← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قرأ الكتب-: إن في الحكمة: أن منه ضعفًا. فغضب عمران بن الحصين وقال: أحدثك بما سمعت من النبي ﷺ ، وتحدثني عن صحفك هذه الخبيثة؟ ثم هذه الصحيفة التي كانت مع سويد بن الصامت، والتي لم تكن إلا كتابًا فيه حكمة لقمان١؛ وقد قرأها، قبل أن يسلم، على رسول الله ﷺ ، فاستحسنها رسول الله وقال: "إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله تعالى عليَّ، هو هدى ونور". بقي أمر أخير في النفس منه شيء، بل أشياء: ذلك هو تسمية القصائد السبع أو العشر الجاهليات "بالمعلقات". فقد ذكر القدماء أنه قد بلغ من كلف العرب بالشعر وتفضيلها له "أن عمدت إلى سبع قصائد وتخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير ... والمذهبات السبع، وقد يقال لها: المعلقات"٢. وقد نقل البغدادي ما يشبه هذا الكلام ثم قال٣: "ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه؛ لتكون في خزانته". ولكن هذا الرأي في تفسير كلمة "المذهبات" أو "المعلقات" لم يسلم من النقد والاعتراض سواء من القدامى أو من المحدثين. فمن القدامى أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس "المتوفى سنة ٣٣٨" الذي ذكر٤ "أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة".

стр. 177

أما المحدثون فلا يسوقون على اعتراضهم دليلًا، ولكنا نحسب، من سياق حديثهم، أن لاعتراضهم أساسين: الأول: أن العرب لم يكونوا في جاهليتهم أمة كاتبة تبلغ بها معرفتها بالكتابة أن تسجل شعرها وتكتبه. والثاني: أن الكعبة لها من الاحترام والقدسية ما لا يبيح أن تعلق فيها المدونات والمكتوبات. وأما نحن فإننا لا نملك وسيلة قاطعة للإثبات أو النفي؛ ولا نحب أن نعتسف الطريق ونقتحم كما يقتحم غيرنا. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الاعتراض الذي قدمه القدماء كاعتراض ابن النحاس، والذي قدمه المحدثون، لا يثبت -في رأينا- للتحقيق والتمحيص؛ فإذا ما استطعنا أن ننفي هذا الاعتراض بقي القول الأول بكتابة المعلقات وتعليقها -سواء في الكعبة أو خزانة الملك أو السيد- قولًا قائمًا، ترجيحًا لا يقينًا، إلى أن يتاح له اعتراض جديد ينفيه، أو سند جديد يؤيده ويثبته. أما ما ذكره ابن النحاس من أن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال فإنه لا يقوم دليلًا على أنها لم تكن موجودة من قبله وأنها لم تكن مكتوبة أو معلقة؛ وإلا لكان معنى ذلك أن الدواوين التي صنعها وجمعها أبو عمرو بن العلاء وأبو عمرو الشيباني والمفضل والأصمعي والسكري وثعلب كلها غير موجودة من قبلهم؛ وهو كلام لم يقله أحد، ولا معنى له. والذي نعرفه، مما قدمنا، أن حمادًا كان يجمع الشعر الجاهلي وكان يدونه، وأنه كانت بين يديه نسخ من دواوين هذا الشعر، فإذا صح أن حمادًا هو الذي جمع -في ديوان واحد أو مجموعة واحدة- هذه القصائد السبع بعد أن كانت مفرقة، أو جددها بعد أن كادت تبلى، فإن ذلك لا يقوم حجة على بطلان ما أوردناه من أمر تعليقها. وقد ذكرنا من قبل عناية بعض الخلفاء الأمويين بجمع الشعر الجاهلي وكتابته وحفظه في الديوان. وقد ورد أن عبد الملك بن مروان عُني أيضًا بجمع هذه القصائد المعلقات "فطرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة١". فإذا صح ذلك

стр. 178

وصح ما روي من أن معاوية بن أبي سفيان قال١ "قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرًا" كان هذان دليلين على معرفة القول بأمر المعلقات وكتابتها وتعليقها قبل حماد بدهر. أما اعتراض المحدثين فقد تحدثنا -في كل ما كتبنا- عن نفي الشق الأول منه، وأبنَّا في وضوح أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفة قديمة واسعة، واستخدمتها في جل شئونها، وكتبت بعض شعرها وأخبارها وأنسابها، ودونتها في صحف وكتب ودواوين. فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نُسقط جميع ما رُتب عليه من نتائج باطلة. وأما الشق الثاني من اعتراض المحدثين فهو كذلك لا يثبت للنظر والتحقيق؛ إذ إن عرب الجاهلية كانوا يعلقون وثائقهم وكتاباتهم ذات القيمة في الكعبة لقداستها في نفوسهم، وذلك إظهار لعلو مكانة هذه الوثائق والكتابات ولبيان قيمتها وخطرها. وأوضح مثال على أن تعليق هذه الكتابات كان أمرًا مألوفًا متعارفًا عند عرب الجاهلية ما ذكره محمد بن حبيب عن حلف خزاعة لعبد المطلب، قال٢: " ... وكتبوا بينهم كتابًا، كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة ... ثم علقوا الكتاب في الكعبة". ومثل ثان: هذه الصحيفة التي كتبتها قريش حينما اجتمعت على بني هاشم وبني عبد المطلب ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا على أنفسهم٣. وقد بقيت هذه الصحيفة في الكعبة دهرًا، فلما أخرجوها بعد ذلك وجدوا أن الأرضة لم تدع في الصحيفة إلا أسماء الله٤.

стр. 179

فإذا كان كلامنا هذا كافيًا في نفي هذين الاعتراضين، وإذا ضممنا إلى هذا ما ذكرناه من تدوين الشعر الجاهلي، رجح عندنا أمر كتابة هذه المعلقات وتعليقها، وصح عندنا أن نتخذها مثلًا آخر، نورده في هذا البحث، من أمثلة تدوين الشعر الجاهلي وكتابته١. -٦- وبعد، فإن جميع ما ذكرناه لا يعدو أن يكون أمثلة قليلة، نقبنا عنها تنقيبًا طويلًا في أرض غفل، قد طمست آثارها، وعفت رسومها، واندرست معالمها؛ ولكننا مع ذلك قد استطعنا أن نقيم فيها هذه الصوى لتدل عليها وتحدد اتجاهها. فإذا صح ما ذكرناه من أن هذا الشعر الجاهلي قد دون بعضه منذ الجاهلية، واتصل تدوينه وتحديده في الإسلام، فإننا نحب -استيفاء للبحث- أن نصله بعصرنا هذا الذي نعيش فيه، ونكشف عن صلة تلك المدونات الجاهلية والإسلامية المبكرة بهذه الدواوين التي بين أيدينا من الشعر الجاهلي، والتي صنعها ورواها أبو عمرو بن العلاء والأصمعي والمفضل الضبي وأبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي. ولذلك حق لنا أن نسأل: هل أخذ هؤلاء العلماء الرواة، في نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث، الشعر الجاهلي الذي رووه من مدونات قديمة؟ أو أنهم أخذوه كله من أفواه الرواة؟ أما الرواية الشفهية فمجال بحثها في الكتاب التالي، ولذلك لن نعرض لها الآن، وحسبنا أن نجيب عن الشق الأول من السؤال، ونرى هل اعتمد هؤلاء العلماء على كتب ودواوين للشعر الجاهلي أخذوا منها -جمعًا أو اختيارًا- ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي؟

