عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب". حتى إذا وصل في مقدمته إلى القسم المهم منها، وهو هذا القسم السباعي للشعر الذي يورده -وهو تقسيم لم يرد في غير هذا الكتاب فيما نعرف- ذكر هذا التقسيم وذكر سبعة شعراء سماهم بأسمائهم في كل قسم، ثم قال١، "قال المفضل: فهذه التسع والأربعون قصيدة عيون أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، وأنفس شعر كل رجل منهم" فيكون إذن هذا التقسيم، مع النص على الشعراء بأسمائهم وذكر القصائد بذواتها، من صنع المفضل هذا، لا من صنع محمد، ويكون فضل محمد في أنه روى هذا التقسيم والشعر عن المفضل، ثم شرحه ذلك الشرح الموجز الموجود في الكتاب.
والمفضل بن عبد الله المجبري هذا مجهول كذلك لم تذكره كتب الرجال والطبقات، غير أنه في هذا الكتاب يروي "عن أبيه عن الأصمعي"٢، و"عن أبيه عن جده عن أبي عبيدة"٣، فيكون المفضل بذلك من رجال القرن الثالث ومطلع القرن الرابع، ويكون محمد راوي الجمهرة وشارحها من رجال القرن الرابع؛ وسائر الأسانيد التي عن غير المفضل في المقدمة تتفق في هذه النتيجة على وجه التقريب. أما ما ذكره سركيس في معجم المطبوعات من أن محمدا توفي في سنة ١٧٠هـ فأمر عجيب لا ندري كيف وصل إليه، ولعله استنتجه استنتاجًا حين رأى محمدًا في أول النسخة يروي عن المفضل بن محمد الضبي، وهو خطأ محض، صوابه ما في المخطوطة الأخرى المثبت على هامش الصفحة الثالثة من أنه "المفضل بن عبد الله المجبري" ويؤيد ذلك تكرار هذا
стр. 597
الاسم بهذا النسب في صفات المقدمة.
وهذا التاريخ التقريبي الذي وصلنا إليه من رواية المقدمة -وهو أن محمدًا هذا قد عاش في خلال القرن الرابع الهجري- يؤيده، بعض الشيء، ما ذكرناه من أن مؤلف كتاب جمهرة أشعار العرب لا بد أن يكون قد عاش قبل منتصف القرن الخامس لأن ابن رشيق القيرواني روى عنه في العمدة، وابن رشيق مات سنة ٤٦٣هـ.
ونحب أن نكتفي بهذا القدر من بحث هذا الكتاب ودراسته، ونترك مواصلته وإكماله لمن سيستقل في المستقبل بعبء تحقيقه ونشره. فإذا أضفنا إلى ذلك أن جميع ما في كتاب جمهرة أشعار العرب من إسناد ورواية محصور في المقدمة نفسها وما فيها من أخبار وأحكام نقدية، وأما القسم الثاني من الكتاب وهو الشعر نفسه فخال من أي إسناد ورواية، إذا أضفنا هذا إلى كل ما تقم تبين لنا في وضوح أن فيما أسلفنا من حديث ما يغني عن الإطالة.
٤
وبعد، فإننا لم نتحديث عن أخطر ما في مجموعات القصائد المختارة من دلالات تتصل ببحثنا عن تاريخ الرواية ومصادر الشعر، وقد اقتطعنا هذا الجزء من البحث من مواضعه المتفرقة وادخرناه لنختم به هذا الفصل؛ ولا نريد أن نستعجل ذكره وبيانه، وإنما نريد أن نمهد بإيراد بعض النصوص والأخبار التي تنتهي بنا إلى ما نريد:
١- قال التبريزي١: "وكان سبب مع أبي تمام الحماسة أنه قصد عبد الله بن طاهر، وهو بخراسان، فمدحه، وكان عبد الله لا يجيز شاعرًا إلا إذا
стр. 598
رضيه أبو العميثل وأبو سعيد الضرير؛ فقصدهما أبو تمام وأنشدهما القصيدة التي أولها.
أهن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدمًا أدرك السؤل طالبه
فلما سمعا هذا الابتداء أسقطاها، فسألهما استتمام النظر فيها، فمرَّا بقوله:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
فاستحسنا هذين البيتين وأبياتًا أخرى ... فعرضا القصيدة على عبد الله، وأخذا له ألف دينار. وعاد من خراسان يريد العراق، فلما دخل همذان اغتنمه أبو الوفاء بن سلمة، فأنزله وأكرمه؛ فأصبح ذات يوم وقد وفع ثلج عظيم قطع الطرق ومنع السابلة، فغم أبا تمام ذلك وسر أبا الوفاء، فقال له: وطِّن نفسك على المقام فإن هذا الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان. وأحضره خزانة كتبه، فطالعها واشتغل بها، وصنف خمسة كتب في الشعر منها: كتاب الحماسة، والوحشيات وهي قصائد طوال، فبقي كتاب الحماسة في خزانة آل سلمة، يضنون به، ولا يكادون يبرزونه لأحد، حتى تغيرت أحوالهم، وورد همذان رجل من أهل دينور يعرف بأبي العواذل، فظفر به، وحمله إلى أصبهان، فأقبل أدباؤها عليه، ورفضوا ما عداه من الكتب المصنفة في معناه، فشهر فيهم ثم فيمن يليهم".
٢- وروي عن المفضل أنه قال١: "كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن متواريًا عندي، فكنت أخرج وأتركه، فقال لي: إنك إذا خرجت ضاق صدري، فأخرج إليَّ شيئا من كتبك أتفرج به. فأخرجت إليه كتبًا من الشعر، فاختار منها السبعين قصيدة التي صدرت بها اختيار الشعراء، ثم أتممت عليها باقي الكتاب".
стр. 599
٣- وروى النجيرمي أن العباس بن بكار قال للمفضل١: "ما أحسن اختيارك للأشعار؛ فلو زدتنا من اختيارك! فقال: والله ما هذا الاختيار لي، ولكن إبراهيم بن عبد الله استتر عندي، فكنت أطوف وأعود إليه بالأخبار، فيأنس ويحدثني. ثم عرض لي خروج إلى ضيعتي أيامًا، فقال لي: اجعل كتبك عندي لأستريح إلى النظر فيها، فتركت عنده قمطرين فيهما أشعار وأخبار، فلما عدت وجدته قد علَّم على هذه الأشعار، وكان أحفظ الناس للشعر، فجمعته وأخرجته، فقال الناس: اختيار المفضل".
٤- وقال أبو عكرمة الضبي٢: "مر أبو جعفر المنصور بالمهدي وهو ينشد المفضل قصيدة المسيب التي أولها: أرحلت، وهي هذه:
رحلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع
فلم يزل واقفًا من حيث لا يشعر به، حتى استوفى سماعها؛ ثم صار إلى مجلس له وأمر بإحضارهما. فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها، وقال له: لو عمدت إلى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابًا؛ ففعل المفضل".
وأحسب أن هذه النصوص، بهذا النسق الذي أرودناها فيه، وبهذه الخطوط التي وضعناها تحت بعض عباراتها قد دلت على ما نريد أن ننتهي إليه؛ وخلاصته: أن العلماء في القرن الثاني كانوا قد فرغوا من تدوين أشعار الشعراء المكثرين، ومن دراسة دواوين الشعراء المشهورين، ومن أجل هذا كان لابد لهم من أن يعمدوا "إلى أشعار الشعراء المقلين" فيختاروا منها "لكل شاعر أجود ما قال". ثم إن الرواية عن الشيخ: قراءة وإملاء، كانت وسيلة من وسائل
стр. 600
اختيار بعض هذه المختارات -كما رأينا في بعض القصائد الأصمعيات- غير أن الوسيلة الكبرى التي كانت أكثر اتباعًا في اختيار المختارات كانت الرجوع إلى دواوين الشعراء وكتب الشعر التي كانت متوفرة بين يدي علماء القرن الثاني. فأبو تمام "المتوفى في نحو سنة ٢٢٨هـ" يجد أمامه في همذان -في شرق الدولة الإسلامية- خزانة كتب، لا كتابًا أو كتابين، فيطالعها ويشتغل بها ويختار منها قصائد ومقطعات تكفي لأن يؤلف منها خمسة كتب. وإذا كان الباحث في تاريخ الرواية الأدبية وتدوين الشعر يأسى لأن الأخبار التي بين يديه لا تعينه على معرفة تاريخ كتابة هذه الكتب الموجودة في خزانة آل سلمة في همذان، ولا تدله على أكثر من أن هذه الكتب كانت مدونة في آخر القرن الثاني الهجري، فإن مما يخفف أسى هذا الباحث أن بين يديه نصًّا آخر، لا يحتمل الشك ولا التأويل، يشير إلى أن خزائن كتب الشعر ودواوين الشعراء كانت موجودة منذ مطلع القرن الثاني وربما نهاية القرن الأول الهجري، وبذلك استطاع المفضل الضبي أن يترك بين يدي إبراهيم بن عبد الله "في نحو سنة ١٤٥هـ" "قمطرين فيهما أشعار وأخبار". وأن يعلِّم إبراهيم على سبعين قصيدة منها يصدر بها المفضل اختياره، ثم يتم عليها باقي كتابه حين يدعوه المنصور إلى تأديب ابنه المهدي، ويطلب منه أن يعمد إلى أشعار الشعراء المقلين فيختار لكل شاعر أجود ما قال.
إن هذا المعلم الواضح الذي نصبناه في طريق بحثنا في نهاية القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني ليكشف لنا عن وجود دواوين الشعراء وكتب الشعر منذ هذا العهد المبكر هذا المعلم الواضح يدعم ما قدمنا الحديث عنه من معالم، استخرجناها من النصوص الكثيرة التي جمعناها في طريق بحثنا لتحدد لنا اتجاهه، ولتبين لنا أن مدونات الشعر الجاهلي قد انتقلت إلى القرن الثاني والطبقة الأولى من الرواة العلماء من القرن الأول الهجري، وأن بعضها ربما كتب منذ صدر الإسلام. وبذلك يكون التدوين: في الصحف المتفرقة وفي الدواوين المجموعة رافدًا كبيرًا يساير الرافد الآخر، وهو الرواية الشفهية، ويعاصره، ولا يقل عنه قيمة؛ وهما معًا يكونان هذا الجدول العظيم الذي نسميه: الرواية الأدبية.
