وهو مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْحَديْثِ الآتِي في بابه [البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِيْنُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] (٢٠٥) وقد جاء استثناءُ القَسامة كما تقدَّمَ أوَّلَ الباب؛ ولأن جَنْبِيَّةَ الْمُدَّعي قويت باللوث فتحولت اليمين إليه كما لو أقام شاهدًا في غير الدم، وكيفية اليمين كما في سائر الدعاوى، ويقول في يمينه: لَقَدْ قُتِلَ هَذَا ويشير إليه أو لقد قتل فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَيَرفَعُ نَسَبَهُ إن كان غائبًا منفردًا بقتله ما شاركه فيه غيره، ويذكر أنه عمدًا أو خطأ أو شبه عمدٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالاتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الأَيْمَانَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَجِ، والتفريق في الحجج لا يقدح كما إذا شهد الشهود متفرقين، وهذا ما أورده أكثرهم، وقيل: تشترط، لأن للموالاة وقعًا في النفس وأثرًا في الزجر والردع، وهو الأشبه في اللِّعان، ويمكن الفرق بأن اللعان أولى بالاحتياط من حيث أنه تتعلق به العقوبة البدنية، ومن حيث أنه يختلُّ به النسب وتشيع الفاحشة، وَلَوْ
стр. 1577
تَخَلَّلَهَا، يعني الأيمان، جُنُونٌ أَو إغْمَاءٌ بَنَى، أي فلا يجب الاستئناف، أما إذا لم يشترط الموالاة فظاهر، وأما إذا اشترطناها فلقيام العذر.
فَرْعٌ: إذا عُزِلَ القاضي أو مات في أثنائها، فالأصح: أنَّ القاضي الثاني يستأنفُ منه الأيمان، وحكى عن نصه في الأُمِّ: أنه يكفيه البناء وصححه الروياني.
وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن الأَيْمَانَ كالْحُجَّةِ الوَاحِدَةِ، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره؛ وهذا ما نص عليه في المختصر، والثاني: البناء؛ وهو قول الحضرمي، وَلَوْ كَان لِلْقَتِيْلِ وَرَثَةٌ وُزِّعَتْ بِحَسَبِ الإِرْثِ، لأنَّ الذي يثبت بأيمانهم يقسم عليهم كذلك، وَجُبِرَ الْمُنْكَسِرُ، لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِيْنَ، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غيرها، وهذا القول مَبْنيٌّ على أن الديَّةَ تثبتُ للوارثِ ابتداءً، والأول مبنيٌّ على أنها تثبتُ للمقتولِ ابتداءً، وأجاب الأَولُ عما استدل به صاحب هذا القول: بأن اليمين الواحدة لا يمكن قِسْمَتُهَا بخلاف أيمان القسامة، وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِيْنَ، لأن الديةَ لا تستحق بأقل منها، وَلَوْ غَابَ حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِيْنَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإلا، أي وإن لم يحلف، صَبَرَ لِلْغَائِبِ، فإذا حضر حلف ما يخصه، وَالْمَذهَبُ أَن يَمِيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيهِ بِلَا لَوْثٍ، وَالْمَرْدُودَة عَلَى الْمُدَّعِي أوِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ، وَالْيَمِيْنُ مَعَ شَاهِدِ خَمْسُون، أما في الأُولى: وهي ما إذا ادعى القتل بغير لوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه؛ فلأنها يمين مسموعة في دعوى القتل، فتعددت كما إذا كان ثَمَّ لوث، فإن التعدد ليس للوث بل لحرمة الدم، واللَّوْثُ إنما يفيدُ البداءَةَ بالمدَّعي، بدليل أنه لو نكلَ حُلِّفَ المدعى عليه خمسين يمينًا، ومنهم من قطع به ذكره الرافعي في كلامه على الوجيز وأسقطه من الروضة، والطريق الثاني فيها؛ حكاية قولين وجه التغليظ ما قلناه، ووجه مقابله: أنها يمين في جانب المدعى عليه لقطع الخصومة فلا تُغَلَّظ بالعدد كسائر الدعاوي، وأما في الثانية: وهى ما إذا نكل المدعى عليه فردت عليه؛ فلم أرَ فيه حكاية طريقتين أصلًا؛ بل
стр. 1578
حكاية قولين، وكذا في الرابعة، ولم يذكر هو في الروضة طريقة قاطعة بذلك، وأما الثالثة: فالأصحُّ القطع فيها بما ذكرهُ لقوله ﵇: [فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِيْنَ يَمِيْنًا] (٢٠٦) جعل أيمان المدعى عليهم بعدد أيمان المدعين، والثاني: طرد القولين؛ لأن نكوله يبطل اللوث فكان كلا لوث، وقوله (خَمْسُونَ) هو خبر للمسائل الأربع المذكورة، وقوله (وَالْمَرْدُودَةُ عَلَى الْمُدَّعي) مراده إذا لم يكن ثم لوث؛ فإنه إذا كان فهي له ابتداء.
وَيَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أي مخففة في الخطأ ومغلظة في شبه العمد، وَفِي العَمْدِ عَلَى المُقْسَمِ عَلَيهِ، أي ولا قصاص لأنه ﵊ أطلق أيجاب الدِّيَةِ حيثُ قال: [إِمَّا أن يَدُواْ صَاحِبَكُمْ؛ وِإمَّا أن يُؤْذِنُواْ بِحَرْبٍ] متفق عليه (٢٠٦)، وَفِي القَدِيْمِ قِصَاصٌ، لقوله ﷺ : [أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ] أي دم قاتل صاحبكم، متفق عليه (٢٠٦)، وأجاب الأولُ: بأنا نضمن بسبب قتل صاحبكم.
وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَحَضَرَ أحَدُهُمْ؛ أقسَمَ عَلَيهِ خَمْسِيْنَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، أي على الجديد والقديم له القصاص منه، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ، أي وأنكر، أقْسَمَ عَلَيهِ خَمْسِيْنَ، لأن الأيمان السابقة لم تتناول الثاني، أما إذا أقرَّ فإنه يُقْتَصُّ منه بإقراره إن كان الفتل عمدًا بشرطه ولا قسامة، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ، لأنهما لو كانا حاضرين لأَقْسَمَ القاضي خمسين عليهما جميعًا فحصة الواحد من الخمسين النصف، إنْ لَمْ يَكُن ذَكَرَهُ فى الأَيْمَانِ، وَإِلّاَ فَيَنْبَغِي الإِكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيهِ وَهُوَ الأَصَحُّ، ووجه الصحة في القَسَامَةِ في الغيبة القياس على البينة، ووجه مقابله ضعف القسامة.
وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ أقْسَمَ، أي فالسيد يقسم في قتل عبده على الأظهر الذي سلف في أول الباب، وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ، لأنه استحق بدله، ويستعين بالقيمة
стр. 1579
على أداء النجوم ولا يقسم سيده؛ بخلاف ما إذا قُتِلَ عبد المأذون له، فإن السيد يُقسم دون المأذون له، لأنه لا حقَّ له فيه بخلاف المكاتب، وَمَنِ ارْتَدَّ فَالأفْضَلُ تَأْخِيْرُ أَقسَامِهِ لِيُسْلِمَ، لأنه لا يتورع في حال ردته عن الأيمان الكاذبة، فَإِنْ أقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن يمين الكافر صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال فلا تمتع منه الردة كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما، هذا هو الظاهر المشهور كما قاله الرافعى، وقال المزني: لا تصح القسامة ولا يثبت شيء، وحكاه غيره قولًا، ثم قيل أن تصحيحهما مبني على أقوال الملك، فإن قلنا بالبقاء فيصح، أو بالزوال فلا، أو بالتوقف فنعم في الأصح، وهذه طريقة مرجوحة، والأظهر عند الأكثرين إطلاق القول بالصحة وتنزيل الدية منزلة ما يكتسب بعد الردة من احتطاب ونحوه، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا قَسَامَةَ فِيْهِ، أي وإن كان هناك لوثٌ إذ (•) تحليف بيت المال غير ممكن؛ لكن ينصب القاضي مَن يدَّعي عليه ويحلِّفُه.
فَصْلٌ: إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أوْ عَدْلَيْنِ، لما سيأتي في بابه، قُلْتُ: ويثبت أيضًا بنكول المدَّعى عليه وبيمين المدَّعِي، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَيَمِيْنٍ، لما سيأتي في بابه، وقوله (وَالْمَالِ) بالجرِّ عطفًا على القصاص، وَلَوْ عَفَى عَنِ الْقِصَاصِ لِيَقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأتَانِ لَمْ يُقْبَل فِي الأصَحِّ، مراده إذا عفى مستحقُّ القصاص عن القصاص ليدعي المال ويقبل منه في إثباته رجل وامرأتان لم يقبل منه ذلك في الأصح، لأنها في نفسها موجبة للقصاص لو ثبت، والثاني: يقبل منه، لأنه لا قصاص والقصد المال.
وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا، أي رجل وامرأتان، بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيْضَاحٌ لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، كذا نص عليه، ونص فيما لو رمى سهمًا إلى زيد فمرق منه إلى غيره أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين وبشاهد ويمين، وفيهما طريقان: أحدهما: قولان، أحدهما: ثبوت الهشم والجناية على الثاني برجل وامرأتين وبشاهد
стр. 1580
ويمين؛ لأنه لا قصاص فيهما. والثاني: المنع؛ لاشتمال الجناية على ما يوجب القصاص وهى في الموضحة في الصورة الأُولى، وقتل الأول في الثانية. والقصاص لا يثبتُ برجل وامرأتين؛ وأصحهما: تقريرُ النَّصَّيْنِ والفرق أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة فإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص أُحتيط لها، ولم يثبت إلا بحجة كاملة. وفي صورة مروق السهم حصل جنايتان لا تتعلق (•) إحداهما بالأُخرى، وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ، لَمْ يَثْبُت حَتَّى يَقُولَ: فَمَاتَ مِنْهُ أَوْ فَقَتَلَهُ، لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر لا بجراحته، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ، أَوْ فَأَسَالَ دَمَهُ، ثَبَتتْ دَامِيَةً، لأنه تصريح بمقصودها، ولو قال: فسال دمه؛ لم يثبت؛ لاحتمال حصول السيلان بغيره.
وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسَهِ، أي ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ لأنها من الإيضاح وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وَقِيْلَ: يَكْفِي فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ، لفهم المقصود بذلك، وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا، يعني الموضحة، لِيُمْكِنَ الْقِصَاصُ.
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بإقْرَارٍ بِهِ لَا بِبَيِّنَةٍ، لأن الشَّاهِدَ لا يعلمُ قَصْدَ السَّاحِرِ ولا يشاهدُ تأثيرَ السِّحر إلا أن يقول الساحر: سحرتُه بنوع كذا، فيشهد عدلان أن هذا النوع يقتل غالبًا أو نادرًا فيثبت ما يشهدان به ويتصور معرفة العدلين بذلك فيما إذا كانا ساحرين وقد تابا، أو فَرَّعْنَا على القول بجواز تعلم السحر، والأصح خلافه، وأيضًا الولي إذا ادعى أنه قُتل مورثه بسحره فأنكر ونكل عن اليمين فإن الظاهر أن اليمين ترد على المدعي، فإن قلنا يمين النكول كالبينة فله أن يحلف اعتمادًا على قرينة نكوله أو غيرها، فقد ثبت القتل به لا بالإقرار وهذا غريب إن ثبت الشيء بما هو بمنزلة البينة، وإن لم يثبت بها لتعذر علمها به.
وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثِهِ، أي وكان غير أصل وفرع، بِجُرْحٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ لَمْ تُقْبَلْ،
стр. 1581
لأنه لو مات كان الأرش له فكأنه شهد لنفسه، وَبَعْدَهُ يُقْبَلُ، لانتفاء التهمة حينئذ، وَكَذَا بِمَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ في الأصَحِّ، أي شهد بمالِ لمورثه في مرض الموت، ووجه عدم القبول التهمة، ووجه مقابله: أن شهادته لا تَجِرُّ لنفسه نفعًا ولا تدفع عنه ضررًا، لأن المال إنما يثبت للمريض ثم يرثه، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ يَحْمِلُونَهُ، أي وهو الخطأ وشبه العمد؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم ضرر التحمل، وتقبل شهادتهم على فسق ببينة العمد وبينة الإقرار بالخطأ، لأن الدية لا تلزمهم فلا تهمة.
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَان عَلَى اثْنَيْنِ بقَتْلِهِ فَشَهِدَا عَلَى الأوَّلَيْنِ بِقَتْلِهِ، أي في ذلك المجلس، فَإِنْ صَدَّقَ الْوَلِيُّ الَأوَّلَيْنِ حُكِمَ بِهِمَا، لسلامة شهادتهما عن التهمة وتسقط شهادة الآخرين، لأنهما صارا عَدُوَّيْنِ للأوَّلين؛ لكون الأولين شهدا عليهما بالقتل، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما القتل، أَوِ الآخَرَيْنِ أوِ الْجَمِيْعَ أوْ كَذبَ الْجَمِيْعَ بَطَلَتَا، ووجهه في الثالثة ظاهر، وفي الثانية: أنه كَذَّبَ كلًّا منهما بتصديق الأخرى، لأن من شهد بأن القاتل الآخران اقتضت شهادتهما أن لا قاتل غيرهما، وكذلك بالعكس، وفي الأُولى: أنه بتكذيب الأولين سقطت شهادتهما، وشهادة الآخرين مردودة وإن وقعت حسبة، لأنهما صارا عدوي الأولين ومتهمين، إذا علمت ذلك فقدِ اعْتُرِضَ على تصوير المسألة: بأن الشهادة على القتل لا تسمع إلّا بعد تقديم الدعوى، ولابد في الدعوى من تعيين القاتل فكيف يسأل المدعي بعد شهادة الفريقين، وأجيب عنه بوجوه؛ أصحُّها: أن صورتها بأن يدعي القتل على اثنين ويشهد بذلك شاهدان فيبادر المشهود عليهما ويشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان وذلك يورث ريبة للحاكم فيراجع الولي ويسأله احتياطًا.
وَلَوْ أقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ، لأنه لا يتبعض، وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ أو هَيئَةٍ لَغَتْ، للتناقض، وَقِيْلَ: لَوْثٌ، للاتفاق على أصل القتل، والاختلاف في الصفة ربما يكون غلطًا أو نسيانًا، وقوله (وَقِيْلَ: لَوْثٌ) صوابه: وفي قولٍ كما صرح به الرافعي.
стр. 1582
كِتَابُ البُغَاةِ
هُمْ مُخَالِفُواْ الإِمَامِ بِخُرُوجٍ عَلَيهِ، أي ولو كان جائرًا، وَتَرْكِ الاِنْقِيَادِ، أوْ مَنْعِ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ، هذا حد البغاة في الاصطلاح، وسمو بذلك لمجاوزة الحدود، وقيل: لطلب الاستعلاء، والإجماع قائم على قتالهم، بِشَرْطِ شَوْكَةٍ لَهُمْ وَتَأْوِيلٍ وَمُطَاعٍ فِيْهِمْ، أي فإن كانوا أفرادًا فليسوا بغاة، وكذا إذا خرجوا بلا تأويل، قال الإمام: ولابد لحصول الشوكة من متبوع مطاعٍ يصدرون عن رأيه، إذ لا قوة لمن لا يجمع كلمتهم مطاعٌ، وحينئذ فقول المصنف بعد قوله وشوكة ومطاع يقتضي التغاير.
فَرْعٌ: يشترط في تأويلهم أن يكون بطلانه مظنونًا، فلو كان قطعي البطلان؛ فالأوْفَقُ لإطلاق الأكثرين أنهُ غيرُ معتبرٍ؛ كتأويل أهلِ الرِّدَّة حيث قالوا: أُمِرْنا أن ندفع الزكاة إلى من صلاته سكنٌ لنا وهو رسول الله ﷺ وصلاة غيره ليست سَكَنًا لنا (٢٠٧)، ووجه مقابله: أنه قد يغلظ في القطعيات.
وَقِيلَ: وَإمَامٌ مَنْصُوبٌ، أي وإلّا فلا يكون بينهم قاضٍ ووالٍ فتتعطل الأحكام، ونقله الرافعي عن الجديد، ونسبه الإمام إلى المُعْظَمِ، لكن في الرافعي عن الأكثرين المنع؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قاتل أهل الجمل ولا إمام لهم، وأهل صفين قبل نَصْبِ إمامِهم، وأثر الخلاف في تنفيذ الأحكام لا في عدم الضمان كما أشار إليه الغزالي، وقال
стр. 1583
الماوردي: هذه الأمور كلها إنما تشترط فِي جواز قتالهم، واعتبر الجويني أمرين آخرين؛ أن يمتنعوا من حكم الإمام؛ وأن يُظهروا لأنفسهم حكمًا.
وَلَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأيَ الْخَوَارِج، أي وهم صنف من المبتدعة، كَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَتَكْفِيْر ذِي كَبِيْرَةِ وَلَمْ يُقَاتِلُواْ تُرِكُواْ، لأن عليًّا جعل حكمهم حُكم أهْلِ الْعَدْلِ بقوله: (لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثَةٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ تَذْكُرُواْ فِيْهَا اسْمَهُ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيْنَا فِي أَيْدِيْكُمْ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ) (٢٠٨)، نَعَمْ؛ إن تضرر بهم المسلمون، قال القاضي حُسين: قال أصحابُنا: نتعرض لهم حتى يزول الضرر، والمرادُ بتكفير ذي كبيرةٍ: أن اعتقادهم أنَّ مَنْ أتَى كبيرةً من الكبائرٍ فقد كَفَرَ وحَبِطَ عملهُ وخُلِّدَ في النارِ، وأنَّ دار الإمام صارتْ بظهور الكبائر فيها دار كفرٍ وإباحةٍ، فلذلك طعنوا في الأئمة ولم يصلُّوا خلفهم واجتنبوا الجماعات والْجُمُعَاتِ، وَإِلا فَقُطَّاعُ طَرِيْقٍ، أي وإن قاتلوا فحكمهم حكم قطاع الطريق.
فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ، بناءً على أنهم ليسوا بفسقة، وَقَضَاءُ قَاضِيْهِمْ فِيْمَا يَقْبَلُ قَضَاءَ قَاضِيْنا إِلَّا أَن يَسْتَحِلَّ دِمَاءَنَا، لانتفاء العدالة إذًا وهي من شرط القاضي، قُلْتُ: وإلّا أن يكون من الخطابية الذين يقضون لموافقيهم بِتَصْدِيْقِهِمْ إذا قضى لموافقيهم كما تُرَدُّ شهادتُهم (•)، وَيُنَفِّذُ كِتَابُهُ بالْحُكمِ، جوازًا (•) أي وإن كان المستحبُّ أن لا تُقْبَلَ استخفافًا بهم، وَيَحْكُمُ بِكِتَابهِ بِسَمَاع الْبَيِّنَةِ فِي الأَصَحِّ، لأن الكتاب الذي يَرِدُ له تعلُّقٌ برعايانا. وإذا نفذنا حكَم قاضيهم لمصلحة رعاياهم، فلأنَّ نراعي مصالح رعايانا من باب أولى، والثاني: لا؛ لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم، وقوله (فِي الأَصَحِّ) تبع فيه الْمُحَرَّر وخالف في الروضة فعبَّر بالأظهرِ تبعًا للشرح.
стр. 1584
وَلَوْ أَقَامُوا حَدًّا؛ وَأَخَذُواْ زَكَاةً؛ وَخَرَاجًا؛ وَجِزْيَةً؛ وَفَرَّقُوا سَهْمَ الْمُزتَزِقَةِ عَلَى جُنْدِهِمْ صَحَّ, لأن في إعادة المطالبة اضرارًا بأهل البلدة، وَفِي الأخِيْرِ وَجْهٌ، لئلا يستعينوا به على البغي, والأصحُّ الصحة؛ لأنهم من جند الإِسلام؛ وإرعابُ الكفارِ حاصل بهم؛ وفي الجزية أَيضًا وجه حكاه الرافعي، وفي الزكاة وجه حكاه القاضي: أنَّهم إن أعطوا اختيارًا من غير إجبار لم يسقط عنهم، وَمَا أتلَفَهُ بَاغ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِن لَمْ يَكُنْ في قِتَالٍ ضَمِنَ، جريًا على الأصل الممهد في قصاص النفوس وغرامات الأموال، وَإلَّا فَلَا، أي وإن كان في قتال، فلا ضمان! أما فيما يتلفه العادل على الباغي، فلأنه مأمور بالقتال فلا يضمن ما يتولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل، فَلأَنَّ في الوقائع التي جرت في عصر الصَّحَابَة كحروب الجمل وصفين لم يطالب بعضهم بعضًا بضمان نفس ولا مال، وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ الْبَاغِي، لعموم قوله ﵊: [إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَموَالَكمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ] (٢٠٩) والخلاف فيما إذا أتلف بسبب القتال وتولّد منه هلاكه، فلو أتلف في القتال ما ليس من ضرورة القتال أوجب ضمانه قطعًا كالمتلف قبل القتال ذكره الإمام، وَالْمُتَأَوِّلُ بلَا شَوْكَةٍ يَضْمَنُ، أي ما أتلفه نفسًا ومالًا وإن كان في حال القتال كَقُطَّاعِ الطريق، لأنّا لو أسقطنا الضمان لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس أو مال أن تبدي تأويلًا وتفعل من الفساد ما تشاء وفي ذلك بطلان السياسات، وَعَكسُهُ كَبَاغٍ, لأن سقوط الضمان عن الباغي لقطع الفتنة واجتماع الكلمة وهذا موجود هنا.