стр. 180

وللإجابة عن هذا السؤال طريقان نحن سالكوهما، الأول: عرض لبعض الروايات والأخبار عن هؤلاء العلماء الرواة، وكيف أخذوا علمهم؛ والثاني: دراسة بعض الشعر الجاهلي الذي رووه، واستبانة، "القراءات" المختلفة للفظة الواحدة عند بعض هؤلاء العلماء. أما الطريق الأول فقد عفى العلماء أنفسهم آثاره تعفه مقصودة متعمدة مما سنفصل القول فيه بعد قليل في ختام هذا الفصل، ولكننا مع ذلك عثرنا على بعض ما يصح أن ننصبه في طريقنا ليهدينا السبيل: فقصة ابن الأعرابي "أبي عبد الله محمد بن زياد ١٥٠-٢٣١" مع الكتب قصة مشهورة، فقد كان كثير العكوف عليها، والمدارسة لها، والنظر فيها، والأخذ منها. ولما بعث إليه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع غلامًا من غلمانه يسأله المجيء إليه، عاد إليه الغلام فقال: قد سألته ذلك فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة١. أما الأصمعي "عبد الملك بن قريب ١٢٣-٢١٦" فقد قرأ بعض دواوين الشعر الجاهلي على شيوخه؛ قال الأصمعي٢: قرأت شعر الشنفرى على الشافعي بمكة. وقال أيضًا٣: قرأت على أبي عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبياني. وقال أبو حاتم السجستاني٤: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة. وقُرئ يومًا على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب: بأسفل ذات الدير أفرد جحشها. فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ: ضل ضلالك أيها القارئ، إنما هي "ذات الدبر" وهي ثنية عندنا؛ فأخذ الأصمعي بذلك

стр. 181

فيما بعد١. وكذلك كان أبو عبيدة "معمر بن المثنى ١١٤-٢١٠" وأبو حاتم السجستاني يتدارسان الشعر الجاهلي في كتب؛ قال أبو حاتم٢: جئت أبا عبيدة يومًا ومعي شعر عروة بن الورد، فقال لي: ما معك؟ فقلت: شعر عروة. قال: فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير! وأما أبو عمرو الشيباني "إسحاق بن مرار، توفي سنة ٢٠٦ أو ٢١٣، وعمره ١١٠ أو ١١٨سنة" فقد كان كذلك يكتب الشعر والأخبار ويأخذها من الكتب. قال يعقوب بن السكيت٣ "مات أبو عمرو الشيباني وله مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات؛ وكان ربما استعار مني الكتاب وأنا إذ ذاك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه". وقد قرأ أبو عمرو الشيباني دواوين الشعراء على المفضل٤. أما أبو عمرو بن العلاء فقد مر بنا ذكر كتبه وكثرتها ثم إحراقها بعد أن تقرأ. وهذا حديث بين ابن مناذر الشعر وخلف الأحمر يدل -فيما نرى- على أن الشعر الجاهلي كان مدونًا في الكتب قبل عهدهما، وأنهما كانا يعرفان هذه الكتب ويأخذان منها. قال ابن مناذر لخلف٥: يا أبا محرز، إن يكن النابغة وامرؤ القيس وزهير قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلدة، فقس شعري إلى شعرهم، واحكم فيها بالحق؛ فغضب خلف ... ومن أوضح الأمثلة على هذا الذي نحن بسبيله: ما ورد عن أبي تمام "توفى سنة ٢٣١" حينما اختار حماسته؛ وذلك أن الثلج عاقه عن السفر، وكان في

стр. 182

العراق، فاستضافه أبو الوفاء بن سلمة، وأحضره خزانة كتبه، فطالعها، واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر، منها كتاب الحماسة والوحشيات١. وما ورد كذلك عن المفضل الضبي "توفي سنة ١٦٨ أو ١٧٨" حين قال له العباس بن بكار٢: ما أحسن اختيارك للأشعار؛ فلو زدتنا من اختيارك. فقال المفضل: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي "في نحو سنة ١٤٥" فكنت أطوف وأعود إليه بالأخبار، فيأنس ويحدثني؛ ثم عرض لي خروج إلى ضيعتي أيامًا، فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها. فتركت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر، فجمعته وأخرجته، فقال الناس: اختيار المفضل. فهذه كلها أخبار صريحة الدلالة على أن هؤلاء العلماء الرواة إنما وجدوا أمامهم دواوين الشعر الجاهلي مكتوبة قبل عهدهم، وأنهم قرءوها وتدارسوها وأخذوا منها؛ ومن هنا كانت الدواوين التي صنعوها أو المجموعات التي اختاروها قائمة -في أساسها- على ما كان مدونًا من قبل عصرهم. أما الطريق الثاني لمعرفة أخذ هؤلاء العلماء المتقدمين أشعار الجاهلية من الكتب فيقوم على جمع بعض الأمثلة على اختلاف اللفظة الواحدة عندهم. وأسباب اختلاف الرواية كثيرة، لا يعنينا منها هنا إلا ما له دلالة على بحثنا، ونقصد به: التصحيف؛ لأن "أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة، ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب٣". ولن تعرض إلا لما وقع فيه رواة آخر القرن الثاني، أما من جاء بعدهم فقد أخذوا من

стр. 183

كتب هؤلاء، ولا حاجة بنا إلى عرضه إذ لا دليل فيه. فمن أمثلته: ما ذكره أبو حاتم السجستاني قال١: قرأ الأصمعي على أبي عمرو بن العلاء شعر الحطيئة، فقرأ قوله: وغررتني وزعمت أنك ... لابن بالصيف تامر -أي كثير اللبن والتمر- فقرأها "لا تني بالضيف تامر" يريد: لا تتوانى عن ضيفك تأمر بتعجيل القِرَى له. فقال له أبو عمرو: أنت والله في تصحيفك هذا أشعر من الخطيئة!! وقال الأخفش٢: أنشدت أبا عمرو بن العلاء. قالت قتيلة ماله ... قد جللت شيبًا شواته فقال أبو عمرو: كبرت عليك رأس الراء فظننتها واوًا. قلت: وما سراته؟ قال: سراة البيت: ظهره. قال الأخفش: ما هو إلا "شواته"، ولكنه لا يسمعها. ولهذين الخبرين قيمة خاصة إذ يدلان صراحة على أن الأصمعي والأخفش وأبا عمرو بن العلاء قد قرءوا هذا الشعر في كتب، وبذلك يسَّرا لنا سبيل التدليل على أن هذا الضرب من التصحيف لا يكون من خطإ في السماع، وإنما ينشأ من خطإ في القراءة. وقال أبو حاتم أيضًا٣: صحف الأصمعي في بيت أوس: يا عام لو صادفت أرماحنا ... لكان مثوى خدك الأحزما يعني بالأحزم: الخزم الغليظ من الأرض. قال أبو حاتم: والرواة على

стр. 184

خلافه، وإنما هو: الأخرم "بالراء"، وهو طرف أسفل الكتف، أي كنت تقتل فيقطع رأسك على أخرم كتفك. وقال القالي في أماليه١: أنشد أبو عبيد: أشكو إلى الله عيالًا دردقا ... مقرقمين وعجوزًا شملقا -بالشين معجمة- وهو أحد ما أخذ عليه: وروى ابن الأعرابي: "سملقا" -بالسين غير المعجمة- وهو الصحيح. وقال القالي أيضًا٢ في قول الأعشى: تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق كان أبو محرز "يقصد خلفًا الأحمر" يرويه "كجابية السيح"، ويقول: "الشيخ" تصحيف، والسيح: الماء الذي يسيح على وجه الأرض. وأنشد أبو زيد في نوادره٣: إن التي وضعت بيتًا مهاجرةً ... بكوفة الخلد قد غالت بها غول قال الرياشي: الأصمعي يقول "بكوفة الجند"، ويزعم أن هذا تصحيف. وقال الجرمي: كوفة الخلد، أي أنها دار قرار لا يتحولون عنها. وقال أبو عمرو الشيباني٤: كنا بالرقة فأنشد الأصمعي بيت الحارث بن حلزة: عنتًا باطلًا وظلمًا كما تعنز عن حجرة الربيض الظباء

