حتى بل لحيته، فقالت له ابنته: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي، واستغاثني شاعر من شعراء العرب ولم أغثه؟ والله لئن هجاني ليفضحني قوله، ولئن كف عني ليقتلني شكره! ثم نهض فصاح في بني مازن فردت عليه إبله١. ولقي الزبرقان بن بدر الحطيئة فطمع في أن يصفيه مدائحه فسيره إلى زوجته، أو أمه، وكتب إليها أن تكرمه وتحسن إليه. ولكن بغيض بن عامر -وكان ينازع الزبرقان الشرف- ما زال يسعى حتى استمال إليه الحطيئة، فارتحل إليه، فضرب له بغيض وإخواته قبة، وربطوا بكل طنب من أطنابها حلة

стр. 118

هجرته، وأراحوا عليه إبلهم، وأكثروا عليه التمر واللبن. فلما قدم الزبرقان ولم يجده وعلم بقصته، نادى في قومه، وركب فرسه وأخذ رمحه، وسار حتى وقف على بغيض وقومه، وطلب منهم رد الشاعر، وكاد أن يقع بين الحيين حرب. كل ذلك إكرامًا للشاعر وطمعًا في مدحه وخوفًا من هجائه١. فإذا كان أمر الشعر بهذا الخطر للممدوحين، فهل كان ملوك الحيرة، وملوك غسان، وأشراف المدينة والطائف وساداتها وأثرياؤها، وسادات نجران واليمن، هل كان كل أولئك لا يقيدون ما يمدحون به من الشعر مع أنهم كانوا يقيدون سائر أمورهم؟ ورب معترض يقول: فما بال الشعر القديم في جاهلية الأمم الأخرى لم يكن مكتوبًا -فيما يقال- ثم نفرض أن العرب في جاهليتهم قد كتبوه؟ وما أيسر الإجابة عن هذا الاعتراض! فنحن إنما قدمنا ما قدمنا في الفصل الأول من هذا البحث لندل على أن جاهلية العرب تختلف اختلافًا واسعًا عن جاهلية الأمم الأخرى. فجاهلية تلك الأمم إنما هي الطور البدائي الساذج من حياتهم قبل أن ينتقلوا إلى طور حضاراتهم. ففي ذلك الطور البدائي كان من الطبيعي ألا يكتبوا شعرهم؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون من صور الكتابة ما يعينهم على تقييد أمورهم؛ وأما جاهلية العرب فيغنينا عن إعادة القول فيها ما قدمناه من تبيان معرفتها بالكتابة معرفة قديمة العهد، فيها شيء من الانتشار وتعدد الموضوعات والأدوات. ولذلك نعجب لقوم تكون معرفتهم بالكتابة هذه المعرفة التي بسطنا فيها القول ثم لا يقيدون شعرهم. ونحن إنما نتحدث عن تقييد بعض الشعر لا كله، حتى يستقيم لنا الاستنتاج والاستنباط ونقصد بالتقييد -كما قدمنا- مجرد الإثبات بالكتابة لأبيات أو قصائد متفرقة من الشعر، ولا نعرض الآن لذكر التدوين الشامل المقصود، فلذلك مجاله بعد صفحات من هذا الباب.

стр. 119

-٣- الثاني: أما الدليل الثاني من هذه الأدلة العقلية الاستنباطية فمتصل أوثق الاتصال بالدليل الأول. فإذا كان الشعر المسجل لمفاخر القبائل ومحامد الأفراد له خطره وقيمته عند القبائل والأفراد الممدوحين، فقد كان له من الخطر والقيمة عند الشعراء المادحين أنفسهم ما يضارع ما كان له عند الممدوحين أو يزيد. فقد كان هذا الشعر عند غير المتكسبين بالمدح واجبًا قوميًا تفرضه على الشاعر طبيعة ارتباطه بقبيلته، أو واجبًا أخلاقيًّا تمليه عليه مآثر سلفت من صاحبها لقبيلة الشاعر أو للشاعر نفسه. وأما المتكسبون بالشعر فقد كان هذا الشعر موردًا من موارد ارتزاقهم، أو لعله هو المورد الوحيد لرزقهم. فكان الشاعر منهم يكثر التجوال والتطواف، ويقطع على ظهر ناقته الآماد الواسعة يستسهل طيَّ المفاوز، ويستعذب تحمل المشاق والأهوال في سبيل وصوله إلى ممدوحه الذي سيجزيه عما تجشم وتكلف، ويقضي حاجته، ويكفيه رزقه. أليس عجيبًا بعد ذلك ألا يُعنَى الشاعر، وهذه قيمة الشعر عنده، بأن تحفظ الكتابة شعره أو بعضه؟ وسيشتد العجب إذا علمنا أن بعض الشعراء لم يكونوا في حاجة إلى أن يتلمسوا الوسائل البعيدة لكتابة شعرهم ويتطلبوا من يكتبه لهم؛ لأنهم كانوا هم أنفسهم يحسنون الكتابة ويتقنونها. على أنه كانت ثمة دواع تضطر حتى من لا يعرف الكتابة من الشعراء، إلى أن يستكتب من يعرفها؛ ومن أنصع الإشارات إلى ذلك ما ذكره ابن الأعرابي قال١: بلغ عمرو بن كلثوم أن النعمان بن المنذر يتوعده، فدعا كاتبًا من العرب، فكتب إليه: ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمدحك حولي وذمك قارح

