← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الدالة. فلسنا نقصد إلى هذا الحديث لذاته، وإنما نتوسل به إلى موضوعنا الأصيل، ونتخذه معبرًا نجتازه إلى بحث تدوين الشعر الجاهلي. وأول ما يعرض لنا، قبل المضي في البحث، سؤالان تعتمد على إجابتهما خطواتنا التالية. الأول: هل كانت الصحف من الكثرة والشيوع بمنزلة يتيسر معها أن يوجد التدوين؟ والثاني: ما هو المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية للتدوين في صدر الإسلام؟ وتبدو لنا قيمة السؤال الأول في أن التدوين والتأليف لا يقوم لهما وجود إلا إذا كانت الصحف التي تتخذ للكتابة من الوفرة والانتشار بمنزلة يتيسر معها، لمن أراد، أن يشتري منها ما يفي بحاجته، فيستطيع أن يضم بعضها إلى بعض، ويؤلف أجزاءها، ويجعل من مجموعة هذه الصحف ديوانًا مؤلفًا. أما إذا كانت الصحف مفقودة أو نادرة أو عزيزة مرتفعة الثمن لا يُستطاع الحصول عليها إلا بشق النفس أو بعد أن يُبذل في شرائها من المال ما لا يطيقه إلا الموسرون الأثرياء، فإن استخدام الصحف للكتابة في هذه الحالة لا يكون إلا في نطاق ضيق محدود لا يتيسر معه وجود التدوين والتأليف. ويبدو لنا، مما عثرنا عليه من روايات ونصوص، أن الصحف كانت منذ الصدر الأول كثيرة شائعة، وأنه كانت لها أسواق أو متاجر خاصة تباع فيها، ويقوم على بيعها رجال يختصون بهذا الضرب من التجارة ويُعرفون به ويلقبون بالوراقين. ويبدو لنا كذلك أن هذه الصحف كانت أثمانها زهيدة يستطيع الناس أن ينالوا منها ما يريدون من غير أن يتكلفوا من أمر مالهم رهقًا. ومما يدل على هذا الضرب من التجارة، وعلى توافر الصحف في الأسواق، وسهولة الحصول عليها، ما رُوي من أن علي بن أبي طالب خطب الناس في الكوفة، فقال: من يشتري علمًا بدرهم؟ فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم،

стр. 142

ثم جاء بها عليًّا، فكتب له علمًا كثيرًا١. وما رُوي أيضًا عن أبي الشعثاء سليم بن أسود قال: كنت أنا وعبد الله بن مرداس، فرأينا صحيفة، فيها قصص وقرآن، مع رجل من النخع، قال: فواعدنا المسجد، قال، فقال عبد الله بن مرداس: أشتري صحفًا بدرهم٢ "يريد أن ينسخها فيها". وعن إبراهيم أن علقمة اشترى ورقًا فأعطى أصحابه فكتبوه له٣. وعن وكيع عن محل قال، قلت لإبراهيم: لا بد للناس من المصاحف. فقال: اشتر المداد والورق واستعن "يعني من يكتب له"٤. وكان مطر بن دهمان مولى علي بن أبي طالب يُدعى مطرًا الوراق٥؛ ويروي أبو عبيدة أن المهلب قال لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في الأسواق إلا على زراد أو وراق٦ ومما يؤيد ما ذكرناه من انتشار الصحف وبيعها في الأسواق وسهولة الحصول عليها وجود طبقة من النساخ كان بعضهم يحترف النساخة ويؤجر عليها. وممن كان ينسخ في الصحف: عمرو بن نافع مولى عمر بن الخطاب٧، ومالك بن دينار الذي قال٨: دخل عليَّ جابر بن زيد، وأنا أكتب مصحفًا، فقلت: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ فقال: نعم الصنعة صنعتك، ما أحسن هذا تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به. وكان سلمة بن دينار الأعرج أيضًا من

стр. 143

هؤلاء النساخين١، وكان يأتيه الناس يكتبون حديثه، وممن كان يأتيه ابن شهاب الزهري، فكان الزهري يأخذ ورقة من ورق الأعرج فيكتب فيها الحديث ثم يقرأه ثم يمحوه مكانه؛ وربما قام بها معه، فيقرأها ثم يمحوها. ومهما يكن عمل هؤلاء النساخ، أو الموضوع الذي ينسخونه، فإن الذي يعنينا من أمرهم أن قيام طبقة خاصة من النساخ دليل نضمه إلى الأدلة السابقة، فتشير كلها إلى توافر الصحف في الأسواق، ووجود محال خاصة لتجارتها، وقيام أفراد يختصون ببيعها وبالنسخ عليها، واستطاعة الناس آنذاك شراءها٢. -٢- فإذا كان ذلك كذلك، فما هو المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية، للتدوين في هذا العصر المبكر؟ ونقصد بذلك الألفاظ التي كانوا يطلقونها ليدلوا بها على مجموعة الصحف المدونة. فإذا كانوا قد عرفوا التدوين والتأليف فلا شك في أنهم استخدموا ألفاظًا خاصة لمجموعة صحفهم تختلف عن ألفاظهم

стр. 144

الدالة على الصحيفة المفردة. وسنعرض هنا بعض هذه الأبيات ليزداد اطمئناننا إلى معرفتهم بالتدوين آنذاك. فمنها: الدفتر: ذكر الصولي١ أنه ما سمع شيء في اشتقاقه إلا أنه عربي فصيح. وقد ورد ذكره في كلام لعمر بن الخطاب، حينما جاءه بنو عدي يكلمونه في أمر ترتيب عطائهم في الديوان، فقال٢: بخ بخ بني عدي، أردتم الأكل على ظهري لأن أذهب حسناتي لكم، لا والله حتى تأتيكم الدعوة، وإن أطبق عليكم الدفتر. يعني: ولو أن تكتبوا آخر الناس. وقال ابن شهاب الزهري٣: خرجنا مع الحجاج بن يوسف إلى الحج، فلما كنا بالشجرة، قال: تبصروا الهلال، فإن في بصري عهدة. فقال له نوفل بن مساحق: أتدري مم ذاك؟ ذاك من كثرة نظرك في الدفاتر. وورد ذكر الدفتر كذلك في الشعر الإسلامي المبكر. قال جندل بن المثنى الطهوي٤: هلا بحجر يا ربيع تبصر ... قد قُضي الدين وجف الدفتر الكراسة: وربما سموا مجموعة الصحف أو الأوراق كراسة؛ قال إبراهيم٥ وما فرغ علقمة "ابن قيس النخعي المتوفى سنة ٦٢" من مصحفه حتى بعث إلى أصحابه الكراسة والكراستين والورقة والورقتين. وكان الضحاك يقول٦: لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف.

стр. 145

الكتاب: وقد مر بنا، في حديثنا عن أدوات الكتابة، بعض ما ورد فيه لفظ الكتاب من الشعر الجاهلي، وقلنا آنذاك إن الكتاب مصدر كالكتابة، ولكنه لكثرة استعماله ودورانه أصبح اسمًا يطلق على الشيء المكتوب. وسنعرض بعض الروايات التي يرد فيها لفظ الكتاب بمعنى: الديوان أو الصحف المجموعة، وبذلك يكون معناه آنذاك كمعناه عندنا الآن. فقد جاء ابن قرة بكتاب إلى ابن مسعود وقال١: وجدته بالشام فأعجبني فجئتك به. قال: فنظر فيه ابن مسعود، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم. وهذا عبيدة بن عمرو السلماني المرادي "-٧٢" دعا بكتبه عند موته، فمحاها، وقال٢: أخشى أن يليها أحد بعدي فيضعوها في غير مواضعها. وكذلك وضع كريب "-٩٨" عند موسى بن عقبة حمل بعير من كتب ابن عباس "-٦٨"٣. وأوصى كذلك أبو قلابة عبد الله بن زيد "-١٠٤، ١٠٥، ١٠٧" أن تُدفع كتبه بعد موته إلى أيوب السختياني إن كان حيًّا وإلا فلتحرق٤. وكذلك أمر شعبة بن الحجاج ابنه أن يغسل كتبه ويدفنها بعد موته٥. ألفاظ أخرى: وكانوا كذلك يطلقون على الكتاب المجموع لفظ: المصحف -ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن الكريم وحده. فمن ذلك ما ذكره بقية قال٦: دفع إليَّ بحير مصحفًا لخالد بن معدان "الكلاعي المتوفى سنة ١٠٤" فيه علمه أخذه منه مكتوبًا في تختين وله مثل دفتي المصحف وله عرى وأزرار.

