← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأعشى ويروي شعره، وكان عالمًا بالإبل، وله يقول الأعشى في ذكر الناقة: لم تعطف على حوارٍ ولم يقـ ... ـطع عبيد عروقها من خمال١" وقد روى عبيد هذا عن الأعشى نفسه خبر قدومه على النعمان وإنشاده بين يديه بعض شعره٢. وروى أيضًا أنه سأله٣: ماذا أردت بقولك: ومدامة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها فقال الأعشى: شربتها حمراء، وبلتها بيضاء [فسلبتها لونها] ٤. وقد ذكر أبو الفرج اسمًا ثانيًا لراوية الأعشى وهو: يحيى بن متى، وقال عنه إنه٥ كان نصرانيًّا عباديًّا وكان معمرًا. قال: كان الأعشى قدريًّا وكان لبيد مثبتًا. قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقال الأعشى: استأثر الله بالوفاء وبالـ ... عدل وولى الملامة الرجلا وحين سئل من أين أخذ الأعشى مذهبه، أجاب: "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك". أما الجواليقي في المعرب فقد ذكر اسمًا ثالثًا لراوية الأعشى هو٦: يونس بن متى. ثم يورد الخبر الذي أوردناه آنفًا والذي سأل فيه هذا الراوية الأعشى عن معنى قوله: "سلبتها جريالها".

стр. 247

فنحن إذن أمام ثلاثة أسماء؛ فهل هي لثلاثة رواة مختلفين، أو أنه راوية واحد وأخطأ القدماء في اسمه١؟ أما نحن فنذهب إلى أن الأسماء الثلاثة كلها صواب، ولكنها إنما تدل على رجل واحد لا ثلاثة رجال. وليس بين أيدينا الدليل القاطع، وإنما ثمة أمران نستأنس بهما فيكون من ذلك ترجيح ما ذهبنا إليه. الأمر الأول أن الراوية الذي يروي عن هذا الراوية -راوية الأعشى- واحد في جميع الروايات وهو سماك بن حرب٢. فابن قتيبة يروي عن: ... حماد الراوية قال: حدثني سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ ثم يقول في موطن آخر: وحدثني الرياشي عن مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى؛ وأبو الفرج يروي عن رجاله عن: أبان بن تغلب عن سماك بن حرب قال: قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى. ويقول الجواليقي: رُوي عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى. فسماك بن حرب هو وحده الراوية الذي يروي عن راوية الأعشى الذي يدعى حينًا عبيدًا، وحينًا آخر يحيى، وحينًا ثالثًا يونس. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخبر الذي يورده ابن قتيبة مرويًّا عن: الرياشي مؤرج عن شعبة عن سماك عن عبيد راوية الأعشى، هو الخبر نفسه الذي يورده الجواليقي مرويًّا عن الأصمعي عن شعبة عن سماك بن حرب عن يونس بن متى راوية الأعشى، وهو سؤاله إياه عن معنى قوله "سلبتها جريالها" وتكاد ألفاظ الروايتين تكون واحدة إذا أضفنا هذا إلى ذلك رجحنا أن راوية الأعشى هو رجل واحد وليس ثلاثة رجال.

стр. 248

فكيف اختلفت الأسماء إذن؟ لقد كان هذا الراوية عباديًّا من نصارى الحيرة، فالغالب على ظننا أن يكون اسمه في أصله: يوهانس أو يوحانس، ثم مر هذا الاسم عند العرب في طورين؛ الأول: الترجمة؛ والثاني: التعريب. ففي الطور الأول ترجموا معنى اسمه الذي يدل على العبودية للخالق فجعلوه في العربية: عبيدًا. وأما طور التعريب فقد مر أيضًا في مرحلتين، الأولى: مرحلة حرفية لا تتغير عن الأصل كثيرًا، فعربوا يوهانس وجعلوه: يونس. وأما المرحلة الثانية فقد كانت مرحلة غير مباشرة، وذلك أن يوحنا هو طور من أطوار هذا الاسم: يوحانس، فجاء العرب فعربوا يوحنا وجعلوه يحيى. فنحن إذن نرجح، لما فصلناه من وجوه الرأي، أن هذه الأسماء الثلاثة، المختلفة في ظاهرها، ليست إلا اسمًا واحدًا في حقيقتها، يدل على راوية واحد بعينه.

стр. 249

٤- رواة مصلحون للشعر: وليس هؤلاء الرواة -فيما يبدو لنا- طبقة خاصة قائمة بذاتها. فلم يكن من بين الرواة من نصب نفسه لإصلاح الشعر واختص بهذا الأمر واقتصر عليه. فقد يكون هؤلاء الرواة المصلحون للشعر: من الشعراء الرواة، أو من رواة القبيلة، أو من رواة الشاعر -وقد تحدثنا عنهم جميعًا- وقد يكونون من الرواة العلماء الذين سنتحدث عنهم بعد قليل. غير أن إصلاح الشعر موضوع قائم بذاته، ومن هنا كان إفرادنا إياه في طبقة خاصة توضيحًا للأمر وتفصيلًا لأقسامه. وأول ما استرعى انتباهنا أننا رأينا رواة في القرن الأول يصلحون بعض الشعر الأموي؛ فمن ذلك أن شيخًا من هذيل -كان خالًا للفرزدق- دخل على رواة الفرزدق فوجدهم "يعدلون ما انحرف من شعره"، ولما جاء رواة جرير وجدهم

стр. 250

كذلك "يقومون ما انحرف من شعره وما فيه من السناد"١. ووجدنا الرواة يقولون٢: أخطأ ذو الرمة حيث يقول: قلائص ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدًا قفرًا ومن أجل ذلك غيره بعض الرواة "ممن يريد أن يحسن قوله" فجعلوه: آلًا مناخة. وقالوا: إنما قاله ذو الرمة على هذا. وكان إسحاق الموصلي ينشده: آلًا، ويقول: نحتال لصوابه٣. وقال الأصمعي٤: قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت قوله: فيا لك يومًا خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله فقال خلف: ويله، وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقال الأصمعي له: هكذا قرأته على أبي عمرو. فقال: صدقت وكذا قاله جرير، وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع. فقال الأصمعي: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال: فيا لك يومًا خيره دون شره. فاروه هكذا، فقد كانت الرواة قديمًا تصلح من أشعار القدماء. فقال له الأصمعي: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا. فخلف إذن يعلم أن الرواة كانوا قديمًا يصلحون من أشعار القدماء! وهو في أثناء حديثه يسوغ هذا الإصلاح إذا كان الشاعر "قليل التنقيح مشرد الألفاظ". ومن هنا كان من العسير على الرواة، فيما يبدو، أن يجدوا في شعر شاعر يتروى في شعره، وينقحه ويهذبه، كزهير مثلًا، ما يصلحونه له. ولذلك نرى من

стр. 251

الأمثلة التي سنوردها أنها تدور على إصلاح شعر امرئ القيس وعدي ولبيد. فقد قال امرؤ القيس١: فلو أنها نفس تموت سويةً ... ولكنها نفس تساقط أنفسَا وقد وجد الرواة أن "سوية" لا تقابل "تساقط أنفسَا" ومن هنا أرادوا أن يعدلوا عن هذا العيب، عيب فساد المقابلات، فغيروه، وأبدلوا مكان "سوية" "جميعةً" لأنها في مقابلة "تساقط أنفسا" أليق من "سوية". وكذلك قال امرؤ القيس٢: فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثمًا من الله ولا واغل فقالوا: "قد حذف الشاعر الإعراب، وليس بالحسن". وذهبوا إلى أنه يريد "أشرب" فحذف الضمة؛ ولذلك غيروه، فجعله بعضهم "فاليوم فاشرب" بصيغة الأمر. وقال امرؤ القيس أيضًا ينوح على أبيه٣: رب رامٍ من بني ثعل ... مخرج زنديه من ستره٤. فلما أنشد الأصمعي البيت قال: أما علم أن الصائد أشد ختلًا من أن يظهر شيئًا منه؟ ثم قال "فكفيه" -إن كان لا بد- أصلح. قال المازني: فالأصمعي أصلحه: كفيه. وقال عدي بن زيد العبادي٥:

