← Адаб

Адаб · id 2055

مصادر الشعر الجاهلي

ناصر الدين الأسد

Полный текст (720 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

و"شعر بني عقيل"١، و"كتاب بني أسد"٢ و"أشعار بني أسد"٣، و"كتاب طيئ"٤ و"أشعار الطائيين"٥، و"كتاب بني سليم"٦ و"أشعار بني سليم"٧، وهكذا. وكتاب القبيلة أو ديوانها يضم بين دفتيه ثلاثة أشياء: ١- يضم شعر شعراء القبيلة أو بعضهم، وفي ذلك يقول الآمدي في سياق حديثه عن بعض الشعراء: "وله أشعار في كتاب بني ربيعة بن ذهل"٨، "وله في كتاب أسد أشعار"٩، "وهي أبيات من كتاب خزاعة"١٠، "وله أشعار في كتاب بني عجل"١١، "وله في كتاب بني سليم أشعار حسان"١٢، "وله أشعار جياد في كتاب بني ربيعة بن ذهل وفي بطون قريش"١٣، "وله في كتاب بني ذهل بن ثعلبة مقطعات حسان"١٤، "وشعرهم في كتاب بني عقيل"١٥، "وهذه الأبيات ثابتة في كتاب بجيلة"١٦، "ووجدت في كتاب طييء الذي نقلت منه شعر الطرماح بن جهم

стр. 562

السنبسي"١، "وله في كتاب كلب أشعار"٢، "وله في كتاب بني ضبيعة أشعار حسان جياد"٣. إلى آخر ما يشبه هذه من إشارات. ٢- ويضم كتاب القبيلة أو ديوانها أخبارًا وقصصًا وأحاديث؛ وفي ذلك يقول الآمدي: "وهو القائل: مكره أخوك لا بطل، في قصة ... وشرح ذلك في كتاب فزارة"٤، "وقتل أخواه في قصة مذكورة في كتاب بني سعد"٥ "وله في كتاب فزارة خبر وأشعار ورجز جياد"٦، "وله في كتاب بني أسد أشعار وأخبار حسان"٧، "وقصتهما مذكورة في كتاب بني شيبان"٨، "وخبره مع جاهمة في كتاب بني أعصر"٩، "وله في كتاب بني إياد أشعار وأخبار وقصة مع أبيه"١٠، "وله في هذا حديث وخبر في كتاب بني طهية"١١، "والقصة مذكورة في كتاب بني شيبان"١٢، "في قصة مذكورة في كتاب مزينة"١٣، "وله أشعار وأخبار في قبيل بلي"١٤، إلى آخر ما يشبه هذه الإشارات، ويبدو منها أن تلك الأخبار والأحاديث والقصص إنما وردت في كتاب القبيلة لبيان حادثة تاريخية ذكرت في الشعر، أو لتوضيح المناسبة التي

стр. 563

نُظمت فيها القصيدة، أو لتفسير بيت من أبياتها. ٣- وفي كتاب القبيلة أو ديوانها -فضلًا عن ذلك- نسب أيضًا. ويبدو ذلك واضحًا من هذه الإشارات التي أوردها الآمدي ينفي بها أنه وجد نسب فلان أو فلان في كتاب هذه القبيلة أو تلك، مما يدل على أن نسب غيرهم -ممن لم ينص عليهم- موجود مرفوع في كتب قبائلهم، فهو يقول: "لم يُرفع في كتاب عذرة نسبه"١، و"لم يرفع نسبه في كتاب عنزة"٢، و"لم يرفع في كتاب بني الهجيم نسبه"٣، "ولم يرفع في كتاب جهينة نسبه"٤، "وجدته في بني الحارث بن كعب لم يرفع نسبه.."٥، و"لم يرفع نسبه في كتاب السكون"٦، و"لم يرفع في كتاب بني عجل نسبه"٧، و"لم يرفع نسبه في كتاب جرم"٨. وأمر النسب في هذه الكتب كأمر الأخبار والأحاديث والقصص، لم يُذكر لذاته، وإنما ذكر لذكر الشاعر نفسه وشعره. فكتب القبائل إذن -في جوهرها- مجموعات شعرية، تضم بين دفتيها قصائد كاملة، ومقطعات قصيرة، وأبياتًا متفرقة، لشعراء تلك القبيلة أو لبعض شعرائها، وربما ضمت أكثر شعر هؤلاء الشعراء، بل ربما ضمت جميع شعر شاعر منهم وديوانه كاملًا. ثم تضيف إلى ذلك من الأخبار والنسب والقصص والأحاديث ما يتصل بالشاعر نفسه، أو ببعض أفراد قبيلته، وما يوضح مناسبات القصائد، ويفسر بعض أبياتها، ويبين ما فيها من حوادث تاريخية. فيجيء

стр. 564

كتاب القبيلة بذلك سجلًا لحوادثها ووقائعها، وديوانًا لمفاخرها ومناقبها، ومعرضًا لشعر شعرائها. فإذا كان ذلك كذلك، فمتى جُمعت هذه الدواوين أول مرة؟ وإلى أي مدى نستطيع أن نتتبع تاريخ تدوينها حتى نصل إلى بداية هذا التدوين، أو إلى قريب من بدايته؟ والإجابة عن ذلك تضطر الباحث إلى أن يسلك مجاهل وقفارًا، تحمله على أن يصطنع الحذر، وأن يتثبت من مواطئ قدميه قبل المضي وفي أثنائه، ولكنه مع ذلك لا يعدم بعض المعالم يقيمها على جانبي الطريق، وينصبها بين يديه ومن خلفه يهتدي بها في سيرة؛ ولا عليه بعد ذلك إن لم يبلغ أقصى الغاية، فحسبه أنه قد بذل الجهد وأخلص النية. وأسلم ما يبدأ به الباحث: هذه الدواوين التي ذكرتها المصادر، ورفعت إسناد روايتها إلى الطبقة الأولى من الرواة العلماء. فقد مر بنا أن أبا عبيدة معمر بن المثنى قد جمع أشعار القبائل في كتاب واحد أو كتب عدة١. وأن الأصمعي قد جمع أيضًا بعض أشعار القبائل، ومنها ديوان هذيل الذي سنتحدث عنه بعد قليل. وأبو عبيدة والأصمعي بصريان. أما علماء الكوفة من رجال الطبقة الأولى الذين جمعوا أشعار القبائل ودواوينهم فهم: حماد الراوية "المتوفى سنة ١٥٦هـ"، والمفضل الضبي "المتوفى سنة ١٦٨ أو ١٧٨"، وقد ذكرهما الآمدي كما مر بنا٢، وخالد بن كلثوم الكلبي -وهو في طبقة أبي عمرو الشيباني٣- قال عنه ابن النديم، فيما نقله من خط ابن الكوفى٤، إنه من علماء الكوفيين و"من رواة الأشعار وعارف بالأنساب والألقاب وأيام الناس، وله صنعة في الأشعار والقبائل ... وله من الكتب ... كتاب أشعار القبائل ويحتوي على عدة قبائل". غير أن أشهر من جمع دواوين القبائل من الكوفيين:

стр. 565

أبو عمرو الشيباني الذي جمع أشعار العرب حتى صنع شعر نيف وثمانين قبيلة، "فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفًا وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخطه"١، "وكان يكتب بيده إلى أن مات"٢. وقد قرأ دواوين الشعراء على المفضل٣. وبلغ من شهرته في جمع دواوين القبائل أن الناس أخذوا "عنه دواوين أشعار القبائل كلها"٤، ولم يبق لنا من هذه الدواوين التي صنعها وجمعها شيء، بل لم تحفظ لنا المصادر من أسمائها إلا ديوانين: أشعار تغلب٥، وأشعار قبيلة محارب بن خصفة بن قيس عيلان، وقد رآه عبد القادر البغدادي، وكانت لديه منه نسخة قديمة، قال٦: "وهي عندي في نسخة قديمة تاريخ كتابتها في صفر سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكاتبها أبو عبد الله الحسين بن أحمد الفزاري، قال: نقلتها من نسخة أبي الحسن الطوسي، وقد عرضت على ابن الأعرابي". ثم أخذ عن هذه الطبقة الأولى من الرواة العلماء تلاميذهم من علماء الطبقة الثانية، فأخذ ابن الأعرابي عن المفضل وعن أبي عمرو الشيباني حتى اشتهر أيضًا بأنه "راوية لأشعار القبائل"٧، وأخذ محمد بن حبيب عن أبي عمرو الشيباني، ولم يبق لنا ذكر شيء من دواوين القبائل التي صنعها ابن الأعرابي وابن حبيب إلا "ديوان أشعار بني شيبان صنعه محمد بن حبيب٨. ثم أخذ عن هؤلاء من تلاهم مثل السكري، وقد مر بنا ذكر دواوين القبائل التي صنعها، وسنفصل القول فيه حين نتحدث عن ديوان هذيل.