стр. 120

متى تلقني في تغلب ابنة وائل ... وأشياعها ترقى إليك المسالح فإذا كان هذا شأن من لا يعرف الكتابة من الشعراء، فما ظنك بمن كان هو نفسه كاتبًا؟ وحسبنا أن نعرض أسماء من عثرنا عليهم من شعراء الجاهلية ممن كانوا يكتبون، على أن نشير إلى أن إغفال النص على معرفة غيرهم بالكتابة لا يعني أن هؤلاء الذين لم ينص على علمهم بالكتابة كانوا جميعًا يجهلونها. فمنهم عدي بن زيد العبادي: الذي طرحه أبوه -حين أيفع- في الكُتَّاب، حتى إذا حذق الخط العربي أرسله إلى كتاب الفارسية، فصار أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، ثم انتقل إلى بلاط فارس فأصبح كاتبًا بالعربية ومترجمًا في ديوان كسرى١. ومن الشعراء الذين كانوا كتابًا بالعربية ومترجمين في بلاط فارس: لقيط بن يعمر الإيادي٢. وهو الذي أرسل إلى قومه ينذرهم بعزم كسرى على قتالهم، وصحيفته في ذلك مشهورة ابتدأها بقوله: سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد وختمها بقوله: هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا وهي قصيدة طويلة تزيد على الخمسين بيتًا. ومن الشعراء الذين تعلموا الخط والكتابة في مدارس الحيرة: المرقش وأخوه حرملة، وكان أبوهما سعد بن مالك وضع مرقشًا وأخاه -وهما أحب بنيه إليه-

стр. 121

عند رجل من أهل الحيرة، فعلمهما الخط والكتابة١. ومن شعراء المدينة الذين كانوا يكتبون: سويد بن صامت الأوسي٢، وعبد الله بن رواحة٣، وكعب بن مالك الأنصاري وقد كتب شعرًا في يوم أحد ذكر فيه أسماء النقباء وأرسله إلى أبي سفيان بن حرب وأبي بن خلف الجمحي يرد عليهما٤. ومن الشعراء الكتاب كذلك: الربيع بن زياد العبسي، وكان هو وإخوته من الكملة، وقد مر بنا أن من صفات الكامل في الجاهلية أن يحسن الكتابة، وقد كتب الربيع بن زياد إلى النعمان بأبيات يعتذر إليه فيها٥. ومن هؤلاء الشعراء الكتاب: الزبرقان بن بدر٦، والنابغة الذبياني، وقد كتب قصائد أرسلها إلى النعمان يعتذر إليه بها ويحلف له: أنه ما فرط منه ذنب٧. ومنهم كعب بن زهير بن أبي سلمى وأخوه بجير بن زهير، وقد كتب إلى بجير شعرًا يلومه فيه على إسلامه٨، فكتب إليه بجير ينذره ويعلمه أن النبي ﷺ قد قتل بالمدينة كعب بن الأشرف٩. ومن هؤلاء الشعراء الكتاب: لبيد بن ربيعة العامري، وقد كان عمر بن الخطاب أرسل إليه يطلب منه أن يكتب له ما قاله في الإسلام من الشعر، فانطلق لبيد إلى بيته فكتب سورة البقرة في صحيفة، ثم أتى بها فقال: أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر١٠. وقد كان من الناس من يكتب إلى لبيد

стр. 122

أيضًا شعرًا، وذلك أن الوليد بن عقبة خطب الناس بالكوفة في يوم صبا، وقال: إن أخاكم لبيدًا آلى ألا تهب له الصبا إلا أطعم الناس حتى تسكن، وهذا اليوم من أيامه، فأعينوه، وأنا أول من أعانه. ونزل، فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه أبياتًا من الشعر.. فلما أتاه الشعر قال لابنته: أجيبيه١. ومما يؤيد معرفة لبيد بالكتابة في الجاهلية أن في شعره الجاهلي كثيرًا من الإشارات والمعاني الدينية التي تدل على أنه كان في الجاهلية يؤمن بالبعث. وقد كان أكثر هؤلاء الذين كانوا على دين في الجاهلية يحسنون الكتابة٢. ومن هؤلاء الشعراء الذين كانوا يؤمنون بالبعث في الجاهلية ويقرءون الكتب الدينية: أمية بن أبي الصلت٣. ومن هؤلاء الشعراء المخضرمين الذين ولدوا في الجاهلية وعمروا في الإسلام إلى زمن عبد الملك بن مروان واشتهروا بالعلم والفقه: مسروق بن عبد الرحمن٤، وشريح بن الحارث الكندي٥. ولا بد من الإشارة إلى أن النص على معرفة الشعراء بالكتابة لم يكن في الكتب العربية نصًّا صريحًا مقصودًا لذاته، وإنما أكثر ما يكون استطردًا عابرًا لتوضيح سياق قصة تتصل بالشاعر، أو بقومه، أو بحادثة بعينها. ويبدو لنا أن الذين خلَّفوا لنا هذه الكتب -وهم الذين سجلوا تاريخنا الأدبي- كانوا يتوهمون أن معرفة الشاعر بالكتابة عيب ينتقص من شاعريته، وذلك لأنهم كانوا يظنون أن معرفة الكتابة أمر حادث طارئ على العرب، وهو من أمور المدنية التي كانت تفسد الأعراب وسليقتهم اللغوية الفطرية، فكانوا يشكون

стр. 123

في كل أعرابي يتصل بالمدينة ويكتسب من مظاهر حضارتها. قال الجاحظ١: "سمعت ابن بشير، وقال له أبو الفضل العنبري -يبدو أنه أحد الأعراب-: إني عثرت البارحة بكتاب، وقد التقطته، وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرًا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيدًا. قال: والله ما أدري أمقيد هو أم مغلول. ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته. وهذا الحكم الذي فرضوه على الأعراب سحبوه أيضًا على الشعراء أنفسهم، حتى الشعراء الإسلاميين الذين كانوا معروفين باتصالهم الوثيق بالبادية، فكانوا لذلك مصدرًا لهؤلاء اللغويين والرواة ومعتمدًا لهم فيما يذكرونه من شواهد وأمثلة. وأوضح ما يبين لنا ذلك أن أبا النجم العجلي الراجز وذا الرمة قد عيبا بمعرفة الكتابة فأنكرها ذو الرمة. قال أبو بكر الصولي٢: قد عيب أبو النجم بهذا [أي بقوله: أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف كأنما قد كتبا لام ألف] . فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف، كما عيب ذو الرمة في وصف ناقته: كأنما عينها فيها -وقد ضمرت ... وضمها السير في بعض الأضا- ميم٣ وقال أيضًا: "قرأ حماد الرواية على ذي الرمة شعره، قال: نراه قد ترك في الخط لامًا، فقال له ذو الرمة: اكتب لامًا. فقال له حماد: وإنك لتكتب؟ قال: اكتم عليَّ فإنه كان يأتي باديتنا خطاط فعلمنا الحروف تخطيطًا في الرمال