стр. 146

وثمة ألفاظ أخرى ذكرنا بعضها في الفصل الأول، وليس من هدفنا استقصاء هذا البحث، وإنما أوردنا هذه اللمحة العامة لنبين أن الألفاظ التي كانوا يطلقونها على تلك المجموعات توضح -بصورتها اللغوية وبالأخبار التي وردت فيها- أن القوم قد عرفوا التدوين بالمعنى الاصطلاحي منذ عهد التابعين الأولين ومن قبلهم الصحابة أنفسهم. بل لقد أوردنا في الفصل الأول ألفاظًا استعملت في الجاهلية تدل على المجموع المدون وكانت خاصة بالكتب الدينية مثل: السفر والزبور، وذكرنا هناك من أمثلة الكتب المدونة: التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى من العرب، وأشرنا إلى مجلة لقمان مع سويد بن الصامت١، وكتابات دانيال زمن عمر بن الخطاب، وأن عمر بن الخطاب نفسه انتسخ كتابًا من كتب أهل الكتاب في أديم فغضب من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. ويبدو أن هذه الكتب قد بلغت في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من الكثرة والانتشار ما كان يُخشى منه الضلال والانصراف إليها عن قراءة القرآن. قال القاسم بن محمد٣ إن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: "أيها الناس، إنه قد بلغني أنه ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتابًا إلى أتاني به، فأرى فيه رأيي. قال: فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها، ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف؛ فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار". وقد تعني لفظة الكتب هنا: الكتب الدينية؛ ولكنها قد تحتمل أيضًا سائر الكتب. فالخوف من الضلال والانصراف إلى هذه الكتب عن القرآن الكريم ينسحب على الكتب جميعها؛ وقد تتضمن هذه الكتب بعض ما كان يدونه.

стр. 147

الجاهليون من كتب حكمهم وعلمهم١؛ وقد تتضمن كتب الأدب والأخبار الجاهلية التي تقص أخبار الجاهلية وأشعارها بما فيها من أيام ووقائع ومنازعات، فتثير الخصومات، وتحيي حمية الجاهلية، مما لا تحمد عقباه. فإذا كانوا آنذاك ينهون عن رواية الشعر الجاهلي الذي يبعث هذه المنازعات، فإن الأولى أن يحرقوا ويمزقوا تلك الكتب التي تشتمل على هذه الأخبار والأشعار. ثم لا يكاد يمضي من القرن الأول نصفه حتى ترى قيام نادٍ فيه مكتبة عامة تحوي كتبًا في شتى الموضوعات، يؤمها الناس فيقرءون ما يشاءون منها؛ فقد كان "عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي قد اتخذ بيتًا، فجعل فيه شطرنجات ونردات وفرقات، ودفاتر فيها من كل علم. وجعل في الجدار أوتادًا، فمن جاء علق ثيابه على وتد منها، ثم جر دفترًا فقرأه، أو بعض ما يُلعب به فلعب به مع بعضهم"٢. وليس في هذا ما يُستغرب فقد كان عدد القارئين الكاتبين كبيرًا حتى إن الضحاك بن مزاحم -في النصف الثاني من القرن الأول- كان في مكتبة ثلاثة آلاف صبي، وكان يطوف عليهم على حمار٣. وهل أدل على هذه النهضة العلمية التأليفية المبكرة في القرن الأول من أن خالد بن يزيد بن معاوية -وقد كان خطيبًا شاعرًا وفصيحًا جامعًا وجيد الرأي كثير الأدب- وقد انصرف إلى العلم وتأليف الكتب وترجمة بعضها إلى العربية، فكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء٤. ومما يدل على وجود خزائن الكتب في زمن الأمويين، وعلى قدم حركة النقل والترجمة، ما ذكره ابن جلجل في ترجمة ماسرجويه من أنه "كان يهودي

стр. 148

المذهب سريانيًّا، وهو الذي تولى في الدولة المروانية تفسير كتاب أهرن بن أعين القيس إلى العربية، ووجده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب، فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه، فاستخار الله في إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به، فلما تم له في ذلك أربعون صباحًا أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم"١. فمنذ مطلع القرن الأول الهجري إذن حتى نهايته -فيما تتبعناه- كانت صحف الكتابة كثيرة، موجودة في الأسواق، زهيدة الأثمان، وبذلك وجدت الكتب والمدونات. وكان عدد القارئين كثيرًا؛ ولم تكن هذه الكتب والمدونات خاصةً بالأفراد أو مقصورة على الاستعمال الشخصي، بل لقد كانت تُعرض في مكتبات عامة كما رأينا. وكانت، فوق هذا، تباع في الأسواق لمن أراد أن يشتريها ويقتنيها؛ فقد ذكروا أن همام بن منبه كان يشتري الكتب لأخيه وهب بن منبه "المتوفى سنة ١١٠هـ" وكان وهب هذا مشهورًا بسعة اطلاعه وكثرة الكتب التي قرأها٢. -٣- غير أن هذا إجمال عام يقتضينا أن نشير إشارة موجزة إلى أنواع هذا التدوين، وذكر الموضوعات التي كانوا يدونونها؛ لنستبين الصلة بين التدوين العام وتدوين الشعر الجاهلي خاصة. ونقصد من هذا العرض السريع أن نوضح أن تدوين الحديث والتفسير واللغة والأنساب والشعر قد بدأ منذ عهد مبكر جدًّا؛ وأنه ليس صحيحًا ما يذكر من أن التدوين لم يعرفه العرب إلا في آخر القرن الثاني ومطلع القرن الثالث.

стр. 149

الحديث والفقه مدخل ... الحديث والفقه: لقد رُوي عن رسول الله ﷺ وعن بعض الصحابة ما يستفاد منه كراهة كتابة الحديث. وقد جمع الخطيب البغدادي هذه الأحاديث والآثار في القسم الأول من كتابه "تقييد العلم"١. ولكنه في القسم الثاني من كتابه جمع من الأحاديث والآثار ما يكشف عن سبب هذه الكراهة، ثم يعقد عليها بما يُغني عن إطالة الحديث، قال٢: فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول، إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله غيره أو يُشتغل عن القرآن بسواه، ونُهي عن الكتب القديمة أن تُتخذ؛ لأنه لا يُعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها، مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمنًا عليها. ونُهي عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره؛ لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن". غير أنه وردت كذلك أحاديث عن رسول الله ﷺ وأخبار عن صحابته ﵃، تحض على كتابة الحديث، وقد جمعها الخطيب كذلك في القسم الثالث من كتابه٣. ولن نعرض لهذه الأحاديث والآثار بشيء، ففيما صنعه الخطيب البغدادي ما يكفينا ويكفي غيرنا ممن يحب التوسع في هذا الموضوع. ولكننا سنورد من الأخبار ما يدحض الزعم الشائع أن الحديث ظل أكثر من مائة سنة يتناقله

стр. 150

العلماء حفظًا دون أن يكتب. وسنبين أن الحديث قد دُوِّن على عهد رسول الله ﷺ ، وواصل الصحابة والتابعون تدوينه بعد ذلك؛ وأن الحفظ والرواية الشفهية قد سارتا جنبًا إلى جنب مع الكتابة والتدوين لا يفصل بينهما فاصل من الزمن، ولا ينفي وجود إحداهما وجود الأخرى. فعبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب أحاديث رسول الله ﷺ بعلمه وإذنه، ولقد سأل رسول الله ﷺ -بعد أن أذن له بكتابة حديثه-: هل يكتب كل ما يسمع؟ فقال ﷺ : اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق١. وكان عبد الله بن عمرو يُسمي صحيفته التي كتب عليها الأحاديث: الصادقة. قال مجاهد٢: رأيت عند عبد الله بن عمرو صحيفة، فسألته عنها، فقال: هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه فيها أحد. ويقال إن فيها ألفًا من الأحاديث١، وقد بقيت هذه الصحيفة عند أهل بيته فكان حفيده عمرو بن شعيب يحدِّث٤ منها. وقد ضمن أحمد بن حنبل هذه الصحيفة مسنده فصانها من الضياع٥. وصحابي جليل آخر كتب الأحاديث الشريفة هو عبد الله بن عباس. ذكر موسى بن عقبة قال٦: وضع عندنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس، فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب، كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا، فينسخها ويبعث بها. وصحابي جليل ثالث هو أنس بن مالك خادم رسول الله وملازمه في بيته ليلًا