стр. 566

هذا هو المعلم الأول في سبيل دراستنا لدواوين القبائل، ونرى منه أن هذه الدواوين كانت موجودة -مكتوبة مدونة- في القرن الثاني الهجري، أي من نهاية الربع الأول من القرن الثاني على التقريب إلى مطلع القرن الثالث، وهي الحقبة التي كان يحيا فيها هؤلاء العلماء الرواة من رجال الطبقة الأولى، وبلغ فيها نشاطهم ذروته. غير أن ذلك لا يعني أن هذه الكتب قد دونت في تلك الحقبة لأول مرة. فقد كانت تلك الدواوين هي النسخ الخاصة بهؤلاء العلماء: كتبوها بأنفسهم، بعد أن نظروا في هذا التراث الشعري الذي وصل إليهم ومحصوه ونقدوه ونخلوه، واستخرجوا ما صح منه لكل واحد منهم، ثم صاروا يقرئون هذه النسخة تلامذتهم في مجالس علمهم، ويقرأها عليهم أولئك التلاميذ، ويتناقلونها جيلًا بعد جيل على أنها رواية ذلك العالم الأول. ولقد ذكرنا في حديثنا عن تدوين الشعر الجاهلي، في الباب الثاني، وعن الدواوين المفردة، في الفصل الأول من هذا الباب أن هؤلاء العلماء الرواة من رجال الطبقة الأولى كانوا يَئُولون إلى نسخ مدونة وصلت إليهم من العصور التي سبقتهم، وأنهم كانوا أحيانًا يجمعون بين هذه النسخ، ويضيفون إليها ما يصلهم بالرواية الشفهية عن شيوخ مدرستهم أو شيوخ المدرسة المخالفة، وعن الأعراب الرواة، ثم ينظرون في كل ذلك نظرة تمحيص ونقد، حتى يستخرجوا منه ما ترجح لديهم صحته، فيضمنوه في نسختهم التي يرويها عنهم تلاميذهم. ذلك في الدواوين المفردة، فهل الأمر نفسه في دواوين القبائل؟ إن بين أيدينا ثلاثة أخبار يحسن بنا أن نعرضها ولاءً لنستبين دلالتها: الأول: ما ذكره أبو العباس ثعلب قال١: "جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها: الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ورد الديوان إلى حماد وجناد". والثاني: ما ذكره حماد نفسه قال٢: "أرسل الوليد بن يزيد إلي بمائتي

стр. 567

دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال، فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه: قريش وثقيف؛ فنظرت في كتابي قريش وثقيف، فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بلي، فأنشدته منها ما استحسنه..". الثالث: ما ذكره ابن النطاح من أن حمادًا عثر على ديوان فيه "جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك١.....". ومهما تكن قيمة هذه الأخبار، ومهما يكن مدى الثقة في صحتها، فإن لها -لا شك- دلالتها التي تتسق مع ما قدمنا، في مواطن متفرقة، عن انتشار التدوين واتصاله في تلك الحقبة. ودلالة هذه الأخبار في أنها تصل دواوين القبائل بالدواوين المفردة -التي تحدثنا عنها- في قدم تدوينها، فهي تدل على أن كتب القبائل كانت مكتوبة مدونة قبل مطلع القرن الثاني الهجري، وأن العلماء الرواة من رجال الطبقة -في القرن الثاني- قد وصلتهم هذه المدونات من القرن الأول الهجري، فاعتمدوها مصدرًا من مصادر تدوينهم نسخهم الخاصة التي نُسبت روايتها إليهم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الوليد بن يزيد لم يكن وحده الذي عُني بجمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها، وإنما شاركه في كل ذلك بعض خلفاء بني أمية، وخاصة عبد الملك بن مروان ومن قبله معاوية بن أبي سفيان؛ وأن هؤلاء الخلفاء كانوا -كما مر بنا- يطلبون من رواة الشعر والأخبار، من تعمر بهم مجالسهم الخاصة والعامة، وأنهم كانوا يأمرون غلمانهم وكتَّابهم بكتابة ما ينشده هؤلاء الرواة والعلماء من الشعر وما يقصونه من الأخبار٢؛ إذا أضفنا هذا إلى ما قدمنا رجحت لدينا صحة الأخبار الثلاثة التي ذكرناها، ورجح عندنا أن هذه الدواوين كانت مدونة في القرن الأول نفسه. ونكون بذلك قد

стр. 568

نصبنا المعلم الثاني الذي نستأنس به في سبيل بحثنا هذا. وبقي معلم ثالث إذا أقمناه، استقام لنا وجه الطريق، وانتهى عنده مطافنا، هذا المعلم الثالث قوامه خبران، أو خبر ونص شعري: ١- أما الخبر ففيه تأييد لما قدمناه من أمر عثور حماد على جزء من شعر الأنصار، وذلك أن أبا الفرج الأصفهاني يروي عن شيوخه في إسناد طويل قوله١: "نهى عمر بن الخطاب الناس أن ينشدوا شيئًا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحي بالميت وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام". ثم يروي لنا في خبر طويل أن عبد الله بن الزِّبَعْرَي السهمي وضرار بن الخطاب الفهري أنشدا حساب بن ثابت شعرًا مما كانا قالاه قبل الإسلام، فشكاهما حسان إلى عمر ... وكان من نتيجة ذلك أن قال عمر لمن حضر مجلسه: "إني كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئًا دفعًا للتضاغن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذ أبوا، فاكتبوه واحتفظوا به" قال: "فدونوا ذلك عندهم. قال خلاد بن محمد فأدركته والله وإن الأنصار لتجدده عندها إذا خافت بلاه". ٢- أما النص الشعري، فقول بشر بن أبي خازم -وهو شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام- قال٢: وجدنا في كتاب بني تميم ... "أحق الخيل بالركض المعار" وقد تحدثنا عن هذا البيت، وعن ترقيمنا إياه ووضعنا شطره الثاني بين علامتي اقتباس في الباب الثاني من هذا البحث٣. ولكننا نحب أن نضيف إلى قولنا السابق شيئًا جديدًا، وهو: أن بعض الباحثين قد شك في هذا البيت،

стр. 569

فقد كتب جولد تسيهر في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية -عدد إبريل سنة ١٨٩٧- يقول١: "ولا بد أن كتاب بني تميم -الذي وجهت الأنظار إليه في مناسبة سابقة- قديم جدًّا، ومع ذلك فإن هذه العبارة من شعر بشر التي يذكر فيها هذا الكتاب، إذا كانت تشير حقيقة إلى مجموعة مدونة عن مآثر بني تميم وأشعارها، تجعل نسبة البيت إلى بشر بن أبي خازم واهية الأساس. فليس من المحتمل -بل من المستحيل- أن توجد مثل هذه المجموعة في عصر مبكر كهذا العصر الذي عاش فيه بشر". ولا نحب أن طيل في الحديث عن هذا البيت، غير أننا لا نملك أنفسنا من أن نلحظ أن كلام جولد تسيهر ليس إلا افتراضًا لم يقدم عليه دليلًا، ولم يدعمه بما يقيمه؛ وأن الأساس الوحيد الذي بنى عليه هذا الافتراض هو أنه "ليس من المحتمل -بل من المستحيل- أن توجد مثل هذه المجموعة في عصر مبكر كهذا العصر الذي عاش فيه بشر". وقد قلنا من قبل، في إسهاب وتفصيل، إن هذا الأساس واهٍ لأنه يعتمد على فكرة شاعت بين جمهرة الباحثين من العرب والمستشرقين، وهي: أن الجاهلية كانت أمية جاهلة -وهو ما سميناه "تجهيل الجاهلية". وقد بينا خطأ هذه الفكرة بما يغني عن إعادة القول فيها. وقد قصدنا أن نؤخر الحديث عن هذا البيت، وأن نقدم الحديث عن الأخبار والنصوص التي تحدثنا عنها قبله، مبتدئين بالحقبة الواضحة بعض الشيء وهي النصف الثاني من القرن الثاني ثم نعود أدراجنا إلى الوراء: إلى العصر الأموي، ثم عصر صدر الإسلام، ثم العصر الجاهلي نفسه، نقول: قصدنا أن نسير في هذه السبيل حتى نمهد بين يدي هذا النص بأخبار وروايات تكشف عن اتصال تدوين هذه الكتب الشعرية، وحتى يبدو هذا البيت متصلًا اتصالًا طبيعيًّا بما تدل عليه تلك الأخبار. ثم إنه من التأويل الواهي الذي لا سند له يدعمه أن

стр. 570

يشك في أن لفظة "كتاب" في هذا البيت "تشير حقيقة غلى مجموعة مدونة عن مآثر بني تميم وأشعارها"، وذلك لأن اللفظة صريحة واضحة وقد فهمها الأقدمون أيضًا على وجهها الصحيح، فقال المرزباني يشرح بيت بشر بعد أن أورده، قال١: "فمعناه: وجدنا هذه اللفظة مكتوبة". ومع ذلك فقد أوضحنا من قبل أنه ليس من منهجنا في هذا البحث أن نعتسف الطريق اعتسافًا، ولا أن نحمل النصوص فوق ما تحتمل، بل إن منهجنا يقوم على جمع مادة البحث وتتبع نصوصه، ثم ترتيب هذه النصوص، واستنطاقها واستخراج دلالاتها. ونحسب أننا غير مغالين -بعد أن جمعنا هذه النصوص ورتبناها واستنبطنا منها دلالاتها- إذا ذهبنا إلى أن العلماء الرواة في القرن الثاني قد كانت بين أيديهم دواوين القبائل مكتوبة مدونة، وأنهم اعتمدوا هذه المدونات مصدرًا من مصادر تدوينهم نسخهم الخاصة من كتب القبائل التي نُسبت بعد روايتها إليهم. ونحسب أننا كذلك غير مغالين إذا رجحنا -مجرد ترجيح، ولكنه ترجيح قوي تدعمه الأخبار والنصوص التي قدمناها- أن هذه المدونات التي وصلت إلى علماء القرن الثاني قد كتب بعضها منذ مطلع القرن الأول ولعل بعضها الآخر قد كتب منذ الجاهلية نفسها. ٣ أما شعر هذيل -وهو الديوان الوحيد الذي وصل إلينا من دواوين القبائل- فنحب قبل الحديث عن رواياته ونسخة، أن نبدأ بالحديث عن عدد ما فيه من الشعراء وأبيات الشعر، ومدى موافقته لما رواه لنا العلماء. فقد قال