стр. 124

في الليالي المقمرة فاستحسنها فثبتت في قلبي، ولم تخطها يدي". فإذا كان هذا رأي هؤلاء العلماء الرواة في القرن الثاني الهجري في الشعراء الإسلاميين أنفسهم، فلا بد أن يكون رأيهم هذا أكثر تشددًا وغلوًّا في الشعراء الجاهليين؛ ولذلك نحسب أن أخبار معرفة الشعراء الجاهليين بالكتابة قد وصلتنا ناقصة مبتورة مشوهة، ولولا هذا الوهم الخاطئ لوصلنا الشيء الكثير الذي يدعم ما نذهب إليه. -٤- الثالث: وثالث هذه الأدلة متصل كذلك بالسابقين لا يكاد ينفصل عنهما، ومداره على طبيعة ضرب من الشعر هو هذا الشعر الذي كان يتكلفه صاحبه تكلفًا بعد جهد ومشقة، لا يرتجله ارتجالًا، ولا يناسب منه عن طبع وفي يسر وسماحة، وإنما يقول البيت أو الأبيات ثم يطويها إلى أن توافيه أبيات أخرى يضمها إلى سابقاتها، فإذا ما اكتملت له القصيدة طواها كلها، وأخذ يعيد فيها نظره: يهذب من ألفاظها كلما سنح له وجه من وجوه التهذيب ويقوم بعض ما لم يكن قد استقام له من معانيها كلما واتته فرصة التقويم ذلك هو الشعر الحولي المحكك، وأولئك الشعراء هم عبيد الشعر كما سماهم الرواة العلماء١. قال الجاحظ٢: "ومن شعراء العرب من كان يدع القصيدة تمكث عنده حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله ويقلب فيها رأيه، اتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله تعالى

стр. 125

من نعمته. وكانوا يسمون تلك القصائد: الحوليات والمقلدات والمنقحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلًا خنذيذًا وشاعرًا مفلقًا". وقال ابن جني١: "ليس جميع الشعر القديم مرتجلًا، بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه، والملاطفة له، والتلوم على رياضته، وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولدين، ألا ترى إلى ما يُروى عن زهير، من أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين، فكانت تسمى حوليات زهير؛ لأنه كان يحوك القصيدة في سنة؟..". وهذا شاعر جاهلي هو امرؤ القيس بن بكر بن امرئ القيس بن حارث الكندي، ويقال له الذائد، يصف "عملية الانتخاب الفني" للألفاظ فيقول٢: أذود القوافي عني ذيادا ... ذياد غلامٍ غويٍّ جرادا فلما كثرن وأعيينني ... تنقيت منهن عشرًا جيادا فأعزل مرجانها جانبًا ... وآخذ من درها المستجادا ويقول كعب بن زهير٣: فمن للقوافي -شأنها من يحوكها- ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول يقول فلا يعيا بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل نقومها حتى تقوم متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل كفيتك، لا نلقى من الناس واحدًا ... تنخل منها مثل ما نتنخل

стр. 126

وقد كان طفيل الغنوي في الجاهلية يدعى: المحبر، لتحسينه الشعر١. وقد مر بنا أن ابن فارس٢ يرى أن بعض شعراء الجاهلية كان يعرف علم العربية والعروض: ما كان منه متصلًا ببحور الشعر أو بقوافيه وعيوبها -مهما تكن الألفاظ الاصطلاحية التي كانوا يستخدمونها-، وقد أضفنا بعض ما عثرنا عليه مما يؤيد رأي ابن فارس في معرفة الشعراء الجاهليين بهذه العلوم. ولا ريب أن ما قدمنا من حديث واضح الدلالة على أننا لا نعمم فيما نلقي من أحكام، فنحن لا نقصد أن كل شعراء الجاهلية كانوا يعرفون هذه العلوم، ولا نقصد كذلك أن جميع شعراء الجاهلية كانوا يتروون في نظم قصائدهم ويثقفونها وينقحونها. ولكننا نخص بحديثنا هذه الفئة من الشعراء التي كانت ترى الشعر عملًا عقليًّا تفكر فيه بعقلها كما تحسه بعاطفتها، وتنظمه وترصعه كما ترصع حجارة الفسيفساء. وإذا كانا لا ننكر أن بعض الشعراء كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا، وأن بعضهم كان يندلث منه الشعر أندلاثًا هينًا سمحًا، وأن هاتين الطائفتين، أو بعض رجالهما، لا تضطرهم طبيعة هذا الضرب من الشعر إلى تقييده وإثباته بالكتابة، إذا كنا لا ننكر ذلك، فإنه لا بد لنا أن نتريث قليلًا عند الفئة الأخرى من الشعراء وشعرهم، وأن نتوقف عن أن نسحب عليهم حكم الضرب الأول. فنحن لا نفهم كيف يستطيع الشاعر الذي تمكث عنده القصيدة "حولًا كريتًا، وزمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويحيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه، واتهامًا لعقله، وتتبعًا على نفسه، فيجعل عقله زمامًا على رأيه، ورأيه عيارًا على شعره، إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوله الله تعالى من نعمته ... "، والشاعر الذي كان يعرض له في الشعر من "الصبر

