فيأخذ عنهم هؤلاء العلماء اللغة والشعر والأخبار١. ويعنينا من أمر هؤلاء الأعراب ثلاثة أخبار لها قيمتها وخطرها، أولها: ما أورده أبو علي القالي قال٢: "حدثنا أبو بكر بن دريد ﵀ قال: كان أبو حاتم يضن بهذا الحديث ويقول: ما حدثني به أبو عبيدة حتى اختلفت إليه مدة، وتحملت عليه بأصدقائه من الثقفيين، وكان لهم مؤاخيًا، قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثني أبو عبيدة قال: حدثني غير واحد من هوازن من أولي العلم وبعضهم قد أدرك أبوه الجاهلية أو جده قال: اجتمع عامر بن الظرب العدواني ... " إلى آخر الخبر.
فأبو عبيدة إذن كان يروي بعض ما يرويه عن أعراب أدرك آباؤهم الجاهلية وقد مر بنا قبل قليل في الصفحة السابقة أن المفضل يروي عن رجل يروي عمن أدرك الجاهلية.
وثاني هذه الأخبار الثلاثة ما أورده الشريف المرتضى من حديث لبيد والنعمان، فقد ذكر إسنادًا في نهايته "عن الكلبي عن عبد الله بن مسلم البكائي، وكان قد أدرك الجاهلية"٣.
ومما يكمل هذا ويوصلنا إلى ما نرمي إليه من هدف الخبر الثالث الذي يرويه أبو عبيدة، ولكنه يرويه هذه المرة ويقصد به شيخه بل شيخ الرواة جميعًا: أبا عمرو بن العلاء. قال أبو عبيدة يشير إلى أبي عمرو٤ "وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية".
стр. 282
فإذا مضينا نحن وراء هذا القول لنحقق صدقه، وجدنا في بعض ما سنورده ما يغنينا عن الإطالة:
قال ابن سعد١ "أخبرنا عبد الملك بن قريب قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: قلت لأبي رجاء العطاردي: ما تذكر؟ قال: قتل بسطام بن قيس، ثم أنشد بيتًا رُثي به:
فخر على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل
وقد ولد أبو رجاء هذا في الجاهلية ثم أدرك النبي ﷺ وهو شاب٢، وأسلم بعد الفتح٣، وتوفي في نحو٤ سنة ١١٧.
وقد مر بنا قبل قليل أن أبا طفيلة يروي عمن أدرك الجاهلية، وقد كان أبو طفيلة هذا نحو أبي عمرو بن العلاء في السن٥.
وهذا مسعر بن كدام "المتوفى سنة ١٥٢ أو ١٥٥ -وهو معاصر لأبي عمرو بن العلاء-" يروي عمن أدرك الجاهلية أيضًا. قال عمير بن الحباب، وروى ذلك عنه مسعر، ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأةً ولا أعجز رجلًا من كلب، ولا أحزم رجلًا ولا أعجز امرأة من تغلب٦".
وهذا شيخ معمر حضر الجاهلية، ومع ذلك فقد كان ممن استمع إلى جرير وهو ينشد، وجرير عاصر أبا عمرو نصف قرن "مات جرير سنة ١١٠".
كان جرير ينشد أبياته٧:
стр. 283
فما شهدت يوم النقا خيل هاجر ... ولا السيد إذ يبطحن بالأسل السمر
ولا شهدت يوم الغبيط مجاشع ... ولا نقلان الحي من قنتي نسر
قال: وشيخ من بني ثعلبة يقال له: النخار بن العقار، كبير قد شد حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجل ما شهدت، ولا كنا إلا سبعة فوارس من بني ثعلبة.
ومن اليسير أن نجمع أسماء كثيرين من المعمرين الذين أدركوا الجاهلية وماتوا في نهاية القرن الأول أو مطلع الثاني، فمن ذلك:
عرام بن المنذر بن زبيد ... أدرك الجاهلية وأدرك عمر بن عبد العزيز١ وحيدة من ولد كعب بن ربيعة أدرك الجاهلية وأدرك بشر بن مروان٢. وشريح بن هانئ عاش في الجاهلية دهرًا وقتل في ولاية الحجاج٣.
بل إن من هؤلاء المعمرين شعراء مشهورين من مثل:
أرطاة بن سهية: أدرك الجاهلية ووفد على عبد الملك بن مروان فسأله عما بقي من شعره، وكان عمره آنذاك مائة وثلاثين سنة٤. وأيمن بن خريم: أسلم هو وأبوه يوم الفتح وأدرك عبد العزيز بن مروان٥. وعمرو بن أحمر بن العمرد: كان من شعراء الجاهلية المعدودين وقال في الجاهلية والإسلام شعرًا كثيرًا، وأدرك عبد الملك بن مروان٦.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن المغالاة في أعمار المعمرين كثيرة كذلك،
стр. 284
وبعضها لا يكاد يصدق. قال الجاحظ١ "وإن في الأعراب لأعمارًا أطول، على أن لهم في ذلك كذبًا كثيرًا".
وقد أوردنا من الأسماء والأخبار ما يصح في الفهم ويقبله العقل، فليس من الغريب أن يكون في الأمة نفر يبلغون من العمر ما يزيد قليلًا على مائة سنة، وذلك شيء مألوف في كل زمان وعند كل أمة، وما زلنا نحن نسمع في زماننا هذا عمن يتخطى المائة وقد يبلغ العشرين والمائة أو الخمسين والمائة، وخاصة في القرى وبين البدو. ومن المشهور المتداول في الأعمار كانت في الماضي أطول مما هي الآن، ومرد ذلك إلى أمور لا مجال لسردها.
وقد رجحنا في غير هذا الموطن أن أبا عمرو بن العلاء بدأ يأخذ عن الرواة والعلماء والأعراب، بل كان يتصدر للرواية والتدريس، في نحو سنة ٨٠ للهجرة أو بعدها قليلًا٢. ومن أجل ذلك ليس بمستغرب أن يكون في زمنه أعراب عاشوا في الجاهلية بين عشر سنوات وسبعين سنة، فتكون سنهم عام روى عنهم أبو عمرو ومن في طبقته تتراوح بين تسعين سنة ومائة وخمسين سنة٣.
-٤-
غير أن هذه الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، لا تعدو ما أوردناه، وقد يضم إليها مثلها مما تجاوزنا عن ذكره أو لم نعثر عليه. وهي كلها لا تكاد تقيم لنا ما نستطيع أن نبحث فيه لأن
стр. 285
بعضها قائم على الجهل برواته في مثل "عمن أدرك فلانًا" أو "حدثني من رأى فلانًا" أو "عن أشياخ من بني فلان" أو "عن رجال أدركوا الجاهلية". ولأن بعضها منقطع لا يذكر فيه إلا راوية واحد قبل هؤلاء العلماء، كثيرًا ما يكون من الأعراب الفصحاء. والثقة بمثل هذه الأسانيد لا سبيل إلى تحقيقها، وإنما تكون الثقة بمعرفتنا العالم الراوية الذي أوردها، فإما أن نوثقه فنقبل منه ما يروي مع إسناده، وإما أن نجرحه ونضعفه فلا سبيل إلى قبول روايته مهما يكن إسنادها عاليًا. وتوثيق هؤلاء العلماء أو تضعيفهم هو موضوع حديثنا في القسم التالي من هذا البحث.
غير أن الأمر الذي يكاد البحث العلمي الدقيق ينتهي إلى ترجيحه أن الإسناد في الرواية الأدبية والشعر خاصةً، شيء قد كان، وأن العلماء الرواة من رجال الطبقة الأولى أخذوا الشعر الجاهلي بالرواية عمن قبلهم، وإن كان تلامذتهم من بعدهم قد أغفلوا النص على الإسناد قبل هذه الطبقة الأولى، وبين أيدينا نصان ناطقان بينا الدلالة:
أولهما: أن الأصمعي يورد شعرًا هذليًّا ثم يقول١: "سألت ابن أبي طرفة عن هذا فلم يعرفه، ولم يكن عند أبي عمرو فيها إسناد".
وثانيهما: أن الأصمعي نفسه يورد قصيدة النابغة:
أمن آل مية رائح أو معتد ... عجلان ذا زادٍ وغير مزود
ثم يقول٢: "ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًّا".
فقد كان إذن عند أبي عمرو بن العلاء وعند الأصمعي أسانيد للشعر الجاهلي الذي روياه، ولكنها لم يلتزما ذكرها دائمًا، واكتفيا بالنص على عدم وجودها حين لم يكن عندهما إسناد.
стр. 286
ولنا، بعد هذا، أن نتساءل عما وقف بهذه الأسانيد عند هؤلاء العلماء فلم تتجاوزهم إلا في هذا القليل النادر الذي لا غناء فيه والذي ضربنا له الأمثلة؟ والجواب على ذلك قائم فيما يبدو لنا على أمرين، الأول: هو أن رواية الجاهلية بأخبارها وأشعارها وإن كانت ظلت متصلة منذ الجاهلية نفسها إلى زمن هؤلاء العلماء على ما بيناه في الفصول السابقة إلا أنها كانت، قبل القرن الثاني، من الثقافة العامة التي لا يختص بها أحد، ومع ذلك لا يتجرد منها أحد. فقد كان المفسر والمحدث والفقيه والقاص يروون شعر الجاهلية وأخبارها؛ وكانت هذه الأخبار والأشعار آلة من آلاتهم يتوسلون بها لتفسير لفظ في كتاب الله أو حديث رسوله، ويسوقونها ليفصلوا بها مجمل ما ورد في القرآن من القصص وأخبار الأمم، أو ليزينوا بهذا الشعر ما يقصونه على الخلفاء في القصور وعلى العامة في المساجد من قصص تاريخية أو دينية. وكانت ثمة طائفة أخرى تحفظ أخبار الجاهلية وأشعارها غير هذه الطائفة من العلماء المفسرين أو المحدثين أو الفقهاء: فكان الخلفاء. والأمراء والولاة وأبناؤهم يتعلمون الشعر الجاهلي ويرويهم إياه مؤدبوهم، وكان أبناء الشاعر وسلالته وأفراد قبيلته يحفظون شعره وينشدونه في مجالسهم ومحافلهم، ولكن هؤلاء جميعًا لم يكونوا من العلماء المختصين بهذا الضرب من العلم، المنصرفين إليه، المشتغلين به، كما صار شأن العلماء في القرن الثاني. ومع ذلك فإننا نجد، في مثل الأسانيد القليلة التي ذكرناها، أن بعض الشعر الجاهلي يرويه علماء القرن الثاني عن بعض من ذكرناها، من المفسرين والمحدثين والفقهاء، أو أبناء الشاعر وأفراد قبيلته.
فالرواية الأدبية بمعناها العلمي الذي عرفه القرن الثاني لم تكن موجودة -إذا صح ما ذهبنا إليه- قبل زمن أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ومن عاصرهما.