فَصْلٌ: وَلَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيهِمْ أَمِيْنًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنقِمُون، أي يكرهون، فَإِن ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَوْ شُبْهَةً أَزَالَهَا, لأن المقصود بقتالهم رَدُّهُمْ إلى الطاعة، ودفع شرِّهِمْ، والبعثُ واجبٌ كما صرح به ابن الصباغ وغيره، وقال أبو
стр. 1585
الطيب: مستحبٌّ، فَإِنْ أَصَرُّوا، أَي بعد إزالة العلّة، نَصَحَهُمْ، أي ووعظهم؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود (٢١٠)، ثُمَّ آذَنَهُمْ بِالْقِتَالِ، أي أعلمهم به، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوا اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا، وَلَا يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ وَلَا مُثخَنَهُمْ وَأَسِيْرَهُمْ، للنهي عنه (٢١١)، نَعَمْ: إن انهزم متحيزًا إلى فئة قريبة أُتبَع أو بعيدة فلا، وَلَا يُطْلِقُ، يعني أسيرهم، وَإِن كَان صَبِيًّا وَامْرَأَةَ حَتَّى تَنْقَضِي الْحَرْبُ وَيَتَفُرَّقَ جَمْعُهُمْ، لينكف شَرُّهُ، إِلَّا أَن يُطِيعَ بِاخْتِيَارِهِ، أي بمتابعة الإمام، وهذا إذا كان حرًا، فإن كان عبدًا فقيل هو كالنساء، وإن كان يقاتل. وقال المتولي: إنْ كان يجيء منه ومن المراهق قتال فهما كالرجال في الحبس، قال الرافعي: وهو حسن. فَاعْلَمْ: أن المصنف جعل قوله (حَتَّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ وَيَتَفَرَّق جَمْعُهُمْ) غايةً لإطلاق الأسير سواء كان رجلًا أو صبيًا أو امرأة وهو صحيح في الرَّجل البالغ، أما الصبي الذي ليس مراهقًا والمرأة؛ فيُطْلَقَانِ بانقضاء القتال على ما صححه في الروضة تبعًا
стр. 1586
للرافعي، وعبارة الْمحَرَّرِ صوابٌ لا إِيْرَادَ عليها.
فَرْعٌ: نصَّ في الأُمِّ على أنَّه لو كان عندهم أسارى من أهل العدل فسألوا؛ والحرب قائمة: أَنْ يُمْسِكَ ليطلقوهم وأعطوا بذلك رهائن قبلنا الرهائن، فإنْ أطلقوا الأسارى أطلقنا الرهائن، وإن قتلوهم لم يَجُزْ قتل الرهائن فلابد من إطلاقهم بعد انقضاء الحرب.
وَيَرُدُّ سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذا انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، أي بعودهم إلى الطاعة أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسرى. وَلَا يُسْتَعْمَلُ، أي خيولهم وأسلحتهم، في قِتَالٍ، كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم، إِلَّا لِضَرُورَةٍ، أي بأن لم تجد ما ندفع به عن أنفسنا إلَّا سلاحهم أو وقعت هزيمة ولم نجد إلَّا خيولهم، وَلَا يُقَاتَلُونَ بعَظِيْمٍ كَنَارٍ وَمَنْجَنِيْقٍ, لأنَّ الْقَصْدُ الكَفُّ فَقَط، إِلَّا لِضَرُورَةٍ بأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا، واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها للدفع، وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢١٢)، وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ، أي وهم الحنفية, لأنه يجب الكف عنهم إذا انهزموا. قلت: ويجوز الاستعانة بهم بشرط أن يكون فيهم جرأة وحسن إقدام؛ وأن نتمكن من منعهم لو اتبعوا أهل البغي بعد هزيمتهم، وأن نثق بما نشرطه عليهم, وأن لا يتبعوا مدبرًا ولا يجهزوا على جريح.
وَلَوِ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ حَرْبٍ وَآمَنُوهُمْ لَمْ يَنْفُذْ أمَانُهُمْ عَلَينَا, لأن الأمَان لترك قتال المسلمين فلا ينعقد على شرطِ القتال فيجوز لنا أن نغنم أموالهم وأن نسترقّهم ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر ونقتل مدبرهم ونذفف على جريحهم، وَنَفَذَ، أي أمان أهل البغاة، عَلَيْهِمْ في الأَصَحِّ، لأنهم آمنوهم وأمنوا منهم, والثاني: لا ينفذ عليهم، كما في حق أهل العدل،
وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِيْنَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا انتقَضَ عَهْدُهُمْ، كما لو انفردوا
стр. 1587
بالقتال وحكمهم حكم أهل الحرب، أَوْ مُكْرَهِيْنَ فَلَا، أي وقوتلوا مقاتلة أهل البغي، ولو قال المصنف: مختارين قبل ذلك مقابلة لقوله أو مكرهين لكان حسنًا، وَكَذَا إِن قَالُوا: ظَنَنَّا جَوَازَهُ، أي ظننا أنَّه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض أو أنَّهم يستعينون بنا على الكفار، أَوْ أَنهُمْ مُحِقُّونَ، أي وكذا لهم إعانة المحق، فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ، إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه، ويقَاتَلُون كَبُغَاةٍ، وقيل في الانتقاض للعهد قولان؛ كذا في أصل الروضة؛ ولم أَرَ في كلام الرافعي تصحيح طريقة منهما.
فَصْلٌ: شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا؛ مُكَلَّفًا؛ حُرًّا؛ ذَكَرًا، لنقص أضدادهم، قُرَشِيًّا، لقوله ﵊: [الأئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ] رواه النَّسائي بإسناد جيد من رواية أنس (٢١٣)، فإن عدم قريشي بالصفات فَكِنَانِيٌّ جرهمي (•) ثم إسحاقي قاله المتولي، وفي التهذيب: إن فُقِدَ ولد إسماعيل فمن العجم (٢١٤)، مُجْتَهِدًا، ليعرف الأحكام ويعلّم الناس، شُجَاعًا، ليغزو بنفسه ويقهر الأعداء ويفتح الحصون، ذَا رَأي، أي وكفاية (فَالرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ)، وَسَمْعٍ؛ وَبَصَرٍ؛ وَنُطْقٍ، ليتأتى منه فصل الأمور، قال الماوردي: وضعف البصر إن كان يمنع رؤية الأشخاص منع انعقاد الإمامة واستدامتها؛ وإلّا فلا. قُلْتُ: وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ الْوَرَعُ وَالتَّقْوَى وَالأَمَانَةُ، كما عبَّر به الإمام، ويشترط أَيضًا سلامة أعضائه من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض على الأصح.
وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بِالْبَيْعَةِ، كما بايع الصَّحَابَة أَبا بكر ﵁ وَعَنْهُمْ، وَالأصَحُّ: بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ
стр. 1588
يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ؛ لأنه ينتظم الأمر بهم ويتبعهم سائر الناس ولا يشترط على هذا عدد، بل لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفت بيعته.
وَشَرْطُهُمْ، أي الذين يبايِعون: صِفَةُ الشُّهُودِ، والأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا يشترط حضور شاهدين البيعة إن كان العاقدون جمعًا، وإن كان واحدًا اشترط، ومقابل الأصح في كلام المصنف سبعة أوجه موضحة في الأصل فراجعها منه، وَبِاسْتِخْلَافِ الإِمَامِ، أي تنعقد الإمامة أَيضًا به كما عهد أبو بكر إلى عمر ﵄ وانعقد الإجماع على جوازه، فَلَوْ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعٍ؛ فَكَاسْتِخْلَافٍ فَيَرْتَضُون أَحَدَهُمْ، اقتداء بعمر ﵁ فإنَّه جعل الأمْرَ شُورَى بين سِتَّةٍ بين عليّ والزُّبير وعثمان وعبد الرَّحْمَن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وطلحة فاتفقوا بعد موته على عثمان. وَبِاسْتِيْلَاءِ جَامع الشُّرُوطِ، أي تنعقد الإمامة به أَيضًا لينتظم شمل المسلمين، وأنكرت الإمامية ذلك، وقالت الزيديَّة: كلُّ فاطميِّ عالِمٍ خرج بالسيف وادَّعى الإمامة صار إمامًا ولا اعتداد بخلافهم، وَكَذَا فَاسِقٌ وَجَاهِلٌ في الأَصَحِّ، لما ذكرناه، وإن كان عاصيًا بفعله.
فَرْعٌ: لا يصير الشخص إمامًا بتفرده بشروط الإمامة في وقته، وقيل: تنعقد من غير عقد، حكاه القاضي نجم الدين القمولي ﵀، قال: ومن الفقهاء مَنْ ألحَقَ القاضي بالإمام في ذلك، قال: ومنهم من سوى بينهما في المنع وهو أقرب من عكسه.
(•) قُلْتُ: وَلوِ ادَّعَى دَفْعَ زَكاةٍ إِلَى الْبُغَاةِ صُدِّقَ بِيمِيْنِهِ، لبنائها على المواساة، أوْ جِزيةٍ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ, لأنها أجرة، والثاني: نعم، كالزكاة والفرق فيه ظاهر، وَكَذَا خَرَاجٍ في الأَصَحِّ, لأنه أجرة أو ثمن، والثاني: نعم، كالزكاة، ويُصَدَّقُ في حَدٍّ، أي في إقامته عليه، إِلَّا أَن يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا أَثَرَ لَهُ, فِي الْبَدَنِ، وَالله أعْلَمُ، أي فإن ثبت بالإقرار صُدِّقَ, لأن المقرَّ بالحد إذا رجع يقبل رجوعه وقد أنكر بما يدعيه
стр. 1589
بقاء الْحَقّ (•) عليه فيقبل رجوعه، وكذا إن كان أثره باقيًا. ولا يخفى أن المصنف ﵀ لو ذكر هذه الزيادة قبل الكلام في أحكام الإمامة كان أنسب.
стр. 1590
كِتَابُ الرِّدَّةِ
الرِّدَّةُ: هِيَ في اللُّغَةِ، الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٢١٥)، وَقِيْلَ: الإِمْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ، وَمِنْهُ إِطْلَاقُ الرِّدَّةِ عَلَى مَانِعِي الزَّكَاِة في زَمَنِ الصِّدّيقِ ﵁؛ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ مَا سَيَأْتِي في كَلَامِ الْمُصَنفِ؛ وَهِيَ أفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَأَغْلَظُهَا حُكْمًا، وَالأَصْلُ في الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. . .﴾ الآية (٢١٦)، وَقَوْلُهُ ﵊: [مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ] رواه البخاري (٢١٧).
هِيَ قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْلِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا، فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ أَوِ الرُّسُلَ أَوْ كَذِّبَ رَسُولًا أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ كَالزِّنَا وَعَكْسَهُ، أي حرّم حلالًا بالإجماع كالنكاح، أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيِهِ، أي مَعْلُومٌ مِنَ الدِّيْنِ بِالضَّرُورَةِ كركعة من الصلوات الخمس، أَوْ عَكْسَهُ، أي اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كصلاة سادسة، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيْهِ كَفَرَ، أي وكذا إذا اعتقد قِدَمَ العَالَم أو حدوث الصانع أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالمًا قادرًا أو أثبتَ ما هو مَنْفِيٌّ عنه بالإجماع كالألوان
стр. 1591
أو أثبت له الاتصال والانفصال قاله المتولي، وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّيْنِ أَوْ جُحُودًا لَهُ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَةٍ وَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ، أي وكذا السِّحْرُ؛ الذي فيه عبادةُ الشَّمْسِ ونحوها؛ قال البندنيجي: وكذا اعتقاد حِلِّ السِّحْرِ.