стр. 601
الفصل الرابع: الشعر الجاهلي في غير الدواوين
١
في الكتب العربية، على اختلاف موضوعاتها وفنونها، شعر كثير، بعضه جاهلي.. ولو قصرنا حديثنا على ما ألف منها في القرنين الثاني والثالث واستخرجنا ما تفرق في صفحاتها من شعر جاهلي وحده، ثم جمعناه معًا، لجاء كثيرًا غزيرًا بحيث يملأ أسفارًا عدة، ومن هنا كانت هذه الكتب جديرة بأن نقف عندها وقفة قصيرة، نختم بها حديثنا عن مصادر الشعر الجاهلي. وإذ كنا نرى أن هذه الكتب ليست مصدرًا أوليًّا من مصادر الشعر الجاهلي -على ما سنبينه بعد قليل- فلم نر ما يدعونا إلى الإحاطة بها كلها والاستقصاء في بحثها، وإنما بحسبنا نماذج قليلة ندل بها على طريقة هذه الكتب في إيراد الشعر الجاهلي، ونخلص منها إلى ما نريد من نتائج تتصل بموضوعنا الأصيل.
وقد اخترنا من كتب النحو كتاب سيبويه، ومن كتب اللغة كتابي يعقوب بن السكيت: "إصلاح المنطق" و"تهذيب الألفاظ".
أما كتاب سيبويه فقد كان أول ما استوقفنا فيه ما ذكره أبو عمر الجرمي من قوله١: "نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا، فأما الألف فعرفت أسماء قائليها، وأما الخمسون فلم أعرف قائليها". ثم جاء عبد القادر البغدادي فأورد قول الجرمي هذا وذكر ما يوضحه قال٢: "فإن سيبويه إذا
стр. 602
استشهد ببيت لم يذكر ناظمه، وأما الأبيات المنسوبة في كتابه إلى قائليها فالنسبة حادثة بعده، اعتنى بنسبتها أبو عمر الجرمي ... وإنما امتنع سيبويه من تسمية الشعراء لأنه كره أن يذكر الشاعر، وبعض الشعر يُروى لشاعرين وبعضه منحول لا يعرف قائله لأنه قدم العهد به. وفي كتابه شيء مما يُروى لشاعرين، فاعتمد على شيوخه ونسب الإنشاد إليهم فيقول: أنشدنا، يعني الخليل؛ ويقول: أنشدنا يونس، وكذلك يفعل فيما يحكيه عن أبي الخطاب وغيره ممن أخذ عنه. وربما قال: أنشدني أعرابي فصيح. وزعم بعض الذين ينظرون في الشعر أن في كتابه أبياتًا لا تعرف؛ فيقال له: لسنا ننكر أن تكون أنت لا تعرفها ولا أهل زمانك، وقد خرج كتاب سيبويه إلى الناس والعلماء كثير، والعناية بالعلم وتهذيبه أكيدة، ونظر فيه وفتش فما طعن أحد من المتقدمين عليه، ولا ادعي أنه أتى بشعر منكر، وقد روى في كتابه قطعة من اللغة غريبة لم يدرك أهل اللغة معرفة جميع ما فيها لا رووا حرفًا منها".
وكلام البغدادي -على ما فيه من فائدة وغناء- غير ملزم للجرمي، ولا يفهم بالضرورة من كلامه الذي أوردناه. فكلام الجرمي لا يفيد أن سيبويه لم ينسب شيئًا من أبياته التي استشهد بها، وكل ما ذكره الجرمي أنه وجد في كتاب سيبويه ألفًا وخمسين بيتًا، عرف أسماء قائلي ألف منها فأثبتها، ولم يعرف أسماء قائلي الخمسين الباقية. وهذا القول يحتمل أن يكون سيبويه قد عزا بعض هذه الأبيات الألف إلى قائليها ثم جاء الجرمي ونسب ما لم ينسبه سيبويه. ويحتمل أيضًا أن سيبويه لم يعز شيئًا منها وإنما الفضل في نسبتها إلى الجرمي. ولا سبيل إلى ترجيح أحد هذين الاحتمالين من كلام الجرمي وحده. ولكن البغدادي قطع قطعًا يقينيًّا بأن سيبويه لم يعز شيئًا من أبياته وإنما كان الجرمي هو الذي عزاها. ثم مضى البغدادي فعلل لنا امتناع سيبويه من تسمية الشعراء.
فإذا عدنا نحن إلى كتاب سيبويه وجدنا فيه نحو تسعمائة وخمسة وأربعين بيتًا، تكرر منها بعضها مرة أو مرتين في نحو مائة وخمسة مواضع، فيكون بذلك
стр. 603
مجموع الأبيات التي استشهد بها ألفًا وخمسين بيتًا مع المكرر منها. وقد تتبعنا الأبيات التي لم تُعز إلى قائل فوجدنا أنها نحو من مائتي بيت وسبعين بيتًا. فكان لابد لنا أن نتساءل هل معنى ذلك أن سيبويه قد نسب نحو ثمانين وسبعمائة بيت إلى قائليها، ثم جاء أبو عمر الجرمي فتتبع الأبيات التي لم ينسبها سيبوبه فاستطاع أن ينسب منها نحو عشرين ومائتي بيت، فيكون بذلك قد عرف نسبة ألف بيت وعجز عن معرفة قائلي الخمسين الباقية؟
ولقد كان من الجائز أن نجيب عن هذا التساؤل بالإثبات، وأن نقبل هذه النتيجة التي وصلنا إليها عن طريق العد والإحصاء لولا شكنا في أصالة النسخة الخطية التي طبع عنها كتاب سيبويه. فقد راينا في هذه الطبعة من الكتاب مواضع كثيرة تجعلنا نقطع بأن نسخته الخطية ليست النسخة الأصلية التي كتبها سيبويه، وإنما أضيف إليها وأقحم عليها من أقوال تلاميذه ومَنْ بعدهم ممن رووا هذا الكتاب ما لا يجوز بحال أن يكون من أقوال سيبويه نفسه، وخاصة في نسبة الشعر والتعقيب عليه. فمن ذلك ما جاء في صلب الكتاب١ "واعلم أنه ليس شيء من هذا يمتنع من أن يجمع بالتاء، وزعم الخليل أن قولهم ظريف وظروف لم يكسر على طريف كما أن المذاكير لم تكسر على ذكر. وقال أبو عمر أقول في ظروف هو جمع ظريف، كسر على غير بنائه وليس مثل مذاكير، والدليل على ذلك أنك إذا صغرت قلت ظُرَيِّفُون ولا تقول ذلك في مذاكير". وأبو عمر هذا هو أبو عمر الجرمي، وواضح أنه ممن لم يرو عنهم سيبويه فقد "أخذ أبو عمر النحو عن الأخفش وغيره، وقرأ كتاب سيبويه على الأخفش ولقي يونس بن حبيب ولم يلق سيبويه.."٢ ومات سنة خمس وعشرين ومائتين٣. فإذن كان جميع ما قاله أبو عمر في هذه العبارة مقحمًا على كتاب سيبويه.
стр. 604
ومن ذلك أيضًا ما جاء في الكتاب من قوله١: "وقد جاء في الشعر، فزعموا أنه مصنوع"، ثم استشهد ببيتين من الشعر. ونحن نرجح أن قوله "فزعموا أنه مصنوع" مما أضيف على الكتاب وليس في أصله. ومما يجعلنا نرجح ذلك أن المبرد قال عن هذين البيتين٢: "وقد روى سيبويه بيتين محمولين على الضرورة، وكلاهما مصنوع، وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضرورة". ولو رأى المبرد في أصل الكتاب قوله "فزعموا أنه مصنوع" لما قال ما قال، أو لكان على الأقل أشار إليه. وهذا أبو جعفر النحاس قد وفعت بين يديه نسخة من الكتاب أضيفت إليها هذه العبارة فظن أنها من الأصل ولذلك قال يرد على المبرد٣: "وهذا لا يلزم سيبويه منه غلط؛ لأنه قد قال نصًّا: وزعموا أنه مصنوع. فهو عنده مصنوع لا يجوز، فكيف يلزمه منه غلط؟ ".
ونحن نرى أن كلام أبي جعفر النحاس مردود لأنه لو كان البيت عند سيبويه مصنوعًا لا يجوز لما استشهد به.
ومما نرجح ترجيحًا يقرب إلى اليقين أنه مضاف إلى الكتاب مقحم عليه قوله يستشهد٤: وقال وهو مصنوع على طرفة وهو لبعض العباديين:
أسعد بن مال ألم تعلموا ... وذو الرأي مهما يقل يصدق
ونحن نرى أن الأصل: "وقال: البيت ... " أما عبارة "وهو مصنوع على طرفة وهو لبعض العباديين" فمما زيد على الكتاب بعدُ. ومن أوضح الأمثلة على الزيادة والإقحام أيضًا قوله٥: "وقال الآخر "ويقال وضعه بعض النحويين".
فإذا كانت الأمثلة التي أوردناها مما زيد على الكتاب، فإننا نرى أن كثيرًا
стр. 605
من نسبة الشعر قد استحدثت بعد سيبويه وأضيفت إلى كتابه، وجاءت في هذه الطبعة كأنها من الأصل، وإن وضعت أحيانًا بين قوسين. فمن ذلك١ "وقال أيضًا.. وهو الشماخ" و"قول الشاعر وهو مقاس العائذي"٢ و"قول الشاعر وهو كعب بن جعيل"٣ و"قول الشاعر وهو أبو ذؤيب"٤ و"قال الشاعر بشر بن أبي خازم"٥. والأمثلة على ذلك كثيرة لا مجال لاستقصائها. غير أن من أوضح الدلائل التي قد تجعل الباحث يرجح ما ذهب إليه البغدادي في خزانته من أن سيبويه لم ينسب الشعر الذي استشهد به في كتابه ما جاء في الكتاب٦: "وقال المرار الأسدي" ثم يورد بيتين ويقول: "حدثنا به أبو الخطاب عن شاعره". ونحن نرجح أن كلمتي "المرار الأسدي" مضافتان، وأنه اكتفى بقوله "وقال" ثم أرود البيتين، وأسند الرواية إلى أبي الخطاب عن الشاعر الذي لم يسمه، ولو كان من منهجه أن يعزو الشعر إلى قائله لقال "حدثنا به أبو الخطاب عن المرار الأسدي".