ومن هنا كان هؤلاء هم -في الغالب الأعم- نهاية الإسناد في الرواية الأدبية، يأخذها من جاء بعدهم -على مر العصور- على أنها، في جملتها، صحيحة
стр. 287
موثقة١ لا يسأل عمن أخذها هؤلاء، ولا يجد في انقطاع الإسناد عندهم ما يضعف من هذه الرواية. ومن هنا كان الإسناد في الرواية الأدبية هو القاعدة العامة في القرنين الثالث والرابع، يرتفع حتى يصل إلى هذه الطبقة الأولى من العلماء ثم يقف عندها لا يتجاوزها.
والأمر الثاني منبثق من هذا الأمر الأول. وذلك ما أشرنا إليه فيما تقدم من أن أمر الشعر الجاهلي كان عرضًا من أعراض هذه الدنيا، يرتزقون بروايته وذكر أخباره حينًا، وينتشون بما فيه من إمتاع فني حينًا آخر، يتحلون به في ثقافتهم العامة حينًا ثالثًا، ويتناولونه في جميع هذه الأحوال تناولًا فيه يسر وإسماح.
فلم يكن يتصل بأمور دينهم كما كان يتصل الحديث أو التفسير، ولم يكن يترتب عليه شأن من شئون التشريع أو الفقه، ولذلك وجدنا بعض المحدثين أنفسهم يضيقون بما يأخذون به أنفسهم وما يأخذهم به الناس من أمر الإسناد، والتشدد في رواية الحديث، والتحرج من الإكثار منها وتحري الضبط والدقة لئلا يقولوا على رسول الله ﷺ ما لم يقل فيتبوءوا مقعدهم من النار.
ولا يجد هؤلاء لأنفسهم متنفسًا يتنفسون فيه أرحب وأوسع من رواية الشعر وإنشاده حيث لا حرج ولا إثم. ومن هنا كان التزام الإسناد المرفوع في رواية الحديث، وانقطاع الإسناد في رواية الأدب والشعر.
ومع أننا ذكرنا أن الإسناد في الرواية الأدبية لم يصبح قاعدة ملتزمة إلا في القرنين الثالث والرابع حيث يرتفع الإسناد إلى رجال الطبقة الأولى من علماء القرن الثاني، فإننا مع ذلك، نجد بعض علماء هذين القرنين يضيقون بهذا الإسناد الثاني -على قصره- فالمبرد مثلًا كان يهمل الإسناد حينما يتحدث أو يملي، ويبدو أنه كان مشهورًا بحذف الإسناد حتى قال نفطويه٢: "ما رأيت أحفظ لأخبار
стр. 288
بغير أسانيد من المبرد ومن أبي العباس بن الفرات". ولو رجعنا إلى كتب المبرد أو إلى بعض من نقل عن المبرد لوجدنا أن هذه الصفة واضحة فيه وإن لم تكن عامة ولا غالبة، ففي كتبه إسناد متصل حينًا، ومنقطع حينًا آخر، وفيها حذف للإسناد ونص على هذا الحذف. فإذا ما أخذنا كتابه "الفاضل" مثلًا وجدناه، حينما يحذف الإسناد، يكثر من استعمال صيغة البناء للمفعول من مثل "يُروى١" و"يُروى من غير وجه"٢، و"قيل"٣ و"ذُكر"٤ و"حُدِّثت"٥ وهو أحيانًا يذكر شيخه الذي يروي عنه ثم ينص على حذف الإسناد بعده مثل "وحدثني ابن عائشة عن بعض أشياخه"٦ و"حدثني مسعود بن بشر في إسناد متصل"٧ و"حدثني مسعود بن بشر في إسناد ذكره"٨ و"حدثني الرياشي في إسناد ذكره"٩ و"حدثني الرياشي -ولا أحفظ عمن حدثنيه-"١٠.
وهو لا يهمل الإسناد في الأخبار والشعر حسب، وإنما يفعل ذلك أيضًا في الحديث، فهو يقول مثلًا١١ "يُروى أن رسول الله ﷺ قال" وكذلك "حدثني الرياشي قال: روى لنا أشياخنا أن رسول الله ﷺ ... "١٢ ومن هنا أورد المرزباني عن المبرد قوله١٣: "حدثت في إسناد
стр. 289
متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشامًا ... "
وكان لحذف الإسناد أحيانًا علة يذكرها المؤلف، فمن ذلك أن الصولي حذف الإسناد في "أدب الكتاب" وقال١ "قد ذكرت أن أختصر جميع ما أذكره وألقي أسانيده ليقرب على طالبه ومستفيده إلا ما لا بد منه من ذكر نسبته وإسناده".
وكذلك فعل ابن قتيبة -وإن لم يكن صنيعه هذا في الرواية الأدبية الخالصة- فقد نص على حذف الإسناد في كتابه "تأويل مشكل القرآن" وذكر علة ذلك فقال٢ "ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدمت وأخرت، وضربت لبعض ذلك الأمثال والأشكال حتى يستوي في فهمه السامعون".
وممن حذف الإسناد أيضًا واكتفى بالنص على آخر من روى عنه: أبو علي القالي، فقد ألف كتاب "البارع" في اللغة "فبناه على حروف المعجم، وجمع فيه كتب اللغة، وعزا كل كلمة إلى ناقلها من العلماء، واختصر بالإسناد عنهم"٣.
ولعلنا لا نعدو بالصواب حينما نخلص من كل ذلك إلى أن الإسناد لم يكن حتى في القرنين الثالث والرابع حين شاع وغلب أصلًا ثابتًا من أصول الرواية الأدبية، ولم يكن أساسًا من الأسس التي يُحتكم إليها في الاستشهاد على صحة هذه الرواية كما كان شأنه في رواية الحديث النبوي. فنحن نرى أن العلماء والرواة، في اللغة والشعر والأخبار، كانوا يقدمون بين يدي ما يروون بإسناد متصل إلى الطبقة الأولى من العلماء الرواة حينًا، وبإسناد منقطع حينًا آخر
стр. 290
يكتفون فيه بذكر شيخهم الذي أخذوا عنه هذا العلم، أو يتجاوزون شيخهم وربما شيخ شيخهم، ويقنعون بذكر أول من رُوي عنه هذا الشعر أو ذلك الخبر، مختصرين الإسناد اختصارًا إلى نهايته، ونراهم حينًا ثالثًا يحذفون الإسناد ويهملونه إهمالًا ويلقون بالخبر أو الشعر قائمًا مجردًا. وكان العلماء الرواة من معاصريهم وتلاميذهم يقبلون منهم كل ذلك ويوثقونه: يقبلون إسنادهم المتصل، ويقبلون إسنادهم المنقطع حين يقف عند شيخهم، وحين يهمل حلقة أو حلقتين من هذه السلسلة ويكتفي بأول حلقاتها، ثم يقبلون منهم الخبر وحده من غير إسناد.
فإذا كان ذلك كذلك فما معنى الإسناد إذن؟ والجواب على ذلك مفصل فيما قدمناه عن مجالس العلم وعن التصحيف في فصل سابق. فقد كان العلماء يضعفون من يقتصر في علمه على الأخذ من الصحف من غير أن يلقى العلماء ويأخذ عنهم في مجالس علمهم، ويسمونه صحفيًّا، ومن هنا اشتقوا "التصحيف" وأصله "أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب". فالإسناد في الرواية الأدبية لم يكن، فيما نرى، إلا دفعًا لهذه التهمة، وإلا حجة يقدمها العالم على أنه أخذ علمه من أفواه الشيوخ في مجالس العلم. فإذا ما بلغ هذا العالم من العلم شأوًا بعيدًا، وعرفت منزلته بين العلماء، واشتهر أمر شيوخه وأنه أخذ العلم عن فلان وفلان في مجالسهم وحلقات درسهم فلا عليه بعد ذلك أن يهمل الإسناد، فهو يسند حينًا إسنادًا متصلًا أو إسنادًا منقطعًا، وهو يحذف الإسناد حينًا آخر واثقًا مطمئنًا إلى أن ذلك لن يضيره.
أما إذا كان أمر العالم على غير هذا الوجه، وكان متهمًا بأنه يمنح من ذات نفسه، وأنه لم يأخذ ما يروي عن عالم من شيوخ العلم قبله، فحينذاك يتصدى
стр. 291
له أهل العلم والرواية يطالبونه بالإسناد. حدث المازني قال١ "روى برزخ بن محمد العروضي -وكان معاصرًا لحماد الراوية وجناد وكان متهمًا بالكذب- شعرًا لامرئ القيس، فقال له جناد: عمن رويت هذا؟ قال: عني، وحسبك بي!
فقال له جناد: من هذا أتيت يا غافل".
ولو كان الإسناد أصلًا من أصول الرواية الأدبية -كما هو في رواية الحديث- إذن لوجدنا بين يدي كل خبر وكل بيت من الشعر أو مجموعة من الأبيات إسنادًا ملتزمًا كالإسناد الذي يلتزم بين يدي كل حديث نبوي، ولكان كل سند من هذه الأسانيد الأدبية متصلًا مرفوعًا في الشعر إلى الشاعر الجاهلي أو إلى راويته، وفي الخبر إلى من شهده في الجاهلية، ولوجدنا بعد ذلك كتبًا يعنى فيها أصحابها بتخريج الشعر الجاهلي من طرقه المختلفة، ثم لوجدنا كتبًا في تعديل رواة الأدب وتجريحهم كما هو الشأن عند أصحاب الحديث.
ولك ذلك لا نجده فيما بين أيدينا، فأكثر الشعر الجاهلي في كتب الأدب العامة وبعض الدواوين غير مسند، وأما المسند منه فأقصى ما يصل إليه إسناده هم الطبقة الأولى من العلماء الرواة في منتصف القرن الثاني، وبعضه لا يرقى إلا إلى الطبقة الثانية، وأحيانًا إلى الطبقة الثالثة من علماء مطلع القرن الثالث ونهايته. وليس بين أيدينا كتاب واحد لتخريج الشعر الجاهلي من طرقه المختلفة، ولا كتاب واحد للجرح والتعديل في رواة الأدب، ولا ينقض هذا القول ما نجده في بعض معاجم الرجال وطبقات الأدباء واللغويين والنحويين، فهي كتب في التاريخ الأدبي العام، تترجم للعالم أو الراوية ترجمة عمادها السرد والقصص من غير توجيه لهذا السرد أو لتلك القصص لتدل على حكم خاص في توثيق المترجم له أو تضعيفه، إلا في القليل النادر حيث نجد الاتهام بالكذب أو الوضع يلقى إلقاءً مجردًا من البينة والدليل، بل لا يكاد ينتهي المؤلف من إلقاء اتهامه حتى
стр. 292
يتبعه بقصة أخرى أو رأي آخر فيهما توثيق وتعديل. وسنبين في فصل مقبل -عند حديثنا عن النحل- أن كثيرًا من التجريح والتضعيف والاتهام بالكذب والوضع إنما كان مصدره خصومات شخصية أو خلافات مدرسية ومذهبية لا نصيب لها من التحقيق العلمي الذي يطمأن إليه. وقد يكون أمر الجرح والتعديل في رجال الحديث قد جرى على ما بيناه من أمر الجرح والتعديل في رواة الأدب، غير أننا نقصر حديثنا هنا على الرواية الأدبية وحدها ولا سبيل إلى توسيع البحث في الحديث عن غيرها.