ولَا تَصِحُّ رِدَّةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ, لأنه لا تَكلِيْفَ عليهما ولا اعتداد بقولهما وفعلهما واعتقادهما، وَمُكْرَهٍ، أي إذا كان قلبهُ مطمئنٌّ بالإيمان كما نَطَقَ به التنزيل (٢١٨)، وَلَوِ ارْتَدَّ فَجُنَّ لَمْ يُقْتَلْ في جُنُونهِ, لأنه ربما عاد إلى الإِسلام لو عقل، وَالْمَذهَبُ: صِحَّةُ رِدَّةِ السَّكرَانِ، كما سبق في طلاقه، وأصح الطريقين حكايته قولين: المنع؛ ومقابله. والثاني: القطع بالصحة، وَإِسْلَامِهِ، أي إذا عاد إليه في حال سُكره معاملة لأقواله معاملة الصاحي.
وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُطْلَقًا، إذ الظاهر من العدل أنَّه لا يقدم إلّا عن بصيرة، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّفْصِيْلُ، لاختلاف المذاهب في التكفير؛ وَالْحُكْمُ بِالرِّدُّةِ عَظِيْمُ الْوَقْعِ؛ فيحتاطُ له. وهو قوي جدًا، وعليه خَلْقٌ منهم القفال والماوردي والغزالي؛ والأول: هو ما قال الإمام: أنَّه الظاهر فتبعه الرافعي، وقد أوجبوا بيان السبب في الإخبار بتنجيس الماء وكذا في الجرح، فَعَلَى الأوَّلِ، أي وهو الاكتفاء بالإطلاق فيما، لَوْ شَهِدُوا بِرِدَّةِ فَأَنْكَرَ، أي بأن قال: كَذَبَا وما ارْتَدَدْتُ، حُكِمَ بِالشَّهَادَةِ، أي ولا يُغنِيْهِ التكذيبُ، بل يلزمهُ أن يأتي بما يصر به الكافر مُسْلِمًا، وكذا الحكم لو شرطنا التفصيل فَفَصَّلا وكذَّبهما المشهود عليه، فَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرَهًا، أي فيما فعلت، وَاقْتَضَتهُ قَرِينَةٌ كَأَسْرِ كُفَّارٍ صُدِّقَ بيَمِيْنِهِ، عملًا بالقرائن الشاهدة لذلك؛ وإنما حُلِّفَ لاحتمال أنَّه كان مختارًا، وَإِلَّا فَلَا، لانتفاء القرائن والحالة هذه، وَلَوْ قَالَا:
стр. 1592
لَفَظَ لَفْظَ كُفْرِ؛ فَادْعَى إكْرَاهًا صُدِّقَ مُطْلَقًا, لأن ليس فيه تكذيب الشاهد، وَلَوْ مَاتَ مَعْرُوفٌ بِالإِسْلَامِ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمَينِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ارْتَدَّ فَمَاتَ كَافِرًا، فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ كُفْرِهِ، أي بأن قال: سَجَدَ لِصَنَمٍ أو تكلمَ بكلامِ كُفْرِ، لَمْ يَرِثْهُ، وَنَصِيْبُهُ فَيْءٌ, لأن المسلمَ لا يرثُ الكافرَ كما تقدم في بابه، وَكَذَا إِن أَطْلَقَ في الأَظْهَرِ، أي فإن بيّن سبب كفره كان فيئًا وإن ذكر ما ليس بكفر صرف إليه، والثاني: يصرف إليه نصيبه، ولا أثر لإقراره, لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفرًا، والثالث: يجعل فيئًا لإقراره بكفره.
فَصْلٌ: وَتَجِبُ اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ, لأنهما كانا محترمين بالإسلام؛ فربما عرضت لهما شبهة فنسعى في إزالتها وردهما إلى ما كانا، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَحَب كَالْكَافِرِ، الأصلي، وَهيَ في الْحَالِ، أي فَإنْ تَابَ فَذَاكَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ لأَنَّ امْرَأةً يُقَالُ لَهَا أمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ ﷺ : [بِأَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ] رواه الدارقطني بإسناد ضعيفٌ (٢١٩)، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لأثر عمر في ذلك رواه الشَّافعيّ (٢٢٠)، فَإِنْ أَصَرَّا قُتِلَا، للحديث الصحيح السالف: [مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ] (٢٢١) قال الخفّاف في خصاله: والقتل ثلاثة أقسام واجب؛ ومحظور؛ ومباح. فالأول: كالمرتد ونحوه، والثاني: قَتْلُ مَن لمن يجز قتله، والثالث: الأسير، الإمام يتخير
стр. 1593
فيه بين قتله وغيره مما سيأتي في موضعه، وَإِنْ أَسْلَمَ صَحَّ وَتُرِكَ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢٢٢)، وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ إِنِ ارْتَدَّ إِلَى كُفْرٍ خَفِيٍّ كَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنيَّةٍ, لأَنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَيْنُ الزَّنْدَقَةِ.
فَرْعٌ: حكى القاضي حسين في باب إمامة المرأة من كتاب الصلاة: أنَّ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنِ هَلْ يُكَفَّرُ أو يُفَسَّقُ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَمَنْ لَم نُكَفِّرْهُ مِنْ أَهْلِ الأهْوَاءِ وَالْبِدَع لا يُقْطَعُ بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ، وَهَلْ يُقْطَعُ بِدُخُولِهِ إِيَّاهَا؟ فِيْهِ وَجْهَانِ.
فَائِدَةٌ: الزِّنْدِيْقُ: الذي لا ينتحلُ دِينًا على الأقرب، وقيل: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ وهو ما ذكره في أصل الروضة هنا، والفرائض؛ وصفة الأئمة. والأول ذكره في اللعانِ.
فَصْلٌ: وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ إِنِ انعَقَدَ قَبْلَهَا، أي قبل الردة، أو بَعْدَهَا وأَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ فَمُسْلِمٌ, لأنه قد حكم بإسلامه تبعًا والإسلام يعلو، أو مُرْتَدَّانِ فَمُسْلِمٌ، لبقاء علقة الإسلام في الأبوين، وَفِي قَوْلٍ: مُرْتَدٌّ، تبعًا لأبويه، وَفِي قوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ، لتولده بين كافرين، ولم يباشر الردة حتَّى يغلظ عليه. قُلْتُ: الأظْهَرُ مُرْتَدٌّ، لما قلناه، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الإتّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ, وَالله أعْلَمْ.
وَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ بِهَا، يعني بالردة، أَقْوَالٌ؛ أظْهَرُهَا: إِن هَلَكَ مُرْتَدًّا بَان زَوَالُهُ بِهَا، وَإِن أَسْلَمَ بَان أَنَّهُ لَم يَزُلْ, لأن بطلان أعماله يتوقف على موته مرتدًا فكذا ملكه وكبُضع زوجته، والثاني: يزول مِلْكُهُ بنفس الردَّةِ، وعن الشافعي أنَّه أشبه الأقوال ذكره الرافعي في باب التدبير، والثالث: لا يزول, لأن الكفر لا ينافي الملك كالكافر الأصلي، ووقع في كفاية ابن الرفعة أن النووي اختار هذا، وتبعه القمولي. وزاد أنَّه صححه، ولم أره في كلامه وسيأتي في التدبير؛ أن تدبيره قبل الردة لا يخرَّج على الخلاف، وكذا مستولدته قبلها؛ لأنها لا تقبل النقل، وَعَلَى الأقوَالِ:
стр. 1594
يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا، لأنها لا تزيد على الموت، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، أي وتجعل حاجته إلى النفقة كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال الملك بالموت، وَالأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ غُرْمُ إِتْلَافِهِ فِيْهَا، أي فِي الردة، وَنَفَقَةُ زَوْجَاتٍ وُقِفَ نِكَاحُهُنَّ وَقَرِيبٍ، كما أن من حفر بئرًا عدوانًا ومات وحصل بسببها إتلاف يؤخذ الضمان من تركته وإن زال ملكه بالموت، والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه لا مال له، وهذا الخلاف مفرع على قول زوال الملك كما صَرَّح به فِي الروضة تبعًا للرافعي وإن كان كلامه هنا قد يُوْهِمُ خلافَهُ، وَإِذَا وَقَفْنَا مِلْكَهُ فَتَصَرُّفُهُ إِنِ احْتَمَلَ الْوَقفَ كَعِتْقٍ؛ وَتَدْبِيْرٍ؛ وَوَصِيَّةٍ مَوْقُوفٌ، إِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإلَّا فَلَا، وَبَيْعُهُ؛ وَهِبَتُهُ؛ وَرَهْنُهُ؛ وَكِتَابَتُهُ بَاطِلَةٌ، أي على الجديد، وَفِي الْقَدِيْمِ: مَوْقُوفَةٌ، فإن أسلم حُكِمَ بصحتها وإلَّا فلا، وَعَلَى الأقْوَالِ: يُجْعَلُ مَالُهُ مَعَ عَدْلٍ، وَأَمَتُهُ عِندَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه فقد تعلق به حق المسلمين فيحتاط. ويؤجر ماله أي عقارًا كان أو رقيقًا، ويُؤَدِّي مُكَاتَبُهُ النُّجُومَ إِلَى الْقَاضِي.
стр. 1595
كِتَابُ الزِّنَا
الزِّنَا مَقْصُورٌ وَقَدْ يُمَدُّ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَالأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانَيَةُ وَالزَّانِي ... ﴾ الآية (٢٢٣) وَرَجَمَ ﷺ مَاعِزًا (٢٢٤) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الشَّهِيْرَةِ.
