كان ذلك لمسلم، فإن كان لذمي فيقطع قطعًا قاله ابن داود، ومحله أيضًا ما إذا قصد السرقة فأما إذا قصد بإخراجها تيسر فسادها، فلا قطع قطعًا، كما جزم به في أصل الروضة.
فَرْعٌ: لو سرق قُفْلَ الحرز، نقل بعض الشيوخ فيه خلافًا، قال: والتحقيق وجوب القطع، لأنه يُحْرِزُ غَيْرَهُ فَنَفْسَهُ أَوْلى.
• الثَّانِي، أي الشرط الثاني: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، أي فلا قطع على من سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر ونحوهما، فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ وَغَيْرِهِ، أي كشراء وهبة، قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِيْهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ، كإحراق، لم يُقْطَعْ، أما في الأُولى؛ فلأنه ما أخرج إلّا ملكه، وأما في الثانية؛ فلأنه لم يخرج من الحرز نصابًا، واحترز بقوله (نَقَصَ فِيْهِ) عما إذا نقص بعد الإخراج فإنه يقطع، وَكَذَا إِنِ ادَّعَى، يعني السارق، مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ، لأن ما يدعيه محتملٌ، فصار شبهة في القطع، وهذا هو السارق الظريف كما يُروى عن الشافعي ﵁، قال القفال في فتاويه: والفرقُ بَيْنَ هذا وبينَ ما إذا قامت بينة على زناه بامرأة معيَّنة؛ فقال: كنت نكحتها حين وطئتها، فلا يسقط عنه الحد بهذه الدعوى، سواء كانت حرة أو أمَة، وفي الأَمَة وجه إذا ادَّعى أن مولاها وهبها منه وأقبضها أن المال يجري فيه التحقيق، وفي وجهٍ أو قولٍ مخرجٍ: أنه لا يسقط القطع بذلك كيلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد، وحمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه؛ قال الروياني في الحلية: ولهذا وجه في زمن الفساد، ومحل هذا الوجه أو القول ما إذا حلف مدعي السرقة أن العين له ولم يأذن في أخذها، أما إذا لم يحلف المدعى عليه لم يُقْطَع قطعًا، ولو أقر المسروق منه أن المال كان ملك السارق، فلا قطع قطعًا، ومحل الخلاف أيضًا في سقوط القطع كما هو صريحٌ في كلام المصنف، أما في المال فلا يقبل قوله فيه، بل القول قول المأخوذ منه بيمينه.
وَلَوْ سَرَقَا وَادَّعَاهُ أحَدُهُمَا لَهُ أولَهُمَا فَكَذَّبَهُ الآخَرُ لَمْ يَقْطَعِ المُدَّعِي، وَقُطِعَ
стр. 1612
الآخَرُ فِي الأَصَحَّ، لأنه مقرٌّ بأنه سرق نصابًا بلا شبهة، والثاني: لا؛ لأنه ادعى ما لو صدق فيه لسقط القطع، فصار كما لو قال المسروق منه أنه ملكه فيسقط القطع. وَإِنْ سرَقَ مِنْ حِرْزٍ شرِيْكِهِ مُشْتَرَكًا فَلا قَطْعَ في الأَظْهَرِ، وَإنْ قَلَّ نَصِيْبُهُ، لأن له في كل جزء حقًا، فأشبه وطء الجارية المشتركة، والثاني: يجب، إذ لا حق له في نصيب الشريك.
• الثَّالِثُ: عَدَمُ شُبْهَةٍ فِيْهِ، لقوله ﵊: [إِدْرَؤُواْ الحُدُودَ عَنِ الْمُسْلمِيْنَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّو سَبِيْلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَن يُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ] قال الحاكم: صحيح الإسناد (٢٥٢)، فَلاَ قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ، لما بينهما من الاتحاد، وخرج بالأصول والفروع ما عداهما؛ كالإخوة وغيرهم فإنه يقطع لانتفاء ما ذكرناه، وَسَيِّدٍ، لشبهة استحقاق النفقة ويده كَيَدِ سيده، وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ زَوْجَيْنِ بِالآخَرِ، أي إذا كان المال محرزًا عنه لعموم الآية، والثاني: لا، للشبهة فإنها تستحق النفقة في ماله، وهو يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف عند مالكٍ. ويملك أيضًا منعها من الخروج لاحراز مالها فصار الحرز معه واهنًا، نَعَمْ: لو استحقت عليه كسوة أو نفقة أو مهرًا؛ فيظهر أن لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء كما في حق رب الدين إذا سرق نصابًا من مال المديون.
وَمَنْ سرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ إِنْ فُرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ قُطِعَ، إذ لا شبهة له من ذلك، قال الإمامُ: وكذا الفيء الْمُعَدُّ للمرتزقة تفريعًا على أنه مِلْكَهُمْ، وَإِلَّا, أي وإن سرق من غير المفروز، فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسرُوقِ كَمالِ مَصَالِحَ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ فَلَا، للشبهة المذكورة، والثاني: يقطع مطلقًا كما في سائر الأموال، وَإِلَّا قُطِعَ، لانتفائها وهذا إذا سرق من مال الصدقات، فإن سرق
стр. 1613
من مال المصالح فلا. كذا فصله في الْمُحَرَّر وهو في الروضة تبعًا للرافعي، وكأنه حذفه هنا لذكره له قَبْلٌ؛ ثم هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق من مال المصالح! فالصحيح: أنه يقطع لأنه مخصوص بالمسلمين، وكذا إذا سرق من مال مَنْ مَاتَ ولم يخلف وارثًا بناء على انتقاله ارثًا؛ وقال الروياني: ظاهر المذهب عندي أنه إن كان مُعَدًّا لوجوه المصالح العامة لم يقطع؛ لأنه يدخل فيها تبعًا للمسلمين وإن كان لمصالح المسلمين قُطع.
وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ، أي وكذا تَأْزِيْرُهُ وسِوَارَيْهِ كسائر الأموال، وهذا ما أجاب به أكثرهم، ورأى الإمامُ تخريج وجه في الأبواب والسقوف لأنها أجزاء المسجد، والمساجد يشترك فيها المسلمون؛ وتتعلق بها حقوقهم كمالِ بيت المال، لاَ حُصْرِهِ، أي المعدة للاستعمال، وَقَنَادِيْلَ تُسْرَجُ، لأن ذلك لمصلحة المسلمين فله فيه حق كبيت المال، وهذا ما قطع به جماعةٌ، بل ادعى القاضي حسين الإجماع فيه، والفرق بين الباب والجذع وما نحن فيه أن الحصر أعدت لينتفع الناس بها، والقناديل ليستضيئوا بها، والأبواب والسقوف والجذوع لتحصين المسجد وعمارته لا للانتفاع، والقناديل التي لا تسرج ولا يقصد منها إلا الزينة كالأبواب، وذكر الإمام في الحصر والقناديل ونحوهما ثلاثة أوجه، ثالثها: الفرق بين ما يقصد بها الاستضاءة أو الزينة وكل هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق الباب أو الحُصْرَ أو غيرهما فإنه يُقْطَعُ قطعًا كما ذكره في الروضة تبعًا للرافعي، وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ، كما في أستار الكعبة لأنَّهُ مالٌ محرز، والثاني: لا يقطع، أما إذا قلنا أن الملك فيه لله تعالى وحده؛ فلأنه منفك عن ملك الآدميين كالمباحات، وأما على غير هذا القول فلضعف الملك، ومحل الخلاف إذا لم يكن فيه استحقاق ولا شبهة استحقاق؛ فإن كان فلا قطع قطعًا.
فَرْعٌ: لو سرق من غلة الأرض الموقوفة أو ثمرة شجرة موقوفة قطع بلا خلاف.
فَرْعٌ: لو سرقَ مالًا موقوفًا على الجهات العامة أو على وجوه الخير! قال الماوردي: لا يقطع، قال الروياني: وإن كان السارق ذميًا! لأنه تبع للمسلمين في المصالح.
стр. 1614
وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً، لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة كالعبد القِنِّ، ويخالف المكاتَبُ؛ لأنه في يد نفسه، وكذا مَنْ بَعْضُهُ حر وبعضه رقيق، والثاني: لا، لضعف الملك.
فَرْعٌ: الصحيح وجوب الحد على من زنا بجارية بيت المال؛ وإن لم يجب القطع بسرقة ماله.
• الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا، أي فلا قطع بسرقة ما ليس بمحرز، ويختلف الحرز باختلاف الأموال والأحوال، والتعويل في إحراز المال وصيانته على شيئين ذكرهما المصنف حيث قال: بِمُلاَحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحِاظٍ، أي بكسر اللام، وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ، أي كدارٍ وحانوت، كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ، أي ولا يشترط دوامه، وَإِسْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ (•)، أي مع نفاستها وكثرة قيمتها، لاَ آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، لأن إخراج الثياب مما يظهر، وَيَبْعُدُ الاجتراء عليه؛ بخلاف ما يخف ويسهل حمله وإخراجه، وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابِ بِذْلَةٍ، لَا حُلِيًّ وَنَقْدٍ، لأن العادة فيهما الإحراز في المخازن، وكذا الثياب النفيسة تحرز في الدور وفي بيوت الخانات والأسواق المنيعة.
وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا فَمُحْرَزٌ، لأن العرف قاضٍ بذلك، فَلَوِ انْقَلَبَ فزَالَ عَنْهُ فَلاَ، لأنه ما بقي مُحْرَزًا، وكذا لو رفع السارق النائم عن الثوب أولاً ثم أخذ الثوب، وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لاَحَظَهُ مُحْرَزٌ، وَإِلَّا فَلاَ، لقضاء العرف بذلك. وهل يشترط أن لا يكون في الموضع زِحمةٌ الطارقين؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما: نَعَمْ، وَشَرْطُ الْمُلاَحِظِ قُدْرَتُهُ عَلَى مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ، أي فالضعيفُ الذي لا يُبالي السارقُ به في الموضع البعيد عن العمران ضائع مع المال، وَدَارٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْعِمَارَةِ إِنْ كاَنَ بِهَا قَوِيٌّ يَقْظَانٌ حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلاَقِهِ لاقتضاء العرف ذلك، وَإِلاَّ فَلاَ، أي وإن لم يكن فيها أحد
стр. 1615
فليست محرزة، سواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا، وكذا إن كان فيها أحد وهو غير قوي أو قويًا ولكنه نائم والباب مفتوح، فإن كان مغلقًا؟ فوجهان؛ أحدهما: أنها ليست محرزة أيضًا، وهو ظاهر كلام المصنف تبعًا للمحرر، والثاني: أنها محرزة، قال في الشرح الصغير: وهو الأقرب، قال في الروضة: أنه الأقوى، وَمُتَّصِلَةٌ حِرْزٌ مَعَ إِغْلاَقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٌ، لأن السارق على خطر من اطلاعه وتنبيهه بحركاته واستعانته (•) بالجيران، وَمَعَ فَتْحِهِ، أي الباب، وَنَوْمِهِ غَيْرُ حِرْزٍ لَيْلاً، لأنه المضيَّع، وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحَّ، كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح، والثاني: يكون حرزًا عتمادًا على نظر الجيران ومراقبتهم، وهذا الوجه محله في زمن الأمن من النهب وغيره؛ وإلا فالأيام كالليالي كما بيّنه في أصل الروضة، وَكَذَا يَقْظَانٌ تَغَفَّلَهُ سَارِقٌ في الأَصَحَّ، لتقصيره بإهمال المراقبة مع فتح الباب، والثاني: أنها حرز، ولعل وجهه عسر المراقبة دائمًا، ومحل الخلاف ما إذا لم يبالغ في الملاحظة، فإن بالغ فيها فانتهز السارق الفرصة فيقطع قطعًا، فَإِنْ خَلَتْ، يعني الدار فلم يكن فيها أحد، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا حِرْزٌ نَهَارًا زَمَنَ أَمْنٍ وَإِغْلاَقِهِ، أي وليست حرزاً في وقت الخوف ولا في الليالي، وإن كان مفتوحًا لم يكن حرزًا أصلًا وهذا معنى قوله: فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ فَلاَ. قال الرافعي: وهذا هو الظاهر وهو الجواب في التهذيب، ومن جعل الدار المنفصلة عن العمارة حرزًا عند إغلاق الباب؛ فَأَوْلَى أن يجعل المتصلة بها عند الإغلاق حرزًا، وعبَّر المصنف هنا وفي الروضة بالمذهب لأجل ذلك، وَخَيْمَةٌ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا وَتُرْخَى أَذْيَالُهَا فَهِيَ وَمَا فِيْهَا كَمَتَاعٍ بِصَحْرَاءَ، وَإِلاَّ، أي وإن شدت أطنابها وأرسل أذيالها، فَحِرْزٌ بِشَرْطِ حَافِظٍ قَوِيًّ فِيْهَا وَلَوْ نَائِمٌ، أي ولو بقربها لحصول الإحراز عادة، فإن لم يكن فيها أحد فلا، قال الأئمة: والشرط في الضمان أن يكون هناك من يتقوّى به، فأما إذا كان في مفازةٍ بعيدة عن الغوث وهو مِمَّنْ لا يُبَالَى به فلا إحراز، وَمَاشِيَةٌ بِأَبْنِيَةٍ مُغْلَقَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعِمَارَةِ مُحْرَزَةٌ بِلاَ
стр. 1616
حَافِظٍ، للعادة، وَبِبَرَّيَّةٍ يُشْتَرَطُ حَافِظٌ وَلَوْ نَائِمٌ، لما قلناه، وَإِبِلٌ بِصَحْرَاءَ مُحْرَزَةٌ بِحَافِظٍ يَرَاهَا، أي كلها؛ ويبلغُهَا صوتهُ إذا زجَرَها، فإن لم يرَ بعضها؛ لكونه في وهدة؛ أو خلف جبل أو حائط فذاك البعض غير محرز؛ وسكت آخرون عن اعتبار بلوغ الصوت اكتفاءً بالنظر؛ لأنه إذا قصد ما يراه أمكنه العَدْوُ إليه؛ وتبعهم المصنف، وَمَقْطُورَةٌ يُشْتَرَطُ الْتِفَاتُ قَائِدِهَا إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا، أي حميعها؛ فإذا كان لا يرى البعض؛ لحائلٍ جبلٍ أو بناءٍ! فذلك البعضُ غير مُحْرَزٍ، وَأَنْ لاَ يَزِيْدَ قِطَارٌ عَلَى تِسْعَةٍ، للعادة الغالبة، فإن زاد فكغير المقطورة، قال الرافعي: والأحسن أنه في الصحراء لا يتقيد بعدد، وفي العمران يتقيد بالعادة وهو من سبعة إلى عشرة، فإن زاد لم تكن الزيادة محرزة، وجعله في أصل الروضة الأصح، وقال ابن الصلاح: الصحيح في نُسَخِ الوسيط سبعة لا تسعة وعليه العرف، وَغَيْرُ مَقْطُورَةٍ لَيْسَتْ مُحْرَزَةً فِي الأصَحَّ، لأن الإبل لا تسير كذلك غالبًا، قال في المحرر: وهذا هو الأشبه، ونقله في الشرح عن إيراد البغوي خاصة، وقال صاحب الإفصاح: لا فرق بين أن تكون مقطورة أو لا تكون، وبهذا أخذ الروياني، وقال: المعتبر أن يقرب منها ويقع نظره عليها ولا تعتبر صورة التقطير، وهذا هو المقابل لكلام المصنف، قال في الشرح الصغير: وهو أولى الوجهين، قلت: لكن المنصوص عليه فى الأُم هو الأول فاستفده، وَكَفَنٌ فِي قَبْرٍ بِبَيْتٍ مُحْرَزٍ مُحْرَزٌ لَهَا، أي فيقطع بسرقة الكفن منه، قال الإمامُ: وكذا لو كانت المقبرة محفوفة بالعمارة يندر تخلف الطارقين عنها في زمن يأتي فيه النبش، أو كان عليها حراس، لأنه سارق، وإن اختص باسم النبش فاندرج في الآية.
فَرْعٌ: هذا في الكفن المشروع وهو خمسة أثواب أو ثلاثة، فإن كفن في الزائد لم يقطع سارقه في الأصح.
وَكَذَا بِمَقْبَرَةٍ بِطَرَفِ الْعِمَارَةِ فِي الأَصَحَّ، لأنه حرز فِي العادة، وقيده المارودي بما إذا كان (•) القبر عميقًا؛ فلو كان قريبًا من وجه الأرض فلا قطع، وفي فتاوى
стр. 1617
البغوي ما يخالفه، والثاني: المنع، لأنه ليس دونه باب مغلق، ولا عليه حارسٌ؛ فصار كالمتاع الموضوع هناك، فإن كان عليه حارس؛ قُطع قطعًا، وَلاَ بِمَضْيَعَةٍ في الأَصَحَّ، لأن السارق يأخذ من غير حرز، والثاني: أن القبر حرز للكفن كيف كان، لأن النفوس تهابُ الموتى.
فَصْلٌ: يُقْطَعُ مُؤَجَّرُ الْحِرْزِ، إذا سرق من مال المستأجر، لأن المنافعَ بعقد الإجارة مستحقة للمستأجر؛ والإحرازُ من المنافع، قال الرافعي: وفي هذا التوجيه ما يبين أن التصوير فيما إذا استحق المستأجر إيواء المتاع إليه بالإجارة وإحرازه دون من استأجر أرضًا للزراعة فآوى إليها ماشيته مثلًا وتبعه على ذلك في الروضة فيتقيد إطلاقه في الكتاب بذلك، وَكَذَا مُعِيْرُهُ، أي إذا سرق من مال المستعير، فِي الأَصَحَّ، لأنه سرق النصاب من الحرز، وإنما يجوز له الدخول إذا رجع، وعليه أن يمهل المعير بقدر ما ينقل فيه الأمتعة، والثاني: لا يقطع، لان الإعارة لا تلزم، وله الرجوع متى شاء فلا يحصل الإحراز عنه، والثالث: إن دخل الحرز بنيّة الرجوع عن العارية، فلا قطع وإلا فيقطع.
وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا لَمْ يُقْطَغْ مَالِكُهُ، لأن له الدخول والهجوم عليه فلا يكون محرزًا عنه، وَكَذَا أَجْنَبِيٌّ في الأَصَحَّ، لأن الإحراز من المنافع؛ والغاصب لا يستحقها، والثاني: نعم، لأنه لا حق له فيه وليس له الدخول.
وَلَوْ غَصَبَ، أي وكذا لو سرق، مَالاً وَأَحِرْزَهُ بِحِرْزِهِ فَسَرَقَ الْمَالِكُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ، أي أو المسروق، أَوْ أَجْنَبِيٌّ الْمَغْصُوبَ، أى أو المسروق، فَلاَ قَطْعَ فِي الأَصَحَّ، أما في الأُولى؛ فلأنَّ له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله؛ فالذي يأخذه من الغاصب يَأْخذهُ وهو غير محرز عنه، ووجه مقابله: أنه إن أخذ مال الغاصب عرفنا أنه هتك الحرز للسرقة لا لأخذ ماله، وأما في الثانية؛ فلأنه حرز يرضه المالك وهو في يده بغير حق، ووجه مقابله: أنه سرق نصابًا من حرز مثله بلا شبهة.
فَرْعٌ: لو وضع متاعه بدار غيره من غير علمه ورضاه فسرق هل يقطع؟ قال
стр. 1618
الحناطي في فتاويه ومنها نقلتُ: قد قيل لا يقطع، لأن الموضع لا يكون حرزًا في حقه؛ أي في حق الواضع وإن كان في نفسه حرزًا لمن أطلق له إحراز المتاع به، وقيل: يقطع؛ لأن الحرز يرجع إلى صون المتاع وهو موجود هنا. قال: وهو أشبه عندي بالحق.