فليس للرواية الأدبية إذن علم للسند ونقده، بل ليس للرواية الأدبية سند كالسند الذي عرفه الحديث النبوي، وقصارى السند في الأدب -حين يوجد- أن يكون دليلًا على أن الراوية قد لقي العلماء وأخذ علمه من أفواههم في مجالس العلم ولم ينقله من صحيفة.
غير أن لكل إطلاق تقييدًا، وتقييد هذا الإطلاق، الذي قدمناه، في بعض دواوين الشعر. ولكنه تقييد لا يكاد يقيد، بل إنه ليزيدنا اطمئنانًا إلى ما قدمنا من إطلاق. وتفصيل ذلك أن حديثنا السابق كان منصبًّا على ما في كتب الأدب العامة من أدب الجاهلية: شعرها وأخبارها. ولكن ثمة دواوين للشعر الجاهلي جمعها بعض علماء الطبقة الأولى من الرواة ودونوها، ثم أخذها عنهم تلاميذهم من علماء الطبقة الثانية ودونوها رواية عنهم، وأضافوا إليها بعض ما سمعوه من هؤلاء الشيوخ: من تفسير لغريبها، أو شرح لأبياتها، أو ذكر مفصل لما تعرض له من حوادث وإشارات تاريخية. ثم جاء رجال الطبقة الثالثة من العلماء والرواة فأخذوا هذه الدواوين -التي جمعها رجال الطبقة الأولى- عن علماء الطبقة الثانية، وأضافوا إليها أيضًا ما سمعوه من هؤلاء العلماء من شرح وتفسير وبيان تاريخي. وقد بقيت بعض هذه الدواوين حتى وصلت إلينا، وفي صدر بعضها سند يبدأ بعالم راوية في القرن الرابع أو أواخر القرن الثالث وينتهي بعالم من رجال الطبقة الأولى. وقد يكون الديوان خليطًًا من روايات عدة
стр. 293
جمعها لنا العالم الأخير بعد أن رواها عن شيوخ مختلفين، كل شيخ منهم رواها عن شيخ أو شيوخ سابقين، أو قد يكون الديوان كله رواية واحدة من حيث الشعر ولكن شرحه وتفسير غريبه مروي عن شيوخ متعددين، ويكون العالم الراوية الذي جمع لنا كل ذلك حريصًا على أن يسند كل قصيدة إلى راويها الأصلي، وأحيانًا ينص على ما فيها من أبيات تفرد بروايتها راوٍ دون آخر، مما سنعرض له بالبيان في الفصول التي سنعقدها عن الدواوين في آخر الكتاب.
стр. 294
الباب الرابع: الشك في الشعر الجاهلي-الوضع والنحل
الفصل الأول: المشكلة الهومرية
مدخل
...
الفصل الأول: المشكلة الهومرية
-١-
الشك في الأدب القديم، الذي أنشأته الأمم في جاهليتها وبداوتها، ظاهرة لا تقتصر على الشعر العربي وحده، ولكنها عامة تكاد تشمل الأدب القديم كله عند جميع الأمم التي كان لها أدب معروف مدروس. ولعل خير ما نمهد به بين يدي بحثنا هذا عن النحل والوضع في الشعر العربي الجاهلي أن نعرض في إيجاز الملامح الأساسية لجهود الدارسين الأوربيين الذين عنوا بدراسة الشعر الإغريقي القديم، وخاصة هومر وملحمتيه. ولسنا، في هذه الدراسة المقارنة، بدعًا بين الدارسين، فقد لجأ إليها الأوربيون أنفسهم حين تعرضوا لدراسة الشعر الإغريقي وهومر، وحاولوا أن يتلمسوا في آداب الأمم الأخرى ما يعينهم على المضي في سبيلهم وينير لهم بعض دياجيها١. فنراهم يبحثون في شعر الأمم البدائية ونشأته وطرق حفظه وروايته، ويوازنون بين ملحمتي هومر والملحمتين السنسكريتيتين: المهابهارتا والرامايانا من جانب، والقصائد والأغاني الشعبية في العصور الوسطى عند الأمم الأوربية نفسها من جانب آخر، ثم يوازنون آخر الأمر بين ملحمتي هومر والملاحم الأوربية التي نظمت في عصور أكثر حضارة
стр. 295
وأوفر علمًا من عصر الإلياذة والأوديسة من مثل إنيادة فرجيل، والفردوس المفقود لملتون، من جانب ثالث.
ولم يعتسف جلة هؤلاء الدارسين سبيل تلك الموازنات اعتسافًا، وإنما صدروا عن بينة، وأقدموا على بصيرة، ومضوا يقظين متنبهين، مدركين أنهم بهذه الموازنات لا يصح أن ينخدعوا بالمشابه الظاهرة والوشائج الواضحة، بل لا بد لهم من أن يتنبهوا لوجوه الخلاف ومناحي الافتراق. فهم يوضحون، فيما يوضحون، الخلاف بين ملحمتي هومر والملحمتين الهنديتين في الوحدة والاتساق اللذين ينتظمان الأوليين ويفتقدان في الأخريين، والخلاف بين ملحمتي هومر والأغاني الشعبية في الخطة والنسق والنظام، والخلاف بينهما وبين الملاحم التالية في مظاهر العصر وما يتبع هذه المظاهر من مصادر علمية وفنية نهل منها شعراء الملاحم التالية وتأثروا بها، ولم ينل منها ناظم الإلياذة والأودية نصيبًا. وهؤلاء الدارسون يرتبون على هذا الخلاف والافتراق من النتائج ما يعصمهم في أحيان كثيرة من الانخداع بما للتشابه الظاهري من بريق مُغرٍ. ومع هذه الحيطة والحذر البالغين نرى دارسًا من ثقات المتخصصين في دراسة هومر لعهدنا هذا، هو الأستاذ سيسيل موريس باورا، يعتذر لنفسه بقوله١: "إن المقابلة واستخراج وجوه الشبه بين الأشياء وسيلة موحية ملهمة ولكنها خادعة مضللة، وأنا مدرك أنها قد تكون خدعتني وضللتني".
وبعد، فسأعرض في هذه الصفحات بعض وجوه الشبه بين الشعر العربي الجاهلي والشعر الإغريقي القديم، وسأخلص من هذا العرض الموجز إلى الحديث عن ثلاث نقاط تتصل اتصالًا وثيقًا بما قدمت وما سأقدم من حديث عن الشعر الجاهلي ومصادره. أولاها: من نظم الإلياذة والأوديسة وصحة نسبتهما إلى هومر؟ والثانية: وسيلة حفظ الشعر الهومري، أكانت الرواية الشفهية أم الكتابة؟
стр. 296
والثالثة: المدارس اللغوية القديمة التي درست شعر هومر ونقدته بعد أن جمعته ودونته.
أما التشابه بين الشعر الجاهلي والشعر الإغريقي، في ملامحهما العامة وأوائل تطورهما ووسائل تحملهما وتاريخ العناية بهما ودراستهما عند القدماء، فتشابه قد اتضحت صورته في نفسي منذ أن اتصلت، شيئًا ما، بالشعر الإغريقي وتتبعت قدرًا صالحًا مما كتبه الدارسون عنه. وأراني في حل من بسط القول بسطًا يستقصي الأمور ويلم أطرافها ويحتاط لمزالقها في هذا الموضوع، ما دمت سأعرض للأمر من أصوله العامة وأتجنب الخوض في فروعه ودقائقه، وما دمت متخذًا من هذا التشابه مدخلًا لبيان النقاط الثلاثة التي ذكرتها دون تحميله من النتائج ما يتجاوز ذلك.
١- فالشعر الجاهلي وشعر هومر هما أقدم شعر وصل إلينا من العرب والإغريق، وهما -على ذلك- ليسا أول شعر قالته هاتان الأمتان؛ بل لقد سبقتهما مراحل تطور فيها الشعر حتى استوى في هذه الصورة التي وصلت إلينا. غير أن هذا الشعر المبكر عند العرب واليونان معًا قد ضاع ولم يحفظ لنا منه شيء قائم بنفسه منفصل عن غيره. ومع ذلك فإننا نستطيع أن نعرف وجود هذه المراحل السابقة من أمرين، أولهما: أن هذه الصور الشعرية التي وصلت إلينا صور فنية كاملة، متسقة، تامة التكوين، سوية البناء، ثابتة الأسس، حتى لقد أصبحت، بعد، نماذج فنية تحاكى وتحتذى ويتحذ منها عمود للشعر يحرص على التزامه شعراء العصور التالية في البيئات المتعددة التي صارت أزهى حضارة وأرقى ثقافة وأغزر معرفة. وليس يصح في الأفهام أن تنبت هذه الصورة الكاملة السوية من العدم، أو تقوم من الفراغ، أو تولد فجأة يافعة تامة التكوين. وثانيهما: أن في كلا الشعرين إشارات واضحة حينًا ومبهمة أحيانًا إلى شعراء سابقين لا نكاد نعرف عنهم شيئًا١.
стр. 297
٢- والشبه كبير بين الشعرين العربي الجاهلي والهومري في الصفات العامة للتعبير الشعري، فهما يتسمان بالنضارة والغضارة والبساطة، وبالفتنة التي نعزوها إلى "طفولة العالم" عند اليونان، و"سذاجة البداوة" عند العرب. ومع ذلك فما أشبه الشعر الجاهلي العربي بالشعر الهومري الذي "تعالى عن خشونة الشكل، وتجنب الصراع الناشب بين المعنى واللفظ، وارتفع عن الحوشي المبتذل من أساليب القول، واستطاع أن يحتفظ بمستواه الرفيع حفظًا متزنًا، وبذلك تجنب هذه الخصائص التي يتصف بها الأدب في عصره البدائي. وهذه الميزات العامة هي التي يصفها ماثيو أرنولد -في محاضراته الممتازة عن ترجمة هومر- حيث يقول: إن لأسلوب هومر أربع مزايا كبرى: فهو منساب متدفق، سهل ميسور في فكرته، واضح في خياله، ونبيل سامٍ"١.
٣- ولقد اختلف العلماء من دارسي الأدب في تدوين هذين الشعرين:
الجاهلي العربي والهومري الإغريقي. فذهب فريق منهم إلى أنهما لم يكتبا منذ أن نُظما، بل بقيا محفوظين في صدور الرجال ترويهما الأجيال المتعاقبة وينشدهما الأفراد في المجالس والمحافل قرونًا طوالًا قاربت الثلاثة عند العرب وأربت على ذلك عند الإغريق. وذهب فريق آخر منهم إلى أن هذا الشعر قد كتب منذ أن قاله شعراء العرب في الجاهلية وهومر عند اليونان. أما تفصيل هذا الأمر عند العرب فقد بسطنا فيه القول في الفصول المتقدمة وسنعود إليه في مواطن متفرقة فيما سيلقانا من صفحات. وأما تفصيله عند اليونان فهو ما سنوضحه بعد قليل.