стр. 151

ونهارًا عشر سنوات. فقد روى هبيرة بن عبد الرحمن أن أنس مالك كان إذا حدث فكثر عليه الناس، جاء بمجال من كتب، فألقاها ثم قال: هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله ﷺ وعرضتها عليه١. وكان أنس يحض بينه على كتابة الحديث٢. وصحابي جليل رابع هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث. قال ابن لعمرو بن أمية الضمري٣: تحدثت عند أبي هريرة بحديث، فأنكر، فقلت: إني قد سمعته منك. فقال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي. فأخذ بيدي إلى بيته، فأرانا كتبًا كثيرة من حديث رسول الله ﷺ ، فوجد ذلك الحديث. وقد كتب عبد العزيز بن مروان إلى كثير بن مرة الحضرمي -وكان قد أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله ﷺ أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله ﷺ من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة فقد ذكر أنه عنده٤. وعن بشير بن نهيك٥ قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبته فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم. ومن كبار التابعين الذين دونوا الحديث: عروة بن الزبير "المتوفى سنة ٩٤" -وكانت عائشة خالته- قال هشام بن عروة بن الزبير٦: أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له؛ فكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي.

стр. 152

وكان أول كتاب ظهر للشيعة: كتاب سليم بن قيس الهلالي من أصحاب علي١. وكان سعيد بن جبير يسائل ابن عباس وابن عمر، فيكتب ما يسمع منهما من الحديث٢. وكانت للحسن البصري كتب حديث وفقه، وكان بعض أصحابه يأخذها فينسخها ثم يردها٣. وهمام بن منبه جالس أبا هريرة، وسمع منه أحاديث، وكتبها في مجموعة سماها: الصحيفة الصحيحة، كأنه سماها على مثال الصحيفة الصادقة التي كتبها عبد الله بن عمرو. والراجح أن همامًا كتبها في حياة أبي هريرة قبل سنة ٥٨ هجرية. وقد نقل أحمد بن حنبل هذه الصحيفة كاملة في مسنده٤؛ ونقل البخاري عددًا كبيرًا من أحاديثها في أبواب شتى٥. وقد عُثر حديثًا على مخطوطتين من هذه الصحيفة، ونشرت في مجلة المجمع العلمي بدمشق٦. فلم يبق عندنا شك إذن في أن بعض حديث رسول الله ﷺ قد كتب منذ عهده، واستمر الصحابة والتابعون في كتابته، وليس من الصواب في شيء أن يُزعم أن الحديث الشريف بقي مائة سنة أو تزيد يتناقله الناس حفظًا، ولم يدونوه إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة.

стр. 153

التفسير: ولا يختلف التفسير عما قدمنا من أمر الحديث، فسبيلهما في ذلك واحدة. إذ يبدو لنا أن كتابة التفسير قد بدأت كذلك من عهد الصحابة،

стр. 154

وتابعهم فيها التابعون، حتى وصلت إلى ما نعرف من أوائل كتب التفسير التي بين أيدينا. فقد مر بنا أن كتب عبد الله بن عباس بلغت حمل بعير، وأن كُرَيبًا وضعها عند موسى بن عقبة، فكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إلى موسى أن يبعث إليه بالصحيفة التي يريدها، فينسخها علي ويردها إليه. وقد أوردنا هذا النص في حديثنا عن الحديث النبوي، غير أن كتب ابن عباس هذه لم تكن كلها في الحديث، وإنما كان بعضها في التفسير وما يتصل به من أسباب النزول وأحكام القرآن: فقد كان لابن عباس كتاب في التفسير رواه عند مجاهد١، وعكرمة٢. وروى عكرمة كذلك كتاب ابن عباس في نزول القرآن٣. أما كتاب ابن عباس في أحكام القرآن فقد رواه عنه الكلبي٤. وممن كتب التفسير أيضًا عروة بن الزبير، وقد مر بنا أن عروة كتب الحديث كذلك. ونجد في سيرة ابن هشام٥ وطبقات ابن سعد٦ قطعة طويلة من تفسيره تتضمن ما يتصل بالآيات من حوادث تاريخية وأسباب النزول. وذلك أن ابن أبي هنيدة٧ صاحب الوليد بن عبد الملك كتب إلى عروة بن الزبير يسأله عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ ٨ فكتب إلى عروة: إن رسول الله ﷺ كان صالح قريشًا يوم

стр. 155

الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام، أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام ... "إلى آخر النص". وممن كتب التفسير من التابعين أيضًا: سعيد بن جبير؛ فقد أرسل إليه عبد الملك بن مروان أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير إليه بتفسيره، فحفظه عبد الملك عنده في الديوان. وقد روى عطاء بن دينار التفسير عن سعيد بن جبير، ولكنه لم يسمعه منه، وإنما وجد عطاء هذا التفسير في الديوان، فأخذه، فأرسله عن سعيد بن جبير١. ومع أن عطاء لم يسمعه من سعيد بن جبير إلا أن غيره سمعه منه وكتبه عنه، فقد كان عزرة يختلف إلى سعيد "معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير"٢. وقد كان كثير من التابعين يكتبون التفسير. وحسبنا أن نذكر كتابين من هذه الكتب: الأول: كتاب تفسير الحسن بن أبي الحسن البصري٣. والثاني: كتاب تفسير السدي، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة المتوفى سنة ١٢٧، روى عن أنس وغيره من الصحابة. وقد جمع السدي تفسيره بطرق ثلاث: عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة، وقد رأى تفسيره الإمام أحمد بن حنبل، ونقل منه كثيرًا الطبري في تفسيره٤.

стр. 156

المغازي والسيرة: وأول ما يلفتنا من المغازي والسيرة أنها كانت مادة من مواد المفسر يلجأ إليها حين يعرض لأسباب نزول الآية أو للأخبار والحوادث المتصلة بها، كما مر بنا في تفسير عروة بن الزبير لآية من سورة الممتحنة إذ فصَّل القول في الصلح بين رسول الله ﷺ وقريش يوم الحديبية؛ وكذلك كان دأب المفسرين. ولكن عروة كانت له كتابات تاريخية خالصة؛ حفظتها لنا بعض كتب التاريخ التي وصلت إلينا. فقد كان عبد الملك بن مروان يرسل إليه يسأله عن بعض الحوادث التاريخية، فكتب إليه يسأله مرة عن هجرة الحبشة١، ومرة أخرى عن وقعة بدر وخروج أبي سفيان٢، ومرة ثالثة عن خالد بن الوليد وفتح مكة٣. وكان عروة بن الزبير في كل مرة يكتب إلى عبد الملك مجيبًا له عما يسأله؛ فكان مما كتبه مثلًا "أما بعد، فإنك كتبت إلي في أبي سفيان ومخرجه، تسألني كيف كان شأنه؟ كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشام في قريب من سبعين راكبًا، من قبائل قريش كلها، كانوا تجارًا بالشام. فأقبلوا جميعًا معهم أموالهم وتجارتهم؛ فذكروا لرسول الله ﷺ وأصحابه، وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقتلت قتلى ... " ثم يمضي يفصل القول تفصيلًا في مقدمات وقعة بدر مما نقله الطبري في تاريخه. ولذلك قيل إن عروة أول من صنف في المغازي٤. ولم يكن عروة وحده يدون هذه المغازي، بل كان يدونها غيره من معاصريه، مثل أبان ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان "توفي أبان سنة ١٠٥"، وقد أخذ