стр. 571

أبو سعيد١: "قيل لحسان بن ثبات الأنصاري ﵁: أي الناس أشعر؟ فقال: رجل بأذنه، أم قبيل بأسره؟ قال: هذيل فيهم نيف وثلاثون شاعرًا أو نحو ذلك، وبنو سنان مثلهم مرتين ليس فيهم شاعر واحد". فإذا كان المقصود من هذه العبارة أن جميع من رُوي له شعر من هذيل "نيف وثلاثون شاعرًا أو نحو ذلك"، يكون ديوان هذيل الذي بين أيدينا قد ضم بين دفتيه جميع هؤلاء الشعراء، إذ أن الشعراء الهذليين فيه نحو أربعين شاعرًا. غير أن أكثر من نصفهم قد رُوي لكل منهم أقل من خمسة وعشرين بيتًا، بل إن بعض هؤلاء لم يُروَ له إلا بيتان أو ثلاثة أو أربعة. أما الشعراء الذين تجاوز شعرهم مائة بيت فسبعة فقط. وإذ كان غير محتمل أن يسمِّي حسان -في عبارته المتقدمة- من لم يقل إلا البيتين أو الثلاثة أو الأربعة شاعرًا، فنحن إذن بين اثنتين: إما أن يكون عدد الشعراء كاملًا أو مقاربًا، ولكن ما رُوي لهم من الشعر ناقص غير مستوفًى؛ وإما أن يكون كثير من الشعراء لم يُذْكروا في الديوان الذي بين أيدينا. وكلا الأمرين ينهيان بنا إلى نتيجة واحدة، هي: أن ما بين أيدينا من شعر هذيل غير كامل. وثمة دليلان على ذلك -غير ما تقدم- أولهما: ما قيل عن الإمام الشافعي أنه٢ "كان يحفظ عشرة آلاف بيت من شعر هذيل، بإعرابها وغريبها ومعانيها". والذي بين أيدينا من هذا الشعر -في أطول رواياته- لا يكاد يبلغ ثلاثة آلاف بيت. ولعل قائل هذا القول لا يقصد بالعدد الذي ذكره إلى التعيين الدقيق، وإنما قصد إلى كثرة ما كان يحفظه الشافعي من هذا الشعر، ومع ذلك فإن الشعر الذي بين أيدينا سيبقى أقل من

стр. 572

نصف ما كان يحفظه الشافعي. وكان الشافعي إمامًا في الحفظ والرواية، وكان صحاب الأدب يأتونه فيقرءون عليه الشعر فيفسره، وذكر الأصمعي أنه قرأ شعر هذيل عليه١. والدليل الثاني أن بعض العلماء قد استدركوا ما فات السكري ذكره من شعر هذيل، ومنهم أبو الفتح عثمان بن جني "المتوفى سنة ٣٩٢هـ" الذي ألف "كتاب التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري ﵀ وحجمه خمسمائة ورقة بل يزيد على ذلك٢". وقد طُبع ديوان هذيل في مجموعتين: الأولى في أوربا، والثانية في مصر. الطبعة الأوربية: أما الطبعة الأوربية، فقد جاءت في أربع مجموعات: ١- "شرح أشعار الهذليين صنعة أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري"، طبعت في لندن سنة ١٨٥٤م، وقد حققها وقد لها بمقدمة قصيرة باللغة الإنجليزية المستشرق جودفري كوزجارتن. ٢- "أشعار الهذليين ما بقي منها في النسخة اللغدونية غير مطبوع، طبعت في برلين سنة ١٨٨٤م، وفيها تعليقات وترجمة للشعر باللغة الألمانية للمستشرق فلهاوزن. ٣- "ديوان أبي ذؤيب"، وهو الجزء الأول من "مجموع دواوين من أشعار الهذليين" اعتنى بنشره واستخرجه لأول مرة المستشرق الألماني يوسف هل، وطبعه في هانوفر سنة ١٩٢٦. ٤- "أشعار ساعدة بن جؤية وأبي خراش والمتنخل وأسامة بن الحارث"، وهو الجزء الثاني من "مجموعة أشعار الهذليين" اعتنى بنشرها كذلك يوسف هل وطبعها في ليبزج سنة ١٩٣٣. وقد طُبعت المجموعتان الأولى والثانية عن نسخة مخطوطة مضبوطة قديمة

стр. 573

محفوظة في ليدن كتبت في سنة ٥٢٩-٥٣٩هـ، كتبها محمد بن على بن إبراهيم بن زبرج العتابي "ولد سنة ٤٨٤ وتوفي سنة ٥٥٦، وكان إمامًا في النحو وعلوم العربية مشهورًا بجودة الخط مع الصحة والضبط، قرأ النحو على أبي السعادات ابن الشجري، واللغة على الجواليقي"١، وقد نقلها من نسخة بخط السمسمي "هو أبو الحسن على بن عبيد الله بن عبد الغفار، كان صدوقًا صاحب خط متقن مرغوب فيه لتحقيقه، تصدر ببغداد للرواية وأقرأ الأدب. توفي سنة ٤١٥"٢. وذكر العتابي في آخر المخطوطة أنه قابلها أيضًا بنسخ أخرى، منها نسخة بخط شيخه الجواليقي، ونسخة بخط الحميدي٣. وقد روى هذه النسخة أبو الحسن على بن عيسى بن على بن عبد الله الرماني "كان في طبقة الفارسي والسيرافى، وأخذ عن الزجاج وابن السراج وابن دريد، ولد سنة ٢٩٦ وتوفي سنة ٣٨٤"٤، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن عاصم الحلواني "بينه وبين أبي سعيد السكري نسب قريب، فروى عنه كتبه وكانت كثيرًا ما توجد بخطه"٥، عن أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري "المتوفى سنة ٢٧٥". فهذه النسخة إذن تنتهي في رواياتها إلى السكري، غير أنها ناقصة، والموجودة منها هو الجزء الثاني فقط، وهو المطبوع في لندن سنة ١٨٥٤م، وفي برلين سنة ١٨٨٤م. ولهذه النسخة قيمة كبيرة لمن يدرس تاريخ الرواية وتسلسل الإسناد في الشعر، وهي تكشف، في وضوح، عن طريقة السكري في الجمع بين الروايات المختلفة، والنص عليها. وتظهر لنا صدق الأقدمين في وصفهم السكري بأنه

стр. 574

كان الغاية في الجمع. وتفصيل ذلك أننا وجدنا -بعد دراسة النسخة- أن السكري قد اعتمد -في جمعه ديوان هذيل- على ثلاث روايات، هي الروايات التي نص عليها نصًّا صريحًا في مطلع ديوان أبي ذؤيب، وهي. أ- رواية بصرية: الرياشي، عن الأصمعي، عن عمارة بن أبي طرفة الهذلي١. ب- ورواية كوفية: محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني. جـ- ورواية جمعت بين الروايتين: محمد بن الحسن الأحول٢، عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي٣. ومع أن السكرى قد جمع بين هذه الروايات المختلفة إلا أنه كان حريصًا في جمعه على ألا تضيع معالم كل رواية وعلى ألا تختلط بغيرها فنص من أجل ذلك على كل قصيدة انفرد بها بعض هؤلاء الرواة دون غيرهم، وترك القصائد التي أجمعوا جميعًا عيها من غير أن ينص على روايتها، وحسبنا أمثلة قليلة توضح ذلك: أ- فقد أورد تسعة عشر بيتًا لمالك بن الحارث، اتفق الرواة جميعًا على نسبة الأبيات التسعة الأولى منها له ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من جعل بقيتها قصيدة منفصلة نسبوها لتأبط شرًّا يرد بها على مالك بن الحارث، ومنهم من جعلها كلها قصيدة واحدة منسوبة إلى مالك، ولذلك قال السكري عند البيت التاسع منها٤

стр. 575

"هذا آخر ما في رواية الجمحي وأبي عبد الله، قالا: فأجابه تأبط شرًّا الفهمي ثم العدوي؛ وأما أصحاب الأصمعي فيجعلونها قصيدة واحدة ويروونها لمالك بن الحارث إلى آخرها". ب- وأورد قصيدة لحبيب الأعلم، وقال في مقدمتها١: "لم يروها أبو نصر، ولا أبو عبد الله، ولا الأخفش ورواها الباهلي والجمحي". جـ- وأورد قصيدة لساعدة بن العجلان، وقال في مقدمتها٢: "رواها الأصمعي، ولم يروها ابن الأعرابي". د- وأورد عشرة أبيات لساعدة بن العجلان، قال عند البيت السادس منها٣: "هذا آخرها في رواية الأصمعي، والباقي عن الجحمي والباهلي ونصران وأبي عمرو، قال أبو نصر: لم يرو الأصمعي من هاهنا إلى آخرها". هـ- وأورد قصيدة لأبي جندب، قال عند البيت الرابع منها٤: "هذا أولها عند أبي عبيدة". و وأورد قصيدة لأبي جندب أيضًا قال في مقدمتها٥: "رواها الأصمعي، ولم يروها ابن الأعرابي ولا أبو عمرو ولا الجمحي". ز- وقصيدة أخرى لأبي جندب قال في مقدمتها٦: "قال الأصمعي: وتروى لأبي ذؤيب". ح- وقصيدة رابعة لأبي جندب قال في مقدمتها٧: "لم يروها أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش، ورواها نصران والجمحي".