стр. 252

ففاجأها وقد جمعت جموعًا ... على أبواب حصنٍ مصلتينا١ فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبًا ومينا وهذه هي الرواية الأولى، ولكن في قوله "مينًا" سنادًا، ولذلك أراد المفضل الضبي أن يفر من هذا السناد فغيرها وجعلها "كذبًا مبينًا". وقال لبيد٢: أو مذهب جدد على ألواحه ... ألناطق المبروز والمختوم والكلمة الأولى من عجز البيت ألفها ألف وصل، ولكنها في هذه الرواية قطعت "فعدل عن ذلك بعض الرواة استيحاشًا من قطع ألف الوصل"، فغيروه، وجعلوه: ".... على ألواحه ... ن الناطق...." وقال ابن مقبل٣: "إني لأرسل البيوت عوجًا فتأتي الرواة بها قد أقامتها".

стр. 253

٥- رواة وضاعون: ومجال الحديث عن الوضع والنحل ذو سعة، سنفرده في بحث خاص ونفصل القول فيه في الباب التالي. غير أننا سنشير هنا إلى بعض الموضوعات التي كان

стр. 254

يكثر فيها وضع الشعر الجاهلي ونحله، ثم نورد عليها أمثلة من الرواة الوضاعين ومن الشعر الموضوع. وربما كان أوسع موضوع وجد فيه الرواة الوضاعون مجالًا فسيحًا للوضع والنحل هو القصص وأحاديث السمر. وقد كان خلفاء بني أمية وبني مروان، وخاصةً معاوية وعبد الملك، يعقدون مجالس خاصة للسمر والقصص. وقد مر بنا أن معاوية كان يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها ... وأنه كان له غلمان مرتبون يقرءون عليه الأخبار والسير والآثار من دفاتر، وكلوا بحفظها وقراءتها١. وكان أيضًا من محدثي معاوية وقصاصيه: النخار بن أوس، ولم يكتف معاوية به بل أمره ذات ليلة أن يبغيه محدثًا غيره. فلما قال له النخار: ومعي يا أمير المؤمنين تريد محدثًًًا؟ أجابه معاوية: نعم، أستريح منك إليه ومنه إليك٢. ولما رأى عمرو بن العاص شغف معاوية بالمسامرة وأحاديث مَنْ مضى أشار عليه باستدعاء عبيد بن شرية الجرهمي من الرقة، وقال له إن عبيدًا من بقايا من مضى، وإنه أدرك ملوك الجاهلية، وهو أعلم من بقي آنذاك في أحاديث العرب وأنسابها، وأوصفهم لما مر عليه من تصاريف الدهر. فاستدعاه معاوية، فصار عبيد في وقت السمر سمير معاوية في خاصته من أهل بيته. ثم أمر معاوية أهل ديوانه وكتابه أن يوقعوا هذه المجالس وأحاديثها ويدونوها في الكتب٣. ولم يكن القصص والسمر وقفًا على بلاط الخلفاء الأمويين، بل شاعت عند جمهور العامة، وانتشر القصاص في المساجد يخلطون الوعظ بالقصص والأحاديث وأخبار من مضى من العرب وغيرها من الأمم، يسوقونها للعظة والعبرة وللتسلية والسمر معًا. وأخبار هؤلاء القصاص في مساجد الأمصار كثيرة مبثوثة في مظانها٤. إنما يعنينا أن نشير إلى أمرين، الأول: أن المتصدرين في المساجد والتبيين في مواطن متفرقة كثيرة في الجزء الأول، منها من ص٣٦٧ إلى ٣٦٩؛ وابن قتيبة، المعارف: ٢٠٢ وغيرها.

стр. 255

لتفسير القرآن الكريم كانوا آنذاك يستطردون في تفسيرهم إلى ذكر أخبار العرب في الجاهلية. وأخبار سائر الأمم في قصص وأحاديث. فقد كان أبو علي الأسواري مثلًا يقص في البصرة في مسجد موسى بن سيار الأسواري ستًّا وثلاثين سنة "فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة فما ختم القرآن حتى مات؛ لأنه كان حافظًا للسير، ولوجوه التأويلات، فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع كأن الآية ذُكِرَ فيها يوم بدر، وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك من الأحاديث كثيرًا. وكان يقص في فنون من القصص ويجعل للقرآن نصيبًا من ذلك١". والأمر الثاني أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يكتفون بذكر الأخبار مجردة، وإنما كانوا يتمثلون في وعظهم، ويستشهدون على قصصهم، بشعر جاهلي٢. ويبدو أن هؤلاء القصاص قد بدءوا قصصهم من عهد مبكر إذ يُذكر أن أول من قص كان الأسود بن سريع التميمي، وكان من الصحابة، وكان يقول في قصصه في الميت٣: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيَا فسرقه الفرزدق! ولو وقفنا قليلًا عند أخبار عبيد بن شرية التي ذكرنا أنه ألقاها في مجالس معاوية وسمره، لوجدنا فيها كثيرًا من الشعر الجاهلي. بعضه صحيح منسوب إلى

стр. 256

شعراء معروفين، وهو محفوظ في دواوينهم١. ولكن بعضه الآخر موضوع منحول لا شك في وضعه ونحله، من مثل الشعر الذي نسبه إلى يعرب بن قطحان٢، وإلى عاد بن عوص٣، وإلى ثمود وأخيه جديس٤، وإلى عمليق وأخيه طسم٥، وإلى حفدة عمليق وجديس٦. ومن مثل الشعر الذي قيل في وفد عاد إلى مكة حينما ذهبوا يستسقون٧، وما قاله لقمان في نسوره السبعة٨. والأمثلة على ذلك كثيرة، وهو كله شعر غث بارد وضع وضعًا لتزيين هذه القصص والخرافات. ويبدو أن هذا الشعر كان يكسب تلك القصص شيئًا من القيمة في نفوس السامعين فيصبح موضع ثقتهم وتصديقهم، بل لقد كان معاوية -فيما يورد كتاب أخبار عبيد- يسأل عبيدًا: هل قيل في بعض تلك الأخبار والقصص شعر؟ ٩. وإذا كان وضع الشعر ونحله في مثل هذه القصص والخرافات أمرًا لا غرابة فيه، فإن العجب أن تصبح هذه القصص وما قيل فيها من شعر منحول مادةً تاريخية تضمنها كتب السير والمغازي والتاريخ. ومن أجل ذلك تصدى الرواة العلماء لهذه الأشعار في الكتب التاريخية ونبهوا على زيفها ونحلها. فنحن نجد في كتاب السيرة لابن إسحاق كثيرًا من هذا الشعر المنحول الموضوع -على كثرة ما فيه أيضًا من الشعر الصحيح الثابت عند العلماء والرواة- فاستدركه عليه ابن