وَلاَ يُقْطَعُ مُخْتَلِسٌ، أي وهو من يأخذ معتمدًا على الهرب عيانًا، وَمُنْتَهِبٌ, أي وهو من يأخذ عيانًا معتمدًا على قوّتِه, وَجَاحِدُ وَديْعَةٍ، لقوله ﵊ [لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ واَلْخائِنِ قَطْعٌ] صححه الترمذي (٢٥٣).
وَلَوْ نَقَبَ وَعَادَ في لَيْلَةٍ أُخْرَى فَسَرَقَ قُطِعَ فِي الأَصَحَّ, كما لو نقب في أول الليل وأخرج المال في آخره، والثاني: لا, لأنه عاد بعد انهتاك الحرز فصار كما لو جاء غيره وأخذ المال، قُلْتُ: هَذَا إِذَا يَعْلَمِ الْمَالِكُ النَّقْبَ , وَلمْ يَظْهَرْ للِطَّارِقِيْنَ, وَإِلاَّ، أى وإن عَلِمَ لمالك أو ظهر للطارقين، فَلاَ يُقْطعُ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ, لانهتاك الحرز، وَلوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ، أي وليس هناك أحد، فَلاَ قَطْعَ، أي على واحد منهما، لأن الناقب لم يسرق، والآخذ أخذ من غير حرز، أما لو كان صاحبها فيها وهو يلاحظها قطع الأخذ، لأنها محرزة، وإن كان نائمًا؛ فلا في الأصح كمن نام والباب مفتوح.
وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْبِ وَانْفرَدَ أَحَدُهُمَا بِالإِخْرَاجِ أَوْ وَضَعَهُ نَاقِبٌ بِقُرْبِ النَّقْبِ فَأَخْرَجَهُ آخُرُ, أي مع معاونته له في النقب، قُطِعَ الْمُخْرِجُ، لأنه السارق، وَلَوْ وَضَعَهُ بِوَسطِ نَقْبِهِ فأخَذَهُ خَارِجٌ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابَيْنِ لَمْ يُقْطعَا فِي الأَظْهَرِ، لأن كلًا منهما لم يخرجه من كمال الحرز، والثاني: يقطعان لاشتراكهما في الهتك والإخراج.
стр. 1619
فَرْعٌ: الأصحُّ حصول الشركة وإن أخذ هذا لَبِنات وهذا لَبِنات.
وَلَوْ رَمَاهُ إِلَى خَارِج حِرْزٍ، أَوْ وَضَعَهُ بِمَاءٍ جَارٍ، أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ سَائِرَةٍ، أَوْ عَرَّضَهُ لِرِيْحٍ هَابَّةٍ فَأَخْرَجَتْهُ قُطِعَ، أما في الأولى؛ فكما لو أخرجه بيده، وأما في الثانية؛ فلأنه الْمُخْرِجُ، واحترز بـ (الجاري) عن الراكد، وحكمه إنْ حَرَّكَهُ بيده حتى خرج به فهو كالجاري، وإن حرّكه غيره فخرج فالقطع على المحرك، وإن زاد الماء بانفجار أو مجيء سيل فخرج به لم يقطع على الأصح، وأما في الثالثة؛ فلأنه إخراج مالٍ من حرزه، وأما في الرابعة فَلِتَسَبُّبِهِ، واحترز بـ (الْهَابَّةِ) عما إذا كانت راكدة ووضعه على طرف النقب فهبت وأخرجته فالظاهر أنه لا يجب شيء، أَوْ وَاقِفَةٍ فَمَشَتْ بِوَضْعِهِ فَلاَ فِي الأَصَحَّ، لأن لها اختيارًا في السَيْرِ؛ فإذا لم يَسُقْهَا فقد سارت باختيارها، والثاني: نعم، لأن الخروج حصل بفعله، فإنها إذا أُثْقِلَتْ بالحمل سارت، والثالث: إن سارت عقب الوضع، قطع. وإلا فلا، وَلاَ يُضْمَنُ حُرٌّ بِيَدٍ، وَلاَ يُقْطَعُ سَارِقُهُ، أي وإن كان طفلًا؛ لأنه ليس بمالٍ.
وَلَوْ سَرَقَ صَغِيْرًا بِقِلاَدَةٍ، أي تليق به تساوي نصابًا، فَكَذَا فِي الأَصَحَّ، لأن يده ثابتة عليه ولهذا لو كان على الليقط مال فهو له وصار كمن سرق حملاً وصاحبه راكبه، والثاني: يقطع؛ لأنه سرق نصابًا، أما إذا لم يلقْ الحلي به؛ فإن أخذ الصبي من حرز الحلي قطع، وإن أخذ من حرز الصبي فقط؛ فلا، وأجرى الرافعي في المحرر الخلاف في القلادة فيما إذا كان معه مال ولم يذكرها المصنف.
وَلَوْ نَامَ عَبْدٌ عَلَى بَعِيْرٍ، أي وعليه أمتعة كما صرح به في الْمُحَرَّرِ، فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْقَافِلَةِ قُطِعَ، لأنه في نفسه مسروق يتعلق به القطع، أَوْ حُرٌّ فَلاَ فِي الأَصَحِّ، لأن البعير والمتاع بيده، والثاني: يقطع مطلقًا، لأنه أخرج نصابًا من الحرز والمأمن إلى مضيعةٍ، والثالث: لا مطلقًا.
وَلَوْ نَقَلَ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ إِلَى صَحْنِ دَارٍ بَابُهَا مَفْتُوحٌ قُطِعَ، لأنه أخرجه من حرزه وجعله في محل الضياع، وَإِلاْ فَلاَ، أي وإن كان باب البيت مفتوحًا وباب
стр. 1620
الدار مغلقًا فلا قطع، إذا لم يخرج من تمام الحرز، وكذا إن كانا مفتوحين، فإن المال ضائع إذا لم يكن محرزًا باللِحَاظِ، وَقِيْلَ: إِنْ كَانَا مُغْلَقَيْنِ قُطِعَ، لأنه أخرجه من حرزه، والأصح: المنعُ، لأنه لم يخرج من تمام الحرز، فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق إلى البيت ولم يخرج من البيت، وَبَيْتُ خَانٍ وَصَحْنُهُ كَبَيْتٍ وَدَارٍ في الأَصَحِّ، أي فيفترق الحال بين أن يكون باب الخان مفتوحًا أو مغلقًا فيما إذا أخرج من البيت إلى صحن الدار، والثاني: يجب القطع بكل حال؛ لأن صَحْنَ الخان ليس حرزًا لصاحب البيت بل هو مشترك بين السكان فهو كالسكة المشتركة بين أهلها.
فَرْعٌ: الْمَدَارِسُ وَالرُّبَطُ كَالْخَانِ.
فَصْلٌ: لاَ يُقْطَعُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، للخبر الصحيح في رفع القلم عنهما، ومُكْرَهٌ، بفتح الراء لقوله ﵊ [وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنَّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُواْ عَلَيْهِ] (٢٥٤)، وهل يجب على المُكْرِهِ بكسرها؟ قال القاضي: هنا أصلان؛ أحدهما المكرِهُ على القتل عليه القودُ، والثاني: المكرهُ على الزنا لا حدَّ عليه؛ فألحقه به؛ لأن كلاًّ منهما حق لله تعالى.
فَرْعٌ: في السكران الخلاف في الطلاق وغيره.
وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمَّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيًّ, أي يقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمّي، والذمّي بسرقة مال المسلم ومال الذمّي لالتزامه الأحكام، أما الحربي فلا حد عليه لعدم التزامه أحكامنا، وَفِي مُعَاهِدٍ، أي وكذا من دخل بأمان، أَقْوَالٌ؛ أَحْسَنُهَا: إِنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ، وَإِلَّا فَلاَ، لأنه إذا عهد على هذا الشرط فقد التزمه، والثاني: لا قطع مطلقًا لما سيأتي، والثالث: يقطع مطلقًا كالذمّي، قُلْتُ: الأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لاَ قَطْعَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. لأنه لم يلتزم الأحكام فأشبه الحربي.
وَتَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِيَمِيْنِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ فِي الأَصَحِّ، كما إذا ادعى على شخص
стр. 1621
بسرقة نصاب يوجب القطع وأنكر ونكل عن اليمين وحلف المدعي فإن المال يثبت، وفي القطع الخلاف المذكور؛ وجهُ الثبوت أنَّ اليمين المردودة كالإقرار أو كالبيّنة، والقطع يجب بالأمرين جميعًا، فأشبه القصاص؛ فإنه يثبت باليمين المردودة، ووجه مقابله أن القطع في السرقة حقُّ لله تعالى فأشبه ما لو قال أكره أَمَتي على الزنا فحَلَفَ المدعي بعد نكول المدعى عليه؛ يثبت المهر دون حدِّ الزنا، وصححه الرافعي والمصنف في الدعاوى والحاوي الصغير هنا، أَوْ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ، أي ولا يشترط تكرره خلافًا لأحمد لقوله ﵊: [مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ] (٢٥٥) وجه الاحتجاج: أنه لم يفرق بين أن يكرَّرَ أو لا، وَالْمَذْهَبُ: قَبُولُ رُجُوعِهِ، كما يسقط حد الزنا بالرجوع، وفي قول: لا يقبل كما في المال، والطريق الثاني: القطع بسقوط القطع وبقاء الغرم، وَمَنْ أَقَرَّ بعُقُوبَةِ للهِ تَعَالَى، فَالصَّحِيْحُ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ، لأنه ﵊ قَالَ لِمَاعِزٍ: [لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ] رواه البخاري (٢٥٦)، وقال لِمَنْ أَقَّر عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ: [مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ] رواه أبو داود وغيره (٢٥٧)، وَلاَ يَقُولُ: اِرْجِعْ، أي يُعَرِّض له ولا يحمله على الرجوع صريحًا؛ بأن يقول: ارجع عن الإقرار أو اجحد، والثاني: لا يفعل ذلك، ونقله الإمام عن الجمهور، والثالث: إن لم يكن عالمًا بجواز الرجوع عَرَّضَ له وإلا فلا، فعلى الأول هل يستحب للقاضي التعريض؟ وجهان؛ أصحهما: لا، واحترز المصنف بالإقرار عما إذا ثبت زناهُ بالبينة، فإن القاضي لا يحمله على الإنكار، وبقوله لله تعالى عن حقوق الآدميين، فإنه لا يعرض بالرجوع عنها.