стр. 185

فقلت له: إنما هو تعتر من العتيرة، والعتر: الذبح.... والحديث عن التصحيف لا ينتهي كثرةً، وهو متفرق في كتب الأدب، مجموع في مظانه، من مثل كتاب العسكري التصحيف والتحريف، وكتاب البصري "التنبهات على أغاليط الرواة" وكتاب حمزة بن الحسن الأصفهاني "التنبيه على حدوث التصحيف" وكتاب السيوطي "المزهر". ولعل خير ما نختم به هذه الأمثلة ما قاله أبو عمرو الشيباني١: "روى أبو عبيدة بيت الأعشى: .............................. ... ... وسيق إليه الباقر العثل فأرسلت إليه: قد صحفت، إنما هو الغيل" أي الكثير -يقال: ماء غيل إذا كان كثيرًا- ورُوي عنه أيضًا أنه قال: الغيل: السمان، من قولهم: ساعد غيل. وكان أبو عبيدة يروي هذا البيت: إن لعمر الذي حطت مناسمها ... تخدي وسيق إليه الباقر العثل وحكى ابن قتيبة أن أبا حاتم قال له: سألت الأصمعي عنه فقال: لم أسمع بالعثل إلا في هذا البيت؛ ولم يفسره. قال: وسألت أبا عبيدة عنه فقال: العثل: الكثير. قال ابن قتيبة: وخبرني غيره أن الأصمعي كان يروي "وجد عليها النافر العجل" يريد: النفار من منى؛ والنافر لفظه لفظ واحد وهو معنى جمع ... ورواه أبو عبيدة: "حطت مناسمها" بالحاء غير معجمة، وقال: يعني حطاطها في السير وهو الاعتماد. ورواه الأصمعي "خطت" بالخاء، أي شقت التراب، وأنشد للنابغة "فما خططت غباري" أي شققته. وقال الأصمعي: "حطت" خطأ. فانظر إلى اختلافهم في هذا البيت، ورد بعضهم على بعض، ومراسلة أبي عمرو أبا عبيدة فيه".

стр. 186

-٧- فإذا كان الأمر على ما بينَّا، وإذا رجح عندنا أن هؤلاء العلماء قد أخذوا بعض ما جمعوا ما اختاروا من الشعر الجاهلي -من صحف وكتب ودواوين ربما كتب بعضها في العصر الجاهلي وجددت في القرن الهجري الأول- فما بالهم إذن لا يصرحون بذلك؟ وكيف يكون الأمر على هذا الوجه ثم لا يذكر أحد من هؤلاء العلماء أنه أخذ هذه القصيدة أو ذلك البيت من كتاب عالمٍ قبله، أو من ديوان جُمع في القرن الأول أو توارثوه من الجاهلية؟ والجواب عن هذا السؤال سنفصل القول فيه تفصيلًا حين نتحدث عن طريقة أخذ هؤلاء العلماء علمهم، وعن الرواية والرواة بعامة، في الباب التالي. ولكن ذلك لا يعفينا من أن نشير في هذا الموضع إشارة فيها بعض ما يجيب هذا التساؤل. فإغفالهم ذكر الكتب التي أخذوا منها راجع، فيما يبدو لنا، إلى طريقتهم في أخذ العلم وتحصيله آنذاك. فقد كان العالم الحق الجدير بالثقة هو الذي يتصل بالعلماء من ذوي السن، فيحضر مجالسهم ويلازمهم ويستمع إليهم ويأخذ عنهم، والكتاب في كل ذلك، أو في أكثره، هو الوسيلة أو الأداة: يقرؤه على شيخه، أو يستمع إلى بعض من يقرؤه، وقد تكون في يده نسخة أخرى من الكتاب يتابع قراءة القارئ، والشيخ يستمع: يصحح الخطأ، ويشرح الغامض، ويذكر من وجوه الخلاف في الألفاظ ما بلغ إليه علمه، ويتحدث عما حول النص من جو تاريخي، وقد يقوده اللفظ أو الخبر إلى لفظ في بيت آخر، أو إلى خبر في حادثة أخرى، فيستطرد، ثم يعود إلى موضوعه الأصيل.

стр. 187

أما من كان يكتفي بالأخذ من الكتاب وحده، دون أن يعرضه على العلماء، ودون أن يتلقى علمه في مجالسهم، فقد كان عرضة للتصحيف والتحريف، وبذلك لم يعدوا علمه علمًا، وسموه صحفيًّا لا عالمًا. قال ابن سلام١ في معرض حديثه عن الشعر القديم "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي". وشبيه بهذا قول ثعلب عن كتاب العين للخليل٢ "وقد حشا الكتاب أيضًا قوم علماء لا أنهم لم يؤخذ منهم رواية، وإنما وجد بنقل الوراقين، فاختل الكتاب لهذه الجهة". ومن هنا ضعفوا الأخذ من المدونات في التفسير والحديث؛ فكان بعضهم يتقي تفسير مجاهد "توفي سنة ١٠٣ وعمره ٨٣ سنة" لأنهم "كانوا يرون أن مجاهدًا يحدث عن صحيفة جابر"٣ وقال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن عنه: سمعنا أنها من كتاب٤؛ وقال سفيان الثوري عن حديث عبد الأعلى بن عامر الثعلبي٥: كنا نرى أنه من كتاب، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال يحيى بن معين٦: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "يعني عبد الله بن عمرو بن العاص" فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة، فهو ثقة عن هؤلاء. وقال كذلك أبو زرعة إن عمرو بن شعيب٧ "إنما سمع أحاديث يسيرة،

стр. 188

وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها ... وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده". ومن أجل ذلك كان مما يهجى به العالم الاكتفاء بالأخذ عن الصحف وحدها، وإهمال الإسناد إلى الشيوخ، فقال بعضهم يهجو أبا حاتم السجستاني١: إذا أسند القوم أخبارهم ... فإسناده الصحف والهاجس ومن أجل ذلك أيضًا كان مما يُمدح به العالم أنه لا يكتفي بالأخذ عن الصحف وحدها فلا يقع في التصحيف، ومن ذلك ما مدح به أبو نواس خلفًا الأحمر٢: لا يهم الحاء في القراءة بالـ ... ـخاء ولا لامها مع الألف ولا يُعَمِّي معنى الكلام ولا ... يكون إنشاده عن الصحف وقال فيه أيضًا: فكلما نشاء منه نغترف ... راوية لا يجتني من الصحف أفليس من الطبيعي بعد هذا كله أن يتجنب هؤلاء العلماء النص على الكتب التي أخذوا منها، وأن يكتفوا بسماعهم شيخهم أو قراءتهم عليه؟ ثم إذا بلغ هذا المتعلم من العلم مبلغًا يتيح له أن يجلس منه المتعلمون مجلسه من أولئك العلماء، أسند ما يلقيه من العلم إلى شيوخه، فيقول: حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، وسمعت فلانًا يقول. وهذه الصيغ المختلفة للتحديث موهمة أنها كانت رواية شفهية، وأن مجلس العلم كله كان حديثًا لا كتاب فيه. ولكن الأمر على غير ذلك. فإن هذه الصيغ كلها إنما تدل على ما ذكرناه من حديث

стр. 189

العالم الشيخ في مجلسه، والمتعلمون والعلماء من حوله يقرءون أو يستمعون إلى من يقرأ، والشيخ العالم يشرح. والدليل على ما ذكرنا من أن مجالس العلم كانت تقوم على قراءة الكتاب وحديث وحديث الشيخ معًا، وأن إسناد التحديث إنما هو في حديث الشيخ وحده، وأنه لا ينفي وجود الكتاب؛ الدليل على ذلك ما نجمعه هنا: قال محمد بن عمر الواقدي١: سألت ابن جريج "توفي سنة ١٥٠ وعمره ٧٦سنة" عن قراءة الحديث على المحدث؛ فقال: ومثلك يسأل عن هذا؟ إنما اختلف الناس في الصحيفة يأخذها ويقول: أحدث بما فيها، ولم يقرها، فأما إذا قرأها فهو سواء. وقال عثمان بن عبد الله بن أبي رافع٢: رأيت من يقرأ على الأعرج "هو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز المتوفى سنة ١٧٧" حديثه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فيقول: هذا حديثك يا أبا داود؟ قال: نعم، قال: فأقول حدثني عبد الرحمن، وقد قرأت عليك؟ قال: نعم، قل: حدثني عبد الرحمن بن هرمز. وهل أدل على وجود الإسناد مما يوهم السماع وحده بينما يكون المصدر الأصيل هو الصحيفة من هذه الكتب التي كتبها عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان يجيبه فيها عما يسأله، ويذكر فيها بعض الحوادث التاريخية؟ فمع أنها مدونة في صحف نجد الطبري، حينما يوردها في تاريخه، يذكر لها إسنادًا فيقول٣ " ... أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة أنه كتب إلى عبد الملك ... ".

