المهاجرون والأنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأخبارها وأشعارها١.
وأما عمر بن الخطاب فأمر معرفته بالشعر وروايته له مشهور معروف، فقد كان يستنشد من يحضر مجلسه في حله، أو من يرافقه في سفره. وكان ذواقة، بصيرًا بالشعر، ناقدًا له، يحكم على الشعراء. وكان هو نفسه يحفظ كثيرًا من الشعر الجاهلي، حتى لقد قال محمد بن سلام عن بعض أشياخه٢: "كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر".
ومن أمثلة ذلك أنه قيل له٣: "قيل للأوسية: أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر". فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب بيت عدي بن زيد العبادي:
كدمى العاج في المحاريب أو كالـ ... بيض في الروض زهره مستنير
وقال العائشي٤: كان عمر بن الخطاب ﵀ أعلم الناس بالشعر، ولكنه كان إذا ابتلى بالحكم بين النجاشي والعجلاني "تميم بن أبي بن مقبل"، وبين الحطيئة والزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، واستشهد للفريقين رجالًا مثل حسان بين ثابت وغيره ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعًا للفريقين، ويكون هو قد تخلص بعرضه سليمًا. فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره.
قال: ولقد أنشدوه شعرًا لزهير -وكان لشعره مقدمًا- فلما انتهوا إلى قوله:
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
стр. 212
قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها وإقامته أقسامها:
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
يردد البيت من التعجب.
وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللازم، فلما بلغ المنشد قوله:
والمرء ساع لشيء ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
قال عمر متعجبًا: والعيش شح وإشفاق وتأميل، يعجبهم من حسن ما قسم وفصل.
وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وهو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله:
الكيس والقوة خير من الإ ... شفاق والفهة والهاع
أعاد عمر البيت وقال:
الكيس والقوة خير من الإ ... شفاق والفهة والهاع
وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه.
وقال عمر بن الخطاب لابن عباس١: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قال ابن عباس فقلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول:
ولو أن حمدًا يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد
قلت: ذاك زهير. قال: فذاك شاعر الشعراء. قلت: بم كان شاعر
стр. 213
الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه ... ثم قال: أنشدني له. قال ابن عباس: فأنشدته حتى برق الفجر.
وقال عمر بن الخطاب لعض ولد هرم١: "أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده. فقال عمر: إنه كان ليحسن فيكم المدح. قال: ونحن والله إن كنا لنحسن له العطية. قال: قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم. وفي رواية عمر بن شبة: قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرم أباك؟ قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرمًا لم يبلها الدهر.
وقال عمر للوفد الذين قدموا من غطفان٢: من الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
قالوا: نابغة بني ذبيان. قال لهم: فمن الذي يقول هذا الشعر:
أتيتك عاريًا خلقًا ثيابي ... على وجلٍ تُظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: هو النابغة. قال: هو أشعر شعرائكم.
ومن أحكام عمر النقدية التي سارت وشاعت -غير حكمه المشهور على زهير- قوله حينما سئل عن الشعراء٣ "امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين
стр. 214
الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصر".
وكذلك كان أبو بكر راوية للشعر الجاهلي، يتمثل به في مواقفه ويستنشد الشعراء ما قالوه في جاهليتهم وإسلامهم. فقد رقى أبو بكر المنبر يومًا، وقال -فيما قال- يخاطب الأنصار١:.... فنحن وأنتم كما قال الغنوي:
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت ... بنا لعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا، ولو كانت أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت
واستنشد أبو بكر يومًا معد يكرب وقال٢: أما إنك أول من استنشدته في الإسلام. وهذا الخبر يقودنا إلى الحديث عما كان عليه أبو بكر قبل الإسلام: فقد كان عالمًا من علماء النسب والأخبار، بل لقد كان أعلم قريش بأنساب العرب، حتى إن حسانًا لما أراد أن يهجو قريشًا قال له رسول الله٣: استعن بأبي بكر فإنه علامة قريش بأنساب العرب. فلما سمعت قريش بعد ذلك هجاءه قالوا٤: إن هذا الشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة. وقال بعضهم -ولم يكونوا علموا أن حسانًا قاله٥-: لقد قال أبو بكر الشعر بعدنا!
بل لقد كان منزل أبي بكر في الجاهلية مثابةً لقريش يؤمونه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مجالسه٦.
وقبل أن نتحدث عن رسول الله ﷺ ، واستنشاده الشعر، وإنشاد
стр. 215
الصحابة والرواة بين يديه وفي مجلسه، نشير إلى ما يروى من أخبار عن غزارة حفظ أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكرٍ للشعر الجاهلي، وتمثلها به، واستنشادها إياه. والروايات كثيرة عن وفرة ما كانت ترويه من الشعر الجاهلي، منها قولها عن نفسها١: إني لأروي ألف بيت للبيد، وإنه أقل ما أروي لغيره!! وقالت كذلك٢: لقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة فيها أربعون بيتًا ودون ذلك.
وقد أنشدت عائشة -لما مات أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر- متمثلة قصيدة بائية لحجية بن المضرب الكندي في أخيه سعدان بن المضرب٣. ولما بلغها موت علي بن أبي طاب أنشدت متمثلة شعرًا للمعقر بن أوس بن حمار البارقي٤.
وكانت أيضًا تحث على طلب الشعر وتعلمه وروايته، ومما كانت تقوله في ذلك٥: رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم.
وكانت أسماء بنت أبي بكر -أخت عائشة- ممن يُروَى عنها الشعر الجاهلي، فقد روى عنها عروة قصيدتين، إحداهما لزيد بن عمرو بن نفيل، والأخرى لورقة بن نوقل٦.
وأما رسول الله ﷺ فكان يستنشد الصحابة الشعر٧، ويسائلهم عنه، ويستعيد ما يستحسنه منه، ويبدي إعجابه ببعضه، وقد ينهى عن رواية بعضه لأسباب مذكورة. فمما يدل على معرفتهم آنذاك بأخبار الجاهلية
стр. 216
وشعرائها أن رسول الله كتب لعيينة بن حصن كتابًا، فلما أخذ عيينة كتابه قال١: يا محمد، أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا كصحيفة المتلمس؟
ومما يدل على استنشاده الشعر ومساءلته الصحابة الحاضرين مجلسه عنه، ما رواه أنس بن مالك قال٢: جلس رسول الله ﷺ في مجلس ليس فيه إلا خزرجي، ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:
أتعرف رسمًا كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشًا غير موقف راكب
فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ إلى قوله:
أجالدهم يوم الحديقة حاسرًا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعبٍ
فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فقال: هل كان كما ذكر؟ فشهد له ثابت بن قيس بن شماس، وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورسة فجالدنا كما ذكر.
وقال أبو وداعة٣: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر رضي الله تعالى عنه عند باب بني شيبة، فمر رجل وهو يقول:
يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد الدار
هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقتار
فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: أهكذا قال الشاعر؟
قال: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال:
يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف
стр. 217
هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقراف
الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي
ويكللون جفانهم بسديفهم ... حتى تغيب الشمس في الرجاف١
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: هكذا سمعت الرواة ينشدونه.