стр. 157

هذه المغازي عن أبان: المغيرة بن عبد الرحمن، وكانت كثيرًا ما تُقرأ عليه١. ووهب بن منبه كتب كذلك المغازي والسيرة٢. وقد وجد بيكر C.N. Becker بين مجموعة أوراق بردي shott- Reinhardt المحفوظة في هيدلبرج، مجلدًا يرجح أنه يحوي قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه؛ وتاريخ نسخ هذه القطعة سنة ٢٨٨، فهي بعد وفاة وهب بنحو قرن واحد٣. وجاء بعد ذلك ابن شهاب الزهري "المتوفى سنة ١٢٤"، وقد طلب منه خالد بن عبد الله القسري أن يكتب له السيرة٤، فقال له ابن شهاب: فإنه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب، فأذكره؟ فقال له خالد: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم!! وللزهري كتاب عن مشاهد النبي ﷺ رواه عنه يونس بن يزيد٥، لا أدري أهو نفسه كتاب السيرة الذي كتبه لخالد القسرى، أم أنه كتاب غيره. ثم خلف بعد هؤلاء موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة. -٤- لقد كانت هذه الموضوعات الثلاثة: الحديث، والتفسير، والسير والمغازي إسلامية في مادتها. وقد دلت بما لا يقبل الشك على أن تدوين الموضوعات في كتب -مهما يكن حجمها- قد بدأ في عهد مبكر جدًّا: منذ عهد الرسول والصحابة، وأن هذه الموضوعات لم تُنقل بالرواية الشفهية قرنًا أو يزيد حتى

стр. 158

دُونت، كما ذهب إليه الكثيرون. أما تدوين ما يتصل بالجاهلية من أخبار وأنساب وأشعار، فسنوردها مجتمعة؛ لأنها متداخلة متشابكة في تدوينها منذ بدأ هذا التدوين. وكان العالم الذي يدون الجاهلية، أو يرويها، يذكر الخبر ثم يستشهد عليه بالشعر ويفصل القول في أنساب من يرد ذكرهم في حديثه، أو يذكر الشعر ثم يرود من الأخبار والأنساب ما يفسره ويتصل به. وأول ما يبدو لنا في هذا الموضوع أن الذين دونوا تلك الموضوعات الإسلامية التي ذكرناها، كانوا أيضًا يعرضون لذكر الجاهلية: ففي كتب المغازي والسير كانوا يعرضون لذكر العرب الجاهليين والأنبياء السابقين ويفصلون القول في نسب الرسول الكريم وأخبار مكة وقريش ومن يتصل بهما من أفراد وقبائل. وكانت هذه الكتب التاريخية في السيرة والمغازي تشتمل على كثير من الشعر الذي قاله الشعراء الجاهليون الخالصون والشعراء الجاهليون المخضرمون. وقد كان كُتَّاب السيرة والمغازي -في الصدر الأول- يحفظون كثيرًا من الشعر الجاهلي ويستخدمونه في الاستشهاد على ما يكتبون أو يتحدثون. قال أبو الزناد عن أبان بن عثمان بن عفان -وقد مر بنا أنه من كتاب السيرة والمغازي- إنه قلما كان في صحبته دون أن يتمثل بأشعار شاعر المدينة اليهودي الربيع بن أبي الحقيق، وذلك قوله١: سئمت وأمسيت رهن الفرا ... ش من جرم قومي ومن مغرم ومن سفه الرأي بعد النُّهَى ... وعيب الرشاد ولم يفهم فلو أن قومي أطاعوا الحليم ... لم يتعدوا ولم يظلم ولكن قومي أطاعوا الغوا ... ة حتى تعكس أهل الدم٢

стр. 159

فأودى السفيه برأي الحليـ ... ـم وانتشر الأمر لم يبرم وذكروا أن عروة الزبير وهو أيضًا ممن كتب السير والمغازي كان من أروى الناس للشعر١. وكذلك كان المفسرون يعتمدون على الشعر الجاهلي وكلام العرب في تفسير ألفاظ القرآن الكريم وفهم معانيه: فقد رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر٢: ما تقولون فيها؟ "يقصد في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ "، فسكتوا. فقام شيخ من هذيل، فقال: هذه لغتنا، التخوف: التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته: تخوف الرحل منها تامكًا قردًا ... كما تخوف عود النبعة السفن٣ فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ويُروى قريب من هذا عن ابن عباس، فقد ذكر أبو بكر الأنباري٤ قال: أتى أعرابي إلى ابن عباس فقال: تخوفني مالي أخ لي ظالم ... فلا تخذلني اليوم يا خير من بقي فقال ابن عباس: تخوفك أي تنقصك؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ أي تنقص من خيارهم. وقد كان ابن عباس حريصًا على الشعر الجاهلي يحث الناس على تعلمه

стр. 160

وطلبه لتفسير القرآن، فمما قاله في ذلك١: "وإذا سألتم عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر؛ فإن الشعر ديوان العرب". وقد حاج ابن عباس عمرو بن العاص في مجلس معاوية ﵃ في آية٢، فقال عمرو: تغرب في عين حامية؛ وقال ابن عباس: حمئة. فلما خرج إذا رجل من الأزد قال له: بلغني ما بينكما، ولو كنت عندك أفدتك بأبيات قالها تُبَّع: فرأى مغار الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلبٍ وثأطٍ حرمد٣ فقال ابن عباس: اكتبها يا غلام. وقال عثمان بن أبي العاصي الثقفي لبنيه: "يا بني، إني قد أمجدتكم في أمهاتكم، وأحسنت مهنة أموالكم، وإني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه. والناكح مغترس، فلينظر امرؤ منكم حيث يضع غرسه؛ والعرق السوء قلما ينجب ولو بعد حين". فقال ابن عباس: يا غلام اكتب لنا هذا الحديث٤. وقال ابن عباس كذلك٥: ما كنت لأدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ابتدأت حفرها. وقد ذكر عكرمة٦ أنه ما سمع ابن عباس فسر آية من كتاب الله

стр. 161

إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب. وكذلك كان ابن مسعود يُعنَى بالعربية والشعر، وقد كان يسأل في ذلك زر بن حبيش -وكان أعرب الناس١. وكذلك كان ابن شهاب الزهري؛ فقد قال ابن أبي الزناد٢: كنا لا نكتب إلا سنة، وكان الزهري يكتب كل شيء، فلما احتيج إليه عرفت أنه أوعى الناس. وقد كان الزهري يضرب في كل فنٍ بسهم وافر، وقد كتب في الأنساب كتابًا لم يُتمه، قال الزهري٣: قال لي خالد بن عبد الله القسري: اكتب لي النسب. فبدأت بنسب مضر، وما أتممته، فقال: اقطعه، قطعه الله مع أصولهم. وكان علمه بالأنساب والأخبار مضرب المثل؛ قال الليث٤: ".. وإن حدث عن العرب والأنساب قلت لا يُحسن إلا هذا.." وكان راوية للشعر يحفظ الكثير منه٥، حتى كان الخلفاء الأمويون يرسلون إليه يسألونه عن الشعر والشعراء٦. وليس أدل على كثرة ما ألفه الزهري في شتى الموضوعات من أنه حينما قتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦هـ حملت الدفاتر على الدواب من خزائنه، وكانت من علم الزهري٧. وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يومًا٨: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.