стр. 190

فهذه كلها صريحة في أن الإسناد لا ينفي وجود الصحيفة أو الكتاب، وأن الكتاب والسماع جزءان يتمم أحدهما الآخر. بل إن الإسناد قد يوهم السماع حيث لا سماع، وإنما هو أخذ من صحيفة أو كتاب من غير قراءة على الشيخ وسماع منه. قال الواقدي١ عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه شهد ابن جريج جاء إلى هشام بن عروة فقال: يا أبا المنذر، الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي حديثك؟ قال: نعم. قال الواقدي: فسمعت أن جريج بعد هذا يقول: حدثنا هشام بن عروة، ما لا أحصي. فابن جريج في هذا الخبر لم يسمع هشام بن عروة، وإنما أخذ من صحيفة ولم يستمع إليه وهو يحدث بها، ومع ذلك فهو يسند، ويقول: حدثنا هشام بن عروة؛ وذلك لأنه اطمأن إلى أن ما في الصحيفة من حديث هشام حقًّا. وخبر آخر يؤيد هذا الخبر السابق، وهو عن ابن جريج نفسه. قال الواقدي٢: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة قال: قال لي ابن جريج: اكتب لي أحاديث سنن قال: فكتبت له ألف حديث ثم بعثت بها إليه، ما قرأها علي وما قرأتها عليه. قال الواقدي: فسمعت ابن جريج بعد ذلك يحدث يقول: حدثنا أبو بكرٍ بن أبي سبرة، في أحاديث كثيرة. وقد مر بنا أن عطاء بن دينار روى التفسير عن سعيد بن جبير، ولكنه لم يسمعه منه، وإنما وجد عطاء هذا التفسير في ديوان عبد الملك بن مروان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير٣. ومن هذا القبيل ما يورده أبو الفرج في أغانيه عن أبي خليفة عن محمد بن سلام؛ إذ يقول أبو الفرج٤ "أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال..". وأبو الفرج لم يلق أبا خليفة، وإنما كان يكتب إليه، ويؤيد ذلك

стр. 191

قوله١: "أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام ... " فهذا إسناد وإجازة معًا من غير سماع ولا لقاء. وذلك كله ينتهي بنا إلى ما ذكرناه قبل قليل من أن طريقة السلف في أخذ العلم وتحصيله تعتمد على الرواية، وأن الرواية تقوم على دعامتين؛ الأولى: الكتاب: يقرأه أحد الحاضرين في مجلس العلم، والآخرون يستمعون إليه أو يتابعون ما يقرأ في نسخ بين أيديهم من الكتاب نفسه. والثاني: السماع: وذلك حينما يتحدث الشيخ نفسه يصحح خطأ، أو يشرح غامضًا، أو يذكر ما حول النص من حوادث تاريخية. وأن لفظ "حدثنا" أو "أخبرنا" لفظ عام، قد يدل على الرواية بدعامتيها: القراءة والسماع: وقد يدل على السماع وحده؛ وقد يدل على القراءة وحدها دون سماع كما رأينا في الأمثلة الأربعة الأخيرة.

стр. 192

الباب الثالث: الرواية والسماع الفصل الأول: اتصال الرواية من الجاهلية حتى القرن الثاني ... الفصل الأول: اتصال الرواية من الجاهلية حتى القرن الثاني -١- والرواية، بمدلولها العلمي الأدبي، طور لغوي متأخر، سبقه -فيما نرى- طور ذو دلالة مادية حسية، نحسبها كانت في بدء أمرها محصورة فيما يتصل بالماء من إناء يحمل فيه كالمزادة، ومن حيوان يحمل عليه كالبعير، ومن إنسان يحمله مستقيًا أو متعهدًا دابة السقاية.١ قال لبيد من أبيات٢. فتولوا فاترًا مشيهم ... كروايا الطبع همت بالوحل فالروايا من الإبل: الحوامل للماء، واحدتها: راوية. وقال الأعشى٣: وتقواده الخيل حتى يطو ... ل كر الرواة وإيغالها فالرواة هنا: من يقومون على الخيل، مفردها: راوٍ ثم صارت الرواية تطلق على مطلق الحمل، والراوية على الدابة التي تتخذ لحمل المتاع إطلاقًا، كقول زهير٤: يسيرون حتى حبسوا عند بابه ... ثقال الروايا والهجان المتاليا

стр. 193

فالروايا هنا: الإبل التي يحمل عليها المتاع إطلاقًا. ومن مجاز هذا الحمل: حمل الديات، كقولهم: "إن فلانًا لراوية الديات" أي: حاملها، و"بنو فلان روايا الحمالات". قال أبو شأس١: ولنا روايا يحملون لنا ... أثقالنا إذ يكره الحمل وقال الكميت: وكنا قديمًا روايا المئين ... بنا يثق الجارم المبسل ثم صارت الروايا تدل على السادة؛ لأنهم يقومون بأعباء غيرهم ويحملون عنهم أثقالهم. قال رجل من بني تميم -وذكر قومًا أغاروا عليهم- "لقيناهم فقتلنا الروايا، وأبحنا الزوايا" أي: قتلنا السادة وأبحنا البيوت٢. ومن مجاز هذا الحمل أيضًا: حمل الشعر أو الحديث، فقالوا: فلان راوية للأدب والشعر، وراوٍ للحديث. وراوية الشعر في الجاهلية هو من يحمل شعر الشاعر وينقله ويذيعه، قال النابغة الذبياني٣: ألكني يا عيين إليك قولا ... ستهديه الرواة إليك عني وقال عميرة بن جعل -وكان قد هجا قومه بني تغلب ثم ندم٤-: ندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضت واستتبت لرواة مذاهبه فأصبحت لا أسطيع دفعًا لما مضى ... كما لا يرد الدر في الضرع حالبه

стр. 194

وقال حميد بن ثور١: لأعترضن بالسهل ثم لأحدون ... قصائد فيها للمعاذير زاجر قصائد تستحلي الرواة نشيدها ... ويلهو بها من لاعب الحي زامر وقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : "بأبي أنت، ما أنت بشاعر ولا راوية، ولا ينبغي لك". ولما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا٢: "يأبا مليكة، أوص". فقال: "ويل للشعر من راوية السوء". وذلك كله إنما الأصل فيه هو الماء: حمله وحامله من رجل أو دابة. غير أن هذا الضرب الأخير من المجاز، وهو الحمل الأدبي، قد مر كذلك، فيما يبدو، في مرحلتين: الأولى خاصة بالشعر وحده، وتعني مجرد حفظه ونقله وإنشاده، ولا تتجاوز ذلك إلى ضبطه وتحقيقه والنظر فيه وتمحيصه. واستمر مدلول هذه المرحلة الأولى في تاريخ الرواية الأدبية حتى آخر القرن الأول وبداية القرن الثاني. قال محمد بن المنكدر "التميمي المدني المتوفى سنة ١٣٠"٤: "ما كنا ندعو الرواية إلا رواية الشعر، وما كنا نقول هذا يروي أحاديث الحكمة إلا عالم". فلما أُصلت أصول علم الحديث، وأرسيت قواعده، وعُني فيه بالإسناد، وتصدر المحدثون للتحديث في مجالس العلم من حفظهم، صار يطلق عليهم أيضًا لفظ الرواية، فصرنا نجد المحدثين، في آخر القرن الثاني، رواة كما كان للشعراء رواة، ومنهم "النضر بن طاهر راوية مالك بالبصرة"٥. ومن هنا دخلت الرواية الأدبية في طورها الثاني، وهو ما يصح أن نطلق