ونحن نرى ألا سبيل إلى القطع الجازم في هذا الأمر إلا إذا عثرنا على النسخة الخطية الأصلية التي كتبها سيبويه أو رواها عنه أحد تلاميذه ولم يضف إليها شيئًا. ومع ذلك فإنه سيان عندنا -في هذا البحث- أن يكون سيبويه قد أهمل نسبة جميع الشعر الذي أروده أو أهمل نسبة بعضه، فإن ما نريد أن نستنتجه من كتابه هو أن الشعر لم يكن عنده إلا وسيلة للاستشهاد أو الاستئناس، ومن هنا لم يكن هذا الشعر غاية يقصد إليها فينص على نسبته إلى قائله وتحقيق هذه النسبة، وإنما كان يكفيه أن يكون هذا الشعر من القديم الذي يصح أن
стр. 606
يستشهد به على لغة العرب. ولا عليه بعدُ أن يكون قائله امرأ القيس أو طرقة أو عبيدًا أو رجلًا غير معروف من إحدى القبائل العربية. ومن أجل هذا نجد في الكتاب شعرًا غير منسوب إلى شاعر بعينه بل إلى رجل من القبيلة، ففيه: "وقال رجل من باهلة"١، و"قال بعض السلوليين"٢، أو "قال رجل من بني سلول"٣، و"قال الهذلي"٤، و"قال القرشي"٥، و"قول رجل من عمان"٦، و"قال رجل من قيس غيلان"٧، وغيرها كثير.
أما كتابا ابن السكيت: إصلاح المنطق، وتهذيب الألفاظ، فإنهما لا يكادان يختلفان عن كتاب سيبويه فيما عرضنا من أمور. ففي الكتابين إضافات وإقحام وضع بعضها بين علامتين مميزتين، وأرسل بعضها إرسالًا يوهم أنها من أصل الكتاب. ومع ذلك ففي الكتابين شعر كثير غير معزو إلى قائله، وإنما اكتفى ابن السكيت بقوله "قال الشاعر"٨، أو "قال الآخر"٩، أو "قال الراجز"١٠، أو "قال"١١. روبما أسند إلى من روى عنه مع إهمال النسبة إلى الشاعر مثل "أنشد أبو زيد"١٢، أو "أنشد الأصمعي"١٣،
стр. 607
أو "أنشد الكسائي"١، أو "أنشدني ابن الأعرابي"٢، وربما أورد البيت منسوبًا مرة وأهمل نسبته مرة أخرى٣.
وكما ورد في كتاب سيبويه شعر معزو إلى رجل من إحدى القبائل العربية مع إغفال النص على الشاعر نفسه، كذلك ورد مثل ذلك في "إصلاح المنطق" و"تهذيب الألفاظ"؛ مثل "قال الهذلي"٤، أو "قال الأسدي"٥ أو "قال رجل من ربيعة"٦، وغيرها كثير.
والناظر في كتب النحو واللغة في القرنين الثاني والثالث يجد أنها كلها تسير على هذا النهج، وقد قدمنا أننا سنستغني عن الإحاطة بها واستقصائها -بالبحث في هذه الكتب الثلاثة وحدها إذ أنها تدل على غيرها.
وخلاصة بحثنا هذا أن الشعر عامة ومنه الشعر الجاهلي لا يعدو أن يكون في كتب النحو واللغة وسيلة للاستشهاد والاحتجاج، ومن هنا أهملت نسبة الكثير منه إلى قائله، أو نُصَّ على نسبة البيت إلى رجل غير مسمى من إحدى القبائل العربية، ولذلك فنحن نرى أن كتب النحو واللغة وسيلة مصدرا أوليًّا من مصادر الشعر الجاهلي التي تثبت بها نسبة البيت أو الأبيات إلى شاعر بعينه.
стр. 608
وأمر الشعر الجاهلي في كتب السيرة والتاريخ لا يكاد يختلف -في جوهره- عما قدمنا من حديث عن كتب النحو واللغة. ولو أننا قصرنا حديثنا على كتاب واحد هو ما حفظه لنا ابن هشام من السيرة التي صنعها محمد بن إسحاق لوجدنا فيه شعرًا كثيرًا جديرًا بالبحث والدرس، وأول ما يبدو لنا من شأنه أن محمد بن إسحاق لم يكن أول من أدخل الشعر فيما يروي من أخبار، بل لقد سبقه إلى ذلك كل من كتب في السيرة قبله، مثل: عروة بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وابن شهاب الزهري، وغيرهم؛ فإن الأخبار التي تروى عنهم تدل على أنهم كانوا من رواة الشعر وحفاظه ومتذوقيه، وما بقي لنا من آثار السيرة التي كتبوها -متفرقة في مواطن عدة من كتب التاريخ والسيرة- يدل على أنهم كانوا يوردون في كتبهم الأشعار التي قالها الرجال الذين يدر ذكرهم في حوادث السيرة١. وقد مر بنا في فصل مضى أن السيرة والتاريخ والقصص عامة كانت مجالًا واسعًا للاستشهاد بالشعر، بل لقد كان الشعر ضرورة لازمة لها يزينها ويكسبها ثقة وقوة في نفوس المستمعين والقارئين، كأنما كان الشعر دليلًا على صدق ما يروى من خبر، حتى لقد رووا أن معاوية بن أبي سفيان طلب من عبيد بن شرية -حينما كان يقص عليه أخباره المتضمنة في كتاب "أخبار عبيد بن شرية"- أن يورد في أخباره وقصصه كل ما يتصل من شعر وقال له٢: "وسألتك ألا تمر بشعر تحفظه فيما قاله أحد إلا ذكرته". ومع أن عبيدًا كان لا يقصر في الاستشهاد بالشعر، فقد عاد معاوية يلحف عليه بقول٣: "سألتك إلا شددت
стр. 609
حديثك ببعض ما قالوا من الشعر ولو ثلاثة أبيات! "، وحينما ذكر عبيد أن يعرب كان يقول الشعر قال له معاوية١: "اذكر الشعر الذي قال يعرب"، وكان معاوية كلما سمع الشعر الذي قيل في إحدى الحوادث اطمأن إلى صحة الخبر وقال لعبيد٢: "لقد جئت بالبرهان في حديثك يا عبيد"، أو "لله درك فقد جئت بالبرهان"٣. ونحن لا يعنينا من كل ذلك تحقيق هذه الأخبار والأقوال، وإنما نريد أن نقول إن الاستشهاد بالشعر في التاريخ عامة والقصص التاريخية خاصة كان من مألوف عادة القوم منذ أقدم ما نعرف من آثارهم.
وقد استتبع ذلك أن بعض القصاصين كانوا يجتلبون الشعر اجتلابًا ليضعوه في المكان المناسب له من قصصه، ويطلبون المصنوع ليكثروا به الأحاديث ويستعينوا به على السهر عند الملوك، والملوك لا تستقصي٤، أو عند عامة الناس وهم أقل استقصاء وتدقيقًا.
ولم يكن جميع كتَّاب السيرة والتاريخ ممن يجتلبون المصنوع اجتلابًا ويطلبون من يصنعه لهم ويضعه، ولكنهم -مع ذلك- اتفقوا جميعًا في إيراد شعر موضوع كثير، بعضهم يعمد إليه عمدًا لما قدمنا من أسباب، وبعضهم يجد هذا الشعر أمامه مرويًّا أو مدونًا، فيضطر إلى الوفاء بواجبه وهو الجمع والتأليف، من غير تحقيق لصحة الشعر ونسبته، ويعتذر في ذلك -حينما يلام عليه- بأنه لا علم له بالشعر وإنما جمع منه ما وجده أمامه أو ما رُوي له.
من هذا الضرب الثاني محمد بن إسحاق صاحب السيرة. فقد كان مشهودًا له بالعلم بالمغازي والسيرة حتى قال عنه ابن سلام٥: "كان من علماء الناس بالسير"، وقال الزهري٦ "لا يزال في الناس علم ما بقي مولى آل مخرمة، وكان
стр. 610
أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك". ومع ذلك فإنه لم يكن له علم بالشعر، وكان يعتذر عن الأشعار التي أوردها في سيرته بقوله١: "لا علم لي بالشعر، أوتَى به فأحمله"، ولم يقبل منه ابن سلام هذا العذر، وذلك لأنه: "كتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة ... أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف السنين؟.. فكأن ابن سلام كان يفترض أن هذا القدر من التمييز والعلم بالشعر مما لا يجوز لأحد من العلماء أن يجهله. ومن أجل ذلك نرى في أحكام ابن سلام على ابن إسحاق شيئًا من القسوة والتعميم فهو يقول٢: "وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه: محمد بن إسحاق". وقال٣: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحق، ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم". وقال أيضًا في معرض حديثه عن أبي سفيان بن الحارث٤: "ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعر، أحسن من أن يكون ذاك لهم".
ومع ذلك كله فإن الأمر في حاجة إلى التقييد بعد هذا الإطلاق الذي ذهب إليه ابن سلام في أمر الشعر الذي أورده ابن إسحاق. فإذا ما عرضنا الشعر الذي أورده ابن إسحاق في سيرته -وبقي لنا بعد تهذيب ابن هشام- وجدنا أن الشعر عنده على ثلاثة ضروب:
الأول: الشعر الذي لا خلاف في أنه موضوع مصنوع، وهو الذي نُسب إلى آدم وإسماعيل والأمم القديمة والعرب البائدة. وليس في السيرة التي بين أيدينا إلا القليل منه، وإن كان قسم كبير منه قد حفظ في كتب التاريخ مرويًّا عن
стр. 611
ابن إسحاق، وذلك لأن ابن هشام قد حذف هذا القسم في تهذيبه للسيرة ونص على ذلك في مقدمته١. ومع ذلك فإن الأمثلة التي بقيت في السيرة من هذا القسم تدل على أن ابن إسحاق نفسه لم يكن يثق في صحة هذه الأشعار بل في صحة الأخبار نفسها، ولكنه وجدها أمامه مدونة أو مروية، فأثبتها كما قرأها أو سمعها. وكان يذكر من العبارات ما يبرئ به نفسه من تبعتها، فهو مثلًا حين يذكر خبر انتشار النصرانية في نجران ينص على أن "هذا حديث محمد بن كعب القرظي، وبعض أهل نجران"٢ عن ذلك، فليس عليه إذن من تبعته شيء وإنما هو يرويه كما سمعه، وكأنه يؤكد براءته من هذه التبعة بقوله بعد ذلك "والله أعلم أي ذلك كان". وهو يذكر خبر سامة بن لؤي ثم يورد له شعرًا قاله حين أحس بالموت، ولكنه لا يتحمل تبعته، ومن هنا ذكر أن سامة قال ذلك الشعر "فيما يزعمون"٣. ويورد رجزًا لثعلبة بن سعد بن ذبيان فيقيده أيضًا بهذا القيد نفسه قال٤: "وثعلبة -فيما يزعمون- الذي يقول لعوف حين أبطئ به فتركه قومه".