стр. 162

فقد كان إذن هؤلاء المدونون للحديث والتفسير والمغازي يضمنون مدوناتهم شيئًا من أخبار الجاهلية وأشعارها وأنسابها، وربما أفردوا النسب بالتأليف. فهل دونت العرب -تدوينًا مستقلًا قائمًا بنفسه- ما يتصل بالجاهلية من أخبار وأشعار وأنساب، كما دونت الحديث والتفسير والسيرة والمغازي، أو أن تدوين أخبار الجاهلية وأشعارها وأنسابها لم يبدأ إلا منذ نهاية القرن الثاني على أيدي العلماء الرواة المشهورين؟ -٥- وسنبدأ بذكر عالمين من علماء الشعر الجاهلي متعاصرين، هما: أبو عمرو بن العلاء "المتوفى سنة ١٥٤"، وحماد الراوية "المتوفى سنة ١٥٦"، وسنتحدث عنهما هنا في أمر لا نعدوه: هو أن نكشف عن أن عنايتهما بالشعر الجاهلي لم تكن مقصورة على دروس شفهية يتلقاها تلامذتها من غير تدوين، وإنما كانا، وغيرهما من العلماء، يئلان إلى دواوين ومجموعات مكتوبة توارثاها عمن قبلهما، وذلك فضلًا عما كانا هما يقيدانه ويدونانه مما يسمعان من الأعراب والرواة، فيضيفانه إلى ما بين أيديهما من الدواوين زيادة في الرواية، أو شرحًا وتفسيرًا واستشهادًا على بعض المشكل من المعاني أو الغريب من الألفاظ. أما أبو عمرو بن العلاء فقد بلغت عنايته بالشعر الجاهلي مبلغًا كبيرًا حتى قال الأصمعي١: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. وقال عمرو مرةً: لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته!! يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما! وقد كانت عناية أبي عمرو بالكتابة والتدوين لا تقل عن عنايته بالحفظ

стр. 163

والرواية؛ فقد كان يرسل إلى الحارث بن خالد بن العاصي -الشاعر الغزل المشهور- أخاه معاذ بن العلاء ومعه كتاب فيه مسائل يسأله عنها١؛ وكان كذلك يكتب إلى عكرمة بن خالد -محدث جليل من وجوه التابعين، وهو أخو الحارث الشاعر- يسأله كما يسأل أخاه٢. وكان أبو عمرو يذهب إلى عمرو بن دينار ومعه كتابه، فكان يقيد في كتابه مما يسمعه مالم يكن فيه ٣. وقال شعبة٤: كنت أجتمع أنا وأبو عمرو بن العلاء عند أبي نوفل بن أبي عقرب فأسأله عن الحديث خاصةً، ويسأله أبو عمرو عن الشعر واللغة خاصةً، فلا أكتب شيئًا مما يسأله عنه أبو عمرو، ولا يكتب أبو عمرو شيئًا مما أسأله أنا عنه. وكان من أثر شغفه بالتدوين أن كتبه "ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرأ فأحرقها كلها؛ فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلى ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية"٥. وأما حماد الراوية فالأخبار التي جمعناها عنه تدل دلالة صرحية على أنه كانت عنده كتب فيها أخبار الجاهلية وأنسابها وأشعارها، بعضها كتبه بنفسه، وبعضها كُتب من قبله فقرأه واستفاد منه في تدوين كتبه.

стр. 164

قال حماد الراوية١: أرسل الوليد بن يزيد إليَّ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال، فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه: قريش وثقيف؛ فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بلي، فأنشدته منها ما استحسنه، ثم قال: أنشدني في الشراب -وعنده وجوه من أهل الشام- فأنشدته..". وقد كان أمر كتاب حماد المشتملة على شعر الجاهلية معروفًا مشهورًا، حتى إن الوليد بن يزيد بن عبد الملك -حين أراد أن يجمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها- استعار من حماد ومن جناد بن واصل الكوفي ما عندهما من الكتب والدواوين فدونها عنده، ثم رد إليهما كتبهما٢. ومما يُروى لنا عن حماد أنه كان في أول أمره يتشطر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله، وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد، فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك وترك ما كان عليه، فبلغ في العلم ما بلغ٣. وقد رأى أبو حاتم السجستاني بعض كتب حماد في الشعر الجاهلي، وكان يرجع إليها، ويثبت ما يجده فيها زائدًا على ما جمع من الشعر، وإن كان نص على أن هذه الزيادات هي من الشعر المصنوع٤. ومما يؤيد ما ورد عن كتاب شعر الأنصار الذي وجده حماد أن شعر الأنصار

стр. 165

قد كتب منذ زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب؛ وبقيت الأنصار بعد ذلك تجدده كلما خافت بلاه. وتفصيل ذلك أن عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار بن الخطاب الفهري أنشدا حسان بن ثابت شعرًا مما كانا قالاه قبل الإسلام -وكان عمر قد نهى عن إنشاد ذلك الضرب من الشعر لئلا تتجدد الضغائن- ففار حسان حتى صار كالمرجل غضبًا، ثم دخل على عمر بن الخطاب وقص عليه قصتهما، فأرسل إليهما عمر رسولًا فردهما إليه، ثم دعا لهما بحسان -وعمر في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لحسان: أنشدهما مما قلت لهما. فأنشدهما حتى فرغ مما قال لهما، فوقف. فقال له عمر: أفرغت؟ قال: نعم. فقال له: أنشداك في الخلاء وأنشدتهما في الملإ. وقال لهما عمر: إن شئتما فأقيما وإن شئتما فانصرفا. وقال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئًا دفعًا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذ أبوا فاكتبوه واحتفظوا به. فدونوا ذلك عندهم قال خلاد بن محمد: فأدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه١. ولم يكن الوليد بن يزيد -الذي جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها من كتب حماد وجناد- وهو وحده الذي بذل مثل هذه العناية؛ بل كان من سبقه من خلفاء بني أمية يفعلون كما فعل. فقد كان للوليد بن عبد الملك كاتب خاص نصبه لكتابة المصاحف والشعر والأخبار، وهو خالد بن الهياج٢. وقد مر بنا أن عبد الملك بن مروان أرسل إلى سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتبه، فحفظه عبد الملك عنده في الديوان. وكان

стр. 166

عبد الملك يُعنَى بأخبار العرب وأشعارها، وفعل فيها ما فعل بالتفسير، وأمر من جمع له المعلقات١. أما معاوية بن أبي سفيان فقد كانت له ساعات من كل يوم يقعد فيها فيُحضر غلمانه "الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها٢. وكانت من جملة تلك الأحاديث: أحاديث عبيد بن شرية عن وقائع العرب وأخبارها وأشعارها، فكان معاوية يأمر أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوا هذه الأحاديث ويدونوها في الكتب وينسبوها إلى عبيد بن شرية٣. وقد ذكر ابن سلام٤ في معرض حديثه عن قصيدة أبي طالب التي مدح بها رسول الله ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل أنه رأى هذه القصيدة مدونة في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة". ولا نعرف متى كتب ابن سلام كتابه حتى نعرف متى كتب يوسف بن سعد هذه القصيدة في كتابه قبل مائة سنة من كتاب ابن سلام. غير أن يوسف بن سعد هو: يوسف بن سعد الجمحي، مولاهم، أبو يعقوب، روى عن عمر وعلي وزيد بن ثابت٥. فهو إذن من كبار التابعين، وبذلك نرجح أنه كتب كتابه هذا وفيه قصيدة أبي طالب ما بين منتصف القرن الأول ونهايته. ولم يكن سماح عمر بن الخطاب بتدوين الشعر الجاهلي بدعًا من الأمر،

стр. 167

فقد كان بعض الصحابة يعنون كذلك بتدوين هذا الشعر. وقد مر بنا أن طلحة ﵁ أنشد قصيدة فما زال شانقًا ناقته حتى كتبت له١. فهو إذن يدون بعض الشعر ويجمعه ويحفظه. ومما يتصل بهذا أيضًا أن دغفلًا النسابة -وهو جاهلي أدرك الإسلام- كان يكتب الأنساب ويدونها في الصحف ويبدو لنا ذلك واضحًا من قول الفرزدق٢: أوصى عشية حين فارق رهطه ... عند الشهادة في الصحيفة دغفل أن ابن ضبة كان خير والدًا ... وأتم في حسب الكرام وأفضل وفي هذه القصيدة نفسها يعدد الفرزدق الشعراء الجاهليين، ويفخر أنه قد ورث عنهم الشاعرية المتدفقة الفحلة، ولكن في ألفاظه ما قد يُفهم منه أنه كانت بين يديه مجموعات شعرية لشعراء جاهليين أو نسخ من دواوينهم، وذلك قوله: والجعفري وكان بشر قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل وبعد أبيات يقول: دفعوا إلى كتابهن وصية ... فورثتهن كأنهن الجندل ونحب هنا أن نذكر بما كتبناه في حديثنا عن تقييد الشعر الجاهلي من أمر هذه القصائد التي كان يكتبها: النابغة الذبياني، وعدي بن زيد العبادي،