وقال عدي بن أبي الزغباء يوم بدر٢:
أنا عدي والسحل ... أمشي بها مشي الفحل
يعني درعه ... قال النبي ﷺ "وما السحل"؟ قال: الدرع.
قال رسول الله ﷺ : نعم العدي عدي بن أبي الزغباء.
بل لقد كان رسول الله ﷺ يتمثل ببعض هذا الشعر الجاهلي فقد كان إذا استراث الخبر يتمثل بعجز بيت طرفة٣:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ومن الشعر الجاهلي الذي كان ينشد بين يدي رسول الله فيستحسنه، ما قالته عائشة٤: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أتمثل بهذين البيتين:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يومًا فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثني عليك، وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
فقال ﷺ : ردي عليَّ قول اليهودي قاتله الله، لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه.
стр. 218
وقال مسلم الخزاعي١: كنت عند رسول الله ﵌ ومنشد ينشده:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرمٍ ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في قرن ... بكل ذلك يأتيك الجديدان
فقال النبي ﷺ : لو أدرك هذا الإسلام!
وأنشد ﷺ قول عنترة٢:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
فقال ﷺ : ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة!
وقال الشريد بن سوبد الثقفي٣: استشدني النبي ﷺ شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشدته، فأخذ النبي ﷺ يقول: هيه هيه، حتى أنشدته مائة قافية.
وأنشد النبي ﷺ قول أمية٤:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربي ومسانا
"خمسة أبيات" فقال ﷺ : إن كاد أمية ليسلم. وقال مرة أخرى٥: آمن شعره وكفر قلبه.
стр. 219
وكان ﷺ ينهى عن رواية بعض الشعر الجاهلي وإنشاده. فمن ذلك أنه لما بلغه ﵌ هجاء الأعشى علقمة بن علاثة العامري نهى أصحابه أن يرووا هجاءه، وقال: إن أبا سفيان شعث منى عند قيصر فرد عليه علقمة وكذب أبا سفيان١. ونهى كذلك عن إنشاد قصيدة الأفوه الأودي لما فيها من ذكر إسماعيل عليه السلام٢.
وكان أمية بن أبي الصلت يحرض قريشًا بعد وقعة بدر، وكان يرثي من قُتل من قريش فمن ذلك قوله٣:
ماذا ببدرٍ والعقنـ ... ـقل من مرازبة جحاجح
وهي قصيدة نهى رسول الله ﷺ عن روايتها.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليه سمع كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري ينشد٤:
ألا هل أتى غسان عنا ودوننا ... من الأرض خرق غوله متعتع
مجالدنا عن جذمنا كل فخمة ... مدربة فيها القوانس تلمع
فقال ﷺ : لا تقل "عن جذمنا" وقل "عن ديننا" فكان كعب يقرأ كذلك ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعان رسول الله صلى الله عليه أحدًا في شعره غيري.
стр. 220
ولقد كان إنشاد الشعر وروايته دأب العرب في جاهليتهم القريبة المتصلة بمطلع الإسلام، حتى حين كانوا -وهم مشركون- يحاربون رسول الله. فكانوا لا يكادون يجتمعون في مجلس أو يضمهم نادٍ حتى يزجوا أوقاتهم بهذا الشعر ينشدونه. ومن أمثلة ذلك أن المشركين لما توجهوا "إلى بدر كان فتيان ممن تخلف عنهم سمار يسمرون بذي طُوَى في القمر، حتى يذهب الليل، يتناشدون الأشعار ويتحدثون"١. ولما قال رسول الله ﷺ : "من لي بابن الأشراف؟ ... " خرج أبو نائلة سلكان بن سلامة إلى كعب، فلما رآه كعب أنكر شأنه وكاد يذعر ... فقال أبو نائلة: حدثت لنا حاجة إليك ... فتحدثا ساعة وتناشدا الأشعار، وانبسط كعب، وهو يقول بين ذلك: حاجتك. وأبو نائلة يناشده الشعر.."٢.
-٤-
وطبقة أخرى من العلماء هم النسابون، وصلتهم بالشعر الجاهلي صلة واضحة، إذ أن معرفتهم بالنسب كانت تقتضيهم معرفة واسعة بأخبار هؤلاء القوم وأشعارهم. وقد ذكرنا من قبل أن كتب القبائل كانت كتبًا تتضمن أنساب العرب وأخبارهم وأشعارهم، ونستطيع أن نتلمس ما ذكرناه تلمسًا واضحًا في كتب الأنساب التي كتبها النسابون في العصور الإسلامية، ولعل من أقدمها كتاب نسب قريش لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري المتوفى سنة ٢٣٦هـ، فإن في هذا الكتاب -مع سلاسل النسب- أخبارًا تاريخية وأدبية، وشعرًا يساق مع هذه الأخبار ويذكر مع تلك الأحاديث، وكذلك كانت سنة كتب النسب كلها التي سبقته فيما نرجح. ومما يدعم ذلك أننا نجد دائمًا ذكر
стр. 221
علماء النسب مقرونًا بذكر علمهم بالشعر وروايته، وبأيام العرب وأخبارهم، فقد قال الجاحظ عن علماء النسب١: "وأربعة من قريش كانوا رواة الناس للأشعار وعلماءهم بالأنساب والأخبار". وقيل عن عقيل بن أبي طالب٢: "ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب".
وسنذكر في هذه الصفحات، ذكرًا موجزًا، هؤلاء النسابين الذين أخذ عنهم علماء القرن الثاني، والذين عاشوا في القرن الأول، وفي صدر الإسلام، وفي آخر العصر الجاهلي، لنرى من ذلك -كما رأينا في إنشاد الشعر الجاهلي وروايته- أن الصلة قائمة في العصور المتعاقبة، وأنها كانت أشبه بالسلسلة ذات الحلقات المتصلة آخذًا بعضها برقاب بعض، لم تنقطع، ولم ينفرط عقدها، ولم تكن ثمة فجوة تفصل بين أخبار الجاهلية وعلماء القرن الثاني ورواته.
فهذا هشام بن محمد بن السائب الكلبي -عالم الأنساب المشهور- يقول٣ "قال لي أبي: أخذت نسب قريش عن أبي صالح. وأخذه أبو صالح عن عقيل بن أبي طالب. وأخذت نسب كندة عن أبي الكناس الكندي، وكان أعلم الناس. أخذت نسب معد بن عدنان عن النخار٤ بن أوس العذري، وكان أحفظ الناس ممن رأيت وسمعت به. وأخذت نسب إياد عن عدي بن رثاث الإيادي، وكان عالمًا بإياد.