стр. 1622
وَلَوْ أَقَرَّ بِلاَ دَعْوَى أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الْغَائِبِ لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ، بَلْ يُنْتَظَرُ حُضُورُهُ فِي الأَصَحَّ، لأنه ربما حضر وأقرّ أنه كان أباحَهُ له فسقط الحد، وإن كذبه السارق فإنه يسقط بالشبهة، والثاني: يقطع في الحال، لظهور الموجب بإقراره، فأشبه ما لو أقرَّ أنه زنا بفلانة، لا ينتظر حضورها، أَوْ أَنَّهُ أَكْرَه أَمَةَ غَائِبٍ عَلَى زِنَا حُدَّ في الْحَالِ فِي الأَصَحِّ، لأن حد الزنا لا يتوقف على طلبٍ، ولو حضر وقال: كنت أَبَحْتُهَا لهُ لم يسقط حد الزنا بذلك، والثاني: ينتظر حضور المالك لاحتمال أنه يقرُّ أنه وقف عليه مِلْكَ الجارية فتصير شبهة قي سقوط الحد.
وَيَثْبُتُ، أي القطع، بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، كسائر العقوبات، وشهادة الزنا هي التي خصَّت بمزيد العدد، فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌّ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ وَلاَ قَطْعَ، كما لو علق الطلاق أو العتق على غصب أو سرقة فشهد رجل وامرأتان بالغصب أو السرقة ثبت المال دون الطلاق والعتق، كذا ذكر الرافعي هذا التنظير هنا وذكر فيه تفصيلاً في الشهادات.
وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهِدِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ، أي ولا تقبل مطلقًا لاختلاف المذاهب فيها، وفي شروط تعلَّق القطع بها؛ فلا بد وأن يبين السارق بالإشارة إلى عينه إن كان حاضرًا، ويذكر اسمَهُ ونسبَهُ بحيث يتميز إن كان غائبًا، ويكفي عند حضوره أن يقول سرق هذا، ويشترط أن يبينَ المسروقُ والمسروقَ منهُ، وكون السرقة من حرز أو صفته.
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ كَقَوْلِهِ: سَرَقَ بُكْرَةً وَالآخَرُ عَشِيَّةً: فَبَاطِلَةٌ، إذا لم تتم حجة أحدهما، وقوله (بَاطِلَةٌ) مقتضاه أنه لا يلزمه شيء؛ لكنه قال في الروضة تبعًا للشرح: أن المشهود له لو حلف مع أحدهما غرم المال.
فَصْلٌ: وَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ، لقوله ﷺ : [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدَّيَهُ] (٢٥٨)، فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ، جبرًا لما فات، وَتُقْطَعُ يَمِيْنُهُ، أولاً بالإجماع كما
стр. 1623
نقله القاضي أبو الطيب، وإنما لم يقطع ذَكَرُ الزاني قياسًا على السارق لأوجهٍ: أحدُها: أنَّ للسارقِ يدٌ أُخرى بخلاف الزاني، ثانيها: ما فيه من إبطالِ النَّسْلِ، وثالثها: أنَّ اليدَ تَبْرَأُ غالبًا بخلافه، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِهَا فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، اقتداء بالشيخين ولا مخالف لهما (٢٥٩)، وَثَالِثًا يَدُهُ الْيُسْرَى، وَرَابِعًا رِجْلُهُ الْيُمْنَى، لخبر فيه (٢٦٠) واستوعبناها للضرورة، وَبَعْدَ ذَلِكَ، أي بعد قطع اليدين والرجلين، يُعَزَّرُ، لأن القطع ثبت بالكتاب والسنة، ولم يثبت بعد ذلك شيء آخر، والسرقةُ معصية فتعين التعزير.
وَيُغْمَسُ مَحِلُّ الْقَطْعِ بِزَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ مَغْلِيَّ، لينقطع الدم إذ لو استمرَّ هلك،
стр. 1624
قال الماوردي: وهذا في الحضري، أما البدوي؛ فيحسم بالنار لأنه عادَتُهُمْ، قِيْلَ: هُوَ تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ، لأن فيه مزيد إيلام وما زال الولاة يفعلون ذلك على كراهة من المقطوعين ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقطُوعِ، لأن الغرض المعالجة ورفع الهلاك عنه بنزفِ الدَّم، فَمُؤنَتُهُ عَلَيهِ وَلِلإِمَامِ إِهْمَالُهُ، أي إذا فرعنا على الثاني؛ فإن فرعنا على الأول ففي مؤنته الخلاف فِي مؤنة الجلاد وليس له إهماله؛ قاله الإمام والرافعي.
وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنَ الْكُوْعِ، بالإجماع، وَالرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ، اتباعًا لعمر ﵁ (٢٦١) فيه كما رواه ابن المنذر، وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلاَ قَطْعٍ كَفَتْ يَمِيْنُهُ، لأن السبب واحد فتداخلت لحصول الحكمة وهو الزجر، وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعَ أَصَابِعَ، أي فإنه يُكْتَفَى بها ولا يعدل إلى الرجل لحصول الإيلام والتنكيل، قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ ذَهَبَتِ الخَمْسُ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لما ذكرناه، والثاني: لا يكفي، وتقطع الرجل اليسرى لانتفاء البطش، وادعى القاضي: أنه المذهب.
فَرْعٌ: الخلاف جار فيما إذا سقط بعض الكف أيضًا وبقي محل القطع.
وَتُقْطَعُ يَدٌ زَائِدَةٌ أُصْبُعًا في الأَصَحِّ، أى ولا يبالي بالزيادة لأن المراد التنكيل، والثاني: لا، بل تقطع رجله اليسرى كما في القصاص، لكن الفارق أن القصاص مقصوده المساواة، والمقصود هنا الزجر والتنكيل، وَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِيْنُهُ بِآفَةٍ، أو جناية، سَقَطَ الْقَطْعُ، أي فلا يعدل إلى الرجل، لأن القطع تعلق بعينها وقد زالت.
فَرْعٌ: لو شُلَّتْ يمينُهُ بعد السرقة وخشي من قطعها تلف النفس، فهو كما لو سقطت.
أَوْ يَسَارُهُ فَلاَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لوجود اليمنى وهي محل القطع، وعن أبي إسحق:
стр. 1625
أنه يسقط القطع في اليمين على قول، كما في مسألة الجلاد، قال الرافعي: وضعفه كل من نقله، وقالوا في صورة الغلط: يساره مقطوعة بعلَّةِ السرقة، فلو أثبتنا (•) القطع في اليمين لذهبت يداه بعلة السرقة ولم يوجد هذا فيما إذا سقطت يساره بآفة.
стр. 1626
كِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِ
قَاطِعُ الطَّرِيقِ: سُمِّيَ بذَلِكَ لامْتِنَاعِ النَّاسِ مِنَ الْمُرُورِ خَوْفًا مِنْهُ، وَالأَصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ الآيَةُ (٢٦٢)، نَزَلَتْ فِيْهِمْ، وَقِيْلَ: فِي العُرنيين، وَقِيْلَ: فِي الْمُشرِكِيْنَ (٢٦٣).
هُوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَهُ شَوْكَةٌ، أي فأضدادهم ليس لهم حُكم قاطع الطريق، لاَ مُخْتَلِسُون يَتَعَرَّضُون لآخِرِ قَافِلَةٍ يَعْتَمِدُونَ الْهَرَبَ، لانتفاء الشوكة، وَالَّذِيْنَ يَغْلِبُونَ شِرْذِمَةً بِقُوَّتهِمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ، أي وإن لم يكثر عددهم لاعتمادهم على الشوكة والنجدة بالإضافة إلى الشرذمة، لاَ لِقَافِلَةٍ عَظِيْمَةٍ، لأنه يتأتى دفعهم ومقاومتهم، فالاستسلام لهم يُعَدُّ تقصيرًا وتضييعًا وفيه بحث للرافعي، نعم لو نالت كل طائفة من الأخرى بالقتال فأصحُّ احتماليْ الإمام أنهم قُطَّاعٌ، وَحَيْثُ يَلْحَقٌ غَوْثٌ لَيْسَ بِقُطَّاعٍ، لإمكان الاستغاثة، نعم هم منتهبون، وَفَقْدُ الْغَوْثِ يكُونُ لِلْبُعْدِ، أي بُعد السلطان وبعد أعوانه، أَوْ لِضَعْفٍ، أي ضعف السلطان، وَقَدْ يغْلِبُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي بَلَدٍ فَهُمْ قُطَّاعٌ، لوجود الشروط فيهم.
فَرْعٌ: لو دخل جماعة بالليل دارًا فتكاثروا ومنعوا أصحاب الدار من الاستغاثة
стр. 1627
مع قُوَّةِ السُّلْطَانِ وحضورهِ؛ فالأصح: أنهم قطَّاعٌ، وقيل: سُرَّاقٌ، وَنَسَبَهُ بعضهم إلى الأكثرين, وقيل: مختلسون.
فَرْعٌ: لا يشترط في قاطع الطريق الذكورة، ولا شَهْرُ السلاح، ولا العدد، كما أفهمه كلام المصنف حيث لم يذكر ذلك في شروطه.
وَلَوْ عَلِمَ الإِمَامُ قَوْمًا يُخِيْفُونَ الطَّرِيْقَ وَلَمْ يَأْخُذواْ مَالًا وَلاَ نَفْسًا عَزَّرَهُمْ بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ، لأنهم تعرضوا للدخول في معصية عظيمة فصار كَالتَّعَرُّض لِلزِّنَا بالقُبْلَةِ.