стр. 168

والربيع بن زياد العبسي وغيرهم كثيرون، ويرسلونها إلى بلاط المناذرة معتذرين عاتبين؛ ونصل هذا الذي قدمناه بما يُروى عن حماد الراوية من قوله١: أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج -قال: وهي الكراريس- ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له: إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار. وقد يحلو لبعض القدامى أن يطعنوا في حماد ويكذبوه -وسنعرض لذلك في بحثنا عن الرواية والرواة في الباب التالي- وقد يحلو لبعض المحدثين أن يطعنوا في هذه الرواية بذاتها ويكذبوها، ولكنهم لا يقدمون دليلًا يقوم عليه طعنهم وتكذيبهم، وإنما هم يرسلون الكلام إرسالًا ويلقونه على عواهنه؛ وهذا ابن سلام -وهو من هو شكًّا في الشعر الجاهلي وفي بعض رواته- يسوق من هذه الرواية المتقدمة جوهرها ومضمونها، وإن كان لا ينسبها إلى حماد؛ وهو في إيراده هذه الرواية يقبلها ولا يشكك فيها. قال ابن سلام٢: "وقد كان النعمان بن المنذر منه "أي من شعر العرب في الجاهلية" ديوان فيه أشعار الفحول وما مُدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بني مروان، أو صار منه". فالروايتان رواية واحدة، وهي رواية تتسق اتساقًا كاملًا مع ما قدمنا من تقييد الشعر الجاهلي وتدوينه، ولا نجد ما يسوغ التشكيك فيها، إلا أن يقوم دليل لم نستبنه بعد. وثمة خبر آخر يؤيد الخبر السابق ويدعمه، ويدل على مبلغ عناية بلاط المناذرة وأهل الحيرة بتدوين الأخبار والأشعار الجاهلية. فقد قال الطبري٣: "كان أمر آل نصر بن ربيعة، ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق، عند أهل الحيرة متعالمًا مُثبتًا عندهم في

стр. 169

كنائسهم وأسفارهم"، ثم يذكر الطبري أن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: "كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها". وقد قبل الباحثون من المستشرقين هذا القول، فقال الأستاذ هـ. ا. ر. جب١: "ويزعم من ناحية أخرى أنه ربما وجدت كتب مدونة في الحيرة، وأنه وجدت بالفعل بعض المقيدات التاريخية هناك، فهذا لا مراء فيه". بل إن الأستاذ أولندر ليذهب إلى أبعد من ذلك فنقول عن ابن الكلبي إنه كان مؤرخًا حذرًا متثبتًا على خلاف ما يصمه به خصومه من القدامى، ثم يقول٢: "ومن المؤكد أنه استخدم النقوش والمدونات التاريخية في الحيرة واستفاد منها، ولذلك أكد الباحثون المحدثون أقواله مرارًا، وفي حالات منها أكدوها تأكيدًا عجيبًا، مثال ذلك: تأكيدهم أقواله حينما اكتشفوا شاهد قبر امرئ القيس بن عمرو الحيري٣". فأمامنا الآن في هذه النصوص والروايات الثلاث الأخيرة: شعر الفرزدق عن صحيفة دغفل في النسب وما يُفهم من قوله عن وجود دواوين شعر جاهلي عنده، ثم رواية حماد وابن سلام عن جمع النعمان للشعر الجاهلي وتدوينه، ثم رواية ابن الكلبي عن أسفار الحيرة ونقوش كنائسها وما فيها من أخبار العرب الجاهليين وأنسابهم، أمامنا إذن في هذه النصوص والروايات، شعر جاهلي وأخبار جاهلية مدونة كلها في كتب وأسفار ودواوين من الجاهلية نفسها. وما زال في الحديث فضل حقيق بأن يُذكر ليزيد ما تقدم حجةً وإيضاحًا.

стр. 170

وقد أشرنا في حديث سابق إشارة عابرة إلى بيتي معقل بن خويلد الهذلي -وهو شاعر جاهلي أدرك الإسلام- وهما١: فإني كما قال مملي الكتا ... ب في الرق إذ خطه الكاتب: "يرى الشاهد الحاضر المطمئن ... من الأمر مالا يرى الغائب". وقد وضعنا علامات الترقيم هذه لتدل على المعنى الذي قصدنا إليه من أن هذا الشاعر قد قرأ بيته الثاني -بهذه الألفاظ أو بألفاظ مقاربة تؤدي هذا المعنى- في كتاب من كتب الشعر أو الأخبار الجاهلية، ثم اقتبسه وضمنه قصيدته هذه. وليس الأمر مجرد استنتاج، فلهذين البيتين أخ ثالث قاله شاعر آخر وهو أوضح في دلالته وأبين في حجته لنا من هذين البيتين، وذلك قول بشر بن أبي خازم، وهو شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام٢: وجدنا في كتاب بني تميم: ... "أحق الخيل بالركض المعار" فبشر يذكر، في وضوح، أنه وجد في كتاب بني تميم أن: أحق الخيل بالركض

стр. 171

المعار. وقد أورد صاحب اللسان هذا البيت١، ولكنه أورد -قبل هذا البيت في أثناء حديثه عن هذه المادة اللغوية- بيتًا آخر يختلف عنه في الصدر، ويتفق معه في العجز اتفاقًا تامًّا، وهو: أعيروا خيلكم ثم اركضوها ... أحق الخيل بالركض المعار وابن منظور لا ينسب هذا البيت الأخير لشاعر بعينه؛ وبذلك ترك لنا المجال مفتوحًا لننساق مع صريح ألفاظ بشر بن أبي خازم في بيته السابق، فنفترض أن بيت اللسان غير المنسوب هو لشاعر تميمي جاهلي، وأن بشرًا قد قرأ هذا البيت في كتاب شعر بني تميم، فاقتبس عجزه في بيته، ولذلك وضعناه بين علامتي اقتباس. وقد أورد المرزباني بيت بشر هذا وقال بعده٢: "فمعناه: وجدنا هذه اللفظة مكتوبة". فما هو كتاب بني تميم إذن؟ الذي نراه أن كل قبيلة من القبائل كانت تجمع شعر شعرائها، وحكم حكمائها، وأقوال خطبائها، وأخبارها ومفاخرها ومآثرها وأنسابها في كتاب. وقد احتفظ العرب بهذه التسمية لكتب القبائل بعد ذلك في العصور الإسلامية لتدل على هذا نفسه الذي قدمنا. وسنعود إلى هذا الموضوع بالحديث المفصل حين نتكلم على دواوين القبائل في الفصل الثاني من الباب الأخير. وقد مر بنا ذكر كتابي قريش وثقيف اللذين كانا عند حماد الراوية "المتوفى سنة ١٥٦" وأنه نظر فيهما حين أرسل إليه الوليد بن يزيد٣. ونضيف إلى كتب القبائل هذه التي تحوي أخبارها وأنسابها وشعر شعرائها:

стр. 172

كتاب نسب قريش الذي كان مع ابن شهاب الزهري١ "المتوفى سنة ١٢٣-١٢٥". ومما يدل أيضًا على قدم وجود كتب النسب هذه، ويزيد اطمئناننا إلى أنها كانت مدونة منذ الجاهلية، ما قاله عبد الله بن محمد بن عمارة٢ "فرتني: أم لهم "أي لنبي حزم" في الجاهلية من بلقين، كانوا يسبون بها، لا أدري ما أمرها، قد طرحوها من كتاب النسب". وما ذكره أبو الفرج أيضًا عند حديثه عن قريظة والنضير وبني قينقاع وغيرهم قال٣ "لم أجد لهم نسبًا فأذكره لأنهم ليسوا من العرب، فتدون العرب أنسابهم، إنما هم حلفاؤهم". وهذا النص الأخير على تدوين العرب أنسابهم منصرف حتمًا إلى العصر الجاهلي؛ لأن اليهود لم يكونوا حلفاء للعرب بعد الإسلام. فكتب القبائل هذه -وإن كانت فيها زيادات إسلامية- توضح لنا معنى كتاب القبيلة في الجاهلية، فهي -كما قدمنا- مجموعة فيها كل ما يتصل بالقبيلة من أخبار حروبها وأيامها، وذكر مفاخرها ومآثرها، وشعر شعرائها، وحكم بلغائها. وربما أفردوا الحكم وجوامع الكلم في كتاب خاص، وتكون في هذه الحالة إما حِكَمًا عامة مما قالته حكماء العرب من شتى القبائل، وإما مما قالته الحكماء من غير العرب ثم عرفه العرب ونقلوه إلى لغتهم، وذلك هو معنى قول عامر بن الظرب للملك الغساني حينما خافه على نفسه وأراد أن ينجو منه٤: "إن لي كنز علم وإن الذي أعجبه من علمي إنما هو من ذلك الكنز أحتذي عيه، وقد خلَّفته خلفي، فإن صار في أيدي قومي علم كلهم مثل علمي، فأذن لي حتى