стр. 298
٤- والشعران الجاهلي العربي والهومري مصدران تاريخيان من مصادر الحياة الجاهلية عند هاتين الأمتين؛ بل ربما كانا -حتى الآن- المصدرين الأساسيين اللذين يعتمد الدارس عليهما في فهم هذه الحياة -في كثير من جوانبها- فهمًا متصلًا متسقًا. وجل الأخبار التاريخية والأدبية التي نقلها الرواة إنما كانت تدور حول هذا الشعر: تفسره وتشرح ما يتضمنه من حوادث، وتترجم لمن يشير إليه من أشخاص. وقد لجأ القدامى أنفسهم إلى الشعر العربي الجاهلي يستنطقونه ويستنبطون منه توضيح بعض جوانب الحياة في الجاهلية، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما فعله ابن قتيبة في كتابه "الميسر والقداح"، وما فعله أبو طالب المفضل بن سلمة في كتابه "الملاهي وأسماؤها". وأما الشعر الهومري فهو أيضًا أو سجل يعرض صورة واضحة نابضة بالحياة للحضارة الآرية، ولقد كادت فترة طويلة من الحياة الهيلينية المبكرة تكون لولاه نسيًا منسيًّا، ولكنها الآن بفضله تبدو متصلة بالعصر الهيليني التالي في نسف متدرج مستمر١.
٥- وكان الفضل الأول، في جمع الشعرين الجاهلي العربي والهومري وتدوينهما ونقدهما، لمدرستين لغويتين أدبيتين؛ قامت أولاهما في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، فجمعت ما استطاعت العثور عليه من مخطوطات الإلياذة والأوديسة، وقابلت بينها، وأثبتت القراءات المختلفة للنص الشعري، وعلقت عليه كثيرًا من التعليقات والشروح، ثم تابعتها بعد ذلك مدينة برجامس.
وقامت ثانيتهما في البصرة والكوفة منذ منتصف القرن الثاني الهجري، فصنعت بالشعر الجاهلي صنيع أختها بالشعر الهومري. وعلى ما أرسته هاتان المدرستان من أسس، ووضعته من قواعد، قام البناء الشامخ لدراسة الشعر الهومري والشعر الجاهلي العربي بعد ذلك.
٦- ولم يقتصر عمل هاتين المدرستين على الجمع والتدوين والشرح والتعليق.
стр. 299
وإنما تعدى ذلك كله إلى النقد الدقيق القائم على الفهم العميق لطبيعة كل من الشعرين واستشفاف روح، والتنبه لما تسرب إليه من دخيل منحول وزائف مصنوع. ونبتت في نقد هاتين المدرستين ويقظتهما الواعية الجذور الأول التي أخذت تنمو وتعمق حتى بلغت مداها في القرن الثامن عشر عند الألمان، واكتملت صورتها عند ولف في كتابه "المقدمة Prolegomena"، ونشأ منها ما يعرف في النقد الحديث "بالمشكلة الهومرية Homeric Question"؛ وتأثرها -فيما يبدو- دارسو الشعر الجاهلي من المحدثين، معتمدين على ما تنبه له القدامى من مدرسة البصرة والكوفة، فقامت عندهم منذ مطلع القرن العشرين مشكلة أخرى عُرِفت باسم "نحل الشعر الجاهلي"، بدأها المستشرق الإنجليزي مرجليوث، واكتملت صورتها عند الأستاذ الدكتور طه حسين. وسنعود بعد قليل إلى بسط الحديث في هاتين النقطتين الأخيرتين.
أو ليس إذن من المفيد حقًّا -بعد أن عرضنا هذه الوجوه الكثيرة للتشابه القريب بين الشعرين- أن نستبين جهود الدارسين من العلماء الأوربيين الذين بحثوا في الشعر الهومري؟ وأن نعرف، على وجه التخصيص، ما وصلوا إليه من أمر النقاط الثلاث التي قدمنا الإشارة إليها، وهي: مَنْ نظم الإلياذة والأوديسة وصحة نسبتهما إلى هومر؛ ووسيلة حفظ الشعر الهومري: أكانت الرواية الشفهية أم الكتابة؛ ثم المدارس اللغوية القديمة التي درست شعر هومر ونقدته بعد أن جمعته ودونته؟
-٢-
أما من الذي نظم الملحمتين الهومريتين١ فموضوع لم يصل الدارسون له،
стр. 300
برغم ما بذلوا من جهد خصب، إلى نتيجة يستقرون عندها، ويبدو أنهم لن يصلوا مهما يبذلوا من جهد، وستبقى الآراء مختلفة متشعبة لا تتوحد ولا تكاد، وستظل الأدلة التي يقدمها الدارسون افتراضية ترجيحية لا ترقى إلى مرتبة القطع واليقين. وتدور هذه الآراء حول عدة افتراضات؛ منها:
أ- وحدة التأليف:
فقد ظل الدارسون قرونًا طوالًا يعتقدون اعتقادًا لا شك فيه بوجود شاعر اسمه هومر، وأنه هو الذي نظم الإلياذة والأوديسة لا ينازعه في نسبتهما إليه منازع. ولم يكن اليونان وحدهم في القرون الخمسة التي سبقت الميلاد -وهي القرون التي وصلتنا منها آثار أدبية مكتوبة- يذهبون مثل هذا المذهب، بل شاركهم فيه الدارسون بعد الميلاد قرونًا طويلة حتى القرن الثامن عشر الميلادي. ومع هذا فقد كانت شخصية هومر عندهم غائمة تغشيها أساطير متضاربة١. وحقًّا قد وجد نفر قليل من الشاكين غير أن أثرهم كان ضئيلًا محدودًا ولم يتبعهم أحد. وكل ما نعرفه عن هؤلاء الشاكين إشارات عابرة إلى آرائهم موجودة في حواشي نسخة البندقية من الإلياذة Codex Venetus؛ ويستخلص من هذه الإشارات العابرة إلى آرائهم أنهم كانوا يذهبون إلى أن القصيدتين من نظم شعراء مختلفين وفي عهود متعاقبة. ولكن الرأي السابق هو الرأي العرفي التقليدي الذي كان سائدًا عامًّا، حتى إن سويداس Suidas في نحو سنة ١١٠٠م كان لا يزال يرى أن الإلياذة والأوديسة نظمهما هومر دون نزاع؛ بل إن بنتلي Bentley في مطلع القرن الثامن عشر كان يذهب إلى أن شاعرًا كان يسمى هومر عاش في نحو ١٠٥٠ ق. م كتب الإلياذة والأوديسة كلتيهما٢.
والحق أن فكرة وجود شاعر واحد تاريخي اسمه هومر نظم الإلياذة قد بقيت
стр. 301
خلال العصور على الرغم من أبحاث الناقدين المتشككين. فنحن نجد عالمًا معاصرًا في القرن العشرين من الثقات المختصين بهومر والشعر الإغريقي يذهب هذا المذهب فيقول١: "ويبدو من المحتمل أنه كان ثمة شاعر مفرد اسمه هومر صاغ الإلياذة في صورتها النهائية الأخيرة ووحدتها الفنية، ولكنه كان يعمل وفاقًا لأسلوب موروث متواضع عليه ومادة تتناقل وتتوارث". ويقول في موطن آخر من كتابه٢: "غير أننا إذ ندعي أن تقسيم الإلياذة إلى نتاج مؤلفين مختلفين أمر مستحيل سنتخذ الأدلة التي عثر عليها النقاد لهدف مختلف عن ذلك كل الاختلاف، هو: تفسير بعض الخصائص الواضحة على أساس افتراضنا أنها جميعها ترجع إلى شاعر فرد يستخدم موضوعات ومواد جاهزة بأسلوب وطريقة يمليها التراث الموروث الذي أصبح هو وريثه". ثم يقول بعد صفحات٣: "لقد نمت الإلياذة وربما كان نموها وفقًا للخطوط التي بيناها في هذا الكتاب. وكان من الجائز أن ينتهي مثل هذا التطور والنمو إلى فوضى واضطراب، كما حدث في المهابهارتا، لو تعهدته يد غير صناع، ولكن الملحمة في زيونيا كانت أسعد حظًّا، فقد وجدت في هومر شاعرًا له من الموهبة ما جعله يتناول المواد الموروثة ويجعلها ملكه، فوسعها وطورها، وأضفى عليها تفردًا في الأسلوب والفكرة، فحول المواد المتضاربة إلى قصيدة واحدة، وقد بلغ عمله من النجاح مرتبة عالية بحيث انتهت حقًّا الملحمة الإغريقية بها. وقد نظم بعده بمدةٍ طويلة شعراء آخرون ملاحم، ولكنهم صاغوا على منواله، وكان هو الذي ثبت أسلوبهم وأرسى قواعده، فعمله بعيد عن أن يكون جمعًا. لقد استخدم المناهج والقصص المتوارثة ولكنه أخضعها لغايته الفنية، وفرض شخصيته الخاصة عليها، وكانت نتيجة ذلك الإلياذة".
стр. 302
"ب وجـ" ثنائية التأليف وتعدد التأليف:
وقد آثرنا أن نجمع هذين الافتراضين معًا لتداخلهما وتشابكهما وصعوبة الفصل بينهما كما سيبدو بعد قليل. لقد ذكرنا آنفًا أنه كانت ثمة نظريتان عن القصيدتين الهومريتين، ولكن إحداهما كانت قد اندثرت في الواقع، فسادت النظرية التقليدية بلا منازع خلال العصور حتى القرن الثامن عشر الميلادي، حينما قام فردريك أوغست ولف F.A. Wolf في ألمانيا ودرس القصيدتين دراسة نقدية دقيقة، وأخرج سنة ١٧٩٥ كتابه "المقدمة prolegomena"١ عرض فيه نظريته الشهيرة٢. وبالرغم من منزلة ولف في عالم الدراسات القديمة الكلاسيكية، وبالرغم من شهرة نظريته وذيوع صيتها، فقد ذهب العلماء في فهمها ودرسها مذاهب مختلفة، بل إن تلامذة ولف حين أخذوا يوسعون نظريته ويفصلون ما أجمل، اختلفوا فيما بينهم وسلكوا طريقين متباينين بل طرائق متعددة. فالدكتور ر. س. جب يورد لنا الأسس التي حاكم عيها ولف القصيدتين، ثم يصف لنا هذه النظرية بقوله٣: "ومع ذلك فقد كان ولف أبعد ما يكون عن إنكار وجود شخص هومر، فهو يفرض أن شاعرًا ذا موهبة ممتازة، ويسميه في أكثر الأحيان هومر، "بدأ نسج القماش واستمر فيه إلى أمد معلوم"، بل ذهب إلى أكثر من ذلك حينما قال: "نسج هومر القسم الأكبر" من الأغاني التي جمعت بعد في الإلياذة والأوديسة. هذا ما قاله ولف في كتابه المقدمة بل لقد قال هذا القول في صورة أوكد في مقدمة طبعته للإلياذة التي طبعت في نحو الوقت نفسه. قال: "لا ريب
стр. 303
أن النسج قد بدئ به في الإلياذة والأوديسة على السواء، وقد استمر في ذلك إلى أمد معين، وقام بذلك الشاعر الذي فكر في هذا الأمر ابتداءً. وقد يكون من المستحيل أن نبين، ولو بالفرض الممكن، الحدود الدقيقة التي تبدأ عندها الخيوط الجديدة والزيادات الدخيلة؛ ولكن هذا سيثبت على الأقل -إن لم يجانبني الصواب- أنه لا بد لنا من أن ننسب إلى هومر وحده القسم الأكبر من الأغاني، وأن ننسب الباقي إلى جماعة الهومريين الذين اقتفوا أثره".