وقد ذكر شعراء القرن الأول بعض هؤلاء النسابين، ووصفوا ما كان مشهورًا من مدى علمهم بأخبار الجاهلية، فمن ذلك قول سماك العكرمي٥:
стр. 222
فسائل دغفلا وأخا هلال ... وحمادًا ينبوك اليقينا١
وقال مسكين الدارمي٢:
وعند الكيس النمري علم ... ولو أمسى بمنخرق الشمال
وقال ثابت قطنة٣:
فما العضان لو سئلا جميعًا ... أخو بكر وزيد بني هلال٤
ولا الكلبي حماد بن بشر ... ولا من فاد في الزمن الخوالي
وقال زياد الأعجم يهجو بني الحبناء٥:
بل لو سألت أخا ربيعة دغفلًا ... لوجدت في شيبان نسبة دغفل
إن الأحابن والذين يلونهم ... شر الأنام ونسل عبد أغرل٦
وقال القطامي٧:
أحاديث من أنباء عادٍ وجرهم ... يثورها العضان زيد ودغفل
وقال عمرو بن المرادة البلوي يهجو النخار بن أوس العذري النسابة الراوية لأنه استلحق بطنًا من بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وذكر أنهم من قومه٨:
وقد كنت يا نخار ما تدعيهم ... وتعرض عنهم في السنين العوارق
يمنيهم النخار إلحاق نسبة ... بلأي وما النخار فينا بصادق
стр. 223
وحسبنا هذه الإشارة المقتضبة إلى نسابي القرن الأول، فأخبارهم كثيرة مبسوطة في مظانها١. وسننتقل إلى الحديث عن نسابي الصدر الأول ومن شهد منهم الجاهلية، ونوجز كذلك الإشارة إليهم إيجازًا.
فمن أشهر هؤلاء: دغفل النسابة٢. ذكر الهيثم بن عدي في "كتاب المثالب"٣ أن أبا عمرو بن أمية -جد عقبة بن أبي معيط- كان عبدًا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه. وذكر أن دغفلًا النسابة دخل على معاوية، فقال له معاوية: من رأيت من علية قريش؟ فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب ... قال: فصف أمية. قال: رأيته شيخًا قصيرًا نحيف الجسم ضريرًا يقوده عبده ذكوان: فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه، وأما الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به.
وقال معاوية يومًا لدغفل٤: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء.
قال: وما مفاوضة العلماء؟ قال: كنت إذا لقيت عالمًا أخذت ما عنده وأعطيته ما عندي.
ويبدو أن القوم كانوا -على عهد عمر- مقبلين على تعلم النسب، معنيين بدراسته، وكانت العصبية القبلية، والعصبية القومية العربية، تحمل كثيرًا منهم على أن يتخذ من علمه هذا وسيلة للطعن في أنساب غيره، ولذلك نهى عمر عن هذا الضرب من العلم، أو عن هذا الضرب من التوسل بالعلم، فقال٥:
стр. 224
أيها الناس، إياكم وتعلم الأنساب والطعن فيها. والذي نفس عمر بيده لو قلت لا يخرج من هذا الباب إلا صمد ما خرج إلا أقلكم.
ومع ذلك فقد كان عمر يستعين بهؤلاء النسابين كلما احتاج إليهم في أمر، فحينما أراد أن يكتب الناس في الديوان للعطاء دعا "عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نسابي قريش، فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا، فبدءوا بيني هاشم"١.
ولما أُتِي عمر بسيف النعمان بن المنذر، دعا جبير بن مطعم فسلمه إياه، ثم قال٢: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: من أشلاء قنص بن معد.
وجبير هذا معروف بعلمه بالنسب حتى قيل عنه إنه أنسب العرب، وقد أخذ النسب عن أبي بكر الصديق، وعن جبير أخذ سعيد بن المسيب٣.
بل لقد كان عمر نفسه عالمًا بالنسب، وقد أخذ علمه هذا عن أبيه الخطاب، وكان كثيرًا ما يقول٤: سمعت ذلك من الخطاب، ولم أسمع ذلك من الخطاب،
وأما عقيل بن أبي طالب الذي ذكرناه في خبر عمر حينما دعا النسابين ليكتبوا الناس على منازلهم، فهو أخو علي، وعقيل أسن من علي بعشرين سنة، ومات في زمن معاوية في نحو سنة خمسين للهجرة. وكان عقيل من أنسب قريش وأعلمهم بأيامهم، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله ﷺ ، يصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب٥. وكان عقيل أكثر النسابين ذكرًا لمثالب الناس وتعداد مساويهم فعادوه لذلك، وقالوا فيه وحمقوه٦.
стр. 225
وأما مخرمة بن نوفل فقد أسلم عام الفتح، وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين للهجرة، وقد بلغ مائة وخمس عشرة سنة. وكان له سن وعلم بأيام قريش، وكان أحد علمائهم، ويؤخذ عنه علم النسب١.
ومن هؤلاء النسابين المعمرين: أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر "كان من مشيخة قريش عالمًا بالنسب، وصحب النبي ﷺ ، وكان من معمري قريش، بنى في الكعبة مرتين: مرة في الجاهلية ومرة في الإسلام، حين بناها قريش وحين بناها ابن الزبير"٢.
ومن هؤلاء النسابين العلماء في الجاهلية: الخطاب بن نفيل وأبوه نفيل بن عبد العزى الذي "تنافر إليه عبد المطلب وحرب بن أمية، فنفر عبد المطلب -أي حكم له-"٣.
ومنهم أيضًا الأقرع بن حابس، وكانوا يحكمونه فيما يشجر من أمورهم، وكان عالم العرب في زمانه٤.
وقد مر بنا ذكر علم أبي بكر بالنسب، وحث رسول الله ﷺ حسان بن ثابت أن يرجع إلى أبي بكر لمعرفة نسب قريش قبل أن يهجوهم. وقد كان بيت أبي بكر في الجاهلية مجلسًا عامًّا يقصده الناس لطلب العلم والقِرَى.
فنحن نرى إذن -مما قدمنا من الأمثلة والشواهد- أن رواية الجاهلية: أشعارها وأخبارها، لم تنقطع منذ الجاهلية، بل لقد اتصلت في زمن رسول الله ﷺ وصحابته وخلفائه الراشدين، واستمرت طوال القرن الأول حتى
стр. 226
تسلمها العلماء الرواة من رجال القرن الثاني. ولم تكن ثمة فجوة تفصل هؤلاء الرواة العلماء عن العصر الجاهلي، وإنما تلقفوه عمن تقدمهم، وورثوه عمن سبقهم، رواية متصلة، وسلسلة محكمة، يأخذها الخلف عن السلف ويرويها الجيل بعد الجيل، حريصين عليها معنيين بها. ولم يشغلهم عن إنشاد الشعر وروايته، وذكر أخبار العرب وأيامهم ومفاخرهم ومثالبهم، في مجالسهم ومحافلهم، شاغل من حرب أو فتنة، حتى لقد رأينا المسلمين الأولين، والمشركين من كفار قريش، لا ينقطعون عن إنشاد الشعر الجاهلي واستنشاده وروايته والتمثل به وتعلمه وحفظه. فأين هذا كله من قول ابن سلام وغيره إن العرب تشاغلت عن الشعر لما جاء الإسلام "وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر".