إِيْلَاجُ الذَّكَرِ بِفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ مُشْتَهًى يُوْجِبُ الْحَدَّ، هذا ضابطُ ما يوجبُ الرَّجْمَ على الْمُحْصِنِ والْجَلْدَ على غيرهِ، وإذا انتفى من هذا الضابطِ قَيْدٌ انتفى الوجوبُ، وسيذكر المصنف ما احترز عنه قيدًا قيدًا، وَدُبُرُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
стр. 1596
كَقُبُلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن هذا زنا فَأَشْبَهَ زنا المرأة، وملخَّصُ ما فِي دُبر الذكر طريقان؛ أحدهما: ثلاثة أقوال كما فِي المُحَرَّرِ والشرح، أحدُها: أن عقوبته القتلُ مطلقًا لحديثٍ فيه صحح الحاكم إسناده (٢٢٥)، فعلى هذا يقتل بالسيف على الأصح من زوائد الروضة، وقيل: يُرْجَمُ، وقيل: يُهْدَمُ عليهِ جدارًا أو يُرمَى من شاهق حتَّى يَمُوتَ أخذًا من عذاب قوم لوط، والقولُ الثَّاني: أن الواجب فيه التعزيرُ كالبهيمة، والثالثُ: وهو أصحُّها: أنَّ حدَّهُ حدُّ الزنا فيرجمُ إن كان مُحْصِنًا ويُجْلَدُ ويُغَرَّبُ إن لم يكن محصنًا ك ٤ القُبل، والطريق الثاني: إثباتُ القول الأول والثاني فقط، وأما دُبر الأنثى الأحنبية ففيه طريقان؛ أصحُّهما: أنَّه كاللواط بذَكَر؛ لأنه إتيان من غير المأتى فتجيء الأقوال، وَلَا حَدَّ بِمُفَاخَذَةٍ، أي وكذا مقدمات وطئٍ وهذا ما احترز عنه بقيد الإِيْلَاجِ، وَوَطْئِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فِي حَيْضٍ وَصَوْمٍ وِإحْرَامٍ، هذا ما احترز عنه بقوله (مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ) فإن التحريم فِي حق الحائض والصائمة والمُحْرِمَةِ ليس لعينِ الوطء وإنما يحرَّمُ وطء الحائض للأذى ومخامرة تلك النجاسة، ووطء الصائمة والمُحْرِمَةِ لحقِّ العبادة فلا يتعلق به الحد، وَكَذَا أَمَتِهِ المُزَوَّجَةِ وَالمُعْتَدَّةِ، والمقدرة لعدم تَأَبُّدِ التحريم، وَكَذَا مَمْلُوكَتِهِ المَحْرَمِ، أي برضاعٍ أو نسبٍ كأُخْتِهِ من الرضاع أو النسب أو كانت بِنْتَهُ أو أُمَّهُ من الرضاع أو موطوءة أبيه وابنه، وَمُكْرَهٍ فِي الأَظْهَرِ، لشبهة الملك المبيح فِي الأولى، والإكراه فِي الثانية، والثاني: يجب فيهما، أما فِي الأُولى؛ فلأنه وطء لا يستباح بحال فأشبه اللواط، وأما فِي الثاني؛ فلأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شهوة واختيار، وَكَذَا كُلَّ جِهَةٍ أبَاحَهَا عَالِمٌ كَنِكَاحٍ بِلَا
стр. 1597
شُهُودٍ عَلَى الصَّحِيْحِ، كمذهب مالك أو بلا ولي كمذهب أبي حنيفة أو بغيرهما كمذهب ابن عباس في المتعة للاختلاف في الصحة فلا حد للشبهة كما لو وطئ في عقدٍ وليَّه فاسق، وسواء كان يعتقد التحريم أم لا! والثاني: يجب في النكاح بلا وليّ على من يعتقد تحريمه فقط، والثالث: يجب على من اعتقد الإباحة إيضًا كما يُحد الحنفي بالنبيذ، وقوله (عَلَى الصَّحِيْحِ) صوابهُ على الأظهر كما بيَّنه الرافعي في تذنيبه، وعبر في المُحَرَّر بأن قال: الظاهر أنَّه لا حدَّ، وهذه الصورة مما احترز عنها بقوله (خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ).
فَرْعٌ: نقل الحازميُّ عن الشافعي إيجاب الحدِّ على واطئ جاريةِ امرأتهِ، ونقل عن أصحاب الرأي أنَّه لا يُحَدُّ إذا قال: ظننت الحِلَّ؛ أي لأجل الشبهة الحاصله بذلك، وعن الثوري: أنَّه إن كان يُعْرَفُ بالجهالة لم يُحد، وفي أبي داود أنَّه ﵇[قَضَى في ذَلِكَ بِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ أحَلَّتْهَا لَهُ جُلِدَ مِائَةً، وَإِلَّا رُجِمَ] لكن قال البخاري: أنا أنفي هذا الحديث (٢٢٦)، وحديث سَلَمَةَ بْنِ المُحَبِّقِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ [في رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرأَتِهِ إِنْ اسْتَكْرَهَهَا؛ فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ حَارِيَتُهُ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا] (٢٢٧) كان قبل أن تنزل الحدود كما رواه الحازمي عن عليٍّ ﵁ (٢٢٨).
وَلَا بِوَطْءٍ مَيِّتَةٍ في الأَصَحِّ، لأنه مما يَنْفِرُ الطبعُ عنه، وما ينفر الطبع عنه لا
стр. 1598
يحتاج إلى الزَّجْرِ عنهُ كشرب البول، نَعَمْ: يُعَزَّرُ، والثاني: يُحدُّ؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة له فيه فهو كفرج الْحَيَّةِ، والثالث: إن كان ممن لا يُحد بوطئها في الجملة كالزوجة فلا حد وإلا فيُحد، حكاه المصنف في شرح المهذب في باب الغسل. وهذه الصورة والتي بعدها احترز المصنف عنها بقوله (مُشْتَهًى)، وَلَا بَهِيمَةٍ في الأَظْهَرِ، أي بل الواجب التعزير، ومنهم من قطع به، لأن الطباع السليمة تأباهُ، ولا يوجد ذلك إلَّا نادرًا من الأراذل. ومثل ذلك لا يزجر عنه بالحد، والثاني: واجبه القتلُ مُحْصَنًا كان أو غيره، لحديث فيه صحح الحاكم: إسناده (٢٢٩)، والثالث: واجبه حدُّ الزنا فيفرَّقُ بين المحصَن وغيرهِ.
وَيُحَدُّ فِي مُسْتَأْجَرَةٍ، لأنه عقدٌ باطلٌ فلا يؤثر في شبهة كما لو اشترى خمرًا فشربها، وَمُبِيْحَةٍ، لأنَّ الأَبْضَاعَ لا تباحُ بالإباحاتِ، وَمَحْرَمٍ، أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وَإِن كَان تَزَوَّجَهَا، لأنه وطئ صادف محلًا ليس فيه شبهةٌ وهو مقطوع بتحريمه فيتعلَّقُ به الحدُّ.
فَرْعٌ: أولَج محصَنٌ في فرج خُنثى وأولج خُنثى في دبُرِ رجلِ وجب على الرجل الرَّجْمُ إن كان الخنثى امرأة والجلدُ والتعزير إن كان رجلًا، لأنه قد لاط برجل فيعزَّرُ قاله ابن المسلَّم في الخناثى.
فَصْلٌ: وَشَرْطُهُ: التَّكلِيفُ، أي فلا حَدَّ على صبي ومجنون للخبر المشهور (٢٣٠)، إِلَّا السَّكرَانْ، أي فإنه يجب عليه الحد، وإن كان غير مكلف، وهذا الاستثناء مما زاده على المُحَرَّرِ في مواضع وقد تقدم في الطلاق وغيره أنَّه لا حاجة إلى استثنائه، وأنَّ إمَامَنا الشافعيَّ نصَّ على أنه مكلَّفٌ، وَعِلْمُ تَحْرِيْمِهِ، أي فلا حدَّ على من
стр. 1599
جهل تحريم الزنا لقرب عهده بالاسلام، أو بُعْده عن أهل العلم لرفع القلم عنه. وَحَدُّ المُحْصَنِ الرَّجْمُ، أي ولا جلد معه خلافًا لابن المنذر، وَهُوَ، يعني المحصن، مُكَلَّفٌ، أي فالصبي والمجنون ليسا محصنين، حُرُّ، أي فالرقيق ليس بمحصن؛ لأنها صفة كمال وهو ناقصٌ، وَلَوْ ذِمِّيٌّ، لأنه ﵇[رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا وَكَانَا قَدْ أَحْصَنَا] كما أخرجه أبو داود من حديث الزهري (٢٣١)، غَيَّبَ حَشَفَتَهُ بِقُبُلٍ في نِكَاحٍ صَحِيْحٍ، أي فالواطئ في دبر أو في ملك يمين أو في نكاح فاسد ليس بِمُحْصَنٍ، لَا فَاسِدٍ في الأَظْهَرِ، لأنه حرامٌ فلا تحصل به صفة كمال، والثاني: أنَّه يفيد الإحصان، لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب فكذا في الإحصان، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَّغْيِيْبِ حَالَ حُرُيَّتِهِ وَتَكْلِيْفِهِ، أي فلا يجب الرجم على من وطئ في نكاح صحيح وهو صبي أو مجنون أو رقيق، واحتج له بأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات، وهو النِّكَاح الصحيح، فيشترط حصولها من كامل، والثاني: لا يشترط ذلك، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان، وَأَنَّ الْكَامِلَ الزَّانِي بِنَاقِصٍ مُحْصَنٌ، لأنه حر مكلف وطئ في نكاح صحيح فأشبه ما إذا كانا كاملين، فإذا وجدت الإصابة والرجل في حال الكمال دون المرأة أو بالعكس كان الكامل محصنًا، وبهذا عبَّر الرافعي في المحرر وهو مقصود المصنف، أي وأن الزاني الكامل المصيب لناقصة محصن، والثاني: لا، لأنه وطء لا يصير فيه أحد الواطئين محصنًا به، وكذلك الآخر كما لو وطء بالشبهة، وَالْبِكْرُ الحُرُّ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، أي ما سبق في المحصن، أما غيره وهو المعبَّر عنه بالبكر؛ فإن كان حُرًّا جُلِدَ مائة جلدة للآية (٢٣٢)؛ وغُرِّبَ عامًا لحديث عبادة في صحيح مسلم (٢٣٣)، إِلَى مَسَافَةِ
стр. 1600
قَصْرٍ، لأن ما دونها في حكم الْحَضَرِ وتتواصل إليه الأخبار فيها، والمقصود إيحاشهُ بالبعد عن أهله ووطنه، فَمَا فَوْقَهَا، أي فما فوق مسافة القصر، وذلك إذا رأى الإمام التغريب إليه، لأن الصِّدِّيْقَ ﵁ غَرَّبَ إلَى فدكٍ (٢٣٤)، وعُمر إلى الشَّام (٢٣٥)، وعثمان إلى مصر (٢٣٦)، وعلِيًّا إلى البصرة (٢٣٧)، وظاهر كلام الحاوي الصغير المنع من التغريب على زيادة مرحلتين.
وَإِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ جِهَةً فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ غَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، لأنه أليق بالزجر والتعنيف، والثاني: له ذلك؛ لحصول مسمَّى التغريب، وَيُغَرَّبُ غَرِيْبٌ مِن بَلَدِ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، تنكيلًا وإِبعادًا عن موضع الفاحشة، ولا يغرب إلى بلدِه، ولا إلى بلدِ بينه وبين بلده مسافة القصر، فَإِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ مُنِعَ في الأَصَحِّ، لأنه لا يحصل له الإيحاش، والثاني: لا يتعرض له، وهو ما في الوجيز فقط، ثم هذا المذكور في غريب له وطن، فإن لم يكن؟ بأن هاجر حربي إلى دار الإسلام؛ ولم يتوطن بلدًا، قال المتولي: يتوقف الإِمام حتَّى يتوطن بلدًا ثم يُغَرِّبُهُ.
وَلَا تُغَرَّبُ امْرَأَةٌ وَحْدَهَا في الأصَحِّ، بَل مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، لأنها إذا غُرِّبَتْ
стр. 1601
وحدَها لم يؤمن عليها من التهتك، والثاني: تُغَرَّبُ وحدَها، لأنه سفر واجب، فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة؛ فإن عليها أن تسافر وحدَّها كذا أطلق الخلاف مطلقون، وخصه الإمام والغزالي. بما إذا كان الطريق آمنًا وفي النسوة الثقاة عند أمن الطريق وجهان، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، لأنها من الأهبة، وهي في مالها لا في بيت المال على الأصح، فَإِنِ امْتَنَعَ، أي من الخروج، بِأُجْرَةٍ لَمْ يُجْبَرُ في الأَصَحِّ، كما في الحجِّ، والثاني: تجبر للحاجة إلى إقامة الواجب.