стр. 257

هشام، وأسقط كثيرًا منه وبيَّن زيفه، وذكر نقد العلماء له. وقد نبه ابن إسحاق نفسه على ذلك، فاعتذر عن إيراد مثل هذا الشعر المنحول بقوله١: "لا علم لي بالشعر، أُوتَى به فأحمله". وقد عقب ابن سلام على ذلك بقوله٢: "ولم يكن له ذلك عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ. أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف من السنين، والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي لا بقية لهم. وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ وقال في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾ . ونقد ابن النديم ابن إسحاق أيضًا فقال٣ "ويقال: كان يُعمل له الأشعار ويؤتَى بها ويُسأل أن يدخلها في كتاب السيرة، فيفعل، فضمن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر". وكذلك فعل الواقدي في مغازيه، فقد أدخل فيها بعض الشعر الموضوع، وإن كان نبه على وضعه في مواطن من كتابه، فقد ذكر أن عباد بن بشر قال في مقتل كعب بن الأشرف قصيدة عدتها ثلاثة عشر بيتًا أولها٤: صرخت به فلم يحفل لصوتي ... وأوفى طالعًا من فوق قصر فعدت، فقال: من هذا المنادي ... فقلت: أخوك عباد بن بشر فقال محمد أسرع إلينا ... فقد جئنا لتشكرنا وتقري

стр. 258

وهي -في رأينا- أبيات غثة مرذولة لا شعر فيها؛ وهذا الأسلوب القصصي أشبه بأسلوب شاعر الربابة الذي يعدد الحوادث تعدادًا منغمًا على أسلوب خاص. وقد ذكر الواقدي بعد أن أوردها أن ابن أبي حبيبة قال: أنا رأيت قائل هذا الشعر. فقال ابن أبي الزناد: لولا قول ابن أبي حبيبة لظننت أنها ثبت!! ونحن لا نقصد إلى أن نستقصي جميع الموضوعات التي كانت مجالًا للوضع والنحل، ولكننا نشير إلى موضوع آخر غير القصص وأحاديث السمر، وهو: الأنساب. وللنسب عند العربي قيمة وخطر، ولذلك كان حريصًا على كل ما يثبت أنه عربي صريح أو أنه من القبيلة التي ينتسب إليها حقًّا. وكان بعض الرواة يتقربون إلى ذوي السلطان أو ذوي المال بوضع شعر منحول فيه إشارات إلى نسبهم. فمن ذلك أن قضاعة من معد، ولكنها انتسبت إلى حمير، وزوروا في ذلك شعرًا فقالوا١: يا أيها الداعي ادعنا وأبشر ... وكن قضاعيًّا ولا تنزر قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكر. ومن ذلك أيضًا أنهم صنعوا أبياتًا يذكرون فيها نسب جذام ولخم وعاملة، ونحلوها أبا سمال الأسدي، وهي٢: أبلغ جذامًا ولخمًا إن عرضت بهم ... والقوم ينفعهم علمًا إذا علموا والقوم عاملة الأثرين قل لهم ... قولًا ستبلغه الوساجة الرسم لأنتم في صميم الحق إخوتنا ... إذ يُخلق الماء في الأرحام والنسم لم أر مثل الذي يأتون جاء به ... قوم يذر على مختومهم خمم

стр. 259

وقد عقب أبو عبد الله المصعب الزبيري بعد أن أورد هذه الأبيات بقوله: "وقال بعض من يعلم: لما قدم خالد بن عبد الله القسري أميرًا على العراق، ومعه قوم من جند الشأم، فيهم من لخم وجذام، فأهدت لهم بنو أسد بن خزيمة، فقالوا: أنتم قومنا! وأحدثوا هذا الشعر، إلا بيتًا منه: لم أر مثل الذي يأتون جاء به فإنه قديم لا يُدرى لمن هو؟ ولا من عُني به". وموضوع ثالث -غير القصص والأسمار وغير الأنساب- كان مجالًا واسعًا أيضًا للوضع والنحل هو أخبار أيام العرب في الجاهلية. وهو موضوع يتصل بسابقيه اتصالًا وثيقًا، وتكاد ثلاثتها تكون موضوعًا واحدًا متصلًا ذا فروع مختلفة. فمن أمثلة وضع الشعر في الأخبار ونحله للشعراء الجاهليين ليكون ذلك سندًا للخبر الذي يساق ما أورد أبو عبيدة في حديث البراجم قال١: قال عوف بن عطية التيمي يعير لقيط بن زرارة أسر بني عامر معبد بن زرارة وفرار لقيط عنه: هلا فوارس رحرحان هجوتم ... عشرًا تناوح في سرارة واد لا تأكل الإبل الغراث نباته ... ما إن يقوم عماده بعماد هلا كررت على ابن أمك معبد ... والعامري يقوده بصفاد وذكرت من لبن المحلق شربة ... والخيل تعدو في الصعيد بداد٢ قال أبو عبيدة: وبقية هذه القصيدة مصنوعة. وقال أبو عبيدة أيضًا في يوم النسار٣: وأنشدوني في تصداق ذلك "أن الأسود كان رئيس الرباب يوم النسار" قول عوف بن عطية بن الخرع التيمي:

стр. 260

ما زال حينكم ونقص حلومكم ... حتى بلوتم كيف وقع الأسود وقبائل الأحلاف وسط بيوتكم ... يعلون هامكم بكل مهند قال بنو أسد وغطفان: هذه مصنوعة، لم يشهد الأسود النسار. وحسبنا ما قدمنا في هذا الموضوع، ولنا إليه عودة في الباب التالي عند حديثنا المفصل عن الشك في الشعر الجاهلي.

стр. 261

٦- رواة علماء: وهذا العنوان الفرعي لا ينفي العلم عن سائر طبقات الرواة التي قدمناها؛ فقد كان بعض الشعراء الرواة علماء، وكان بعض رواة الشاعر علماء، وكان بعض رواة القبائل علماء، وكان بعض الرواة المصلحين للشعر بل بعض الرواة الوضاعين علماء. غير أن علم أكثر رواة الطبقات الثلاث الأولى كان محدودًا محصورًا في شعر شاعر بعينه أو في شعر قبيلة بعينها، وعلم أكثر رواة الطبقة الخامسة كان يدور على الموضوعات التي ذكرناها من قصص وأشعار وما يشبهها. ومن هنا قصدنا بهذا العنوان أن يدل على طبقة خاصة متميزة من الطبقات التي أشرنا إليها. ومدار تميزها وتفردها على أنها اتخذت من الشعر موضوعًا علميًّا، تدرسه دراسة، وتأخذه عن شيخ أو أستاذ، في مدرسة من مدارس علم الشعر وروايته آنذاك، ونعني بها تلك المجالس والحلقات التي كانت تعقد في المساجد أنو منازل الشيوخ، ويجتمع فيها التلاميذ من العلماء والمتعلمين، يتحلقون حول شيخ شُهد له بالحفظ والرواية ومعرفة كلام العرب والإحاطة الواسعة بشعرهم، وذلك بالاطلاع على ما سبق عصره من جهود الرواة في حفظ الشعر وتدوينه. وتكون وسيلة الدرس مزدوجة تقوم على أمرين: على قراءة ديوان الشاعر