стр. 195

عليه دور الرواية العلمية. وهي تقوم على الحفظ والنقل والإنشاد، كالرواية المجردة في دروها الأول، وأضيف إليها الضبط والإتقان والتحقيق والتمحيص والشرح والتفسير وشيء من الإسناد، كما سيمر بنا في الفصل التالي عند حديثنا عن طبقات الرواة، وفي الفصل الثالث حين نتحدث عن الإسناد في الرواية الأدبية. وهذا الدور من الرواية الأدبية هو الذي قامت فيه مجالس العلم والدرس، وصار لهذه المجالس شيوخ يتصدرون، وتلاميذ يستمعون ويقرءون، وكانت لهذه الرواية العلمية -على ما بينَّا طرفًا منه- دعامتان: القراءة من الكتاب، والسماع من الشيخ. وما ذكرناه في الباب الأول من أمر الكتابة والتدوين بعامة، وكتابة الشعر وتدوينه بخاصة، ثم ما ذكرناه بعد ذلك من أمر اتصال العلماء الرواة في القرن الثاني بالمدونات السابقة واستمدادهم منها، كل ذلك حديث موهم، قد يحمل محملًا فيه سعة وتعميم لم نقصد إليهما. ومن هنا ينبغي لنا أن نقرر أمورًا ثلاثة يستقيم بها للبحث وجهه، الأول: أن هذا التدوين الذي ذكرناه -على ما كان من وجوده بل انتشاره- لم يكن له من سعة هذا الانتشار ما يتيح وجود نسخ كثيرة من الديوان الواحد تفي بحاجة القارئين آنذاك. وأن ذيوع شعر الشاعر أو أخبار القبيلة ومآثرها لم يكن قائمًا على القراءة من الديوان أو الكتاب، وإنما كان يقوم على الرواية الشفهية من فرد إلى فرد ومن جيل إلى جيل. أجل، لقد كان هذا الشعر أو بعضه مدونًا -كما بينَّا- ولكن تدوينه كما مقصورًا على نسخة واحدة -هي الأم أو المرجع- أو على نسخ قليلة محدودة ينسخها أفراد قلائل من الرواة أو الشعراء أو أبناء قبيلة الشاعر أو الممدوحين من السادة والأشراف، ثم يحفظ هؤلاء جميعًا، أو بعضهم، هذا الشعر، ويتناقلونه إنشادًا -لا قراءة- في مجالسهم ومشاهدهم وأسواقهم، ويرددونه شفاهًا في سمرهم ومحافلهم ومنافراتهم ومواقف فخرهم فيشيع بين العرب، ويتناقله الركبان، عن هذا الطريق من الرواية الشفهية، لا عن طريق القراءة والمدرسة من الكتاب

стр. 196

أو الديوان. وذلك أمر طبيعي عند العرب وعند غيرهم، في تلك العصور وفي العصور التي تلتها إلى عهد قريب حينما اكتشفت الطباعة فيسرت كتابة النسخ الكثيرة من الكتاب الواحد. وأما الأمر الثاني فيتصل بالأمر الأول، وذلك أن رواة الشاعر نفسه -وهم أول من يسمع شعر الشاعر وأهم وسيلة من وسائل نشر شعره وإذاعته- هؤلاء الرواة كانوا يكتبون شعر الشاعر حقًّا، ويحفظونه في صحف ودواوين، ولكنهم مع ذلك يحفظون هذا الشعر في صدورهم وذاكرتهم، وينقلونه في المجالس والمحافل إنشادًا لا قراءة من صحف. وقد كان ذلك كذلك في جميع العصور الإسلامية: فقد كان جرير يريد أن يهجو بني نمير، فأقبل إلى منزله وقال للحسين راويته١: زد في دهن سراجك الليلة وأعدد ألواحًا ودواة. قال: ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل حتى ورد عليه قوله: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابًا فقال جرير للحسين راويته: "حسبك أطفئ سراجك، ونم، فقد فرغت منه" يعني قتلته. وهجت بنو جعفر بن كلاب قوم الفرزدق، فأراد أن يهجوهم، ولكنه قال٢: "والله ما أعرف مثالبهم ولا ما يهجون به". فبينا هو كذلك إذ قدم عمر بن لجإ التيمي البصرة، فنزل في بني عدي في موضع دار أعين الطيب. فقال الفرزدق لابن متويه -وكان راوية الفرزدق وكان يكتب شعره-: "امض بنا إلى هذا التيمي. قال: فخرجنا حتى وقفنا على الباب الذي هو فيه، فاستأذنا، وعند ابن لجإ فتيان من بني عدي يكتبون فخره بالرباب ... ". وهذا شيخ من هذيل، كان خالًا للفرزدق من بعض أطرافه، يقول٣:

стр. 197

" ... فجئت الفرزدق.... ودخلت على رواته فوجدتهم يعدلون ما انحرف من شعره، فأخذت من شعره ما أردت.. ثم أتيت جريرًا ... وجئت رواته وهم يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد، فأخذت ما أردت..". ومع ذلك فقد كان هؤلاء الرواة -على كتابتهم للشعر في الدواوين وحفظهم إياه في الصحف- ينشدون الشعر إنشادًا ويذيعونه بين الناس والقبائل عن طريق الرواية الشفهية، ومن أجل ذلك قال جرير١: وعاوٍ عوى من غير شيء، رميته ... بقافيةٍ أنفاذها تقطر الدما خروجٍ بأفواه الرواة كأنها ... قرى هندواني إذا هز صمما وقال الفرزدق٢: تغنى يا جرير لغير شيء ... وقد ذهب القصائد للرواة فكيف ترد ما بعُمان منها ... وما بجبال مصر مشهرات وأمر ثالث يكمل سابقيه، وهو متصل بهؤلاء العلماء الرواة الذين عاشوا في نهاية القرن الثاني ومطلع الثالث والذين حفظوا لنا هذا الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا. فقد ذكرنا من أمر تدوينهم للشعر وأخذهم بعضه من الدواوين والكتب التي دونت قبلهم ما لا حاجة بنا إلى إعادة القول فيه، ولكنا نريد أن نقول إنهم، مع ذلك، كانوا ينقلون بعض الشعر الجاهلي والأخبار الجاهلية في مجالسهم نقلًا شفهيًّا. والأمثلة على ذلك كثيرة حسبنا أن نشير إلى بعضها. فقد مر بنا أن كتب ابن الأعرابي كانت كثيرة وأن رسولًا لأحد ذوي السلطان جاءه يستدعيه فقال له ابن الأعرابي: عندي قوم من الأعراب

стр. 198

فإذا قضيت أربي معهم أتيت. قال الغلام: "وما رأيت عنده أحدًا إلا أني رأيت بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرة وفي هذا مرة". ابن الأعرابي هذا -على أخذه من الكتب- يقول عنه ثعلب١: شاهدت ابن الأعرابي، وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان، كل يسأله أو يقرأ عليه, ويجيب من غير كتاب، قال: ولزمته بعض عشرة سنة ما رأيت بيده كتابًا قط، وما أشك في أنه أملى على الناس ما يُحمل على أجمال. وقد كان ثعلب مثل أستاذه ابن الأعرابي "لا يُرى بيده كتاب، ويتكل على حفظه٢" بينما كان معاصره أبو سعيد السكري "كثير الكتب جدًّا، وكتب بخطه ما لم يكتبه أحد، وكان إذا لقي الرجال يفارقه كتاب٣". وكان هؤلاء العلماء يأخذون عن الأعراب، وقد يرحلون إلى البادية وراء الأعراب، أو يفد هؤلاء الأعراب إلى الأمصار ليتكسبوا بما يأخذه عنهم العلماء. ومن أمثلة ذلك ما ذكره ثعلب من أن أبا عمرو الشيباني "دخل البادية ومعه دستيجتان من حبر فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب٤". وكان هؤلاء العلماء قد يأخذون أيضًا عن غير الأعراب من الرواة وأصحاب الأخبار أخذ سماع من أفواههم لا أخذ قراءة من كتبهم. ومن أمثلة ذلك أن الجاحظ -على ما هو معروف عنه من كثرة جمعه للكتب وشغفه بها ونقله منها في كتبه٥- كان يكتب كثيرًا مما يورده في كتبه إما من السماع وإما من

стр. 199

حفظه فهو يقول١: "وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملًا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار"، وهو يورد بيتًا ثم يقول٢: "وهي أبيات لم أحفظ منها إلا هذا البيت". ومن أمثلة ذلك أيضًا ما ذكره أحمد بن عبيد الله بن عمار قال٣: "كنا نختلف إلى أبي العباس المبرد، ونحن أحداث، نكتب عن الرواة ما يروونه من الآداب والأخبار ... فانصرفنا يومًا من مجلس أبي العباس المبرد وجلسنا في مجلس نتقابل بما كتبناه ونصحح المجلس الذي شهدناه ... وقد أوردنا هذه الأمثلة -على الأمور الثلاثة كلها- من عصور مختلفة تشمل القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وهي تدل على أن الرواية الشفهية كانت تسير جنبًا إلى جنب مع الكتابة والتدوين، لا تعارض بينهما، ولا ينفي وجود أحدهما وجود الآخر. ومن هنا كان لا بد لنا -بعد أن استوفينا البحث، بالقدر الذي بلغه جهدنا، عن تدوين الشعر الجاهلي- من أن نعقد فصول هذا الباب الثالث عن الرواية الشفهية، حتى تتم بذلك الدعامتان اللتان قام عليهما حفظ الشعر الجاهلي وحمله، وهما: انقل من الكتاب، والسماع من أفواه الرواة. -٢- أورد ابن سلام في طبقاته قول عمر بن الخطاب٤ "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه". ثم عقب عليه بقوله "فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته.