وَالْعَبْدِ خَمْسُونَ، لأنه ناقص بالرق فليكن على النصف من الحر كالنِّكَاح والعدة، وَيُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ، لأنه حد يتبعض فأشبه الجَلد، وَفِي قَوْلٍ: سَنَةٌ، كمدة الإيلاء، وَفِي قَوْلٍ: لَا يُغَرَّبُ، لأن في ذلك تفويتًا لحق السيد.
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ، أي حدُّ الزنا، ببَيِّنَةٍ، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٢٣٨)، أَوْ إقرَارٍ مَرَّةً، لأنه ﵊؛ عَلَّقَ الرَّجْمَ بِمُطْلَقِ الاعْتِرَافِ؛ حَيْثُ قالَ: [أُغْدُ يَا أُنَيْسٍ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا] (٢٣٩) وترديده ﷺ ماعزًا إنَّمَا كَانَ لأنهُ رُبَّمَا ارْتَابَ في أَمْرِهِ، فَاسْتَثْبَتَهُ (•) ليعرف أَبِهِ جُنُونٌ أَوْ شُرْبُ خَمْرٍ أمْ لَا؟
فَرْعٌ: يشترط في الإقرار بالزنا التفسير كالشهادة كما صححه في الروضة في كتاب السرقة، وقال هنا: إنه الأقوى.
وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ سَقَطَ، لأنه ﵊ قالَ في قِصَّةِ مَاعِزٍ [لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ] رواه البخاري (٢٤٠) واحترز بـ (الإقرار) عن البيِّنة؛ فإنه
стр. 1602
لا أثر لرجوعه، وَلَوْ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي أَوْ هَرَبَ فَلَا فِي الأَصَحِّ، لأنه قد صرّح بالإقرار، ولم يصرح بالرجوع؛ نَعَمْ؛ يخلّى في الحال؛ ولا يتبع؛ فإن اتبع فرجم فلا ضمانَ، والثاني: يسقط؛ لإشعاره بالرجوع.
فَرْعٌ: هل يأتي هذا في قطع السرقة؟ الظاهرُ مجيئُهُ وإنْ لَمْ أرَهُ منقولًا.
وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزنَاهَا وَأَرْبَعُ، أي أربع، نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذرَاءُ لَمْ تُحَدَّ هِيَ، لشبهة بقاء العُذْرَةِ، وَلَا قَاذِفُهَا، لوجود الشهادة على الزنا واحتمال عود البكارة لترك المبالغة في الافتضاض، وَلَوْ عَيَّنَ شَاهِدٌ زَاوَيةً لِزِنَاهَ وَالبَاقُونَ غَيْرَهَا لَمْ يَثبُتْ، لأنهم لم يتفقوا على زَنْيَةٍ واحدة فأشبه ما لو قال بعضهم: زنا الغداة، وقال بعضهم: زنا بالعشي.
فَصْلٌ: وَيَسْتَوْفِيْهِ، يعني الحد، الإِمَامُ أوْ نَائِبُهُ، للاتباع، مِنْ حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ، أما الحُرُّ فما ذكرناه، وأما المبعضُ؛ فلأنه لا ولاية للسيد على الحد منه؛ والحد متعلق بجملته، وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الإِمَامِ وَشُهُودِهِ، أي ولا يجب، لأنه ﵊ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ وَلَمْ يُحْضِرْهُمَا (٢٤١).
فَرْعٌ: يستوفيه من الإمام من يلي الحكم من تحت يده كما لو توجهت عليه حكومةٌ؛ قضى عليه حاكمه، كذا رأيتُ في فتاوى القفال.
وَيَحُدُّ الرَّقِيْقَ سَيِّدُهُ، لقوله ﵊ [أَقِيْمُواْ الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَت أَيْمَانُكُمْ] رواه أبو داود والنسائي (٢٤٢)، أَوِ الإِمَامُ، لعموم ولايته، فَإِنْ
стр. 1603
تَنَازَعَا، أي في إقامته، فَالأَصَحُّ: الإِمَامُ، لما قلناه، والثاني: السيد لغرض إصلاح ملكه، وهما احتمالان للإمام فَاعْلَمْهُ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُغَرِّبُهُ، لأنه بعض الحد، والثاني: لا، وهو ضعيف، فإن عمر غَرَّبَ أَمَتَهُ إلى فدك.
وَأَنَّ المُكَاتَبَ كَحُرٍّ، لخروجه عن قبضة السيد، والثاني: لا، لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وَأَنَّ الْفَاسِقَ؛ وَالْكَافِرَ؛ وَالمُكَاتَبَ يَحُدُّونَ عَبِيْدَهُمْ، لعموم الحديث السالف، والثاني: لا، نظرًا إلى معنى الولاية وهؤلاء ليسوا من أهلها، ونصَّ عليه في الأُمِّ في المكاتب، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُعَزِّرُ، كما يؤدبه لحق نفسه، والثاني: لا، لأنه غير مضبوط، ويفتقر إلى اجتهاد، وَيَسْمَعُ البَيِّنَةَ بِالْعُقُوبَةِ، كالإمام، والثاني: لا، لأنه من مناصب القضاة، فلا يزاحمهم فيه، بخلاف الضرب في الحد فهو تأديب.
فَصْلٌ: وَالرَّجْمُ بِمَدَرٍ وَحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، أي لا بصخرة تذفف، ولا يطول تعذيبه بحصيات خفيفة، وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، أي عند رَجْمِهِ؛ واختلفت الرواية في ماعز هل حُفِرَ له؟ ففي مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: لا (٢٤٣)، وفيه من حديث بريدة: نعم (٢٤٤)، وَالأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، لئلا تنكشف، ولأن الظاهر من الشهود عدم الرجوع فيكون الرجم في الحفرة أسهل، وإن ثبت بالإقرار؛ فلا؛ لأنه ربما عنَّ لها الرجوع والهرب، فلا تتمكن منه إذا كانت في حفرة، والثاني: يحفر لها مطلقًا؛ لأنه ﵇[حَفَرَ لِلْغَامِدِيَّةِ إِلَى صَدْرِهَا وَكَانَتْ مُقِرَّةً] رواه مسلم (٢٤٥)،
стр. 1604
والثالث: أن الأمر فيه إلى خيرة الإمام، ولا استحباب فيه.
وَلاَ يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ، لأنَّ نَفْسَهُ مُستَوْفَاةٌ، وَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُفرِطَيْنِ، كذلك أيضًا، وَقِيلَ: يُؤَخرُ إِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ، لأنه ربما رَجَعَ في أثناء الرمي فَيَعِيْنُ ذلك على قتله، وَيُؤَخَّرُ الجَلْدُ لِمَرَضٍ، أي إذا رُجيَ برؤه منه، لأن المقصود الردع دون القتل، والحد حينئذ معين على القتل، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ جُلِدَ، أي ولا يؤخر إذ لا غاية تنتظر، لاَ بِسَوْطٍ، لئلا يهلك، بَلْ بِعِثْكَالٍ، أي وهو العرجون، عَلَيهِ مِائَةُ غُصنٍ، شمراخ للنص فيه في سنن أبي داود (٢٤٦)، فَإِنْ كَان خَمْسُونَ ضُرِبَ بِهِ مَرَّتَيْنِ، ليكون المجموع مائة، قُلْتُ: ولا يتعين العثكال بل له الضرب بالنعال وأطراف الثياب، وَتَمَسُّهُ الأَغْصَانُ أَوْ يَنْكَبِسُ بَعضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ بَعْضُ الأَلَمِ، أي فإن لم تمسَّهُ أو لم ينكبس بعضها على بعض لم يسقط الحد، وكذا إذا شكَّ أيضًا وإن كان مقتضى نصه في الإيمان السقوط، فَإنْ بَرَأَ، أي بعد أن ضرب بما ذكرناه، أَجْزَأَهُ، أي بخلاف المغصوب إذا حجّ عنه ثم اتفق برؤه، لأنَّ الحَدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الدَّرْءِ، أما إذا بَرِئَ قبل ذلك، فإنه يحدُّ حدَّ الأصحَّاءِ لا محالة.
وَلاَ جَلْدَ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، خشية الهلاك بل يُؤَخَّرُ إلى اعتدال الوقت، وكذا القطع في السرقة بخلاف القصاص وحد القذف، وَإِذَا جَلَدَ الإِمَامُ فِي مَرَضٍ
стр. 1605
أَوْ حَرٍّ وَبَرْدٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى النَّصِّ، لأن التلف حصل من واجب أُقيم عليه، وفيه قول مُخَرَّجٌ فيما إذا خَتنَ أقلف في حرٍّ أو بردٍ شديدين؛ فإن النص هناك الضمان وهو الأصح فيه، والفرقُ أن الْجَلْدَ يثبتُ بالنص والختان بالاجتهاد، فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيْرَ مُستَحَبٌّ، هو كما قال، لكن قال في الروضة: فالمذهب وجوبه.
стр. 1606
كِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِ
الْقَذْفُ الرَّمْيُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الرَّمْيُّ بِالزَّنَا تَعْيِيْرًا. وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَالْحَدُّ الْمَنْعُ، فَسُمِّي حَدُّ القَذْفِ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ مُعَاوَدَتِهِ، وَلأَنَّهُ مُقَدَّرٌ مَحْدُودٌ.
شَرْطُ حَدِّ الْقَاذِفِ التَّكْلِيْفُ، أي فلا حد على صبي ومجنون قياسًا على الزنا، إِلَّا السَّكْرَانَ، أي فإنه يحد وإن لم يكن مكلفًا، كذا ذكره زائدًا على المحرر فلا يحتاج إليه لما أسلفته لك في الباب قبله وغيره، وَالاِخْتِيَارُ، أي فلا حد على المُكرَه على القذف، ولا يعزر، لأنه موضوع عنه، وكذا على المُكرِه بكسر الراء أيضًا، والفرق بينه وبين القتل أنه يمكن جعل يد المكره، كالآلة له، بأن يأخذ يده فيقتل بها، ولا يمكن أن يأخذ لسان غيره فيقذف به، وَيُعَزَّرُ المُمَيِّزُ، أي صبيًا كان أو مجنونًا كما صرح به الرافعي، وَلاَ يُحَدُّ بِقَذْفِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، لأنه إذا لم يقتل به فلا يحد بقذفه من باب أولى، وَالْحُرُّ ثَمَانُونَ، لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢٤٧)، وَالرَّقِيْقُ أَرْبَعُونَ، لأنه يتبعض فكان الرقيق فيه على النصف كحد الزنا، ومراد الآية الأحرارُ بدليل قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ والعبد لا تُقبل شهادته وإن لم يقذف.