ولا نحب أن نتأول كلام ابن سلام، فألفاظه صريحة واضحة، ولكننا نحسب أنه يقصد إلى أن الرواية العلمية المنظمة، والضبط والتدقيق والتحري، وتدوين ذلك كله لم يستطع الغرب أن يتلمسوا إليه السبيل إلا بعد أن استقروا في الأمصار. فإن كان ذلك هو قصده، فلا ريب أننا لا نستطيع له دفعًا. وأما إذا كان يقصد، كما يفهم من صريح ألفاظه، مجرد رواية الشعر وإنشاده وحمله ونقله شفهيًّا، فما قدمنا من أمثلة لا يتيح لنا أن نقبل دعواه. وسنزيد الأمر بسطًا حين نتحدث في الفصل المقبل عن طبقات الرواة.
стр. 227
الفصل الثاني: طبقات الرواة
الشعراء الرواة
...
الفصل الثاني: طبقات الرواة
١- الشعراء الرواة:
أولى هذه الطبقات وأولاها بالتقديم طبقة الشعراء الرواة، وهم -فيما يبدو لنا- طائفتان: شعراء يروون، فيما يروون، شعر شاعر بعينه، فيحفظون هذا الشعر، ويتتلمذون للشعر، ويحتذون فيما ينظمون شعره، واعين مقلدين في بدء أمرهم، ثم يصبح التقليد طبيعة وفطرة يصدرون عنها صدورًا فنيًّا. وبذلك تكتمل لدينا سلسلة من الشعراء الرواة يكون لهم من الخصائص الفنية التي تجمع بينهم ما يتيح لنا أن نسميهم "مدرسة شعرية" كما سماها الأستاذ الدكتور طه حسين١.
وطائفة ثانية من هؤلاء الشعراء الرواة يروون شعرًا لمن سبقهم ولبعض من عاصرهم من الشعراء، لا يخصون شاعرًا بعينه يتتلمذون له، وإنما يردون مناهل شتى يستقون منها ما شاء لهم الفن الشعري أن يستقوا، ثم يصدرون وقد اكتملت لهم شخصيتهم الفنية المستقلة.
وقد قسم النقاد الأقدمون الشعراء طبقات أربعة، وجعلوا الطبقة الأولى المقدمة على سائر الطبقات: الشعراء الفحول، وقد عرفوا الفحول بأنهم الشعراء الرواة٢.
وسنعرض أمثلة قليلة لكل من الطائفتين فيها غناء عن الإكثار.
فأما الطائفة الأولى، وهم الذين يتسلسلون في نسق، ويكونون مدرسة شعرية، فمن أشهرها المدرسة التي تبدأ بأوس بن حجر وتنتهي بكثير فقد كان زهير بن
стр. 228
أبي سلمى راوية أوس وتلميذه١؛ ثم صار زهير أستاذًا لابنه كعب وللحطيئة٢، حتى لقد قام الحطيئة لكعب بن زهير٣: "قد علمتم روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، فلو قلت شعرًا تذكر فيه نفسك ثم تذكرني بعدك". ثم جاء هدبة بن خشرم الشاعر وتتلمذ للحطيئة وصار راويته٤. ثم تتلمذ جميل بن معمر العذري لهذبه وروى شعره، ثم كان آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثيرًا تلميذ جميل وراويته٥.
ولسنا في سبيل دراسة الخصائص الفنية لهذه المدرسة الشعرية٦، فحسبنا هذا العرض التقريري الذي أورده النقاد الأقدمون، وأقر به بعض هؤلاء الشعراء أنفسهم. ومع ذلك فإننا سنعرض لخصيصة واحدة تجلو لنا حقيقة الصلة بين تلامذة هذه المدرسة؛ تلك هي: التأني في نظم الشعر وإعادة النظر فيه وتنقيحه، حتى لقد قال الأصمعي٧: زهير والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر؛ لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك. وكان زهير يسمي كبرى قصائده الحوليات.
وذكر كعب بن زهير في شعر له هذه "العملية الفنية" في نظم الشعر٨،
стр. 229
فأشار إلى أنه ينتفي ألفاظه وقوافيه انتقاء، ويتنخلها تنخلًا، ويثقف شعره حتى تلين متونه ويستوي بين يديه على ما يحب. ومن هنا جاز أن تسمَّى هذه المدرسة الشعرية مدرسة الصنعة١.
ولم تكن الرابطة الفنية وحدها هي التي تجمع بين بعض هؤلاء الشعراء، فقد ذكر لنا الرواة أن أوسًا كان زوج أم زهير٢، وكعب هو ابن زهير. وصلة الرحم هذه التي تربط بين أفراد المدرسة الفنية الواحدة، تنقلنا إلى مدرسة أخرى: فقد كان المسيب بن علس خال الأعشى بن ميمون، وكان الأعشى راويته وكان يطرد شعره ويأخذ منه٣.
وكذلك كان أبو ذؤيب الهذلي راوية لساعدة بن جؤية الهذلي٤
ولو تتبعنا هذه الصلة بين شعراء الجاهلية لوجدنا الكثيرين منهم ذوي رحم.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك -غير من ذكرنا- هؤلاء الثلاثة: المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، وطرفة بن العبد. فقد كان المرقش الأكبر عم الأصغر، والأصغر عم طرفة٥. وكذلك كان مهلهل خال امرئ القيس. فلعل الأمر في هؤلاء الشعراء قد جرى على ما جرى عليه الشعراء السابقون من أصحاب المدرسة الفنية الواحدة، ولعل المرقش الأصغر كان راوية عمه المرقش الأكبر، وطرفة راوية عمه المرقش الأصغر، ولعل امرأ القيس كان كذلك راوية خاله مهلهل٦.
والأمر بعد هذا يحتاج إلى دراسة فنية، ليس هذا مجالها، لشعر هؤلاء الشعراء حتى تنجلي لنا الأصول الشعرية التي قامت عليها كل مدرسة ومدى تأثر
стр. 230
التلاميذ الرواة من هؤلاء الشعراء بأساتذة مدرستهم وشيوخها.
والطائفة الثانية هم الشعراء الذين لم يختصوا برواية شعر شاعر بذاته يتتلمذون له، وإنما يروون لشعراء كثيرين يتتلمذون لهم جميعًا، حتى يستقيم عودهم، ويشقوا طريقهم الشعري الذي يتفردون به ويتميزون. ولهذه الطائفة من الشعراء قيمة كبيرة في بحثنا هذا، إذ أنهم جميعًا، في أمثلتنا التي سنوردها من شعراء القرن الأول الهجري، وهم جميعًا قد رووا الشعر الجاهلي وحفظوه وتمثلوا به، بل لقد نقدوه وحكموا عليه وفاضلوا بين الشعراء الجاهليين. وقد اعتمد الرواة من علماء القرن الثاني أحكام هؤلاء الشعراء الرواة وروايتهم للشعر الجاهلي وأخذوا عنهم.