стр. 127

عليه، والملاطفة له، والتلوم على رياضته، وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولدين.." والشاعر الذي كانت تكثر عليه القوافي فيذودها عنه ذيادًا، ثم ينتقي منها الجيد انتقاء، وينظر إلى قوافيه وألفاظه نظرة الجوهري إلى لآلئه: يعزل مرجانها جانبًا، ويأخذ المستجاد من درها..، والشاعر الذي يتنخل كلامه تنخلًا، ويثقف ألفاظه وقوافيه حتى تلين تمنونها، نحن لا نفهم كيف يستطيع هؤلاء الشعراء أن يقوموا بهذا العمل العقلي الذي يستغرق هذا الوقت المديد دون أن يكون الشعر مقيدًا أمامهم على صحيفة يرجعون إليها بين وقت وآخر: يزيدون عليه أو ينقصون منه، ويستبدلون لفظة بلفظة، وقافية بقافية. وهل يصح بعد هذا أن نذهب إلى أن هؤلاء الشعراء الذين كانوا يصنعون الشعر صناعة، بل يصنعونه تصنيعًا، ويعرفون من بحوره وقوافيه ولغته وإعرابه ما لا يُكتسب إلا بالتعليم والدراسة، هل يصح أن نذهب إلى أن هؤلاء الشعراء كانوا أميين ويستطيعون أن يقوموا بهذه "العمليات" المعقدة المتراكبة فطرةً وطبعًا، والشعر معلق في ذاكرتهم لا يعدوها؟ أحسب أن لا، وأحسب أن الأرجح أن هذا الضرب من الشعر المنقح كان يفرض عليهم أن يقيدوه على ما كانوا يملكون من صحف الكتابة التي بيَّنَّا أنواعها في فصل سابق.

стр. 128

الرابع: وآخر هذه الأدلة العقلية الاستنباطية: هذا الشعر الجاهلي الحافل بذكر الكتابة وصورها، والإشارة إلى أدواتها، وتشبيه الأطلاق والرسوم ببقايا الخطوط على الرق أو المهارق أو سائر أنواع الصحف، مما يدل على أن هؤلاء الشعراء الجاهليين كانوا على علم دقيق، بأنواع الكتابة والحروف١. وقد ذكرنا هذا الشعر الجاهلي، الذي يحفل بذكر الكتابة، متفرقًا في مواطنه من الباب السابق حين تحدثنا على أدوات الكتابة وآلاتها، واستشهدنا به لكل جزء من أجزاء البحث، ووجدنا أن الشعر الجاهلي لم يغفل صغيرة ولا كبيرة فيه، وإنما استوعب الموضوع من نواحيه، ولمه من أطرافه كلها. ومع ذلك فإننا سنشير إلى أبيات قليلة فيها من الصور الشعرية المركبة ما ينبئ عن أن قائلها لا بد أن يكون عالمًا بهذه الصور، وأن الجاهل بها لا يتأتَّى له ذكرها ووصفها على هذا الوجه المفصل. فأبو ذؤيب الهذلي يشير إلى كاتب يكتب دينًا له -وليس في هذه دلالة على شيء مما نذهب إليه لو وقف عنده- ولكنه يصف في بيتين كتابة هذا الكاتب الدائن، وأنها كانت كتابة دقيقة يتأنق فيها حتى يجعلها مزخرفة مزينة كالعروس ليلة تُهدى إلى زوجها. فوصف أبو ذؤيب هذه الكتابة بأنها "رقم" و"وشي" و"نمنمة". ثم يصف لنا الصحف التي كان يكتب عليها، ويذكر أنها ناعمة رقيقة "كالرياط"، ولا يكتفي بذلك بل إنه ليعرف أن هذه الصحف لا يكتب عليها الكاتب أول مرة، وإنما يستخدمها بعد أن استخدمها غيره من قبله، فجاء صاحبنا الدائن فمحا الكتابة السابقة، وكتب عليها دينه، ولكن آثار الكتابة

стр. 129

السابقة ما زالت باقية يشاهدها أبو ذؤيب فيعرفها ويصفها، وذلك قوله١ عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري برقم ووشي كما زخرفت ... بميشمها المزدهاة الهدي أدان وأنباه الأولو ... ن أن المدان الملي الوفي فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتاب محي وفي أبيات لخزز بن لوذان السدوسي يذكر فيها إنكاره لما كان يعتقده أهل زمانه آنذاك من التشاؤم والتفاؤل بالسوانح والبوارح وعقد التمائم لدفع الغوائل. ويقرر فيها أن الدهر قلب لا يدوم له خير ولا يتصل له شر. ولو أننا لم نقف عند هذه المعاني العقلية التي لا تصدر إلا من مثقف متعلم يثور على معتقدات أهل زمانه وأباطيلهم، فإننا لا نستطيع إلا أن نقف عند آخر بيت منها، إذ نكاد نفهم منه أن هذا الشاعر قد قرأ الكتب الدينية القديمة، واشتق منها هذه المعاني التي يصورها، وذلك قوله٢: لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واقٍ وحاتم فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم٣ ويصور لنا لبيد صورة غريبة مركبة حين يصف لنا الأطلال. وذلك في قوله٤ أو مذهب جدد على أواحهن الناطق المبروز والمختوم

стр. 130

فيشبه رسوم الديار بلوح مذهب عليه جدد، وهي الطرائق التي فيها، ويقول الطوسي شارح ديوان لبيد، فما ينقله عن ابن الأعرابي، إن المذهب لوح ضمت إليه ألواح من جوانبه، كانوا يضعون عليه الكتب التي ترسل إلى الملوك تعظيمًا للملك. لا تمسه إلا يده يأخذ ما شاء ويترك ما شاء. فكانت هذه الكتب الموضوعة إما مبروزة: أي منشورة، وإما مختومة لم تنشر بعد، وعبر عن الكتاب المرسل بالناطق. ومن الأبيات التي تشتمل على ذكر للكتابة، وقد تدل على أن للشاعر معرفة بالكتابة والقراءة: بيتا معقل بن خويلد، اللذان يذكر فيهما ما يُفهم منه أنه قرأ بيته الثاني في كتاب فاقتبسه، وذلك قوله١: وإني كما قال مملي الكتا ب في الرق إذ خطه الكاتب: يرى الشاهد الحاضر المطمئن ... من الأمر ما لا يرى الغائب ونحن نكتفي بهذا القدر من الأبيات التي تشتمل على دلالة تشير إلى معرفة قائليها بصور متعددة من الكتابة والقراءة. وأما سائر الأبيات التي تشتمل على ذكر الكتابة وما يتصل بها فقد عرضناها في مواطنها من الفصل السابق ولا حاجة بنا إلى إعادتها والاستكثار بها. -٦- تلك هي الأدلة العقلية الاستنباطية التي رأينا أنها قد تشير إلى معرفة الشعراء الجاهليين بالكتابة وإلى أن بعض هؤلاء الشعراء ربما استخدم الكتابة في تقييد