стр. 262

أو ديوان القبيلة والتلاميذ يتابعون القراءة في نسخ بين أيديهم أو يستمعون لمن يقرأ؛ وعلى ما يلقيه الأستاذ الشيخ من تصحيح لبعض الأخطاء، أو ذكر لوجوه الروايات، أو تفسير لغريب الألفاظ، أو شرح للمعنى العام وذكر جوه التاريخي وحوادثه وأخباره. وقد يضاف إلى هذين الرحلة إلى البادية أو الاستماع إلى من يفد منها من الأعراب. ويبدو أن هذه الطبقة من الرواة العلماء -بهذا التعريف الذي قدمناه والتحديد الذي قيدناه به- لم تكن موجودة فبل مطلع القرن الثاني الهجري، وربما كان أول شيوخها الذين مهدوا الطريق لمن تبعهم فكانوا هم الرواد السابقين: أو عمرو بن العلاء "المتوفى سنة ١٥٤"، وحماد الراوية "المتوفى سنة ١٥٦". ومن هنا كان قول ابن سلام١: "وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها: حماد الراوية". ومن هنا أيضًا قالوا٢: "كان خلف الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة، ذلك أنه جاء إلى حماد الراوية فسمع منه، وكان ضنينًا بأدبه". وقد أخذ عن هذين العالمين: أبي عمرو وحماد سائر من نعرف من شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر، والمفضل، والأصمعي، وأبي عبيدة، وأبي عمرو الشيباني. وأخذ عن هؤلاء من تلاهم: كابن الأعرابي، ومحمد بن حبيب، وأبي حاتم السجستاني. ثم أخذ عن هؤلاء السكري وثعلب وأضرابهما. وقد انقسم هؤلاء الرواة العلماء إلى مدارس، فكانت ثمة مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة، ومدرسة المدينة، ومدرسة بغداد. وكان تلاميذ كل مدرسة وعلماؤها يتعصبون لمدرستهم ولشيوخهم، ويوثقون روايتهم، ويجرحون شيوخ المدرسة الأخرى، ويضعفون روايتهم، ويتهمونهم بالوضع والنحل والكذب. وسنشير إلى هذه المدارس والخلاف بين شيوخها وتلامذتها، وما نتج عن هذا الخلاف من طعن وتجريح وتضعيف في فصل تالٍ.

стр. 263

ولو اقتصرنا في إشارتنا إلى هؤلاء الرواة العلماء على كتاب واحد هو طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي لوجدنا أن هذه الطبقة مميزة تمييزًا واضحًا يفرقها عن غيرها من الرواة؛ فلا يكاد ابن سلام يذكر هذه الطبقة إلا يصفها بأنها "أهل العلم". فمن ذلك قوله١: "وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه ... " ويقول٢: "وللشعر صناعة يعرفها أهل العلم"، و"كذلك الشعر يعرفه أهل العلم به". ويقول٣: "وكان أبو عبيدة والأصمعي من أهل العلم، وأعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة: المفضل". ويقول٤: "ثم إنا اقتصرنا بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم". ويقول٥: "أجمع أهل العلم أن النابغة لم يقل هذا". ويقول٦: "ولقد أخبرني أهل العلم من غطفان". ويقول٧: "كيف يروي خالد "بن كلثوم" مثل هذا وهو من أهل العلم؟ " ويقول٨: "ومما يدل على ذهاب الشعر وسقوطه قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد". وقد يقابل في الجملة الواحدة بين هؤلاء الرواة المدققين من أهل العلم وبين الرواة عامةً من غير وصف يقيدهم. فهو يقول٩: " ... ثم كانت الرواة

стр. 264

بعد، فزادوا في الأشعار التي قيلت وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة وما وضعوا، ولا ما وضع المولدون ... " ويقول١: "وقد اختلف الناس والرواة فيهم "أي في الشعراء"، فنظر قوم من أهل العلم بالشعر، والنفاذ في كلام العرب والعلم بالعربية، إذا اختلف الرواة، فقالوا بآرائهم..".

стр. 265

الفصل الثالث: الإسناد في الرواية الأدبية بين الحديث والأدب: -١- لا يملك الباحث، حين يتعرض للحديث عن الإسناد في الرواية الأدبية، إلا أن يشير إلى الإسناد في رواية الحديث النبوي. وقد أشار أكثر الباحثين من المحدثين الذين أرخوا الأدب العربي إلى العلاقة في الإسناد وطريقة الحمل بين الروايتين١. وقد ذهبوا إلى أن رواة الأدب قد تأثروا رواة الحديث في طريقة الإسناد، ونسجوا على منوالهم. ولا نحب هنا أن نعيد أقوالهم ولا أن نشقق القول في هذا الأمر بعينه، ولكننا مع ذلك نكاد نذهب مذهبًا يخالف ما ذهبوا إليه، فنحن نرى، فيما يبدو لنا، أن الرواية الأدبية أصل قائم بذاته، وقد وجدت عند العرب منذ الجاهلية، فكان علماء النسب الجاهليون ومن أدرك منهم الإسلام يأخذون علمهم بالنسب عن شيوخ هذا العلم ممن تقدمهم أو عاصرهم، وكذلك كان رواة الشعر والأخبار الجاهلية. وقد مرت بنا بعض الأمثلة على النسابين ورواة الأخبار والأشعار، وستمر بعد صفحات أمثلة أخرى، وربما كان أوضح ما يمثل تلقي الشعر وأخذه ما يروى من أن عمر بن الخطاب تمثل بشعر ثم قال لفرات بن زيد الليثي٢:

стр. 266

أتدري من يقوله؟ فقال فرات: لا أدري يا أمير المؤمنين. قال عمر: هذا شعر أخيك قسامة بن زيد. قال: ما علمته. قال بلى، هو أنشدنيه وعنه أخذته. والرواية سبيل طبيعية في كل عصر وعند كل أمة، حتى حين تنتشر الكتابة وتذيع. بينما كانت رواية الحديث أمرًا طرأ على العرب بعد الإسلام. فإن لم تكن رواية الحديث من حيث الطور الزمني متأثرة برواية الأدب وفرعًا منها، فالروايتان أصلان انبثقا عن الحاجة الملحة انبثاقًا طبيعيًّا. وتفصيل ذلك أننا لا نعرف -على وجه الضبط واليقين- متى بدأ الإسناد في رواية الحديث، فنحن نرى مثلًا أن بعض التابعين لم يكن يسند الحديث حين يحدث. فقد روى عاصم الأحول "لمتوفى سنة ١٤٢هـ" عن ابن سيرين "المتوفى سنة ١١٠هـ" قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، حتى وقعت الفتنة؛ فلما وقعت الفتنة نظروا مَنْ كان من أهل السنة أخذوا حديثه، ومن كان من أهل البدع تركوا حديثه١. وقال حماد بن سلمة٢: كنا نأتي قتادة "هو قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة ١١٧" فيقول: بلغنا عن النبي ﷺ ، وبلغنا عن عمر، وبلغنا عن علي، ولا يكاد يسند. فلما قدم حماد بن أبي سليمان البصرة جعل يقول: حدثنا إبراهيم وفلان وفلان، فبلغ قتادة ذلك فجعل يقول: سألت مطرفًا، وسألت سعيد بن المسيب، وحدثنا أنس بن مالك، فأخبر بالإسناد. وقال ابن جريج٣: إن عطاء حدث بحديث فقلت له: أتعزيه إلى أحد؟ أي أتسنده؟

стр. 267

ولكننا نرى أن علماء القرن الثاني كانوا يسندون الحديث: يرفعون بعضه، ويرسلون بعضه. ومما تجدر الإشارة إليه أن كثيرًا من رواة الأدب كانوا كذلك من رواة الحديث، وإن كانت شهرتهم بالرواية الأدبية قد طغت على شهرتهم برواية الحديث وغطت عليها. فالرواية عند هؤلاء العلماء في القرن الثاني، سواء أكانت رواية حديث أم رواية أدب وأخبار، كانت ذات إسناد يرتفع حينًا إلى الصحابي وإلى رسول الله ﷺ في الحديث، ويرتفع إلى من تدور عنه في الجاهلية أو إلى رجال يروونها ممن شهدوا الجاهلية وشهدوا ما يروون بخاصة في الأدب والأخبار، وكثيرًا ما يكون الإسناد مرسلًا منقطعًا في الروايتين كلتيهما. ولكن ذلك لا يمنعنا من أن نقول إن المتأخرين الذين كتبوا في علوم اللغة والأدب قد احتذوا مناهج المحدثين والفقهاء، وقلدوا علوم الحديث والفقه، وذلك بعد أن نضجت علوم الحديث والفقه وأرسيت أصولهما وقواعدهما، وعبدت سبلهما وطرائقهما، وذهب فيهما في التحقيق والتدقيق -في السند والمتن- مذاهب بعيدة١ ونجد مثال ذلك عند أبي البركات ابن الأنباري "المتوفى سنة ٥٧٥هـ" حين يقول في كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف"٢: "فإن جماعة من الفقهاء المتأدبين، والأدباء المتفقهين المشتغلين علي بعلم العربية بالمدرسة النظامية ... سألوني أن ألخص لهم كتابًا لطيفًا، يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة". وعند رجل كالسيوطي الذي يقول عن علم الأدب وتأليفه فيه٣: "هذا