وبذلك يكون أولئك الشعراء الرواة الذين عاشوا في القرن الأول الهجري حلقة من السلسلة التي أشرنا إليها في الفصل الأول حين تحدثنا عن اتصال الرواية الأدبية من الشاعر الجاهلي إلى علماء القرن الثاني.
فمن الشعراء الرواة في القرن الأول: الطرماح. قال محمد بن سهل راوية الكميت١: أنشدت الكميت قول الطرماح.
إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد
فقال الكميت: إي والله وعنان الخطابة والرواية.
والكميت بن زيد هذا كان كذلك راوية عالمًا بلغات العرب خبيرًا بأيامها ومثالبها. ويقال: ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت؛ فمن صحح الكميت نسبه صح، ومن طعن فيه وهن.
وكذلك كان رؤبة بن العجاج، فقد أخذ عنه كثير من العلماء الرواة اللغة، وكانوا كذلك يأخذون عنه رواية الشعر الجاهلي ونقده والحكم عليه.
стр. 231
أخذ عنه يونس بن حبيب شرح قول امرئ القيس "صفر الوطاب"١.
وكان يونس يأخذ عنه كذلك الغريب، فقال له رؤبة يومًا: حتى متى تسألني عن هذه الأباطيل وأزوقها لك! أما ترى الشيب قد بلع في رأسك ولحيتك؟ وروى عنه أبو عمرو بن العلاء أبياتًا لامرئ القيس فاضل بينها ونقدها٢.
وكان ذو الرمة راوية الراعي٣، يروي شعره ويجعله إمامًا٤، وكان كذلك يؤخذ عنه بعض الشعر الجاهلي، فقد أخذ عنه يونس بن حبيب قصيدة عبيد بن الأبرص الحائية التي يصف فيها المطر، وجعلها يونس، من أجل ذلك، لعبيد، وإن كان المفضل صرفها إلى أوس بن حجر٥.
ومما يدل على معرفة ذي الرمة بالشعر الجاهلي معرفة دقيقة، وطول نظره فيه، ما رُوي من أن حمادًا الراوية قدم على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرمة، فأنشده حماد شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة٦: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيدًا، وليس له. قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله. فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه ... قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا. قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
стр. 232
فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن جرير والفرزدق، وجدنا في الحديث عنهما ما يكشف عن مدى معرفة هؤلاء الشعراء بأخبار الجاهلية وأيامها ورواية شعرها. وعرفنا شيئًا آخر ذا قيمة خاصة، وهو أن علماء القرن الثاني قد أخذوا بعض علمهم عن الجاهلية وشعرها عن هؤلاء الشعراء، وخاصة جريرًا والفرزدق.
فأما جرير فقد كان جده الخطفي، واسمه حذيفة بن بدر، من القدماء العلماء بالنسب وأخبار العرب١، وكان كذلك شاعرًا وقد أدركه جرير وأخذ عنه٢. وروى أبو عبيدة عن مسحل بن زيداء -وهي بنت جرير- عن أبيها جرير، أخبارًا عن أيام الجاهلية منها خبر عن يوم ذي قار٣، وكذلك روى عنه نقدًا مفصلًا لشعر بعض شعراء الجاهلية٤. وكان خلفاء بني أمية يسألونه عن الشعراء: الجاهليين منهم والإسلاميين، فيخبرهم بشعرهم وبنقده وأحكامه على هؤلاء الشعراء٥. فمن أمثلة ما كان يقوله: إن طرفة -وقد كنى عنه بابن العشرين- أشعر الناس، وإن زهيرًا والنابغة كانا ينيران الشعر ويسديانه، وإن امرأ القيس اتخذ من الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء ...
وقد كان طلب جرير والفرزدق لأخبار الجاهلية وأنساب العرب مما يضطران إليه، ليضمناه شعرهما حين يهجوان وحين يمدحان، ولذلك قال أبو عبيدة عنهما٦ "هما بئس الشيخان، ما خلق الله أشأم منهما على قومهما، إنهما أخرجا مثالب بني تميم وعيوبهم، وكانا أعلم الناس بعيوب الناس.
стр. 233
أما الفرزدق فقد تعلم الشعر وروايته وكلام العرب صغيرًا، وهذا أبوه غالب بن صعصعة حينما وفد على علي بن أبي طالب في خلافته ومعه ابنه الفرزدق قال لعلي١: قد رويته الشعر يا أمير المؤمنين وكلام العرب، ويوشك أن يكون شاعرًا مجيدًا. وقد كان بعد ذلك يطلب الأنساب والأخبار والمثالب ليضمنها شعره حتى إنه حين قدم عمر بن لجإ التيمي البصرة خرج إليه الفرزدق ومعه روايته ابن مسويه، وكان يكتب شعره، فقال الفرزدق لابن لجإ٢:
يا أبا حفص، إن ابن عمي شبة بن عقال كتب إلي أن بني جعفر هجوه وهو مفخم، وقد استغاث بي، ولست أعرف مثالبهم ولا ما يُهجون به. قال عمر: لكني قد طانبتهم في الحال، وسايرتهم في النجع، وحضرت معهم وبدوت. فقال الفرزدق: هاتوا لي صحيفة أكتب فيها ما أريد من ذلك. قال: فأتوه بصحيفة فكتب فيها المثالب التي هجاهم بها في القصيدة التي يقول فيها:
ونبئت ذا الأهدام يعوي ودونه ... من الشأم زراعاتها وقصورها٣
ويبدو أن الفرزدق كان كثير الرواية لشعر امرئ القيس حافظًا لأخباره، ويعلل العلماء كثرة روايته لشعر امرئ القيس وأخباره بأن امرأ القيس صحب عمه شرحبيل بن الحارث قبل يوم الكلاب، وكان شرحبيل مسترضعًا في بني دارم رهط الفرزدق، فلحق امرؤ القيس بعمه، فلذلك حفظ الفرزدق أخباره٤.
وبعض أخبار الفرزدق عن امرئ القيس متصلة إلى الجاهلية نفسها، وربما إلى عصر امرئ القيس نفسه، فالفرزدق يذكر أن جده قد حدثه بها، وجده شيخ كبير وهو يومئذ غلام حافظ لما يسمع٥.
стр. 234
وللفرزدق أحكام نقدية على الشعراء الجاهليين والمخضرمين أخذ بعضها الرواة العلماء وتناقلوها، فمن ذلك حكم الفرزدق على نابغة بني جعدة في قوله١: كان صاحب خلقان عنده مطرف بألف وخمار بواف.