стр. 131

بعض شعره. أما الأدلة الصريحة المباشرة فتتمثل في هذه الروايات والنصوص التي لممنا نثارها. وجمعنا متفرقها. وننظمها الآن في سلك واحد لنرى أنها واضحة صريحة في أن بعض الشعر الجاهلي كان يقيد. سواء أكان الذين يقيدونه هم الشعراء الجاهليين أنفسهم بخط يدهم أم كان هؤلاء الشعراء يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم. وقد لحظنا -بعد أن جمعنا مادة هذا الفصل- في هذه الروايات والنصوص أمرين؛ الأول: أن أكثرها يشير إلى أن هذا الشعر المقيد بالكتابة إنما كان رسائل يبعث بها الشاعر، ومع ذلك فقد عثرنا على روايات قليلة تشير إلى تقييد الشعر للحفظ. والثاني: أن هذه الرسائل الشعرية كانت شيئًا مألوفًا في العصور الإسلامية، وبين أيدينا أخبار ونصوص عنها في زمني عمر ومعاوية خاصةً. وحسبنا أن نشير إلى مواطنها١. ونحب أن نقدم بخبرين من صدر الإسلام ثم ننتقل إلى أخبار الجاهلية نفسها ونصوصها: فقد اجتمع الأنصار في مجلس٢، فتذاكروا هجاء النجاشي إياهم، فقالوا: من له؟ فقال الحارث بن معاذ بن عفراء: حسان له ... فتوجه نحوه. والقوم كلهم معظم لذلك، حتى دق عليه الباب ... فلما دخل عليه كلمه. فقال: أين أنتم عن عبد الرحمن؟ قال: إياك أردنا، قد قاوله عبد الرحمن فلم يصنع شيئًا. فوثب، وقال: كن وراء الباب، واحفظ ما ألقي ... فدخل وهو يقول:

стр. 132

أبني الحماس أليس منكم ماجد ... إن المروءة في الحماس قليل "ثمانية أبيات" ثم مكث طويلًا على الباب يقول: والله ما أبحرت، ثم ألقى علي: حارِ بنَ كعبٍ ألا الأحلام تزجركم ... عني، وأنتم من الجوف الجماخير لا عيب بالقوم من طول ولا عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير كأنهم قصب جوف، مكاسره ... مثقب فيه أرواح الأعاصير دعوا التخاجو وامشوا مشية سجحًا ... إن الرجال أولو عصبٍ وتذكير لا ينفع الطول من نوك القلوب، ولا ... يهدي الإله سبيل المعشر البور إني سأنصر عرضي من سراتكم ... إن الحماس نسي غير مذكور ألفى أباه وألفى جدجه حبسنا ... بمعزل عن معالي المجد والخير ثم قال للحارث: اكتبها صكوكًا، فألقها إلى غلمان الكتاب. قال الحارث: ففعلت.." وقد ذكر الزمخشري أن طلحة ﵁ أنشد قصيدة، فما زال شانقًا ناقته حتى كتبت له القصيدة١. وحينما علم كعب بن زهير بإسلام أخيه بجير كتب إليه٢: ألا أبلغا عني بجيرًا رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا؟ سقيت بكأس عند آل محمد ... فأنهلك المأمون منها وعلكا فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أي شيء، ويب غيرك، دلكا؟

стр. 133

فلما أتى الكتاب بجيرًا كتب إلى كعب يقول١: من مبلغ كعبًا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلًا وهي أحزم إلى الله -لا العزى ولا اللات- وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير -وهو لا شيء دينه- ... ودين أبي سلمى على محرم وكان أبو سفيان بن حرب وأبي بن خلف الجمحي قد كتبا إلى الأنصار كتابًا يعاتبانهم فيه على إيوائهم رسول الله ﷺ ، ويطلبان منهم أن يخلوا بينه وبين قريش. فكتب إليهما كعب بن مالك الأنصاري في يوم أحد بهذا الشعر -وهو أربعة عشر بيتًا- يرد عليهما فيه، ويذكر أسماء النقباء٢: أبلغ أبيًّا أنه قال رأيه ... وحان غداة الشعب والحين واقع أبى الله ما منتك نفسك إنه ... بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد أضا لنا ... بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترعين في حشد أمر تريده ... وألب وجمع كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا ... أباه عليك الرهط حين تبايعوا ثم يذكر أسماء النقباء، ويختم الأبيات الأربعة عشر بقوله: أولاك نجوم لا يغبك منهم ... عليك بنحسٍ في دجى الليل طالع وذكروا أن الناس أصبحوا يومًا بمكة، فرأوا مكتوبًا على دار الندوة٣:

стр. 134

ألهى قصيا عن المجد الأساطير ... ورشوة ما تُرشَى السفاسير وأكلها اللحم بحتًا لا خليط له ... وقولها: رحلت عير، أتت عير وذكروا أن النعمان بن المنذر ولَّى بعض الأعراب باب الحيرة مما يلي البرية، فصاد الأعرابي ضبًّا، فبعث به إلى النعمان وكتب إليه١: جبى المال عمال الخراج وجبوتي ... مقطعة الآذان صفر الشواكل وعين الربا والبقل حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب المراجل ويبدو أن طبيعة حياة القصور في بلاط النعمان وما يكثر فيها من دس ووقيعة ووشايات كانت تضطر الشعراء إلى أن يدفعوا عن أنفسهم هذه الدسائس، فينجوا بأنفسهم مخافة الفتك بهم، ثم يقولوا شعرًا ويكتبوه ويرسلوه إلى النعمان. فمن ذلك تلك القصائد الكثيرة التي كانت يقولها عدي بن زيد في سجنه ويكتب بها إلى النعمان٢. ومن ذلك أيضًا أن النابغة -بعد أن هرب من النعمان ومكث عند آل جفنة- أرسل إلى النعمان قصائد يعتذر إليه بها، ويحلف له: أنه ما فرط منه ذنب٣. ومن ذلك أيضًا أن النعمان أمر الربيع بن زياد العبسي بالانصراف، فلحق بأهله وكتب إلى النعمان أبياتًا يعتذر فيها، وهي٤: لئن رحلت جمالي إن لي سعة ... ما مثلها سعة عرضًا ولا طولا

стр. 135

بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشة من ريش شمويلا ترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحًا وغسويلا فابرق بأرضك يا نعمان متكئًا ... مع النطاسي يومًا وابن نوفيلا فكتب إليه النعمان جوابًا عن أبياته بأبيات أخرى هي قوله. شرد برحلك عني حيث شئت ولا ... تُكثر عليَّ ودع عنك الأباطيلا فقد ذكرت به والركب حامله ... وردًا يعلل أهل الشام والنيلا فما انتفاؤك منه بعد ما خرعت ... هوج المطي به إبراق شمليلا قد قيل ذلك إن حقًّا وإن كذبًا ... فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة ... وانشر بها الطرف إن عرضًا وإن طولا وبلغ عمرو بن كلثوم أن النعمان بن المنذر يتوعده فدعا كاتبًا من العرب فكتب إليه١: ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمدحك حولي وذمك قارح متى تلقني في تغلب ابنة وائل ... وأشياعها ترقَى إليك المسالح وغضب الحارث بن مارية الغساني على عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي فتهدده، فدعا عبد العزى ابنيه: شراحيل وعبد الحارث، فكتب معهما إلى قومه٢: جزاني -جزاه الله شر جزائه- ... جزاء سنمارٍ وما كان ذا ذنب سوى رصه البنيان عشرين حجة ... يعل عليه بالقراميد والسكب

стр. 136

وهي أبيات١. ولما طال سجن عدي بن زيد، في حبس النعمان، كتب إلى أخيه أبي وهو مع كسرى بهذا الشعر٢: أبلغ أبيا على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم بأن أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به واثقًا ما سلم لدى ملك موثق في الحديد ... إما بحق وإما ظلم فلا أعرفنك كذات الغلا ... م ما لم تجد عارمًا تعترم٣ فأرضك أرضك إن تأتنا تنم نومة ليس فيها حلم فكتب إليه أخوه أبي رسالة شعرية أخرى أبياتها عشرة نكتفي بذكر مطلعها: إن يكن خانك الزمان فلا عا ... جز باع ولا ألف ضعيف٤ ثم قام أبي إلى كسرى فكلمه في أمره وعرفة خبره، فكتب إلى النعمان يأمره بإطلاقه. وكان أحمر بن جندل أسيرًا، في يد صعصعة بن محمود بن عمرو بن مرثد، فأطلقه؛ فقال أخوه سلامة بن جندل هذه الأبيات وبعث بها إلى صعصعة٥: سأجزيك بالقد الذي قد فككته ... سأجزيك ما أبليتنا العام صعصعا

стр. 137

فإن يك محمود أباك فإننا ... وجدناك منسوبًا إلى الخير أروعا سأهدي، وإن كنا بتثليث، مدحة ... إليك، وإن حلت بيوتك لعلعا فإن شئت أهدينا ثناء ومدحة ... وإن شئت عدينا لكم مائة معا وكان الأسرى ينتهزون كل فرصة ليكتبوا إلى قومهم يعلمونهم بحالهم؛ فمن ذلك أن رجلًا من بني تميم كان أسيرًا فكتب إلى قومه١: حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم ... والباز الأصهب المعقول فاصطنعوا إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا ومن ذلك أيضًا أن قيسبة بن كلثوم السكوني أسره بنو عامر بن عقيل، فمر به أبو الطمحان القيني، فوعده مائة ناقة إن هو بلغ قومه رسالة، ثم كتب على مؤخر رحل أبي الطمحان٢: بلغا كندة الملوك جميعًا ... حيث سارت بالأكرمين الجمال أن ردوا العين بالخميس عجالًا ... وأصدروا عنه والروايا ثقال هزئت حارتي وقالت عجيبًا ... إذ رأتني في جيدي الأغلال إن تريني عاري العظام أسيرًا ... قد براني تضعضع واختلال فلقد أقدم الكتبية بالسيـ ... ـف على السلاح والسربال وقد مر بنا ذكر الكتابة على الرحل حين تحدثنا عن أدوات الكتابة، وقلنا آنذاك إنه كان أمرًا مألوفًا حين يضطر المرء وتعجزه وسيلة أخرى للكتابة، ومثلنا على ذلك بالكتابة على الرحل زمن الرسول والصحابة٣.