ويروي رجزًا للغوث بن مر، ويحتاط لنفسه فيقول٥: "فيما زعموا". ويورد خبر عثور بعض الناس على حجر في الكعبة قبل الإسلام بأربعين سنة مكتوب عليه بعض الحكم، فيدخل بين الكلام قيده الذي يقيد به مثل هذا الروايات فيقول٦: "وزعم ليث بن أبي سليم ... إن كان ما ذكر حقًّا..". فكأن ابن إسحاق يرى -بمثل هذا الاحتياط الذي كان يصطنعه- أن هذه الأخبار والأشعار أصبحت من التراث المروي، وأن لا سبيل إلى البحث العلمي في صحتها وصدق نسبتها، بل لو كان إلى ذلك سبيل، فليس هو ذلك الرجل الذي يضطلع بهذا
стр. 612
العبء، فهو ليس عالمًا بالشعر؛ على حفظه له وروايته إياه -وليس من عمله أن يحققه ويمحصه؛ وإنما عمله في أن يورد الأخبار إيرادًا، ويسرد الروايات سردًا، ويزين كل خبر بما يستطيع أن يعثر عليه من شاهد شعري. وكل ما يستطيع أن يأخذ به نفسه في مثل هذا الموضوع هو أن ينثر في حديثه مثل هذه العبارات التي قدمناها كقوله "فيما يزعمون"، أو "إن صح ما قالون"، ليبرئ نفسه من تبعة ما يروى.
الثاني: أما القسم الثاني من الشعر الذي تضمنته السيرة فهو الذي قيل قُبيل البعثة أو في السنوات الأولى منها، فهو بذلك أقرب إلى الصحة، بل إن بعضه صحيح لا شك فيه وإن اختلف بعض الرواة في نسبته. وهنا يتجلى لنا أيضًا حذر ابن إسحاق وحيطته، وتبرؤه من التبعة، فكأنه يريد أن يؤكد المعنى الذي لمحناه في القسم الأول وهو أنه ليس من علماء الشعر المحققين له، وإنما يروي منه ما وجده أمامه وينقل ما نقله إليه غيره. ولذلك نراه يتبع إحدى طريقتين في هذا القسم من الشعر؛ الأولى: أنه يستعمل القيود نفسها التي استعملها في القسم الأول، فهو ينقل الخبر أو الشعر ويبدؤه أو يعقب عليه بقوله "فيما يزعمون"١، أو "كما يذكرون"٢، أو "فزعم بعض أهل الرواية"٣، أو "فهذا الذي بلغني من هذا الحديث"٤، أو "فهذا حديث الرواة من أهل المدينة"٥ أو ما شاكل هذه العبارات. وأما الطريقة الثانية التي اتبعها في هذا القسم من الشعر فهي نسبة الشعر إلى شاعر بعينه والتقيب على ذلك بأنها قد تروى لغيره. فمن ذلك أنه يورد شعرًا نسبه إلى أبي بكر الصديق ثم يقول٦ "ويقال: بل عبد الله
стр. 613
بن جحش قالها". ويورد شعرًا آخر ويقول١: "فقال عبد الله بن رواحة أبو أبو خيثمة". ويقول٢: "وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسي، ويقال: قاله قيس بن بحر بن طريف". ويقول٣: "وقال قائل من بني جذيمة، وبعضهم يقول امرأة يقال لها سلمى" ثم يقول:"فأجابه عباس بن مرداس، ويقال بل الجحاف بن حكيم السلمي".
الثالث: وأما القسم الثالث من الشعر الذي أورده ابن إسحاق في السيرة فهو هذه الأبيات المجاهيل والقصائد التي لا يعرف اسم قائلها أو لا ينص عليه؛ ومع أن القسمين الأولين واضحا الدلالة على ما نذهب إليه في أمر الشعر الجاهلي الذي يرد في مثل هذه الكتب، فإن هذا القسم أوضح منهما دلالة لأنه يصلنا بكثير من الشعر الذي ورد في بحثنا عن كتب اللغة والنحو والذي سيرد في بحثنا عن كتب الأدب عامة. ووجه الدلالة في هذا القسم أن قائل الشعر أو تحقيق نسبته ليس من الأمور التي يشغل بها المؤرخ أو كاتب السيرة نفسه، كما لم يشغل بها نفسه اللغوي أو النحوي. فبحسب المؤرخ أو كاتب السيرة أن يجد شعرًا قيل في حادثة من الحوادث أو في رجل من الرجال الذين يذكرهم حتى يسارع إلى إيراده في كتابه، وليس يعنيه بعد ذلك شيء، فقد كفاه أن يجد ما يزين قصته أو يؤيد الخبر الذي ذكره. ومن أجل هذا نرى ابن إسحاق في سيرته يورد شعرًا "لشاعر من العرب"٤، أو "رجل من العرب"٥، أو "شاعر من قريش أو من بعض العرب"٦، أو "قال قائل من العرب"٧، أو
стр. 614
"فقالت امرأة من العرب"١، أو "قال رجل من بني جذيمة"٢، أو "قال الآخر"٣. وأكثر هذا الشعر الذي لا ينص ابن إسحاق على قائله هو ما قيل في رجل من الرجال الذين يرد ذكرهم في السيرة. فيذكر مثلًا جرير بن عبد الله البجلي، فيريد أن يزيده تعريفًا بقوله٤: "وهو الذي يقول له القائل"، ويذكر هاشم بن حرملة فيقول٥: وهو "الذي يقول له القائل"، ويعرف سعد بن سيل بقوله٦: "ولسعد بن سيل يقول الشاعر"، ويذكر أبا سيارة عُميلة بن الأعزل بقوله٧: "ففيه يقول شاعر من العرب"، ويذكر المطلب ووفاته فيقول٨: "فقال رجل من العرب يبكيه"؛ ومثل ذلك كثير.
فنحن نرى إذن أن الشعر في كتب التاريخ والسيرة ليس هدفًا يقصد لذاته، ولم يكن موضعًا للتحقيق والتمحيص، وإنما كان حلية أحيانًا، ودليلًا على القصة أو الخبر أحيانًا أخرى، وكان في جميع هذه الأحايين يُقصد منه التأثير في نفوس السامعين أو القارئين حتى يندمجوا في جو الحوادث نفسها وتصغو إليها أفئدتهم فيصدقوها، أو على الأقل لا يناقشوا أمر صحتها. ومن أجل هذا رأينا أصحاب التاريخ أو السيرة يروون شعرًا لا يكاد يشك أحد في انه مختلق موضوع، بل إنهم هم أنفسهم -كما رأينا في سيرة ابن إسحاق- يشكون في هذا الشعر، ويوردونه بعد عبارات تكشف عن بعض هذا الشك، ولكنهم مع ذلك لا يملكون إلا أن يوردوه لأنه -كما ذكرنا- أصبح تراثًا شعبيًّا، وأصبح لا مفر للمؤرخ من أن يجمعه ويورده مع كل حادثة قيل فيها. ومن أجل هذا وجدنا أيضًا أن
стр. 615
بعض الشعر الذي ورد في كتب التاريخ والسيرة أرسل إرسالًا، ولم ينسب إلى شاعر،
أو لم ينص على نسبته لشاعر، وذلك لأن ما يعني المؤرخ أو كاتب السيرة هو هذا الشعر نفسه وأنه قيل في حادثة بعينها أو في رجل بذاته، أما تحقيق نسبة الشعر فليس مما يصرفون إليه جهدهم.
وما أحسبني بعد ذلك مغاليًا إذا ضممت كتب التاريخ أو السيرة إلى كتب اللغة والنحو ولم أعدها كلها مصدرًا من مصادر الشعر الجاهلي يطمأن فيه إلى صحة ذلك الشعر الوراد فيه أو إلى نسبته إلى شاعر بعينه.
٣
وكتب الأدب العامة لا تختلف، في طريقة إيراد الشعر، عن كتب النحو واللغة والسيرة والتاريخ، ولو اقتصرنا في حديثنا على كتابين من كتب الجاحظ هما: البيان والتبيين، والحيوان، لوجدنا فيها مصداق ما نذهب إليه.
فالجاحظ -شأنه كشأن جميع من ألف في الأدب العام- لا يورد الشعر على أنه غاية تقصد لذاتها، فلا يكلف نفسه مشقة تمحيصه وتحقيقه والتثبت من نسبته وروايته، وإنما يورد الشعر ليكون مثلًا أو شاهدًا يتوسل بهما لتوضيح ما يسوق من أخبار، أو لدعم ما يذهب إليه من مناظرات ومناقشات. ومن أجل ذلك نراه -حين يذكر عادات العرب في الخطابة ويرد على الشعوبية في ذلك- يقول١: "وفي كل ذلك قد روينا الشاهد الصادق والمثل السائر". وحين يتحدث عن أنواع الشعراء وطبقاتهم، يورد على كل نوع وطبقة بيتًا أو أبياتًا من الشعر فيها ذكر لهذه الأنواع والطبقات أو لبعضها متخذًا من هذا الشعر دليلًا على صدق قوله٢ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، بل إننا
стр. 616
لنكاد نذهب إلى أن جميع ما أورده الجاحظ في كتابيه هذين إنما ينهج فيه هذا النهج.
وإذا كان الجاحظ ومؤلفو كتب الأدب العامة يشتركون مع مؤلفي كتب النحو واللغة والسيرة والتاريخ في هذه الخاصة وهي: إيراد الشعر على أنه دليل أو شاهد، فإن الجاحظ ومع مؤلفو كتب الأدب العامة ينفردون عن مؤلفي الكتب التي ذكرناها بخاصة أخرى، وهي: أنهم لا يرمون من وراء كتبهم التي يؤلفونها في الأدب العام إلى الفائدة العلمية وحدها، ولا يقتصرون فيها على التعليم والتثقيف وحدهما، أو قل إنهم لا ينهجون فيما ينقلون من العلم نهج الأسلوب العلمي الجاف الذي يرمي إلى القارئ بالقول من أقرب السبل، وإنما ينهجون في ذلك نهج الأسلوب الأدبي، ويلجئون إلى الاستطراد والتنويع والتنقل من باب إلى باب، ومن موضوع إلى موضوع، ثم يعودون إلى ما بدءوا به، ولا يكادون يمضون فيه قليلًا حتى يتجاوزوه إلى حديث آخر. فهم بذلك يجمعون بين التعليم والتسلية، وبين التثقيف والإمتاع. ومن كان هذا شأنه لا يعنيه أن يقف عند موضوع بعينه وقفة طويلة يستغرق فيها جميع أطرافه، وليس من شأنه أن يأخذ نفسه ويأخذ القارئ بالتحقيق والتمحيص. ومن أجل هذا نرى الجاحظ حريصًا على أن يوضح طريقته هذه توضيحًا لا لبس فيه فيقول١: "وقد ذكرنا من مقطعات الكلام وقصار الأحاديث بقدر ما أسقطنا به مئونة الخطب الطوال. وسنذكر من الخطب المسندة إلى أربابها مقدارًا لا يستفرغ مجهود من قرأها، ثم نعود بعد ذلك إلى ما قصر منها وخف". ويقول أيضا٢: "هذا -أبقاك الله- الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين، وما شابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفقر المستحسنة والنتف المستخرجة، والمقطعات المتخيرة، وبعض
стр. 617
ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة، والجوابات المنتخبة". ويقول١: "كانت العادة في كتب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفها عشر ورقات من مقطعات الأعراب ونوادر الأشعار، لما ذكرت عجبك بذلك ... "
ويعلل الجاحظ اتباعه هذه الطريقة بقوله٢: "وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، ويسوقه إلى حظه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء ومن باب إلى باب ... ونقصد من ذلك إلى التخفيف والتقليل، فإنه يأتي من وراء الحاجة، ويعرف بجملته مراد البقية". ويقول بعد أن يورد بعض الأخبار والنوادر٣: "فجعلنا بعضها في باب الاتعاظ والاعتبار وبعضها في باب الهزل والفكاهة. ولكل جنس من هذا موضع يصلح له. ولا بد لمن استكده الجد من الاستراحة إلى بعض الهزل".