بينما نجد الدكتور وليم د. جديس william D.Geddes يصف لنا نظرية ولف وصفًا يُفْهَم منه ما يختلف عن وصف جب، قال جديس١: "أثار ولف أولًا هذا السؤال: أهومر واحد أو حتى هومران اثنان كافيان لخلق القصيدتين الهومريتين؟ أو لسنا بحاجة إلى مجموعة من الهومريين ننسب إليهم قصيدتين في مثل هذا الاتساع في عصر بدائي؟ ومن هنا قدم نظريته الشهيرة في "المقدمة" وهي أن هومر لم يكن شاعرًا واحدًا، كما يرى العرفيون أو التقليديون، ولم يكن كذلك شاعرين اثنين، ولكنه كان اسمًا تاريخيًّا يطلق للدلالة على الجهد أو النشاط الشعري في العصر الملحمي المبكر، ويشمل مجموعة من الشعراء لا شاعرًا فردًا".
ومن هنا نستطيع أن نستبين صدق وصف جب لنظرية ولف بالمرونة في قوله٢: "إن الأثر الدائم لعمل ولف لا يعود إلى القوة التي صيغت بها نظريته حسب، بل أيضًا إلى مهارته في الهروب من جعلها دقيقة محكمة. إن إحساسه الأدبي الذي أدرك المزايا الداخلية التي جعلت كل ملحمة وحدة عامة، خفف من حدة استخدامه للأدلة والمناقشات الخارجية. فهو لم يحاول أن يحدد تحديدًا دقيقًا القدر الذي نظمه الشاعر الأصلي، وأين يبدأ عمل الشعراء
стр. 304
الآخرين، وكيف يختلفون. ومن هنا كانت لفظة "الولفية" مرنة مطاطة تشتمل على ظلال آراء مختلفة متعددة. لقد طُبقت أحيانًا في أضيق الآماد، وأحيانًا أخرى في أوسعها وأرحبها. إن النظرية الولفية الخاصة المميزة لا تعدو أن تكون ما يأتي: إن القصائد الهومرية جمعت، في بداية العصر الأدبي عند الإغريق، من أغانٍ وأناشيدَ قصيرةٍ غير مكتوبة تحدرت من عهد بدائي. أما كم من هذه الأغاني القصيرة نحس أنها من نظم شاعر واحد فأمر ثانوي فرعي. إن رأي ولف، كما رأينا، هو أن الشاعر الذي بدأ مجموعة الأغاني قد نظم أكثرها أيضًا، وأن الشعراء التالين له واصلوا السير في حدود الخطوط العامة لعمله". ثم يقول جب: "لقد اتجهت التطورات الأصيلة لنظرية ولف في اتجاهين عامين:
أحدهما إظهار أثر الشاعر الأول من مجموعة الشعراء أقل مما صوره ولف، ويمثل هذا الاتجاه لاخمان Lachmann. وأما الثاني فإظهار أثره أقوى وأشد، ويمثل هذا الاتجاه هرمان Hermann".
أما لاخمان فقد "قسم الإلياذة إلى ثماني عشرة أغنية منفصلة. ويشيع في نفوسنا الشك، ويوحي إلينا أنها تعزَى إلى ثمانية عشر ناظمًا. وأيًّا كان الأمر فهو يرى أن كل واحدة من هذه الأغاني كانت في أصلها مستقلة استقلالًا ما عن الأخريات. وميزانه الرئيسي هو تناقض التفصيلات والجزئيات ... ثم يؤكد أيضًا أن كثيرًا من الأغاني تختلف اختلافًا كاملًا في روحها العامة".
وأما هرمان فقد طور نظرية ولف بما يتفق مع روح ولف. ويدرك هرمان صعوبة واحدة تركها ولف غير مفسرة، فقد قال ولف: "إن نسج القماش الهومري قد بدأه الشاعر الأول الرئيسي الذي واصله إلى حد معلوم، ثم أتمه آخرون". ولكن لماذا لم يواصلوه إلا في هذه الحدود الضيقة؟ ولماذا حصروا أنفسهم في نطاق أيام معدودات من حصار طروادة؟ ولماذا لم يغنوا لعودة بطل آخر غير أوديسوس؟ يجيب هرمان عن ذلك بقوله: لأن الشاعر البدائي العظيم "هومر" لم يكتف بأن يواصل نسج الخيط إلى حد معلوم، بل رسم التخطيط العام
стр. 305
لإلياذتنا والتخطيط العام لأوديستنا، مستخدمًا المواد الأولى أوسع استخدام.
ولم يكن عمل التالين أن يواصلوا نسج خيط في النسيج، بل أن يتموا التخطيط داخل نطاق ثابت معلوم.
فنحن نرى إذن أن الفكرة الأساسية التي شاعت عند ولف والمولفيين الحقيقيين مثل لاخمان وهرمان هي أن هومر كان شاعرًا بدائيًّا نظم أغاني قصيرة غير مكتوبة ذات وحدة مترابطة، ولكنها لم تبلغ منزلة الملحمة الكاملة، حتى جاء بعده من أتمها وأوصلها إلى منزلة الملحمة. وقد كان لهذه النظرية رد فعل، فقام من العلماء الدارسين من ذهب مذهبًا يختلف في جوهره عن مذهب ولف وتلاميذه، وهو يعتمد في أساسه على أن هومرليس مغنيًا بدائيًّا وإنما هو ذلك الفنان الشاعر العظيم الذي جاء بعد عهد الأغاني القصيرة فصاغ ملحمة ذات آماد واسعة، فهو بذلك منشئ ما يسمَّى بـ Epopee. وسنشير إلى ثلاثة ممن ذهبوا هذا المذهب في جوهره وإن اختلفوا في بعض أجزائه. أولهم١: نيتش G.W. Nitzsch وهو يرى أن قصائد Cyclic Epics التي انحدرت إلينا من القرنين السابع والثامن قبل الميلاد توحي بأن الإلياذة والأوديسة بمعالمهما الحاضرة وصورتهما قد سبقتا هذه القصائد، وأن هذه القصائد قصد منها أن تكون ملاحق أو مقدمات تمهيدية للقصيدتين الهومريتين. ويقول نيتش عن هومر: "إنني أعني بهومر ذلك الرجل الذي ارتقى بتلك الأغاني القصيرة المتعددة التي نظمها الشعراء المغنون القدامى عن الحرب الطروادية، وصاغ الإلياذة التي كانت في أصلها تتحدث عن "مجلس زيوس" حسب فجعلها الإلياذة التي نعرفها والتي تقص قصة "غضب أخيل" وهكذا يرى نيتش أن هومر شاعر قديم جدًّا، وهو جدير بأن تؤرخ به بداية عصر. وأنه وجد عددًا من الأغاني القصيرة عن طروادة، فأتم عملًا ذا صبغة جديدة، وذلك بأن أقام -مستعينًا بهذه الأغاني- ملحمة كبيرة تقص غضب أخيل. وقد حدثت بعد ذلك تغييرات ومنحولات
стр. 306
فرعية، غير أن الإلياذة التي نعرفها في أغلبها نظم شاعر واحد، والأوديسة التي نعرفها ربما نظمها الشاعر نفسه؛ وأن هاتين القصيدتين قد استقرت صورتهما الحاضرة -في جوهرها- قبل سنة ٨٠٠ ق. م بزمن غير قصير.
وثانيهم: جروت Grote وهو متفق مع نيتش في جوهر رأيه القائم على أن هومر ينتمي إلى الطور الثاني من أطوار الشعر البطولي لا إلى الطور الأول، أي أنه ناظم ملحمة كبيرة لا قصائد بدائية ذات أغان قصيرة. غير أنه يرى أن الإلياذة التي بين أيدينا خرجت عن نطاق القصيدة الكبيرة كما نظمت في الأصل وزادت عليه. لقد كانت تلك القصيدة الأولى عن غضب أخيل، ولذلك فقد كانت أخيلية An Achilleid، ثم عمد شاعر آخر أو شعراء إلى تحويلها إلى قصيدة تقص قصة الحرب الطروادية عامة، فصارت الإلياذة. لقد أضفت إليها قصائد غنائية كاملة لا علاقة لها بالأخيلية الصرفة ولكنها تعترضها أو تطيلها.
والثالث: جديس William D. Geddes وقد ألف كتابًا١ "يشتمل على بحث واسع شامل في قصيدتي هومر العظيمتين، والهدف منه أن نوضح، من الأدلة والبراهين الداخلية وحدها، علاقة كل من القصيدتين بالأخرى وترابطهما إن استطعنا". ثم يقول جديس: "وقد انتهى بي البحث -بطريق الأدلة وحدها غير متحيز لآراء سابقة- إلى أن أقبل رأي جروت Grote في بناء الإلياذة المركب "الثنائي"، فهو الرأي العلمي الوحيد الذي ينال قبولًا. ففي تلك القصيدة تأليف مزدوج "ثنائي"، والأخيلية Achilleid في الإلياذة هي النواة، وقد نظمها شاعر آخر غير الشاعر الذي نظم القشور التي تحيط بها، وأعتقد أن الحقائق تشير إلى هذا الرأي في وضوح وبيان. وإني أبيح لنفسي أن أزعم أني قد قدمت أدلة جديدة تثبت صحة رأي جروت ونفاذ بصيرته في النقد. وقد تتبعت هذا الموضوع بعد المرحلة الابتدائية التي خلفه فيها جروت، ووجدت اتصالًا
стр. 307
وثيقًا بين الأوديسة والأجزاء غير الأخيلية من الإلياذة، ووجدت أن الأدلة تتجه اتجاهًا ملحوظًا إلى ربطهما كليهما بهومر الواحد الشخصي الذي تذكره الروايات.