стр. 173

أرجع إلى بلادي فآتيك به". فليس هذا الكنز من العلم -فيما نرى- إلا كتابًا جُمعت فيه أقوال بليغة وأمثال وحكم وأشعار وأخبار. وآية ذلك أن هذا الذي أعجبه من علمه لم يكن إلا أنه "أعجبه نحوه، فكلمه فإذا أحكم العرب وأحلمهم قولًا وفعلًا. ولو جاء ذكر كتب العلم "أي الحكمة وجوامع الكلم والأمثال" في خبر واحد لشككنا فيه وتوقفنا عن قبوله، ولكن ذكر هذا الضرب من الكتب قد تردد في أخبار كثيرة لا سبيل إلى إهمالها، فأكثم بن صيفي أحد هؤلاء العلماء الحكماء في الجاهلية، كانت بعض حكمته تُكتب، وكان بعضهم الملوك يرسلون إليه يستكتبونها، فقد "كتب إليه ملك هجر، أو نجران، أن يكتب إليه بأشياء ينتفع بها، وأن يوجز، فكتب إليه: إن أحمق الحمق الفجور، وأمثل الأشياء ترك الفضول.."١ وكتب إليه أيضًا الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب الشام " ... فاعهد إلينا أمرًا نعرف به أن في العرب ... حكمة وعقولًا وألسنة. فكتب إليه أكثم: إن المروءة أن تكون عالمًا كجاهل، وناطقًا كعيي.."٢ وكتب إليه كذلك النعمان بن المنذر "أن اعهد إلينا أمرًا نُعجب به فارس ونرغبهم به في العرب. فكتب أكثم: لن يهلك امرؤ حتى يضيع الرأي عند فعله، ويستبد على قومه بأموره ... "٣ فإذا أضفنا إلى هذين الحكيمين العالمين حكيمًا عالمًا ثالثًا هو قس بن ساعدة، وعلمنا أنه كان أيضًا كاتبًا٤، ورجح عندنا أن هؤلاء الحكماء كانوا -أو كان أكثرهم- من الذين يعرفون الكتابة ويلجئون إليها في تسجيل حكمهم

стр. 174

في مثل هذه الكتب التي سميت كتب العلم. وقد عُني بعض الدارسين المحدثين بدراسة الأمثال عند العرب ومقابلتها بالأمثال عند الأمم القديمة وخاصة الساميين. ومن هؤلاء الدكتور عبد المجيد عابدين١ الذي تحدث في أحد فصول رسالته عن الصلات الثقافية بين بلاد الشرق القديم، وخاصة الحكمة والمثل٢، وانتهى إلى قوله٣: "ولم تكن العلاقة بين العرب وأصحاب هذه الحكم ضعيفة واهية، فقد أشارت النقوش البابلية غير مرة إلى صلات ملوك بابل وآشور ببلاد العرب، وكان بعض شخصيات سفر أيوب من أصل عربي. وفي عصور ما بعد الميلاد أخذت الثقافة الآرامية تغزو مناطق عدة من شبه الجزيرة العربية كما رأينا فيما سبق. وكانت الحكمة اليونانية قد انتشرت في مدارس الرها وجنديسابور والحيرة على أيدي علماء السريان الذين بدءوا منذ حوالي ٣٠٠ سنة بعد الميلاد ينقلون هذه الحكمة، وواصلوا حركتهم إلى سنة ٧٠٠م أي إلى عصر بني أمية في تاريخ المسلمين. وكان السريان في القرن الخامس الميلادي يبشرون بالمسيحية في الحبشة على المذهب القائل بالطبيعة الواحدة، وهو المذهب الذي اعتنقه الغساسنة في الشام. وكانت الصلات بين الحبشة واليمن قديمة ومستمرة. وبذلك أحدقت الآثار الكتابية ببلاد العرب وتسربت هذه الآثار إليها من الشرق والغرب والجنوب والشمال، وتعاونت جهود السلطات الحاكمة في العراق والشام واليمن، في الجاهلية، على تشجيع هذه الدعوات الكتابية ماديًّا وأدبيًّا. وفي فورة هذه الدعوات نشطت حكمة العرب، في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة. وفي الوقت الذي كانت فيه الحكمة الشعبية تلاقي ازدهارًا على أيدي العراقيين، وتجد تغاضيًا من جانب الغساسنة وسادة

стр. 175

الحجاز واليمن قبل الإسلام، كانت الحكمة الكتابية تشق طريقها في أنحاء البلاد دون تفرقة بين شرق وغرب وشمال وجنوب، وتلقى عناية القائمين بالأمر في هذه المناطق جميعًا. وإذا كان الغساسنة وسادة الحجاز واليمن قد انصرفوا عن جانب التراث الشعبي في منطقتهم، فقد عضدوا الدعوات الكتابية، وساندوا حركاتها، وشجعوا حكماء العرب ما وسعهم التشجيع". ثم ينتقل إلى الحديث عن هؤلاء الحكماء من بين عرب الجاهلية، وبعد أن يذكر بعضهم يقول١: والذين اشتهروا من هؤلاء الحكماء كانوا ينهجون نهجًا يذكرنا بنهج حكماء الشرق الأدنى القديم، فكان الحكيم العربي كالحكيم البابلي والعبري يجمع أحيانًا إلى عمل القاضي والمشرع حرفة الكاهن والطبيب والمنجم، فكان الحكيم هو الرجل المثقف ثقافة جامعة لشتى ألوان المعرفة، وكان بعض حكماء العرب يورثون الحكمة أبناءهم كما صنع حكماء الشرق القديم حين كانوا يلقنون أولادهم تعاليم الحكمة ... ". ولعل مما يدل على عناية عرب الجاهلية بكتابة الأمثال عناية قديمة أن من أوائل المؤلفات التي حفظت لنا المصادر العربية ذكرها في العصر الإسلامي: كتب الأمثال؛ فمنذ أيام معاوية ألف صحار بن عياش العبدي "من عبد القيس" كتابًا في الأمثال٢. وكذلك ألف في زمانه عبيد بن شرية كتابًا آخر في الأمثال ذكر ابن النديم٣ أنه رآه في نحو خمسين ورقة. وقد روى علاقة بن كريم الكلابي عن عبيد كتابه هذا في الأمثال٤. ومما يدل أيضًا على أن هذه الحكم كانت مدونة منذ الجاهلية وبقيت إلى عهد الرسول والصحابة أن عمران بن حصين قال٥: سمعت النبي ﷺ يقول: الحياء لا يأتي إلا بخير. فقال بشير بن كعب -وكان قد

стр. 176

قرأ الكتب-: إن في الحكمة: أن منه ضعفًا. فغضب عمران بن الحصين وقال: أحدثك بما سمعت من النبي ﷺ ، وتحدثني عن صحفك هذه الخبيثة؟ ثم هذه الصحيفة التي كانت مع سويد بن الصامت، والتي لم تكن إلا كتابًا فيه حكمة لقمان١؛ وقد قرأها، قبل أن يسلم، على رسول الله ﷺ ، فاستحسنها رسول الله وقال: "إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله تعالى عليَّ، هو هدى ونور". بقي أمر أخير في النفس منه شيء، بل أشياء: ذلك هو تسمية القصائد السبع أو العشر الجاهليات "بالمعلقات". فقد ذكر القدماء أنه قد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له "أن عمدت إلى سبع قصائد وتخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير ... والمذهبات السبع، وقد يقال لها: المعلقات"٢. وقد نقل البغدادي ما يشبه هذا الكلام ثم قال٣: "ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه؛ لتكون في خزانته". ولكن هذا الرأي في تفسير كلمة "المذهبات" أو "المعلقات" لم يسلم من النقد والاعتراض سواء من القدامى أو من المحدثين. فمن القدامى أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس "المتوفى سنة ٣٣٨" الذي ذكر٤ "أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة".