стр. 200

فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير". وكلام ابن سلام هذا ثلاثة أشطر: آخرها حق، وموسطها باطل، وأولها يحتاج إلى فضل بيان يوضحه. أما الحق الذي لا مرية فيه فقوله "فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير". وسنعود في صفحات مقبلة إلى هذا القول ونفصل وجه الحق فيه. وأما الباطل الذي لم نعد نشك في بطلانه وفساده فهو هذا التعميم الواسع في قوله "فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب". وقد كان في البابين الأول والثاني من هذا البحث من البيان والتفصيل ما نحسب أنه يُغنينا عن تكرار القول. وحسبنا أن نورد ثلاثة أمثلة من كتاب ابن سلام نفسه تنقض هذا القول، أو -على الأقل- تضييق ما فيه من تعميم واسع. فقد عام ابن سلام بعض العلماء قبله -أي علماء القرن الأول الهجري- باكتفائهم بالأخذ عن الدواوين المدونة والكتب المكتوبة، فنبزهم بأنهم صحفيون وذلك قوله عن الشعر القديم١ "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه- أن يقبل من صحيفة ولا يروي عن صحفي". وقد قال عقب قوله السابق الذي أنكر فيه هذه المدونات٢: "وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بني مروان أو صار منه". ثم ذكر ابن سلام نفسه أنه رأى شعرًا جاهليًّا "في

стр. 201

كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة"١. فإذا ما أضفنا إلى كلام ابن سلام ما فصلنا فيه القول في البابين الأول والثاني وضح لنا ما في قوله "فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب" من خلل وفساد. وأما الشطر الثالث الذي يحتاج إلى فضل بيان يوضحه فهو قوله: "فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر.. وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل. ولا يستبين لنا خطر هذا القول إلا حين نتطرق إلى الحديث عن الشك في الشعر الجاهلي ونحله، في الباب الرابع من هذا الكتاب. ولا بد لنا قبل ذلك من أن نتساءل هنا: أحق أن العرب قد لهوا عن رواية الشعر في هذه الفترة من حياتهم، فغفلوا عنه، ونسوا ذكره، وأضربوا عن روايته؟ وإذا كان ذلك كذلك، فكم من السنين أو من القرون بلغت هذه الفترة؟ ثم أمن الحق أنهم حينما راجعوا روايته -إذا سلمنا بانقطاعهم عنها- ألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة لا بد لنا من استقراء تاريخي، نتتبع فيه حياة الرواية عند القوم مبتدئين بالمعالم الواضحة في منتصف القرن الثاني الهجري، ومتدرجين فيها إلى الوراء حتى نصل إلى أقصى ما نستطيع أن نصل إليه من معالم حياة الرواية الأدبية. فإذا ما بدأنا بعهد بني أمية، وجدنا أن بعض القوم آنذاك كان يرى أن العلماء العارفين بالشعر الجاهلي قد ماتوا. ونحن نحسب أن هذا الضرب من الكلام موجود في كل عصر، وأنه لا يصح أن يحمل محملًا لفظيًّا قاطعًا، وإنما هو ضرب من التحسر على الماضي، وتمجيد القدماء، والإقرار بضعف الحاضر وعجزه إذا ما قيس بالقديم السابق عليه. فأبو عمرو بن العلاء حينما سئل

стр. 202

عن قول امرئ القيس١. نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل قال: ذهب من يحسنه. وحين سئل عن قول الشاعر٢: زعموا أن كل من ضرب العير ... موالٍ لنا وأنا الولاء قال: مات الذين يعرفون هذا. بل إن الحجاج بن يوسف الثقفي قال على المنبر٣: "ذهب قوم يعرفون شعر أمية وكذلك اندراس الكلام!! " وبين الحجاج وأمية بن أبي الصلت نحو من ثمانين سنة! وسنسوق في إيجاز بعض ما يكشف لنا عن عناية القوم، حتى منتصف القرن الأول، برواية الشعر الجاهلي وأخبار الجاهلية، وسنصرف أكثر كلامنا إلى زمن عبد الملك بن مروان ومعاوية أبي سفيان، ليكون ذلك أبعد زمنًا وأدل على ما نقصد إليه: ذكر الأصمعي يومًا بني أمية وشغفهم بالعلم، فقال٤: "كانوا ربما اختلفوا وهم بالشام في بيت من الشعر، أو خبر، أو يوم من أيام العرب، فيبردون فيه بريدًا إلى العراق". وقال غيره: "كنا نرى في كل يوم راكبًا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة "توفي سنة ١١٨" يسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وكان قتادة أجمع الناس". وقال عامر بن عبد الملك المسمعي: كان

стр. 203

الرجلان من بني مروان يختلفان في بيت شعر، فيرسلان راكبًا إلى قتادة يسأله، ولقد قدم عليه رجل من عند بعض أولاد الخلفاء من بني مروان فقال لقتادة: من قتل عمرًا وعامرًا التغلبيين يوم قضة؟ فقال: قتلهما جحدر بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. قال: فشخص بها ثم عاد إليه فقال: أجل قتلهما جحدر، ولكن قتلهما جميعًا؟ فقال: اعتواره فطعن هذا بالسنان وهذا بالزج فعادى بينهما١. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج٢: أنت عندي كسالم. فلم يدر ما هو. فكتب إلى قتيبة يسأله، فكتب إليه: إن الشاعر يقول: يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين الأنف والعين سالم ثم كتب إليه مرة أخرى: أنت عندي قدح ابن مقبل. فلم يدر ما هو. فكتب إلى قتيبة يسأله -وكان قتيبة قد روى الشعر- فكتب إليه: أن ابن مقبل نعت قدحًا فقال: مفدى مؤدى باليدين ملعن ... خليع قداح فائز متمنح خروج من الغمى إذا صك صكة ... بدا والعيون المستكفة تلمع٣ وقال أبو عبيدة٤: حدثني قيس بن غالب عن مشيخة قومه أن عبد الملك بن مروان سأل رجالًا من بني فزارة كانوا عنده: من كان على الناس يوم النسار؟ قالوا: كانوا متساندين. قال: ويدخل أبو قشع -وكان أعلمنا-

стр. 204

فسأله عبد الملك عن ذلك فقال: والذي نفسي بيده يا أمير المؤمنين للناس يوم النسار أطوع لحصن بن حذيفة من بعض غلمانك لك. وقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث "توفي سنة ٨٤" يذكر أخذه الشعر والنسب عن الشعراء والنسابين١ "قدم عبد الملك -وكان يحب الشعر- فبعثت إلى الرواة، فما أتت عليَّ سنة حتى رويت الشاهد والمثل وفضولًا بعد ذلك. وقدم مصعب "توفي سنة ٧٣" وكان يحب النسب فدعوت النسابين فتعلمته في سنة. ثم قدم الحجاج وكان يدني على القرآن، فحفظته في سنة". وتبدو لنا عناية عبد الملك بالشعر وروايته -فضلًا عما تقدم- في قوله لمؤدب ولده٢: "روهم الشعر، روهم الشعر، يمجدوا وينجدوا. وقال مرة لمؤدب أولاده٣: "أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة". وهل أدل على معرفة عبد الملك بالشعر الجاهلي معرفة دقيقة من قوله٤. إذا أردتم الشعر الجيد فعليكم بالزرق من بني قيس بن ثعلبة -وهم رهط أعشى بكر-، وبأصحاب النخل من يثرب -يريد الأوس والخزرج-، وأصحاب الشعف من هذيل "والشعف رءوس الجبال". بل هل أدل على معرفة عبد الملك بشعر الجاهلية وأخبارها وعنايتة بجمع ذلك مما أورده ياقوت في قوله٥: "كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: انظر لي رجلًا عالمًا بالحلال، عارفًا بأشعار العرب وأخبارهم، أستانس به وأصيب عنده معرفة، فوجهه إلى من قبلك. فوجه إليه الشعبي، وكان أجمع أهل زمانه، قال الشعبي: فلم ألق واليًا ولا سوقةً إلا وهو يحتاج إلي ولا أحتاج