وربما كان خير ما نعقب به على هذه الآراء المتباينة والنظريات المتضاربة ما أورده جديس نفسه في كتابه بعد أن عرض وجوه الرأي المختلفة قال١:
"يبدو لنا من هذا العرض العام للميدان أن معركة النقد كانت سجالًا، وما زالت الجيوش في المعسكرات عاجزة عن استدراج خصومهم من خنادقهم. فنحن نرى، من جانب، صفًّا من النقاد يدعون وحدة التأليف، ويرون أن الاختلافات والفروق إنما هي شكلية خارجية عارضة يسهل تفسيرها وإرجاعها إلى وسيلة النقل والرواية، وهي لذلك ليست جوهرية. ونرى، من جانب آخر، صفًّا معاديًا من النقاد مساوين لخصومهم في العلم والحذق، وأكثرهم في ألمانيا، يتجهون إلى تعدد التأليف، فكل قصيدة -كما يرون- مجموعة ملفقة ليس فيها ترابط أصيل، فالفروق والاختلافات إذن جوهرية لا يمكن اجتنابها. وفي مكان سُوى بين هذين، وتحت وابل رصاصهما كليهما، يقف صف مشرد ضال شيئًا ما، هو صف الانفصاليين الذين يرون أن كل قصيدة مفردة ذات وحدة ولها ناظم غير ناظم الأخرى. والداعون إلى الوحدة في الأصل والتأليف يعارضون الولفيين الداعين إلى تعدد الأصل والتأليف، بينما يتلقى الداعون إلى ازدواج الأصل والتأليف "الثنائية" الهجوم منهما كليهما ... وكلما مضى المرء في تتبع دراسات العلماء عن القصيدتين الهومريتين، وأمعن في الغوص في أعماق أجزاء الدراسة وتفصيلاتها، لم يسعه إلا أن يتذكر رأي سنيكا seneca الذي أعلنه منذ عشرين قرنًا حين رأى النقاد يتدارسون هاتين القصيدتين ويبحثون أصلهما وتأليفهما، فقد كان يرى أن هذه الدراسة أمر يتطلب حذقًا ومهارة ولكنه حذق غير منتج ومهارة غير مجدية٢.
стр. 308
-٣-
وسيلة حفظ الشعر الهومري: الرواية الشفهية أم الكتابة؟
وقد اختلف الدارسون في هذا الموضوع كما اختلفوا في سابقه، وإن كانت شقة الخلاف هنا بطبيعتها أضيق. فقد ذهب بعضهم إلى أن القصيدتين الهومريتين لم تدونا إلا بعد نظمهما بقرون طويلة، بينما ذهب فريق آخر إلى أنهما دونتا منذ أن نظمتا. فمن الفريق الأول: يوسيفوس Josephus -في القرن الأول الميلادي- وهو أقدم من نعرف ممن ذهب هذا المذهب فقد قال١: "لا يمكن أن يكون الإغريق قد عرفوا في حرب طروادة هذا الاستعمال الحديث للكتابة الهجائية. ولم يكن للإغريق أدب قبل هومر، وهومر عاش بعد الحرب.
ويقولون إنه حتى هومر نفسه لم يدون شعره كتابة، ولكن هذا الشعر كان ينتقل بالرواية الشفهية، ثم جمع جمعًا من الأغاني المبعثرة؛ ومن هنا نشأت هذه الفروق التي تبدو لنا".
ومن هذا الفريق أيضًا روبرت وود٢ Robert Wood -في القرن الثامن عشر- وله كتاب: Essay on the Original Genius Of Homer. وقد بحث في أحد فصول كتابة هذا معرفة هومر للكتابة. وقد خلص من بحثه إلى أنه لم يكن يعرفها. ووود هو أول من بحث هذا الموضوع بحثًا نقديًّا. وقد قرأ ولف في عهد طلبه العلم في جوتنجن مقال وود، وهو يشير إليه في مقدمته التمهيدية prolegomena مثنيًا عليه. وكان لهذا المقال أكبر الأثر في ولف، بل لقد صار رأي وود في الكتابة مفتاح نظرية ولف.
стр. 309
وثالث هذه الفريق هو رأس النقاد: ولف F.A. Wolf. "المولود سنة ١٧٥٩"١
فقد ذهب في كتابه "المقدمة" إلى أن القصيدتين الهومريتين قد نُظمتا من غير معونة الكتابة، إذ أن اليونانيين كانوا حتى عام ٩٥٠ ق. م يجهلون الكتابة جهلًا تامًّا، أو أنهم لم يستخدموها لتقييد الأعمال الأدبية. وهو يرى أن القصيدتين قد نُقلتا في خلال قرون طويلة بالرواية الشفهية، فتعاورتهما تغييرات كثيرة عمد إلى بعضها الرواة عمدًا وجاء بعضها مصادفة، وأنهما لم تدونا إلا في نحو سنة ٥٥٠ ق. م.
أما الفريق الثاني الذي ذهب إلي ترجيح تدوين القصيدتين منذ عهد قديم وربما منذ نظمهما، فأقدم رجاله: ديودور الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد.
فهو يرى أن الشعراء الذين سبقوا هومر قد عرفوا الكتابة واستخدموها في كتابة أشعارهم٢؛ ويقول إن الشاعر لينوس Linus -وهو الذي اكتشف الأوزان الموسيقية والنغمات- كان أول من أدخل الحروف الهجائية الفينيقية إلى اليونان، وأن هذا الشاعر كتب بهذه الحروف أعمال ديونيس والأساطير الأخرى، وبهذه الحروف نفسها كتب أورفيوس وبرونابيدس وهو أستاذ هومر ...
ومن هذا الفريق أيضًا نيتش٣ G.W. Nitzach وهو يمثل أول رد فعل ذي أثر ضد النظرية الولفية، فقد أظهر أن استخدام الإغريق للكتابة كان أقدم مما ادعى ولف، وأنها قد تكون استخدمت لتعين الحافظة قبل أن يكون هناك جمهور قارئ بوقت طويل.
وثالث هذه الطائفة: كرايست٤ W. Christ الذي يذهب إلى أن الإلياذة قد كتبت قبل عهد بيزيزتراتوس ولكنها لم تدون مجموعة كاملة، بل كتبت في
стр. 310
صورة هذه الأغاني المنفصلة، وبعناوين وأسماء منفصلة مختلفة، وبيزيزتراتوس هو أول من جعل هذه المجموعة تدون في صورة كل موحد منظم.
وممن يصح أن يكون من هذا الفريق عالمان حديثان لا يقطعان قطع اليقين في هذا الموضوع ولكنهما يعرضانه عرضًا شاملًا لوجوه النظر المختلفة في حيطة وحذر، ثم يخلصان إلى ترجيح كتابة القصيدتين منذ أقدم العهود. أولهما الدكتور جب١ R,C. Jebb. وسنبسط رأيه بعض البسط إذ أنه يعرض لوجوه من الرأي ذات قيمة كبيرة في بحثنا الأصلي عن الشعر الجاهلي. يرى جب أن الفرض الأساسي في نظرية ولف هو إنكار أن الكتابة الأدبية كانت محتملة الوجود عند الإغريق في نحو سنة ٩٥٠ ق. م. ثم يقول: ومهما يكن من أمر فإن هذا الفرض ليس ثابتًا مؤكدًا كما اعتقد ولف، وجدير بالعناية أن نلحظ النقاط التالية:
١- حقًّا إن الشواهد الباقية من النقوش لا ترجع إلى أقدم من القرن السابع قبل الميلاد، غير أنه لا يصح أن نزعم أن استخدام الكتابة على الآثار والنصب سبق استخدامها في الشئون العادية. بل إن الفرض المضاد أقرب إلى الصواب.
وإذا كانت الكتابة الإغريقية على أقدم أنواع الرخام الباقي غير متقنة فإن ذلك لا يدل بالضرورة على أن الإغريق لم يكونوا حينذاك يعرفون فن الكتابة، بل يدل على أنهم لم يكونوا قد حذقوا نقش الحروف في الحجارة، وقد يكونون -قبل ذلك بزمن طويل- قد حذقوا الكتابة على مواد ألين وأطرى وأسرع إلى الفناء والضياع: كأوراق الأشجار والرق والخشب والشمع.
٢- إن التبادل التجاري بين الإغريق والفينيقيين -ومنهم اقتبس الإغريق حروف الهجاء- لا بد أنه كان شائعًا منذ نحو ١١٠٠ قبل الميلاد، بل قبل ذلك. والفينيقيون -كما يشهد يوسيفوس- قد استخدموا فن الكتابة منذ أقدم الأزمنة لا لتسجيل أعمالهم العامة حسب بل أيضًا في شئون حياتهم اليومية. وإنه
стр. 311
ليكون عجيبًا لو أن شعبًا له من سرعة الخاطر ما لليونان -في تقدمه وسبقه في جميع ضروب الحضارة- قد تأخر عن اقتباس هذا المثل إلى زمن متأخر نسبيًّا في تطوره وتقدمه -أي إلى القرن السابع قبل الميلاد.
٣- ونحن نعلم أيضًا أن قصائد بطولية طويلة -بعضها معروف باسم cyclic- لم يتح لها من الانتشار ما أتيح لهومر، قد نُقلت إلينا من القرن الثامن قبل الميلاد. ومن غير المحتمل أن تكون هذه القصائد المجهولة نسبيًّا قد حُفظت من غير عون الكتابة. ومن هذه القصائد: The cypria المنسوبة إلى The Aethiopis و stasinus المنسوبة إلى Arctinus ومن المؤكد أن الشاعر Archilochus وشعراء القرن السابع ق. م الآخرين قد استخدموا الكتابة. وولف نفسه يعترف حقًّا بأن الشعراء كانوا أحيانًا يستخدمون الكتابة منذ زمن مبكر يرجع إلى سنة ٧٧٦ ق. م.
٤- إن الاحتمالات ترجح الرأي القائل إن "العلامات المؤذية - Tokens Baneful" الواردة في الإلياذة "٦: ١٦٨" تشير إلى ضرب من حروف الهجاء أو الكتابة الهجائية. وحتى لو سلمنا بأنه لم ترد أية إشارة إلى الكتابة في الإلياذة والأوديسة، فإنه ليس ثمة دليل سليم يصح أن يستنتج من إغفال الشعر البطولي -المقصود للرواية والإنشاد- هذا الأمر إغفالًا قد يكون تقليديًّا متفقًا عليه.
٥- ويفرض هيرودوتس، حينما يتحدث عن النقوش الإغريقية التي رآها في طيبة Thebes أنها ترجع إلى عدة قرون قبل زمنه. ويشبه هذا الاعتقاد بقدم الكتابة عند الإغريق قدمًا سحيقًا ما نجده في الأدب اليوناني في القرنين الخامس الرابع قبل الميلاد.
٦- إن الأبحاث الحديثة فندت الرأي القائل بأن القصيدتين لا بد أنهما نظمتا منذ زمن طويل يسبق تدوينهما لأنهما تستعملان، في أحيان كثيرة، صوتًا هو Digamma لا يُعرف بأنه كان يصور في حرف في أية مخطوطة قديمة لهومر.