стр. 177

أما المحدثون فلا يسوقون على اعتراضهم دليلًا، ولكنا نحسب، من سياق حديثهم، أن لاعتراضهم أساسين: الأول: أن العرب لم يكونوا في جاهليتهم أمة كاتبة تبلغ بها معرفتها بالكتابة أن تسجل شعرها وتكتبه. والثاني: أن الكعبة لها من الاحترام والقدسية ما لا يبيح أن تعلق فيها المدونات والمكتوبات. وأما نحن فإننا لا نملك وسيلة قاطعة للإثبات أو النفي؛ ولا نحب أن نعتسف الطريق ونقتحم كما يقتحم غيرنا. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الاعتراض الذي قدمه القدماء كاعتراض ابن النحاس، والذي قدمه المحدثون، لا يثبت -في رأينا- للتحقيق والتمحيص؛ فإذا ما استطعنا أن ننفي هذا الاعتراض بقي القول الأول بكتابة المعلقات وتعليقها -سواء في الكعبة أو خزانة الملك أو السيد- قولًا قائمًا، ترجيحًا لا يقينًا، إلى أن يتاح له اعتراض جديد ينفيه، أو سند جديد يؤيده ويثبته. أما ما ذكره ابن النحاس من أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال فإنه لا يقوم دليلًا على أنها لم تكن موجودة من قبله وأنها لم تكن مكتوبة أو معلقة؛ وإلا لكان معنى ذلك أن الدواوين التي صنعها وجمعها أبو عمرو بن العلاء وأبو عمرو الشيباني والمفضل والأصمعي والسكري وثعلب كلها غير موجودة من قبلهم؛ وهو كلام لم يقله أحد، ولا معنى له. والذي نعرفه، مما قدمنا، أن حمادًا كان يجمع الشعر الجاهلي وكان يدونه، وأنه كانت بين يديه نسخ من دواوين هذا الشعر، فإذا صح أن حمادًا هو الذي جمع -في ديوان واحد أو مجموعة واحدة- هذه القصائد السبع بعد أن كانت مفرقة، أو جددها بعد أن كادت تبلى، فإن ذلك لا يقوم حجة على بطلان ما أوردناه من أمر تعليقها. وقد ذكرنا من قبل عناية بعض الخلفاء الأمويين بجمع الشعر الجاهلي وكتابته وحفظه في الديوان. وقد ورد أن عبد الملك بن مروان عُني أيضًا بجمع هذه القصائد المعلقات "فطرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة١". فإذا صح ذلك

стр. 178

وصح ما روي من أن معاوية بن أبي سفيان قال١ "قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرًا" كان هذان دليلين على معرفة القول بأمر المعلقات وكتابتها وتعليقها قبل حماد بدهر. أما اعتراض المحدثين فقد تحدثنا -في كل ما كتبنا- عن نفي الشق الأول منه، وأبنَّا في وضوح أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفة قديمة واسعة، واستخدمتها في جل شئونها، وكتبت بعض شعرها وأخبارها وأنسابها، ودونتها في صحف وكتب ودواوين. فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نُسقط جميع ما رُتب عليه من نتائج باطلة. وأما الشق الثاني من اعتراض المحدثين فهو كذلك لا يثبت للنظر والتحقيق؛ إذ إن عرب الجاهلية كانوا يعلقون وثائقهم وكتاباتهم ذات القيمة في الكعبة لقداستها في نفوسهم، وذلك إظهار لعلو مكانة هذه الوثائق والكتابات ولبيان قيمتها وخطرها. وأوضح مثال على أن تعليق هذه الكتابات كان أمرًا مألوفًا متعارفًا عند عرب الجاهلية ما ذكره محمد بن حبيب عن حلف خزاعة لعبد المطلب، قال٢: " ... وكتبوا بينهم كتابًا، كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة ... ثم علقوا الكتاب في الكعبة". ومثل ثان: هذه الصحيفة التي كتبتها قريش حينما اجتمعت على بني هاشم وبني عبد المطلب ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم٣. وقد بقيت هذه الصحيفة في الكعبة دهرًا، فلما أخرجوها بعد ذلك وجدوا أن الأرضة لم تدع في الصحيفة إلا أسماء الله٤.

стр. 179

فإذا كان كلامنا هذا كافيًا في نفي هذين الاعتراضين، وإذا ضممنا إلى هذا ما ذكرناه من تدوين الشعر الجاهلي، رجح عندنا أمر كتابة هذه المعلقات وتعليقها، وصح عندنا أن نتخذها مثلًا آخر، نورده في هذا البحث، من أمثلة تدوين الشعر الجاهلي وكتابته١. -٦- وبعد، فإن جميع ما ذكرناه لا يعدو أن يكون أمثلة قليلة، نقبنا عنها تنقيبًا طويلًا في أرض غفل، قد طمست آثارها، وعفت رسومها، واندرست معالمها؛ ولكننا مع ذلك قد استطعنا أن نقيم فيها هذه الصوى لتدل عليها وتحدد اتجاهها. فإذا صح ما ذكرناه من أن هذا الشعر الجاهلي قد دون بعضه منذ الجاهلية، واتصل تدوينه وتحديده في الإسلام، فإننا نحب -استيفاء للبحث- أن نصله بعصرنا هذا الذي نعيش فيه، ونكشف عن صلة تلك المدونات الجاهلية والإسلامية المبكرة بهذه الدواوين التي بين أيدينا من الشعر الجاهلي، والتي صنعها ورواها أبو عمرو بن العلاء والأصمعي والمفضل الضبي وأبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي. ولذلك حق لنا أن نسأل: هل أخذ هؤلاء العلماء الرواة، في نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث، الشعر الجاهلي الذي رووه من مدونات قديمة؟ أو أنهم أخذوه كله من أفواه الرواة؟ أما الرواية الشفهية فمجال بحثها في الكتاب التالي، ولذلك لن نعرض لها الآن، وحسبنا أن نجيب عن الشق الأول من السؤال، ونرى هل اعتمد هؤلاء العلماء على كتب ودواوين للشعر الجاهلي أخذوا منها -جمعًا أو اختيارًا- ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي؟

стр. 180

وللإجابة عن هذا السؤال طريقان نحن سالكوهما، الأول: عرض لبعض الروايات والأخبار عن هؤلاء العلماء الرواة، وكيف أخذوا علمهم؛ والثاني: دراسة بعض الشعر الجاهلي الذي رووه، واستبانة، "القراءات" المختلفة للفظة الواحدة عند بعض هؤلاء العلماء. أما الطريق الأول فقد عفى العلماء أنفسهم آثاره تعفه مقصودة متعمدة مما سنفصل القول فيه بعد قليل في ختام هذا الفصل، ولكننا مع ذلك عثرنا على بعض ما يصح أن ننصبه في طريقنا ليهدينا السبيل: فقصة ابن الأعرابي "أبي عبد الله محمد بن زياد ١٥٠-٢٣١" مع الكتب قصة مشهورة، فقد كان كثير العكوف عليها، والمدارسة لها، والنظر فيها، والأخذ منها. ولما بعث إليه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع غلامًا من غلمانه يسأله المجيء إليه، عاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة١. أما الأصمعي "عبد الملك بن قريب ١٢٣-٢١٦" فقد قرأ بعض دواوين الشعر الجاهلي على شيوخه؛ قال الأصمعي٢: قرأت شعر الشنفرى على الشافعي بمكة. وقال أيضًا٣: قرأت على أبي عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبياني. وقال أبو حاتم السجستاني٤: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة. وقُرئ يومًا على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب: بأسفل ذات الدير أفرد جحشها. فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ: ضل ضلالك أيها القارئ، إنما هي "ذات الدبر" وهي ثنية عندنا؛ فأخذ الأصمعي بذلك
следующие страницы →