فَصْلٌ: وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ! قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ فَيُسْرَاهُ وَيُمْنَاهُ، للآية السالفة وهي وإن اقتضى ظاهرها التخييرُ؛ فالمراد بها الترتيب عندنا اقتداءً بابن عباس وغيره (٢٦٤)، واحترز بـ (النصاب) عما دونه فإنه لا قطع على الأصح كالسرقة.
فَرْعٌ: لا قطعَ مع الشبهةِ.
وَإِن قَتَلَ، أي عمدًا عدوانًا من يكافئه وهو معصوم لأجل أخذ المال، قُتِلَ حَتْمًا، لقول ابن عباس وغيره في تفسير الآية السَّالفة إذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصْلَبُواْ، ومعنى الانحتام أن لا يسقط بعفو الولي ولا بعفو السلطان، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالاً قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ، لقول ابن عباس وغيره في تفسير الآية السالفة: [إِذَا قَتَلُواْ وَأخَذُواْ الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُواْ] (٢٦٥) وإنما صُلِبَ بعد قتله، لأنَّ في صَلْبِهِ قَبْلَهُ زيادةُ تعذيبٍ وهو
стр. 1628
منهيٌّ عنه، ولو مات قبل صلبه لم يصلب على الأصح لأنه تابع، ثَلاَثًا، ليشتهر الحال ويتم النكال، ثُمَّ يُنَزَّلُ، اكتفاءً بما حصل من النكال، وَقِيْلَ: يُبْقَى حَتَّى يَسِيْلَ صَدِيدُهُ، تغليظًا عليه، وَفِي قَوْلٍ: يُصلَبُ قَلِيْلاً ثُمَّ يُنَزَّلُ فَيُقْتَلُ، لأن الصَّلْبَ شُرِّعَ عقوبةٌ له فيقام عليه وهو حي، وَمَنْ أَعَانَهُم وَكَثَّرَ جَمعَهُمْ عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتَغْرِيْبٍ وَغَيْرِهِمَا، كسائر المعاصي، ولا حدَّ كما لا حدَّ في مقدمات الزنا، وَقِيْلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيْبُ إِلَى حَيْثُ يَرَاهُ، لأن النفي في الآية عقوبة مقصودة، وأجاب الأول بأن معنى نفيهم من الأرض: أنهم إذا هربوا من حبس الإمام طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدُّ أو التعزير.
فَصْلٌ: وَقَتْلُ القَاطِعِ يُغَلَّبُ فِيْهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ، لأنه قتل في مقابلة قتل، وَفِي قَوْلٍ: الْحَدُّ، لأنه لا يصح العفو عنه ويتعلق استيفاؤه بالسلطان لا بالولي، ولا شك أن كلا منهما موجود فيه وَالْمُغَلَّبُ الأول على الأصح (•)، فعَلَى الأَوَّلِ: لاَ يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ وَذِمِّيِّ، أي وكذا بعبد لانتفاء المكافأة، وعلى الثاني: نعم، وَلَوْ مَاتَ فَدِيَةٌ، أي من تركته، وعلى الثاني: لا دية.
وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا قُتِلَ بِوَاحِدٍ وَلِلْبَاقِيْنَ دِيَاتٌ، كما في القصاص، وعلى الثاني: لا دية، وَلَو عَفَى وَلِيُّهُ بِمَالٍ وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ ويُقْتَلُ حَدًّا، كمرتد استوجب القصاص، وعُفي عنه، وإن فرعنا على الثاني فالعفو لغوٌ.
وَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ، كما في القصاص، وإن فرعنا على الثاني فيقتل بالسيف كالمرتد.
وَلَوْ جَرَحَ فَانْدَمَلَ لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ في الأَظْهَرِ، لأن التحتم تغليظ لحق الله تعالى فاختص بالنفس كالكفارة. والثاني: نَعَمْ، كما يَتَحَتَّمُ القتل عند القتل؛ والثالث: يَتَحَتَّمُ في اليدين والرجلين، لأنهما مما يستحقان في المحاربة دون الأنف
стр. 1629
والأذن والعين وغيرهم، واحترز بقوله (فَانْدَمَلَ) عما إذا سرى إلى النفس وقد سلف حكمه، ولو كان الجرح مما لا قصاص فيه كالجائفة؛ فالواجب المال فقط فلا قتل، فمحل الخلاف فِى الكتاب بما إذا كان فيه قصاص كقطع اليد مثلاً، ولا خلاف أنه يقابل بمثل ما فعل، وإنما الخلاف في تحتم القصاص في الجراحة.
وَتَسْقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِهِ قَبلَ الْقُدْرَةِ علَيْهِ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ... ﴾ الآية (٢٦٦)، لاَ بَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، لمفهوم الآية المذكورة، وقيل: قولان كالقولين في سقوط حد الزاني والشارب والسارق بالتوبة، وَلاَ تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ بِهَا، أي كحدِّ الزنا والسرقة والشرب في حق غير قاطع الطريق، وفي حقه قبل القدرة وبعدها، فِي الأَظْهَرِ، لأن العمومات الواردة فيها لم تفصل بين ما قبل القدرة وما بعدها بخلاف قاطع الطريق، والثاني: تسقط بها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (٢٦٧) وقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (٢٦٨) وَقِيْسَ حدُّ الشرب عليهما بل أَوْلى لأنه أخفُّ، وصححه جماعة وجزم به صاحب الاستقصاء فيما إذا زَنَى الْمُحَارِبُ أو سرقَ أو شربَ ثم تاب قبل القدرة عليه.
فَصْلٌ: مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ؛ وَقَطْعٌ؛ وَحَدٌّ قَذْفٍ؛ وَطَالَبُوهُ! جُلِدَ؛ ثُمَّ قُطِعَ؛ ثُمَّ قُتِلَ، إذ هو أقرب إلى استيفاء الْكُلِّ، ويُبَادَرُ بِقَتْلِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ لاَ قَطْعِهِ بَعْدَ جَلْدِهِ إِنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِهِ، لأنه قد يهلك بالموالاة فيفوت قصاص النفس وتذهب النفس هدرًا، وَكَذَا إِنْ حَضَرَ وَقَالَ: عَجِّلُواْ الْقَطْعَ في الأَصَحِّ، خوفًا من هلاكه بالموالاة، والثاني: يبادر؛ لأن التأخير كان لحقه وقد رضي بالتقديم، وِإذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّهُ جُلِدَ فَإذَا بَرِئَ قُطِعَ، أي ولا يقطع قبل البرء خشية أن يفوت قصاص النفس.
وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ طَرَفٍ جُلِدَ، أي ويتعذرُ القتل لِحَقِّ مستحقِّ الطرف، وَعَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الطَّرَفَ، لئلا يفوت حقه، فَإِنْ بَادَرَ فَقَتَلَ
стр. 1630
فَلِمُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ دِيَةٌ، لأنه فات عليه، ومستحق النفس استوفى حقه.
وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الْجَلْدِ حَقَّهُ فَالْقِيَاسُ صَبْرُ الآخَرِيْنَ، لئلا يفوت بفعلهما حقه، وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ للهِ تَعَالَى، أي بأن شَرِبَ وَزَنَا وهو بكرٌ وسَرَقَ ولزمهُ قتل بِرِدَّةٍ، قُدَّمَ الأخَفُّ فَالأخفُّ، أي وجوبًا سعيًا في إقامة الجميع، وأخفها حد الشرب فيقام؛ ثم يمهّل حتى يبرأ؛ ثم يجلد للزنا ويمهل؛ ثم يقطع فإذا لم يبق إلاّ القتل، قتل ولا يُمْهَلُ، أَوْ عُقُوبَاتٌ للهِ تَعَالَى وَلآدَمِيِّيْنَ، أي بأن انضم إلى هذه العقوبات حَدُّ قذفٍ، قُدِّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنَا، كذا نص عليه، واختلفوا لِمَ قُدِّمَ! فالأصح: لأنه حَقُّ آدميِّ، وقيل: لأنه أخف، وَالأَصَحُّ: تَقْدِيْمُهُ عَلَى حَدِّ شُرْبٍ، لأنه حق آدمي، والثاني: عكسه؛ لأنه أخف، وَأنَّ الْقِصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزِّنَا، وهذا بناء على المعنيين أيضًا.
فَرْعٌ: لو اجتمع مع الحدود التعزير، قال الماوردي: قُدِّمَ عليها كلها لِخِفَّتِهِ؛ ولأنه حقٌّ آدمي.
كَثِيْرُهُ] رواه النسائي بإسناد صحيح (٢٧٢)، وفي الصحيحين: [كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ] (٢٧٣).
وَحُدَّ شَارِبُهُ، أي وإن لم يُسْكِر لقوله ﵊: [مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ] الحديث رواه أحمد والحاكم (٢٧٤)، إِلّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا، لرفع القلم عنهما، وَحَرْبِيًّا، لعدم الالتزام، وَذِمِّيًّا، لأنه لا يعتقد تحريمه؛ وكذا المعاهد، وَمُوْجَرًا، أي قهرًا لعدم تكليفه إذ ذاك، وَكَذَا مُكْرَهٌ عَلَى شُرْبِهِ عَلَى المَذْهَبِ، لقوله ﷺ : [وُضِعَ عَنْ أمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُواْ عَلَيْهِ] (٢٧٥)، وقيل: وجهان.
وَمَنْ جَهِلَ كَونُهَا خَمْرًا، أي بأن شرب خمرًا وهو يظنها شرابًا لا يسكر، لَمْ يُحَدَّ، للعذر القائم، وَلَوْ قَرُبَ إِسلاَمُهُ فَقَالَ: جَهلْتُ تَحْرِيْمَهَا لَمْ يُحَدَّ، لما ذكرناه، أَوْ جَهِلْتُ الْحَدَّ؛ حُدَّ، لأنه إذا علم التحريم فحقُّه أن يمتنع.
وَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ خَمْرٍ، أي وهو ما تَبَقَّى في آخر الإناء الذي فيه الخمر، لاَ بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيْقُهُ بِهَا، وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيْهِ، لاستهلاكها، وَكَذَا حُقْنَةٍ؛ وَسعُوطٍ فِي الأَصَحِّ، لأن الحدَّ للزجر فلا حاجة إلى الزجر فيه، والثاني: يُحدُّ كما يحصل
стр. 1633
الإفطار، والثالث: يُحَدُّ في الثاني دون الأول، وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ أَسَاغَهَا، أي وجوبًا، بِخَمْرٍ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، إنقاذًا للنفس من الهلاك؛ والسلامة بذلك قطعية؛ بخلاف التداوي وشربها للعطش، وقوله (غَصَّ) هو بفتح الغين كما ضبطِّهِ بخطه في الأصل، وقال في تهذيبه: إنه الأجوَد، وَالأصَحُّ: تَحْرِيْمُهَا لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ، لعموم النَّهْيِّ؛ ولأنها داء وليست دواء كما أخرجه مسلم (٢٧٦)؛ ولأن بعضها يدعو إلى بعض؛ وهذا هو المنصوص أيضًا، والثاني: لا، كما يجوز التداوي بالنجاسات، والثالث: يجوز للتداوي دون العطش، والرابع: عَكْسُهُ، والخامس: يجوز للتداوي ويجوز للعطش، إلاّ أن تكون عتيقةً؛ والاضطرار لشربها لدفع الجوع كَهُوَ لدفع العطش؛ ثم الخلاف في التداوي مخصوص بالقليل الذي لا يسكر، ويشترط خبر طبيبٍ مُسلِمٍ أو معرفة المتداوي إن عرف؛ وأن لا يجد ما يقوم مقامه، وإنما يحرم التداوى بصرفها، فأما التِّرْيَاقُ المعجونُ بها فإنه جائز قطعًا.
فَرْعٌ: الْمُخْتَارُ أنه لا حدَّ على المتداوي؛ وإنما حكمنا بالتحريم لشبهة الخلاف، وأما شربُها للعطش فإنْ جَوَّزْنَاهُ؟ فلا حدَّ؛ وإلَّا فكالتداوي.
فَصْلٌ: وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ، للاتباع (٢٧٧)، وَرَقِيْقٍ عِشْرُونَ، لأنه حَدٌّ يُبَعَّضُ، فبنصفٍ على العبد كحد الزنا؛ وهل المبعض كالرقيق أو كالحر؟ فيه نظر! بِسَوْطٍ؛ أَوْ يَدٍ؛ أو نِعَالٍ؛ أَو أَطْرَافِ ثِيَابٍ، لأنه ﵊ [كَانَ يَضْرِبُ
стр. 1634
بِالْجَرِيْدِ وَالنِّعَالِ] متفق عليه (٢٧٨) وفي البخاري: أنَّهُ ﵊ [أُتِيَ بِسَكْرَانٍ؛ فَأَمَرَ بضَرْبِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بنَعْلِهِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِثَوْبِهِ] (٢٧٩)، وَقِيْلَ: يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ، لإجماع الصحابة على الضَّرْبِ بهِ (٢٨٠)، وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِيْنَ جَازَ في الأَصَحِّ، اقتداءً بعمر، وروى مرفوعًا أيضًا (٢٨١)، والثاني: لا تَجُوْزُ الزيادة، لرجوع عليٍّ ﵁ إلى أربعين (٢٨٢)، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيْرَاتٌ،
стр. 1635
لأنها لو كانت حدًا لم يجز تركها؛ وتركها جائز، وَقِيْلَ: حَدٌّ، لأن التعزير لا يكون إلاّ على جناية محققة.
فَصْلٌ: وَيُحَدُّ بِإقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أي ولا يحد بغيرهما، كما لو علمنا شربه الْمُسْكِرِ، بأن رأيناه شرب من شراب في إناء شرب منه غيره فَسَكَرَ، لاَ بِرِيْحِ خَمْرٍ؛ وَسُكْرٍ؛ وَقَيْءٍ، لاحتمال أن يكون شرب غالطًا أو مكرهًا، وَيَكْفِي في إِقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ شَرِبَ خَمْرًا، أي ولا يحتاج أن يقول هو مختار عالم به؛ لأن الأصل عدم الإكراه، وَقِيْلَ: يُشْتَرَطُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ، لاحتمال الجهل والإكراه، وَلاَ يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ، لأن المقصود منه الردع والزجر، وهو لا يرتدع ولا ينزجر، فلو فعل؛ ففي الاعتداد به وجهان حكاهما القاضي حسين، ونقل أبُو حَيَّانَ التَّوْحِيْدِيِّ من أصحابنا عن القاضي أبي حامد المروزي: أنه لا خلاف أن يقع الموقع.
وَسَوْطُ الْحُدُودِ بَيْنَ قَضِيْبٍ؛ وَعَصًا؛ وَرَطْبٍ؛ وَيَابِسٍ، لأنه ﵊، (أُتِىَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ؛ فَقَالَ: [فَوْقَ هَذَا] وَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيْدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ! فَقَالَ: [دُونَ هَذَا] فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِّبَ بِهِ وَلاَنَ فَأمَرَ بِهِ فَجُلِدَ)، رواه مالك مرسلًا وروى موصولًا أيضًا (٢٨٣)، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الأَعْضَاءِ، لِئَلاَّ يَعْظُمَ أَلَمُهُ
стр. 1636
بالموالاة في موضع واحد (٢٨٤)، إلاَّ الْمَقَاتِلَ، أى كثغرة النحر والفرج ونحوهما، لأن القصدَ الردعُ دونَ القتلِ (٢٨٥)، وَالْوَجْهَ، للنهي عنه (٢٨٦)، قِيْلَ: وَالرَّأْسَ، لشرفها، والأصح: المنع، لأنه مُغَطَّى بالشعر فلا يخاف تشويهه، وَلاَ تُشَدُّ يَدُهُ، بل يتركه ليتقي بها (٢٨٧). وَلاَ تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ، للنهي عنه في الأثر وإن ضعف إسناده (٢٨٨)، ويُوَالَى الضَّرْبُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتَنْكِيْلٌ، أى ولا يجوز أن يُفَرَّقَ فيضربُ كُلَّ يوم سوطًا أو سوطين، لأنه لا يحصل له تنكيل ولا إيلام.
فَصْلٌ: يُعَزَّرُ في كُلِّ مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ لَهَا وَلاَ كَفَّارَةَ، بالإجماع، ويستثنى ما فيه كفارة المجامع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير معها، كما نقله البغوي في شرح
стр. 1637
السنة عن إجماع الأمة وغير ذلك مما أوضحته في الأصل فراجعه منه، ونقل ابن القطان في شرح العمدة: أن بعض أصحابنا حكى وجهين في وجوب التعزير على من جَامَع في نهار رمضان وعلى المظاهر والقاتل، وإن الأرجح الوجوب لأنه حق لله تعالى؛ قال: وذكر بعضُ أصحابنا أن من جامع امرأته حائضًا؛ وقُلْنَا بوجوب الكفارة، عزر بلا خلاف. وفي القواعد الصُّغرى للشيخ عز الدين: أَنَّ مَنْ زَنَا بِأُمِّهِ في جَوْفِ الْكَعْبَةِ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ؟ أَثِمَ سِتَّةَ آثَامٍ؛ ويلزمُهُ العتق؛ والبَدَنَةُ؛ ويُحَدُّ لِلزِّنَا؛ ويُعَزَّرُ لقطعِ رَحِمِهِ، ولاِنْتِهَاكِ حُرْمَةِ الكعبةِ، وفي جامع السير من الشامل عن النَّصِّ: أنه إذا كتب بعض المسلمين إلى المشركين يخبر الإمام أنه يُعزَّرُ؛ إنْ لم يكن من ذَوِي الْهَيْئَاتِ؟ فإن كان منهم! عُذِرَ ولم يُعزرْ! لحديثْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (٢٨٩)، وقد اجتمع الحد والتعزير فيما إذا بلغ حد الشرب ثمانين
стр. 1638
على الصحيح كما سلف قريبًا، بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أوْ صَفْعٍ أوْ تَوْبِيْخٍ، قال الماوردي: وكذا إعراض، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ في جنْسِهِ وَقَدْرِهِ، لأنه غير مُقَدَّرٍ فَوُكِّلَ إلى رأيه، وَقِيْلَ: إِن تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ لَمْ يَكْفِ تَوْبِيْخٌ، لتأكد حق الآدمي، والأصح: الاكتفاء كما في حق الله تعالى، فَإِنْ جُلِدَ وَجَبَ أَن يَنْقُصَ في عَبْدٍ عَنْ عِشْرِيْنَ جَلْدَةً، وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِيْنَ، لأن جنايته دون جناية الحُرِّ، وَقِيْلَ: عِشْرِيْنَ، لأن العشرين حد العبد، فهو داخل في المنع فى قوله ﵊: [مَنْ بَلَغَ حَدًا في غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِيْنَ] رواه البيهقي وقال: المحفوظ إرساله (٢٩٠)، وفي وجه ثالث: لا يزاد في تعزيرهما على عشرة؛ للحديث الصحيح فيه؛ لكن أجيب بنسخه وتأويله (٢٩١).
وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيْعُ الْمَعَاصِي في الأَصَحِّ، أى ويلحق ما هو من مقدمات موجبات الحدود بما ليس من مقدماتها، والثاني: لا، بل نقيس كل معصية بما يناسبها مما يوجب الحد، فلا يبلغَ بتعزيرِ مقدِّمَاتِ الزِّنَا حَدَّ الزنا، وله أن يزيد على حدِّ القذفِ؛ ولا يبلغ بتعزير السَّبِّ حَدَّ القذفِ، وله أن يزيدَ على حدِّ الشُّرْبِ، وقرب هذا من قولنا إن حكومة الجناية الواردة على عضو معتبر بأرش ذلك العضو.