стр. 268

علم شريف ... حاكيت به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع". ويقول كذلك١: "واعلم أن السبب الحامل لي على تأليف ذلك الكتاب الأول أني قصدت أن أسلك بالعربية سبيل الفقه فيما صنفه المتأخرون فيه وألفوه من كتب الأشباه والنظائر". فإذا كان الأمر على ما ذهبنا إليه، فلم التزمت رواية الحديث الإسناد في الغالب الأعم، ولم تلتزمه الرواية الأدبية إلا في القليل النادر؟ ونحن نقصد بهذا التساؤل الإسناد المتصل المرفوع، لا الإسناد المرسل المنقطع، إذ أن هذا الضرب الثاني من الإسناد يكاد يكون ملتزمًا في رواية الأدب التزامًا لا إخلال فيه. فجميع ما يرويه علماء اللغة والأدب في القرن الثالث والرابع ذو إسناد مرفوع إلى علماء القرن الثاني من أمثال أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية وخلف الأحمر والمفضل وأبي عمرو الشيباني وابن الكلبي والأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد، أو الأعراب الذين عاصرهم هؤلاء العلماء وأخذوا عنهم، ولكن هذا الإسناد المرفوع إلى هؤلاء لا يكاد يصل إليهم حتى يقف عندهم ثم لا يعدوهم إلا في القليل النادر مما سنعرضه في هذا الفصل بعد صفحات. ومن هنا كان هذا الإسناد الملتزم في الرواية الأدبية إسنادًا مرسلًا أو منقطعًا لأنه، في أكثره رُوي عن علماء لم يشهدوا العصر الجاهلي، ولم يأخذوا الشعر من الشعراء الجاهليين أنفسهم. ويبدو لنا أن مرد التزام الإسناد المتصل في رواية الحديث إلى أمرين: أمر داخلي، وآخر خارجي. أما الداخلي فمبعثه من نفس الراوي، ومصدره شعوره بالتحرج الديني، وذلك أنه ينقل كلامًا من كلام رسول الله ﷺ ، وهو الذي قال في حديثه المشهور: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار" ٢. في الإسناد المتصل ما يجعل المحدث يطمئن إلى أن غيره من شيوخه وشيوخ

стр. 269

شيوخه ثم التابعين والصحابة يشتركون معه في تحمل تبعة هذا الحديث ونقله، وأنه لا يستقل وحده بحمل هذا العبء، وأن تبعته لا تعدو النقل الأمين لما سمعه عن شيخ ثقة ثبت. وأما الأمر الخارجي فمرجعه إلى سامعي الحديث من المحدث، وذلك أن الحديث يتضمن جزءًا كبيرًا من السنة، أو هو السنة كلها، وهو من أجل ذلك مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، بل إنه هو المصدر الثاني الذي يتلو في القيمة كتاب الله، ولذلك كان من التدقيق والتحقيق، ومما يبعث الطمأنينة في نفوس السامعين ويوحي إليهم بالثقة في حديث المحدث أن يصل بين عصره وعصر الرسول الكريم بسلسلة متصلة من الرواة المحدثين كلهم يشهد أنه سمعه ممن قبله حتى يصل الإسناد إلى الصحابي فالرسول. ومن أجل هذا كله رأينا كثيرًا من الصحابة ومن التابعين يتحرجون من رواية الحديث، بل لقد ورد عنهم نهي صريح عن التحديث والإكثار منه. فقد شيع عمر بن الخطاب جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ذاهبين إلى الكوفة، ثم أوصاهم بقوله١: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، امضوا وأنا شريككم". وقال شعبة بن الحجاج "توفي سنة ١٦٠ وله ٧٥ سنة"٢ "ما أنا مغتم على شيء أخاف أن يدخلني النار غيره" يعني الحديث. ومن أجل هذا أيضًا كان كثير من المحدثين من الصحابة والتابعين يتخففون من أعباء هذا الحرج وقسوته باللجوء إلى الشعر وإنشاده. قال مطرف٣: "خرجت مع عمران بن حصين "صحابي توفي سنة ٥٢" من الكوفة إلى البصرة فما أتى علينا يوم إلا ينشدنا فيه شعرًا، ويقول:

стр. 270

إن لكم في المعاريض لمندوحة عن الكذب".١ وقال روح بن عبادة٢: كنت عند شعبة، فضجر من الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد سعيد بن أوس في أخريات الناس فقال: يا أبا زيد: واستعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار إلي يا أبا زيد. فجعلا يتناشدان الأشعار. فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار!! قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبًا شديدًا ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لي، أنا والذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك. ومن أجل هذا أيضًا كان الأصمعي يتحرج في تفسير شيء ورد في القرآن الكريم أو الحديث ولذلك "لم يرفع من الحديث إلا أحاديث يسيرة"٣. ونحن نرى من هذه الأخبار الثلاثة الأخيرة أن القوم آنذاك لم يكونوا يرون في رواية الشعر ما يرونه في رواية الحديث، فالشعر آخر الأمر شأن من شئون هذه الدنيا لا يتصل بالدين ولا بشخص الرسول ولا يمت بسبب إلى التشريع. فهم إذن في حل إذا وجدوا فيه سعة يستريحون فيها من عناء التضييق الذي كانوا يأخذون به أنفسهم في الحديث. فهل نحن إذن على صواب إذا ذهبنا إلى أنه ليس في الرواية الأدبية للشعر الجاهلي والأخبار الجاهلية إسناد متصل؟ لعلنا لا نستطيع أن نقطع في هذا السؤال

стр. 271

بجواب حاسم قبل أن نعرض بعض ما لدينا من أخبار وروايات فيها إسناد متصل إلى الجاهلية وسنكتفي الآن بالعرض المجرد ثم نعقب على ذلك بما يبدو لنا من رأي. وهذه الأخبار والروايات قسمان كبيران؛ أولهما: يتصل بالشاعر الجاهلي نفسه، وثانيهما: يتصل بهؤلاء العلماء الرواة الذين عاشوا في القرن الثاني وأخذ عنهم العلماء بعد ذلك شعر الجاهلية وأخبارها. -٢- أم القسم الأول فهي أخبار مسندة يرتفع إسنادها إلى الشاعر الجاهلي نفسه, وأكثر الشعراء الجاهليين حظًّا من هذا الضرب من الروايات المسندة هو حسان بن ثابت، وربما كان مرد ذلك إلى صلة حسان برسول الله ﷺ ، فروى بعض الصحابة شعره وأخباره. ونحن نجد مثل هذا الضرب من الأسانيد المرفوعة إلى الصحابة عن حسان في ترجمته في الأغاني١، كالذي ترويه أم المؤمنين عائشة٢، وأختها أسماء بنت أبي بكر٣. أما الأحاديث المرفوعة في إسناد متصل إلى حسان نفسه فهي أقل من ذلك عددًا. ومن أمثلتها ما جاء في إسناد متصل أوله أبو الفرج الأصفهاني وآخره سعيد بن زرارة عن حسان بن ثابت، حيث يذكر ما يدل على أنه ولد قبل الهجرة بنحو من ستين سنة وأنه كان غلامًا يفعة ابن سبع سنين أو ثمان حينما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم٤. وثمة أخبار أخرى ذات إسناد منقطع ولكنها تنتهي بحسان يروي فيها خبرًا عن