وَالْمَقْذُوفِ الإِحْصَانُ، أي وشرط المقذوف الاحصان، وَسبَقَ فِي اللَّعَانِ، وَلَوْ
стр. 1607
شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ بِزِنَا حُدُّواْ فِي الأَظْهَرِ، لئلا تتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعةِ في أعراضِ النَّاسِ، والثاني: لا، لأنهم جاؤُا شاهدين لا هاتكين، وَكَذَا أربع نِسْوَةٍ وَعَبِيْدٍ وَكَفَرَةٍ، أي أهل ذمة، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنهم ليسوا من أهل الشهادة فلم يقصدوا إلّا القذف، والطريق الثاني: طرد القولين؛ وتنزل نقصان الصفة منزلة نقصان العدد، وصَوَّرَ الإمام المسألة فيما إذا كانوا في ظاهر الحال بصفة الشهود ثم بانوا كفارًا أو عبيدًا، ومراده أن القاضي إذا علم حالهم لا يصغي إليهم فيكون قولهم قذفًا محضًا لا في معرض شهادة.
وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ فَلاَ، أي لا حدَّ قطعًا؛ لأنه لا حد على من قال لغيره: أَقررتُ بأنَّكَ زنيتَ، وإن ذكر في معرض القذف والتعيير.
وَلَوْ تقَاذَفَا فَلَيْسَ تَقَاصًّا، لأن التّقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة، إذ لا يعلم التساوي لاختلاف القاذف والمقذوف في الخلقة وفي القوة والضعف غالبًا، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِالاِسْتِيْفَاءِ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، كحد الزنا لو استوفاه أحد الرعية.
فَائِدَةٌ: وارث المقذوف إذا عفى عن الحد على مال سقط الحد في أظهر الوجهين؛ ولا يجب المال في أظهر الوجهين؛ قاله الحناطي في فتاويه ومنها نقلته.
فَرْعٌ: إذا قذف في خلوة بحيث لم يسمعه إلّا الله تعالى والْحَفَظَةُ؛ فالظاهر أنه ليس كبيرةً موجبة للحدِّ؛ لِخُلُوِّهِ عن مفسدة الإيذاء، ولا يعاقب في الآخرة إلّا عقاب من كَذَبَ كَذِبًا لا ضررَ فيه؛ قاله الشيخ عِزُّ الدِّيْنِ.
стр. 1608
كِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِ
السَّرِقَةُ: هِيَ، بِفَتْحِ السَّيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الرَّاءِ مَعَ فَتْحِ السِّيْنِ وَكَسْرِهَا: أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ خِفْيَةً وَإِخْرَاجُهُ مِنْ حِرْزِهِ، مَأْخُوذٌ مِن المُسَارَقَةِ. وَأَصْلُ الْبَابِ الإِجْمَاعُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ... ﴾ الآيَةُ (٢٤٨)، وَالأخْبَارُ الشَّهِيْرَةُ فِيْهِ، وَلَمَّا نَظَمَ المَعَرِّي الْبَيْتَ الَّذِي شَكَّكَ فِيْهِ عَلَى الشَّرِيْعَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَهُوَ:
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِيْنَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبُعِ ديْنَارٍ
أَجَابَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكيِّ بِقَوْلِهِ:
وِقَايَةُ النَّفْسِ أغْلاَهَا وَأَرْخَصَهَا ... وِقَايَةُ الْمَالِ فَأفْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وهو جوابٌ بديعٌ مع اختصارٍ؛ ومعناهُ: أن اليد لو كانت تُؤَدَّى بما تقطع به، أو بما يقاربه، لكثرت الجنايات على الأطراف، لسهولة الغرم في مقابلتها؛ فَغَلَّظَ الغرم حفظًا لها، ولو كانت لا تقطعُ إلّا في سرقة ما تُؤَدَّى به لكثُرَتِ الجنايات على الأموال؛ فحفظ ذلك بالتعليل حفظًا لها.
يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ فِي المَسْرُوقِ أُمُورٌ:
• كَوْنُهُ رُبُعَ دِيْنَارٍ، لقوله ﷺ : [لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلا في رُبُعِ دِيْنَارٍ
стр. 1609
فَصَاعِدًا] متفق عليه واللفظ لمسلم (٢٤٩)، خَالِصًا، أي فإن سرق مغشوشًا قطع إن بلغ خالصًا ربعًا وإلّا فلا، أَوْ قِيْمَتّهُ، أي إما ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﵊ [قَطَعَ في مِجَنَّ قِيْمَتُهُ - وَفِي لَفْظٍ ثَمَنُهُ - ثَلَاثَةُ دَرَاهِمٍ] وهي قيمةُ رُبُعِ دينار إذ ذاك (٢٥٠).
فَرْعٌ: التقويم يكون بالمضروب، والقيمة تختلف بالبلاد والأزمان ويعتبر النصاب وقت إخراجه من الحرز.
وَلَوْ سَرَقَ رُبُعًا سَبِيْكَةٌ لاَ يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحَّ، لأن المذكور في الخبر لفظ الدينار؛ وهذا الاسم يقع على المضروب؛ ويؤيّده أنّا نقوّم بالمضروب دون غيره، فإن غير المضروب مُقَوَّمٌ كالسلع، وهذا ما صححه الإمام وجزم به العبادي، والثاني: يجب القطع لبلوغ العين قدر النصاب كما في نصاب الزكاة، وبه قال الأكثرون، فينبغي به الفتوى حينئذ.
فَرْعٌ: لو سرق خاتمًا وزنه دون ربع؛ وقيمته بالصنعة تبلغ ربعًا؛ فلا قطع على الصحيح؛ اعتبارًا بالوزن.
فَرْعٌ: التَّبْرُ يقطع بسرقة ربع خالص منه.
وَلَوْ سرَقَ دَنَانِيْرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لاَ تُسَاوِي رُبُعًا قُطِعَ، لأنه قصد سرقة عينها، وَكَذَا ثَوْبٌ رَثٌّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ رُبُعِ دِيْنَارٍ جَهِلَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه أخرج نصابًا من حرزه على قصد السرقة؛ والجهل بجنس المسروق لا يؤثر كالجهل بصفته، والثاني: لا يجب؛ إذ لأنَّهُ لم يقصد سرقة نصاب؛ ويخالف ما ظنه فلوسًا؛ فإنه قصد سرقة عينها.
стр. 1610
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ، أي فصاعدًا؛ بأن أخرج مرة نصفه ومرة الباقي، فَإنْ تَخَلَّلَ عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ فَالإِخْرَاجُ الثَّانِي سرِقَةٌ أُخْرَى، أي فإن كان المخرج في كل دفعة دون النصاب لم يجب القطع، وَإِلَّا، أي وإن لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز، قُطِعَ في الأَصَحِّ، لأنه أخرج نصابًا كاملًا عن حرز مثله، فأشبه ما إذا أخرج دفعة واحدة، والثاني: لا قطع؛ لأنه أخذ النصاب من حرز مهتوك، وصورة المسألة: أنه أخذ أولًا دون النصاب، وأخذ ثانيًا تمامه لا غير كما قال القاضي حُسين؛ وإن كان في كلام القاضي أبى الطيب خلافه.
وَلَوْ نَقَبَ وِعَاءَ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا فَانْصَبَّ نِصَابٌ قُطِعَ في الأَصَحِّ، لأنه بما فعل هتك الحرز وفوت المال، والثاني: لا يقطع؛ لأنه خرج بسبب؛ لا بمباشرة. والسبب ضعيف ولا يقطع به وسواء انْصَبَّتْ دُفعة أو شيئًا فشيئًا على الأصح.
وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي إِخْرَاجِ نِصَابَيْنِ قُطِعًا، لأن كل واحد منهما سرق نصابًا، وَإِلَّا فَلاَ، أي وإن اشتركا في إخراج نصاب فلا قطع عليهما، لأن كُلًّا منهما لم يسرق إلّا نصفه وقال ﵇: [لاَ تُقطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِيْنَارٍ فَصَاعِدًا] (٢٥١) وليس كالشركة في القتل حيث يجب القصاص عليهما؛ لأن مقصود القصاص وقاية الروح والعضو، فلو سقط لأدَّى إلى التواطئ فيفوت مقصوده، ومقصود السرقة الاستكثار من المال والتواطؤ لذلك لا يحصله.
وَلَوْ سرَقَ خَمْرًا؛ وَخِنْزِيْرًا؛ وَكَلْبًا؛ وَجِلْدَ مَيْتَةٍ بِلاَ دَبْغٍ, فَلاَ قَطْعَ، أي سواء سرقَهُ مسلمٌ أو ذميٌّ؛ لأنه ليس بمال، فَإِنْ بَلَغَ إِنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا قُطِعَ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه سرق نصابًا من حرز، والثاني: المنع، لأن ما فيه مستحق الإزالة فيصير شبهة في دفعه، وَلاَ قَطْعَ في طُنْبُورٍ وَنَحْوِهِ، لأنه من آلات الملاهي فأشبه الخمر، وَقِيْلَ: إِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ نِصَابًا قُطِعَ به لأنه سرق نصابًا من حرز، وهذا ما صححه الأكثرون فلذلك قال المصنف عقبه، قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، ثم محل الخلاف ما إذا
стр. 1611
كان ذلك لمسلم، فإن كان لذمي فيقطع قطعًا قاله ابن داود، ومحله أيضًا ما إذا قصد السرقة فأما إذا قصد بإخراجها تيسر فسادها، فلا قطع قطعًا، كما جزم به في أصل الروضة.
فَرْعٌ: لو سرق قُفْلَ الحرز، نقل بعض الشيوخ فيه خلافًا، قال: والتحقيق وجوب القطع، لأنه يُحْرِزُ غَيْرَهُ فَنَفْسَهُ أَوْلى.
• الثَّانِي، أي الشرط الثاني: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، أي فلا قطع على من سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر ونحوهما، فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ وَغَيْرِهِ، أي كشراء وهبة، قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِيْهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ، كإحراق، لم يُقْطَعْ، أما في الأُولى؛ فلأنه ما أخرج إلّا ملكه، وأما في الثانية؛ فلأنه لم يخرج من الحرز نصابًا، واحترز بقوله (نَقَصَ فِيْهِ) عما إذا نقص بعد الإخراج فإنه يقطع، وَكَذَا إِنِ ادَّعَى، يعني السارق، مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ، لأن ما يدعيه محتملٌ، فصار شبهة في القطع، وهذا هو السارق الظريف كما يُروى عن الشافعي ﵁، قال القفال في فتاويه: والفرقُ بَيْنَ هذا وبينَ ما إذا قامت بينة على زناه بامرأة معيَّنة؛ فقال: كنت نكحتها حين وطئتها، فلا يسقط عنه الحد بهذه الدعوى، سواء كانت حرة أو أمَة، وفي الأَمَة وجه إذا ادَّعى أن مولاها وهبها منه وأقبضها أن المال يجري فيه التحقيق، وفي وجهٍ أو قولٍ مخرجٍ: أنه لا يسقط القطع بذلك كيلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد، وحمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه؛ قال الروياني في الحلية: ولهذا وجه في زمن الفساد، ومحل هذا الوجه أو القول ما إذا حلف مدعي السرقة أن العين له ولم يأذن في أخذها، أما إذا لم يحلف المدعى عليه لم يُقْطَع قطعًا، ولو أقر المسروق منه أن المال كان ملك السارق، فلا قطع قطعًا، ومحل الخلاف أيضًا في سقوط القطع كما هو صريحٌ في كلام المصنف، أما في المال فلا يقبل قوله فيه، بل القول قول المأخوذ منه بيمينه.