стр. 205

إليه ما خلا عبد الملك، ما أنشدته شعرًا ولا حدثته حديثًا إلا وهو يزيدني فيه، وكنت ربما حدثته وفي يده اللقمة فأمسكها، فأقول: يا أمير المؤمنين أسع طعامك، فإن الحديث من ورائه، فيقول: ما تحدثني به أوقع بقلبي من كل لذة، وأحلى من كل فائدة". أما معاوية بن أبي سفيان فقد مرت بنا أطراف من عنايته بأخبار الماضين، وأيام العرب في جاهليتهم، وشعر شعرائهم. وذكرنا أنه كان له غلمان مرتبون يكتبون هذه الأحاديث في دفاتر ويقرءونها عليه في ساعات معينة من ليله. وكانت لمعاوية -فضلًا عن ذلك- مجالس ينشد هو ما يحفظ من الشعر فيها، ويستنشد من يحضر من الرواة والعلماء والأعراب، ويستمع فيها إلى أحاديث العرب وأخبارها. وقد قال مرة للنخار بن أوس١: "ابغني محدثًا قال: ومعي يا أمير المؤمنين تريد محدثًا! قال: نعم، أستريح منه إليه، ومنه إليك ... " وقد التفت معاوية في أحد مجالسه إلى عبد الله بن الزبير وقال متمثلًا٢: ورامٍ بعوران الكلام كأنها ... نوافر صبح نفرتها المرائع وقد يدحض المرء الموارب بالخنا ... وقد تدرك المرء الكريم المصانع ثم قال لابن الزبير: من يقول هذا؟ فقال: ذو الإصبع. فقال: أترويه؟ قال: لا. فقال: مَن هاهنا يروي هذه الأبيات؟ فقام رجل من قيس فقال: أنا أرويها يا أمير المؤمنين. فقال: أنشدني. فأنشده حتى أتى عليها ... فزاد معاوية في عطائه. وخاصم رجل إلى معاوية في ابن أخيه، فجعل الرجل يحج خصمه، فقال معاوية: أنت كما قال أبو دواد٣:

стр. 206

أنى أتيح لها حُرَبْاِء تنضية ُ ... َلْاِ يرسل الساق إلا ممسكًا ساقًا وسأل معاوية شيخًا من بقايا العرب١: أي العرب رأيته أضخم شأنًا؟ قال: حصن بن حذيفة -قائد ذبيان يوم شعب جبلة- رأيته متوكئًا على قوسه يقسم في الحليفين: أسد وغطفان. وذكر عند معاوية، في أحد مجالسه، ملوك العرب، فلما ذكرت الزباء وابنة عفزر قال معاوية٢: إني لأحب أن أسمع حديث ماوية وحاتم. فقال رجل من القوم: أفلا أحدثك يا أمير المؤمنين؟ فقال: بلى فقال: إن ماوية بنت عفزر كانت ملكة وكانت تتزوج من أرادت ... إلى آخر القصة. وبعث زياد بن أبيه بولده إلى معاوية٣، فكاشفه عن فنون من العلم فوجده عالمًا بكل ما سأله عنه، ثم استنشده الشعر، فقال: لم أروِ منه شيئًا! فكتب معاوية إلى زياد: ما منعك أن ترويه الشعر؟ فوالله إن كان العاق ليرويه فيبر، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل. ولم تكن هذه المجالس، التي تُذكر فيها أخبار الجاهلية ويُروى فيها شعر شعرائها، مقصورة على معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية وبني مروان، بل كان الأشراف والسادة والولاة يعقدون مثل هذه المجالس. فقد كان سعيد بن العاص على المدينة، فبينا هو يُعشي الناس٤، وهم يخرجون أولًا

стр. 207

َُُأَِْوْلًِا، إذ نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر، رث الهيئة، جالس مع أصحاب سمره، فذهب الشرط يقيمونه، فأبى أن يقوم، وحانت من سعيد التفاتة، فقال: دعوا الرجل. فتركوه، وخاضوا في أحاديث العرب وأشعارها مليًّا، فقال لهم الحطيئة، -وكان هو ذلك الرجل-: والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب. فقال له سعيد: أتعرف من ذلك شيئًا؟ قال: نعم. قال: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول: لا أعد الإقتار عدمًا ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام وأنشدها حتى أتى عليها، فقال له: من يقولها؟ قال: أبو داود الإيادي. قال: ثم من؟ قال: الذي يقول: أفلح بما شئت فقد يُدرك بالـ ... ـجهل وقد يُخدع الأريب ثم أنشدها حتى فرغ منها. قال: ومن يقولها؟ قال: عبيد بن الأبرص، قال: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي عند رغبة أو رهبة ... وأنشد ابن أبي عتيق يومًا قول قيس بن الخطيم١: بين شكول النساء خلقتها ... حذوًا فلا جبلة ولا قضف فقال: لولا أن أبا يزيد -كنية قيس بن الخطيم- قال "حذوًا"، ما درى الناس كيف يحشون هذا الموضع. وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لمعلم ولده٢: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها: دعيني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير

стр. 208

وكان يقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم. والأخبار عن معرفة ابن عباس بالشعر الجاهلي، وروايته إياه، وحضه على طلبه وتعلمه وتفسير كتاب الله تعالى به، وأخبار كثيرة١، حتى إنه كان يقول٢: إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب. وكان يُسأل عن القرآن فينشد الشعر. وسنكتفي بإيراد مثل واحد من أخبار ابن عباس، وسيمر منها خبر أو خبران عند حديثنا عن معرفة عمر بن الخطاب بالشعر الجاهلي. قال الشعبي٣: كنا عند ابن عباس وهو في ضفة زمزم يفتي الناس، إذ قال أعرابي: أفتيت الناس فافتنا. قال: هات. قال: أرأيت قول الشاعر المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما قال ابن عباس: ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فكبر فألزموه السابع من ولده، فكان معه، فكان الشيخ إذا غفل كانت بينه وبينه أن تقرع العصا حتى يعاوده عقله، وذلك قول المتلمس اليشكري من بكر بن وائل: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا. قال ذو الإصبع العدواني بعد ذلك بدهر: عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض ..... ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي يعني: عامر بن الظرب.