стр. 138

وكان أيضًا ممن كتب على الرحل من الشعراء الجاهليين: المرقش١، وذلك أنه مرض في الطريق -وكان معه عسيف له من غفيلة، ووليدة هي امرأة الغفلي- فسمع مرقش زوج الوليدة يقول لها: اتركيه فقد هلك سقمًا وهلكنا معه ضرًّا وجوعًا. فجعلت الوليدة تبكي من ذلك، فقال لها زوجها: أطيعيني، وإلا فإني تاركك وذاهب ... فلما سمع مرقش قول الغفلي للوليدة كتب مرقش على مؤخرة الرحل هذه الأبيات: يا صاحبي تلبثا لا تعجلا ... إن الرواح رهين ألا تفعلا فلعل لبثكما يفرط سيئًا ... أو يسبق الإسراع سيبًا مقبلا يا راكبًا إما عرضت فبلغن ... أنس بن سعدٍ إن لقيت، وحرملا لله دركما ودر أبيكما ... إن أفلت العبدان حتى يُقتلا من مبلغ الأقوام أن مرقشًا ... أضحى على الأصحاب عبئًا مثقلا وكأنما ترد السباع بشلوه ... إذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا وهل أبلغ في الدلالة على شيوع كتابة الشعر في الرسائل من هذه الأبيات التي أرسلها الحارث بن كلدة إلى بني عم له يعاتبهم؛ لأنه كتب إليهم قبلها فلم يجيبوه، قال٢: ألا أبلغ معاتبتي وقولي ... بني عمي فقد حسن العتاب وسل: هل كان لي ذنب إليهم ... وهم منه -فأعتبهم- غضاب كتبت إليهم كتبًا مرارًا ... فلم يرجع إليَّ لها جواب ومن أشهر الشعر الجاهلي الذي قيد بالكتابة على الصحف: قصيدة لقيط

стр. 139

ابن يعمر الأيادي التي أرسلها إلى قومه ينذرهم غزو كسرى إياهم، وقد كتب قبل القصيدة مقدمة شعرية من أربعة أبيات جعلها كالعنوان، وهي١: سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد بأن الليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النقاد أتاكم منهم ستون ألفًا ... يزجون الكتائب كالجراد على حنقٍ أتينكم، فهذا ... أوان هلاككم كهلاك عاد أما القصيدة نفسها بعد هذه المقدمة الشعرية فهي العينية المشهورة التي يصف فيها الشاعر حال قومه وضعفهم وتخاذلهم وقوة عدوهم، ثم يبين لهم ما يجب أن يتحلى به من يولونه قيادهم من صفات، ومطلعها٢: يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا وهي خمسة وخمسون بيتًا يختمها بقوله: هذا كتابي إليكم والنذير لكم ... لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا ذلك هو تقييد الشعر الجاهلي، وقد جمعنا ما استطعنا أن نعثر عليه من أدلة عقلية ونقلية تسنده. وقد انتهت بنا كلها إلى ترجيح أن الشعر الجاهلي كان يقيد في صحف متفرقة لأغراض شتى. غير أن هذا كله مرحلة واحدة من مراحل بحثنا نقودنا إلى مرحلة تالية نتحدث فيها عن تدوين الشعر الجاهلي.

стр. 140

الفصل الثاني: تدوين الشعر الجاهلي مدخل ... الفصل الثاني: تدوين الشعر الجاهلي -١- والحديث عن تدوين الشعر الجاهلي لا تستقيم أمامنا طرائقه إلا إذا عبدنا من حوله سبل الحديث عن نشأة التدوين العام وأوائل المؤلفات المدونة. وذلك لأنه لا تخصيص إلا بعد تعميم؛ فإذا كان الأصل الكلي -وهو التدوين عامة- ما زال غامض النشأة، مشكوكًا في بداياته، منكورًا قدمه وسبقه، فإن الفراغ الجزئي -وهو تدوين الشعر الجاهلي بخاصة- لا يصح أن يقوم وحده معلقًا في الفضاء، وحوله سحب الشك والإنكار١. فإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا التدوين العام: سواء أكان تفسيرًا حديثًا أم لغة أم أدبًا عامًا -يشتمل في طياته على شعر جاهلي، بل على شعر جاهلي كثير- استبنَّا، لهذين الأمرين مجتمعين، ضرورة الإلمام بأطراف من نشأة التدوين على أن نوجز القول إيجازًا، ونقتضبه اقتضابًا، ونكتفي منه باللمحة

стр. 141

الدالة. فلسنا نقصد إلى هذا الحديث لذاته، وإنما نتوسل به إلى موضوعنا الأصيل، ونتخذه معبرًا نجتازه إلى بحث تدوين الشعر الجاهلي. وأول ما يعرض لنا، قبل المضي في البحث، سؤالان تعتمد على إجابتهما خطواتنا التالية. الأول: هل كانت الصحف من الكثرة والشيوع بمنزلة يتيسر معها أن يوجد التدوين؟ والثاني: ما هو المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية للتدوين في صدر الإسلام؟ وتبدو لنا قيمة السؤال الأول في أن التدوين والتأليف لا يقوم لهما وجود إلا إذا كانت الصحف التي تتخذ للكتابة من الوفرة والانتشار بمنزلة يتيسر معها، لمن أراد، أن يشتري منها ما يفي بحاجته، فيستطيع أن يضم بعضها إلى بعض، ويؤلف أجزاءها، ويجعل من مجموعة هذه الصحف ديوانًا مؤلفًا. أما إذا كانت الصحف مفقودة أو نادرة أو عزيزة مرتفعة الثمن لا يُستطاع الحصول عليها إلا بشق النفس أو بعد أن يُبذل في شرائها من المال ما لا يطيقه إلا الموسرون الأثرياء، فإن استخدام الصحف للكتابة في هذه الحالة لا يكون إلا في نطاق ضيق محدود لا يتيسر معه وجود التدوين والتأليف. ويبدو لنا، مما عثرنا عليه من روايات ونصوص، أن الصحف كانت منذ الصدر الأول كثيرة شائعة، وأنه كانت لها أسواق أو متاجر خاصة تباع فيها، ويقوم على بيعها رجال يختصون بهذا الضرب من التجارة ويُعرفون به ويلقبون بالوراقين. ويبدو لنا كذلك أن هذه الصحف كانت أثمانها زهيدة يستطيع الناس أن ينالوا منها ما يريدون من غير أن يتكلفوا من أمر مالهم رهقًا. ومما يدل على هذا الضرب من التجارة، وعلى توافر الصحف في الأسواق، وسهولة الحصول عليها، ما رُوي من أن علي بن أبي طالب خطب الناس في الكوفة، فقال: من يشتري علمًا بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم،