стр. 312
٧- إن فكرة "الاستخدام الأدبي للكتابة" تحتاج إلى تعريف وتحديد.
فإذا كان المقصود بها "انتشار الكتابة انتشارًا واسعًا في عدة نسخ لقراءة الجماهير".
فمما لا ريب فيه أنه لا يبدو أن شيئًا من هذا القبيل قد وُجد قبل القسم الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد. ولكن لنفرض أن رجلًا نظم عددًا من أبيات الشعر في مخيلته وخشي أن ينساها، فإذا كان يستطيع أن يستخدم "العلامات الفينيقية" استخدامًا مجديًا ليحفظ حساباته مثلًا أو مذكراته الأخرى، فلماذا لا يحفظ بها أبيات شعره؟ ذلك هو حقًّا ما قصده ولف حينما أجاز أن بعض الناس استخدم الكتابة لمثل هذه الأغراض منذ سنة ٧٧٦ ق. م. وربما لم يكن أحد يستطيع قراءتها إلا الشاعر نفسه أو أولئك الذين خلفها لهم خاصة. ومع ذلك فإنه يكون قد أفلح في مأربه ووصل إلى غايته.
والخلاصة أنه لا بد لنا من أن نفرق -وفقًا للنظرية الولفية- بين ثلاثة أمور تعتمد على احتمالات متفاوتة الدرجة وهي: النظم في الذاكرة Memorial Composition، والنشر الشفهي Oral publication، والنقل عن طريق الرواية الشفهية oral Transmission.
أ- أما النظم في الذاكرة فإنه من التسرع أن ننكر أن رجلًا ذا موهبة خارقة يستطيع أن ينظم الإلياذة والأوديسة من غير عون الكتابة..
ب- أما النشر الشفهي فلا ريب أن القصيدتين الهومريتين قد عرفهما اليونانيون قرونًا طويلة في الغالب عن طريق إنشاد أجزاء متفرقة منهما.
ج- غير أن العقبة الكأداء تنشأ من نظرية الحفظ والنقل الشفهيين حسب.
إن هذه العقبة لا تتصل في أصلها بقدرة الحافظة البشرية؛ إن الصعوبة الحقة هي أن حفظ هذه الأعمال الضخمة ونقلها حفظًا ونقلًا قريبين من الدقة والضبط، عن طريق الرواية الشفهية، خلال القرون من غير عون الكتابة إنما يتطلب تنظيمًا وتدبيرًا، لا أثر لهما ولا دليل عليهما عندنا. وأقرب شبيه بذلك يمكن استحضاره للذهن "كما في الهند" يتضمن أصولًا دينية أو كهنوتية.
стр. 313
وينبغي أن نتصور وجود رجال كهنوت هومريين أو زملاء تكون حياتهم من جيل إلى جيل موقوفة على هذا العمل. غير أن فكرة كهذه غريبة عن الروح الحرة التي تطورت فيها الحياة والفن عند الإغريق، ولا يتفق ذلك أيضًا مع ما نعرفه من أمر الرواة والمنشدين المتجولين.
إن النتيجة العامة إذن هي: لا يمكن إثبات أن القصيدتين الهومريتين لم تُكتبا سواء حينما كانتا في ِأصلهما تنظمان أم عقب ذلك ولقد عرفهما العالم الإغريقي مدة قرون في الغالب عن طريق أفواه الرواة والمنشدين، ولكن ذلك لا ينفي أن الرواة والمنشدين كانوا يقتنون نسخًا مكتوبة ...
ذلك هو رأي جب عرضناه عرضًا وافيًا لتستبين لنا أطرافه، وسنختم حديثنا عن كتابة القصيدتين الهومريتين بعرض رأي باورا في هذا الموضوع عرضًا لا يقل عن عرضنا لسابقه بسطًا وبيانًا. بدأ باورا بحثه بسؤاله: هل يدين هومر، بطريقة ما لاستخدام الكتابة؟ ثم مضى يجيب بقوله١: لا ريب أن شعراء الملاحم في القرون الوسطى قد استخدموا الكتابة، وهم مدينون لها بمعرفتهم الصور السابقة للقصص التي استخدموها، وقد حفظوا نتاجهم بتسجيله كتابة. ولكن الأمر، في حالة هومر، غامض والأدلة ضئيلة. لقد وُجدت الكتابة في بلاد اليونان منذ زمن مبكر، ولو أننا استثنينا العصر الميسيني Mycenean Age، فإننا ما نزال متأكدين من أنها استخدمت في القرن السابع، وربما الثامن. فالنقوش على thera ترجع إلى تاريخ مبكر جدًّا، ولم يأت القرن السابع حتى شاعت الكتابة على الأواني. وقوائم إفورس السبارطية The Spartan lists of Ephors ترجع إلى نهاية القرن التاسع. والقوانين التي سنها الرجال مثل Charondas, Zaleucus تتضمن وجود قوانين مكتوبة في الشطر الأخير من القرن الثامن. ومع أن الكتابة قد وُجدت على عهد هومر، فمن الجائز أنها لم تكن شائعة عامة، أو أنها لم تكن تُستخدم على مدى واسع لتسجيل نتاج طويل مثل الإلياذة ... وهومر نفسه
стр. 314
لا يدلنا على شيء، وفي الموطن الوحيد الذي يشير فيه إلى الكتابة يغلف إشارته بالغموض. وربما شعرنا حقًّا أن ملحمة طويلة مثل الإلياذة لا بد أنها كتبت لأن حفظها يؤود المرء. وقد اعتمد ولف على هذه الفكرة اعتمادًا كبيرًا، وهي تحتل مقامًا كبيرًا في "المقدمة". ولكن الأبحاث الحديثة فندت رأيه؛ فإن الرجال الذين لم تتعلم ذاكرتهم الاعتماد على الكتب يستطيعون أن يتذكروا قدرًا ضخمًا من الشعر، وقد وُجد بين معاصري xenophon من حفظ الإلياذة والأوديسة معًا. ونجد لعهدنا هذا من وصل إلى هذه المرتبة بل من زاد عليها. وبعد أن يضرب باورا على ذلك بضعة أمثلة يمضي في قوله: والإلياذة يصح، للنظرة الأولى، أن تكون من الشعر المكتوب، ويصح أن تكون من الشعر المروي. ويمكن أن تُدعم كل من هاتين النظريتين في أساسها بالأدلة، ويكاد يكون من المستحيل تغلب إحداهما على الأخرى. ثم يقول: ولا بد، في البدء، من التمييز بين الشعر الذي يكتب لفائدة الشاعر نفسه حسب، والشعر الذي يكتب ليقرأه الناس. وكثير من الشعر الذي قُصد منه أن يُنشد ويُروى كان يُكتب، ليكون في كتابته عون للشاعر المغني على الامتداد والطول اللذين لا يحتملان. فمخطوطة "أغنية رولاند" المحفوظة في أكسفورد ليست إلا نصًّا كان يحمله شاعر مغن ويستخدمه لإنعاش ذاكرته. بينما يبدو أن المخطوطة الوحيدة الباقية من "بيوولف" كان يُقصد منها أن يقرأها العلماء.... ومن الواضح أن الإلياذة لا تنتمي إلى هذا الضرب الثاني، فهومر لا يذكر شيئًا عن قراءة الكتب، وجميع فنِّه خاضع لضرورات الإنشاد؛ ولكن من الجائز أنها تنتمي إلى الضرب الأول، والحق أنها تبدو كذلك لأسباب مرجحة. فللقصيدة بناؤها وشكلها كما أرادهما الشاعر، ومن البعيد أن يستطيع إضفاء هذا الانسجام والوحدة عليها لو أنه نظمها في ذاكرته وعقله. فترابط المشاهد المختلفة، وما في القطع التالية من صدى القطع السابقة، واتصال الحكايات المنفصلة في ظاهرها، كل ذلك يبدو أنه لا يمكن تعليله لو أن الشاعر لم يكن بين يديه كتابه، ولم يستطع الرجوع إليه كلما احتاج، أو ليعيد النظر فيما كتب. حقًّا إن ملتون نظم "الفردوس
стр. 315
المفقود في عقله وذاكرته واستطاع مع ذلك أن يجعلها رائعة من الروائع؛ ولكن مع أنه لم يكن يقرأ فإن الكلمات كانت تكتبها بناته، وكان يستطيع الرجوع إليها كلما أراد. ومع ذلك فإنه من الجائز أن ذاكرة أحسن تمرينها وتدريبها تستطيع أن تستغني عن المخطوطة، ومن الجائز كذلك أنه كانت لهومر مثل هذه الذاكرة. وهكذا نجد أن الجدل حول هذا الموضوع -على إغرائه- غير مفضٍ إلى نتيجة. فلم تكن الإلياذة ذات التحام وثيق مثل الكوميديا الإلهية، ولكن يمكن أن يقال إن سبب ذلك لم يكن لأنها لم تُكتب على الورق. وترجيح أنها قد كتبت يقوَى حين نقارنها بالملاحم التي لم تكتب ولكنها نظمت في ذاكرة الشاعر ونقلت بالرواية ... غير أن خصائص هذه تختلف عن طبيعة الإلياذة.. ثم يمضي باورا في حديثه إلى أن يقول: ولا قيمة للحجة التي يُدلَى بها ضد تدوين الإلياذة، وهي: أن النص في القديم كان ذا قراءات مختلفة. فطرق الحكاية الهومرية تجعل من السهل الخطأ في الاقتباس. ومع ذلك فأي نص قديم عرضة للفساد والإقحام، إن لم يكن أيضًا عرضة للتزيد والتوسع. وخطة الإلياذة الحاضرة تنفي فكرة التزيد والتطويل ... ولكن لا شك أنه كان ثمة إقحام وإضافات، فالأبيات التي تذكر مدينة أثينا عدها القدماء مقحمة أضافها صولون أو بيزيزتراتوس ليسوغا دعوى الأثينيين في ميجارا Megara وثمة رواية فيها أن سيناثيوس Cynaethus الشاعر الجوال تصرف بالنص وأضاف إليه أجزاء من نظمه، ولكن هذه الحقيقة وحدها، وهي أن هذه الإضافات قد اكتشفت وأشير إليها، تبين أن النص كان معروفًا ويستطاع الرجوع إليه؛ ولو لم يكن مكتوبًا لكان من المستحيل تقريبًا معرفة أية زيادة أو إقحام. وما يُسمَّى انسياب النص وتدفقه حقيقة واقعة لا شك، ولكنها لا تدل على أن الإلياذة في أيامها الأولى كانت قصيدة تُحفظ في الذاكرة وتوجد في صور متعددة من نسخ مختلفة جدًّا؛ وإنما تدل على أن روايتها المخطوطة المكتوبة كانت -كما هو الشأن في القصائد المبكرة الأخرى- غير دقيقة وعرضة للتحريف والفساد.