ومن كانت هذه غايته، كان خليقًا أن يجمع بين دفتي كتابه ما يحقق له هذه الغاية، يستوي عنده في ذلك الخبر الصحيح والزائف، والشعر الثابت والمشكوك فيه والموضوع، وربما أورد من الأخبار والأشعار ما يعرف يقينًا زيفها ووضعها، ولكنه يسوقها لأنه يستحسنها أو لأن فيها نادرة تناسب ما قبلها. فمن ذلك أن الجاحظ يورد خبرًا فيه شعر ثم يقول٤: "وأخلق بهذا الحديث أن يكون مولدًا، ولقد أحسن من ولده".
ومن أجل هذا كله نرى الجاحظ لا يكلف نفسه مشقة التثبت والتمحيص، والرجوع إلى ما بين يديه من كتب ومصادر، وإنما يرتجل القول ارتجالًا، ويسوقه في كثير من التجاوز والتسامح، ويدفعه إلينا كما ورد في خاطره ساعة كتابته أو إملائه، فهو يورد بيتًا من الشعر ثم يقول٥: "وهي أبيات لم أحفظ منها إلا هذا البيت". ويقول أيضًا في باب الخطب٦: "وخطبة أخرى ذهب عني
стр. 618
إسنادها". ويقول١: "وإذا صرنا إلى ذكر الخطباء والنسابين ذكرنا من كلام كل واحد منهم بقدر ما يحضرنا". ويقول بلسان صاحب الكلب وهو يرد على صاحب الديك٢: "لعلنا إن تتبعنا ذلك وجدناه كثيرًا، ولكنك تقدمت في أمر ولم تشعر بالذي تعني فنلتقط من الجميع أكثر مما التقطت ... وما حضرنا من الأشعار إلا قوله ... ".
ولم يكن ارتجال الجاحظ للكلام، ولا إلقاؤه إياه كما حضره في ذاكرته، عن قلة الكتب التي بين يديه، وإنما كان ذلك لأن طريقة التأليف في مثل كتب الأدب العامة لا تستدعي التثبت والتحقيق والرجوع إلى المصادر كما بينا في مواطن كثيرة في هذا الفصل. وإلا فقد عُرف الجاحظ بكثرة ما لديه من كتب وبكثرة ما قرأه واطلع عليه منها، حتى لقد قال أبو هفان٣: "ثلاثة لم أر قط ولا سمعت أحب إليهم من الكتب والعلوم: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل بن إسحاق القاضي. فأما الجاحظ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويثبت فيه للنظر ... " بل إن في كتابيه هذين ذكرًا لبعض الكتب التي استمد منها بعض ما فيها من أخبار وخطب وأشعار٤.
ومع كل ذلك فقد نثر الجاحظ في كتابيه إشارات متفرقة عبر بها عن شكه فيما أورد من شعر، وهو شك قد يوهم بالتحقيق والتمحيص، ولكن السياق الذي ورد فيه هذا الشك سياق له دلالة خاصة، فالجاحظ مثلًا يورد بيتًا من الشعر ثم يقول٥: "فخبرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر كان أسامة صاحب روح بن أبي همام هو الذي كان ولدها. فإن اتهمت خبر أبي إسحاق فسم الشاعر،
стр. 619
وهات القصيدة، فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح، صحيح الجوهر، من قصيدة صحيحة لشاعر معروف". ويورد بيتًا لأوس بن حجر ثم يقول: "وهذا الشعر ليس يرويه لأوس إلا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر وشريح بن أوس". ويورد بيتًا لبشر بن أبي خازم ويقول١: "وقد طعنت الرواة في هذا الشعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم ... وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير مما قد احتملته كثير من الرواة على أنه من صحيح شعره" ويورد شعرًا للأفوه الأودي ثم يقول٢: "وما وجدنا أحدًا يشك في أن القصيدة مصنوعة".
وهذه الإشارات الكثيرة إلى وضع الشعر وردت كلها في موطن واحد، وهو حديثه عن علامات النبوة وانقضاض الكواكب، وفي معرض رد الجاحظ على من يزعم أن انقضاض الكواكب أمر معروف في الجاهلية وقد ذكره الشعراء الجاهليون في شعرهم، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه: ليس في انقضاض الكواكب دلالة على النبوة. فكان من بين ما رد به الجاحظ على هؤلاء أن شك في هذا الشعر ودفعه وذهب إلى أنه مصنوع. فالجاحظ إذن لم يشك في هذا الشعر لأن تحقيق الشعر وتمحيصه غايته ومقصده، وإنما اتخذ ذلك سبيلًا، من سبل كثيرة اصطنعها، للرد على مناظريه أو المخالفين له في الرأي. ومن أجل هذا نراه لا ينقد الشعر الذي يورده ابتداء، إلا في مواطن قليلة جدًّا حيث يورد عبارة واحدة متكررة هي قوله: "إن كان قالها". فهو يقول٣: "وقال أمية -إن كان قالها-" ثم يورد شعرًا، ويقول٤: "وقال تأبط شرًّا -إن كان قالها-".
ثم يورد أبياتًا؛ ويقول٥: "وقال العبدي -إن كان قاله-" وربما كانت هذه العبارة تفيد شكه في نسبة الشعر الذي يورده للشاعر الذي ذكره، ولكنها أيضًا
стр. 620
قد تفيد، فيما نرى، شكه في ذاكرته وحفظه، فقد ذكرنا قبل قليل أن الجاحظ لا يكاد يرجع إلى ما بين يديه من كتب ومصادر، وإنما يكتب أو يُملي ما يرد في خاطره وما يحضر في ذاكرته، فلعله أيضًا في هذه المواطن يقصد بهذه العبارة المتكررة أنه إنما يكتب من ذاكرته، ولذلك فهو يشك في حفظه لنسبة الشعر الذي يورده، فإن كان ذلك كذلك، يكن هذا دليلًا جديدًا على ما نذهب إليه من أن الجاحظ إنما يورد الشعر وسيلة لا غاية، وأنه لا يتكلف مشقة تحقيقه وتمحيصه والتثبت من نسبته وصحته.
ومن الأدلة على هذا الذي نذهب إليه ما ورد في الكتابين: الحيوان، والبيان والتبيين، من أخطاء في نسبة الشعر. وهي أخطاء لا يصح أن تقع إلا من السرعة أو الاعتماد على الحافظة لأنها في أغلبها نتيجة لتشابه في الأسماء، فمن ذلك أن الجاحظ ينسب في الحيوان شعرًا لخفاف بن ندبة١، وينسبه في البيان والتبيين للبرجمي٢، والصواب أن هذا الشعر لخفاف بن عبد قيس البرجمي٣. ومن ذلك أيضًا أنه ينسب بيتين في البيان والتبيين لحميد بن ثور الهلالي، والصواب أنهما لحميد الأرقط٤، ونسب في الحيوان لخفاف بن ندبة البيت التالي٥:
أبا خراشة إما كنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وأبو خراشة هي كنية خفاف بن ندبة، فليس هو إذن صاحب هذا البيت وإنما هو المخاطب به، وقائله العباس بن مرداس السلمي.
ودليل آخر على ما نذهب إليه هو هذا الاختلاف في نسبة الشعر بين الحيوان والبيان والتبيين فمن أمثلة ذلك أن شعرًا نسب في الحيوان إلى أبي ذؤيب الهذلي٦، ولكنه نسب في البيان والتبيين إلى المتنخل الهذلي٧، ونسب
стр. 621
الجاحظ بيتين في البيان والتبيين للفزاري١، وكان نسبهما في الحيوان لحريز بن نشبة العدوي٢، ونسب أبياتًا في البيان لسالم بن وابصة٣، بينما نسبها في الحيوان للعرجي٤. إلى آخر ما في الكتابين من خلاف في نسبة الشعر.
وآخر هذه الأدلة ما ذكرناه آنفًا عند حديثنا عن كتب النحو واللغة والسيرة والتاريخ، وهو: إغفال اسم الشاعر، والاقتصار على قوله "قال الشاعر"٥، أو "قال آخر"٦، أو "قال أعرابي"٧، أو ما شابه ذلك من العبارات التي تدل على أن المؤلف غير حريص على تحقيق نسبة الشعر ولا يعنيه من أمره إلا أنه وجد بيتًا أو أبياتًا تناسب ما أورد من حديث. وكثيرًا ما يغفل اسم الشاعر ويكتفي بذكر القبيلة وحدها مثل قوله "قال بعض القرشيين"٨، أو "قال الأسدي"٩، أو "قالت امرأة من بني أسد"١٠، أو "قال الفزاري"١١، أو "قال بعض القيسيين"١٢، أو "قال العبدي"١٣، وكثيرًا ما يقول في مواطن متفرقة "قال الهذلي" ثم يورد أبياتًا من الشعر لشعراء مختلفين من هذه
стр. 622
القبيلة، فحينًا يكون البيت لأبي العيال الهذلي ١، وحينًا ثانيًا لحبيب بن عبد الله الهذلي٢، وحينًا ثالثًا لأبي ذؤيب الهذلي٣، وحينًا رابعًا لأبي خراش الهذلي٤، وهكذا..