стр. 576

والأمثلة على ذلك كثيرة ليس من غايتنا استقصاؤها، وإنما بحسبنا أمثلة توضح ما ذكرنا. وقد بالغ السكري في التحري والتحقيق، فلم يكتف بالنص على رواية القصيدة في جملتها، وإنما زاد على ذلك أن نص على رواية الأبيات التي اختلفوا عليها؛ فكان يذكر البيت -في القصيدة- ثم ينص على أن فلانًا لم يروه، وأن فلانًا رواه، فمن ذلك: أ - أنه أورد بيتًا في قصيدة لصخر الغي ثم قال١: "لم يرو هذا البيت والبيتين بعده الأصمعي، ورواها الجمحي وابن الأعرابي". ب - وأورد بيتًا في قصيدة أخرى لصخر أيضًا، ثم قال٢: "رواه أبو عبد الله والجمحي". جـ - وأورد بيتًا لأبي المثلم، ثم قال٣: "لم يرو هذا البيت والبيتين اللذين بعده أحد غير الباهلي عن الأصمعي، ولم يرو هذا أبو عمرو ولا أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش". د - وأورد بيتًا في قصيدة لصخر الغي، وقال ٤: "لم يرو هذا البيت والبيت والذي بعده الأصمعي وأبو عبد الله". هـ - وأورد بيتًا في قصيدة لأبي المثلم، وقال٥: "رواه الجمحي وأبو عمرو وأبو عبد الله". و وذكر بيتًا آخر من القصيدة نفسها وقال٦: "لم يروه والبيت الذي بعده إلا أبو عمرو وأبو عبد الله والجمحي". ز - وأورد أرجوزة لصخر الغي قال عنها٧: "وروى الأصمعي من

стр. 577

هذه الأرجوزة ثلاثة أبيات عليها صح صح، وسائرها عن أبي عبد الله والجمحي. ح- وقال عن بيت في قصيدة أخرى لصخر١: "لم يروه الأصمعي ورواه أبو عبد الله والجمحي". ط- وقال عن بيت آخر في القصيدة نفسها٢: "لم يروه إلا عبد الله وأبو عمرو الجمحي". ي- وأورد بيتًا في قصيدة لعامر بن العجلان ثم قال٣: "لم يروه والبيت الذي بعده الأصمعي، ورواهما أبو عمرو الجمحي وأبو عبد الله". ك- وأورد بيتًا في قصيدة لأبي جندب ثم قال٤: "لم يروه أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش ورواه الجمحي وأبو عمرو والأصمعي..". والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا أيضًا، وقد اجتزأنا منها بما قدمنا، وما نحسبها إلا واضحة الدلالة على ما ذكرناه من مبالغة السكري في التحري والتحقيق. بل إن السكري لم يكتف بالنص على رواية القصيدة في جملتها، ولا بالنص على رواية الأبيات التي اختلف عليها الرواة، وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك في تحريه ودقته، فقد نص، في داخل البيت نفسه، على روايات ألفاظه المختلفة، فذكر في كثير من الأبيات رواية الأصمعي أو أبي عمرو أو ابن الأعرابي أو ابن حبيب أو الجمحي أو الأخفش لهذه اللفظة أو لتلك، وما نحسب أن المجال هنا يتسع لعرض أمثلة من ذلك، وبحسبنا أن نفتح كتاب "شرح أشعار الهذليين" على أية صفحة لنجد الأمثلة وافرة على ذلك. وقد قدم السكري بذكره رواية الديوان في مجموعه، ثم رواية القصيدة في جملتها، ثم رواية الأبيات المفردة في القصيدة الواحدة، ثم رواية الألفاظ في البيت الواحد قدم السكري بذلك كله للدارس مادة خصبة، فيستطيع الدارس

стр. 578

المتتبع، إذا اهتدى بضوء هذه الروايات، أن يستخرج رواية الديوان البصرية: أي رواية الأصمعي، ويفردها وحدها، ويستطيع كذلك أن يستخرج رواية الديوان الكوفية: أي رواية ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، ويفردها وحدها، ثم يثبت ما بينهما من اختلاف واتفاق، وينتهي من كل ذلك إلى دراسة ممتعة لهذا الديوان. ونحسب أننا نزيد الأمر وضوحًا إذا لخصنا إسناد هذه النسخة الثمينة ورواياتها في الجدول الآتي: عمارة بن أبي طرفة الهذلي وبعد؛ فهذه هي النسخة الليدنية التي طُبعت منها المجموعتان الأولى والثانية من الطبعة الأوربية، وأما المجموعة الثالثة، وهي "ديوان أبو ذؤيب" التي طبعها

стр. 579

يوسف هل في هانوفر سنة ١٩٢٦، فمع أنه طبعها عن نسخة في دار الكتب -رقمها ١٩ أدب ش- إلا أن هذه النسخة أيضًا من رواية السكري، ونحن نرجح أنها منقولة عن النسخة الليدنية أو عن نسخة منقولة عنها، فتكون بذلك جزءًا من القسم الأول المفقود من النسخة الليدنية، وترجيحنا قائم على السببين التاليين: أ- أن السكري يذكر في مطلع الديوان الرواة الذين أخذ عنهم، وهم أنفسهم الذين ذكرناهم في النسخة الليدنية وكانوا ثلاثة أصناف: رواة بصريين: الرياشي عن الأصمعي عن عمارة بن أبي طرفة الهذلي؛ ورواة كوفيين: ابن حبيب عن ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني؛ ورواة جمعوا بين المذهبين: محمد بن الحسن "الأحول" عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي. ب- جاء في هذه النسخة أيضًا أنها أخذت عن نسخة الحلواني، وذلك قوله١: "ليس ذكر الأصمعي هاهنا في كتاب الحلواني". ومن أجل هذا كنا في غنى عن أن نتحدث عن هذه النسخة إذ أن ما ذكرناه عن النسخة السابقة ينطبق عليها أيضًا. وأما المجموعة الأخيرة من الطبعة الأوربية، وهي "مجموعة أشعار الهذليين، الجزء الثاني" المطبوعة في ليبزج سنة ١٩٣٣ بتحقيق يوسف هل، وتشتمل على أشعار ساعدة بن جؤية وأبي خراش والمتنخل وأسامة بن الحارث فمتفقة في إيراد الشعر وترتيبه وشرحه مع ما ورد من أشعار هؤلاء الشعراء الأربعة في طبعة دار الكتب، ولذلك سنستغني عن الحديث عنها بما سنورده من حديث عن هذه الطبعة. طبعة دار الكتب: وأما طبعة دار الكتب فمأخوذة من نسخة خطية محفوظة في الدار برقم ٦ أدب ش، مكتوبة بخط مغربي، وكانت ملك الشيخ محمد الشنقيطي، وقد كتب

стр. 580

عليها ملك هذا المجموع ... محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي المدني ثم المكي، ثم وقفه على عصبته بعده كسائر كتبه وقفًا مؤبدًا، فمن بدله أو غيره فإثمه عليه والله تعالى حسيبه، وكتبه مالكه واقفه محمد محمود سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف. وقد كتبت هذه النسخة من أصل بخط يحيى بن المهدي الحسيني كتبه سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة. وفي أول الأصل هذه المقدمة كتاب ديوان الهذليين، وهو يشتمل على ثمانية أجزاء: خمسة منها من رواية أبي سعيد عن الأصمعي، وهي الثاني والثالث والرابع والخامس والسابع. ولم نظفر من نسخة رواية أبي سعيد إلا بهذه الخمسة، وضاع الثاني، وهي ثلاثة من نسخة الأصل، ثم وقفنا بعد ذلك على نسخة أخرى ليست من رواية أبي سعيد، وهي كتاب واحد غير مجزأ يخالف نسخة رواية أبي سعيد في الترتيب وفي رواية بعض الأشعار ونسبتها إلى قائليها، فأخذنا ما وجدناه فيها مما ليس في رواية أبي سعيد، وقسمناه إلى ثلاثة أجزاء وهي: الأول والسادس والثامن، وجعلناه تمامًا لهذه النسخة، وألحقنا كل شيء من ذلك بموضعه اللائق به حسبما أمكن، وبالله تعالى التوفيق. ومع اختلاط هذه النسخة وتداخلها فإن الشرح فيها مختصر موجز، والرواية قليلة لا تكاد تسعف الدارس، وذكر أبي سعيد فيها فيه لبس وإبهام، فهو أحيانًا أبو سعيد السكري، كما في قوله١: "قال أبو سعيد ... وحدثني الرياشي قال: قال الأصمعي ... "، وأحيانًا أخرى أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، ونستدل على ذلك ممن يروي عنهم، وذلك مثل قوله٢: "وأنشدنا أبو سعيد ... قال: وأنشدنا أبو عمرو بن العلاء"، وكثيرًا ما يورد شروحًا أو استشهادات شعرية يرويها عن أبي عمرو بن العلاء ومثل قوله٣: "وسمعت

стр. 581

عيسى بن عمر يقول، "أو حدثني عيسى بن عمر"١، وقوله٢: "قال أبو سعيد: وحدثنا شعبة عن سماك بن حرب". وقوله٣: "قال أبو سعيد: سألت ابن أبي طرفة عن هذا فلم يعرفه، ولم يكن عند أبي عمرو فيها إسناد"؛ وقوله٤: "قال أبو سعيد ... وأنشدنا الهذلي". فهذه كلها قاطعة الدلالة على أن أبا سعيد هنا هو الأصمعي. وهذه الأمثلة التي قدمناها تكشف عن المصادر التي استقى منها الأصمعي وروى عنها. غير أننا لا نريد أن نمضي في دراسة هذه النسخة بأكثر من هذا فقد أغنتنا عنها النسخة الليدنية التي درسناها آنفًا.