وقد قال الجاحظ٢: إن الفرزدق راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم. وقال يونس بن حبيب: لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس. فهل أبلغ من هذا في الدلالة على مبلغ علم الفرزدق بأيام العرب وأخبارهم وشعرهم؟ بل حسبنا أن نذكر الأبيات التالية التي قالها من قصيدته اللامية، فإن ما فيها من تعداد لشعراء الجاهلية، ولمح من أخبارهم، ونقدات سريعة لشعرهم، دال أبلغ الدلالة على معرفته بهؤلاء الشعراء وبشعرهم معرفة واضحة المعالم. قال الفرزدق٣:
وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول٤
والفحل علقمة الذي كانت له ... حلل الملوك، كلامه لا ينحل
وأخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول٥
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل
وأخو بني أسدٍ عبيد إذ مضى ... وأبو دوادٍ قوله يتنحل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
والجعفري وكان بشر قبله ... لي من قصائده الكتاب المجمل
ولقد ورثت لآل أوس منطقًا ... كالسم خالط جانبيه الحنظل
стр. 235
والحارثي أخو الحماس ورثته ... صدعًا كما صدع الصفاة المعول
ومما يدخل في هذا الباب قصيدة سراقة البارقي، وهو معاصر لجرير والفرزدق، ووجه الشبه بين القصيدتين في تعداد أسماء الشعراء، وذكر طرف من أخبارهم ونقد شعرهم واضح بين وقصيدة سراقة التالية تدل على أن غير جرير والفرزدق من شعراء القرن الأول قد شركوهما في العلم بشعراء الجاهلية ورواية شعرهم مما لا يبلغه إلا الرواة العلماء النقاد الدارسون لهؤلاء الشعراء وشعرهم.
قال سراقة١:
ولقد أصبت من القريض طريقة ... أعيت مصادرها قريب مهلهل٢
بعد امرئ القيس المنوه باسمه ... أيام يهذي بالدخول فحومل
وأبو دواد كان شاعر أمة ... أفلت نجومهم ولما يأفل
وأبو ذؤيب قد أذل صعابه ... "لا ينصبنك" رابض لم يذلل
وأرادها حسان يوم تعرضت ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ثم ابنه من بعده فتمنعت ... وإخال أن قرينه لم يخذل
وبنو أبي سلمى يقصر سعيهم ... عنا كما قصرت ذراعا جرول
وأبو بصير ثم لم يبصر بها ... إذ حل من وادي القريض بمحفل
واذكر لبيدًا في الفحول وحاتمًا ... سيلومك الشعراء إن لم تفعل
ومعقرًا فاذكر وإن ألوى به ... ريب المنون وطائر بالأخيل
وأمية البحر الذي في شعره ... حكم كوحيٍ في الزبور مفصل
стр. 236
واليذمري على تقادم عهده ... ممن قضيت له قضاء الفيصل
واقذف أبا الطمحان وسط خوانهم ... وابن الطرامة شاعر لم يجهل
لا والذي حجت قريش بيته ... لو شئت إذ حدثتكم لم آتل
ما نال بحري منهم من شاعر ... ممن سمعت به ولا مستعجل١
стр. 237
٢- رواة القبيلة:
وقد سبق لنا قول مفصل عن قيمة الشعر الجاهلي وخطره للقبيلة١؛ إذ هو ديوان أمجادها وأحسابها، وسجل مآثرها ومفاخرها، ومستودع آدابها وأنسابها وأخبارها. وأشرنا إلى عناية القبيلة بمدح الشعراء، وحرصها على إكرامهم واستمالتهم وذكرنا كيف كانت القبيلة تحتفي إذا نبغ فيها شاعر: فتصنع الأطعمة، وتجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعن في الأعراس، وتأتي القبائل فتهنئها٢. ودللنا على مبلغ عناية القبيلة بالشعر بأن بني تغلب كانوا يعظمون قصيدة عمرو بن كلثوم المعلقة، وكان يرويها صغارهم وكبارهم حتى هجوا بذلك، فقال بعض شعراء بكر بن وائل٣:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يروونها أبدًا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسئوم
стр. 238
ولذلك كانت القبيلة مصدرًا من مصادر شعر شعرائها، ومصدرًا من مصادر الشعر الذي يمدحها به شعراء القبائل الأخرى. ومن أجل ذلك أخذ العلماء الرواة في القرن الثاني بعد شعر الجاهلية من هذه القبائل، ومما يرويه رواة منها من شعر شعرائها. وسنسرد بعض الأمثلة على رواية أفراد من القبيلة لشعر شعرائها، مبتدئين بعصر الرسول الكريم ﷺ ، ومنتهين بآخر القرن الثاني.
فهذا رسول الله ﷺ ، حينما أراد أن يسمع بعض شعر أمية بن أبي الصلت الثقفي، استنشد رجلًا من ثقيف، قبيلة الشاعر، هو الشريد بن سويد الثقفي، فأنشده مائة بيت١.
وحينما أراد عبد الملك بن مروان أن يسأل عن ذي الإصبع العدواني وأخباره ونسبه، وحينما أراد أن يسمع من ينشده قصيدته "عذير الحي من عدوان.."
سأل في كل ذلك رجلًا من جديلة، وعدوان قبيلة ذي الإصبع بطن من جديلة فلما أجاب الرجل عن كل ذلك قال له عبد الملك٢: "ادن مني، فإني أراك بقومك عالمًا".
وكذلك روى خراش بن إسماعيل عن رجل من بني تغلب ثم من بني عتاب خبرًا عن بنت مهلهل وابنها عمرو بن كلثوم، وعمرو بن كلثوم من تغلب٣.
ويروي ابن الكلبي بعض أخبار حاتم عن أفراد قبيلته طيئ فيقول٤: "حدثني الطائيون ... "
وحينما دخل ثمامة بن الوليد على المنصور، قال له المنصور٥: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمك عروة الصعاليك بن الورد العبسي؟ فقال: أي حديثه
стр. 239
يا أمير المؤمنين؟ فقد كان كثير الحديث حسنه. فلما ذكر له المنصور الحديث قال ثمامة: إن له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا.
وإذا رجعنا إلى كتاب واحد من كتب الأدب العامة هو كتاب "المعمرين من العرب" لأبي حاتم السجستاني، وجدنا كثيرًا من أخباره مرويةً عن أشياخ من قبيلة المعمر الذي يترجم له، فزهير بن جناب من كلب ولذلك قال١: "حدثنا أبو حاتم قال -وقال العمري- أخبرني محمد بن زياد الكلبي عن أشياخه من كلب قالوا: ... " وقال أيضًا٢: "حدثنا أبو حاتم قال: وزعم هشام بن محمد عن أبيه محمد بن السائب قال: سمعت أشياخنا الكلبيين يقولون.."، وشريح بن هانئ من بني الحارث بن كعب، ولذلك أورد بعض أخباره عن٣ "ابن الكلبي عن أبي مخنف قال: أخبرنا أشياخنا من بني الحارث قالوا ... " وشرية بن عبد جعفي، فأورد بعض أخباره عن٤ "ابن الكلبي قال: سمعت أبا بكر بن قيس الجعفي يذكر عن أشياخه".
ويورد بعض أخبار ثعلبة بن كعب الأوسي عن٥ "ابن الكلبي عن عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري عن أشياخ قومه". ويورد بعض أخبار طيئ بن أدد عن٦ "هشام أنه سمع أشياخًا من طيئ يذكرون ذلك.." ويروي بعض أخبار هاجر بن عبد العزى عن أحد أفراد قبيلته خزاعة هو: طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي٧. وكذلك يروي بعض أخبار جليلة بن كعب عن بعض
стр. 240
أفراد قبيلته بني جعفي هو: الوليد بن عبد الله الجعفي١. ويروي أخبار كعب بن رداة النخعي عن بعض النخعيين٢. ويروي بعض أخبار حارثة بن عبيد الكلبي عن: شملة بن مغيث وهو رجل من ولد حارثة٣. ويروي بعض أخبار القدار العنزي عن٤: خراش قال: حدثني به قوم من عنزة.