وخلاصة كل ما تقدم في هذا الفصل أن الشعر في هذه الضروب المختلفة من الكتب ليس غاية تقصد، وإنما هو وسيلة تلتمس لغيرها من الغايات، فهو يساق حينًا للاستدلال والاحتجاج كما في كتب النحو واللغة، وهو يساق حينًا آخر للاستشهاد والتمثل وتقوية الخبر وتزيينه كما في كتب السيرة والتاريخ والأدب العام. وبذلك لا يُعنى مؤلفو هذه الكتب بتحقيق نسبة الشعر غلى شاعر بذاته، وإنما حسبهم أن يكون هذا الشعر قديمًا قيل في عصر يصح الاستشهاد والاحتجاج به، أو قالته قبيلة من القبائل بحيث يكون شاهدًا على لهجتها كما هو الشأن في كتب النحو واللغة؛ أما كتب السيرة والتاريخ والأدب العام فبحسب مؤلفيها أن يجدوا لديهم شعرًا قيل في الحادثة التي يروونها، أو أبياتًا تناسب الحديث الذي يسوقونه، وليس يعنيهم بعد ذلك تحقيق نسبة الشعر إلى شاعر بعينه، بل لا يعنيهم التثبت من صحة الشعر نفسه، وربما أوردوا شعرًا يدركون هم أنفسهم أنه زائف موضوع، ولكن ذلك لا يمنعهم من إيراده لما فيه من نادرة أو حديث مستطرف. ومن أجل هذا كله لا نحسبنا مغالين إذا قلنا إن هذه الكتب كلها، بأنواعها المختلفة، ليست بطبيعتها مصدرًا أصيلًا من مصادر الشعر التي يُعتمد عليها، وإنما المصدر الأصيل الذي يصح للباحث المحقق أن يطمئن إليه ويعتمد عليه،
стр. 623
هو هذه الدواوين الشعرية التي اقتصر على الشعر نفسه واتخذته غاية لذاته، وأفرغ جامعوها وصانعوها وشراحها جهدهم في التثبت من صحة كل قصيدة بل كل بيت، والتحقق من نسبة كل ذلك إلى شاعره، ودفع ما لا تثبت لهم صحته أو نسبته، والنص على ما يشكون فيه منه. هذا الجهد الخصب المثمر الذي بذله العلماء الرواة منذ مطلع القرن الثاني الهجري، وبلغ غاية نشاطه في النصف الأخير من القرن الثاني ومطلع القرن الثالث -هذا الجهد الخصيب المثمر من التنقيب والتدقيق والتحقيق والتمحيص للتثبت من صحة الشعر وأصالته ونسبته- هو الذي أخرج لنا هذه الدواوين التي تناقلها التلاميذ من الرواة العلماء عن شيوخهم بالرواية جيلًا بعد جيل حتى وصلت إلينا مروية عن هؤلاء العلماء، مسندة إلى عالم راوية من علماء الطبقة الأولى في النصف الأخير من القرن الثاني. هذه الدواوين وحدها هي المصدر الأولي الوحيد الذي يُعتمد عليه في إثبات صحة الشعر وفي التحقق من نسبته إلى شاعر بذاته. وقد وفينا كل ذلك حقه في البحث في الفصول الثلاثة السابقة من هذا الباب.
стр. 624
الخاتمة
خلاصة البحث
...
خاتمة:
لهذا البحث -على تشعب طرقه وتباعد أطرافه- وحدة عامة تنتظمه كله تقرب منه ما تباعد، وتجمع ما تفرق. ولهذه الوحدة العامة دعائم ترتكز عليها وتقوم بها:
١
أولها: أن هذا الموضوع، كغيره من الموضوعات، يدور في نطاق إطار معين من الزمان والمكان والسكان. فكان لابد لنا من أن نمهد بين يدي بحثنا بتحديد معالم هذا الإطار. وخلصنا من كل ذلك إلى أن موطن العرب، في جاهليتهم، كان متفاوتًا في طبيعة أرضه، وفي طبيعة مناخه، وفي طبيعة سكانه. أما السكان أنفسهم فكانوا طوائف ثلاثًا: أعرابًا موغلين في الصحراء، يرتادون الكلأ. وينتجعون موافع القطر، ويحيون حياة لا تكاد تعرف من أسباب الحضارة والمدنية شيئًا. ثم سكان الحواضر من أهل المدر الذين كانوا يحيون حياة مسقرة ثابتة، في المدن والقرى. في داخل الجزيرة العربية وعلى أطرافها: في مكة والمدينة والطائف والحيرة والأنبار وقرى اليمامة. ثم طائفة ثالثة هم سكان البادية الذين ابتعدوا عن جوف الصحراء واستوطنوا مشارف المدن والقرى في ظواهرها وضواحيها، يحيون حياة فيها شيء من الاستقرار، وشيء ما الأخذ بأسباب الحضارة والمدنية.
والقبيلة العربية نفسها لم تكن شيئًا غير هذا، بل إن هؤلاء العرب بطوائفهم الثلاث لم يكونوا إلا قبائل عربية؛ فليست القبيلة كلها إذن أعرابًا.
стр. 625
موغلين في الصحراء، بعيدين عن كل أسباب الحضارة والمدنية، وإنما كانت القبيلة الواحدة في الجاهلية -كما كانت في صدر الإسلام، بل كما هي لعهدنا هذا- ثلاثة أقسام: قسم ما زال ضاربًا في جوف الصحراء، وقسم تحضر واستقر وسكن المدن والقرى، وقسم بين هذين القسمين: يبتعد عن جوف الصحراء ولكنه لا ينزل قلب المدن والقرى، وإنما يستوطن باديتها وظاهرها. وعلى ذلك كانت: قريش والأوس والخزرج وهذيل وعبد القيس وبكر وتغلب وأكثر قبائل العرب؛ يتحضر بعضها ويسكن المدر في: مكة ويثرب والطائف وقرى اليمامة والجزيرة، ويبدوا بعضها فينزل في ظواهر هذه المدن والقرى وضواحيها، ثم يبقى بعضها على ما كان عليه أصلًا في جوف الصحراء.
وكما انقسمت القبيلة العربية الواحدة ثلاثة أقسام في موطنها وحياتها الاجتماعية، كانت كذلك في دينها: فقد كانت أكثر القبائل في الصحراء وثنية مشركة، وكان كذلك بعض هذه القبائل في البادية والحواضر، ولكن من هذه القبائل نفسها من كان يعبد الله، إما لأنه دخل في النصرانية أو اليهودية، وإما لأنه ما زال مقيمًا على بعض دين إبراهيم. فاليهود والنصارى في بلاد العرب كانوا في أكثرهم قبائل عربية تهودت أو تنصرت.
وكانت هذه المدنية التي عرفها سكان الحواضر وقطان البوادي المطيفة بها -على تفاوت نصيبهم منها في الجاهلية الأخيرة القريبة من الإسلام- نتاج عاملين كبيرين: عامل تليد موروث يحسون به ولا يكادون يستبينونه في وضوح، ويدركون أطرافًا منه، ولكنهم لا يقوون على بعث الحياة فيه، وكانت آثار هذه المدنية الموروثة وشواهدها ماثلة أمام أعينهم، يرونها في حلهم وترحالهم، حتى إذا نزل القرآن ذكَّرهم بها واستمد منها العظة والعبرة. وعامل طريف مقبوس يستمدونه من اتصالهم الوثيق بالحضارات القائمة من حولهم في بلاد فارس والروم ومصر.
ومن أجل ذلك كله كان لابد للباحث من أن يتنبه لهذه الفروق الكبيرة في
стр. 626
حياة العرب ومجتمعاتهم في الجاهلية، فلا يُقلِي القول إلقاء عامًّا يشمل عرب الجاهلية كلهم. فإن من الخطإ أن نعمم على سكان الحواضر والبوادي أحكامًا يتصف بها قطان الصحاري وحدهم، أو أن نصم أهل المدر بالجهل والبدائية اللذين كانا من صفات بعض أهل الوبر.
وإذ كان ذلك كذلك، كان لابد لسكان الحواضر المستقرين في مدنهم وقراهم، ولقطان البادية القريبة من الحواضر، المطيفة بها من أن يأخذوا بنصيب متفاوت من مظاهر الحضارة التي كانت تعرفها الأمم المجاورة لهم.
٢
ومن هنا كان حديثنا في الباب الأول من بحثنا عن أهم مظهر من مظاهر هذه الحضارة، وهو الكتابة والتدوين. فاستقرينا في الفصل الأول النقوش الجاهلية الشمالية، وانتهينا إلى أن هذا الخط العربي -الذي عرف في الإسلام بالخط الكوفي- قد كان معروفًا في الجاهلية منذ مطلع القرن الرابع الميلادي على أقل تقدير، وأن عرب الجاهلية قد كتبوا بهذا الخط الذي كان المسلمون يستطيعون قراءته في يسر، ونستطيع نحن الآن أن نقرأه بعد شيء من المرانة والدربة ثلاثة قرون قبل الإسلام أو تزيد. ثم جمعنا قدرًا صالحًا من النصوص والروايات -بعضها يكاد يكون قاطع الدلالة- وخلصنا منها إلى ترجيح معرفة عرب الجاهلية بالنقط والإعجام. ثم عرضنا آرء بعض القدماء الذين عمموا الحكم على عرب الجاهلية فوصموهم بالجهل والأمية، ورددنا هذه الأحكام ردًّا اطمئننا إلى صوابه، وزاد اطمئناننا حين جمعنا بعض أسماء المعلمين في الجاهلية، وبعض النصوص والأخبار التي تشير إلى قيام مدارس لتعليم الكتابة في الحواضر العربية في الجاهلية نفسها، وزدنا على ذلك أن بعض عرب الجاهلية لم يكونوا يكتفون بتعليم الكتابة العربية وحدها، وإنما كانوا يتعملون أيضًا لغات الأمم التي تربطهم بهم روابط كثيرة،
стр. 627
فكان من العرب من يكتب العربية والسريانية والعبرية والفارسية، وكان في بلاد فارس وفي بلاط النجاشي مترجمون من العرب يكتبون بالعربية حين يحتاج الأمر إلى أن يترجموا إليها ويكتبوا بها.