وَلَوْ عَفَى مُسْتَحِقُّ حَدٍّ فَلاَ تَعْزِيْرَ لِلإِمَامِ في الأَصَحِّ (٢٩٢)، أوْ تَعْزِيْرٍ فَلَهُ فِي
стр. 1639
الأَصَحِّ، لأن الحد مقدَّر لا نظرَ للإمام فيه، وإذا أسقطه لم يعدل إلى غيره، والتعزير يتعلق أصله بنظره، فلم يؤثر فيه إسقاط غيره، والثاني: له ذلك قطعًا، لأن فيه حقًا لله تعالى، ويحتاج إلى زجره وزجر غيره عن مثل ذلك، والثالث: لا مطلقًا، لأن مستحقه أسقطه (٢٩٣).
خَاتِمَةٌ: صحَّ عن رسول الله ﷺ التعزير بمثل فعل المعتدي به إذا لم يكن محرمًا، وهو قولُ عائشةَ: لَدَدْنَا رَسُولَ الله ﷺ فِي مَرَضِهِ فَأشَارَ أَنْ لاَ تَلُدُّونِي! فَقُلْنَا كَرَاهَةَ الْمَرَضِ؛ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: [لاَ يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلاَّ لُدَّ غَيْرُ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ] وهذا لم يذكره أصحابنا إلاّ أن المصنف أعني النووي في شرحه لمسلم فسَّر به الحديث (٢٩٤)، وَاللُّدُودُ مَا صُبَّ تَحْتَ اللِّسَانِ، وَقِيْلَ: مَا صُبَّ في جَانِبِ الْفَمِ، ذكره القاضي عيّاض في تنبيهاته.
стр. 1640
كِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِ
افْتَتَحَهُ في الْمُحَرَّرِ بِقَوْلِهِ ﵊: [أُنْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا] الْحَدِيْثُ (٢٩٥) وَهُوَ فِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيْثِ أنَسَ ﵁ وَاسْتُؤْنِسَ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية (٢٩٦).
لَهُ دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ عَلَى نَفْسٍ, لقوله ﵊: [مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ] صححه الترمذي (٢٩٧)، وهذا إذا لم يجد ملجأ، فإن وجده كحصن يغلقه عليه؛ أو هرب، فالأصح: وجوب الهرب، كما سيأتي؛ لأنه ضَرْبٌ من الدفع، أَوْ طَرَفٍ، كالنفس، أَوْ بُضْعٍ، لأنه محترم، أوْ مَالٍ، وإن قلَّ كدرهم لقوله عَلَيْهِ
стр. 1641
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ] متفق عليه (٢٩٨)، فَإِنْ قَتَلَهُ فَلاَ ضَمَانَ، لتعديه، وَلاَ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ، أي إذا لم يكن ذا روح، لأن إباحة المال للغير جائزة، أما الحيوان فكالنفس ما لم يخش على نفسه لحرمته، وَيَجِبُ عَنْ بُضْعٍ، لتحريم إباحة ذلك، لأنه حقُّ غيره، وليس له أن يجود بحق غيره، وشرطه أن لا يخاف على نفسه، وَكَذَا نَفْسٍ قَصَدَهَا كَافِرٌ، لأن الاستسلام له ذلٌّ في الدِيْنِ، أَوْ بَهِيْمَةٌ، لأنها مذبوحة لاستيفاء المهجة؛ فكيف يؤثرها ويستسلم لها! لاَ مُسْلِمٌ في الأظْهَرِ، لقوله ﵊: [كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ] صحَّحَهُ ابن حبان (٢٩٩)، والثاني: يجبُ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣٠٠) قال القاضي أبُو الطيب: وبهذا قال سائر الأصحاب وأنه المشهور، وقال القاضي: إن أمكن دفعه بغير قتله وجب؛ وإلاّ فلا. وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نَفْسِهِ، أي فيجبُ حيثُ يجبُ؛ ولا يجبُ حيثُ لا يجبُ، وَقِيْلَ: يَجِبُ قَطْعًا، لأن له الايثار لحق نفسه دون غيره، وقيل: لا يجب قطعًا، ونسبه الإمام إلى معظم الأصوليين، لأن شهر السلاح يحرك الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفة الإمام. وَاعْلَمْ: أن محل القول بالوجوب ما إذا لم يخف على نفسه؛ كما جزم به الرافعي هنا؛ وإن كان كلامه في السير يقتضي جريانه عند الخوف أيضًا. وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عنْهُ إِلاَّ
стр. 1642
بِكَسْرِهَا ضَمِنَهَا فِي الأَصَحِّ، لأنه لا قصد لها ولا اختيار بخلاف البهيمة، والثاني: لا، تنزيلًا لها منزلة البهيمة.
فَصْلٌ: وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بِالأَخَفِّ، فَإِن أَمْكَنَ بِكَلاَمٍ وَاسْتِغَاثَةٍ حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ بِضَرْبٍ بِيَدٍ؛ حَرُمَ سَوْطٌ، أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ عَصًا، أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ حَرُمَ قَتْلٌ، لأنَّهُ جُوِّزَ للضرورة؛ ولا ضرورة في الأصعب مع إمكان السهل؛ قال الماوردي: وهذا التدريج عن غير الفاحشة، أما إذا رآه قد أولج في أهله فليعجل الدفع بالأعلى؛ فيجوز أن يبدأ القتل، وفي هذا القتل وجهان أحدهما: قتل دفع، والثاني: قتل حدٍّ.
فَرْعٌ: لو كان الصائل يندفع بالسوط والعصي، ولم يجد المصول عليه إلاّ سيفًا أو سكينًا؛ فالصحيح أنه له الضرب؛ لأنه لا يمكنه الدفع إلاّ به.
تَنْبِيْهٌ: قال الغزالي في الإحياء: إن قيل إذا قصد إنسان قطع طرف؛ وكان لا يمتنع عنه؛ إلاّ بقتال ربما يؤدي إلى قتل، هل يقاتل عليه؟ فإن قلتم: نعم! فهو محال؛ لأنه هلاك نفس خوفًا من إهلاك طرفٍ في إهلاكها إهلاكه أيضًا، قلنا: يمنعه، ويقاتله، إذ ليس الغرض حفظ طرفه، بل حفظ سبيل المنكرات.
فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ، وَتَحْرِيْمُ قِتَالٍ، لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون والهرب أهون، والثاني: لا يجب، لأن إقامته في ذلك الموضع جائزة، ولا يكلف الانصراف؛ هذه الطريقة الصحيحة، والثانية: حمل نص الهرب على من يتيقن النجاة بالهرب، والآخر على من لم يتيقن.
وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ خَلَّصَهَا بِالأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لِحْيَيْهِ وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ؛ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ، أي فسقطت وهو بالنون قبل الدال، فَهَدْرٌ، لأن النفس لا تضمن في الدفع، وكذا الأطراف، وللحديث الصحيح فيه أيضًا (٣٠١)، وسواء كان
стр. 1643
العاضُّ ظالمًا أو مظلومًا، لأن العضَّ لا يجوز بحال.
فَصْلٌ: وَمَنْ نُظَرَ إِلَى حُرَمِهِ في دَارِهِ مِنْ كَوَّةٍ، أي بفتح الكاف وضمها، أَوْ ثَقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيْفٍ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ، أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ فَهَدْرٌ، للحديث الصحيح فيه (٣٠٢) وخرج بالعمد! ما إذا كان مخطئًا، أو وقع بصره اتفاقًا؛ وعلم صاحب الدار الحالَ، فإنه لا يرميه؛ وخرج بالخفيف ما إذا رماه بثقيل أو رشقه بنشاب فإنه يتعلق به القصاص، والدية والسمع في ذلك ليس كالبصر، وحكم النظر من سطح نفسه، والمؤذن من المنارة كَالثُّقْبَةِ على الأصح، إذ لا تفريط من صاحب الدار، بِشَرْطِ عَدَمِ مَحْرَمٍ وَزَوْجَةٍ لِلنَّاظِرِ، أي فإن كان ذلك لم يجز رميه، لأن له في النظر شبهة، ولو كان الناظر مَحْرِمًا لِحُرَمِ صاحب الدار، فلا يرمي إلّا أن تكون متجردة، إذ ليس للمحرم النظر إلى ما بين السرة والركبة، ولو لم يكن في الدار حرم، بل فيها المالك وحده فإن كان مكشوف العورة فله الرمي، ولا ضمان! وإلاّ فوجهان؛ أصحهما: لا يجوز رميه، قِيْلَ: وَاسْتِتَارِ الْحُرَمِ، أي قيل: يشترط في جواز الرمي عدم استتار الحُرم، فإن كُنَّ مستترات، فلا يجوز قصد عينه؛ لعدم الاطلاع على شيء. والأصح: عدم اشتراط ذلك، لأن الحُرم في الدار لا يدرى متى يستترن وينكشفن فينحسم باب النظر، قِيْلَ: وَإِنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ، جريًا على قياس الدفع بالأهون فالأهون، والأصح أنه يجوز رميه قبل الإنذار! لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
стр. 1644
وَالسَّلاَمُ [كان يُخَاتِلُ النَّاظِرَ لِيَرْمِيَ عَيْنَهُ بِالْمِدْرَى] متفق عليه (٣٠٣)، وهذا مخالف للتدريج في دفع الصائل.
فَصْلٌ: وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَوَالٍ وَزَوْجٌ وَمُعَلّمٌ فَمَضْمُون، لأنَّهُ تبين بالهلاك، أنه جاوز الحد المشروع، نعم: لو كان مملوكًا فضربه بإذن السيد، قال البغوي: لا ضمان، لأنه لو أذن له في قتلِهِ فقتلَهُ لم يضمنه، وَلَوْ حُدَّ مُقَدَّرًا فَلاَ ضَمَانَ، لأن الحق قتله، وسواء جَلَدَهُ في حَرٍّ أو في بَردٍ، أو في غيرهما، كما تقدم في آخر حدِّ الزنا، وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٍ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيْحِ، كسائر الحدود، والثاني: نعم، بناء على أنه لا يجوز أن يحد كذلك، وَكَذَا أرْبعُونَ سَوْطًا عَلَى الْمَشْهُورِ، كسائر الحدود، والثاني: أنه يضمن، لأن تقديره بالأربعين كان بالاجتهاد، كذا علله الرافعي وهو غريب؛ ففي الصحيح: أنه ﵊ [جَلَدَ فِي الْخَمْرِ أَرْبعِيْنَ] (٣٠٤)، أَوْ أَكْثَرَ، أي بأن ضربه إحدى وأربعين مثلاً، وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، إذ هو الزائد على الحد، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُ دِيَةٍ، لأنه مات من مضمون؛ وغير مضمون. وفي قول ثالث: يجب جميعه، وَيجْرِيَانِ في قَاذِفٍ جُلِدَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ، أي ففي قول يجب نصف دية. والأظهر جزء من إحدى وثمانين جزءً منها.