стр. 142

ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا١. وما رُوي أيضًا عن أبي الشعثاء سليم بن أسود قال: كنت أنا وعبد الله بن مرداس، فرأينا صحيفة، فيها قصص وقرآن، مع رجل من النخع، قال: فواعدنا المسجد، قال، فقال عبد الله بن مرداس: أشتري صحفًا بدرهم٢ "يريد أن ينسخها فيها". وعن إبراهيم أن علقمة اشترى ورقًا فأعطى أصحابه فكتبوه له٣. وعن وكيع عن محل قال، قلت لإبراهيم: لا بد للناس من المصاحف. فقال: اشتر المداد والورق واستعن "يعني من يكتب له"٤. وكان مطر بن دهمان مولى علي بن أبي طالب يُدعى مطرًا الوراق٥؛ ويروي أبو عبيدة أن المهلب قال لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في الأسواق إلا على زراد أو وراق٦ ومما يؤيد ما ذكرناه من انتشار الصحف وبيعها في الأسواق وسهولة الحصول عليها وجود طبقة من النساخ كان بعضهم يحترف النساخة ويؤجر عليها. وممن كان ينسخ في الصحف: عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب٧، ومالك بن دينار الذي قال٨: دخل عليَّ جابر بن زيد، وأنا أكتب مصحفًا، فقلت: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ فقال: نعم الصنعة صنعتك، ما أحسن هذا تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به. وكان سلمة بن دينار الأعرج أيضًا من

стр. 143

هؤلاء النساخين١، وكان يأتيه الناس يكتبون حديثه، وممن كان يأتيه ابن شهاب الزهري، فكان الزهري يأخذ ورقة من ورق الأعرج فيكتب فيها الحديث ثم يقرأه ثم يمحوه مكانه؛ وربما قام بها معه، فيقرأها ثم يمحوها. ومهما يكن عمل هؤلاء النساخ، أو الموضوع الذي ينسخونه، فإن الذي يعنينا من أمرهم أن قيام طبقة خاصة من النساخ دليل نضمه إلى الأدلة السابقة، فتشير كلها إلى توافر الصحف في الأسواق، ووجود محال خاصة لتجارتها، وقيام أفراد يختصون ببيعها وبالنسخ عليها، واستطاعة الناس آنذاك شراءها٢. -٢- فإذا كان ذلك كذلك، فما هو المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية، للتدوين في هذا العصر المبكر؟ ونقصد بذلك الألفاظ التي كانوا يطلقونها ليدلوا بها على مجموعة الصحف المدونة. فإذا كانوا قد عرفوا التدوين والتأليف فلا شك في أنهم استخدموا ألفاظًا خاصة لمجموعة صحفهم تختلف عن ألفاظهم

стр. 144

الدالة على الصحيفة المفردة. وسنعرض هنا بعض هذه الأبيات ليزداد اطمئناننا إلى معرفتهم بالتدوين آنذاك. فمنها: الدفتر: ذكر الصولي١ أنه ما سمع شيء في اشتقاقه إلا أنه عربي فصيح. وقد ورد ذكره في كلام لعمر بن الخطاب، حينما جاءه بنو عدي يكلمونه في أمر ترتيب عطائهم في الديوان، فقال٢: بخ بخ بني عدي، أردتم الأكل على ظهري لأن أذهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة، وإن أطبق عليكم الدفتر. يعني: ولو أن تكتبوا آخر الناس. وقال ابن شهاب الزهري٣: خرجنا مع الحجاج بن يوسف إلى الحج، فلما كنا بالشجرة، قال: تبصروا الهلال، فإن في بصري عهدة. فقال له نوفل بن مساحق: أتدري مم ذاك؟ ذاك من كثرة نظرك في الدفاتر. وورد ذكر الدفتر كذلك في الشعر الإسلامي المبكر. قال جندل بن المثنى الطهوي٤: هلا بحجر يا ربيع تبصر ... قد قُضي الدين وجف الدفتر الكراسة: وربما سموا مجموعة الصحف أو الأوراق كراسة؛ قال إبراهيم٥ وما فرغ علقمة "ابن قيس النخعي المتوفى سنة ٦٢" من مصحفه حتى بعث إلى أصحابه الكراسة والكراستين والورقة والورقتين. وكان الضحاك يقول٦: لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف.

стр. 145

الكتاب: وقد مر بنا، في حديثنا عن أدوات الكتابة، بعض ما ورد فيه لفظ الكتاب من الشعر الجاهلي، وقلنا آنذاك إن الكتاب مصدر كالكتابة، ولكنه لكثرة استعماله ودورانه أصبح اسمًا يطلق على الشيء المكتوب. وسنعرض بعض الروايات التي يرد فيها لفظ الكتاب بمعنى: الديوان أو الصحف المجموعة، وبذلك يكون معناه آنذاك كمعناه عندنا الآن. فقد جاء ابن قرة بكتاب إلى ابن مسعود وقال١: وجدته بالشام فأعجبني فجئتك به. قال: فنظر فيه ابن مسعود، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم. وهذا عبيدة بن عمرو السلماني المرادي "-٧٢" دعا بكتبه عند موته، فمحاها، وقال٢: أخشى أن يليها أحد بعدي فيضعوها في غير مواضعها. وكذلك وضع كريب "-٩٨" عند موسى بن عقبة حمل بعير من كتب ابن عباس "-٦٨"٣. وأوصى كذلك أبو قلابة عبد الله بن زيد "-١٠٤، ١٠٥، ١٠٧" أن تُدفع كتبه بعد موته إلى أيوب السختياني إن كان حيًّا وإلا فلتحرق٤. وكذلك أمر شعبة بن الحجاج ابنه أن يغسل كتبه ويدفنها بعد موته٥. ألفاظ أخرى: وكانوا كذلك يطلقون على الكتاب المجموع لفظ: المصحف -ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن الكريم وحده. فمن ذلك ما ذكره بقية قال٦: دفع إليَّ بحير مصحفًا لخالد بن معدان "الكلاعي المتوفى سنة ١٠٤" فيه علمه أخذه منه مكتوبًا في تختين وله مثل دفتي المصحف وله عرى وأزرار.
следующие страницы →