واستوفينا في الفصل الثاني بحث هذا الموضوع حين تحدثنا عن الموضوعات التي كان يكتبها عرب الجاهلية، والمواد والأدوات التي كانوا يستخدمونها في كتابتهم؛ فجمعنا من النصوص والروايات ما يشير إلى أن عرب الجاهلية كانوا لا يكادون يتركون شأنًا من شئون حياتهم الخاصة والعامة إلا سجلوه وقيدوه، ولم يتركوا مادة ولا أداة عرفها العالم من حولهم آنذاك إلا استخدموها في كتابتهم. فكانوا يدونون كتبهم الدينية بالعربية وبالعبرية والسريانية، وكانوا يكتبون عهودهم ومواثيقهم وأحلافهم، ويسجلون في الصكوك حساب تجارتهم وحقوقهم ويكتبون رسائلهم في جليل أمورهم وصغيرها، بل كانوا يكتبون مكاتبات رقيقهم وينقشون خواتمهم وشواهد قبورهم.
واستخدموا في كتابتهم الجلد: من رق وأديم وقضيم؛ والقماش المصنوع من القطن الأبيض يصقلونه ويُعدونه للكتابة ويسمونه المهارق؛ وأنواع النبات وخاصة العسب، والخشب؛ واستخدوا العظام بأنواعها المختلفة. ثم تحدثنا عن الورق حديثًا مفصلًا انتهينا منه إلى ترجيح استخدام عرب الجاهلية لورق البردي في الكتابة.
وكان ختام هذا الباب حديثًا موجزًا عن وصف الخط والكتابة في الجاهلية. وبذلك نكون قد رجحنا ثلاثة أمور لها قيمتها وخطرها؛ أولها: قدم معرفة عرب الجاهلية بالخط العربي معرفة لا تقل عن ثلاثة قرون قبل الإسلام؛ وثانيها: نقط الحروف وإعجامها في الكتابة منذ الجاهلية نفسها، وثالثها: قيام المدارس ووجود المعلمين لتعليم الخط وانتشار الكتابة بين عرب الجاهلية انتشارًا أتاح لهم أن يسجلوا بها كثيرًا من شئونهم وأن يستخدموا لذلك كثيرًا من الأدوات.
стр. 628
٣
وكان من الطبيعي بعد ذلك أن نخصص الحديث، في الباب الثاني، بكتابة الشعر الجاهلي وحده. ورأينا أن هذه الكتابة ذات صورتين مختلفتين: صورة ضيقة محدودة لا تعدو مجرد التسجيل على صحيفة واحدة قد تزيد أو تنقص، وسميناها التقييد؛ وصورة واسعة تضم فيها هذه الصحف إلى بعضها حتى يكون منها كتاب أو ديوان، وسميناها: التدوين.
ثم رأينا أن بين أيدينا ضربين من الأدلة على تقييد الشعر الجاهلي منذ الجاهلية نفسها؛ وهما: أدلة عقلية استنباطية، وأدلة صريحة نصية.
أما الأدلة العقلية الاستنباطية فأربعة: أولها استنتجناه من كل ما قدمناه في الباب الأول عن معرفة عرب الجاهلية بالكتابة، ورأينا أن الشعر كان للقبيلة وللفرد العربي في الذروة العليا من القيمة والخطر: إذ هو ديوان أمجادهم وأحسابهم، وسجل مفاخرهم ومآثرهم. وكانت القبيلة تحرص أشد الحرص على فخر الشاعر إذا كان منها، وعلى مدحه إذا كان من غيرها، وتخشى أشد الخشية هجاءه، تبذل من ذات نفسها ومالها ما تطيق وفوق ما تطيق لتدفعه عن نفسها؛ وكذلك كان الرجل العربي في حرصه على المدح وخوفه من الهجاء. فإذا كان العرب آنذاك يقيدون عهودهم ومواثيقهم ورسائلهم وصكوك حسابهم وسواها من الموضوعات التي تتصل بشئون حياتهم، ألا يرجح ذلك أنهم كانوا كذلك يقيدون هذا الشعر الذي يخلد أمجادهم وأحسابهم ويسجل مفاخرهم ومآثرهم؟ وإذا كان أمر الشعر بهذا الخطر للممدوحين، فهل كان ملوك الحيرة وملوك غسان وإشراف مكة والمدينة والطائف وساداتها وأثرياؤها، وسادات نجران واليمن، هل كان كل أولئك لا يقيدون ما يُمدحون به من الشعر -أو بعضه- مع أنهم كانوا يقيدون سائر أمورهم؟
стр. 629
وثانيها: أن الشعر كان له من القيمة والخطر للشعراء أنفسهم ما كان للقبيلة وللممدوحين. فقد كان هذا الشعر عند غير المتكسبين بالمدح واجبًا قبليًّا تفرضه على الشاعر طبيعة ارتباطه بقبيلته، أو واجبًا خلقيًّا تمليه عليه مآثر سلفت من صاحبها لقبيلة الشاعر أو للشاعر نفسه، وأما المتكسبون بالمدح فقد كان الشعر موردًا من موارد ارتزاقهم، أو لعله المورد الوحيد. أليس عجيبًا بعد ذلك ألا يُعنَى الشاعر، وهذه قيمة الشعر عنده، بأن تحفظ الكتابة شعره أو بعضه؟ ولا سيما الشعراء الذين كانوا يعرفون الكتابة ويستخدمونها، وقد عددنا منهم في هذا الفصل طائفة ليست قليلة.
وثالث هذه الأدلة العقلية يتناول ضربًا خاصًّا من الشعر الذي وصفه في شعره: امرؤ القيس بن بكر، وكعب بن زهير، ثم وصفه الجاحظ وابن جني -والذي هو نتاج عمل عقلي مركب.
فإذا كنا لا ننكر أن بعض الشعراء كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا، وأن بعضهم كان يندلث منهم الشعر اندلاثًا هينًا سمحًا، وأن هاتين الطائفتين أو بعض رجالهما لا تضطرهم طبيعة هذا الضرب من الشعر إلى تقييده وإثباته بالكتابة إذا كنا لا ننكر ذلك، فإنه لابد لنا من أن نتريث قليلًا عند الفئة الأخرى من الشعراء وشعرهم، وأن نتوقف عن أن نسحب عليهم حكم الضرب الأول. ويبدو لنا أنه لابد من أن نرجح أن الشاعر الذي كانت تمكث عنده القصيدة حولًا كاملًا أو زمنًا طويلًا، يردد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلب فيها رأيه؛ والشاعر الذي كان يعرض له في الشعر من الصبر عليه، والملاطفة له، والتلوم على رياضته، وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولدين؛ والشاعر الذي كانت تكثر عليه القوافي فيذودها عنه ذيادًا، ثم ينتقي منها الجيد انتقاء، وينظر إلى قوافيه وألفاظه نظرة الجوهري إلى لآلئه، يعزل مرجانها جانبًا، ويأخذ المستجاد من درها؛ والشاعر الذي يتنخل كلامه تنخلًا، ويثقف ألفاظه وقوافيه حتى تلين متونها نرجح أن هؤلاء الشعراء لم
стр. 630
يكونوا ليستطيعوا أن يقوموا بهذا العمل العقلي الذي يستغرق هذا الوقت الطويل دون أن يكون الشعر مقيدًا أمامهم على صحيفة يرجعون إليها بين وقت وآخر: يزيدون عليه أو ينقصون منه، ويستبدلون لفظة بلفظة، وقافية بقافية.
وآخر هذه الأدلة العقلية هو ما وجدناه من شعر جاهلي يحفل بذكر الكتابة وصورها، والإشارة غلى أدواتها، وتشبيه الأطلال والرسوم ببقايا الخطوط على الرق والمهارق وسائر أنواع الصحف. ولم نذكر من هذا الشعر إلا ما فيه صور شعرية مركبة تنبئ عن أن قائلها لابد أن يكون عالمًا بهذه الصور، وأن الجاهل بها لا يتأتى له ذكرها ووصفها على هذا الوجه المفصل.
وبعد أن استوفينا هذه الأدلة العقلية التي استنتجنا منها أن بعض شعراء الجاهلية ربما استخدموا الكتابة في تقييد بعض شعرهم، انتقلنا إلى ذكر الأدلة الصريحة المباشرة، فأوردنا ما يزيد على عشرين نصًّا ورواية، لممنا نثارها، وجمعنا متفرقها، ونظمناها في سلك واحد لنرى أنها واضحة صريحة في أن بعض الشعر الجاهلي كان يقيد، سواء أكان الشعراء الجاهليون أنفسهم هم الذين يقيدونه بخط أيديهم، أم كانوا يستكتبون غيرهم لتقييد شعرهم.
أما تدوين الشعر الجاهلي فقد وجدنا أننا لا تستقيم لنا طرائق بحثه إلا إذا عبدنا من حوله سبل الحديث عن نشأة التدوين العام وأوائل المؤلفات المدونة، وذلك لأنه لا تخصيص إلا بعد تعميم، فإذا كان الأصل الكلي -وهو التدوين عامة- ما زال غامض النشأة، مشكوكًا في بداياته، منكورًا قدمه وسبقه، فإن الفرع الجزئي -وهو تدوين الشعر الجاهلي بخاصة- لا يصح أن يقوم وحده معلقًا في الفضاء وحوله سحب الشك والإنكار. ومن أجل ذلك مهدنا بحديث موجز انتهى بنا لى ثلاثة أمور:
الأول: أن صحف الكتابة كانت -منذ ظهور الإسلام وفي القرن الأول الهجري- من الكثرة والشيوع بمنزلة يتيسر معها، لمن أراد، أن يشتري منها ما يفي بحاجته، فيستطيع أن يضم بعضها إلى بعض، ويؤلف أجزاءها، ويجعل من
стр. 631
مجموعة هذه الصحف كتابًا أو ديوانًا مؤلفًا.
والثاني: استيفاء للأول، وهو بيان المظهر اللغوي، أو الصورة اللغوية للتدوين في ذلك العصر المبكر، فجمعنا من الألفاظ التي وردت في نصوصهم وأخبارهم والتي كانوا يطلقونها ليدلوا بها على مجموعة الصحف المدونة، والتي كانت تختلف عن ألفاظهم الدالة على الصحيفة المفردة جمعنا من كل ذلك ما يدعم معرفتهم بالتدوين.
والثالث: أننا عرضنا من الروايات والنصوص عن تدوين الحديث والفقه، والتفسير، والمغازي والسيرة، ما لا يبقى معه شك في أن بعضها كان يدون منذ عهد رسول الله ﷺ ، وعهد صحابته.