стр. 582

الفصل الثالث: المختارات ١ أما مختارات الشعر العربي فأقدم ما وصل إلينا منها المجموعة التي اختارها المفضل بن محمد الضبي -رأس علماء الكوفة في عصره- والتي عرفت بالمفضليات. ولم يبلغنا أن أحدًا قبل المفضل اختار شيئًا من الشعر وجمعه في مجموعة مستقلة إلا ما قدمناه من أمر المعلقات. وتحتوي المفضليات التي بين أيدينا على مائة وست وعشرين قصيدة -أضيف إليها أربع قصائد وجدت في إحدى النسخ- لسبعة وستين شاعرًا، منهم ستة شعراء إسلاميون، وأربعة عشر مخضرمون، والباقون وهم سبعة وأربعون شاعرًا جاهليون لم يدركوا الإسلام. ويبدو أن كثيرين من تلامذة المفضل رووا هذه المختارات عنه، ولذلك اضطربت روايتها بعض الشيء، وأصح رواياتها هي التي رواها أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي تلميذ المفضل وربيبه، قال ابن النديم١ "وهي مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عنه، الصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي..". ولم يشرح المفضل هذه المختارات، إذ أن المعروف عنه أنه "إنما كان يروي شعرًا مجردًا، ولم يكن بالعالم بالنحو ولا كان يشدو منه شيئًا٢"، "وكان يقول: إني لا أحسن شيئًا

стр. 583

من الغريب ولا من المعاني ولا تفسير الشعراء"١. وما في هذه المفضليات من شرح إنما صنعه أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري "المتوفى سنة ٣٠٤" وقد أخذها إملاء مجلسًا مجلسًا عن أبي عكرمة عامر بن عمران الضبي "المتوفى سنة ٢٥٠"، وأخذها أبو عكرمة عن ابن الأعرابي "المتوفى سنة ٢٣٢"؛ ولم يكتف أبو محمد بن الأنباري بذلك، وإنما كان يرجع إلى علماء آخرين مثل: أبي عمرو بندار الكرخي، وأبي بكر العبدي، وأبي عبد الله محمد بن رستم، وأبي الحسن على بن سنان الطوسي، فيسألهم عن الشيء بعد الشيء منها؛ فلما فرغ منها كلها عرضها على أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح "المتوفى سنة ٢٧٣" وقرأها عليه: شعرها وغريبها. فلما تم له ذلك أقرأها تلامذته، فكان ممن قرأها عليه ابنه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وقرأها على أبي بكر هذا أبو بكر أحمد بن محمد الجراح الخزاز؛ وبذلك تمت لهذه المجموعة روايتها في إسناد متصل من ابن الجراح إلى المفضل الضبي. وقد فصل ذلك كله تفصيلًا دقيقًا في مطلع النسخة التي بين أيدينا، وهذا نصه "أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الجراح الخزاز قراءة عليه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارين قال: قرأت على أبي هذا الكتاب: الشعر والتفسير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم كثيرًا سرمدًا دائمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قال أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري: أملى علينا عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي هذه القصائد المختارة المنسوبة إلى المفضل بن محمد الضبي إملاءً مجلسًا مجلسًا من أولها إلى آخرها، وذكر أنه أخذها عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، وذكر أنه أخذها عن المفضل الضبي. قال أبو محمد: وكنت أسأل أبا عمرو بندار الكرخي، وأبا بكر العبدي، وأبا عبد الله محمد بن رستم، والطوسي وغيرهم، عن الشيء

стр. 584

بعد الشيء منها، فيزيدونني على رواية أبي عكرمة البيت والتفسير، وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله. فلما فرغنا منها صرت إلى أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح فقرأتها عليه من أولها إلى آخرها شعرها وغريبها، فأنكر على أبي عكرمة أشياء أنا مبينها في مواضعها ومسند إلى أبي جعفر ما فسر وروى في موضعه إن شاء الله؛ والمعين الله جل وعز والحول له والقوة به. وعمود الكتاب على نسق أبي عكرمة وروايته". ومع هذا الإسناد، والرواية الكاملة، والتحقيق والاستقصاء اللذين بلغا الغاية في الدقة، فإن هذه المجموعة من المختارات لم تسلم من الشك في عدد قصائدها وفي أنها جميعًا مما روى المفضل. وتفصيل ذلك: أن أبا علي القالي قال١: "وقرأت على أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش في المفضليات قصيدة عبد يغوث بن وقاص الحارثي ... وقال أبو الحسن علي بن سليمان: حدثني أبو جعفر محمد بن الليث الأصفهاني قال: أملى علينا أبو عكرمة الضبي المفضليات من أولها إلى آخرها، وذكر أن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، وقرئت بعدُ على الأصمعي فصارت مائة وعشرين. قال أبو الحسن، أخبرنا أبو العباس ثعلب: أن أبا العالية الأنطاكي والسدري، وعافية بن شبيب -وهؤلاء كلهم بصريون من أصحاب الأصمعي- أخبروه أنهم قرءوا عليه المفضليات، ثم استقرءوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره، وضموه إلى المفضليات، وسألوه عما فيه مما أشكل عليهم من معاني الشعر وغريبه فكثرت جدًّا". ونحن نرى من هذا النص أمورًا، منها: أن ثمة تلميذًا غير أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، أخذ المفضليات إملاءً عن أبي عكرمة، وهو أبو جعفر محمد بن الليث الأصفهاني. وأن أبا جعفر هذا قال إن أبا عكرمة ذكر أن أصل المفضليات التي اختارها المفضل ثمانون قصيدة فقط، ثم قرئت

стр. 585

على الأصمعي فصارت مائة وعشرين. ثم إن ثعلبًا روى عن ثلاثة من أصحاب الأصمعي أنهم قرءوا عليه المفضليات، وأنهم بعد ذلك استقرءوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى المفضليات وسألوا الأصمعي عن معانيه وغريبه، وبذلك كثرت المفضليات جدًّا. فإذا صحت هذه الرواية، فمعنى ذلك أن ثلثي القصائد المذكورة في هذه المجموعة فقط من اختيار المفضل، وأن سائرها من الزيادات التي أضافها الأصمعي وتلاميذه. غير أن في هذا الخبر ما يستوقف الباحث، وذلك أن أبا محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباري قد أخذ هذه المفضليات إملاء مجلسًا مجلسًا عن أبي عكرمة الضبي، فلو أن أبا عكرمة ذكر في مجالسه "أن المفضل أخرج ثمانين قصيدة للمهدي، وقرئت بعدُ على الأصمعي فصارت مائة وعشرين" لسمعها ابن الأنباري -كما سمعها محمد بن الليث الأصفهاني فيما روى الأخفش- ولأثبتها في هذه المقدمة المفصلة التي بيَّن لنا فيها كيف أخذ المفضليات وشرحها. هذه واحدة؛ ثم إن أبا عكرمة ذكر أنه أخذ هذه القصائد عن ابن الأعرابي ما عدا ستًّا منها وهي في المطبوعة بتحقيق ليل رقم ٣و ١٣ و ١٦ و ١٩ و ٣٠ و ٣٢، إذ إن ابن الأنباري لم يروها عن أبي عكرمة وإنما ذكر أنه رواها عن أبي جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، وأبو جعفر هذا سمع ابن الأعرابي وأخذ عنه، وقد عاصر ابن الأعرابي الأصمعي، ولكنه كان شديد العصبية للكوفيين، ولشيخه المفضل خاصة، خصمًا للأصمعي كثير النيل منه والتنقص له. فإذا كانت هذه القصائد الست والعشرون كلها رواها ابن الأعرابي عن المفضل كما ذكر ابن الأنباري؛ فإن من غير المحتمل أن يكون ابن الأعرابي قد روى -زيادة على ما اختاره المفضل- الإضافات التي زادها الأصمعي وتلامذته. هذه ثانية؛ وأما الثالثة: فإن ابن النديم قد ذكر في كتابه "الذي كتبه سنة ٣٧٧" أن المفضليات١ "مائة وثمانٍ وعشرون قصيدة.... والصحيحة التي رواها عنه ابن الأعرابي".

стр. 586

وقد تنبه ليل لكل ذلك وأورده في مقدمة طبعته من المفضليات١، وانتهى من ذلك إلى قوله "ولهذه الأسباب يبدو أننا لا نستطيع أن نسلم بالخبر الذي رواه الأخفش؛ ومع ذلك فإن هذه المسألة ليست مما يمكن حله حلًّا قاطعًا؛ أما مسألة صحة هذا الشعر ونسبة قصائده إلى قائليها، فإن مكانة الأصمعي في الرواية والحكم على مثل هذه الأمور لا تقل في قيمتها وعلوها عن مكانة المفضل". ولكن يبدو أن الأستاذين أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون لم يطمئنا إلى ما اطمئن إليه ليل، وإنما أعادا -في طبعتهما للمفضليات- هذا الموضوع جذعًا، فأكدا "أن هذه الثمانين هي أصل الكتاب عن المفضلن لم يتجاوزها، ثم قرئت على الأصمعي، فأقرها وزادها قصائد، وزاد في بعض قصائدها أبياتًا، واختار قصائد أخر. ثم جاء من بعد الأصمعي، وزادوا في القصائد -أصلها ومزيدها- أبياتًا دخلت في روايتي المفضل والأصمعي، حتى اختلطت كلها، فلم يكن ميسورًا أن يجزم جازم بما كان أصلًا وما كان مزيدًا، إلا قليلاً، ونحن موقنون أن السبعين التي بُني عليها الكتاب، والعشرة التي زادها المفضل، ليست الثمانين الأولى من هذه المجموعة، وإنما هي ثمانون قصيدة مفرقة في الكتاب، لا نوقن في قصيدة بعينها أنها منها أو من غيرها إلا قليلًا أيضًا٢". وواضح أن هذا الكلام مأخوذ من الخبر الذي رواه الأخفش وأورده القالي في أماليه، ولكن الأستاذين المحققين، قد بحثا بحثًا طويلًا، فيه استقصاء دقيق، عن أدلة يؤيدان بها هذا الخبر، وأن قصائد من الأصمعيات أدخلت في المفضليات. وقد فصلا القول في ذلك في مقدمة طبعتهما، ولسنا بحاجة إلى أن نعيده هنا فليراجع في موطنه؛ غير أننا قد نذكر بعضه موجزًا في الحديث التالي.