ثم يمضي باورا في حديثه فيقول: وتمتد جذور الصعوبة إلى موقف هومر
стр. 316
نفسه من الكتابة، فأبطاله لا يكتبون ولا يقدرون على الكتابة، وحينما اقترعوا ليقرروا من يحارب هكتور وضع كل منهم علامته على سهمه ورماه في القلنسوة، ولكن لم يكن أحد يعرف غير علامته وحدها. وينتج من ذلك أنه لم يكن لديهم نظام مشترك للكتابة. غير أن هومر يميز وجود الكتابة في قصة Bellerophon، ففيها ذكر للكتابة ولكن هومر يلفها بألفاظ غامضة مبهمة ... وليس في الإلياذة، سوى ذلك، ذكر للكتابة. والنتيجة التي يمكن الوصول إليها هي أن الكتابة وُجدت، غير أن جمهور هومر ومستمعيه لم يهتموا بها وعدوها أمرًا شاذًّا. أما الشاعر نفسه فربما كانت حاله مختلفة عن ذلك. إذ لعله كان قد تعلم الكتابة من حيث هي سر من أسرار صناعته وكان حريصًا على ألا يكشف السر لجمهوره. وهذا الاحتمال يفسر غموض لغته وإبهامها في الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه الكتابة، فسواد الناس يجب ألا يعرفوها، وحينما لا يكون بد من ذكرها، فيتجنب الوصف الواضح الدقيق.
ويرى باورا أن هذه الدلالات، على ضآلتها، ترجح أن هومر كان يكتب، ولكنه كان يكتب لفائدته هو ولاستعماله الشخصي لا من أجل أن تُقرأ قصيدته.
ففن الإلياذة جميعه يدل على أنه قصد منها أن تُنشذ وتُروى، لا لتحفظ في المكتبة؛ وهذه الحقيقة كما سنرى، توضح لنا بعض ملامحها الكبرى. فلا بد أن تختلف القصيدة المروية في طبيعتها وخصائصها عن القصيدة التي تُقصد للقراءة ... وهكذا نجد آخر الأمر أن لا قيمة كبرى لسؤالنا: هل كتب هومر أو لم يكتب؛ وإنما الأمر المهم هو أنه نظم قصيدته للرواية والإنشاد. وسواء أنظمها وهو يكتب على الورق أم نظمها في ذاكرته وعقله فذلك لا يؤثر في طبيعة القصيدة كما هي بين أيدينا.
стр. 317
المدارس التي عنيت بهومر:
ونحن مستطيعون أن نقسم هذه المدارس من حيث الزمن إلى ثلاثة أطوار:
أولًا: ما قبل العصر الإسكندري. ثانيًا: العصر الإسكندري. ثالثًا: ما بعد العصر الإسكندري.
أ- ما قبل العصر الإسكندري:
لم تكن العناية بهومر وقصيدته قبل العصر الإسكندري عناية نقدية علمية، وإنما كانت على ضروب شتى من التناول اليسير الخفيف، فهي حينًا إشارة عابرة إلى هومر وشعره الملحمي، وهي حينًا ثانيًا اقتباس لبعض الأبيات أو المقطوعات من ملحمتيه، وهي حينًا ثالثًا شرح لبعض ما يغمض على السامعين من ألفاظه أو إشاراته القصصية، وهي حينًا رابعًا تفسير عام لمذهبه في التحدث عن الآلهة والأبطال. ولذلك رأينا أن نرتب هذه الضروب المتعددة من العناية بهومر قبل العصر الإسكندري في طوائف أربع، هي:
١- الشعراء أنفسهم: فنحن نجد أن أقدم ذكر لهومر -عثر عليه الباحثون حتى الآن- هو إشارة وردت في قصيدة ضائعة للشاعر كالينوس Callinus
"في آخر القرن الثامن ومطلع القرن السابع قبل الميلاد"، ولم يكن الباحثون ليعرفوا ذلك لولا ما أورده الكاتب الجغرافي بوزانياس pausanias من ذكر لهذه القصيدة ومن قوله إن كالينوس قد أشار في قصيدته إلى أنه كانت قصائد أخرى غير الإلياذة والأوديسة تُعزَى إلى هومر، مثل المقطوعة البطولية ١Thebais
стр. 318
ثم وجد الباحثون أن أول من اقتبس من هورم -ممن يُعرفون حتى الآن- هو الشاعر سيمونيد السيوسي Simonides of Ceos "الذي ولد في نحو سنة ٥٥٦ ق. م" فقد اقتبس من الإلياذة ٦: ١٤٨.
٢- الفلاسفة: وقد عُني الفلاسفة منذ القرن السادس قبل الميلاد بشعر هومر، وثار بعضهم، في مطلع التأمل الفلسفي في اليونان، على التصوير الهومري للآلهة١. فقد قال إكزينوفان Xenophanes of Colophon "إن هومر وهسيود قد نسبا إلى الآلهة كل عيب ونقص في الناس". ومن هنا نشأت المدرسة المجازية في تفسير هومر. وأقدم هؤلاء المجازيين هو ثياجن الريجيومي Theagenes of Rhegium، الذي وصل بين نوعين من المجاز انفصلا بعد ذلك هما: المجاز الخلقي "العقلي" والمجاز الحسي. وهكذا كانت Hera هي الهواء، وأفروديت هي الحب. وقد نما التفسير الخلقي في القرن التالي على يد أناكساجوراس Anaxagoras الذي فسر zeus بالعقل، وأثينا بالفن. أما التفسير الحسي فقد تطور على يدي Metrodorus of Lamsaeus. وقد كان شعر هومر ووصفه الآلهة سببًا من الأسباب التي دعت أفلاطون إلى أن يبعد الشعراء من جمهوريته.
٣- المؤرخون: وقد عُني المؤرخون اليونانيون بهومر -منذ أن بدأ التاريخ عندهم. ومن هؤلاء هيرودوت Herodotus وثوسيديد Thucydides في القرن الخامس قبل الميلاد. وقيمة هيرودوت في أنه كان أول من شك -أو على الأقل من بين الأوائل السابقين إلى الشك- في نسبة بعض القصائد البطولية إلى هومر. فهو يرى -على أسس نقدية- أن المقطوعة البطولية التي تدعى Cypria ليست من نظم هومر، ولكنه لم يذكر الناظم الحقيقي. ونقده هذا يدل على أن السواد لم يكونوا يشكون في نسبتها إلى هومر، كما أن هيرودوت نفسه لم يكن يعرف رواية صريحة تنفي نسبة هذه المقطوعة إلى هومر. وقد شك أيضًا في نسبة قصيدة.
стр. 319
أخرى تدعى Epigoni ولكن حديثه عنها مقتضب غير قاطع١. وأما قيمة ثوسيديد ففي أنه قدم لنا في تاريخه أمثلة على نوع من تفسير شعر هومر يحوِّل العنصر القصصي إلى حقائق تاريخية واضحة، وذلك حينما فسر ذهاب اليونانيين إلى طراودة، فهو يرى أن رؤساء اليونان لم يذهبوا إلى طروادة لأنهم وعدوا والد هيلانة أن ينتقموا لها. ولكنهم ذهبوا لأن قوة أجا ممنون ساقتهم واضطرتهم إلى ذلك. وقد نمى كالسثين Callisthenes "في نحو سنة ٣٣٠ق. م" هذه الطريقة في التفسير تنمية كاملة، وخص، في كتابه تاريخ اليونان، الحرب الطروادية بكتاب مستقل. ويظهر هذا الاتجاه في مواطن متعددة من تواريخ المتأخرين التالين مثل: بوليبيوس polybius، وديودور Diodorus، وسترابو Strabo، وباوزان٢ pausanius.
٤- الرواة المنشدون: وآخر هذه الطوائف، وربما أقدمها عهدًا، هم الرواة المنشدون، الذين كانوا يروون شعر هومر وينشدونه وهم ينتقلون بين البلاد المختلفة. ويصف لنا أفلاطون في إحدى محاوراته على لسان سقراط "هي: lon" أحد هؤلاء الرواة المتجولين واسمه إيون -وكان يعيش في النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد. ويذكر أفلاطون أن إيون كان يشرح شعر هومر ويفسره، وأن بعض المنشدين المتنافسين كانوا ينشدون ولاء: يبدأ أحدهم من حيث انتهى الآخر. ويرى الدكتور جب٣ أنه لا بد إذن من أن تعقيبات إيون وشروحه كانت تُلقى مفصولة عن إنشاده، أو أنها كانت متصلة بالقطع التي كان هو يقوم بإنشادها حسب. ويتضح من محاورة أفلاطون أن شروح إيون وتعقيباته على هومر كانت تتخذ مظهر المعرض البلاغي الأدبي المتصل، وكان إيون يفخر بطلاقته وبثروة "آرائه عن هومر" كما يعبر إيون نفسه.
стр. 320
ب- العصر الإسكندري:
غير أن النقد الهومري بمعناه الدقيق الخاص لم يظهر إلا في الإسكندرية منذ مطلع القرن الثالث قبل الميلاد. وقد جُمعت مواده لأول مرة في المكتبات العظيمة مثل مكتبة الإسكندرية، ثم مكتبة برجامم، منذ مطلع القرن الثاني قبل الميلاد. وقد استقى الباحثون معلوماتهم عن هذه المواد من نسخة "الحواشي الهومرية - Homeric Scholia". ولا يعنينا من أبحاث هؤلاء الدارسين إلا إلمامة عابرة تفي بغرضنا، ومن أجل ذلك لن نشعب الحديث ولن نتتبع الباحثين فيما فصلوا فيه القول، وإنما سنختصر الإشارة اختصارًا يغني عن الإسهاب والتطويل١.
تنقسم نسخ هومر في مكتبة الإسكندرية إلى قسمين: ١- النسخ التي تُعرف بأسماء محرريها وناسخيها. وأقدم نسخة من هذا القسم هي التي صنعها الشاعر البطولي أنتيماخ الكلاري Antimachus of Clarus في إيونيا "نحو سنة ٤١٠ قبل الميلاد". ٢- وأما القسم الثاني فهي النسخ التي تُعرف بأسماء البلدان حسبُ. وهي نسخ: مساليا Massalia، وكيوس chios، وأرجوس Argos، وسينوب Sinope، وقبرص Cyprus، ويشار إليها مجموعة باسم "النسخ البلدانية". وليس من دليل على أنها كانت النسخ المعتمدة لاستعمال الجمهور، وأسماء مصححيها ومنقحيها غير معروفة. وبجانب هذين القسمين كانت نسخ توصف بأنها عامة أو شعبية، وهذه هي نفسها التي توصف بأنها غير دقيقة إذا ما قورنت بالنسخ الدقيقة أو العلمية. وهذه النسخ جميعها التي عرفها الإسكندريون لابد أنها كانت تعتمد على نص شائع أقدم منها نجهل مصادره. ويبدو لنا هذا من الاختلافات المحدودة والفروق الضيقة بين نصوص هذه النسخ، فلو لم تكن هناك أسس عامة لرواية منقولة لوجدنا في نسخ الإسكندرية فروقًا واسعة واختلافًا كبيرًا في ترتيب الأبيات.