أما الشعر الجاهلي نفسه فقد دون منذ هذا العهد المبكر تدوينًا عامًّا ضمن هذه الموضوعات التي ذكرناها للاستشهاد به، أو الاحتجاج، أو التمثل، أو تفسير الألفاظ وشرح غريبها. وكان مدونو الحديث والتفسير والمغازي والسيرة هم من رواة الشعر وحفاظه. ودون فضلًا عن ذلك تدوينًا خاصًّا مستقلًا. فجمعنا من الأخبار والروايات ما تقطع بأن الشعر الجاهلي كان مدونًا في القرن الأول الهجري، وأن العلماء الرواة في القرن الثاني قد وصلهم بعض هذه المدونات الشعرية واعتمدوها أصلًا من الأصول التي استقوا منها ما جمعوا لمن هذه الشعر.
ثم أصفنا إلى هذه الأخبار والروايات الصريحة دليلًا ثانيًا على أن العلماء الرواة في القرن الثاني قد أخذوا من المدونات، وهو ما وقعوا فيه من تصحيف، ثم جمعنا أمثلة على التصحيف الذي لا يمكن أن يكون من خطإ في السماع، وإنما ينشأ من خطإ في القراءة.
وإذا كان ذلك كله ينتهي بنا إلى أن هذا الشعر الجاهلي قد كان مدونًا في القرن الأول الهجري، فقد قطعنا شوطًا آخر قبله، وجمعنا من النصوص والأخبار ما يرجح أن بعض هذا الشعر قد كان مدونًا منذ الجاهلية نفسها، وحين استوى بين أيدينا كل ذلك زدنا عليه حديثًا موجزًا عن كتب القبائل والنسب، وعن كتب العلم التي كانت تشتمل على بعض الحكم والأمثال وجوامع الكلم، وأن
стр. 632
بعضها كان كذلك يدون في الجاهلية.
ثم تساءلنا عن السبب الذي جعل علماء القرن الثاني يغفلون ذكر مصادرهم المدونة إذا كانوا قد أخذوا عن الصحف حقًّا. وقد وجدنا جواب ذلك في هذه النصوص والأخبار الكثيرة التي أوردناها، والتي تدل على أن القوم آنذاك كانوا يضعفون كل من يأخذ عن صحيفة أو ينقل من كتاب، وكانوا يلمزونه ويدعونه صحفيًّا، فكان لابد إذن لهذا العالم من أن يأخذ علمه من مجلس العلماء الشيوخ. وحين وصفنا هذه المجالس وضحنا معنى الرواية الأدبية، وقلنا إن الرواية كانت طريقة علمية متكاملة تقوم على دعامتين: الكتاب والسماع. فقد كان العالم الحق الجدير بالثقة هو الذي يتصل بالعلماء من ذوي السن، فيحضر مجالسهم ويلازمهم ويستمع إليهم ويأخذ عنهم، والكتاب في كل ذلك، أو في أكثره، هو الوسيلة أو الأداة: يقرؤه على شيخه، أو يستمع إلى بعض من يقرؤه، وقد تكون في يده نسخة أخرى من الكتاب يتابع قراءة القارئ، والشيخ يستمع: يصحح الخطأ، ويشرح الغريب، ويذكر من وجوه الخلاف في الألفاظ ما بلغ إليه علمه، ويتحدث عما حول النص من جو تاريخي، وقد يقوده اللفظ أو الخبر إلى لفظ في بيت آخر. أو إلى خبر في حادثة أخرى، فيستطرد، ثم يعود إلى حيث كان. ثم إذا بلغ هذا المتعلم من العلم مبلغًا يتيح له أن يجلس منه المتعلمون مجلسه من أولئك العلماء، لم يذكر الصحيفة التي أخذ منها أو الكتاب، لئلا يتوهم فيه أنه صحفي اكتفى بالأخذ عن الصحف وإنما أسند ما يلقيه من العلم إلى شيوخه، فيقول: حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، وسمعت فلانًا يقول. وهذه الصيغ المختلفة للتحديث موهمة أنها كانت رواية شفهية، وأن مجلس العلم كان كله حديثًا لا كتاب فيه، ولكن الأمر على غير ذلك، فإن هذه الصيغ كلها إنما تدل على ما ذكرناه من حديث العالم الشيخ في مجلسه، والمتعلمون والعلماء من حوله يقرءون أو يستمعون إلى ما يقرأ، والشيخ العالم يشرح، ثم أوردنا أخبارًا وروايات كثيرة تدل على أن مجالس العلم كانت
стр. 633
تقوم على قراءة الكتاب وحديث الشيخ معًا، بل لقد جمعنا أخبارًا أخرى تدل على أن الإسناد وصيغ التحديث قد توهم السماع على حين لا سماع، وإنما هو أخذ من الصحيفة وحدها من غير قراءة على الشيخ وسماع منه.
٤
وبعد أن استوفينا -في كل ما تقدم- الحديث عن الدعامة الأولى للرواية الأدبية: وهي الصحيفة المدونة، كان لابد لنا من أن نتحدث عن الدعامة الثانية وهي الرواية الشفهية أو السماع. فانتهينا إلى ثلاثة أمور فصلناها في ثلاثة فصول:
أولها: بحث لغوي في دلالة لفظتي: رواية وراوية، وأطوارهما اللغوية التاريخية، دخلنا منه إلى تفصيل الحديث عن التدوين والرواية في حفظ الشعر، وذكرنا أن هذا التدوين الذي ذكرناه -على ما كان من وجوده بل من انتشاره- لم يكن له من سعة هذا الانتشار ما يتيح وجود نسخ كثيرة من الديوان الواحد تفي بحاجة القارئين آنذاك. لقد كان هذا الشعر -أو بعضه- مدونًا، ولكن تدوينه كان مقصورًا على نسخ معدودة هي الأمهات أو المراجع، ينسخها أفراد قلائل من الرواة أو الشعراء أو أبناء قبيلة الشاعر أو الممدوحين من السادة والأشراف، ثم يحفظ هؤلاء جميعًا، أو بعضهم، هذا الشعر، ويتناقلونه إنشادًا -لا قراءة- في مجالسهم ومشاهدهم وأسواقهم، ويرددونه شفاهًا في سمرهم ومحافلهم ومنافراتهم ومواقف فخرهم؛ فيشيع بين العرب، ويتناقله الركبان، عن هذا الطريق من الرواية الشفهية، من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل؛ لا عن طريق القراءة والمدارسة من الكتاب أو الديوان.
ثم انتهينا إلى الحديث عن أمر له قيمته وخطره، وذلك هو اتصال رواية الشعر الجاهلي من الجاهلية نفسها إلى عصر التدوين العلمي في القرن الثاني
стр. 634
ومهدنا لحديثنا بقول عمر بن الخطاب: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"، وتعقيب محمد بن سلام عليه بقوله: "فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار؛ راجعوا رواية الشعر، فلم يئولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عليهم منه كثير".
وقلنا إن كلام ابن سلام هذا ثلاثة أشطر: آخرها حق، وموسطها باطل، وأولها يحتاج إلى فضل بيان يوضحه. أما الحق الذي لا مرية فيه فقوله: "فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير". وقد فصلنا وجه الحق فيه. وأما الباطل الذي لم نعد نشك في بطلانه وفساده فهو هذا التعميم الواسع في قوله: "فلم يئولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب". ولم نكتف بالتدليل على بطلان ذلك بما أوردناه في البابين الأولين من حديث مفصل، وإنما جمعنا من كتاب ابن سلام نفسه نصوصًا تنقض قوله هذا، أو -على الأقل- تضيق ما فيه من تعميم واسع. وأما الشطر الثالث الذي يحتاج إلى فضل بيان يوضحه فهو قوله: "فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر ... وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل". وفصلنا الرد على ذلك باستقراء تاريخي تتبعنا فيه حياة الرواية عند القوم، مبتدئين بالمعالم الواضحة في منتصف القرن الثاني الهجري، ومتدرجين فيها إلى الوراء حتى وصلنا إلى أقصى ما استطعنا الوصول إليه من معالم حياة الرواية الأدبية.
فجمعنا من الروايات والأخبار ما يدل عل أن القوم في القرن الأول الهجري لم يكونوا يكتفون برواية الشعر الجاهلي وإنشاده في المجالس والمحافل، وإنما كانوا
стр. 635
كذلك يعلمونه الصبيان تعليمًا: يروونهم إياه ويؤدبونهم به. ثم وقفنا وقفة فيها شيء من التفصيل عند شعراء العصر الأموي -وخاصة جرير والفرزدق وسراقة البارقي- وبينَّا، من شعرهم، أنهم كانوا حلقة من حلقات الرواية الأدبية للشعر الجاهلي ولأخبار الجاهلية وأنسابها عامة. وانتقلنا إلى الحديث عن صدر الإسلام عصر الرسول الكريم وصحابته، وفصلنا القول في اتصال رواية الشعر الجاهلي في زمنهم تفصيلًا وافيًا، وحين انتقلنا إلى الجاهلية ذكرنا من الروايات والأخبار ما انتهى بنا إلى أن إنشاد الشعر وروايته كانا دأب العرب في جاهليتهم القريبة المتصلة بالإسلام، حتى حين كانوا -وهم مشركون- يحاربون رسول الله. وبذلك قدمنا من الشواهد والأمثلة ما بين في وضوح أن رواية الجاهلية: أشعارها وأخبارها، لم تنقطع منذ الجاهلية، بل لقد اتصلت في زمن رسول الله وصحابته وخلفائه الراشدين، واستمرت طوال القرن الأول حتى تسلمها العلماء الرواة من رجال القرن الثاني، ولم تكن ثمة فجوة تفصل هؤلاء الرواة العلماء عن العصر الجاهلي، وإنما تلقفوه عمن تقدمهم، وورثوه عمن سبقهم، رواية متصلة وسلسلة محكمة، يأخذها الخلف عن السلف، ويرويها الجيل بعد الجيل، حريصين عليها، معنيين بها
وعقدنا الفصل الثاني من هذا الباب على طبقات الرواة، فرأيناهم ست طبقات: الشعراء الرواة، ورواة القبيلة، ورواة الشاعر، ورواة مصلحين للشعر، ورواة وضاعين، ورواة علماء. وفصلنا القول في كل طبقة تفصيلًا، ووقفنا عند الطبقة الأخيرة، وهم: الرواة العلماء، وقلنا إنها طبقة متميزة من الطبقات السابقة، ومدار تميزها وتفردها على أنها اتخذت من الشعر موضوعًا علميًّا، تدرسه دارسة، بعد أن تأخذه عن شيخ أو أستاذ في مدرسة من مدارس علم الشعر وروايته آنذاك، ونعني بها تلك المجالس والحلقات التي كانت تعقد في المساجد أو في منازل الشيوخ، ويجتمع فيها التلاميذ من العلماء والمتعلمين، يتحلقون حول شيخ شُهِد له بالحفظ والرواية ومعرفة كلام العرب والإحاطة