стр. 272

نفسه وعن غيره من شعراء الجاهلية. ومن أمثلة ذلك " ... حدثنا الزبير بن بكار قال، قال أبو غزية، قال حسان بن ثابت: قدم النابغة المدينة فدخل السوق فنزل عن راحلته ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه، ثم أنشأ يقول: عرفت منازلًا بعريتنات ... فأعلى الجزع للحي المبن فقلت: هلك الشيخ، ورأيته قد تبع قافية منكرة.... فما زال ينشد حتى أتى على آخرها، ثم قال: ألا رجل ينشد؟ فتقدم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشد: أتعرف رسمًا كاطراد المذاهب حتى فرغ منها، فقال: أنت أشعر الناس يابن أخي. قال حسان: فدخلني منه. وإني في ذلك لأجد القوة في نفسي عليهما، ثم تقدمت فجلست بين يديه، فقال: أنشد فوالله إنك لشاعر قبل أن تتكلم. قال: وكان يعرفني قبل ذلك، فأنشدته. فقال: أنت أشعر الناس"١. ومن أمثلته أيضًا " ... يوسف بن الماجشون عن أبيه قال، قال حسان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغساني وقد مدحته ... " ثم يذكر لقياه النابغة الذبياني وعلقمة بن عبدة هناك وإنشادهما شعرًا لهما ثم إنشاد حسان شعرًا مدح فيه الغساسنة٢. وثاني هؤلاء الشعراء هو الأعشى، فقد عثرنا على ثلاثة روايات مرفوعة كلها إليه، الأولى: قدمنا الإشارة إليها حين تحدثنا عن رواة الشاعر، فقد مر بنا أن للأعشى ثلاثة رواة أو لعله راوية واحد اختلفوا في اسمه فأوردوا له ثلاثة أسماء فهو حينًا: عبيد، وحينًا: يحيى بن متى، وحينًا ثالثًا: يونس بن متى. وقد كان

стр. 273

هذا الراوية من المعمرين، فروى عنه جميع الأخبار التي رواها عن الأعشى راوية واحد بعينه هو سماك بن حرب. ثم روى عن سماك عدة رواة١. فعبيد هذا يروي عن الأعشى خبر قدومه على النعمان وإنشاده بين يديه قصيدته٢: إليك أبيت اللعن كان كلالها ... تروح مع الليل التمام وتغتدي وهو أيضًا يروي عن الأعشى أنه سأله تفسير كلمات في أحد أبياته وذلك قوله٣: ومدامة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها فلما سأله: ماذا أردت بقولك؟ قال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. وهو كذلك يوازن بين الأعشى ولبيد فيقول٤: كان الأعشى قدريًّا وكان لبيد مثبتًا. قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقال الأعشى: استأثر الله بالوفاء وبالـ ... عدل وولى الملامة الرجلا فلما سئل: من أين أخذ الأعشى مذهبه؟ قال: من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك.

стр. 274

والرواية الثانية ما جاء في شرح ديوان الأعشى للآمدي١: "قال أبو الحر: وجدت على ظهر كتاب المجاز لأبي عبيدة بخط أبي عسان رفيع بن سلمة المعروف بدماذ٢ صاحب أبي عبيدة، وحدثنا به السكري يعد حديثًا يرفع إلى الأعشى أنه قال ... خرجت أريد قيس بن معديكرب بحضرموت، فأضللت في أوائل أرض اليمن لأنني لم أكن سلكت ذلك الطريق، فلما أضللت أصابني مطر، فرميت ببصري كل مرمى أطلب لنفسي مكانًا ألجأ إليه، فوقعت عيني على خباء من شعر فقصدت نحوه فإذا أنا بشيخ ... " ثم يمضي في قصة طويلة خلاصتها أنه أنشد هذا الشيخ مطلعي قصيدتين من قصائده فإذا بالشيخ ينادي ابنتين له فتنشدان القصيدتين كاملتين لا تخرمان منهما حرفًا، فلما سقط في يده وتحير وغشته رعدة قال له ذلك الشيخ: "ليفرخ روعك أبا بصير أنا هاجسك مسحل بن أثاثة الذي ألقي على لسانك الشعر". فسكنت نفسه٣! والرواية الثالثة حدث بها أبو اليقظان قال٤: حدثني جويرية عن يشكر

стр. 275

بن وائل اليشكري -وكان من علماء بكر بن وائل وولد أيام مسيلمة فجيء به إليه فمسح على رأسه فعمي- قال جويرية: فحدثني يشكر هذا قال: حدثني جرير بن عبد الله البجلي "صحابي" قال: سافرت في الجاهلية، فأقبلت على بعيري ... فإذا قوم مشوهون عند الماء فقعدت. فبينا أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشد تشويهًا منهم فقالوا: هذا شاعرهم. فقالوا له: يا فلان أنشد هذا فإنه ضيف. فأنشد "ودع هريرة إن الركب مرتحل". فلا والله ما خرم منها بيتًا واحدًا حتى انتهى إلى هذا البيت. تسمع للحلي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عشرق زجل١ فأعجبت به. فقلت: من يقول هذه القصيدة؟ قال: أنا قلت: لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى بني ثعلبة أنشدنيها عام أول بنجران. قال. فإنك صادق، أنا الذي ألقيتها على لسانه وأنا مسحل صاحبه، ما ضاع شعر شاعر وضعه عند ميمون بن قيس٢!! وشاعر ثالث جاهلي خالص، هو امرؤ القيس، رُوي عنه أيضًا بإسناد متصل، فقد سئل رؤبة بن العجاج عن هذا البيت٣: نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل فقال رؤبة: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثني عمتي -وكانت في بني دارم- قالت: سألت امرأ القيس، وهو يشرب طلاء له مع علقمة بن عبدة: ما

стр. 276

معنى قولك: كرك لأمين على نابل؟ فقال: مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لوامًا وظهارًا، فما رأيت أسرع منه ولا أحسن، فشبهت به١! وشاعر رابع، جاهلي أدرك الإسلام، وهو سعية بن غريض، وغريض هو السموءل المشهور. ورواية سعية هذه تختلف عن الروايات التي قدمناها من حيث إنها لا تروي خبرًا عن الشاعر نفسه، وإنما يروي فيها الشاعر خبرًا من أخبار الجاهلية لا صلة له به. قال الهيثم بن عدي: حدثني حماد الراوية عن سعيد بن عمرو بن سعيد عن سعية بن غريض -من يهود تيماء- قال٢: لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني عمرو بن حجر ملك بعده ابنه الحارث بن عمرو، ... فلما تفاسدت القبائل من نزار أتاه أشرافهم فقالوا ... "إلى آخر الخبر". ورُوي عن الحطيئة خبر يفضل فيه نفسه، وراويه هو عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الحطيئة، قال عبد الرحمن٣: رأيت الحطيئة بذات عرق، فقلت له:

стр. 277

يا أبا مليكة أي الناس أشعر؟ فأخرج لسانًا دقيقًا كأنه لسان حية فقال: هذا إذا طمع. وشاعر سادس رُوي عنه في إسناد متصل، هو النابغة الجعدي. والجعدي ممن عُمِّر عمرًا طويلًا في الجاهلية والإسلام، " ... إسماعيل بن عبد الله السكري قال: حدثنا يعلى بن الأشدق، قال: حدثني نابغة بني جعدة، قال١: أنشدت النبي ﷺ هذا الشعر فأعجب به: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرًا فقال النبي ﷺ : "فأين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة. فقال: إن شاء الله. فقلت: إن شاء الله. ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال النبي ﷺ : أجدت، لا يفضض الله فاك". -٣- وأما القسم الثاني من هذا البحث عن الإسناد فمتصل بهؤلاء العلماء الرواة الذين عاشوا في القرن الثاني ومطلع الثالث، وأخذ عنهم العلماء بعد ذلك شعر الجاهلية وأخبارها. فقد ذكرنا من قبل أن العلماء في القرون التالية للقرن الثاني، وخاصة علماء القرنين الثالث والرابع، كانوا يوردون جل أخبار الجاهلية وأشعارها مسندة إلى هؤلاء الرواة الأعلام من علماء القرن الثاني، ثم يقفون عندهم

стр. 278

لا يعدونهم في الغالب الأعم. وذكرنا أن هؤلاء العلماء الذين تنتهي عندهم الرواية الأدبية للجاهلية طبقتان، الطبقة الأولى هم: أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية ثم خلف الأحمر والمفضل الضبي ومن في طبقتهم. وأما الطبقة الثانية فهم تلامذة هذه الطبقة الأولى، وأشهرهم: الأصمعي وأبو زيد وأبو عبيدة وأبو عمرو الشيباني، ثم ابن الأعرابي ومحمد بن حبيب وأبو حاتم السجستاني ومحمد بن سلام ومن في طبقتهم. ولكن انقطاع الإسناد عند هؤلاء الرواة وانتهاءه إليهم يحفزنا إلى أن نستقصي في البحث عما وراءه لعلنا نستطيع أن ننبش الجذور الأولى التي قامت عليها رواية هؤلاء العلماء، فنستبين مدى امتداد هذه الجذور واتصالها بالجاهلية. وأول ما يستوقفنا في سبيلنا روايات قليلة متفرقة مبثوثة -على تباعد بينها- في ما بين أيدينا من مصادر. وفيها يروي هؤلاء العلماء عن شيخ عالم راوية كثيرًا ما يكون من الأعراب الذين كانوا يأخذون منهم اللغة والشعر والأخبار، وقد يمتد بهم الإسناد فيرفعونه في أحوال نادرة إلى جاهلي شهد ما يروون عنه. فمن هذه الروايات التي يذكر فيها هؤلاء العلماء راويةً سابقًا عليهم يأخذون عنه ما نورده فيما يأتي: يروي الأصمعي تحقيق اسم تأبط شرًّا وبيتًا له عن ابن أبي طرفة الهذلي ويقول١: كان ابن أبي طرفة الهذلي أعلمهم بتأبط شرًّا وأمره. ويروي الأصمعي كذلك عن أبي طفيلة، قال٢: حدثني من رأى مساور بن هند أنه ولد في حرب داحس قبل الإسلام بخمسين عامًا. ويروي أبو عبيدة في سند متصل إلى الجاهلية ٣: "قال أبو عبيدة،

стр. 279

حدثني عبد الحميد بن عبد الواحد بن عاصم بن عبد الله ... قال، حدثني أبي عبد الواحد، وعمي صفوان، عن أبيهما عاصم بن عبد الله، عمن أدرك شأس بن زهير قال ... " "ثم يورد خبرًا عن شأس". ويروي أبو عبيدة كذلك في سند آخر متصل إلى الجاهلية١. " ... أبو عبيدة قال، حدثنا أبو المختار فراس بن خندق القيسي: قيس ثعلبة، وعدة من علماء العرب قد سماهم فراس بن خندق". وفي سياق الحديث -وهو عن يوم ذي قار- يسمي بعضهم فيقول٢: "قال سليط بن سعد بن معدان ... بن ثعلبة: فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ -يوم ذي قار- قالوا: فلما التقى الناس ... " وروى المفضل خبرًا عن امرئ القيس وعلقمة بن عبدة وشعرًا لهما حدثه به أبو الغول النهشلي عن أبو الغول الأكبر٣. ويروي المفضل كذلك خبرًا جاهليًّا ذا إسناد متصل؛ جاء في النقائض٤: "وكان من قصة هذا اليوم -يوم أعشاش- ما حكاه الكلبي عن المفضل بن محمد عن زياد بن علاقة التغلبي أن أسماء بن خارجة الفزاري حدثه بذلك قال: أغار بسطام ... " إلى آخر الخبر، وبسطام هذا أخذ أم أسماء بن خارجة، وأسماء يومئذ غلام شاب يذكر ذلك. فرواية أسماء إذن رواية من شاهد الخبر المروي، وإسنادها متصل. ويروي ابن الكلبي في سند متصل إلى أشياخ أدركوا الجاهلية شعرًا لشعراء جاهليين كامرئ القيس وعنترة فيه ذكر أسماء أماكن "قال أبو زيد عمر بن شبة عن هشام قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمرو بن

стр. 280

الصامت بن شداد بن يزيد بن مرداس السلمي، عن أشياخ من بني تميم أدركوا الجاهلية، قالوا ... "١. وروى حماد الراوية خبرًا يتصل بالحطيئة عن أبي نصر الأعرابي. وروى حماد كذلك خبرين عن الأعشى، أحدهما: عن معقل عن أبي بكر الهلالي٢ والثاني: عن سماك بن حرب٣. وروى أبو عمرو بن العلاء شعرًا لامرئ القيس بن عابس، وذكر منه ستة أبيات ثم قال٤ "وزادني فيها الجمحي" وذكر ثلاثة أخرى. وروى أبو عمرو أيضًا٥ "عن شيخ من أهل نجد كان أسنهم". وكان أبو عمرو بن العلاء يجتمع هو وشعبة عند أبي نوفل بن أبي عقرب، قال شعبة٦: فأسأله عن الحديث خاصةً، ويسأله أبو عمرو عن الشعر خاصةً، فلا أكتب شيئًا مما يسأله عنه أبو عمرو، ولا يكتب أبو عمرو شيئًا مما أسأله أنا عنه٧. ومن اليسير أن يتتبع الباحث شيوخ هؤلاء العلماء الرواة، ويعرف بعضهم بأسمائهم، غير أن من العسير أن يرجع، إلا في القليل النادر، مفردات هذه الروايات التي يروونها سواء أكانت شعرًا أم خبرًا إلى الشيوخ الذين أخذها عنهم هؤلاء العلماء الرواة. ومن هؤلاء الشيوخ: الأعراب الفصحاء الذين كانوا يفدون إلى الحواضر

стр. 281

فيأخذ عنهم هؤلاء العلماء اللغة والشعر والأخبار١. ويعنينا من أمر هؤلاء الأعراب ثلاثة أخبار لها قيمتها وخطرها، أولها: ما أورده أبو علي القالي قال٢: "حدثنا أبو بكر بن دريد ﵀ قال: كان أبو حاتم يضن بهذا الحديث ويقول: ما حدثني به أبو عبيدة حتى اختلفت إليه مدة، وتحملت عليه بأصدقائه من الثقفيين، وكان لهم مؤاخيًا، قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثني أبو عبيدة قال: حدثني غير واحد من هوازن من أولي العلم وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية أو جده قال: اجتمع عامر بن الظرب العدواني ... " إلى آخر الخبر. فأبو عبيدة إذن كان يروي بعض ما يرويه عن أعراب أدرك آباؤهم الجاهلية وقد مر بنا قبل قليل في الصفحة السابقة أن المفضل يروي عن رجل يروي عمن أدرك الجاهلية. وثاني هذه الأخبار الثلاثة ما أورده الشريف المرتضى من حديث لبيد والنعمان، فقد ذكر إسنادًا في نهايته "عن الكلبي عن عبد الله بن مسلم البكائي، وكان قد أدرك الجاهلية"٣. ومما يكمل هذا ويوصلنا إلى ما نرمي إليه من هدف الخبر الثالث الذي يرويه أبو عبيدة، ولكنه يرويه هذه المرة ويقصد به شيخه بل شيخ الرواة جميعًا: أبا عمرو بن العلاء. قال أبو عبيدة يشير إلى أبي عمرو٤ "وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية".