ومع ذلك فقد كان بعض أفراد القبائل يجهلون أخبار شعرائهم؛ وليس في الأمر ما يستغرب، فليس كل القبيلة معنيًّا بذلك، وإنما العناية بهذا الضرب من العلم مما تغني فيه معرفة طائفة دون أخرى؛ غير أن ابن فارس يقول٥ -ولعل في قوله هذا استنكارًا واستهجانًا-: "سمعت أبي يقول: حججت فلقيت بمكة ناسًا من هذيل، فجاريتهم في ذكر شعرائهم، فما عرفوا واحدًا منهم، ولكني رأيت أمثل الجماعة رجلًا فصيحًا وأنشدني ... " ثم يذكر أبياتًا.
فإذا كان أفراد القبيلة يعنون هذه العناية برواية شعر شعرائها، فما بالك بأولاد الشاعر صليبةً؟ لقد كان ابن الشاعر يروي شعر أبيه حتى لقد قال الراعي:٦ من لم يروِ من أولادي هذه القصيدة "قصيدته اللامية" وقصيدتي التي أولها:
بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا ... .......................................
فقد عقني.
وكثير من أبناء الشعراء الجاهليين عاشوا في الإسلام٧، وبعضهم عمر
стр. 241
طويلًا؛ وقد وفد بعضهم على خلفاء بني أمية فاستنشدوهم شعر آبائهم، وأخذ العلماء الرواة بعض هذا الشعر عنهم. فمن أمثلة ذلك:
أن معاوية بن أبي سفيان حج فرأى شيخًا يصلي في المسجد الحرام، فسأل عنه فقالوا١: سعية بن غريض. فاستدعاه، في حديث طويل، ثم قال له: أنشدني شعر أبيك يرثي به نفسه "أي شعر السموءل" فقال: قال أبي:
يا ليت شعري حين أندب هالكًا ... ماذا توبنني به أنواحي
أيقلن: لا تبعد قرب كريهة ... فرجتها بشجاعةٍ وسماح
وهي خمسة أبيات:
ويُروى أن عدي بن حاتم الطائي عاش مائة وثمانين سنة٢، وقد رووا عنه بعض أخبار أبيه حاتم٣.
ودخل إبراهيم بن متمم بن نويرة على عبد الملك بن مروان، فرأى فيه عقلًا وفضلًا، فقال له: أنشدنا بعض مراثي أبيك عمك. فأنشده٤:
نعم الفوارس يوم نشبة غادروا ... تحت التراب قتيلك ابن الأزور
حتى انتهى إلى قوله:
стр. 242
أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بمثلها لم يغدر
وأخذ الرواة العلماء متمم بن نويرة عن حفيده ابن داود بن متمم، قال ابن سلام١: أخبرني أبو عبيدة أن ابن داود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي في الجلب والميرة، فنزل النحيت، فأتيته أنا وابن نوح العطاردي، فسألناه عن شعر أبيه متمم وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته.
فلما نفد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله.
وذكر الأصمعي أن حماد بن ربيعة بن النمر بن تولب قد روى٢:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوص بدعد من يهيم بها بعدي
ونسبه إلى جده النمر بن تولب مع أن الناس يروون البيت لنصيب.
ودخل ابن أبي محجن الثقفي على معاوية فقال له معاوية٣: أبوك الذي يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
فقال ابن أبي محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره قال: وما ذاك؟ قال: قوله:
لا تسألي الناس ما مالي وكثرته ... وسائلي القوم ما حزمي وما خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم ... إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
стр. 243
قد أركب الهول مسدولًا عساكره ... وأكتم السر فيه ضربة العنق
ووفد على عبد الملك وفد أهل الكوفة، فلما دخلوا عليه وكلمهم رأى فيهم رجلًا آدم طويلًا، فكلمه فأعجبه بيانه، فلما تولى تمثل عبد الملك بقول عمرو بن شأس١:
وإن عرارًا إن يكن غير واضحٍ ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم
فالتفت الآدم إلى عبد الملك فضحك؛ فقال عبد الملك: علي به. فلما جيء به قال: ما أضحكك؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين عرار! فأقعده وقدمه وسامره.
وقد أخذ العلماء بعض شعر تميم بن أبي بن مقبل عن ابنته أم شريك، بل إنهم رووا عنها تفسيرها لكلمات في شعره٢.
وقد روى العلماء شعرًا لعمرو بن العاص، قال الواقدي٣: أخبرني ابن أبي الزناد أنه سمع ذلك من ابن ابن ابنه: عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو يذكره لجده.
ولا سبيل إلى الإطالة في إيراد الأمثلة فحسبنا ما قدمنا فإن فيه لغناء.
стр. 244
٣- رواة الشاعر:
وقد كان لبعض الشعراء، وخاصة الفحول منهم، راوٍ أو رواة، يصحبونهم ويلازمونهم في حلهم وترحالهم، ويحفظون شعرهم ويروونه وينشدونه في المجالس والمحافل. وقد جرى أمر الشعراء ورواتهم في العصور الإسلامية على ما جرى عليه
стр. 245
في الجاهلية. فقد كان للفرزدق رواة أحدهم رجل من بني ربيعة بن مالك -وهم الذين يقال لهم ربيعة الجوع- ويبدو أن هذا الراوية كان يروي عامة شعر الفرزدق، بينما كان راوية آخر لا يروي من شعر الفرزدق إلا ما كان هجاء أو نقضًا لقصائد جرير وغيره من الشعراء، وكان اسم هذا الراوية عبيدًا وهو أحد بني ربيعة بن حنضة١. وبقي لنا من أسماء رواة جرير اسم واحد هو الحسين، وكان يكتب شعر جرير، وروى عنه العلماء بعض أخباره٢. وكان السائب بن ذكوان راوية كثير عزة٣. وأما راوية الكميت بن زيد الأسدي فهو محمد بن سهل٤. وكان كذلك للأحوص راويته٥، ولذي الرمة راويته٦.
وربما اجتمع بعض هؤلاء الرواة يتناشدون أشعار شعرائهم ويتفاخرون بها، كما حدث حين اجتمع بالمدينة راوية جرير، وراوية نصيب، وراوية كثير، وراوية جميل، وراوية الأحوص، وادعى كل رجل منهم أن صاحبه أشعر٧.
ولسنا في حل من الإسهاب في الحديث عن هؤلاء الرواة في العصر الأموي، فأخبارهم مستفيضة، وهي موجودة في مظانها التي أشرنا إليها. وإنما ذكرناهم هذا الذكر العابر العارض، لنستأنس به على أن رواة الشاعر كان أمرًا موروثًا وعادةً موصولةً منذ الجاهلية، وإن كان كتب الأدب العربي وتاريخه تسعفنا بوفرة من الأخبار عن العصور الإسلامية ثم تشح كلما استعنَّا بها في العصر الجاهلي.