стр. 587

٢ أما الأصمعيات فاثنتان وتسعون قصيدة ومقطعة١، لواحد وسبعين شاعرًا؛ منهم ستة شعراء إسلاميون، وأربعة عشر شاعرًا مخضرمون، وأربعة وأربعون جاهليون، وسبعة مجهولون ليست لهم في المظان تراجم تكشف عن عصرهم. وليس في النسخة الخطية التي طبع عنها وليم بن الورد الطبعة الأوربية، ولا في النسخة الخطية المحفوظة في دار الكتب التي طبع عنها الأستاذان عبد السلام هارون وأحمد محمد شاكر الطبعة المصرية إسناد يكشف عن الرواية التي انتقلت بها هذه المختارات من الأصمعي. وذلك -في رأينا- عيب النسختين الخطيتين نفسهما، أو عيب النسخة أو النسخ التي نقلت عنها هاتان النسختان، وليس عيبًا في تاريخ الرواية الأدبية؛ لأننا قد رأينا حرص العلماء الرواة على ذكر الإسناد الذي انتقلت إليهم به الدواوين والمجموعات الشعرية؛ ولو وصلت إلينا النسخ الأصلية القديمة التي كتبها العلماء أنفسهم الرأينا في كل نسخة -على عادتهم التي لا يشذون عنها- إسنادًا متصلًا، ورواية تامة يكونان مصدرًا خصبًا للدراسة والبحث. أما إسناد الأصمعي عمن قبله، فقد ذكرنا من قبل أن الأصمعي ومن في طبقته من علماء المدرستين: البصرية والكوفية، كانوا الطبقة الأولى من الرواة العلماء، وأن مَن بعدهم قد روى عنهم وأسند روايته حتى ارتفعت إليهم ثم انتهت عندهم، وأنهم هم لم يكونوا يسندون إلا في القليل النادر، وأضفنا إلى ذلك أن إغفال الطبقة الأولى للإسناد لا يعني انقطاع الرواية، بل لقد وضحنا أن الرواية كانت متصلة مسلسلة من آخر العصر الجاهلي وصدر الإسلام حتى

стр. 588

زمن هؤلاء الرواة العلماء من رجال الطبقة الأولى، لم تنقطع خلال هذا الزمن فترة مهما تكن قصيرة. وذكرنا في مواطن متفرقة من هذا البحث أن مصادر هذه الطبقة الأولى من العلماء كانت ثلاثة: الصحف والمدونات التي وصلت إليهم من العصور السابقة؛ والأخذ عن الشيوخ العلماء من رجال المدرسة الواحدة أو المدرستين معًا بالرواية الشفهية وبالقراءة وبالإملاء، ثم الرواية عن الرواة من الأعراب. ثم قلنا إن هؤلاء العلماء كانوا يجمعون كل ذلك وينقدونه ويمحصونه ثم يبقون منه ما رجحت لهم صحته، فيدونونه في نسختهم الخاصة التي يرويها عنهم تلاميذهم. ومع هذا كله، فقد كان علماء الطبقة الأولى يسندون أحيانًا، وكذلك فعل الأصمعي في بعض مختاراته هذه، فنص في ست منها على أنه رواها عن أبي عمرو بن العلاء وهي: ١- "قال المنخل بن عامر ... اليشكري، قال أبو سعيد: قرأتها على أبي عمرو بن العلاء١". ٢- "قال أبو الفضل الكناني، قال أبو سعيد: أنشدنيها أبو عمرو بن العلاء"٢. ٣- "قال أبو سعيد، قال أبو عمرو بن العلاء: قال عمرو بن الأسود. هذه القصيدة يوم ذي قار"٣. ٤- "قال أبو سعيد: سمعت أبا عمرو بن العلاء ينشد هذه القصيدة لامرئ القيس"٤. ٥- "قال الأصمعي، سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ساب يزيد

стр. 589

ابن الصعق رجلًا من بني أسد، فقال يزيد في ذلك ... ، فأجابه الأسدي١". ٦- "وأنشدني أبو عمرو بن العلاء لطرفة بن العبد..٢". ونص في واحدة منها على أنه رواها عن خلف الأحمر قال عبد الله بن جنح النكري قال الأصمعي: أنشدنيها خلف الأحمر٣". ونص في أخرى على أنه رواها عن أعرابي سماه من أهل نجد عن أبيه عن الشاعر نفسه، وذلك قوله٤: "قال أبو سعيد، عن حبيب بن شوذب، ورجل من أهل نجد مسن، عن أبيه، أنشدنيها كعب بن سعد موافقًا لي براذان". وكذلك نص في واحدة على أنه رواها عن راوية من قبيلة الشاعر نفسه، وذلك قوله٥: "قال الأصمعي: حدثنا رجل من بني رياح قال: جاء رجل إلى الأخوص والأبيرد -وهما من ولد عتاب بن هرمي- يطلب هناءً، فقالا: إن بلغت عنا سحيم بن وثيل بيتًا وأتيتنا بجوابه. قال: نعم، هاتياه. فأنشداه: إن بداهتي وجراء حولى لذو شق على الحطم الحرون فلما أنشده إياه أخذ عصاه، وجعل يهدج في الوادي ويقول: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا...... "القصيدة". ونص في الأخيرة منها على أنه أخذها عن الحارث بن مطرف، وذلك قوله٦: "وقال الأصمعي، خبرني الحارث بن مطرف قال: استب حجل ومعاوية بن شكل عند بعض الملوك.. فقال حجل". بقي أمر آخر يتصل برواية الأصمعيات، وهو ما ذكره ابن النديم في

стр. 590

قوله١: "وعمل الأصمعي قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غريبها واختصار روايتها". وفي هذا الحكم -الذي انفرد بذكره ابن النديم- إشكالان يبدو أنه لا سبيل إلى حلهما حلًّا قاطعًا يقينيًّا. الأول: ما الذي يقصده ابن النديم بهذه القطعة الكبيرة من أشعار العرب؟ أهي القصائد التي اختارها الأصمعي فنسبت إليه وسميت الأصمعيات؟ أم هي جميع الدواوين الشعرية التي عملها الأصمعي؟ ولقد كان من الجائز أن يكون المقصود بها الأصمعيات -كما ذهب إلى ذلك ليل٢- لولا أمران، الأول: أنه وصفها بأنها "قطعة كبيرة" والأصمعيات ليست كذلك، أو على الأقل ما بين أيدينا منها ليس كذلك، والمفضليات أكبر منها كثيرًا٣. أما الدواوين التي عملها الأصمعي فهي "قطعة كبيرة" حقًّا. ثم إن ابن النديم يستخدم أحيانًا لفظة "القطعة" من الأشعار ويقصد بها دواوين الشعر، فمن ذلك قوله عن السكري إنه عمل "قطعة من القبائل"٤. والأمر الثاني الذي يجعلنا نشك في أنه يريد بقوله هذا الأصمعيات هو أنه ذكره في آخر حديثه عن الأصمعي، بعد أن ذكر أسماء كتبه في اللغة والحديث، ولم يذكر له مما عمله من الشعر إلا كتاب "القصائد الست! "٥، فلعله أغفل ذكر الدواوين التي عملها الأصمعي ليجملها في هذا اللفظ العام "قطعة كبيرة من أشعار العرب". هذا هو الإشكال الأول في نص ابن النديم، أما الإشكال الثاني ففي قوله "واختصار روايتها". ونحن نرى أن "الرواية" هنا قد تعني أحد أمرين: إما إسناد الرواية، وإما الشعر المروي نفسه. فإذا كان المقصود: الإسناد، فله وجهان أيضًا:

стр. 591

١- إسناد الأصمعي عمن قبله من العلماء الذي أخذ عنهم؛ وقد فهمه بهذا المعنى ليل في مقدمة طبعة المفضليات١. غير أننا نستبعد أن يكون هذا المعنى هو الذي ذهب إليه ابن النديم؛ لأننا قد عرفنا من دراستنا المفصلة أن علماء الطبقة الأولى كانوا منتهى الإسناد، وأنهم لم يكونوا يسندون إلى من قبلهم من العلماء إلا في القليل النادر، وأن ذلك لم يكن عيبًا ولا نقصًا فيهم، ولا فيما يروون حتى تكون "ليست بالمرضية عند العلماء". ٢- إسناد الرواية بعد الأصمعي حتى زمن ابن النديم، ويكون معنى ذلك -إذا كان المقصود به الأصمعيات- أن هذه القصائد المختارة لم يروها عن الأصمعي تلامذته، وأن إسناد الرواية بعد الأصمعي غير مكتمل الحلقات. وأما الأمر الثاني الذي قد تعنيه لفظة "الرواية" في هذا النص، وهو الشعر المروي نفسه، فلعل معناه -إذا كان المقصود به الأصمعيات- أن الأصمعي حين اختار هذه الأشعار، لم يرو في كثير منها القصيدة كاملة، وإنما اختار منها أبياتًا أو قطعة صغيرة، وأغفل ذكر سائرها. وفي الأصمعيات التي بين أيدينا شعراء لم يورد لهم الأصمعي إلا بيتين أو ثلاثة أو أربعة. فلعل هذا معنى قوله "اختصار روايتها". ٣ وثمة ضرب آخر من المختارات يختلف عن المفضليات والأصمعيات في أنه بُني على أساس معلوم في اختياره، ثم في تقسيمه وتبويبه. وهذا الضرب مجموعتان: حماسة أبي تمام، وجمهرة أشعار العرب. أما الحماسة فقد بُني اختيار ما فيها من الشعر على أبواب المعاني: فباب لشعر الحماسة وهو أول الأبواب وأكبرها وبه سميت المجموعة كلها، وباب للمراثي، وباب للأدب، وباب للنسيب، وباب للهجاء، وباب للأضياف والمديح، وباب للصفات، وباب للسير والنعاس، وباب للملح، وباب لمذمة