стр. 282

فإذا مضينا نحن وراء هذا القول لنحقق صدقه، وجدنا في بعض ما سنورده ما يغنينا عن الإطالة: قال ابن سعد١ "أخبرنا عبد الملك بن قريب قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: قلت لأبي رجاء العطاردي: ما تذكر؟ قال: قتل بسطام بن قيس، ثم أنشد بيتًا رُثي به: فخر على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل وقد ولد أبو رجاء هذا في الجاهلية ثم أدرك النبي ﷺ وهو شاب٢، وأسلم بعد الفتح٣، وتوفي في نحو٤ سنة ١١٧. وقد مر بنا قبل قليل أن أبا طفيلة يروي عمن أدرك الجاهلية، وقد كان أبو طفيلة هذا نحو أبي عمرو بن العلاء في السن٥. وهذا مسعر بن كدام "المتوفى سنة ١٥٢ أو ١٥٥ -وهو معاصر لأبي عمرو بن العلاء-" يروي عمن أدرك الجاهلية أيضًا. قال عمير بن الحباب، وروى ذلك عنه مسعر، ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأةً ولا أعجز رجلًا من كلب، ولا أحزم رجلًا ولا أعجز امرأة من تغلب٦". وهذا شيخ معمر حضر الجاهلية، ومع ذلك فقد كان ممن استمع إلى جرير وهو ينشد، وجرير عاصر أبا عمرو نصف قرن "مات جرير سنة ١١٠". كان جرير ينشد أبياته٧:

стр. 283

فما شهدت يوم النقا خيل هاجر ... ولا السيد إذ يبطحن بالأسل السمر ولا شهدت يوم الغبيط مجاشع ... ولا نقلان الحي من قنتي نسر قال: وشيخ من بني ثعلبة يقال له: النخار بن العقار، كبير قد شد حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجل ما شهدت، ولا كنا إلا سبعة فوارس من بني ثعلبة. ومن اليسير أن نجمع أسماء كثيرين من المعمرين الذين أدركوا الجاهلية وماتوا في نهاية القرن الأول أو مطلع الثاني، فمن ذلك: عرام بن المنذر بن زبيد ... أدرك الجاهلية وأدرك عمر بن عبد العزيز١ وحيدة من ولد كعب بن ربيعة أدرك الجاهلية وأدرك بشر بن مروان٢. وشريح بن هانئ عاش في الجاهلية دهرًا وقتل في ولاية الحجاج٣. بل إن من هؤلاء المعمرين شعراء مشهورين من مثل: أرطاة بن سهية: أدرك الجاهلية ووفد على عبد الملك بن مروان فسأله عما بقي من شعره، وكان عمره آنذاك مائة وثلاثين سنة٤. وأيمن بن خريم: أسلم هو وأبوه يوم الفتح وأدرك عبد العزيز بن مروان٥. وعمرو بن أحمر بن العمرد: كان من شعراء الجاهلية المعدودين وقال في الجاهلية والإسلام شعرًا كثيرًا، وأدرك عبد الملك بن مروان٦. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن المغالاة في أعمار المعمرين كثيرة كذلك،

стр. 284

وبعضها لا يكاد يصدق. قال الجاحظ١ "وإن في الأعراب لأعمارًا أطول، على أن لهم في ذلك كذبًا كثيرًا". وقد أوردنا من الأسماء والأخبار ما يصح في الفهم ويقبله العقل، فليس من الغريب أن يكون في الأمة نفر يبلغون من العمر ما يزيد قليلًا على مائة سنة، وذلك شيء مألوف في كل زمان وعند كل أمة، وما زلنا نحن نسمع في زماننا هذا عمن يتخطى المائة وقد يبلغ العشرين والمائة أو الخمسين والمائة، وخاصة في القرى وبين البدو. ومن المشهور المتداول في الأعمار كانت في الماضي أطول مما هي الآن، ومرد ذلك إلى أمور لا مجال لسردها. وقد رجحنا في غير هذا الموطن أن أبا عمرو بن العلاء بدأ يأخذ عن الرواة والعلماء والأعراب، بل كان يتصدر للرواية والتدريس، في نحو سنة ٨٠ للهجرة أو بعدها قليلًا٢. ومن أجل ذلك ليس بمستغرب أن يكون في زمنه أعراب عاشوا في الجاهلية بين عشر سنوات وسبعين سنة، فتكون سنهم عام روى عنهم أبو عمرو ومن في طبقته تتراوح بين تسعين سنة ومائة وخمسين سنة٣. -٤- غير أن هذه الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، لا تعدو ما أوردناه، وقد يضم إليها مثلها مما تجاوزنا عن ذكره أو لم نعثر عليه. وهي كلها لا تكاد تقيم لنا ما نستطيع أن نبحث فيه لأن

стр. 285

بعضها قائم على الجهل برواته في مثل "عمن أدرك فلانًا" أو "حدثني من رأى فلانًا" أو "عن أشياخ من بني فلان" أو "عن رجال أدركوا الجاهلية". ولأن بعضها منقطع لا يذكر فيه إلا راوية واحد قبل هؤلاء العلماء، كثيرًا ما يكون من الأعراب الفصحاء. والثقة بمثل هذه الأسانيد لا سبيل إلى تحقيقها، وإنما تكون الثقة بمعرفتنا العالم الراوية الذي أوردها، فإما أن نوثقه فنقبل منه ما يروي مع إسناده، وإما أن نجرحه ونضعفه فلا سبيل إلى قبول روايته مهما يكن إسنادها عاليًا. وتوثيق هؤلاء العلماء أو تضعيفهم هو موضوع حديثنا في القسم التالي من هذا البحث. غير أن الأمر الذي يكاد البحث العلمي الدقيق ينتهي إلى ترجيحه أن الإسناد في الرواية الأدبية والشعر خاصةً، شيء قد كان، وأن العلماء الرواة من رجال الطبقة الأولى أخذوا الشعر الجاهلي بالرواية عمن قبلهم، وإن كان تلامذتهم من بعدهم قد أغفلوا النص على الإسناد قبل هذه الطبقة الأولى، وبين أيدينا نصان ناطقان بينا الدلالة: أولهما: أن الأصمعي يورد شعرًا هذليًّا ثم يقول١: "سألت ابن أبي طرفة عن هذا فلم يعرفه، ولم يكن عند أبي عمرو فيها إسناد". وثانيهما: أن الأصمعي نفسه يورد قصيدة النابغة: أمن آل مية رائح أو معتد ... عجلان ذا زادٍ وغير مزود ثم يقول٢: "ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًّا". فقد كان إذن عند أبي عمرو بن العلاء وعند الأصمعي أسانيد للشعر الجاهلي الذي روياه، ولكنها لم يلتزما ذكرها دائمًا، واكتفيا بالنص على عدم وجودها حين لم يكن عندهما إسناد.
следующие страницы →