ومع ذلك فقد بقي لنا من أسماء رواة الشعراء الجاهليين اسم راوية الأعشى، أو أسماء ثلاثة من رواته. أول هذه الأسماء: عبيد "وكان عبيد هذا يصحب
стр. 246
الأعشى ويروي شعره، وكان عالمًا بالإبل، وله يقول الأعشى في ذكر الناقة:
لم تعطف على حوارٍ ولم يقـ ... ـطع عبيد عروقها من خمال١"
وقد روى عبيد هذا عن الأعشى نفسه خبر قدومه على النعمان وإنشاده بين يديه بعض شعره٢. وروى أيضًا أنه سأله٣: ماذا أردت بقولك:
ومدامة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
فقال الأعشى: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء [فسلبتها لونها] ٤.
وقد ذكر أبو الفرج اسمًا ثانيًا لراوية الأعشى وهو: يحيى بن متى، وقال عنه إنه٥ كان نصرانيًّا عباديًّا وكان معمرًا. قال: كان الأعشى قدريًّا وكان لبيد مثبتًا. قال لبيد:
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وقال الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ... عدل وولى الملامة الرجلا
وحين سئل من أين أخذ الأعشى مذهبه، أجاب: "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك".
أما الجواليقي في المعرب فقد ذكر اسمًا ثالثًا لراوية الأعشى هو٦: يونس بن متى. ثم يورد الخبر الذي أوردناه آنفًا والذي سأل فيه هذا الراوية الأعشى عن معنى قوله: "سلبتها جريالها".
стр. 247
فنحن إذن أمام ثلاثة أسماء؛ فهل هي لثلاثة رواة مختلفين، أو أنه راوية واحد وأخطأ القدماء في اسمه١؟
أما نحن فنذهب إلى أن الأسماء الثلاثة كلها صواب، ولكنها إنما تدل على رجل واحد لا ثلاثة رجال. وليس بين أيدينا الدليل القاطع، وإنما ثمة أمران نستأنس بهما فيكون من ذلك ترجيح ما ذهبنا إليه. الأمر الأول أن الراوية الذي يروي عن هذا الراوية -راوية الأعشى- واحد في جميع الروايات وهو سماك بن حرب٢. فابن قتيبة يروي عن: ... حماد الراوية قال: حدثني سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ ثم يقول في موطن آخر: وحدثني الرياشي عن مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ وأبو الفرج يروي عن رجاله عن: أبان بن تغلب عن سماك بن حرب قال: قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى.
ويقول الجواليقي: رُوي عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى. فسماك بن حرب هو وحده الراوية الذي يروي عن راوية الأعشى الذي يدعى حينًا عبيدًا، وحينًا آخر يحيى، وحينًا ثالثًا يونس. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخبر الذي يورده ابن قتيبة مرويًّا عن: الرياشي مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى، هو الخبر نفسه الذي يورده الجواليقي مرويًّا عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى، وهو سؤاله إياه عن معنى قوله "سلبتها جريالها" وتكاد ألفاظ الروايتين تكون واحدة إذا أضفنا هذا إلى ذلك رجحنا أن راوية الأعشى هو رجل واحد وليس ثلاثة رجال.
стр. 248
فكيف اختلفت الأسماء إذن؟ لقد كان هذا الراوية عباديًّا من نصارى الحيرة، فالغالب على ظننا أن يكون اسمه في أصله: يوهانس أو يوحانس، ثم مر هذا الاسم عند العرب في طورين؛ الأول: الترجمة؛ والثاني: التعريب.
ففي الطور الأول ترجموا معنى اسمه الذي يدل على العبودية للخالق فجعلوه في العربية: عبيدًا. وأما طور التعريب فقد مر أيضًا في مرحلتين، الأولى: مرحلة حرفية لا تتغير عن الأصل كثيرًا، فعربوا يوهانس وجعلوه: يونس. وأما المرحلة الثانية فقد كانت مرحلة غير مباشرة، وذلك أن يوحنا هو طور من أطوار هذا الاسم: يوحانس، فجاء العرب فعربوا يوحنا وجعلوه يحيى.
فنحن إذن نرجح، لما فصلناه من وجوه الرأي، أن هذه الأسماء الثلاثة، المختلفة في ظاهرها، ليست إلا اسمًا واحدًا في حقيقتها، يدل على راوية واحد بعينه.
стр. 249
٤- رواة مصلحون للشعر:
وليس هؤلاء الرواة -فيما يبدو لنا- طبقة خاصة قائمة بذاتها. فلم يكن من بين الرواة من نصب نفسه لإصلاح الشعر واختص بهذا الأمر واقتصر عليه.
فقد يكون هؤلاء الرواة المصلحون للشعر: من الشعراء الرواة، أو من رواة القبيلة، أو من رواة الشاعر -وقد تحدثنا عنهم جميعًا- وقد يكونون من الرواة العلماء الذين سنتحدث عنهم بعد قليل. غير أن إصلاح الشعر موضوع قائم بذاته، ومن هنا كان إفرادنا إياه في طبقة خاصة توضيحًا للأمر وتفصيلًا لأقسامه.
وأول ما استرعى انتباهنا أننا رأينا رواة في القرن الأول يصلحون بعض الشعر الأموي؛ فمن ذلك أن شيخًا من هذيل -كان خالًا للفرزدق- دخل على رواة الفرزدق فوجدهم "يعدلون ما انحرف من شعره"، ولما جاء رواة جرير وجدهم
стр. 250
كذلك "يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد"١.
ووجدنا الرواة يقولون٢: أخطأ ذو الرمة حيث يقول:
قلائص ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدًا قفرًا
ومن أجل ذلك غيره بعض الرواة "ممن يريد أن يحسن قوله" فجعلوه: آلًا مناخة. وقالوا: إنما قاله ذو الرمة على هذا. وكان إسحاق الموصلي ينشده: آلًا، ويقول: نحتال لصوابه٣.
وقال الأصمعي٤: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت قوله:
فيا لك يومًا خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله
فقال خلف: ويله، وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقال الأصمعي له: هكذا قرأته على أبي عمرو. فقال: صدقت وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع. فقال الأصمعي: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: فيا لك يومًا خيره دون شره. فاروه هكذا، فقد كانت الرواة قديمًا تصلح من أشعار القدماء. فقال له الأصمعي: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا.
فخلف إذن يعلم أن الرواة كانوا قديمًا يصلحون من أشعار القدماء! وهو في أثناء حديثه يسوغ هذا الإصلاح إذا كان الشاعر "قليل التنقيح مشرد الألفاظ".
ومن هنا كان من العسير على الرواة، فيما يبدو، أن يجدوا في شعر شاعر يتروى في شعره، وينقحه ويهذبه، كزهير مثلًا، ما يصلحونه له. ولذلك نرى من