стр. 592

النساء. وأما جمهرة أشعار العرب فقد قُسم ما فيها من الشعر سبعة أقسام هي: السموط، المجمهرات، المنتقيات، المذهبات، المراثين المشوبات، الملحمات. أما المفضليات والأصمعيات فلم يبين فيهما أساس الاختيار، وليس فيهما تبويب وتقسيم، وقد التقت الحماسة والجمهرة في هذه الصفة وحدها ثم اختلفتا في غيرها؛ فانضمت الجمهرة إلى المفضليات والأصمعيات في أنها قصائد كاملة طوال. أما الحماسة فأبيات مقتطفات ومقطعات قصار؛ ولذلك قال التبريزي٢: "ومن أجود ما اختاروه من القصائد المفضليات، ومن المقطعات الحماسة". وليس من شأننا في هذا البحث أن نتناول بالحديث الشعر نفسه من حيث خصائصه وميزاته، وإنما هدفنا أن نقصر الحديث على رواية القصائد ورواية المجاميع جملةً. وسنرى أن حديثنا عن هاتين المجموعتين من المختارات حديث موجز نتخذه معبرًا نصل منه إلى ما سنجمله في آخر هذا الفصل من رواية كتب المختارات وقيمتها التاريخية من حيث هي مصدر من مصادر الشعر الجاهلي. أما الحماسة فليست لها رواية انتقلت بها إلى أبي تمام، ولا رواية أخذت بها عن أبي تمام، وإنما أخذها أبو تمام من الكتب، وانتقاها من الدواوين والمجاميع، في حديث طويل سنذكره بعد قليل. ثم كتب أبو تمام ما اختاره، وبقي كتابه دهرًا مطويًّا لم يقرأه عليه أحدن كما لم يقرأه هو على أحد، إلى أن أتيح له أن يُنشر ويظهر بعد وفاة أبي تمام٣؛ فأخذ ما فيه من الصحف المكتوبة نفسها لا عن العلماء. وهذا المرزوقي شارح الحماسة، وبينه وبين أبي تمام نحو مائتي عام، لا يذكر إسنادًا انتقل إليه به الكتاب، بل إنه لينص على أنه أخذه من الكتب، وأنه كانت بين يديه نسخ عدة منه فهو يقابل بينها ويثبت ما يجد فيها٤. وليس فقدان الرواية والإسناد هو الأمر الوحيد الذي يباعد بين الحماسة

стр. 593

وبين بحثنا هذا، بل إن ثمة شيئًا آخر لا يقل عن سابقة في المباعدة بين هذا الكتاب وبين بحثنا، وهو صنيع أبي تمام فيما اختاره من تغيير للنص الشعري مما أوضحه المرزوقي في مقدمته، قال١: "وهذا الرجل لم يعمد من الشعراء إلى المشتهرين منهم دو الأغفال، ولا من الشعر إلى المتردد في الأفواه، المجيب لكل داع، فكان أمره أقرب؛ بل اعتسف في دواوين الشعراء جاهليهم ومخضرمهم وإسلاميهم ومولدهم، واختطف منها الأرواح دون الأشباح، واخترف الأثمار دون الأكمام، وجمع ما يوافق نظمه ويخالفه؛ لأن ضروب الاختيار لم تخف عليه، وطرق الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه، حتى إنك تراه ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويبدل الكلمة بأختها في نقده. وهذا يبين لمن رجع إلى دواوينهم، فقابل ما في اختياره بها". من أجل هذا كله رأينا أننا لا نستطيع أن نتحدث عن الحماسة حديثًا يتصل بموضوعنا، فأوجزنا الكلام إيجازًا يغني عن التطويل، ويكفي لأن نصل به بعد قليل ما يدخل في بحثنا إلى الصميم. وأما الجمهرة فتحتاج إلى بحث مستفيض قائم بذاته مستقل عن بحثنا هذا، فنسبتها إلى صاحبها عقدة تحتاج إلى حل، والتعريف بصاحبها وترجمته عقدة أخرى لا تقل عن الأولى، وأكثر الرواة الذين يروي عنهم مجاهيل لم نجد لهم ذكرًا فيما بين أيدينا من كتب الرجال والطبقات، وهي عقدة ثالثة تنافس في الصعوبة سابقتها. وتفصيل ذلك أن هذا الكتاب -في طبعاته الثلاث: طبعة بولاق سنة ١٣١١هـ، وطبعة المطبعة الخيرية سنة ١٣٣١هـ، وطبعة المطبعة التجارية، وهي كلها عن أصل واحد ولا اختلاف بينها- قد نُسب إلى أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي؛ وهو مجهول ليس له أدنى ذكر في جميع كتب

стр. 594

الطبقات والرجال، فلم يذكر مع المحدثين ورواة الحديث، ولا مع اللغويين والنحويين، ولا مع الشعراء والأدباء، ولا مع مؤلفي الكتب وجامعي الدواوين. ثم تتبعنا ذكره وذكر جمهرته فيما بين أيدينا من كتب الأدب عامة، فوجدناه مذكورًا في خزانة الأدب للبغدادي١، وفي المزهر للسيوطي٢، وفي العمدة لابن رشيق٣ أما في الخزانة فقد ذكره البغدادي ست مرات لم يسمه في أربع منها، وإنما ذكر الكتاب من غير نسبة مرة، وقال في مرة أخرى: صاحب جمهرة أشعار العرب وقال في المرتين الأخريين: شارح جمهرة أشعار العرب وسماه في الموطنين الباقيين باسم محمد بن أبي الخطاب، ومن غير كنية ومن غير نسبة بعد الاسم. غير أنه في أحد هذين الموطنين نقل اسمه من العمدة، فقال: "وفي العمدة لابن رشيق: قال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب". فلعله في الموطن الثاني الذي سماه فيه قد تأثر بتسمية ابن رشيق له، ولعله أيضًا كان بين يديه كتاب الجمهرة فنقل منه ما نقل من غير أن يسميه لأنه كان في شك من أمر نسبته إلى صاحبه. وأما السيوطي في المزهر فقد ذكره في موطن واحد، ونقل ما جاء في العمدة عنه. فمرد تسمية صاحب الجمهرة في هذين الكتابين -كما رأينا- إلى ابن رشيق في العمدة حيث سماه في موطنين، فقال مرة: "وقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الرسوم بجمهرة أشعار العرب" وقال مرة أخرى: "وزعم ابن الخطاب". وعند كتاب العمدة ينتهي بحثنا عن صاحب كتاب الجمهرة، ويكون بذلك ابن رشيق أقدم من ذكر محمد بن أبي الخطاب ونسب إليه الجمهرة، فإذا كانت تسمية هذا الرجل مما جرى به قلم ابن رشيق حقًّا، ولم يكن زيادة أقحمها

стр. 595

أحد النساخ، فإن معنى ذلك أن محمد بن أبي الخطاب قد عاش قبل منتصف القرن الخامس الهجري "مات ابن رشيق سنة ٤٦٣هـ". ثم إننا وجدنا في معهد إحياء المخطوطات العربي صورة من نسخة أصلها في مكتبة كوبريلي، وعنوانها "جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وما وافق القرآن على ألسنتهم واشتقت بهم لغتهم وألفاظهم". والنسخة مكتوبة في سنة ٦٨٣ هجرية كما هو مذكور في آخرها. وهي تتفق مع النسخة المطبوعة في العنوان وفي المحتويات، وإن كان بينهما من الاختلاف ما يكون عادة بين النسخ الخطية المتعددة للكتاب الواحد. غير أن هذه النسخة المصورة مذكور في أولها أن مؤلفها وشارحها هو: محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري!! وهو مجهول أيضًا لم نعثر له على ترجمة، أفيكون رجلًا آخر غير محمد بن أبي الخطاب؟ أم أنه هو هو؟ ويكون بذلك أبوه أيوب هو أبا الخطاب كنية؟ وأمر ثالث: هل محمد بن أبي الخطاب أو محمد بن أيوب هو مؤلف هذا الكتاب، أو شارحه وراويه؟ ولرب قائل يقول: إن محمد بن أبي الخطاب أو محمد بن أيوب هو مؤلف الكتاب من غير ريب. وأن على ذلك دليلين؛ الأول: نص واضح في أول الكتاب، ففي المطبوعة "هذا الكتاب جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام. تأليف أبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي.."، وفي المخطوطة "ألفه وشرحه محمد بن أيوب العزيزي ثم العمري". والدليل الثاني: أن أكثر الأخبار والروايات في القسم الأول من الكتاب وهو مقدمته، مصدرة بقوله "قال محمد" ثم يذكر إسناد الرواية. ومع أن هذين الدليلين كان يصح أن يكفيا للتدليل على أن هذا الرجل هو مؤلف الكتاب إلا أننا لا نستطيع، بعد الدرس، أن نسلم بهذه النتيجة وذلك لأننا وجدنا أن محمدا هذا يروي الكثرة الغالبة من أخبار مقدمته عن رجل بعينه هو "أبو عبد الله المفضل بن عبد الله بن محمد بن المجبر١ بن