فَصْلٌ: وَلمُسْتَقِلٍّ، أي بأمر نفسه، قَطْعُ سِلْعَةٍ، إِزَالَةً لِلشَّيْنِ وهي؛ بكسر السين؛ خراج كالغُدد بين اللحم والجلد، إِلاَّ مَخُوفَةً لاَ خَطَرَ في تَرْكِهَا، أوِ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا أَكْثَرُ، أي فإن كان الخطر في الإبقاء أكثر؛ فله القطع لرجاء زيادة السلامة
стр. 1645
فيه، وإن تعادل الجانبان وتساوى خطر القطع والترك، فالأصح جواز القطع؛ إذ لا معنى للمنع فيما لا خطر فيه.
فَرْعٌ: لو تآكل بعض الأعضاء فهو كسِلعة يخاف منها.
ولأبٍ وَجَدٍّ قَطعُهَا، يعني السلِعة، وكذا اليد المتآكلة، مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ إِنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ لاَ لِسُلْطَانٍ، لأن القطع يحتاج إلى نظر دقيق وفراغ تام وشفقة كاملة؛ كما أن للأب والجد تزويج البكر الصغيرة دون السلطان، قال الإمام: وقد ذكرنا عند استواء الطرفين في الخوف خلافًا في أن المستقل هل له القطع من نفسه؟ والأصح والحالة هذه: أنه لا يقطع من طفله، وَلَهُ، أي وللوليّ، وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا، يعني السِلعة، بِلاَ خَطَرٍ، وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، لأنهما يليان ماله ويصونانه عن أن يضيع فصيانة بدنه أولى، وليس للأجنبي المعالجة ولا القطع الخطر بحال، ولو فعل فسرى إلى نفسه ومات به تعلق بفعله القصاص والضمان، وقوله (وَلَهُ) أي وللوليِّ وهو الأب والجد كما قررته، ولو قال: ولهما ولسلطان لكان أوضح، فَلَوْ مَاتَ بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا، أي كالفصد والحجامة وقطع السِلعة إذا أفضى إلى الهلاك كما مثله في الْمُحَرَّرِ، فَلاَ ضَمَانَ في الأَصَحِّ، لِئَلَّا يمنع من ذلك فيتضرر الصغير، والثاني أنه يجب كما يجب في التعزير إذا أفضى إلى التلف.
وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ؛ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ في مَالِهِ، لتعديه، وَمَا وَجَبَ بِخَطَإِ إِمَامٍ في حَدٍّ أَوْ حُكْمٍ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، كغيره، وَفِي قَوْلٍ: في بَيْتِ الْمَالِ، لأن خطأه يكثر، فلو أوجبناه على عاقلته لأجحف بهم، فكان بيت المال أحق به، فإنه لزمه بالحكم بين المسلمين. ومحل الخلاف فيما إذا لم يظهر منه تقصير، فإن ظهر! فلا خلاف أن ما يلزمه لا يضرب على بيت المال.
فَرْعٌ: عَمْدُ خَطَئِهِ كَخَطَئِهِ.
وَلَوْ حَدَّهُ بشَاهِدَيْنِ فَبَانَا عَبْدَيْنِ؛ أوْ ذِمِّيَّيْنِ؛ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، أي ولا يتعلق ببيت المال ولا بالعاقلة أيضًا إن تَعَمَّدَ، قال
стр. 1646
الإمام: والأظهر وجوب القصاص، وَإِلاَّ، أي وإن لم يقصّر في اختبارهما بل بحث وبذل وَسْعَهُ، فَالْقَوْلاَنِ، أي في أن الضمان على عاقلته أو في بيت المال وقد تقدم توجيههما، فَإِنْ ضَمَّنَّا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ فَلاَ رُجُوعَ عَلَى الذِّمِّيَّيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ فِي الأَصَحِّ، لأنهما يزعمان أنهما صادقان ولم يوجد منهما تعدٍّ فيما أتيا به. وقد ينسب القاضي إلى تقصير في البحث، والثاني: نعم، لأنهما غرّا القاضي، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال.
وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذن لَمْ يَضْمَنْ، أي ما تَوَلَّدَ لأنّا لو ضمنّاهما لأحجما عنهما، وَقَتْلُ جَلاَّدٍ وَضَرْبُهُ بِأَذْنِ الإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الإِمَامِ إِنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ، أي ويتعلق القصاص والضمان بالإمام دونه، لأنه آلته. ولو ضَمَنَّاهُما لم يتولَّ الجلدَ أحدٌ، وَإِلاَّ، أيْ وَإِنْ عُلِمَ ظُلْمُ الإمَامِ وَخَطَأُهُ، فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلاَدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِكْرَاهٌ، من جهة الإمام، لأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْحَالَ لَزِمَهُ الاِمْتِنَاعُ، أمَّا إِذَا أَكْرَهَهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
فَصْلٌ: وَيَجِبُ خِتَانُ اْلْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمَةِ بِأَعْلَى الْفَرْج، وَالرَّجُلُ بقَطْعِ مَا يُغَطّي حَشَفَتَهُ، أما الوجوب فاستدلوا له بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٣٠٥) وكان من مِلَّتِهِ الختان، قال البيهقي: هذا أحسنُ ما يحتجّ به (٣٠٦)، قال الخطابي: وكان واجبًا عليه، قُلْتُ: لكن نبيُّنا ﷺ وُلِدَ مختونًا وأول من
اختتن من النساء هاجر كما أن أول من اختتن من الرجال إبراهيم، والسرُّ فيه أنه لمّا بلى بالترويع بذبح ولده فأحب أن يجعل لكلِّ واحد ترويعًا بقطع عضو وإراقة دم، نص عليه في البويطي؛ ويبتلى أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم فتكون هذه الحالة مُظْهِرَةٌ للصبر والتسليم من الآباء والأولاد تأسيًا بإبراهيم عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، وأما الكيفية فكما ذكر المصنف؛ وقوله (بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمَةِ) كذا عبّر به الرافعي، وعبارة الماوردي: قَطْعُ جِلْدَةٍ مِن أَعْلاَهُ.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى يَحْرُمُ خِتَانُهُ عَلَى الأَصَحِّ.
بَعْدَ الْبُلُوغِ، لأنه وقت التكليف، وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ، أي في حق الطفل كما في الْمُحَّرَرِ، في سَابِعِهِ، للاتباع (٣٠٧)، ويكره قبله؛ جزم به في التحقيق؛ ونقله في شرح
стр. 1649
المهذب عن الماوردي، وقال عنه: هذا في الغلام والجارية وأقره، فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ، أي في السابع، أُخِّرَ، إلى أن يحتمله حتى قال الإمام لو كان الرجل ضعيفًا بحيث لو اختتن خيف عليه أخّر إلى أن يحتمله.
فَرْعٌ: الأكثر على أنه لا يحسب يوم الولادة من السبعة، وصحح الرافعي أنه يحسب.
وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لاَ يَحْتَمِلُهُ لَزِمَهُ قِصَاصٌ إِلَّا وَالِدًا، للبعضية، نعم: عليه الدية، فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَليٌّ فَلاَ ضَمَانَ في الأصَحِّ، لأنه لا بد منه، وفي التقديم نظر؛ وفائدة للصبي، لأن القطع والبدن غض رخص، والمقطوع قدر يسير أسهل عليه، والثاني: تلزمه، لأن الختان غير واجب في الحال، فأشبه قطع السِلعة، وخرج بالوليّ الأجنبي، قال البغوي فيه: يحتمل أن يبني على ختن الامام في الحر الشديد إن ضمناه، فكذلك هنا وإلا فلا، وقال السرخسي: ينبني على أن الجرح اليسير هل فيه قصاص؟ وفيه وجهان: إن قلنا: نعم فهو عمد، وإلا فشبه عمد، وَأُجْرَتُهُ، يعني الخاتن، في مَالِ الْمَخْتُونِ، لأنه لمصلحته.
فَائِدَةٌ: السُّنَّةُ في ختان الذكور إظهاره وفي ختان النساء إخفاؤء، وكذا رأيته في كتاب ابن الحاج المالكي ﵀ (٣٠٨).
فَصْلٌ: مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابٍّ ضَمِنَ إِتْلاَفَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا، لأنها تحت يده وتصرفه وعليه القيام بحفظها وتعهّدها، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيْقٍ فَتَلِفَ
стр. 1650
بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلاَ ضَمَانَ، لأن الطريق لا يخلو عنه والمنع من الطروق مما لا سبيل إليه، نعم، وَيَحْتَرِزُ، كما قال المصنف: عَمَّا لاَ يُعْتَادُ، كَرَكْضٍ شَدِيْدٍ في وَحْلٍ فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وما جزم به المصنف هنا من عدم الضمان خالفه في شرح المهذب والرافعي في محرمات الإحرام فأوحبا الضمان، وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أوْ بَهِيْمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَهُ، لوجود التلف بفعله، وَإِنْ دَخَلَ سُوْقًا فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ ضَمِنَ إِنْ كَانَ زِحَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ فَلاَ، أي إذا كان يستقبل البهيمة، لأن التقصير منه، إِلاَّ ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرَ الْبَهِيْمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيْهُهُ، أي فإن لم ينبههما فالضمان عليه لتقصيره، وَإِنَّمَا يَضْمَنُةُ، أي وإنما يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته، إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيْقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ فَلاَ، لأنه المضيع لِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ، للحديث الصحيح فيه كما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٣٠٩)، ولو جرت العادة في ناحية