وَلَوْ سَرَقَا وَادَّعَاهُ أحَدُهُمَا لَهُ أولَهُمَا فَكَذَّبَهُ الآخَرُ لَمْ يَقْطَعِ المُدَّعِي، وَقُطِعَ
стр. 1612
الآخَرُ فِي الأَصَحَّ، لأنه مقرٌّ بأنه سرق نصابًا بلا شبهة، والثاني: لا؛ لأنه ادعى ما لو صدق فيه لسقط القطع، فصار كما لو قال المسروق منه أنه ملكه فيسقط القطع. وَإِنْ سرَقَ مِنْ حِرْزٍ شرِيْكِهِ مُشْتَرَكًا فَلا قَطْعَ في الأَظْهَرِ، وَإنْ قَلَّ نَصِيْبُهُ، لأن له في كل جزء حقًا، فأشبه وطء الجارية المشتركة، والثاني: يجب، إذ لا حق له في نصيب الشريك.
• الثَّالِثُ: عَدَمُ شُبْهَةٍ فِيْهِ، لقوله ﵊: [إِدْرَؤُواْ الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلمِيْنَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّو سَبِيْلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَن يُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ] قال الحاكم: صحيح الإسناد (٢٥٢)، فَلاَ قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ، لما بينهما من الاتحاد، وخرج بالأصول والفروع ما عداهما؛ كالإخوة وغيرهم فإنه يقطع لانتفاء ما ذكرناه، وَسَيِّدٍ، لشبهة استحقاق النفقة ويده كَيَدِ سيده، وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ زَوْجَيْنِ بِالآخَرِ، أي إذا كان المال محرزًا عنه لعموم الآية، والثاني: لا، للشبهة فإنها تستحق النفقة في ماله، وهو يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف عند مالكٍ. ويملك أيضًا منعها من الخروج لاحراز مالها فصار الحرز معه واهنًا، نَعَمْ: لو استحقت عليه كسوة أو نفقة أو مهرًا؛ فيظهر أن لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء كما في حق رب الدين إذا سرق نصابًا من مال المديون.
وَمَنْ سرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ فُرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ قُطِعَ، إذ لا شبهة له من ذلك، قال الإمامُ: وكذا الفيء الْمُعَدُّ للمرتزقة تفريعًا على أنه مِلْكَهُمْ، وَإِلَّا, أي وإن سرق من غير المفروز، فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسرُوقِ كَمالِ مَصَالِحَ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ فَلَا، للشبهة المذكورة، والثاني: يقطع مطلقًا كما في سائر الأموال، وَإِلَّا قُطِعَ، لانتفائها وهذا إذا سرق من مال الصدقات، فإن سرق
стр. 1613
من مال المصالح فلا. كذا فصله في الْمُحَرَّر وهو في الروضة تبعًا للرافعي، وكأنه حذفه هنا لذكره له قَبْلٌ؛ ثم هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق من مال المصالح! فالصحيح: أنه يقطع لأنه مخصوص بالمسلمين، وكذا إذا سرق من مال مَنْ مَاتَ ولم يخلف وارثًا بناء على انتقاله ارثًا؛ وقال الروياني: ظاهر المذهب عندي أنه إن كان مُعَدًّا لوجوه المصالح العامة لم يقطع؛ لأنه يدخل فيها تبعًا للمسلمين وإن كان لمصالح المسلمين قُطع.
وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ، أي وكذا تَأْزِيْرُهُ وسِوَارَيْهِ كسائر الأموال، وهذا ما أجاب به أكثرهم، ورأى الإمامُ تخريج وجه في الأبواب والسقوف لأنها أجزاء المسجد، والمساجد يشترك فيها المسلمون؛ وتتعلق بها حقوقهم كمالِ بيت المال، لاَ حُصْرِهِ، أي المعدة للاستعمال، وَقَنَادِيْلَ تُسْرَجُ، لأن ذلك لمصلحة المسلمين فله فيه حق كبيت المال، وهذا ما قطع به جماعةٌ، بل ادعى القاضي حسين الإجماع فيه، والفرق بين الباب والجذع وما نحن فيه أن الحصر أعدت لينتفع الناس بها، والقناديل ليستضيئوا بها، والأبواب والسقوف والجذوع لتحصين المسجد وعمارته لا للانتفاع، والقناديل التي لا تسرج ولا يقصد منها إلا الزينة كالأبواب، وذكر الإمام في الحصر والقناديل ونحوهما ثلاثة أوجه، ثالثها: الفرق بين ما يقصد بها الاستضاءة أو الزينة وكل هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق الباب أو الحُصْرَ أو غيرهما فإنه يُقْطَعُ قطعًا كما ذكره في الروضة تبعًا للرافعي، وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ، كما في أستار الكعبة لأنَّهُ مالٌ محرز، والثاني: لا يقطع، أما إذا قلنا أن الملك فيه لله تعالى وحده؛ فلأنه منفك عن ملك الآدميين كالمباحات، وأما على غير هذا القول فلضعف الملك، ومحل الخلاف إذا لم يكن فيه استحقاق ولا شبهة استحقاق؛ فإن كان فلا قطع قطعًا.
فَرْعٌ: لو سرق من غلة الأرض الموقوفة أو ثمرة شجرة موقوفة قطع بلا خلاف.
فَرْعٌ: لو سرقَ مالًا موقوفًا على الجهات العامة أو على وجوه الخير! قال الماوردي: لا يقطع، قال الروياني: وإن كان السارق ذميًا! لأنه تبع للمسلمين في المصالح.
стр. 1614
وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً، لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة كالعبد القِنِّ، ويخالف المكاتَبُ؛ لأنه في يد نفسه، وكذا مَنْ بَعْضُهُ حر وبعضه رقيق، والثاني: لا، لضعف الملك.
فَرْعٌ: الصحيح وجوب الحد على من زنا بجارية بيت المال؛ وإن لم يجب القطع بسرقة ماله.
• الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا، أي فلا قطع بسرقة ما ليس بمحرز، ويختلف الحرز باختلاف الأموال والأحوال، والتعويل في إحراز المال وصيانته على شيئين ذكرهما المصنف حيث قال: بِمُلاَحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحِاظٍ، أي بكسر اللام، وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ، أي كدارٍ وحانوت، كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ، أي ولا يشترط دوامه، وَإِسْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ (•)، أي مع نفاستها وكثرة قيمتها، لاَ آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، لأن إخراج الثياب مما يظهر، وَيَبْعُدُ الاجتراء عليه؛ بخلاف ما يخف ويسهل حمله وإخراجه، وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابِ بِذْلَةٍ، لَا حُلِيًّ وَنَقْدٍ، لأن العادة فيهما الإحراز في المخازن، وكذا الثياب النفيسة تحرز في الدور وفي بيوت الخانات والأسواق المنيعة.
وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا فَمُحْرَزٌ، لأن العرف قاضٍ بذلك، فَلَوِ انْقَلَبَ فزَالَ عَنْهُ فَلاَ، لأنه ما بقي مُحْرَزًا، وكذا لو رفع السارق النائم عن الثوب أولاً ثم أخذ الثوب، وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لاَحَظَهُ مُحْرَزٌ، وَإِلَّا فَلاَ، لقضاء العرف بذلك. وهل يشترط أن لا يكون في الموضع زِحمةٌ الطارقين؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما: نَعَمْ، وَشَرْطُ الْمُلاَحِظِ قُدْرَتُهُ عَلَى مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ، أي فالضعيفُ الذي لا يُبالي السارقُ به في الموضع البعيد عن العمران ضائع مع المال، وَدَارٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْعِمَارَةِ إِنْ كاَنَ بِهَا قَوِيٌّ يَقْظَانٌ حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلاَقِهِ لاقتضاء العرف ذلك، وَإِلاَّ فَلاَ، أي وإن لم يكن فيها أحد
стр. 1615
فليست محرزة، سواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا، وكذا إن كان فيها أحد وهو غير قوي أو قويًا ولكنه نائم والباب مفتوح، فإن كان مغلقًا؟ فوجهان؛ أحدهما: أنها ليست محرزة أيضًا، وهو ظاهر كلام المصنف تبعًا للمحرر، والثاني: أنها محرزة، قال في الشرح الصغير: وهو الأقرب، قال في الروضة: أنه الأقوى، وَمُتَّصِلَةٌ حِرْزٌ مَعَ إِغْلاَقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٌ، لأن السارق على خطر من اطلاعه وتنبيهه بحركاته واستعانته (•) بالجيران، وَمَعَ فَتْحِهِ، أي الباب، وَنَوْمِهِ غَيْرُ حِرْزٍ لَيْلاً، لأنه المضيَّع، وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحَّ، كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح، والثاني: يكون حرزًا عتمادًا على نظر الجيران ومراقبتهم، وهذا الوجه محله في زمن الأمن من النهب وغيره؛ وإلا فالأيام كالليالي كما بيّنه في أصل الروضة، وَكَذَا يَقْظَانٌ تَغَفَّلَهُ سَارِقٌ في الأَصَحَّ، لتقصيره بإهمال المراقبة مع فتح الباب، والثاني: أنها حرز، ولعل وجهه عسر المراقبة دائمًا، ومحل الخلاف ما إذا لم يبالغ في الملاحظة، فإن بالغ فيها فانتهز السارق الفرصة فيقطع قطعًا، فَإِنْ خَلَتْ، يعني الدار فلم يكن فيها أحد، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا حِرْزٌ نَهَارًا زَمَنَ أَمْنٍ وَإِغْلاَقِهِ، أي وليست حرزاً في وقت الخوف ولا في الليالي، وإن كان مفتوحًا لم يكن حرزًا أصلًا وهذا معنى قوله: فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ فَلاَ. قال الرافعي: وهذا هو الظاهر وهو الجواب في التهذيب، ومن جعل الدار المنفصلة عن العمارة حرزًا عند إغلاق الباب؛ فَأَوْلَى أن يجعل المتصلة بها عند الإغلاق حرزًا، وعبَّر المصنف هنا وفي الروضة بالمذهب لأجل ذلك، وَخَيْمَةٌ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا وَتُرْخَى أَذْيَالُهَا فَهِيَ وَمَا فِيْهَا كَمَتَاعٍ بِصَحْرَاءَ، وَإِلاَّ، أي وإن شدت أطنابها وأرسل أذيالها، فَحِرْزٌ بِشَرْطِ حَافِظٍ قَوِيًّ فِيْهَا وَلَوْ نَائِمٌ، أي ولو بقربها لحصول الإحراز عادة، فإن لم يكن فيها أحد فلا، قال الأئمة: والشرط في الضمان أن يكون هناك من يتقوّى به، فأما إذا كان في مفازةٍ بعيدة عن الغوث وهو مِمَّنْ لا يُبَالَى به فلا إحراز، وَمَاشِيَةٌ بِأَبْنِيَةٍ مُغْلَقَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعِمَارَةِ مُحْرَزَةٌ بِلاَ