стр. 596

عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب". حتى إذا وصل في مقدمته إلى القسم المهم منها، وهو هذا القسم السباعي للشعر الذي يورده -وهو تقسيم لم يرد في غير هذا الكتاب فيما نعرف- ذكر هذا التقسيم وذكر سبعة شعراء سماهم بأسمائهم في كل قسم، ثم قال١، "قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدة عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم" فيكون إذن هذا التقسيم، مع النص على الشعراء بأسمائهم وذكر القصائد بذواتها، من صنع المفضل هذا، لا من صنع محمد، ويكون فضل محمد في أنه روى هذا التقسيم والشعر عن المفضل، ثم شرحه ذلك الشرح الموجز الموجود في الكتاب. والمفضل بن عبد الله المجبري هذا مجهول كذلك لم تذكره كتب الرجال والطبقات، غير أنه في هذا الكتاب يروي "عن أبيه عن الأصمعي"٢، و"عن أبيه عن جده عن أبي عبيدة"٣، فيكون المفضل بذلك من رجال القرن الثالث ومطلع القرن الرابع، ويكون محمد راوي الجمهرة وشارحها من رجال القرن الرابع؛ وسائر الأسانيد التي عن غير المفضل في المقدمة تتفق في هذه النتيجة على وجه التقريب. أما ما ذكره سركيس في معجم المطبوعات من أن محمدا توفي في سنة ١٧٠هـ فأمر عجيب لا ندري كيف وصل إليه، ولعله استنتجه استنتاجًا حين رأى محمدًا في أول النسخة يروي عن المفضل بن محمد الضبي، وهو خطأ محض، صوابه ما في المخطوطة الأخرى المثبت على هامش الصفحة الثالثة من أنه "المفضل بن عبد الله المجبري" ويؤيد ذلك تكرار هذا

стр. 597

الاسم بهذا النسب في صفات المقدمة. وهذا التاريخ التقريبي الذي وصلنا إليه من رواية المقدمة -وهو أن محمدًا هذا قد عاش في خلال القرن الرابع الهجري- يؤيده، بعض الشيء، ما ذكرناه من أن مؤلف كتاب جمهرة أشعار العرب لا بد أن يكون قد عاش قبل منتصف القرن الخامس لأن ابن رشيق القيرواني روى عنه في العمدة، وابن رشيق مات سنة ٤٦٣هـ. ونحب أن نكتفي بهذا القدر من بحث هذا الكتاب ودراسته، ونترك مواصلته وإكماله لمن سيستقل في المستقبل بعبء تحقيقه ونشره. فإذا أضفنا إلى ذلك أن جميع ما في كتاب جمهرة أشعار العرب من إسناد ورواية محصور في المقدمة نفسها وما فيها من أخبار وأحكام نقدية، وأما القسم الثاني من الكتاب وهو الشعر نفسه فخال من أي إسناد ورواية، إذا أضفنا هذا إلى كل ما تقم تبين لنا في وضوح أن فيما أسلفنا من حديث ما يغني عن الإطالة. ٤ وبعد، فإننا لم نتحديث عن أخطر ما في مجموعات القصائد المختارة من دلالات تتصل ببحثنا عن تاريخ الرواية ومصادر الشعر، وقد اقتطعنا هذا الجزء من البحث من مواضعه المتفرقة وادخرناه لنختم به هذا الفصل؛ ولا نريد أن نستعجل ذكره وبيانه، وإنما نريد أن نمهد بإيراد بعض النصوص والأخبار التي تنتهي بنا إلى ما نريد: ١- قال التبريزي١: "وكان سبب مع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر، وهو بخراسان، فمدحه، وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذا

стр. 598

رضيه أبو العميثل وأبو سعيد الضرير؛ فقصدهما أبو تمام وأنشدهما القصيدة التي أولها. أهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدمًا أدرك السؤل طالبه فلما سمعا هذا الابتداء أسقطاها، فسألهما استتمام النظر فيها، فمرَّا بقوله: وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه فاستحسنا هذين البيتين وأبياتًا أخرى ... فعرضا القصيدة على عبد الله، وأخذا له ألف دينار. وعاد من خراسان يريد العراق، فلما دخل همذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة، فأنزله وأكرمه؛ فأصبح ذات يوم وقد وفع ثلج عظيم قطع الطرق ومنع السابلة، فغم أبا تمام ذلك وسر أبا الوفاء، فقال له: وطِّن نفسك على المقام فإن هذا الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان. وأحضره خزانة كتبه، فطالعها واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر منها: كتاب الحماسة، والوحشيات وهي قصائد طوال، فبقي كتاب الحماسة في خزانة آل سلمة، يضنون به، ولا يكادون يبرزونه لأحد، حتى تغيرت أحوالهم، وورد همذان رجل من أهل دينور يعرف بأبي العواذل، فظفر به، وحمله إلى أصبهان، فأقبل أدباؤها عليه، ورفضوا ما عداه من الكتب المصنفة في معناه، فشهر فيهم ثم فيمن يليهم". ٢- وروي عن المفضل أنه قال١: "كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواريًا عندي، فكنت أخرج وأتركه، فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إليَّ شيئا من كتبك أتفرج به. فأخرجت إليه كتبًا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت بها اختيار الشعراء، ثم أتممت عليها باقي الكتاب".

стр. 599

٣- وروى النجيرمي أن العباس بن بكار قال للمفضل١: "ما أحسن اختيارك للأشعار؛ فلو زدتنا من اختيارك! فقال: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي، فكنت أطوف وأعود إليه بالأخبار، فيأنس ويحدثني. ثم عرض لي خروج إلى ضيعتي أيامًا، فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها، فتركت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علَّم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر، فجمعته وأخرجته، فقال الناس: اختيار المفضل". ٤- وقال أبو عكرمة الضبي٢: "مر أبو جعفر المنصور بالمهدي وهو ينشد المفضل قصيدة المسيب التي أولها: أرحلت، وهي هذه: رحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع فلم يزل واقفًا من حيث لا يشعر به، حتى استوفى سماعها؛ ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما. فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا؛ ففعل المفضل". وأحسب أن هذه النصوص، بهذا النسق الذي أرودناها فيه، وبهذه الخطوط التي وضعناها تحت بعض عباراتها قد دلت على ما نريد أن ننتهي إليه؛ وخلاصته: أن العلماء في القرن الثاني كانوا قد فرغوا من تدوين أشعار الشعراء المكثرين، ومن دراسة دواوين الشعراء المشهورين، ومن أجل هذا كان لابد لهم من أن يعمدوا "إلى أشعار الشعراء المقلين" فيختاروا منها "لكل شاعر أجود ما قال". ثم إن الرواية عن الشيخ: قراءة وإملاء، كانت وسيلة من وسائل

стр. 600

اختيار بعض هذه المختارات -كما رأينا في بعض القصائد الأصمعيات- غير أن الوسيلة الكبرى التي كانت أكثر اتباعًا في اختيار المختارات كانت الرجوع إلى دواوين الشعراء وكتب الشعر التي كانت متوفرة بين يدي علماء القرن الثاني. فأبو تمام "المتوفى في نحو سنة ٢٢٨هـ" يجد أمامه في همذان -في شرق الدولة الإسلامية- خزانة كتب، لا كتابًا أو كتابين، فيطالعها ويشتغل بها ويختار منها قصائد ومقطعات تكفي لأن يؤلف منها خمسة كتب. وإذا كان الباحث في تاريخ الرواية الأدبية وتدوين الشعر يأسى لأن الأخبار التي بين يديه لا تعينه على معرفة تاريخ كتابة هذه الكتب الموجودة في خزانة آل سلمة في همذان، ولا تدله على أكثر من أن هذه الكتب كانت مدونة في آخر القرن الثاني الهجري، فإن مما يخفف أسى هذا الباحث أن بين يديه نصًّا آخر، لا يحتمل الشك ولا التأويل، يشير إلى أن خزائن كتب الشعر ودواوين الشعراء كانت موجودة منذ مطلع القرن الثاني وربما نهاية القرن الأول الهجري، وبذلك استطاع المفضل الضبي أن يترك بين يدي إبراهيم بن عبد الله "في نحو سنة ١٤٥هـ" "قمطرين فيهما أشعار وأخبار". وأن يعلِّم إبراهيم على سبعين قصيدة منها يصدر بها المفضل اختياره، ثم يتم عليها باقي كتابه حين يدعوه المنصور إلى تأديب ابنه المهدي، ويطلب منه أن يعمد إلى أشعار الشعراء المقلين فيختار لكل شاعر أجود ما قال. إن هذا المعلم الواضح الذي نصبناه في طريق بحثنا في نهاية القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني ليكشف لنا عن وجود دواوين الشعراء وكتب الشعر منذ هذا العهد المبكر هذا المعلم الواضح يدعم ما قدمنا الحديث عنه من معالم، استخرجناها من النصوص الكثيرة التي جمعناها في طريق بحثنا لتحدد لنا اتجاهه، ولتبين لنا أن مدونات الشعر الجاهلي قد انتقلت إلى القرن الثاني والطبقة الأولى من الرواة العلماء من القرن الأول الهجري، وأن بعضها ربما كتب منذ صدر الإسلام. وبذلك يكون التدوين: في الصحف المتفرقة وفي الدواوين المجموعة رافدًا كبيرًا يساير الرافد الآخر، وهو الرواية الشفهية، ويعاصره، ولا يقل عنه قيمة؛ وهما معًا يكونان هذا الجدول العظيم الذي نسميه: الرواية الأدبية.
следующие страницы →