стр. 209

ونحن نرى من كل هذا، ومن كثير غيره، أن القوم، في القرن الأول الهجري، لم يكونوا يكتفون برواية الشعر الجاهلي وإنشاده في المجالس والمحافل، وإنما كانوا كذلك يعلمونه الصبيان تعليمًا. وقد وضح لنا ذلك من قول عبد الملك لمؤدب ولده يأمره أن يروهم الشعر وخاصة شعر الأعشى، ومن كتابة معاوية إلى زياد بطلب منه أن يعلم ابنه الشعر ويرويه إياه، ومن نهي جعفر بن أبي طالب معلم ولده على أن يعلمهم قصيدة عروة بن الورد؛ لأنها تحض على الاغتراب عن الأوطان. وسنذكر، في حديثنا عن طبقات الرواة، ما يزيد هذا الجانب وضوحًا، وذلك حينما نتحدث عن شعراء القرن الأول ورُجازه: العجاج ورؤبة والأخطل وجرير والفرزدق والكميت، ومعرفتهم بأخبار الجاهلية، ومثالب العرب ومفاخرها؛ وروايتهم الشعر الجاهلي، بل نظرهم فيه نظر الناقد الحصيف المميز. -٣- فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى صدر هذا القرن، ونظرنا في أخبار الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة، بل أخبار رسول الله ﷺ ، وجدنا أن الأمر لا يختلف عما عهدناه في عهد بني أمية وبني مروان. قيل للحسن البصري١: أكان أصحاب رسول الله ﵌ يمزحون؟ قال: نعم ويتقارضون من القرض وهو الشعر. وقال جابر بن سمرة٢: جالست رسول الله ﵌ أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الأشعار في المسجد وأشياء من أمر الجاهلية

стр. 210

فربما تبسم رسول الله ﷺ . وقال أبو سلمة١: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم متحزقين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون. وسنعرض هنا أخبار بعض الصحابة -غير من ذكرنا- وروايتهم الشعر. قال مطرف٢: خرجت مع عمران بن حصين "صحابي" من الكوفة إلى البصرة، فما أتى علينا يوم إلا ينشدنا فيه شعرًا، ويقول: إن لكم في المعاريض لمندوحةً عن الكذب. ودخل غالب بن صعصعة على علي بن أبي طالب أيام خلافته -وغالب شيخ كبير- ومعه ابنه همام الفرزدق وهو غلام يومئذ. فقال علي رضي الله عنه٣: ... من هذا الغلام معك؟ قال: هذا ابني. قال: ما اسمه؟ قال: همام وقد رويته الشعر يا أمير المؤمنين، وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعرًا مجيدًا. وهؤلاء أهل الكوفة لم يصرفهم ما كانوا فيه زمن علي عن رواية الشعر وإنشاده، حتى قال لهم "إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حِلقًا عزين، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار". وقد مر بنا خبر حسان حين طلب أن يكتب شعر قاله في الهجاء، وتوزع الصحف على الصبيان في المكتب ليتعلموه ويرووه. وكان أبو زُبيد الطائي شاعرًا معمرًا عاش خمسين ومائة سنة، أدرك الإسلام ولم يسلم ومات نصرانيًّا. وكان عثمان بن عفان يقرب أبا زبيد ويدني مجلسه لمعرفته بسير من أدركهم من ملوك العرب والعجم، فدخل عليه يومًا وعنده

стр. 211

المهاجرون والأنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأخبارها وأشعارها١. وأما عمر بن الخطاب فأمر معرفته بالشعر وروايته له مشهور معروف، فقد كان يستنشد من يحضر مجلسه في حله، أو من يرافقه في سفره. وكان ذواقة، بصيرًا بالشعر، ناقدًا له، يحكم على الشعراء. وكان هو نفسه يحفظ كثيرًا من الشعر الجاهلي، حتى لقد قال محمد بن سلام عن بعض أشياخه٢: "كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر". ومن أمثلة ذلك أنه قيل له٣: "قيل للأوسية: أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر". فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب بيت عدي بن زيد العبادي: كدمى العاج في المحاريب أو كالـ ... بيض في الروض زهره مستنير وقال العائشي٤: كان عمر بن الخطاب ﵀ أعلم الناس بالشعر، ولكنه كان إذا ابتلى بالحكم بين النجاشي والعجلاني "تميم بن أبي بن مقبل"، وبين الحطيئة والزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، واستشهد للفريقين رجالًا مثل حسان بين ثابت وغيره ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعًا للفريقين، ويكون هو قد تخلص بعرضه سليمًا. فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره. قال: ولقد أنشدوه شعرًا لزهير -وكان لشعره مقدمًا- فلما انتهوا إلى قوله: وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء

стр. 212

قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها وإقامته أقسامها: وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء يردد البيت من التعجب. وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللازم، فلما بلغ المنشد قوله: والمرء ساع لشيء ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل قال عمر متعجبًا: والعيش شح وإشفاق وتأميل، يعجبهم من حسن ما قسم وفصل. وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وهو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله: الكيس والقوة خير من الإ ... شفاق والفهة والهاع أعاد عمر البيت وقال: الكيس والقوة خير من الإ ... شفاق والفهة والهاع وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه. وقال عمر بن الخطاب لابن عباس١: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قال ابن عباس فقلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول: ولو أن حمدًا يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد قلت: ذاك زهير. قال: فذاك شاعر الشعراء. قلت: بم كان شاعر

стр. 213

الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه ... ثم قال: أنشدني له. قال ابن عباس: فأنشدته حتى برق الفجر. وقال عمر بن الخطاب لعض ولد هرم١: "أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده. فقال عمر: إنه كان ليحسن فيكم المدح. قال: ونحن والله إن كنا لنحسن له العطية. قال: قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم. وفي رواية عمر بن شبة: قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرمًا لم يبلها الدهر. وقال عمر للوفد الذين قدموا من غطفان٢: من الذي يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب قالوا: نابغة بني ذبيان. قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر: أتيتك عاريًا خلقًا ثيابي ... على وجلٍ تُظن بي الظنون فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون قالوا: هو النابغة. قال: هو أشعر شعرائكم. ومن أحكام عمر النقدية التي سارت وشاعت -غير حكمه المشهور على زهير- قوله حينما سئل عن الشعراء٣ "امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين

стр. 214

الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصر". وكذلك كان أبو بكر راوية للشعر الجاهلي، يتمثل به في مواقفه ويستنشد الشعراء ما قالوه في جاهليتهم وإسلامهم. فقد رقى أبو بكر المنبر يومًا، وقال -فيما قال- يخاطب الأنصار١:.... فنحن وأنتم كما قال الغنوي: جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا لعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا، ولو كانت أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت واستنشد أبو بكر يومًا معد يكرب وقال٢: أما إنك أول من استنشدته في الإسلام. وهذا الخبر يقودنا إلى الحديث عما كان عليه أبو بكر قبل الإسلام: فقد كان عالمًا من علماء النسب والأخبار، بل لقد كان أعلم قريش بأنساب العرب، حتى إن حسانًا لما أراد أن يهجو قريشًا قال له رسول الله٣: استعن بأبي بكر فإنه علامة قريش بأنساب العرب. فلما سمعت قريش بعد ذلك هجاءه قالوا٤: إن هذا الشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة. وقال بعضهم -ولم يكونوا علموا أن حسانًا قاله٥-: لقد قال أبو بكر الشعر بعدنا! بل لقد كان منزل أبي بكر في الجاهلية مثابةً لقريش يؤمونه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مجالسه٦. وقبل أن نتحدث عن رسول الله ﷺ ، واستنشاده الشعر، وإنشاد

стр. 215

الصحابة والرواة بين يديه وفي مجلسه، نشير إلى ما يروى من أخبار عن غزارة حفظ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكرٍ للشعر الجاهلي، وتمثلها به، واستنشادها إياه. والروايات كثيرة عن وفرة ما كانت ترويه من الشعر الجاهلي، منها قولها عن نفسها١: إني لأروي ألف بيت للبيد، وإنه أقل ما أروي لغيره!! وقالت كذلك٢: لقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة فيها أربعون بيتًا ودون ذلك. وقد أنشدت عائشة -لما مات أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر- متمثلة قصيدة بائية لحجية بن المضرب الكندي في أخيه سعدان بن المضرب٣. ولما بلغها موت علي بن أبي طاب أنشدت متمثلة شعرًا للمعقر بن أوس بن حمار البارقي٤. وكانت أيضًا تحث على طلب الشعر وتعلمه وروايته، ومما كانت تقوله في ذلك٥: رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم. وكانت أسماء بنت أبي بكر -أخت عائشة- ممن يُروَى عنها الشعر الجاهلي، فقد روى عنها عروة قصيدتين، إحداهما لزيد بن عمرو بن نفيل، والأخرى لورقة بن نوقل٦. وأما رسول الله ﷺ فكان يستنشد الصحابة الشعر٧، ويسائلهم عنه، ويستعيد ما يستحسنه منه، ويبدي إعجابه ببعضه، وقد ينهى عن رواية بعضه لأسباب مذكورة. فمما يدل على معرفتهم آنذاك بأخبار الجاهلية
следующие страницы →